ناجی بشر tag:http://najiyebashar.mihanblog.com 2019-09-19T07:00:32+01:00 mihanblog.com تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:55:19+01:00 2010-09-27T08:55:19+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/100 [ 197 ] و من كلام له ع ینبه فیه على فضیلته لقبول قوله و أمره و نهیه وَ لَقَدْ عَلِمَ اَلْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَى اَللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ بِنَفْسِی فِی اَلْمَوَاطِنِ اَلَّتِی تَنْكُصُ فِیهَا اَلْأَبْطَالُ وَ تَتَأَخَّرُ فِیهَا اَلْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِی اَللَّهُ بِهَا وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اَللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِی وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی كَفِّی فَأَمْرَرْتُهَ

[ 197 ] و من كلام له ع ینبه فیه على فضیلته لقبول قوله و أمره و نهیه

وَ لَقَدْ عَلِمَ اَلْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَى اَللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ بِنَفْسِی فِی اَلْمَوَاطِنِ اَلَّتِی تَنْكُصُ فِیهَا اَلْأَبْطَالُ وَ تَتَأَخَّرُ فِیهَا اَلْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِی اَللَّهُ بِهَا وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اَللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِی وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی كَفِّی فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِی وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ ص وَ اَلْمَلاَئِكَةُ أَعْوَانِی فَضَجَّتِ اَلدَّارُ وَ اَلْأَفْنِیَةُ مَلَأٌ یَهْبِطُ وَ مَلَأٌ یَعْرُجُ وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِی هَیْنَمَةٌ مِنْهُمْ یُصَلُّونَ عَلَیْهِ حَتَّى وَارَیْنَاهُ فِی ضَرِیحِهِ فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّی حَیّاً وَ مَیِّتاً فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ وَ لْتَصْدُقْ نِیَّاتُكُمْ فِی جِهَادِ عَدُوِّكُمْ فَوَالَّذِی لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّی لَعَلَى جَادَّةِ اَلْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ اَلْبَاطِلِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِی وَ لَكُمْ


و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و السادسة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله أنّی لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ ، و لقد واسیته بنفسی فی المواطن الّتی تنكص فیها الأبطال ، و تتأخّر فیها الأقدام ، نجدة أكرمنی اللّه بها ، و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و إنّ رأسه لعلى صدری ، و لقد سالت نفسه فی كفّی ، فأمررتها على وجهی ، و لقد ولّیت غسله صلّى اللّه علیه و آله و الملائكة أعوانی ، فضجّت الدّار و الأفنیة ، ملاء یهبط ، و ملاء یعرج ، و ما فارقت سمعی هینمة منهم ، یصلّون علیه حتّى و اریناه فی ضریحه ، فمن ذا أحقّ به منّی حیّا و میّتا ، فانفذوا

[ 214 ]

على بصآئركم ، و لتصدق نیّاتكم فی جهاد عدوّكم ، فو الّذی لا إله إلاّ هو إنّی لعلى جادّة الحقّ ، و إنّهم لعلى مزلّة الباطل ، أقول ما تسمعون ،

و أستغفر اللّه لی و لكم .

اللغة

( المستحفظون ) بصیغة المفعول من استحفظه الشی‏ء أى أودعه عنده و طلب منه أن یحفظه فهو مستحفظ و ذاك مستحفظ و ( واسیته ) من المواساة یقال واسیته و آسیته و بالهمزة أفصح و ( نكص ) عن الشی‏ء نكوصا من باب قعد أحجم عنه ،

و نكص على عقبیه رجع قال تعالى فلمّا ترائت الفئتان نكص على عقبیه » .

و ( النّجدة ) البأس و الشدّة و الشجاعة و ( النفس ) بسكون الفاء الدّم و بالتحریك واحد الأنفاس و ( فناء ) الدّار وزان كساء ما اتّسع أمامها أو ما امتدّ من جوانبها و الجمع أفنیة و فنى و ( الضجیج ) الصّیاح عند المكروه و الجزع و ( الهینمة ) بفتح الهاء الصّوت الخفىّ و قیل الكلام الخفىّ لا یفهم و ( الضّریح ) القبر أو الشقّ وسطه و الأول هو المراد هنا و ( المزلّة ) الموضع الذى تزلّ فیه قدم الانسان كالمزلفة

الاعراب

الواو فی قوله : و لقد فی المواضع الخمسة كلّها للقسم و المقسم به محذوف و اللاّم جواب القسم ، قوله : نجدة ، منصوب على المفعول له و العامل واسیته قال الشّارح المعتزلی : منصوب على المصدر و العامل محذوف و الأوّل أظهر .

و قوله : ملاء یهبط و ملاء یعرج ، مرفوعان بالابتداء و لا یضرّ كونهما : نكرتین لتضمّن الفایدة العظیمة ، و جملة و ما فارقت ، فی محلّ النصب على الحال من فاعل یهبط و یعرج ، و جملة یصلّون استینافیّة بیانیّة و تحتمل الانتصاب محلاّ على الحال

[ 215 ]

من هینمة أى ما فارقت سمعى هینمتهم حالكونهم یصلّون ، و الأوّل أولى لاحتیاج الثّانی إلى نوع تكلّف و قوله : حیّا و میّتا ، حالان من الضمیر المجرور فی به و الفاء فی قوله : فانفذوا ، فصیحة

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مسوقة لبیان جملة من مناقبة الجمیلة و خصایصه المختصّة به المفید لمزید اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قربه منه استدلالا بذلك على أنّه أحقّ و أولى بالخلافة و القیام مقامه صلّى اللّه علیه و آله و أنّه على الحقّ و غیره على الباطل ، و غرضه منه تنبیه المخاطبین على وجوب إطاعته فیما یأمرهم به من جهاد الأعداء المبطلین .

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّه ذكر خمسا من فضایله و صدّر كلا بالقسم البارّ تأكیدا للغرض المسوق له الكلام و تنبیها على أنّ اتّصافه بها جمیعا حقّ لا یعتریه ریب و لا یدانیه شكّ .

اولها ما أشار إلیه بقوله ( و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله انّى لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ ) المراد بالمستحفظون خیار الصحابة المطلعون على أسرار رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سیرته و معجزاته و كراماته و عهوده و مواثیقه و الملاحم الواقعة فی زمانه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و نحو ذلك ممّا یتعلّق به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فی نفسه و فی أوصیائه و أتباعه من الأمور المعظمة الّتی یهتمّ بها فی الشریعة و لها مدخل فی قوام أركان الدّین و إعلاء لواء الشرع المبین الذین كلّفوا بحفظ ذلك كلّه و امروا بأن یبلغوها و یؤدّوها فی مقام الضرورة و الحاجة .

و إنّما خصّ علم ما ذكره بهؤلاء مع عدم اختصاصه بهم لأنّ هؤلاء بمقتضى تصلّبهم فی الدّین لا یكتمون الشهادة و لا یغیّرونها و لا یبدّلونها فی مقام الحاجة للأغراض الدّنیویّة الفاسدة كما كتمها جمع منهم مثل زید بن أرقم و أنس بن مالك و نظرائهم .

]]>
ادامه تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:54:43+01:00 2010-09-27T08:54:43+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/99 [ 226 ] علیهم أضربهم یمینا و شمالا حتّى فرّوا فقال صلّى اللّه علیه و آله : أما تسمع مدیحك فی السّماء إنّ ملكا اسمه رضوان ینادى : لا سیف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علیّ ، فبكیت سرورا و حمدت اللّه على نعمته . قال : و قد ذكر أهل السّیر قتلى احد من المشركین و كان جمهورهم قتلی أمیر المؤمنین علیه السّلام و انصرف المشركون إلى مكّة و انصرف النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة فاستقبلته فاطمة و معها إناء فیه ماء فغسل به وجهه ، و لحقه أمیر المؤمنین علیه السّلام ، و قد خضب الدّم یده [ 226 ]

علیهم أضربهم یمینا و شمالا حتّى فرّوا فقال صلّى اللّه علیه و آله : أما تسمع مدیحك فی السّماء إنّ ملكا اسمه رضوان ینادى : لا سیف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علیّ ، فبكیت سرورا و حمدت اللّه على نعمته .

قال : و قد ذكر أهل السّیر قتلى احد من المشركین و كان جمهورهم قتلی أمیر المؤمنین علیه السّلام و انصرف المشركون إلى مكّة و انصرف النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة فاستقبلته فاطمة و معها إناء فیه ماء فغسل به وجهه ، و لحقه أمیر المؤمنین علیه السّلام ،

و قد خضب الدّم یده إلى كتفه و معه ذو الفقار ، فناوله فاطمة و قال : خذى هذا السّیف فقد صدقنى الیوم و قال علیه السّلام :

أفاطم هاك السّیف غیر ذمیم
فلست برعدید و لا بملیم
1
أمیطى دماء الكفر عنه فانّه
سقا آل عبد الدّار كاس حمیم

لعمرى لقد أعذرت فی نصر أحمد
و طاعة ربّ بالعباد علیم

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : خذیه یا فاطمة فقد أدّى بعلك ما علیه ، و قد قتل اللّه صنادید قریش بیده .

و منها غزوة الأحزاب المعروفة بغزاة خندق قال المفید فی الارشاد : و قد روى قیس بن الرّبیع قال : حدّثنا أبو هارون العبدى عن ربیعة السّعدى قال : أتیت حذیفة بن الیمان فقلت یا أبا عبد اللّه إنّا لنتحدّث عن علیّ علیه السّلام و مناقبه فیقول لنا أهل البصرة : إنّكم لتفرطون فی على علیه السّلام ، فهل أنت تحدّثنى بحدیث فیه قال حذیفة : یا ربیعة و ما تسألنى عن علىّ فو الذى نفسى بیده لو وضع جمیع أعمال أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی كفّة المیزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى یوم الناس هذا ، و وضع عمل علىّ علیه السّلام فی الكفّة الأخرى لرجح عمل علىّ علیه السّلام على جمیع أعمالهم ، فقال ربیعة : هذا الذى لا یقام و لا یقعد ، فقال حذیفة : یا لكع و كیف لا یحمل و أین كان أبو بكر و عمر و حذیفة و جمیع أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم عمرو بن عبدود و قد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا

-----------
( 1 ) الرعدید الجبان ، الملیم الذى یلائم على ما یصدر منه ، ك .

[ 227 ]

علیّا علیه السّلام ، فانّه برز إلیه و قتله اللّه على یده ، و الذى نفس حذیفة بیده لعمله ذلك الیوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى یوم القیامة قال فی كشف الغمّة : رأیت فی بعض الكتب أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال حین بارز علىّ عمرو بن عبدود : خرج الاسلام كلّه إلى الشرك كلّه .

قال : و روى أنّ عبد اللّه بن مسعود كان یقرء : و كفى اللّه المؤمنین القتال بعلىّ و كان اللّه قویّا عزیزا .

قال : و فی قتل عمرو یقول حسان بن ثابت :

أمسى الفتى عمرو بن عبد یبتغى
بجنوب یثرب غارة لم تنظر

فلقد وجدت سیوفنا مشهورة
و لقد وجدت جیادنا لم تقصر

و لقد رأیت غداة بدر عصبة
ضربوك ضربا غیر ضرب المحشر

أصبحت لا تدعى لیوم عظیمة
یا عمرو أو لجسیم أمر منكر

قال : و لمّا بلغ شعر حسان بنى عامر أجابه فتى منهم فقال یردّ علیه فخره :

كذبتم و بیت اللّه لا تقتلوننا
و لكن بسیف الهاشمیّین فافخروا

بسیف ابن عبد اللّه أحمد فی الوغا
بكفّ علىّ نلتم ذاك فاقصروا

فلم تقتلوا عمرو بن ودّ و لا ابنه
و لكنه الكفّ الجسور الغضنفر

علىّ الذى فی الفخر طال بناؤه
فلا تكثروا الدّعوى علینا فتحقروا

ببدر خرجتم للبراز فردّكم
شیوخ قریش جهرة و تأخّروا

فلما أتاهم حمزة و عبیدة
و جاء علىّ بالمهنّد یخطر

فقالوا نعم أكفاء صدق و أقبلوا
إلیهم سراعا إذ بغوا و تجبّروا

فجال علىّ جولة هاشمیّة
فدمّر هم لما عتوا و تكبّروا

فلیس لكم فخر علینا بغیرنا
و لیس لكم فخر یعدّ و یذكر

و منها غزوة وادى الرّمل و تسمى غزوة ذات السلسلة .

و قد كان الفتح فیها لأمیر المؤمنین علیه السّلام خاصة بعد أن كان فیها من غیره من الافساد ما كان ، و فیها نزل على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سورة و العادیات فتضمّنت ذكر ما

[ 228 ]

فعله أمیر المؤمنین فیها .

قال المفید : روى عن امّ سلمة قالت : كان نبیّ اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائلا فی بیتى إذ انتبه فزعا من منامه فقلت له : اللّه جارك قال : صدقت و اللّه جارى لكن هذا جبرئیل یخبرنى أنّ علینا قادم ، ثمّ خرج إلى الناس فأمرهم أن یستقبلوا علیا علیه السّلام فقام المسلمون له صفّین مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلما بصر النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ترجّل عن فرسه و أهوى إلى قدمیه یقبلهما ، فقال له علیه السّلام : اركب فانّ اللّه تعالى و رسوله عنك راضیان فبكى أمیر المؤمنین علیه السّلام فرحا و انصرف إلى منزله ، و تسلّم المسلمون الغنایم « إلى أن قال » ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله له : یا على لو لا أننى أشفق أن تقول فیك طوایف من امتى ما قالت النصارى فى عیسى بن مریم لقلت فیك الیوم مقالا لا تمرّ بملاء منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدمیك .

و منها غزوة الحدیبیّة .

و فیها أقبل سهیل بن عمرو إلى النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال له یا محمّد إنّ أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علینا ، فغضب رسول اللّه حتّى تبیّن الغضب فى وجهه ثمّ قال : لتنتهنّ یا معاشر قریش أو لیبعثنّ اللّه علیكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالایمان یضرب رقابكم على الدین ، فقال بعض من حضر : یا رسول اللّه أبو بكر ذلك الرّجل ؟ قال : لا ، قال : فعمر ، قال :

لا ، و لكنه خاصف النعل فى الحجرة ، فتبادر الناس إلى الحجرة ینظرون من الرّجل فاذا هو أمیر المؤمنین علىّ بن أبى طالب علیه السّلام رواه المفید فى الارشاد ، و رواه فى كشف الغمة و صحیح الترمذى نحوه .

و منها غزوة خیبر قال المفید : ثمّ تلت الحدیبیّة خیبر و كان الفتح فیها لأمیر المؤمنین علیه السّلام بلا ارتیاب فظهر من فضله فى هذه الغزاة ما أجمع علیه نقلة الرّواة و تفرّد فیها مناقب لم یشركه فیها أحد من الناس .

و قال كاشف الغمة : قال ابن طلحة : و تلخیص المقصد فیها على ما ذكره أبو محمّد عبد الملك بن هشام فى كتاب السیرة النبویّة یرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال :

[ 229 ]

بعث النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبا بكر برایته و كانت بیضاء إلى بعض حصون خیبر فقاتل ثمّ رجع و لم یكن فتح و قد جهد ، ثمّ بعث عمر بن الخطاب فكان كذلك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لاعطینّ الرایة غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله یفتح اللّه على یدیه لیس بفرّار ، قال سلمة : فدعا علیّا و هو أرمد فتفل فی عینیه ثم قال : خذ هذه الرّایة فامض بها حتّى یفتح اللّه علیك ، فخرج یهرول و أنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رایته فی رضم 1 من حجارة تحت الحصن ، فاطلع علیه یهودىّ من الحصن فقال :

من أنت ؟ قال : أنا علىّ بن أبیطالب فقال الیهودى : علوتم حصننا و ما انزل على موسى أو كما قال ، فما رجع حتّى فتح اللّه على یدیه .

و منها فتح مكّة .

قال المفید ره : و فیما ذكرناه من أعمال أمیر المؤمنین علیه السّلام ، فی قتل من قتل من أعداء اللّه بمكة و إخافة من أخاف و معونة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على تطهیر المسجد من الأصنام و شدّة بأسه فی اللّه و قطع الأرحام فی طاعة اللّه عزّ و جلّ أوّل دلیل على تخصیصه من الفضل بما لم یكن لأحد منهم سهم فیه حسبما قدمناه .

و منها غزوة حنین .

فاستظهر فیها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بكثرة الجمع ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و معه عشرة آلاف من المسلمین فظنّ أكثرهم أنهم لن یغلبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم و عددهم و عدّتهم و أعجب أبا بكر الكثرة یومئذ فقال لن نغلب الیوم من قلّة فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه و عانهم 2 أبو بكر .

فلمّا التقوا لم یلبثوا و انهزموا بأجمعهم فلم یبق مع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ تسعة من بنی هاشم و عاشرهم أیمن بن امّ ایمن ، و قتل رحمه اللّه و ثبت التّسعة الهاشمیّون رئیسهم أمیر المؤمنین علیه السّلام و رجعوا بعد ذلك و تلاحقوا و كانت الكرّة لهم على المشركین فأنزل اللّه فی إعجاب أبی بكر بالكثرة و یوم حنین إذ أعجبتكم كثرتكم

-----------
( 1 ) الرضم و الرضام صخور عظام یرضم بعضها فوق بعض فى الأبنیة ، منه .

-----------
( 2 ) اى اصابهم بعین یعنى چشم زخم زد ، منه .

[ 230 ]

فلم تغن عنكم شیئا و ضاقت علیكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّیتم مدبرین . ثم أنزل اللَّه سكینته على رسوله و على المؤمنین یرید علیّا علیه السّلام و من ثبت معه من بنی هاشم .

قال كاشف الغمّة بعد شرح هذه الغزوة : فانظر إلى مفاخر أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذه الغزاة و مناقبه ، و جل بفكرك فی بدایع فضله و عجایبه ، و احكم فیها برأى صحیح الرّاى صایبه ، و أعجب من ثباته حین فرّ الشّجاع على أعقابه ، و لم ینظر فی الأمر و عواقبه ، و اعلم أنّه علیه السّلام أحقّ بالصّحبة حین لم یر مفارقة صاحبه ، و تیقّن أنّه إذا حمّ الحمام لم ینتفع المرء بغیر أهله و أقاربه ، فاذا صحّ ذلك عندك بدلایله و بیّناته ، و عرفته بشواهده و علاماته ، فاقطع أنّ ثبات من ثبت من نتایج ثباته ، و أنّهم كانوا أتباعا له فی حروبه و مقاماته ، و أنّ رجوع من رجع من هزیمته فانّما كان عند ما بان لهم من النّصر و أماراته .

قال الشارح الفقیر : هذا قلیل من كثیر و یسیر من جم غفیر من مناقبه و مفاخره و مجاهداته و مواساته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أوردته باقتضاء المقام و شرحا لمعنى قوله علیه السّلام : و لقد واسیته فی المواطن الّتی تنكص فیها الأبطال و تتأخر فیها الأقدام و كم له علیه السّلام من الآثار و المناقب و الأخبار الّتی لا تستر ، و المفاخر و الفضائل و المجاهدات المثبتة فی كتب التواریخ و السّیر ، و كم له من المزایا و الخلال و البلاء المذكور فی النّزال ، و لا صدرت منه علیه السّلام ، هذه الأفعال إلاّ عن نجدة و شجاعة تذلّ لها الأبطال ، و تقلّ لدیها الأهوال ، و لا تقوم بوصفها الأقلام و الأقوال ، و لا یحتاج فی اثباتها إلى تجشّم الاستدلال ، و على الجملة و التفصیل فمقام بأسه و نجدته لا ینال و ما ذا بعد الحقّ إلاّ الضّلال .

الثالثة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و انّ رأسه لعلى صدرى ) قیل : لعلّه علیه السّلام أسنده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى صدره عند اشتداد مرضه ، و قیل : انّه كان رأسه على ركبته فیكون رأسه صلّى اللّه علیه و آله ، فی صدره عند اكبابه علیه ، و الأول أظهر .

و یؤیده ما فی البحار عن أمالی الشّیخ عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : كنت

[ 231 ]

عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم فی مرضه الّذى قبض فیه و كان رأسه فی حجرى و العبّاس یذبّ عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فاغمى علیه اغماء ثمّ فتح عینه فقال : یا عبّاس یا عمّ رسول اللّه اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى ، فقال العباس : یا رسول اللّه أنت أجود من الرّیح المرسلة و لیس فی مالى وفاء لدینك و عداتك ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذلك ثلاثا یعیده علیه و العبّاس فى كلّ ذلك یجیبه بما قال أوّل مرّة .

قال : فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لأقولنّها لمن یقبلها و لا یقول یا عبّاس مثل مقالتك ، فقال :

یا على اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى .

قال : فخنقتنى العبرة و ارتج جسدى و نظرت إلى رأس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یذهب و یجى‏ء فی حجرى فقطرت دموعى على وجهه و لم اقدر أن اجیبه ، ثمّ ثنّى فقال :

اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى قال : قلت : نعم بأبی و امّى قال : اجلسنى ، فأجلسته فكان ظهره فی صدرى فقال : یا على أنت أخی فی الدّنیا و الآخرة ، و وصیّى و خلیفتى فی أهلی .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله : یا بلال هلمّ سیفى و درعى و بغلتى و سرجها و لجامها و منطقتی الّتی أشدّ بها على درعى ، فجاء بلال بهذه الأشیاء فوقف بالبغلة بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : یا على قم فاقبض ، فقال : قمت و قام العبّاس فجلس مكانی فقمت فقبضت ذلك ، فقال : انطلق به إلى منزلك ، فانطلقت ثمّ جئت فقمت بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائما فنظر إلىّ ثمّ عمد إلى خاتمه فنزعه ثمّ دفعه إلىّ فقال : هاك یا علیّ هذا لك فى الدّنیا و الآخرة و البیت غاصّ من بنی هاشم و المسلمین .

فقال : یا بنیّ هاشم یا معشر المسلمین لا تخالفوا علیّا فتضلّوا و لا تحسدوه فتكفروا ، یا عبّاس قم من مكان علیّ علیه السّلام ، فقال : تقیم الشیخ و تجلس الغلام ؟ فأعادها ثلاث مرّات فقام العبّاس فنهض مغضبا و جلست مكانى .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا عبّاس یا عمّ رسول اللّه لا اخرج من الدّنیا و أنا ساخط علیك فیدخلك سخطى علیك النّار فرجع و جلس .

و من الامالی أیضا عنه علیه السّلام فی حدیث قال :

[ 232 ]

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا علی أجلسنی ، فأجلسته و أسندته إلى صدرى قال علیّ علیه السّلام : فلقد رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیثقل ضعفا و هو یقول یسمع أهل البیت أعلاهم و أدناهم : إنّ أخی و وصیّی و وزیری و خلیفتی فی أهلی علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ،

یقضی دینی و ینجز وعدی ، یا بنی هاشم یا بنی عبد المطلب لا تبغضوا علیّا و لا تخالفوا عن أمره فتضلّوا ، و لا تحسدوه و ترغبوا عنه فتكفروا ، أضجعنى یا علی فأضجعته ، الحدیث .

و فى البحار من الأمالی أیضا باسناده عن ابن أبی رافع عن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام قال :

دخلت على نبیّ اللّه و هو مریض فاذا رأسه فی حجر رجل أحسن ما رأیت من الخلق و النّبی نائم ، فلمّا دخلت علیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، قال الرّجل : ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى ، فدنوت منهما فقام الرّجل و جلست مكانه و وضعت رأس النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حجرى كما كان فی حجر الرّجل ، فمكث ساعة ثمّ إنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله استیقظ فقال : أین الرّجل الّذى كان رأسى فی حجره ؟

فقلت : لمّا دخلت علیك دعانى إلیك ثمّ قال : ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى ثمّ قام فجلست مكانه ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : فهل تدرى من الرّجل ؟ قلت : لا بأبی و امّى ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ذاك جبرئیل كان یحدّثنى حتّى خفّ عنّى وجعى و نمت و رأسى فی حجره .

و أما كیفیة وفاته صلوات اللّه و سلامه علیه و آله

ففى البحار من امالی الصّدوق باسناده عن ابن عبّاس قال :

لمّا مرض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عنده أصحابه ، قام إلیه عمّار بن یاسر فقال له :

فداك أبی و امّی یا رسول اللّه فمن یغسلك منّا إذا كان ذلك منك ؟ قال : ذلك علیّ ابن أبیطالب لأنّه لا یهم بعضو من أعضائی إلاّ أعانته الملائكة على ذلك .

فقال له : فداك أبی و امّی یا رسول اللّه فمن یصلّى علیك منّا إذا كان ذلك

[ 233 ]

منك ؟ قال : منه رحمك اللّه .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام : یا ابن أبیطالب إذا رأیت روحى قد فارقت جسدى فاغسلنى و انق غسلى و كفنى فی طمرىّ هذین أو فی بیاض مصر حبرة و بردیمان ،

و لا تغال فی كفنى و احملونى حتّى تضعونى على شفیر قبرى ، فأوّل من یصلّى علیّ الجبّار جلّ جلاله من فوق عرشه ، ثمّ جبرئیل و میكائیل و إسرافیل فی جنود من الملائكة لا یحصى عددهم إلاّ اللّه جلّ و عزّ ثمّ الحافّون بالعرش ثمّ سكّان أهل سماء فسماء ثمّ جلّ أهل بیتی و نسائی الأقربون فالأقربون یؤمون ایماء و یسلمون تسلیما لا یؤذونى بصوت نادبة « نائحة خ » و لا مرنّة ثمّ قال : یا بلال هلمّ علیّ بالناس ، فاجتمع الناس فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله متعصّبا بعمامته متوكئا على قوسه حتّى صعد المنبر فحمد اللّه و أثنی علیه ثمّ قال :

معاشر أصحابی أىّ نبیّ كنت لكم ؟ أ لم اجاهد بین أظهركم ؟ أ لم تكسر رباعیّتی ؟ أ لم یعفر جبینی ؟ أ لم تسل الدّماء على حرّ وجهى حتّى كنفت 1 لحیتى ؟ أ لم اكابد الشدّة و الجهد مع جهّال قومى ؟ أ لم أربط حجر المجاعة على بطنى ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لقد كنت للّه صابرا ، و عن منكر بلاء اللّه ناهیا ،

فجزاك اللّه عنّا أفضل الجزاء .

قال صلّى اللّه علیه و آله : و أنتم فجزاكم اللّه ثمّ قال : إنّ ربّی عزّ و جلّ حكم و اقسم أن لا یجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم باللّه أىّ رجل منكم كانت له قبل محمّد مظلمة إلاّ قام فلیقتصّ منه فالقصاص فی دار الدّنیا أحبّ إلىّ من القصاص فی دار الآخرة على رؤوس الملائكة و الأنبیاء .

فقام إلیه رجل من أقصى القوم یقال له : سوادة بن قیس فقال له : فداك أبی و امّى یا رسول اللّه إنّك لمّا أقبلت من الطایف استقبلتك و أنت على ناقتك الغضباء و بیدك القضیب الممشوق ، فرفعت القضیب و أنت ترید الرّاحلة فأصاب بطنى فلا أدرى عمدا أو خطاء .

-----------
( 1 ) أى أحاطت ، بحار .

[ 234 ]

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : معاذ اللّه أن أكون تعمّدت ، ثمّ قال : یا بلال قم إلى منزل فاطمة فائتنى بالقضیب الممشوق .

فخرج بلال و هو ینادى فی سكك المدینة : معاشر الناس من ذا الذى یعطى القصاص من نفسه قبل یوم القیامة فهذا محمّد صلّى اللّه علیه و آله یعطى القصاص من نفسه قبل یوم القیامة .

و طرق بلال الباب على فاطمة علیها السّلام و هو یقول : یا فاطمة قومى فوالدك یرید القضیب الممشوق فأقبلت فاطمة علیها السّلام و هى تقول : یا بلال و ما یصنع والدى بالقضیب و لیس هذا یوم القضیب ، فقال بلال : یا فاطمة أما علمت أنّ والدك قد صعد المنبر و هو یودّع أهل الدّین و الدّنیا ، فصاحت فاطمة علیها السّلام و قالت : و اغماه لغمك یا أبتاه من للفقراء و المساكین و ابن السبیل یا حبیب اللّه و حبیب القلوب ، ثمّ ناولت بلالا القضیب ، فخرج حتّى ناوله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أین الشیخ ؟ فقال الشیخ : ها أنا ذا یا رسول اللّه بأبی أنت و امّى فقال : فاقتصّ منّى حتى ترضى ، فقال الشیخ : فاكشف لى عن بطنك یا رسول اللّه ، فكشف عن بطنه فقال الشیخ : بأبی أنت و امّى یا رسول اللّه أ تأذن لى أن أضع فمى على بطنك ؟ فأذن له فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من النار .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، یا سوادة بن قیس أ تعفو أم تقتصّ ؟ فقال : بل أعفو یا رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : اللهمّ اعف عن سوادة بن قیس كما عفى عن محمّد نبیك .

ثمّ قام رسول اللّه فدخل بیت امّ سلمة و هو یقول ، ربّ سلّم امة محمّد من النار و یسّر علیهم الحساب ، فقالت امّ سلمة : یا رسول اللّه ما لی أراك مغموما متغیّر اللون فقال صلّى اللّه علیه و آله ، نعیت إلى نفسى هذه الساعة فسلام لك فی الدّنیا فلا تسمعین بعد هذا الیوم صوت محمّد أبدا ، فقالت أمّ سلمة : واحزناه حزنا لا تدركه الندامة علیك یا محمّد ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ادع لی حبیبة قلبی و قرّة عینی فاطمة ، فجائت فاطمة و هی تقول :

نفسى لنفسك الفداء و وجهى لوجهك الوفاء یا أبتاه ألا تكلّمنى كلمة فانى أنظر إلیك و أراك مفارق الدّنیا و أرى عساكر الموت تغشاك شدیدا .

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لها : یا بنیة إنّى مفارقك فسلام علیك منّى ، قالت : یا أبتاه فأین

[ 235 ]

الملتقى یوم القیامة ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله : عند الحساب ، قالت : فان لم ألقك عند الحساب ؟ قال : عند الشفاعة لامتى ، قالت : فان لم ألقك عند الشفاعة لأمتك ؟ قال : عند الصراط جبرئیل عن یمینی و میكائیل عن یسارى و الملائكة خلفى و قدّامى ینادون ربّ سلم امة محمّد من النار و یسّر علیهم الحساب ، قالت فاطمة : فأین والدتى خدیجة ؟

قال : فی قصر له أربعة أبواب إلى الجنة .

ثمّ اغمى على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فدخل بلال و هو یقول : الصّلاة رحمك اللّه ،

فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صلّى بالنّاس و خفّف الصّلاة .

ثمّ قال : ادعوا لى علیّ بن أبیطالب و اسامة بن زید ، فجاءا فوضع صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یده على عاتق علیّ و الاخرى على اسامة ثمّ قال : انطلقا بی إلى فاطمة ، فجاءا به حتى وضع رأسه فی حجرها فاذا الحسن و الحسین یبكیان و یصطرخان و هما یقولان : أنفسنا لنفسك الفداء و وجوهنا لوجهك الوقاء .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : من هذان یا علیّ ؟ فقال علیه السّلام : ابناك الحسن و الحسین ،

فعانقهما و قبّلهما و كان الحسن علیه السّلام أشدّ بكاء فقال صلّى اللّه علیه و آله : كفّ یا حسن فقد شققت على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فنزل ملك الموت قال : السلام علیك یا رسول اللّه قال : و علیك السّلام یا ملك الموت لی إیاك حاجة ، قال : و ما حاجتك یا نبیّ اللّه ؟ قال : حاجتی أن لا تقبض روحى حتى یجیئنی جبرئیل فتسلم علىّ و اسلم علیه .

فخرج ملك الموت و هو یقول : یا محمّداه ، فاستقبله جبرئیل فى الهواء فقال :

یا ملك الموت قبضت روح محمّد ؟ قال : لا یا جبرئیل سألنى أن لا أقبضه حتى یلقاك فتسلم علیه و یسلم علیك ، فقال جبرئیل : یا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتّحة لروح محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أما ترى الحور العین قد تزیّن لروح محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ثم نزل جبرئیل فقال : السلام علیك یا أبا القاسم فقال : و علیك السلام یا جبرئیل ادن منى حبیبى جبرئیل ، فدنا منه ، فنزل ملك الموت فقال له جبرئیل : یا ملك الموت احفظ وصیة اللّه فی روح محمّد ، و كان جبرئیل عن یمینه و میكائیل عن یساره و ملك الموت

]]>
ادامه تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:53:53+01:00 2010-09-27T08:53:53+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/98 [ 248 ] و من المناقب قال أبو جعفر علیه السّلام قال الناس : كیف الصلاة ؟ فقال علىّ علیه السّلام إن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إمام حیا و میتا فدخل علیه عشرة عشرة فصلّوا علیه یوم الاثنین و لیلة الثلثاء حتى الصّباح و یوم الثلثاء حتّى صلّى علیه الأقرباء و الخواص ، و لم یحضر أهل السقیفة و كان علیّ علیه السّلام أنفذ الیهم بریدة ، و إنّما تمّت بیعتهم بعد دفنه و من المناقب و سئل الباقر علیه السّلام كیف كانت الصّلاة على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟ فقال لمّا غسله أمیر الم [ 248 ]

و من المناقب قال أبو جعفر علیه السّلام قال الناس : كیف الصلاة ؟ فقال علىّ علیه السّلام إن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إمام حیا و میتا فدخل علیه عشرة عشرة فصلّوا علیه یوم الاثنین و لیلة الثلثاء حتى الصّباح و یوم الثلثاء حتّى صلّى علیه الأقرباء و الخواص ، و لم یحضر أهل السقیفة و كان علیّ علیه السّلام أنفذ الیهم بریدة ، و إنّما تمّت بیعتهم بعد دفنه و من المناقب و سئل الباقر علیه السّلام كیف كانت الصّلاة على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟ فقال لمّا غسله أمیر المؤمنین و كفّنه و سجّاه و ادخل علیه عشرة فداروا حوله ، ثمّ وقف أمیر المؤمنین علیه السّلام فی وسطهم فقال : إنّ اللّه و ملائكته ، الآیة فیقول القوم مثل ما یقول حتّى صلّى علیه أهل المدینة و أهل العوالى .

قال المحدّث العلامة المجلسی ( قد ) بعد إیراد هذه الأخبار فی البحار :

یظهر من مجموعها أنّ الصّلاة الحقیقیّة هی التی كان أمیر المؤمنین علیه السّلام صلاّها أوّلا مع الستة المذكورین فی خبر سلیم ، و لم یدخل فی ذلك سوى الخواص من أهل بیته و أصحابه لئلاّ یتقدّم أحد من لصوص الخلافة فی الصلاة أو یحضر أحد من هؤلاء المنافقین فیها ، ثمّ كان یدخل عشرة عشرة من الصحاب فیقرء الآیة و یدعون و یخرجون من غیر صلاة .

و قوله ( حتّى و اریناه فی ضریحه ) روى فى البحار من المناقب قال : و اختلفوا أین یدفن فقال بعضهم : فی البقیع ، و قال آخرون : فی صحن المسجد ، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : إنّ اللّه لم یقبض نبیا إلاّ فی أطهر البقاع فینبغی أن یدفن فی البقعة التى قبض فیها ، فاتّفقت الجماعة على قوله و دفن فی حجرته .

و من فقه الرّضا علیه السّلام و قال جعفر علیه السّلام فلما أن فرغ من غسله و كفنه أتاه العباس فقال : یا علیّ إنّ الناس قد اجتمعوا على أن یدفن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى بقیع المصلّى و أن یؤمّهم رجل منهم ، فخرج علىّ علیه السّلام إلى الناس فقال : یا أیها الناس أما تعلمون أنّ رسول اللّه إمامنا حیا و میتا و هل تعلمون أنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعن من جعل القبور مصلّى ، و لعن من جعل مع اللّه إلها و لعن من كسر رباعیّته و شقّ لثته ، قال : فقالوا : الأمر إلیك فاصنع ما رأیت قال : و إنى أدفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى البقعة التى قبض فیها ، الحدیث .

[ 249 ]

و من أعلام الورى عن أبى جعفر علیه السّلام قال : و خاض المسلمون فى موضع دفنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال علىّ علیه السّلام : إنّ اللّه لم یقبض نبیا فى مكان إلاّ و ارتضاه لرمسه فیه ، و إنى دافنه فى حجرته التى قبض فیها ، فرضى المسلمون بذلك .

فلما صلّى المسلمون علیه أنفذ العباس إلى أبى عبیدة بن الجراح و كان یحفر لأهل مكة و یضرح ، و أنفذ إلى زید بن سهل أبی طلحة و كان یحفر لأهل المدینة و یلحد فاستدعاهما و قال : اللهمّ خر لنبیك ، فوجد أبو طلحة فقیل له : احفر لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فحفر له لحدا و دخل أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام و العباس و الفضل و اسامة بن زید لیتولّوا دفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فنادت الأنصار من وراء البیت : یا على إنا نذكرك اللّه و حقّنا الیوم من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أن یذهب ادخل منّا رجلا یكون لنا حظّ به من مواراة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فقال لیدخل أوس بن خولى رجل من بنى عوف بن الخزرج و كان بدریا ، فدخل البیت و قال له علیّ علیه السّلام : انزل القبر فنزل ، و وضع علىّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على یدیه ثمّ ولاه فى حفرته ، ثمّ قال له : اخرج فخرج ، و نزل علىّ علیه السّلام فكشف عن وجهه و وضع خدّه على الأرض موجّها إلى القبلة على یمینه ثمّ وضع علیه اللبن و أهال علیه التراب .

و من الدّیوان المنسوب إلیه علیه السّلام فی رثائه صلوات اللّه و سلامه علیه و آله :

أ من بعد تكفین النّبی و دفنه
بأثوابه آسى على هالك ثوى

رزئنا رسول اللّه فینا فلن نرى
بذاك عدیلا ما حیینا من الرّدى

و كان لنا كالحصن من دون أهله
له معقل حرز حریز من الرّدى

و كنّا بمرآه نرى النّور و الهدى
صباحا مساء راح فینا أو اغتدى

لقد غشیتنا ظلمة بعد موته
نهارا فقد زادت على ظلمة الدّجى

فیا خیر من ضمّ الجوانح و الحشا
و یا خیر میت ضمّه الترب و الثرى

كأنّ امور الناس بعدك ضمّنت
سفینة موج حین فی البحر قد سما

و ضاق فضاء الأرض عنهم برجة
لفقد رسول اللّه إذ قیل قد مضى

فقد نزلت بالمسلمین مصیبة
كصدع الصفا لا شعب للصدع فی الصفا

[ 250 ]

فلن یستقلّ الناس تلك مصیبة
و لم یجبر العظم الذى منهم و هى

و فی كلّ وقت للصلاة یهیجه
بلال و یدعو باسمه كلّما دعا

و یطلب أقوام مواریث هالك
و فینا مواریث النّبوة و الهدى

و قالت فاطمة علیها السّلام فی رثائه صلّى اللّه علیه و آله أیضا :

إذا اشتدّ شوقى زرت قبرك باكیا
أنوح و أشكو لا أراك مجاوبی

فیا ساكن الصّحراء علّمتنی البكا
و ذكرك أنسانی جمیع المصائب

فان كنت عنّى فی التّراب مغیّبا
فما كنت عن قلب الحزین بغائب

و لها صلوات اللّه و سلامه علیها أیضا :

إذا مات یوما میّت قلّ ذكره
و ذكر أبی قد مات و اللّه أزید

تذكّرت لمّا فرق الموت بیننا
فعزّیت نفسی بالنّبی محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

فقلت لها إنّ الممات سبیلنا
و من لم یمت فی یومه مات فی غد

و لها أیضا ما اشتهر فی الألسنة و الأفواه :

ما ذا على من شمّ تربة أحمد
أن لا یشمّ مدى الزّمان غوالیا

صبّت علىّ مصائب لو أنّها
صبّت على الأیام صرن لیالیا

هذا ، و لمّا مهّد علیه السّلام المقدمات المفیدة لمزید اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و قربه منه فی حال حیاته و حین مماته حسبما عرفته تفصیلا تحقیقا فرّع على ذلك قوله :

( فمن ذا أحقّ به منى حیّا و میتا ) و هو استفهام على سبیل الانكار و الابطال یقتضى أنّ ما بعده غیر واقع و أنّ مدّعیه كاذب فیفید كونه أولى به فی حیاته و أحقّ بالخلافة و الوصایة بعد موته ، و هو حقّ لا ریب فیه على رغم الناصب الجاحد و المبغض المعاند .

( فانفذوا ) أى أسرعوا إلى قتال عدوّكم مستقرّین ( على بصائركم ) و عقایدكم الحقّة ( و لتصدق نیاتكم فی جهاد عدوّكم ) أى أنهضوا إلى عدوّكم بنیّات صادقة و قلوب طاهرة سالمة من اعتراض الشك و الرّیب و الشبهة و لا یوسوسنكم

[ 251 ]

الشیطان بكونهم من أهل القبلة و الاسلام غیر جایز قتلتهم و قتالهم ، لأنكم اتباع الامام الحقّ و هم تابعوا الامام الباطل ( فو ) اللّه ( الذى لا إله الاّ هو إنّى لعلی جادّة الحقّ و انّهم لعلى مزلّة الباطل ) كما یشهد به النّبوى المعروف بین الفریقین : علىّ مع الحقّ و الحقّ مع علىّ .

و لا یخفى حسن المقابلة بین جادّة الحقّ و بین مزلّة الباطل كما لا یخفى لطف إضافة الجادّة إلى الحقّ و إضافة المزلّة إلى الباطل ، لأنّ طریق الحقّ لما كان واضحا جلیا ثابتا بالبیّنة و البرهان یوصل سالكها إلى منزل الزلفى و جنّات النعیم و طریق الباطل لما كان تمویها و تدلیسا مخالفا للواقع یزلّ فیه قدم سالكه و یزلق فیهوى إلى دركات الجحیم .

( أقول ما تسمعون ) من قول حقّ و كلام صدق ( و أستغفر اللّه لی و لكم ) .

تنبیهان : الاول

روى الشارح المعتزلی فی شرح هذه الخطبة من قصّة وفاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما هو ظاهر بل نصّ فی الطعن على المتخلّفین المنتحلین للخلافة و على المتعصّبین لهم السالكین لطریقتهم من العامّة العمیاء أحببت أن أذكر ملخّص ما أورده مما یطعن به علیهم فأقول :

قال الشارح : قد روى من قصّة وفاة رسول اللّه علیه السّلام أنه عرضت له الشّكاة الّتی عرضت فی أواخر من سنة إحدى عشرة للهجرة فجهّز جیش اسامة بن زید بالمسیر إلى البلقاء حیث أصیب زید و جعفر من الرّوم .

و خرج صلّى اللّه علیه و آله فی تلك اللّیلة إلى البقیع و قال : إنّى قد امرت بالاستغفار علیهم فقال صلّى اللّه علیه و آله : یا أهل القبور لیهنكم ما أصبحتم فیه مما أصبح الناس فیه أقبلت الفتن كقطع اللیل المظلم یتبع آخرها أوّلها ثمّ استغفر لأهل البقیع طویلا .

ثمّ انصرف إلى بیته ، فخطب الناس فی غده و أعلمهم بموته ثمّ نزل فصلّى

[ 252 ]

بالناس صلاة حفیفة ، ثمّ دخل بیت امّ سلمة .

ثمّ انتقل إلى بیت عایشة یعلّله النساء و الرّجال ، أمّا النساء فأزواجه و بنته ، و أما الرّجال فعلیّ علیه السّلام و العباس و الحسن و الحسین و كانا غلامین یومئذ و كان الفضل بن العباس یدخل احیانا إلیهم .

ثمّ حدث الاختلاف بین المسلمین أیّام مرضه .

فأوّل ذلك التنازع الواقع یوم قال : ایتونی بدواة و قرطاس ، و تلى ذلك حدیث التخلّف عن جیش اسامة ، ثمّ اشتدّ به المرض و كان عند خفّة مرضه یصلّی بالناس بنفسه ، فلما اشتدّ به المرض أمر أبا بكر أن یصلّی بالناس .

و قد اختلف فی صلاته بهم فالشیعة تزعم أنه لم یصلّ بهم إلاّ صلاة واحدة و هى الصلاة التی خرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیها یتهادى بین علیّ و الفضل فقام فی المحراب مقامه و تأخّر أبو بكر ، و الصحیح عندى و هو الأكثر الأشهر أنها لم تكن آخر الصلاة فی حیاته بالناس جماعة و أنّ أبا بكر صلّى بالناس بعد ذلك یومین .

ثمّ مات صلّى اللّه علیه و آله فمن قائل یقول توفّی للیلتین بقیتا من شهر صفر و هو الذى تقوله الشیعة ، و الأكثرون أنه توفّى فى شهر ربیع الأوّل بعد مضىّ أیام منه ، و قد اختلفت الرّوایة فی موته فأنكر عمر ذلك و قال : إنه لم یمت و إنه غاب و إنه سیعود فثناه أبو بكر هذا القول و تلى علیه الآیات المتضمّنة أنه سیموت ، فرجع إلى قوله و صلّوا علیه ارسالا لا یؤمّهم أحد ، و قیل : إنّ علیا علیه السّلام أشار بذلك فقبلوه و أنا أعجب من ذلك لأنّ الصلاة علیه كانت بعد بیعة أبی بكر فما الذى منع من أن یتقدّم أبو بكر فیصلّی علیه إماما و تنازعوا فی تلحیده و تضریحه فأرسل العباس عمّه إلى أبی عبیدة بن الجراح و كان یحفر لأهل مكة و یضرح على عادتهم رجلا و أرسل إلى أبی طلحة الأنصارى و كان یلحد لأهل المدینة على عادتهم ، رجلا و قال : اللهمّ اختر لنبیّك ، فجاء أبو طلحة فلحد له و ادخل فی اللحد و تنازعوا فیمن ینزل معه القبر فمنع علىّ الناس أن ینزلوا معه و قال : لا ینزل

[ 253 ]

قبره غیرى و غیر العباس ، ثمّ أذن فی نزول الفضل و اسامة بن زید مولاهم ثمّ ضجّت الأنصار و سألت أن ینزل منها رجل فی قبره فانزلوا أوس بن خولى و كان بدریا .

فأمّا الغسل فانّ علیّا تولاّه بیده و كان الفضل یصبّ علیه الماء ، انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه و وجوه الطعن فی تلك القضیّة على ما صدر من أهل الخلافة غیر خفیّة على الفطن العارف إلاّ أنا ننبّه على بعضها لكونها أشدّ تشنیعا و طعنا .

أولها ما أشار إلیه الشارح بقوله : فأوّل ذلك التنازع الواقع یوم قال ایتونى بدواة و قرطاس ، فقد روت العامّة و الخاصة أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أراد فی مرضه أن یكتب لامّته كتابا لئلاّ یضلّوا بعده و لا یختلفوا ، فطلب دواة و كتفا أو نحو ذلك فمنع عمر من احضار ذلك و قال : إنه لیهجر ، أو ما یؤدّى هذا المعنى ، و قد وصفه اللّه سبحانه بأنه لا ینطق عن الهوى و أنّ كلامه لیس إلاّ وحیا یوحى ، و كثر اختلافهم و ارتفعت أصواتهم حتّى تسأم و تزجّر فقال بعضهم : احضروا ما طلب ، و قال بعضهم : القول ما قاله عمر ، و قد قال اللّه سبحانه و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى اللَّه و رسوله أمراً أن یكون لهم الخیرة من أمرهم و من یعص اللَّه و رسوله فقد ضلّ ضلالاً مبیناً و قال تعالى فلا و ربّك لا یؤمنون حتى یحكّموك فیما شجر بینهم ثمّ لا یجدوا فی انفسهم حرجا ممّا قضیت و یسلّموا تسلیماً روى فی البحار من كتاب الطرایف للسیّد علیّ بن طاووس رضى اللّه عنه أنّه قال : من أعظم طرایف المسلمین أنّهم شهدوا جمیعا أنّ نبیّهم أراد عند وفاته أن یكتب لهم كتابا لا یضلّون بعده أبدا ، و أنّ عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك الكتاب و سبب ضلال من ضلّ من امّته و سبب اختلافهم و سفك الدّماء بینهم و تلف الأموال و اختلاف الشریعة و هلاك اثنین و سبعین فرقة من أصل فرق الاسلام و سبب خلود من یخلد فی النار منهم ، و مع هذا كلّه فانّ أكثرهم أطاع عمر بن الخطاب الذى قد شهدوا علیه بهذه الأحوال فی الخلافة و عظموه و كفّروا بعد ذلك من یطعن فیه و هم من جملة الطاعنین ، و ضلّلوا من یذمّه و هم من جملة الضّالین ،

[ 254 ]

و تبرّءوا ممن یقبّح ذكره و هم من جملة المقبّحین فمن روایتهم فی ذلك ما ذكره الحمیدى فی الجمع بین الصحیحین فی الحدیث الرّابع من المتفق علیه فی صحّته من مسند عبد اللّه بن عباس قال : لمّا احتضر النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و فی بیته رجال فیهم عمر بن الخطاب فقال النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : هلمّوا أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ النّبی قد غلبه الوجع و عندكم القرآن حسبكم كتاب ربكم .

و فی روایة ابن عمر من غیر كتاب الحمیدى قال عمر : إنّ الرّجل لیهجر .

و فی كتاب الحمیدى قالوا ما شأنه هجر .

و فی المجلّد الثانی من صحیح مسلم فقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یهجر .

قال الحمیدى : فاختلف الحاضرون عند النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فبعضهم یقول : القول ما قاله النبی صلّى اللّه علیه و آله فقرّبوا إلیه كتابا یكتب لكم ، و منهم من یقول : القول ما قاله عمر .

فلمّا اكثروا اللفظ « اللّغط » و الاختلاط قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله : قوموا عنّى فلا ینبغى عندى التنازع ، فكان ابن عباس یبكى حتّى یبلّ دموعه الحصا و یقول : یوم الخمیس و ما یوم الخمیس .

قال راوى الحدیث فقلت : یا ابن عباس و ما یوم الخمیس ؟ فذكره عبد اللّه بن عباس یوم منع رسول اللّه من ذلك الكتاب ، و كان یقول : الرّزیة كلّ الرّزیة ما حال بین رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بین كتابه .

و ثانیها حدیث التخلّف عن جیش اسامة ، فانّ أبا بكر و عمر و عثمان كانوا من جیشه ، و قد كرّر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا اشتدّ مرضه الأمر بتجهیز جیشه و لعن المتخلّف عنه فتأخّروا عنه و اشتغلوا بعقد البیعة فى سقیفة بنی ساعدة و خالفوا أمره ، و شملهم اللّعن و ظهر أنّهم لا یصلحون للخلافة .

قال أصحابنا : و لو تنزّلنا عن هذا المقام و قلنا بما ادّعاه بعضهم من عدم كون أبی بكر من الجیش نقول : لا خلاف أنّ عمر منهم ، و قد منعه أبو بكر من النّفوذ معهم ، و هذا كالأوّل فی كونه معصیة و مخالفة لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ،

[ 255 ]

اما انّهم كانوا من جیش اسامة ، فقد رواه علم الهدى فی الشّافی بطرق كثیرة من العامّة .

قال ره : إنّ كون أبی بكر فی جیش أسامة قد ذكره أصحاب السیر و التواریخ .

قال : و قد روى البلادرى فى تاریخه و هو معروف ثقة كثیر الضّبط و برى‏ء من ممائلة الشیعة : إنّ أبا بكر و عمر كانا معا فی جیش اسامة و اورد روایات اخر من أراد الاطلاع علیها فعلیه بالمراجعة إلى الكتاب المذكور ، و ستطلع علیه ممّا نحكیه عن المفید فی الارشاد فی الطعن الآتى .

و أما تخلّفهم عن الجیش فلا ینازع فیه أحد .

و أما أنّ ذلك قادح فی خلافتهم و موجب للطعن علیهم ، فلاستحقاقهم بسبب التخلف للّعن الصّریح من اللّه و من رسوله ، و الملعون لا یصلح للامامة .

أمّا اللعن من اللّه فانّهم لمّا خالفوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بعد تأكیده و تكریره آذوه فیدخلون فی عموم قوله تعالى إنّ الذین یؤذّون اللَّه و رسوله لعنهم اللَّه فی الدّنیا و الآخرة و قوله و الذین یؤذون رسول اللَّه لهم عذاب ألیم و أمّا لعن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلما رواه الشهرستانى فی كتاب الملل و النّحل عند ذكر الاختلافات الواقعة فی مرض النّبی صلّى اللّه علیه و آله : الخلاف الثانی أنه قال جهّزوا جیش اسامة لعن اللّه من تخلّف عن جیش اسامة ، فقال قوم : یجب علینا امتثال أمره و اسامة قد برز من المدینة ، و قال قوم : قد اشتدّ مرض النّبی فلا تسع قلوبنا لمفارقته و الحال هذه ، فنصبر حتى نبصر أىّ شی‏ء یكون من أمره .

و ثالثها صلاة أبی بكر بالناس و عدم إقرار رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علیها دلیل على عدم قابلیّته للامامة فی الصلاة فكیف بامامة الامّة ؟ قال المفید فی كتاب الارشاد فی قصّة وفاة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

و استمرّ به المرض فی بیت عایشة أیّاما و ثقل فجاء بلال عند صلاة الصّبح و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مغمور بالمرض فنادى : الصلاة رحمكم اللّه ، فاوذن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بندائه فقال : یصلّی بالناس بعضهم فانّی مشغول بنفسی فقالت عایشة : مروا أبا بكر ،

[ 256 ]

و قالت حفصة : مروا عمر ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین سمع كلامهما و رأى حرص كلّ واحدة منهما على التنویه بأبیها و افتنانهما بذلك و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حیّ : اكففن فانّكنّ صویحبات یوسف ثمّ قام علیه السّلام مبادرا خوفا من تقدّم أحد الرّجلین ، و قد كان أمرهما بالخروج مع اسامة و لم یك عنده أنّهما قد تخلّفا ، فلمّا سمع من عایشة و حفصة ما سمع علم أنهما متأخّران عن أمره ، فبدر لكفّ الفتنة و إزالة الشّبهة فقام علیه الصلاة و السلام و أنه لا یستقلّ على الأرض من الضّعف ، فأخذ بیده علیّ بن أبیطالب و الفضل بن العباس فاعتمد علیهما و رجلاه تخطان الأرض من الضّعف .

فلمّا خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب فأومأ إلیه بیده أن تأخّر عنه ، فتأخّر أبو بكر ، و قام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مقامه ، فكبّر و ابتدء الصلاة الّتی كان قد ابتدأها و لم یبن على ما مضى من أفعاله ، فلمّا سلّم انصرف إلى منزله .

و استدعا أبا بكر و عمر و جماعة ممّن حضر بالمسجد من المسلمین ثمّ قال :

أ لم آمركم أن تنفذوا جیش اسامة ؟ فقالوا : بلى یا رسول اللّه ، قال : فلم تأخّرتم عن أمرى ؟ قال أبو بكر : إنی خرجت ثمّ رجعت لاجدّد بك عهدا ، و قال عمر : یا رسول اللّه إنّى لم أخرج لأنّنى لم أحبّ أن أسأل عنك الرّكب ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله نفّذوا جیش اسامة یكرّرها ثلاث مرات .

ثمّ اغمی علیه من التّعب الذى لحقه و الأسف الذى ملكه فمكث هنیئة مغمى علیه ، و بكى المسلمون و ارتفع النحیب من أزواجه و ولده و ساء المسلمین و جمیع من حضر من المسلمین ، فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فنظر إلیهم .

ثمّ قال : ایتونى بدواة و كتف لأكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا ، ثمّ اغمى علیه فقام بعض من حضره یلتمس دواة و كتفا فقال له عمر : ارجع فانّه یهجر فرجع و ندم من حضر على ما كان منهم من التّضجیع 1 فی احضار الدّواة و الكتف و تلاوموا بینهم و قالوا : إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون لقد أشفقنا من خلاف رسول

-----------
( 1 ) أى التقصیر .

[ 257 ]

اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فلما أفاق قال بعضهم : أ لا نأتیك بدواة و كتف یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟ فقال : أ بعد الذى قلتم ؟ لا ، و لكنّی اوصیكم بأهل بیتى خیرا و أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا ،

انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه رضی اللّه عنه .

و قد ذكرناه بطوله لأنّه قد ثبت أنه ثقة مقبول الكلام عند العامة و الخاصة لا مغمز فیه لأحد و لا یطعن بالعصبیّة و الهوى .

ثمّ أقول : یا اولى الأبصار انظروا بنظر الانصاف و الاعتبار إلى سوء حركات هؤلاء الأوغاد الأشرار كیف آذوا رسول اللّه فی تلك الحال و قد استولت علیه غمرات الأمراض و الآلام و طوارق الأوجاع و الأسقام ، و لم یتركوه و حاله لیستریح فی فراشه و یشغل بنفسه ، حتى ألجأوه إلى الخروج إلى المسجد و رجلاه یخطان الأرض و كابدوه الغصص بالتخلف عن الجیش و نسبوه إلى الهذیان عند طلب الكتف و الدواة لعنهم اللّه و أبعدهم و عذّبهم عذابا ألیما .

رابعها إنكار عمر لموته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بلوغه فی الجهل إلى حیث لم یعلم بأنّ كلّ نفس ذائقة الموت و أنه یجوز الموت علیه و أنّه اسوة الأنبیاء فی ذلك ، فقال : و اللّه ما مات حتّى یقطع أیدی رجال و أرجلهم ، فقال له أبو بكر أما سمعت قول اللّه عزّ و جلّ إنّك میّت و إنهم میّتون و قوله تعالى و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أ فان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم .

قال : فلمّا سمعت ذلك أیقنت بوفاته و سقطت إلى الأرض و علمت أنه قد مات فمن بلغ من غایة الجهل إلى هذه المرتبة كیف یلیق بالخلافة الكلّیة و الرّیاسة الإلهیّة ؟

الثانى

لما كان هذه الخطبة الشریفة التی نحن فی شرحها مسوقة لذكر مناقبه

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:52:20+01:00 2010-09-27T08:52:20+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/97 [ 198 ] و من خطبة له ع ینبه على إحاطة علم اللّه بالجزئیات ثم یحث على التقوى و یبین فضل الإسلام و القرآن یَعْلَمُ عَجِیجَ اَلْوُحُوشِ فِی اَلْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِیَ اَلْعِبَادِ فِی اَلْخَلَوَاتِ وَ اِخْتِلاَفَ اَلنِّینَانِ فِی اَلْبِحَارِ اَلْغَامِرَاتِ وَ تَلاَطُمَ اَلْمَاءِ بِالرِّیَاحِ اَلْعَاصِفَاتِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِیبُ اَللَّهِ وَ سَفِیرُ وَحْیِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ الوصیة بالتقوى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی أُوصِیكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِی اِبْتَدَأَ خَلْ

[ 198 ] و من خطبة له ع ینبه على إحاطة علم

اللّه بالجزئیات ثم یحث على التقوى و یبین فضل الإسلام و القرآن یَعْلَمُ عَجِیجَ اَلْوُحُوشِ فِی اَلْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِیَ اَلْعِبَادِ فِی اَلْخَلَوَاتِ وَ اِخْتِلاَفَ اَلنِّینَانِ فِی اَلْبِحَارِ اَلْغَامِرَاتِ وَ تَلاَطُمَ اَلْمَاءِ بِالرِّیَاحِ اَلْعَاصِفَاتِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِیبُ اَللَّهِ وَ سَفِیرُ وَحْیِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ الوصیة بالتقوى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی أُوصِیكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِی اِبْتَدَأَ خَلْقَكُمْ وَ إِلَیْهِ یَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ وَ إِلَیْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِیلِكُمْ وَ إِلَیْهِ مَرَامِی مَفْزَعِكُمْ فَإِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَ صَلاَحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلاَءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِیَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اَللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ وَ دَخِیلاً دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِیفاً بَیْنَ أَضْلاَعِكُمْ وَ أَمِیراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَ مَنْهَلاً لِحِینِ وُرُودِكُمْ وَ شَفِیعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِیَوْمِ فَزَعِكُمْ وَ مَصَابِیحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ فَإِنَّ طَاعَةَ اَللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِیرَانٍ مُوقَدَةٍ فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ اَلشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَ اِحْلَوْلَتْ لَهُ اَلْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَ اِنْفَرَجَتْ عَنْهُ اَلْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا وَ أَسْهَلَتْ لَهُ اَلصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا وَ هَطَلَتْ عَلَیْهِ اَلْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا وَ تَحَدَّبَتْ عَلَیْهِ اَلرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَ تَفَجَّرَتْ عَلَیْهِ اَلنِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَ وَبَلَتْ عَلَیْهِ اَلْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا فَاتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِی نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ اِمْتَنَّ عَلَیْكُمْ بِنِعْمَتِهِ فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَیْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ فضل الإسلام ثُمَّ إِنَّ هَذَا اَلْإِسْلاَمَ دِینُ اَللَّهِ اَلَّذِی اِصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ اِصْطَنَعَهُ عَلَى عَیْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِیَرَةَ خَلْقِهِ وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ أَذَلَّ اَلْأَدْیَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ اَلْمِلَلَ بِرَفْعِهِ وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّیهِ بِنَصْرِهِ وَ هَدَمَ أَرْكَانَ اَلضَّلاَلَةِ بِرُكْنِهِ وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِیَاضِهِ وَ أَتْأَقَ اَلْحِیَاضَ بِمَوَاتِحِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لاَ اِنْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لاَ فَكَّ لِحَلْقَتِهِ وَ لاَ اِنْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لاَ زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ وَ لاَ اِنْقِلاَعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لاَ اِنْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ لاَ عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لاَ جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لاَ ضَنْكَ لِطُرُقِهِ وَ لاَ وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لاَ سَوَادَ لِوَضَحِهِ وَ لاَ عِوَجَ لاِنْتِصَابِهِ وَ لاَ عَصَلَ فِی عُودِهِ وَ لاَ وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لاَ اِنْطِفَاءَ لِمَصَابِیحِهِ وَ لاَ مَرَارَةَ لِحَلاَوَتِهِ فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِی اَلْحَقِّ أَسْنَاخَهَا وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ یَنَابِیعُ غَزُرَتْ عُیُونُهَا وَ مَصَابِیحُ شَبَّتْ نِیرَانُهَا وَ مَنَارٌ اِقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلاَمٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا وَ مَنَاهِلُ رَوِیَ بِهَا وُرَّادُهَا جَعَلَ اَللَّهُ فِیهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ اَللَّهِ وَثِیقُ اَلْأَرْكَانِ رَفِیعُ اَلْبُنْیَانِ مُنِیرُ اَلْبُرْهَانِ مُضِی‏ءُ اَلنِّیرَانِ عَزِیزُ اَلسُّلْطَانِ مُشْرِفُ اَلْمَنَارِ مُعْوِذُ اَلْمَثَارِ فَشَرِّفُوهُ وَ اِتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَیْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ الرسول الأعظم ثُمَّ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ حِینَ دَنَا مِنَ اَلدُّنْیَا اَلاِنْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ اَلْآخِرَةِ اَلاِطِّلاَعُ وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِیَادٌ فِی اِنْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اِقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ اِنْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا وَ اِنْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلاَمِهَا وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا جَعَلَهُ اَللَّهُ بَلاَغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ وَ رَبِیعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ القرآن الكریم ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَیْهِ اَلْكِتَابَ نُوراً لاَ تُطْفَأُ مَصَابِیحُهُ وَ سِرَاجاً لاَ یَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لاَ یُدْرَكُ قَعْرُهُ وَ مِنْهَاجاً لاَ یُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لاَ یُظْلِمُ ضَوْءُهُ وَ فُرْقَاناً لاَ یُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْیَاناً لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَ شِفَاءً لاَ تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لاَ تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ فَهُوَ مَعْدِنُ اَلْإِیمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ یَنَابِیعُ اَلْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ وَ رِیَاضُ اَلْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِیُّ اَلْإِسْلاَمِ وَ بُنْیَانُهُ وَ أَوْدِیَةُ اَلْحَقِّ وَ غِیطَانُهُ وَ بَحْرٌ لاَ یَنْزِفُهُ اَلْمُسْتَنْزِفُونَ وَ عُیُونٌ لاَ یُنْضِبُهَا اَلْمَاتِحُونَ وَ مَنَاهِلُ لاَ یَغِیضُهَا اَلْوَارِدُونَ وَ مَنَازِلُ لاَ یَضِلُّ نَهْجَهَا اَلْمُسَافِرُونَ وَ أَعْلاَمٌ لاَ یَعْمَى عَنْهَا اَلسَّائِرُونَ وَ آكَامٌ لاَ یَجُوزُ عَنْهَا اَلْقَاصِدُونَ جَعَلَهُ اَللَّهُ رِیّاً لِعَطَشِ اَلْعُلَمَاءِ وَ رَبِیعاً لِقُلُوبِ اَلْفُقَهَاءِ وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ اَلصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَیْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ وَ نُوراً لَیْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلاً وَثِیقاً عُرْوَتُهُ وَ مَعْقِلاً مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلاَّهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ اِئْتَمَّ بِهِ وَ عُذْراً لِمَنِ اِنْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ وَ حَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِیَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ وَ آیَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اِسْتَلْأَمَ وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِیثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى

[ 269 ]

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و السابعة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و شرحها فی فصول ثلاثة :

الفصل الاول

یعلم عجیج الوحوش فی الفلوات ، و معاصی العباد فی الخلوات ،

و اختلاف النّینان فی البحار الغامرات ، و تلاطم الماء بالرّیاح العاصفات ،

و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله نجیب اللّه و سفیر وحیه ،

و رسول رحمته .

أمّا بعد فإنّی أوصیكم بتقوى اللّه الّذی ابتدء خلقكم ، و إلیه یكون معادكم ، و به نجاح طلبتكم ، و إلیه منتهى رغبتكم ، و نحوه قصد سبیلكم ، و إلیه مرامی مفزعكم ، فإنّ تقوى اللّه دوآء دآء قلوبكم ،

و بصر عمى أفئدتكم ، و شفاء مرض أجسادكم ، و صلاح فساد صدوركم و طهور دنس أنفسكم ، و جلاء غشاء أبصاركم ، و أمن فزع جاشكم ،

و ضیاء سواد ظلمتكم .

[ 270 ]

فاجعلوا طاعة اللّه شعارا دون دثاركم ، و دخیلا دون شعاركم ،

و لطیفا بین أضلاعكم ، و أمیرا فوق أموركم ، و منهلا لحین ورودكم ،

و شفیعا لدرك طلبتكم ، و جنّة لیوم فزعكم ، و مصابیح لبطون قبوركم ، و سكنا لطول وحشتكم ، و نفسا لكرب مواطنكم .

فإنّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة ، و مخاوف متوقّعة ، و أوار نیران موقدة ، فمن أخذ بالتّقوى غربت « عزبت خ » عنه الشّداید بعد دنوّها ، و احلولت له الامور بعد مرارتها ، و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، و أسهلت له الصّعاب بعد انصابها ، و هطلت علیه الكرامة بعد قحوطها ، و تحدّبت علیه الرّحمة بعد نفورها ، و تفجّرت علیه النّعم بعد نضوبها ، و وبلت علیه البركة بعد إرذاذها .

فاتّقوا اللّه الّذی نفعكم بموعظته ، و وعظكم برسالته ، و امتنّ علیكم بنعمته ، فعبّدوا أنفسكم لعبادته ، و اخرجوا إلیه من حقّ طاعته .

اللغة

( عجّ ) عجّا من باب ضرب و عجیجا أیضا رفع صوته بالتّلبیة ، و منه الحدیث أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ ، فالعجّ رفع الصّوت فی التّلبیة ، و الثجّ إسالة الدّماء من الذّبح و النحر فی الأضاحی .

و ( النّینان ) جمع نون و هو الحوت قال تعالى و ذا النّون اذ ذهب مغاضبا

[ 271 ]

و نهر ( غامر ) أى كثیر الماء یغمر من یدخله أى یغطّیه و یستره ، و غمره البحر من باب نصر أى إذا علاه و غطاه و ( الطلبة ) بكسر الاّم ما طلبته .

و ( غشاء ) أبصاركم فی بعض النسخ بالغین المعجمة و المدّ وزان كساء و هو الغطاء قال تعالى فأغشیناهم فهم لا یبصرون أى جعلنا على أبصارهم غشاوة و غطاء و فی بعضها بالعین المهملة و القصر سوء البصر باللیل و النّهار مصدر عشى یقال عشى عشى من باب تعب ضعف بصره فهو أعشى و المرأة عشواء ، و ( الجاش ) القلب .

و ( الشّعار ) الثّوب الملاصق للبدن و هو الذی یلی شعر الجسد و ( الدّثار ) ما فوق الشّعار من الثیاب و ( دخلة ) الرّجل و دخله و دخیلته و دخیله نیّته و مذهبه و خلده و ( المنهل ) المشرب و الشرب و الموضع الذى فیه المشرب و ( الطلبة ) بكسر اللاّم كالطلب محرّكة اسم من طالبه بحقه مطالبة ، و قال الشارح المعتزلی : الطلبة ما طلبته من شی‏ء فیكون اسم عین .

و ( النفس ) محرّكة اسم وضع موضع المصدر الحقیقی من نفس تنفیسا و نفسا أى فرّج تفریجا و ( الاوار ) بضمّ الهمزة وزان غراب حرّ النّار و الشّمس و العطش و اللهب و ( هطل ) السّماء تهطل من باب ضرب امطرت هطلا و هو بالفتح تتابع المطر المتفرّق العظیم القطر و المطر الضعیف الدائم و ( نضب ) الماء نضوبا غار و ( وبلت ) السماء تبل امطرت وابلا و هو المطر الشدید الضخم القطر و ( ارذّت ) السماء بتشدید الذال المعجمة أمطرت رذاذا ، و هو بالفتح كسحاب المطر الضّعیف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار .

الاعراب

الباء فی قوله : بالرّیاح سببیّة و نحوه منصوب بنزع الخافض ، و الفاء فی قوله فانّ تقوى اللّه للتعلیل ، و فی قوله : فاجعلوا فصیحة .

[ 272 ]

المعنى

اعلم أنّ الغرض الأصلى من هذا الفصل من الخطبة الشریفة هو النصح و الموعظة و الوصیة بالتقوى و الطاعة و الترغیب علیهما بالتنبیه على عظم ما یترتب علیهما من الثمرات و المنافع المرّغبة ، و صدّر الفصل باقتضاء صناعه البلاغة و رعایة براعة الاستهلال بذكر إحاطة علمه بجزئیات الموجودات تنبیها به على أنه عزّ و جلّ لا یخفى علیه طاعة المطیعین و معصیة المذنبین فقال علیه السّلام :

( یعلم عجیج الوحوش فی الفلوات ) أى صیاحها فیها بالتسبیح و رفع أصواتها إلى عزّ جنابه تبارك و تعالى بالتّقدیس و تضرّعها إلیه سبحانه فی إنجاح طلباتها و تنفیس كرباتها و سؤالها منه لدفع شدایدها .

و فیه حثّ للمخاطبین على الطلب و السّؤال و التّضرّع و الابتهال و الانابة إلیه عزّ و علا على كلّ حال ، لأنهم أولى بذلك من الحیوانات العجم .

و یشهد بذلك الحدیث الذی قدّمناه : أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ .

و فى حدیث آخر مروىّ فى الوسایل من الكافی عن حریز رفعه قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لمّا أحرم أتاه جبرئیل فقال له : مر أصحابك بالعجّ و الثجّ ، و العجّ رفع الصّوت بالتلبیة ، و الثجّ نحر البدن .

و فى الكافی فی كتاب الدّعاء باسناده عن حنان بن سدیر عن أبیه قال : قلت لأبی جعفر علیه السّلام : أىّ العبادة أفضل ؟ قال : ما من شی‏ء أفضل عند اللّه عزّ و جلّ من أن یسأل و یطلب ممّا عنده ، و ما أحد أبغض إلى اللّه عزّ و جلّ ممّن یستكبر عن عبادته و لا یسأل ما عنده .

و فیه عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حمّاد بن عیسى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال سمعته یقول : ادع و لا تقل قد فرغ من الأمر ، فانّ الدّعاء هو العبادة إنّ اللّه عزّ و جلّ یقول إنّ الذین یستكبرون عن عبادتى سیدخلون جهنّم داخرین و قال :

ادعونی أستجب لكم .

[ 273 ]

و فیه بسنده عن میسر بن عبد العزیز عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال لی : یا میسر ادع و لا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه ، إنّ عند اللّه عزّ و جلّ منزلة لا تنال إلاّ بمسألة ،

و لو أنّ عبدا سدّفاه و لم یسأل لم یعط شیئا فاسأل تعط ، یا میسر إنه لیس من باب یقرع إلاّ یوشك أن یفتح لصاحبه .

( و ) یعلم ( معاصى العباد فی الخلوات ) بمقتضى عموم علمه بالسرّ و الخفیّات و ما تحت الثرى و فوق الأرضین و السّماوات ، و فیه تحذیر للسامعین عن ارتكاب الخطیئات و حثّ لهم عن الازعاج من السیئآت و تخصیصها بها لكون الخلوة مظنّة الوقوع فی المعصیة بعدم وجود الرّادع و الحاجز .

( و اختلاف النینان فی البحار الغامرات ) أى تردّدها فیها و سبحها فی البحر صعودا و هبوطا طولا و عرضا ( و تلاطم الماء بالرّیاح العاصفات ) أى اضطراب ماء البحار و تراكم أمواجها بالرّیاح الشّدیدة الهبوب ، ثمّ عقّب بالشهادة بالرّسالة فقال :

( و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نجیب اللّه ) أى الكریم الحسیب أفضل الناس حسبا و نسبا شرّفه اللّه تعالى بهذا الوصف الشامخ و اختاره به من خلقه .

( و سفیر وحیه و رسول رحمته ) كما قال عزّ من قائل و ما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمین أى نعمة علیهم لأنّ ما بعث به سبب لصلاح معاشهم و معادهم موجب للسّعادة الدائمة و كونه رحمة للكفّار أمنهم به من الخسف و المسخ و عذاب الاستیصال قال فی مجمع البیان : قال ابن عباس : رحمة للبرّ و الفاجر و المؤمن و الكافر فهو رحمة للمؤمن فی الدنیا و الآخرة و رحمة للكافر بأن عوفى ممّا أصاب الامم من الخسف و المسخ .

قال : و روی أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لجبرئیل علیه السّلام لما نزلت هذه الآیة : هل أصابك من هذه الرّحمة شی‏ء ؟ قال : نعم إنّى كنت أخشى عاقبة الأمر فامنت بك لما أثنى اللّه علىّ بقوله « ذى قوّة عند ذى العرش مكین » و قیل : إنّ الوجه فی أنّه نعمة على الكافر أنّه عرّضه للایمان و الثّواب الدائم و هداه و إن لم یهتد كمن قدّم

[ 274 ]

الطعام إلى جائع فلم یأكل فانّه منعم علیه و إن لم یقبل .

( أمّا بعد فانّى اوصیكم ) عباد اللّه ( ب ) ما لا أزال اوصیكم به أعنى ( تقوى اللّه الذى ابتدء خلقكم ) و فى الاتیان بهذه الجملة و ما یتلوها من الجملات الوصفیة تعظیم لشأنه عزّ و جلّ و تأكید للغرض المسوق له الكلام ، لأنّ العلم باتّصافه بهذه الصفات یوجب مزید الملازمة بالتقوى و المواظبة على أوامره و نواهیه عزّ و تعالى .

و المراد بهذه الجملة انّ اللّه الذى حباكم خلعة الخلقة و أخرجكم من العدم و أفاض علیكم نعمة الوجود الّتی هى أصل جمیع النّعم صغیرها و كبیرها و جلیلها و حقیرها أحرى بأن یخشى منه و یتّقى و لا یقابل نعمه العظام بالكفران و آلائه الجسام بالتّمرّد و الطغیان .

( و إلیه یكون معادكم ) أى عودكم و رجوعكم یوم حشركم و نشركم ، فانّ الكلّ إلیه راجعون فیجازیهم بما كانوا یعملون ، و أمّا الذین اتّقوا ، فاولئك هم الفائزون و أما الذین ظلموا فلا ینفع معذرتهم و لا هم یستعتبون كما قال عزّ من قائل : إن المتّقین فی ظلال و عیون . و فواكه ممّا یشتهون . كلوا و اشربوا هنیئاً بما كنتم تعملون .

إنّا كذلك نجزى المحسنین .

( و به نجاح طلبتكم و إلیه منتهى رغبتكم ) أى الظفر بمطالبكم و قضاء مقاصدكم و نیل حوائجكم ، فانّه تعالى قاضى حوائج السائلین و منجح طلبات الرّاغبین ، و من كان هذا شأنه یجب أن یطاع و یعبد لا أن یعصى لحكمه و یتمرّد .

( و نحوه قصد سبیلكم ) لأنّه منتهى سیر السالكین و غایة مراد المریدین ،

فلا بدّ من سلوك صراطه المستقیم المؤدّى إلى قربه و زلفاه ، و هو صراط الملازمین لطاعته و تقواه و أمّا غیرهم فانّهم عن الصراط لناكبون ، و عن لقائه محرومون .

( و إلیه مرامى مفزعكم ) یعنى إذا دهمكم الخوف و الفزع ترمیكم الأفزاع نحوه ،

لأنه یجیب المضطرّ إذا دعاه و یكشف السوء عنه إذا ناداه .

و فى الحدیث لیس وراء اللّه مرمى ، قال الطریحی : أى مقصد ترمى إلیه الآمال و یوجه نحوه الرّجاء ، تشبیها بالهدف الّتی ترمى إلیها السّهام ، و إذا كان شأنه العزیز انّه إذا فاجاكم الفزع فالیه تضرّعون ، و إذا مسّكم الضرّ فالیه تجأرون ، فلا بدّ

[ 275 ]

من أن یطاع و لا یعصى و یذكر و لا ینسى .

ثمّ لمّا وصف اللّه عزّ و علا بأوصاف توجب منه الاتّقاء أردفه بالتنبیه على منافع التّقوى و الثمرات المترتّبة علیها فی الدّین و الدّنیا لمزید الحثّ و الترغیب إلیها فقال :

( فانّ تقوى اللّه دواء داء قلوبكم ) یعنى أنّها رافعة للأمراض القلبیّة و الرّزائل النّفسانیة الموبقة من البخل و الحسد و النفاق و العداوة و البغضاء و غیرها ، لأنها مضادّة لها كما أنّ الدواء ضدّ الدّاء ( و بصر عمى افئدتكم ) بیان ذلك أنّ حصول وصف العمى للأعمى لمّا كان موجبا لعجزه عن إدراكه للمحسوسات ، و سببا لضلاله عن الطریق ، فكذلك حصول هذا الوصف للأفئدة الناشی من اتّباع الهوى و الانهماك فی الشهوات ، موجب لقصورها عن إدراك المعقولات ، و عن الاهتدا إلى الصراط المستقیم .

و كما أنّ بحسّ البصر یرتفع عمى الأبصار الظاهرة و یحصل إدراك المحسوسات فكذلك بالتقوى یرتفع عمى الأفئدة و یتمكّن من إدراك المعقولات و یهتدى إلى الصراط المستقیم ، لكونها مانعة من متابعة الهوى و انهماك الشهوات الموجبین لعماها ، و هذا معنى كونها بصرا لعمى أبصار الأفئدة .

روى فی الصافی فی تفسیر قوله تعالى أ فلم یسیروا فی الأرض فتكون لهم قلوب یعقلون بها أو آذان یسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب الّتی فی الصدور من التوحید و الخصال عن السجاد علیه السّلام أنّ للعبد أربع أعین : عینان یبصر بهما أمر دینه و دنیاه ، و عینان یبصر بهما أمر آخرته ، فاذا أراد اللّه بعبد خیرا فتح اللّه له العینین اللّتین فی قلبه فأبصر بهما الغیب و أمر آخرته ، و إذا أراد اللّه به غیر ذلك ترك القلب بما فیه .

و فیه من الكافی عن الصادق علیه السّلام إنّما شیعتنا أصحاب الأربعة أعین : عینان فی الرّأس ، و عینان فی القلب ، ألا و إنّ الخلایق كلّهم كذلك إلاّ أنّ اللّه عزّ و جلّ فتح أبصاركم و أعمى أبصارهم .

( و شفاء مرض أجسادكم ) هذا وارد مورد الغالب ، لأنّ عمدة سبب المرض هو

]]>
ادامه تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:51:47+01:00 2010-09-27T08:51:47+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/96 [ 292 ] على المطلق و یمكن إرادة المعنى الحقیقى و یكون النظر فى التشبیه إلى أنه الجادّة الوسطى بین طرفى الافراط و التفریط ، كما أنّ الفجّ هو الطریق الواسع بین الجبلین . ( و ) مضیئا ( لا انطفاء لمصابیحه ) الظاهر أنّ المراد بمصابیحه أئمة الدّین و أعلام الیقین الذینهم مصابیح الدّجى و منار الهدى ، و أراد بعدم انطفائها عدم خلوّ الأرض منهم علیهم السّلام . ( و ) حلوا ( لا مرارة لحلاوته ) لأنه أحلى و ألذّ فى أذواق المتدیّنین من كلّ حلو ، و لذیذ لا یشوبه مرارة مشقّة التكلیف . كما [ 292 ]

على المطلق و یمكن إرادة المعنى الحقیقى و یكون النظر فى التشبیه إلى أنه الجادّة الوسطى بین طرفى الافراط و التفریط ، كما أنّ الفجّ هو الطریق الواسع بین الجبلین .

( و ) مضیئا ( لا انطفاء لمصابیحه ) الظاهر أنّ المراد بمصابیحه أئمة الدّین و أعلام الیقین الذینهم مصابیح الدّجى و منار الهدى ، و أراد بعدم انطفائها عدم خلوّ الأرض منهم علیهم السّلام .

( و ) حلوا ( لا مرارة لحلاوته ) لأنه أحلى و ألذّ فى أذواق المتدیّنین من كلّ حلو ، و لذیذ لا یشوبه مرارة مشقّة التكلیف .

كما قال الصادق علیه السّلام فی قوله تعالى یا ایها الذین آمنوا كتب علیكم الصیام :

لذّة ما فى النداء أزال تعب العبادة و العناء .

( فهو دعائم أساخ فى الحقّ أسناخها ) یعنى أنّ الاسلام دعائم العبودیّة فلا ینافى حملها علیه هنا لما تقدّم سابقا من إضافتها إلیه فى قوله : أقام دعائمه على محبّته ،

و قوله : و لا زوال لدعائمه ، نظرا إلى أنّ ظهور الاضافة فی التغایر .

وجه عدم المنافاة أنّ الغرض فیما سبق تشبیه الاسلام و الدّین بالبیت فأثبت له الدّعائم على سبیل الاستعارة المكنیّة التخییلیة ، فهو لا ینافى كون الاسلام نفسه أیضا دعائم لكن للعبودیّة .

و یمكن دفع المنافاة بوجه آخر و هو أنّا قد بیّنا فیما سبق أنّ المراد بدعائم الاسلام إمّا الدعائم الّتی یأتی تفصیلها منه علیه السّلام فی باب المختار من حكمه أو خصوص العبادات الخمس أعنى الصلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و الولایة حسبما اشیر إلیه فی الحدیث الذى رویناه من البحار و فی أحادیث كثیرة غیره تركنا ذكرها ،

و على أىّ تقدیر فلمّا كان قوام الاسلام بتلك الدّعائم و ثباته علیها حتّى أنّه بدونها لا ینتفع بشی‏ء من أجزائه فجعله نفس تلك الدّعائم مبالغة من باب زید عدل .

و یوضح ذلك ما فی البحار من الكافی عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : الصّلاة عمود دینكم .

و فى الكافى أیضا باسناده عن عبید بن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال

[ 293 ]

رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : مثل الصّلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و الغشاء ، و إذا انكسر العمود لم ینفع طناب و لاوتد و لا غشاء .

و أما قوله : أساخ فی الحقّ أسناخها ، فمعناه أنّه تعالى أثبت اصولها فی الحقّ یعنی أنّه بناء محكم بنی على الحقّ و ثبت قوائمة علیه دون الباطل كما قال تعالى فأقم وجهك للدّین حنیفاً فطرة اللَّه الّتی فطر النّاس علیها لا تبدیل لخلق اللَّه ذلك الدّین القیّم أى ذلك الدّین المستقیم الحقّ .

( و ثبّت لها أساسها ) أى أحكم لهذه الدّعائم أبنیتها .

( و ینابیع غزرت عیونها ) یعنی جداول و أنهار كثیرة ماء عیونها الّتى تجریان منها ، و الظاهر أنّه من التّشبیه البلیغ ، و المراد أنّ الاسلام بما تضمّنه من الأحكام الكثیرة الاسلامیّة بمنزلة ینابیع وصفها ما ذكر ، و وجه الشّبه أنّ الینابیع منبع مادّة حیاة الأبدان و الأحكام الاسلامیّة منشأ مادّة حیاة الأرواح ، إذ بامتثالها یحصل القرب من اللّه المحصّل لحیاة الأبد .

و فی وصف المشبّه به بغزارة العیون إشارة إلى ملاحظة ذلك الوصف فی جانب المشبّه أیضا لأنّ الأحكام الاسلامیّة صادرة عن صدر النّبوّة و صدور الأئمة الّتی هى معادن العلوم الالهیّة و عیونها ، و كفى بها كثرة و غزارة .

( و مصابیح شبّت نیرانها ) و هو أیضا من التّشبیه البلیغ ، یعنی أنّ الاسلام بما فیه من الطّاعات و العبادات الّتی من وظایفه مثل المصابیح الموقدة النّیران المشتعلة الّتی هی فی غایة الاضاءة ، و وجه الشّبه أنّ المصابیح الّتی وصفها ذلك كما أنها ترفع الظلام المحسوسة ، فكذلك الطاعات الموظفة فی دین الاسلام إذا اقیست علیها تنوّر القلوب و تجلو ظلمتها المعقولة .

( و منار اقتدى بها سفّارها ) یعنی أنّه بما فیه من الأدلّة السّاطعة و البراهین القاطعة الّتی یستدلّ بها العلماء فی المقاصد ، مثل منائر یهتدى بها المسافرون فی الفلوات ، و إضافة سفار إلى ضمیر المنار من التّوسع .

و مثله قوله ( و أعلام قصد بها فجاجها ) أى مثل أعلام قصد بنصب تلك الأعلام

[ 294 ]

إهداء المسافرین فی تلك الفجاج .

( و مناهل روى بها ورّادها ) یعنی أنّه بما فیه من العلوم الاسلامیّة النقلیّة و العقلیّة بمنزلة مشارب تروى بمائها العطاش الواردون إلیها .

( جعل اللّه فیه منتهى رضوانه ) أى غایة رضاه لكونه أتمّ الوسایل و أكملها فی الایصال إلى قربه و زلفاه كما اشیر إلیه فی قوله أكملت لكم دینكم و اتممت علیكم نعمتی و رضیت لكم الاسلام دیناً و قوله انّ الدّین عند اللَّه الاسلام .

( و ذروة دعائمه ) الظاهر أنّ المراد بالدعائم العبادات التی بنیت علیها بیت العبودیّة ، و لما كان دین الاسلام أشرف الأدیان و أفضلها تكون العبادات الموظفة فیه أفضل العبادات و أعلاها ، و إضافة الدعائم إلى اللّه من باب التّشریف و التكریم باعتبار أنّها مجعولات له سبحانه أو من أجل كونها مطلوبة له تعالى .

و به یظهر أیضا معنى قوله ( و سنام طاعته ) و یستفاد من بعض الأخبار أنّ ذروة الاسلام و سنامه هو خصوص الجهاد .

و هو ما رواه فی البحار من الكافی باسناده عن سلیمان بن خالد عن أبیجعفر علیه السّلام قال : ألا اخبرك بأصل الاسلام و فرعه و ذروة سنامه ؟ قلت : بلى جعلت فداك ،

قال : أمّا أصله فالصّلاة ، و فرعه الزّكاة ، و ذروة سنامه الجهاد .

قال المحدّث العلامة المجلسی : الاضافة فی ذروة سنامه بیانیّة أو لامیّة إذ للسّنام الذى هو ذروة البعیر ذروة أیضا هو أرفع أجزائه ، و إنما صارت الصلاة أصل الاسلام لأنه بدونها لا یثبت على ساق ، و الزّكاة فرعه لأنه بدونها لا تتمّ ، و الجهاد ذروة سنامه لأنه سبب لعلوّه و ارتفاعه ، و قیل : لأنه فوق كل برّ كما ورد فی الخبر و كیف كان ( فهو عند اللّه وثیق الأركان ) لابتنائه على أدلّة محكمة و اصول متقنة ( رفیع البنیان ) كنایة عن علوّ شأنه و رفعة قدره على سایر الأدیان .

( منیر البرهان ) أى الدّلیل الدّال على حقیّته من الآیات و المعجزات الباهرة منیر واضح .

( مضی‏ء النیران ) كنایة عن كون أنواره أى العلوم و الحكم الثاقبة التی فیه فی غایة

[ 295 ]

الضیاء بحیث لا تخفى على الناظر المتدبّر .

( عزیز السلطان ) یرید أنّ حجّته قویّة أو أنّ سلطنته غالبة على سایر الأدیان كما قال تعالى لیظهره على الدّین كلّه .

( مشرف المنار ) أى مرتفع المنارة قال الشارح البحرانی : و كنى به عن علوّ قدر علمائه و أئمته و انتشار فضلهم و الهدایة بهم .

( معوز المثار ) قیل : أى یعجز الناس ازعاجه و إثارته لقوّته و ثباته و متانته و قال البحرانی : أى یعجز الخلق إثارة دفائنه و استخراج ما فیه من كنوز الحكمة و لا یمكنهم استقصاؤها ، و فی بعض النسخ معوز المثال أى یعجز الخلق عن الاتیان بمثله ، و فی بعضها معوز المنال أى یعجزون عن النیل و الوصول إلى نكاته و دقائقه و أسراره .

( فشرّفوه ) أى عظّموه و عدّوه شریفا و اعتقدوه كذلك ( و اتّبعوه و أدّوا إلیه حقّه ) أى ما یحقّه من الاتّباع الكامل ( و ضعوه مواضعه ) أراد به الكفّ عن تغییر أحكامه و العلم بمرتبته و مقداره الذى جعله اللّه له ، أو العمل بجمیع ما تضمّنه من الأوامر و النواهی ، و فّقنا اللّه لذلك بجاه محمّد و آله سلام اللّه علیه و علیهم .

الترجمة

فصل ثانى از این خطبه شریفه در وصف اسلام است و ذكر فضایل آن میفرماید :

پس بدرستى این اسلام دین خداست كه پسند فرموده آنرا از براى خودش و برگزیده آنرا در حالتى كه عالمست بفضیلت آن ، و خالص گردانیده بأو بهترین خلق خود را كه پیغمبر آخر الزّمان صلّى اللّه علیه و آله باشد ، و بر پا داشته ستونهاى آن را بر بالاى محبّت خود ، ذلیل نموده دینها را بسبب عزیزى آن ، و پست فرموده ملّتها را بجهت بلندى آن ، و خوار نموده دشمنهاى خود را بجهت گرامى داشتن آن ، و ذلیل كرده معاندین خود را با یارى كردن آن ، و خراب كرده أركان ضلالت و گمراهى را با ركن آن ، و سیراب فرموده تشنگان را از حوضهاى آن ، و پر كرده حوضها را

[ 296 ]

با آب كشندگان آن .

پس گردانیده آن را كه گسیخته نمى‏شود جاى دستگیر آن ، و فك نمیشود حلقه آن ، و خرابى نیست اساس آن را و زوال نیست ستونهاى آن را ، و بر كندگى نیست درخت آن را ، و انقطاع نیست مدّت او را ، و اندراس نیست شریعتهاى او را و بریدگى نیست شاخهاى او را ، و تنگى نیست راههاى آنرا ، و دشوارى نیست أز براى سهولت آن ، و سیاهى نیست از براى سفیدى آن ، و كجى نیست أز براى استقامت آن و اعوجاج نیست از براى چوب آن ، و صعوبت نیست از براى راههاى آن ،

و خاموشى نیست چراغهاى آن را ، و تلخى نیست شیرینی آنرا .

پس آن اسلام ستونهائیست كه ثابت و محكم كرده خدا در حقّ اصلهاى آنها را ، و بغایت مستحكم نموده از براى آنها بنیانهاى آنها را ، و نهرهاى پر آبیست كه زیاده است آبهاى چشمهاى آنها ، و چراغهائیست كه أفروخته شده آتشهای آنها و مناره‏هائیست كه هدایت یافته با آنها مسافران آنها ، و علمهائیست كه قصد كرده شده با آنها راه روندگان گدوكهاى آنها ، و سرچشمهائیست كه سیراب شده با آنها واردین بآنها ، گردانیده است خداوند تبارك و تعالى در او غایت رضاى خود را ، و بلندتر ستونهاى خود را ، و كوهان طاعت خود را .

پس او است در نزد خدا كه محكم است ركنهاى آن ، و بلند است بنائى آن نورانى است دلیل آن ، روشن است آتشهاى آن ، عزیز است سلطنت آن ، بلند است مناره آن ، نا یابست معارضه گرى آن ، پس مشرّف و گرامى دارید او را ، و تبعیّت نمائید بآن ، و أدا كنید بأو حقّ او را و بگذارید او را جائیكه لایق او است .

[ 297 ]

الفصل الثالث و الرابع فى بعثة النبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و نبذ من فضایل القران

ثمّ إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله حین دنا من الدّنیا الانقطاع ، و أقبل من الآخرة الاطّلاع ، و أظلمت بهجتها بعد إشراق ، و قامت بأهلها على ساق ، و خشن منها مهاد ، و أزف منها قیاد ، فی انقطاع من مدّتها ،

و اقتراب من أشراطها ، و تصرّم من أهلها ، و انفصام من حلقتها ، و انتشار من سببها ، و عفآء من أعلامها ، و تكشّف من عوراتها ، و قصر من طولها جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته ، و كرامة لامّته ، و ربیعا لاهل زمانه ، و رفعة لاعوانه ، و شرفا لأنصاره .

ثمّ أنزل علیه الكتاب نورا لا تطفا مصابیحه ، و سراجا لا یخبو توقّده و بحرا لا یدرك قعره ، و منهاجا لا یضلّ نهجه ، و شعاعا لا یظلم ضوئه و فرقانا لا یخمد برهانه ، و بنیانا لا تهدم أركانه ، و شفآء لا تخشى أسقامه و عزّا لا تهزم أنصاره ، و حقّا لا تخذل أعوانه .

فهو معدن الایمان و بحبوحته ، و ینابیع العلم و بحوره ، و ریاض العدل و غدرانه و أثافیّ الاسلام و بنیانه ، و أودیة الحقّ و غیطانه ، و بحر

[ 298 ]

لا ینزفه المستنزفون « المنتزفون خ ل » ، و عیون لا ینضبها الماتحون ،

و مناهل لا یغیضها الواردون و منازل لا یضلّ نهجها المسافرون ، و أعلام لا یعمى عنها السّایرن ، و آكام لا یجوز عنها القاصدون .

جعله اللّه ریّا لعطش العلمآء ، و ربیعا لقلوب الفقهاء ، و محاجّ لطرق الصّلحاء ، و دوآء لیس معه « بعده خ ل » داء ، و نورا لیس معه ظلمة و حبلا وثیقا عروته ، و معقلا منیعا ذروته ، و عزّا لمن تولاّه ، و سلما لمن دخله ، و هدى لمن ائتمّ به ، و عذرا لمن انتحله ، و برهانا لمن تكلّم به ، و شاهدا لمن خاصم به ، و فلجا لمن حاجّ به ، و حاملا لمن حمله ، و مطیّة لمن أعمله ، و آیة لمن توسّم ، و جنّة لمن استلام ، و علما لمن وعى ، و حدیثا لمن روى ، و حكما لمن قضى .

اللغة

( الاطلاع ) الاشراف من موضع عال و ( السّاق ) الشّدّة قال تعالى و التفّت السّاق بالساق أى اتّصلت آخر شدّة الدّنیا بأوّل شدّة الآخرة و ( المهاد ) بالكسر كالمهد موضع یهیّا للصّبی و الفراش و ( قاد ) الرّجل الفرس قودا من باب قال و قیادا بالكسر و هو نقیض السّوق قال الخلیل : القود أن یكون الرّجل أمام الدّابة آخذا بقیادها ، و السّوق أن یكون خلفها ، فان قادها لنفسه قیل : اقتادها ، و المقود بالكسر الحبل یقاد به ، و القیاد مثله مثل لحاف و ملحف .

و ( العورة ) السوءة و كلّ أمر یستحى منه و ( الطول ) الامتداد یقول طال الشی‏ء

[ 299 ]

طولا بالضمّ امتدّ و خلاف العرض ، و فی بعض النسخ من طولها وزان عنب و هو حبل تشدّ به قائمة الدّابة أو تشدّ و تمسك طرفه و ترسلها ترعى ، و طال طولك و طیلك و طیالك أى عمرك أو مكثك أو غیبتك .

( و منهاجا لا یضلّ نهجه ) المنهاج و النهج وزان فلس الطریق الواضح ، و نهج الطریق نهجا من باب منع سلكه ، و یضلّ من باب الافعال و فی بعض النسخ بصیغة المجرّد .

و ( الغدران ) جمع الغدیر و هو النهر و ( الأثافی ) بفتح الهمزة و تشدید الیاء كاثاف جمع الاثفیة بالضمّ و بالكسر و هو الحجر یوضع علیه القدر و الأثافی الأحجار الموضع علیها القدر على شكل مثلّث و ( نضب ) الماء نضوبا من باب قعد غار فی الأرض و ینضب بالكسر من باب ضرب لغة .

و ( غاض ) الماء غیضا من باب سار نضب و قلّ ، و غاضه اللّه بتعدّى و لا یتعدّى فالماء مغیض قال الشارح المعتزلی و روى لا یغیضها بالضمّ على قول من قال أغضت الماء و هی لغة غیر مشهورة .

و ( الأكمة ) بالتحریك التلّ ، و قیل : شرفة كالرّابیة و هو ما اجتمع من الحجارة فی مكان واحد ، و ربّما غلظ و الجمع اكم و اكمات مثل قصبة و قصب و قصبات و جمع الاكم اكام مثل جبل و جبال ، و جمع الاكام اكم بضمّتین مثل كتاب و كتب و جمع الاكم أكام مثل عنق و أعناق هكذا قال الفیومی .

و ( المحجّة ) بالفتح جادّة الطریق و ( الفلج ) بالضّم اسم من الفلج و هو الظفر و الفوز و فلج بحجّته أثبتها ، و أفلج اللّه حجّته أظهرها و ( وعى ) الحدیث وعیا من باب وعد حفظه و جمعه و تدبّره .

الاعراب

قوله : فی انقطاع من مدّتها ظرف لغو متعلّق بقوله أزف و فی بمعنى مع و یحتمل أن یكون ظرفا مستقرّا متعلّقا بمقدّر حالا من قیاد ، و قوله : نورا بدل من الكتاب ، و قوله : و منهاجا لا یضلّ نهجه إن كان من باب الافعال فنهجه منصوب على

[ 300 ]

المفعول و الفاعل ضمیر مستكن راجع إلى منهاجا ، و إن كان بصیغة المجرّد فهو مرفوع على الفاعل و اسناد الفعل الیه من المجاز العقلی أو المصدر بمعنى الفاعل فمجاز لغویّ و الاسناد حینئذ على حقیقته .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لمّا ذكر فی الفصل السّابق فضل الاسلام و شرفه أردفه بهذا الفصل و أشار فیه إلى بعثة من جاء بالاسلام ، و شرح حال زمان البعثة تنبیها بذلك على عظم ما ترتّب على بعثه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الفوائد العظیمة ، ثمّ عقّب بذكر أعظم نعمة أنعم اللّه به على عباده ببعثه و هو تنزیل الكتاب العزیز و ذلك قوله :

( ثمّ إن اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) بالهدى و دین الحقّ ( حین دنا من الدّنیا الانقطاع و أقبل من الآخرة الاطلاع ) الظاهر أنّ المراد به قرب انقطاع دنیا كلّ امّة و إقبال آخرتهم بحضور موتهم حسبما عرفت تفصیله فى شرح قوله : أمّا بعد فانّ الدّنیا قد أدبرت و آذنت بوداع و أنّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع ، من الخطبة الثامنة و العشرین .

و یحتمل أن یراد به قرب زوالها بالكلّیة و إشراف الآخرة و القیامة الكبرى بناء على أنّ ما مرّ من عمر الدّنیا أكثر ممّا بقى ، و یعضده بعض الأخبار .

مثل ما رواه فی البحار من البرسی فی مشارق الأنوار عن الثمالی عن علیّ ابن الحسین علیهما السّلام قال : إنّ اللّه خلق محمّدا و علیّا و الطیّبین من ذریّتهما من نور عظمته و أقامهم أشباحا قبل المخلوقات ، ثمّ قال الظنّ إنّ اللّه لم یخلق خلقا سواكم بلى و اللّه لقد خلق اللّه ألف ألف آدم و ألف ألف عالم و أنت و اللّه فی آخر تلك العوالم .

و فیه أیضا من جامع الأخبار قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ موسى سأل ربّه عزّ و جلّ أن یعرّفه بدء الدّنیا منذكم خلقت فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى تسألنی عن غوامض علمی فقال : یا ربّ أحبّ أن أعلم ذلك ، فقال : یا موسى خلقت الدّنیا منذ مأة ألف ألف عام عشر مرات و كانت خرابا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فعمرتها خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت فیها خلقا على مثال البقر یاكلون رزقى

[ 301 ]

و یعبدون غیرى خمسین ألف عام ، ثمّ امتّهم كلّهم فی ساعة واحدة ، ثمّ خربت الدّنیا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت عامرة خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت فیها بحرا فمكث البحر خمسین ألف عام لا شی‏ء مجاجا من الدّنیا یشرب ، ثمّ خلقت دابّة و سلّطتها على ذلك البحر فشربه بنفس واحد ، ثمّ خلقت خلقا أصغر من الزّنبور و أكبر من البقّ فسلّطت ذلك الخلق على هذه الدّابّة فلدغها و قتلها ، فمكثت الدّنیا خرابا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت خمسین ألف سنة ، ثمّ جعلت الدّنیا كلّها آجام القصب و خلقت السّلاحف و سلّطتها علیها فأكلتها حتّى لم یبق منها شی‏ء ، ثمّ أهلكتها فی ساعة واحدة فمكثت الدّنیا خرابا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت عامرة خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت ثلاثین آدم ثلاثین ألف سنة من آدم إلى آدم ألف سنة ، فأفنیتهم كلّهم بقضائی و قدرى ، ثمّ خلقت فیها ألف ألف مدینة من الفضّة البیضاء ، و خلقت فی كلّ مدینة مأة ألف ألف قصر من الذّهب الأحمر ، فملئت المدن خردلا عند الهواء یومئذ ألذّ من الشهد و أحلى من العسل و أبیض من الثلج ، ثمّ خلقت طیرا أعمى و جعلت طعامه فی كلّ ألف سنة حبّة من الخردل أكلها كلّها حتّى فنیت ، ثمّ خرّبتها فمكثت خرابا خمسین ألف عام ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت عامرة خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت أباك آدم بیدى یوم الجمعة وقت الظهر و لم أخلق من الطین غیره ، و أخرجت من صلبه النبیّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و هذان الخبران كما ترى یعضدان ما ذكرناه من كون الغابر من الدّنیا أكثر من الباقی .

لكن العلامة المجلسی « قد » قال فی المجلّد التاسع من البحار بعد ایراد روایة البرسی : لا أعتمد على ما تفرّد بنقله ، و قال فی المجلّد الرّابع عشر بعد روایة الخبر الثانی من جامع الأخبار : هذه من روایات المخالفین أوردها صاحب الجامع فأوردتها و لم أعتمد علیها .

فعلى ذلك لا یمكن التعویل علیهما مع منافاتهما لما رواه المحدّث الجزائرى

[ 302 ]

فى الأنوار عن ابن طاووس « ره » أنّ عمر الدّنیا مأة ألف سنة یكون منها عشرون ألف سنة ملك جمیع أهل الدّنیا ، و یكون ثمانون ألف سنة منها مدّة ملك آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأولى ردّ علم ذلك إلى اللّه و الرّاسخون فى العلم علیهم السّلام هذا .

و قوله ( و أظلمت بهجتها بعد اشراق ) أراد به أنّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على حین فترة من الرّسل بعد ما كانت الدّنیا مبتهجة بوجودهم مشرقة مضیئة بأنوار هدایتهم ، فأظلمت بهجتها أى ذهب حسنها و نضارتها بطول زمان الفترة و تمادى مدّة الغفلة و الضلالة .

( و قامت بأهلها على ساق ) قد مضى تحقیق معنى هذه الجملة فی شرح الخطبة المأة و الثامنة و الثلاثین فلیراجع ثمّة و محصّل المراد بلوغها حین بعثته إلى غایة الشدّة بأهلها لما كانت علیه العرب حینئذ من ضیق العیش و الضّر و الحروب و القتل و الغارة و إثارة الفتن و تهییج الشرور و المفاسد كما قال علیه السّلام فی الخطبة السّادسة و العشرین : إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نذیرا للعالمین و أمینا على التنزیل ، و أنتم معشر العرب على شرّ دین و فى شرّ دار منیخون بین حجارة خشن و حیات صمّ ، تشربون الكدر ، و تأكلون الجشب ،

و تسفكون دمائكم و تقطعون أرحامكم آه .

( و خشن منها مهاد ) كنایة عن عدم الاستقرار بها و فقدان طیب العیش و الرّاحة ،

لأنّ ذلك إنّما یتمّ بانتظام الشرایع و ثبات قوانین العدل و یرتفع بارتفاعها .

( و أزف منها قیاد ) أى قرب منها اقتیاد أهلها و تعریضهم بالهلاك و الفناء ، أو انقیادها بنفسها للعدم و الزّوال ، و الثانی أظهر بملاحظة الظروف الّتی بعدها أعنی قوله .

( فی انقطاع من مدّتها ) و انخراطها فی سلك العدم .

( و اقتراب من أشراطها ) أی آیاتها و علاماتها الدّالّة على زوالها ، و المراد بها أشراط السّاعة الّتی اشیر الیها فی قوله تعالى فهل ینظرون الاّ السّاعة أن تأتیهم بغتة فقد جاء أشراطها و قوله انّه لعلم للساعة فلا تمترنّ بها و قوله یوم تأتی السّماء بدخان مبین . یغشی النّاس هذا عذاب الیم .

[ 303 ]

و انّما جعلها من أشراط الدّنیا مع كونها من أشراط السّاعة لوقوعها فی الدّنیا مع أنّها كما تدلّ على قرب القیامة تدلّ على انقطاع الدّنیا و تمامها ، فتكون أشراطا لهما معا ، و مضى تفصیل هذه الأشراط فی شرح الخطبة المأة و التاسعة و الثمانین .

و روى فی الصافی فی حدیث أشراط السّاعة : أوّل الآیات الدّخان و نزول عیسى و نار تخرج من قعر عدن ابین تسوق النّاس إلى المحشر .

و فى البحار من مجمع البیان و روى عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : بادروا بالأعمال ستّا : طلوع الشمس من مغربها ، و الدّابّة ، و الدّجّال ، و الدّخان ، و خویصة أحدكم أى موته ، و أمر العامّة یعنی القیامة .

( و تصرّم من أهلها ) أى انقطاع منهم ( و انفصام من حلقتها ) أى انكسار و اندراس من نظام أهلها و اجتماعهم على الشریعة و الدّین ( و انتشار من سببها ) أى تفرّق من حبلها و ربقتها المشدودة بها رقاب أهلها و هو حبل الاسلام .

( و عفاء من اعلامها ) أى دروس منها و هو كنایة عن فقدان الأنبیاء و العلماء الصّالحین الذین یهتدى بهم فی ظلمات الجهالة و یستضاء بأنوارهم فی بوادى الضّلالة .

( و تكشّف من عوراتها ) أى ظهور من معایبها و مساویها الّتی كانت مستورة بحجاب الشرایع و استار الاسلام .

( و قصر من طولها ) أى من تمادیها و امتدادها أو المراد قصر عمرها على روایة طول بكسر الطّاء و فتح الواو .

و تعدید هذه الحالات الّتی كان علیها النّاس حین بعثه صلّى اللّه علیه و آله و شرحها و بسطها تذكیرا للمخاطبین بأنّ بعثه فی مثل تلك الحالات أعظم من منّ اللّه تعالى به على عباده ، لیؤدّ السامعون بتذكّره و ذكراه وظایف شكر تلك النعمة العظمى ، و یقوموا بمراسم حمده حیث أنقذهم ببعثه سلام اللّه علیه و آله من ورطات الكفر و الضّلال ،

و أنجاهم من العقاب و الوبال .

( جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته ) أى تبلیغا لها كما فی قوله تعالى و ما على الرّسول الاّ البلاغ أى إلاّ أداء الرّسالة و بیان الشریعة أو كفایة لها كما فی قوله

[ 304 ]

تعالى فی وصف القرآن هذا بلاغ للنّاس و لینذروا به أى موعظة بالغة كافیة ،

و على المعنیین فلا بد من جعل المصدر بمعنى الفاعل أى جعله عزّ و جلّ مبلّغا للرسالة أو كافیا لها أى غیر محتاج معه إلى رسول آخر ، و لذلك كان صلّى اللّه علیه و آله خاتم النّبوة .

( و كرامة لامّته ) أى أكرمهم عزّ و جلّ بجعله رسولا لهم و جعلهم امّة له صلّى اللّه علیه و آله و فضّلهم بذلك على سایر الامم .

( و ربیعا لأهل زمانه ) تشبیهه بالرّبیع إمّا من أجل ابتهاجهم ببهجة جماله و بدیع مثاله كما یبتهج النّاس بالرّبیع و نضراته و طراوته ، أو من أجل أنّ أهل زمانه قد خرجوا بوجوده الشریف من ضنك المعیشة إلى الرّخا و السعة ، كما أنّ الناس یخرجون فی الرّبیع من جدب الشتاء و ضیق عیشها إلى الدّعة و الرفاهة .

( و رفعة لأعوانه و شرفا لأنصاره ) یحتمل رجوع الضمیرین الى اللّه كما فی الفقرة الاولى و إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كما فی الفقرتین الأخیرتین ، و على أىّ تقدیر فالمراد بالأعوان و الأنصار المسلمون أمّا كونهم أنصارا له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فواضح ، و أمّا جعلهم أنصارا و عونا للّه عزّ و جلّ على الاحتمال الأول فلكونهم أنصار دین اللّه و أعوان رسوله ، أضافهما إلیه تعالى تشریفا و تكریما .

و كیف كان فقد شرف اللّه تعالى المسلمین و رفع شأنهم فى الدّنیا و الآخرة بمتابعتهم لرسوله و معاونتهم له و سلّطهم على محادّیه و جاحدیه لعنهم اللّه تعالى و عذّبهم عذابا ألیما ، هذا .

و لمّا ذكر بعثة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و أشار إلى بعض فواید بعثه أردفه بذكر أعظم معجزات النّبوة و هو الكتاب العزیز ، و أشار إلى جملة من أوصافه و مزایاه تنبیها على علوّ قدره و عزّة شأنه فقال :

( ثمّ أنزل علیه الكتاب ) و عدّ به اثنین و أربعین منقبة .

أولها كونه ( نورا لا تطفى مصابیحه ) أمّا أنّه نور فلاهتداء النّاس به من ظلمات الجهل كما یهتدى بالنور المحسوس فی ظلمة اللّیل قال تعالى إنّ هذا القرآن یهدى للّتی هی أقوم و أمّا مصابیحه فاستعارة لطرق الاهتداء و فنون العلوم الّتی تضمّنها القرآن .

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:47:37+01:00 2010-09-27T08:47:37+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/95 [ 199 ] و من كلام له ع كان یوصی به أصحابه الصلاة تَعَاهَدُوا أَمْرَ اَلصَّلاَةِ وَ حَافِظُوا عَلَیْهَا وَ اِسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا فَإِنَّهَا كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِینَ كِتاباً مَوْقُوتاً أَ لاَ تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ اَلنَّارِ حِینَ سُئِلُوا ما سَلَكَكُمْ فِی سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّینَ وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ اَلذُّنُوبَ حَتَّ اَلْوَرَقِ وَ تُطْلِقُهَا إِطْلاَقَ اَلرِّبَقِ وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ص بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَا

[ 199 ] و من كلام له ع كان یوصی به أصحابه الصلاة

تَعَاهَدُوا أَمْرَ اَلصَّلاَةِ وَ حَافِظُوا عَلَیْهَا وَ اِسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا فَإِنَّهَا كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِینَ كِتاباً مَوْقُوتاً أَ لاَ تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ اَلنَّارِ حِینَ سُئِلُوا ما سَلَكَكُمْ فِی سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّینَ وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ اَلذُّنُوبَ حَتَّ اَلْوَرَقِ وَ تُطْلِقُهَا إِطْلاَقَ اَلرِّبَقِ وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ص بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ اَلرَّجُلِ فَهُوَ یَغْتَسِلُ مِنْهَا فِی اَلْیَوْمِ وَ اَللَّیْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا عَسَى أَنْ یَبْقَى عَلَیْهِ مِنَ اَلدَّرَنِ وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ اَلْمُؤْمِنِینَ اَلَّذِینَ لاَ تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِینَةُ مَتَاعٍ وَ لاَ قُرَّةُ عَیْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَ لاَ مَالٍ یَقُولُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ وَ إِقامِ اَلصَّلاةِ وَ إِیتاءِ اَلزَّكاةِ وَ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلاَةِ بَعْدَ اَلتَّبْشِیرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ لِقَوْلِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اِصْطَبِرْ عَلَیْها فَكَانَ یَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَ یَصْبِرُ عَلَیْهَا نَفْسَهُ الزكاة ثُمَّ إِنَّ اَلزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ اَلصَّلاَةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ اَلْإِسْلاَمِ فَمَنْ أَعْطَاهَا طَیِّبَ اَلنَّفْسِ بِهَا فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً وَ مِنَ اَلنَّارِ حِجَازاً وَ وِقَایَةً فَلاَ یُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لاَ یُكْثِرَنَّ عَلَیْهَا لَهَفَهُ فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَیْرَ طَیِّبِ اَلنَّفْسِ بِهَا یَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ مَغْبُونُ اَلْأَجْرِ ضَالُّ اَلْعَمَلِ طَوِیلُ اَلنَّدَمِ الأمانة ثُمَّ أَدَاءَ اَلْأَمَانَةِ فَقَدْ خَابَ مَنْ لَیْسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى اَلسَّمَاوَاتِ اَلْمَبْنِیَّةِ وَ اَلْأَرَضِینَ اَلْمَدْحُوَّةِ وَ اَلْجِبَالِ ذَاتِ اَلطُّولِ اَلْمَنْصُوبَةِ فَلاَ أَطْوَلَ وَ لاَ أَعْرَضَ وَ لاَ أَعْلَى وَ لاَ أَعْظَمَ مِنْهَا وَ لَوِ اِمْتَنَعَ شَیْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لاَمْتَنَعْنَ وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ اَلْعُقُوبَةِ وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ اَلْإِنْسَانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً علم اللّه تعالى إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لاَ یَخْفَى عَلَیْهِ مَا اَلْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِی لَیْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ وَ جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُكُمْ عُیُونُهُ وَ خَلَوَاتُكُمْ عِیَانُهُ


و من كلام له علیه السّلام و هو المأة و الثامن و التسعون من المختار فى باب الخطب

و هو مروىّ فی الكافی ببسط و اختلاف كثیر تطلع علیه بعد الفراغ من شرح ما أورده السیّد ( ره ) هنا

[ 318 ]

تعاهدوا أمر الصّلاة و حافظوا علیها ، و استكثروا منها ، و تقرّبوا بها ، فانّها كانت على المؤمنین كتابا موقوتا ، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حیث سئلوا ما سلككم فی سقر ، قالوا لم نك من المصلّین و انّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق ، و تطلقها إطلاق الرّبق ، و شبّهها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالحمّة تكون على باب الرّجل ، فهو یغتسل منها فی الیوم و اللّیلة خمس مرّات ، فما عسى أن یبقى علیه من الدّرن ، و قد عرف حقّها رجال من المؤمنین الّذین لا تشغلهم عنها زینة متاع ، و لا قرّة عین من ولد و لا مال ، یقول اللّه سبحانه : رِجالٌ لا تُلْهیهُمْ تِجارَةٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلوةِ و إِیتاءِ الزَّكوةِ » و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نصبا بالصّلاة بعد التّبشیر له بالجنّة ، لقول اللّه سبحانه « وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها » فكان یأمر أهله و یصبّر علیها نفسه .

ثمّ إنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الإسلام ، فمن أعطیها طیّب النّفس بها فإنّها تعجل له كفّارة ، و من النّار حجازا و وقایة ، فلا یتبعنّها أحد نفسه ، و لا یكثرنّ علیها لهفه ، فانّ من أعطاها غیر طیّب النّفس بها یرجو بها ما هو أفضل منها ، فهو جاهل بالسّنّة ، مغبون الاجر ، ضالّ العمل ، طویل النّدم .

[ 319 ]

ثمّ أدآء الامانة فقد خاب من لیس من أهلها ، إنّها عرضت على السّماوات المبنیّة ، و الارضین المدحوّة ، و الجبال ذات الطّول المنصوبة فلا أطول ، و لا أعرض ، و لا أعلى ، و لا أعظم منها ، و لو امتنع شی‏ء بطول ، أو عرض ، أو قوّة ، أو عزّ ، لامتنعن و لكن أشفقن من العقوبة ، و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ ، و هو الانسان إنّه كان ظلوما جهولا .

إنّ اللّه سبحانه لا یخفى علیه ما العباد مقترفون فی لیلهم و نهارهم ،

لطف به خبرا ، و أحاط به علما ، أعضائكم شهوده ، و جوارحكم جنوده ، و ضمائركم عیونه ، و خلواتكم عیانه .

اللغة

( تعاهدوا أمر الصّلاة ) و روى تعهّدوا بدله یقال تعهّدت الشی‏ء و تعاهدته تردّدت إلیه و تفقّدته و أصلحته ، و حقیقته تجدید العهد به ، و فى الدّعاء عند الحجر الأسود :

میثاقی تعهّدته لتشهد لی بالموافاة یوم القیامة ، و فی روایة العلل عن أبیعبد اللّه علیه السّلام تعاهدته بدله ، أى جدّدت العهد به ، قال الفیومی : قال الفارابى : تعهّدته أفصح من تعاهدته ، و قال ابن فارس و لا یقال تعاهدته ، لأنّ التعاهد لا یكون إلاّ من اثنین و یردّه كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام على روایة السیّد ، و دعاء الحجر على روایة العلل و ما فی الحدیث من قوله : تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم .

و ( حتّ ) الرّجل الورق من الشجر حتا من باب مدّ أسقطه و أزاله ، و تحاتت

[ 320 ]

الشّجرة تساقط ورقها و ( الرّبق ) وزان عنب جمع ربق بالكسر وزان حمل حبل فیه عدّة عرى یشدّ به البهم ، و كلّ عروة ربقة و ( الحمة ) بفتح الحاء المهملة كلّ عین فیها ماء حارّ ینبع یستشفى بها الأعلاء ، و فی بعض النّسخ بالجیم و هى البئر الكثیرة الماء و ( الدّرن ) محرّكة الوسخ .

و ( اقام الصّلاة ) أصله إقوام مصدر أقوم مثل أكثر أكرم إكراما ، و التّاء فی إقامة عوض من العین السّاقط بالاعلال ، فلما اضیفت اقیمت الاضافة مقام حرف التّعویض و ( نصب ) نصبا كتعب وزنا و معنى فهو نصب .

و ( یصبّر علیها نفسه ) بالتثقیل أى یأمرها بالصّبر من صبّرته أى حملته على الصّبر بوعد الأجر ، و قلت له : اصبر و یروى بالتّخفیف أى یحبس علیها نفسه و ( القربان ) كفرقان اسم لما یتقرّب به إلى اللّه من أعمال البرّ .

و قوله ( فلا یتبعنّها ) بنون التّوكید مثقّلة من اتبعت فلانا لحقته قال تعالى فأتبعهم فرعون بجنوده أى لحقهم و ( العیان ) بالكسر المعاینة یقال لقاه عیانا أى معاینة لم یشكّ فی رؤیته إیّاه .

الاعراب

قوله : على المؤمنین ، متعلّق بقوله : موقوتا قوله : فما عسى أن یبقى علیه من الدّرن ، كلمة ما نافیة و عسى تامّة بمعنى كاد ، و أن یبقى علیه ، فی موضع رفع بأنّه فاعل عسى كما فی قوله تعالى عسى أن تكرهوا شیئاً و فاعل یبقى محذوف و من الدّرن بیان للفاعل المحذوف أى یبقى علیه شی‏ء من الدّرن .

و قوله تعالى : رجال ، فاعل یسبّح المذكور قبل ذلك ، قال سبحانه یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال رجال لا تلهیهم و على قراءة یسبّح مبنیّا للمفعول فالجار و المجرور أعنی له نایب عن الفاعل و رجال مرفوع بفعل محذوف یدل علیه الفعل المذكور كأنّه بعد ما قیل یسبّح له سئل عن المسبّح فقیل : رجال ، أى یسبّح له

[ 321 ]

رجال على حدّ قول الشّاعر :

لیبك یزید ضارع لخصومة
و مختبط ممّا تطیح الطوایح

أى یبكیه ضارع ، و قوله : طیّب النّفس ، منصوب على الحال من فاعل أعطى ،

و قوله : غیر طیّب النّفس ، و جملة یرجو بها منصوبان لفظا و محلا أیضا على الحال و قوله : لا یخفى علیه ما العباد مقترفون ، كلمة ما موصولة منصوبة محلا مفعول یخفى و ما بعدها صلة لها و العاید محذوف أى مقترفون له .

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الكلام الشّریف على فصول ثلاثة الفصل الاول فی الأمر بالصّلاة و الحثّ علیها و الفصل الثانى فی الترغیب فی الزّكاة و الالزام بها و الفصل الثالث فی التحضیض على أداء الأمانة و التّحذیر من المعاصی .

اما الفصل الاول

فهو قوله ( تعاهدوا أمر الصلاة ) أى جدّدوا العهد بها و راقبوا علیها فی أوقاتها المخصوصة و لا تضیّعوها و لا تغفلوا عنها ، لأنها عماد الدّین ، و معراج المؤمنین ،

و قربان كلّ تقىّ و مؤمن نقیّ ، و أوّل ما یحاسب به العبد إن قبلت قبل ما سواها و إن ردّت ردّ ما سواها .

و قد ذمّ اللّه أقواما توانوا عنها و استهانوا بأوقاتها فقال : « فویل للمصلّین الذینهم عن صلواتهم ساهون » قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی روایة الخصال : یعنی أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها .

( و حافظوا علیها ) أى على أوقاتها و رعایة آدابها و سننها و حدودها و مراسمها و شروطها و أركانها .

[ 322 ]

فلقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من ترك صلاته متعمّدا فقد هدم دینه .

و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا تضیعوا صلاتكم فانّ من ضیع صلاته حشره اللّه تعالى مع قارون و فرعون و هامان لعنهم اللّه و أخزاهم و كان حقا على اللّه أن یدخله النار مع المنافقین فالویل لمن لم یحافظ على صلاته .

و قال أبو جعفر علیه السّلام إنّ الصلاة إذا ارتفعت فی أوّل وقتها رجعت إلى صاحبها و هی بیضاء مشرقة ، تقول : حفظتنی حفظك اللّه و إذا ارتفعت فی غیر وقتها بغیر حدودها رجعت إلى صاحبها و هى سوداء مظلمة ، تقول : ضیّعتنى ضیّعك اللّه .

و قد أمر اللّه عزّ و جل بمحافظتها فی الكتاب العزیز بقوله : حافظوا على الصّلوات و الصلوة الوسطى و قوموا للَّه قانتین .

قال أمین الاسلام الطبرسى : أى داوموا على الصلوات المكتوبات فی مواقیتها بتمام أركانها ، ثمّ خص الوسطى تفخیما لشأنها فقال : و الصّلوة الوسطى و قال المحدّث العلاّمة المجلسى : و یدلّ بناء على كون الأمر مطلقا أو خصوص أمر القرآن للوجوب على وجوب المحافظة على جمیع الصّلوات إلاّ ما أخرجها الدلیل ، و ربما یستدلّ بها على وجوب صلاة الجمعة و العیدین و الآیات ،

و لكن فی بعض الرّوایات أنّ المراد بها الصّلوات الخمس ، و على تقدیر العموم یمكن تعمیمها بحیث یشمل النّوافل و التّطوّعات أیضا ، فلا یكون الأمر على الوجوب ،

و یشمل رعایة السّنن فی الصلاة الواجبة أیضا كما یفهم من بعض الأخبار .

و خصّ الصلاة الوسطى بذلك بعد التعمیم لشدّة الاهتمام بها لمزید فضلها أو لكونها معرضة للضّیاع من بینها فهى الوسطى بین الصلاة وقتا أو عددا او الفضلى من قولهم للأفضل الأوسط .

و قد قال بتعیین كلّ من الصلوات الخمس قوم إلاّ أنّ أصحابنا لم یقولوا بغیر الظهر و العصر كما یظهر من المنتهى و غیره .

فقال الشیخ فی الخلاف : إنّها الظهر و تبعه جماعة من أصحابنا و به قال زید بن ثابت عایشة و عبد اللّه بن شداد ، لأنّها بین صلاتین بالنّهار ، و لأنّها فى وسط النّهار ، و لأنّها تقع

[ 323 ]

فى شدّة الحرّ و الهاجرة وقت شدّة تنازع الانسان إلى النّوم و الرّاحة فكانت أشقّ ، و أفضل العبادات أحمزها ، و أیضا الأمر بمحافظة ما كان أشقّ أنسب و أهمّ و لأنّها أوّل صلاة فرضت و لأنها فی الساعة الّتی یفتح فیها أبواب السماء فلا تغلق حتّى تصلّى الظهر و یستجاب فیها الدّعاء .

و روى الجمهور عن زید بن ثابت قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یصلّى الظهر بالهاجرة و لم یكن یصلّى صلاة أشدّ على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منها فنزلت الآیة .

و روى التّرمدى و أبو داود عن عایشة عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قرء حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر .

قال فی المنتهى : و العطف یقتضى المغایرة لا یقال : الواو زایدة كما فی قوله تعالى و لكن رسول اللَّه و خاتم النّبیین لأنّا نقول : الزّیادة منافیة للأصل فلا یصار إلیه إلاّ لموجب و المثال الذى ذكروه نمنع زیادة الواو فیه بل هى للعطف على بابها و قال فی مجمع البیان : كونها الظهر هو المرویّ عن الباقر و الصادق علیهما السّلام و روى فیه عن علیّ علیه السّلام أنّها الجمعة یوم الجمعة و الظهر فى سایر الأیام .

و قال السید المرتضى هى صلاة العصر و تبعه جماعة من أصحابنا ، و به قال أبو هریرة و أبو أیّوب و أبو سعید عبیدة السلمانى و الحسن و الضّحاك و أبو حنیفة و أصحابه و أحمد و نقله الجمهور عن علیّ علیه السّلام قالوا لأنّها بین صلاتی لیل و صلاتی نهار .

و احتجّ السید ره باجماع الشیعة .

و المخالفون بما رووا عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال یوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللّه بیوتهم و قبورهم نارا .

و فی الوسائل بعد روایة الأخبار الدّالّة على أنّها الظهر قال : و تقدّم ما یشعر بأنها العصر ، و هو محمول على التّقیة فی الرّوایة .

و قیل : إنّها إحدى الصلوات الخمس لم یعیّنها اللّه و أخفاها فی جملة الصلوات


]]>
ادامه تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:46:18+01:00 2010-09-27T08:46:18+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/94 الثانى اختلفوا فی المراد بعرض الأمانة على السّماوات و الأرض . [ 337 ] فقیل : إنّ المراد به عرضها على نفس الأرض و السّماء و إنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فیها فهما و قال : إنّى فرضت فریضة و خلقت جنّة لمن أطاعنی و نارا لمن عصانی : فقلن : نحن مسخّرات لأمرك لا نحتمل فریضة و لا نبتغى ثوابا و لا عقابا ، و لمّا خلق آدم عرض علیه مثل ذلك فحمله و كان ظلوما لنفسه بتحمّلها ما یشقّ علیها ، جهولا لو خامة عاقبته . و هذا القول أعنی عرضها على نفس السّماوات و الأرض مرویّ عن ابن عبّاس و الثانى

اختلفوا فی المراد بعرض الأمانة على السّماوات و الأرض .

[ 337 ]

فقیل : إنّ المراد به عرضها على نفس الأرض و السّماء و إنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فیها فهما و قال : إنّى فرضت فریضة و خلقت جنّة لمن أطاعنی و نارا لمن عصانی : فقلن : نحن مسخّرات لأمرك لا نحتمل فریضة و لا نبتغى ثوابا و لا عقابا ، و لمّا خلق آدم عرض علیه مثل ذلك فحمله و كان ظلوما لنفسه بتحمّلها ما یشقّ علیها ، جهولا لو خامة عاقبته .

و هذا القول أعنی عرضها على نفس السّماوات و الأرض مرویّ عن ابن عبّاس و یدلّ علیه ظاهر كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فی المتن حیث قال : و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ .

و یشهد به أیضا ما رواه فى البحار و غایة المرام من مناقب أبى بكر الشیرازى فى نزول القرآن فى شأن علىّ علیه السّلام بالاسناد عن مقاتل عن محمّد بن حنفیّة عن أمیر المؤمنین فى قوله « إنّا عرضنا الأمانة » عرض اللّه أمانتی على السماوات السبع بالثواب و العقاب فقلن ربنا لا نحملنها بالثواب و العقاب و لكنا نحملها بلا ثواب و لا عقاب ، و انّ اللّه عرض أمانتی و ولایتی على الطیور ، فأوّل من آمن بها البزاة البیض و القنابر و أوّل من جحدها البوم و العنقا ، فلعنهما اللّه تعالى من بین الطیور ، فأما الیوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبغض الطیر لها ، و أما العنقا فغابت فى البحار و إنّ اللّه عرض أمانتى على الأرضین فكلّ بقعة آمنت بولایتى جعلها طیبة زكیة و جعل نباتها و ثمرتها حلوا عذبا و جعل ماءها زلالا ، و كلّ بقعة جحدت إمامتى و أنكرت ولایتى جعلها سبخا و جعل نباتها مرّا علقما ، و جعل ثمرها العوسج و الحنظل ، و جعل ماءها ملحا اجاجا ثمّ قال : و حملها الانسان ، یعنى امتك یا محمّد ولایة أمیر المؤمنین و امامته بما فیها من الثواب و العقاب ، إنه كان ظلوما لنفسه جهولا لأمر ربّه ، من لم یؤدّها بحقّها ظلوم غشوم .

و محصّل هذا القول أنّ المراد بالأمانة التكلیف بالعبودیّة على وجهها و التقرّب بها إلى اللّه سبحانه كما ینبغى لكلّ عبد بحسب استعداده لها ، و أعظمها الولایة و الخلافة الالهیّة ، ثمّ تسلیم من لم یكن من أهلها لأهلها و عدم ادّعاء منزلتها لنفسه ، ثمّ سایر

[ 338 ]

التكالیف الشرعیة ، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهنّ و بابائهنّ الاباء الطبیعى الذى هو عبارة عن عدم اللّیاقة و الاستعداد ،

و بحمل الانسان قابلیّته و استعداده لها و تحمّله إیاها و كونه ظلوما جهولا ، تقصیره فى أدائها لما غلب علیه من القوّة الشهویّة و الغضبیة .

و قیل : إنّ المراد العرض على أهلها فحذف المضاف و اقیم المضاف الیه مقامه ،

و عرضها علیهم هو تعریفها إیاهم انّ فی تضییع الامانة الاثم العظیم ، و كذلك فى ترك أوامر اللّه و احكامه ، فبیّن سبحانه جرءة الانسان على المعاصى و اشفاق الملائكة من ذلك ، فیكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات و الأرض و الجبال من الملائكة و الجنّ و الانس فابى أهلهنّ أن یحملوا تركها و عقابها و المآثم فیها و أشفقن أهلها من حملها ، و حملها الانسان إنه كان ظلوما لنفسه بارتكاب المعاصى ، جهولا بموضع الامانة فى استحقاق العقاب على الخیانة فیها .

و قیل : إنه على وجه التقدیر الاّ أنه جرى علیه لفظ الواقع ، لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر ، و المعنى انه لو كانت السماوات و الأرض و الجبال عاقلة ثمّ عرضت علیها الأمانة و هى وظایف الدّین اصولا و فروعا و بما فیها من الوعد و الوعید ، لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدّتها و قوّتها و لامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقّها ، ثمّ حملها الانسان مع ضعف جسمه و لم یخف الوعید لظلمه و جهله .

الثالث

قوله : و حملها الانسان .

المراد بالانسان إمّا نوع الانسان أى بنو آدم ، أو خصوص امّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فالمراد بحملهم لها قبولهم للاتیان بما كلّف علیهم من الطاعات و العبادات و التسلیم لامامة أئمة الدین ، و كونه ظلوما جهولا لعدم خروجهم عن عهدة التكلیف و عدم وفائهم بما حملوه من طاعة الأئمّة و تقصیرهم فی أداء الأمانة ، و هو وصف للجنس باعتبار أغلب أفراده إذ الأنبیاء و الأولیاء و المؤمنون القائمون بوظایف العبودیّة الرّاعون

[ 339 ]

لعهد الامامة خارجون من عموم الآیة قطعا .

و إمّا خصوص فرد منه و هو أبو بكر حسبما تقدّم فی الأخبار ، و علیه فالمراد بحمله للامانة أى الخلافة ادّعائه لها لنفسه من غیر استحقاق و أهلیّة ، و بعبارة اخرى خیانته و تقصیره فیها و ظلمه على من كان مستحقّا به و جهله بمرتبة نفسه حیث وضعها موضعا لیس له .

و قیل : إنّ المراد بالانسان هو آدم علیه السّلام ، و اعترض علیه فی مجمع البیان بقوله و لا یجوز أن یكون الانسان محمولا على آدم لقوله « انّ اللَّه أصطفى آدم » فكیف یكون من اصطفاه اللّه من بین خلقه موصوفا بالظلم و الجهل .

هذا تفصیل ما قیل أو یقال فی تفسیر الآیة الشریفة ، و قد ظهر منه اختلافهم فی المراد بالأمانة المذكورة فیها على أقوال .

و أمّا فی كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فالظاهر أنّ المراد بها خصوص الأمانة المعهودة بین الخلق حسبما عرفتها فى الأخبار المتقدّمة ، و انّما قلنا : إنّ الظاهر ذلك ، لاشعار تقدیم ذكر الصلاة و الزكاة علیها على عدم كون المراد بها مطلق التكالیف الشرعیّة ، بل التكلیف المخصوص الّذى فی عداد الصّلاة و الزكاة القسیم لهما .

لكن الأظهر بمقتضى الحال و المقام ، و أنّ وصیّته بهذا الكلام إلى أصحابه كان فی مقام الحرب مع النّاكثین و القاسطین و المارقین حسبما تعرفه فى التكملة الآتیة هو : أنّ المراد بها الامامة و الولایة ، فیكون غرضه بقوله : ثمّ أداء الأمانة فقد خاب من لیس من أهلها آه الطعن و التعریض على المعارضین له و الجاحدین لولایته و النّاصبین له العداوة من معاویة و طلحة و الزّبیر و أتباعهم و أهل النهر و أمثالهم بكونهم خائبین خاسرین ، لعدم كونهم أهلا للامانة أى الخلافة و الولایة ، و بأنّهم حملوا و ادّعوا ما أبت السماوات و الأرض و الجبال على كبر أجرامهما من حملها و ادّعائها ، و أشفقن من ذلك ، و بأنّهم كانوا متّصفین بالظّلم و الجهل حیث ظلموه علیه السّلام حقّه و جهلوا بشأنه و مقامه .

و كیف كان فلمّا أمر و أوصى أصحابه بالصّلاة و الزّكاة و أداء الأمانة ، و شدّد

[ 340 ]

الترغیب فیها و التحذیر من مخالفتها بكون الخاین أو المقصّر ظلوما جهولا ، عقّبه بالتّنبیه على أنّ كلّ ما یفعله العباد من خیر أو شرّ بعین اللّه الّتی لا تنام و علمه الّذى لا تخفى علیه خافیة لتأكید تحضیض المخاطبین بمواظبة هذه العبادات الثلاث و سایر الحسنات و تحذیرهم من مخالفتها فقال :

( إنّ اللّه سبحانه لا یخفى علیه ) و لا یعزب عن علمه ( ما العباد مقترفون ) أى مكتسبون له من خیر أو شرّ حسن أو قبیح ( فى لیلهم و نهارهم ) یعنی أنّ اللیل و النهار سیّان بالنسبة إلى علمه ، و لیس كغیره من مخلوقاته یكون إدراكه للمحسوسات بطریق الاحساس حتّى تكون ظلمة اللّیل حجابا و حجازا عن إدراكه .

و قدّم اللیل على النهار لمزید الاهتمام من حیث كونها مظنّة لاختفاء ما یفعل فیها من المعاصی ، و أردف بالنهار لدفع توهّم الاختصاص .

( لطف به خبرا ) أراد به علمه بخفیّات أفعال العباد و خبرویّته بها ، و اللّطیف الخبیر حسبما تقدّم فی شرح الخطبة السابقة من جملة أسمائه الحسنى عزّ و علا .

و تسمیته باللّطیف من جهة علمه بالشی‏ء اللّطیف مثل البعوضة و أخفى منها و موضع النشوء منها و العقل و الشهوة للفساد و الحدب على نسلها و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها فی المفاوز و الأودیة و القفار .

و معنى الخبیر هو الّذى لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا یجرى شی‏ء فی الملك و الملكوت و لا تتحرّك ذرّة و لا تضطرب نفس و لا تطمئنّ إلاّ و یكون عنده خبره ،

و هو بمعنى العلیم إلاّ أنّ العلم إذا اضیف إلى الخفایا الباطنة سمّى خبرة ، و قد مرّ تفصیل نفاذ علمه فی خفاء الأشیاء فی الفصل الثامن من الخطبة التسعین .

( و أحاط به علما ) و قد تقدّم فی شرح غیر واحدة من الخطب المتقدّمة كالخطبة الاولى و الخطبة التاسعة و الأربعین و الخامسة و الثمانین و غیرها تحقیق إحاطة علمه تعالى بالكلّیات و الجزئیات و لا حاجة إلى الاعادة .

( أعضاؤكم شهوده ) یعنی أنّها تشهد على العباد بما اقترفوه من المعاصی و الآثام .

( و جوارحكم جنوده ) یعنی أنّها تكون معینة له علیهم ، و ذلك لأنّ جنود

[ 341 ]

الملك عبارة عن أعوانه على أعدائه فتلك الأعضاء و الجوارح لما شهدت على المجرمین بما فعلوه صارت بمنزلة المعین له بذلك الاعتبار .

و یشهد بشهادة الأعضاء و الجوارح قول اللّه تعالى فی سورة یس « الیوم نختم على أفواههم و تكلّمنا أیدیهم و تشهد أرجلهم بما كانوا یكسبون أى نستنطق الأعضاء الّتی كانت لا تنطق فی الدّنیا لتشهد علیهم و نختم على أفواههم الّتی عهد منها النطق و هذا حقیقة الختم یوضع على أفواه الكفار بمنعها من النطق و الكلام .

قال علیّ بن إبراهیم القمّی قال : إذا جمع اللّه عزّ و جل الخلق یوم القیامة دفع إلى كلّ انسان كتابه فینظرون فیه فینكرون أنّهم عملوا من ذلك شیئا ، فتشهد علیهم الملائكة فیقولون : یا ربّ ملائكتك یشهدون لك ، ثمّ یحلفون أنّهم لم یعملوا من ذلك شیئا و هو قول اللّه عزّ و جلّ یوم یبعثهم اللَّه جمیعاً فیحلفون له كما یحلفون لكم فاذا فعلوا ذلك ختم اللّه على ألسنتهم و تنطق جوارحهم بما كانوا یكسبون و قال تعالى فی سورة فصّلت و یوم یحشر أعداء اللَّه إلى النّار فیهم یوزعون . حتّى . إذا ما جآؤها شهد علیهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا یعملون . و قالوا لجلودهم لم شهدتم علینا قالوا أنطقنا اللَّه الّذى أنطق كلّ شی‏ء و هو خلقكم أوّل مرّة و إلیه ترجعون . و ما كنتم تستترون أن یشهد علیكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم أنّ اللَّه لا یعلم كثیراً مما تعملون .

قال أمین الاسلام الطبرسیّ : أى یحبس أوّلهم على آخرهم لیتلاحقوا و لا یتفرّقوا ، حتّى إذا جاؤا النّار الّتی حشروا إلیها شهد علیهم سمعهم بما قرعه من الدّعاء إلى الحقّ فأعرضوا عنه و لم یقبلوه ، و أبصارهم بما رأوا من الآیات الدّالّة على وحدانیّة اللّه تعالى فلم یؤمنوا ، و سایر جلودهم بما باشروه من المعاصی و الأفعال القبیحة .

و قیل فی شهادة الجوارح قولان : أحدهما أنّ اللّه تعالى یبیّنها بیّنة الحیّ و یلجئها إلى الاعتراف و الشهادة بما فعله أصحابها ، و الآخر أنّ اللّه یفعل فیها الشهادة أى یجعل فیها كلاما ، و إنّما نسب الكلام إلیها لأنّه لا یظهر إلاّ من جهتها .

و قیل فیه وجه ثالث : و هو أنّ معنى شهادتها و كلامها أنّ اللّه تعالى یجعل

[ 342 ]

فیها من الآیات ما یدلّ على أنّ أصحابها عصوا اللّه بها ، فسمّى ذلك شهادة منها كما یقال : عیناك تشهدان بسهرك .

و قیل : إنّ المراد بالجلود الفروج .

أقول : و هو المروىّ فى الصافى عن الكافى عن الصادق علیه السّلام و من الفقیه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام .

ثمّ أنطق اللّه ألسنتهم فیقولون لجلودهم : لم شهدتم علینا ، فتقول فی جوابهم أنطقنا اللّه الّذى أنطق كلّ شی‏ء ، ثمّ قال سبحانه : و هو خلقكم الآیة ، و لیس هذا من جواب الجلود .

و قوله : و ما كنتم تستترون أن یشهد علیكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم ،

معناه و ما كنتم تستخفون أى لم یكن یتهیّأ لكم أن تستتروا أعمالكم عن هذه الأعضاء لأنّكم كنتم بها تعملون ، فجعلها اللّه شاهدة علیكم یوم القیامة ، و لكن ظننتم أنّ اللّه لا یعلم كثیرا ممّا تعملون فاجترأتم على المعاصی لذلك ، و قیل : بل معناهما كنتم تتركون المعاصی حذرا أن یشهد علیكم جوارحكم بها لأنكم ما كنتم تظنّون ذلك ، و لكن ظننتم أنّ اللّه لا یعلم كثیرا ممّا تعملون ، لجهلكم باللّه فهان علیكم ارتكاب المعاصی لذلك ، هذا .

و فى الصافى من الكافى عن الباقر علیه السّلام و لیست تشهد الجوارح على مؤمن إنّما تشهد على من حقّت علیه كلمة العذاب ، فأمّا المؤمن فیعطى كتابه بیمینه قال اللّه عزّ و جلّ فامّا من اوتى كتابه بیمینه فاولئك یقرؤن كتابهم و لا یظلمون فتیلاً » .

و قوله ( و ضمائركم عیونه ) قال الشارح البحرانی : أی طلایعه و جواسیسه كقوله تعالى و شهدوا على انفسهم انّهم كانوا كافرین و تلك الشهادة بلسان الحال ،

انتهى .

أقول : یعنی أنّ الضمایر لا تخفى ما فیها من الأسرار و لا تكتمها علیه تعالى كما أنّ من شأن الجاسوس المراقب بشی‏ء أن لا یكتمه ممّن و كلّه به ، و على ذلك

[ 343 ]

فالمراد بالضّمایر القلوب ، و یحتمل أن یكون المراد بالضّمایر ما یضمره القلوب من الأسرار و الخفیّات .

و العیون جمع العین بمعنى الحاضر و هو أحد معانیه كما فی القاموس و غیره ،

فیكون المعنى أنّ جمیع ما أضمره نفوسكم فهو حاضر لدیه سبحانه غیر محجوب عنه كما قال تعالى و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون و قال قل إن تخفوا ما فی صدوركم أو تبدوه یعلمه اللَّه .

و محصّل المراد أنّه لا یخفى ما فی النفوس علیه عزّ و جل كما یخفى على غیره ،

فیكون مساقه مساق قوله علیه السّلام فی الخطبة التسعین : عالم السرّ من ضمایر المضمرین و نجوى المتحافتین ، و قوله فی الخطبة المأة و السابعة : خرق علمه باطن غیب السترات و أحاط بغموض عقاید السّریرات .

و قوله ( و خلواتكم عیانه ) قال البحرانی : كنی بالخلوات عمّا یفعل فیها من معاصی اللّه مجازا ، و إنّما خصصها لأنها مظنّة المعصیة ، و یحتمل أن یرید بالخلوة مصدر قولك خلوت اخلو لا المكان ، فیكون حقیقة ، و ظاهر كونها عیانا للّه أى معاینة له .

و كلّ ذلك تحذیر و تنفیر عن تحریك الجوارح و الخلوة بها فیما لا ینبغی من المعاصی ، و باللّه التوفیق و العصمة .

تذییل

الآیة الّتی استدل بها أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا الكلام على وجوب المحافظة على الصلاة أعنی قوله تعالى حكایة عن المجرمین لم نك من المصلّین مما استدلّ بها أكثر أصحابنا الاصولیّون كالمعتزلة على أنّ الكفار مكلّفون بالفروع حسبما أشار إلیه أمین الاسلام الطبرسیّ « ره » أیضا فی تفسیر الآیة على ما حكیناه عنه سابقا ،

و حیث إنّ هذه المسألة من المسائل الغامضة المعظمة ، و یتفرّع علیها كثیر من الأحكام الشرعیّة فلا بأس بتحقیق الكلام و بسطه فیها لكونها حقیقا بذلك .

[ 344 ]

فأقول و باللّه التوفیق :

المشهور بین أصحابنا بل كاد أن یكون اجماعا أنّ الكفّار مكلّفون بفروع العبادات كما أنّهم مكلّفون باصول الاعتقادات و هو مذهب جمهور العامّة أیضا ، و لم ینقلوا فیها خلافا إلاّ عن أبی حنیفة و لم أجد منّا مخالفا أیضا إلاّ شرذمة من الأخباریّة كالأمین الاسترابادى و صاحب الحدایق و صاحب الوافی ، و هو الحقّ الموافق للتحقیق ،

و استدلّ له بوجوه :

الاول عموم الأدلّة على التكالیف مثل قوله تعالى و ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ لیعبدون و قوله و للَّه على النّاس حجّ البیت و قوله یا أیّها النّاس اعبدوا ربّكم و یا ایّها النّاس اتّقوا ربّكم و غیرها ، فانّها یشمل الكافر مثل شمولها للمؤمن .

و الاعتراض علیه بحملها على المؤمنین حملا للمطلق على المقیّد و العامّ على الخاصّ كما فی الحدائق فاسد ، لما تطلع علیه عند ذكر أدلّة الخصم .

الثانى أنّ الكفر لا یصلح للمانعیّة حیث إنّ الكافر متمكّن من الاتیان بالایمان أوّلا حتّى یصیر متمكّنا من الفروع .

و اعترض علیه صاحب الحدائق أیضا بأنّه مصادرة محضة .

و فیه مع عدم كونه مصادرة لأنّ المدعى أنّ الكفّار مكلّفون بالعبادات و مخاطبون بها ، و الدّلیل أنّ ما زعمه الخصم مانعا من توجّه الخطاب علیهم و من الاتیان بها على الوجه الصحیح و هو الكفر لا یصلح للمانعیّة فكیف یكون مصادرة .

و محصّله أنّ ما دلّ على التكلیف بالفروع عام و لا یمنع من ذلك عدم التمكن من الصحیح حال الكفر لأنّ الامتناع بالاختیار لا ینافى الاختیار ، على أنّ الایمان من شرایط الوجود الّتی یجب تحصیلها على المكلّف لا شرایط الوجوب ، فلا مانع من التكلیف حال عدمها مع التمكّن منها .

الثالث قوله تعالى لم نك من المصلّین فانّه حكایة عن الكفّار و أنّهم علّلوا دخولهم النّار بتركهم للصّلاة على ما تقدّم تفصیله سابقا .

[ 345 ]

و اعترض صاحب الحدائق أیضا ما یحمل على المخالفین المقرّین بالاسلام إذ لا تصریح فیه بالكفّار ، و یدلّ علیه ما ورد فی تفسیر علیّ بن إبراهیم من تفسیرها باتّباع الائمة ، أى لم نك من أتباع الأئمة و هو مروىّ عن الصادق علیه السّلام حسبما عرفت سابقا و عن الكاظم علیه السّلام یعنی أنّا لم نتولّ وصیّ محمّد من بعده و لم نصلّ علیهم .

و فیه إنّ الصلاة حقیقة شرعیّة فی الأركان المخصوصة و ظاهر معنى المصلّین هو المقیمون للصلاة أى الأركان المخصوصة و الحمل على المعنى اللّغوى أى التابعین خلاف الظاهر المتبادر منه فلا وجه لحملها على المخالفین ، و إنكار التصریح فیه بالكفار مورد تعجّب لأنّ قوله حكایة عنهم : و كنّا نكذّب بیوم الدّین ، صریح فی كونهم كافرین منكرین للمعاد فكیف یكونون مقرّین بالاسلام و أمّا الخبران المروّیان عن الصّادق و الكاظم علیهما السّلام فلا دلالة فیهما ، لكونهما تفسیرا بالباطن كما قلناه عند شرح المتن فلا یوجبان رفع الید عن الظاهر ، و یشهد بذلك استدلال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا الكلام الّذى نحن فی شرحه بظاهرها على وجوب المحافظة على الصلوات الخمس و تعاهدها .

الرابع قوله تعالى فلا صدّق و لا صلّى . و لكن كذّب و تولّى .

و اعترض علیه أیضا بجواز حمل الصّلاة فیها على ما دلّت علیه الأخبار فی الآیة الاولى و أنّ اللفظ من الألفاظ المجملة المتشابهة المحتاج فی تعیین المراد منها إلى التوقیف ، فالاستدلال بها و الحال كذلك مردود بتصادم الاحتمالات و الدّخول تحت قوله یتّبعون ما تشابه منه الآیة ، على أنّ ما ذكرنا من المعنى هو الموجود فی تفسیر علیّ بن إبراهیم كما لا یخفى على من راجعه .

و فیه أوّلا منع كون الآیة من المتشابهات الّتی یتّبعها الّذین فی قلوبهم زیغ ، بل من المحكمات الّتی تؤخذ بظواهرها و هنّ امّ الكتاب ، و ظاهر الآیة كما ترى أنّه لم یصدّق بكتاب اللّه و رسوله و لا صلّى للّه و لكن كذّب بالكتاب و الرّسول و أعرض عن الایمان ، و هذا وصف الكافر لا المخالف .

[ 346 ]

و یدلّ على ذلك ما فى مجمع البیان قال : و جاءت الرّوایة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أخذ بید أبى جهل ثمّ قال له : أولى لك 1 فأولى . ثمّ أولى لك فأولى فقال أبو جهل : بأىّ شى‏ء تهدّدنى لا تستطیع أنت و ربّك أن تفعلا بى شیئا و انّی لأعزّ أهل هذا الوادى ، فأنزل اللّه سبحانه كما قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هذا .

و أمّا ما فى تفسیر علىّ بن إبراهیم من أنه كان سبب نزولها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله دعا إلى بیعة علىّ یوم غدیر خم فلمّا بلّغ الناس و أخبرهم فى علىّ ما أراد أن یخبر رجع الناس فاتكى معاویة على المغیرة بن شعبة و أبى موسى الأشعرى ثمّ أقبل یتمطّى 2 نحوه و یقول : ما نقرّبا لولایة لعلىّ أبدا و لا نصدّق محمّدا مقالته ، فأنزل اللّه جلّ ذكره فلا صدّق و لا صلّى الآیات ، فصعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المنبر و هو یرید البراءة منه فأنزل اللّه عزّ و جلّ لا تحرّك به لسانك لتعجل به فسكت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فالجواب عنه أنّ ظاهر قوله سبحانه : فلا صدّق و لا صلّى و لكن كذّب و تولّى ،

یفید أنّه لم یصدّق أصلا لا ظاهرا و لا باطنا ، و لم یقم الصّلاة بل كذّب و أعرض ظاهرا و باطنا ، و هذا شأن الكافر لا المخالف المصدّق ظاهرا فقط ، و المكذّب المعرض باطنا فقط .

و على ذلك فاللاّزم ترجیح الرّوایة المفیدة لكون المراد بهذه الآیة هو أبو جهل الكافر كما فى مجمع البیان على ما تفسیر القمىّ المفید كون المراد بها معاویة لأنّ فى الأخذ بالرّوایة الأولى إبقاء الآیة على ظاهرها و الأخذ بالثانى یوجب صرفها إلى خلاف ما هو الظاهر المتبادر .

و یؤید كون المراد به أبو جهل أنّ هذه الآیة فى سورة القیامة و هى مكیّة كما صرّح به فى مجمع البیان فى تفسیر هذه السورة و رواه أیضا فى تفسیر سورة هل أتى فانّه یقوى الظنّ بكون نزولها بمكّة فى حقّ أبى جهل لا فى غدیر خم فى حقّ معاویة ، و اللّه العالم .

-----------
( 1 ) أى ویل لك ، م

-----------
( 2 ) یتبختر افتخارا ، منه

[ 347 ]

الخامس قوله تعالى و ویل للمشركین الذین لا یؤتون الزّكوة و هو نصّ صریح فی المطلوب .

السادس قوله تعالى و إذا قیل لهم اركعوا لا یركعون ذمّ اللّه المكذّبین بتركهم للرّكوع .

قال فی الصّافی : روی أنها نزلت فی ثقیف حین أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالصّلاة فقالوا لا نحنى ، و فی روایة لا نجبّى فانّها سبّة ، رواها فی المجمع قال : فقال : لا خیر فی دین لیس فیه ركوع و سجود أقول : أى لا نحنى بالمهملة و النّون أى لا نعطف ظهورنا و على الرّوایة بالجیم و الباء الموحّدة المشدّدة أى لا ننكبّ على وجوهنا و هما متقاربان .

و أما ما فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عن الصّادق علیه السّلام قال : إذا قیل لهم تولّوا الامام لم یتولّوه ، فهو تفسیر بالباطن لا یوجب صرف الید عن الظاهر كما لا یخفى و احتج القائلون بالعدم بوجوه ، فصّلها صاحب الحدائق فی مبحث غسل الجنابة من الكتاب المذكور لا بأس بذكر عبارته على تفصیلها ثمّ نتبع كلّ وجه وجه بما یتوجّه علیه من وجوه الكلام و ضروب الملام .

فأقول : قال فی الحدائق :

المشهور بین الأصحاب رضی اللّه عنهم بل كاد أن یكون إجماعا أنّه یجب الغسل على الكافر لأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع و لم ینقلوا فی المسألة خلافا من أحد من الخاصة بل من العامة إلاّ عن أبی حنیفة ، قالوا : لكن لا یصحّ منه حال كفره لاشتراط الصحّة بالاسلام و لا یجبّه الاسلام و إنّ جبّ الصّلاة لخروجها بدلیل خاص و ما ذكروه منظور عندی من وجوه :

الاول عدم الدّلیل على التّكلیف المذكور و هو دلیل العدم كما هو مسلّم بینهم ، و ما استدلّوا به هما سیأتى ذكره مدخول بما سنذكره .

أقول : و فیه انك قد عرفت الأدلّة المحكمة على هذا التكلیف كما عرفت اندفاع الاعتراضات التی اعترض بها علیها .

[ 348 ]

الثانى الأخبار الدّالة على توقف التكلیف على الاقرار و التصدیق بالشهادتین منها ما رواه فى الكافى فی الصحیح عن زرارة قال : قلت للباقر علیه السّلام : أخبرنی عن معرفة الامام منكم واجبة على جمیع الخلق ؟ قال : إنّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى الناس أجمعین رسولا و حجّة للّه على خلقه فی أرضه ، فمن آمن باللّه و بمحمّد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اتبعه و صدّقه فانّ معرفة الامام منّا واجبة علیه ، و من لم یؤمن باللّه و رسوله و لم یتبعه و لم یصدّقه و یعرف حقّهما فكیف یجب علیه معرفة الامام ، و هو لا یؤمن باللّه و رسوله و یعرف حقّهما الحدیث .

و هو كما ترى صریح الدّلالة على خلاف ما ذكروه و أنه متى لم یجب معرفة الامام قبل الایمان باللّه و رسوله فبالطریق الأولى معرفة سایر الفروع التى هی متلقّاة من الامام ، و الحدیث صحیح السند باصطلاحهم صریح الدّلالة فلا وجه لردّه و طرحه و العمل بخلافه إلاّ مع الغفلة عن الوقوف علیه .

قال : و إلى العمل بالخبر المذكور ذهب المحدّث الكاشانی حیث قال فی الوافی بعد نقله ما صورته : و فی هذا الحدیث دلالة على أنّ الكفار لیسوا مكلّفین بشرایع الاسلام كما هو الحقّ ، خلافا لما اشتهر بین أصحابنا ، انتهى .

قال : و یظهر ذلك أیضا من الأمین الاسترابادى فی الفواید المدنیّة حیث صرّح فیها بأنّ حكمة اللّه اقتضت أن یكون تعلّق التكالیف بالناس على التدریج بأن یكلّفوا أوّلا بالاقرار بالشهادتین ثمّ بعد صدور الاقرار عنهم یكلّفون بسایر ما جاء به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله .

و من الأحادیث الدّالة على ذلك صحیحة زرارة فی الوافی ثمّ ساق الرّوایة بتمامها .

قال : و قال أیضا بعد نقل جملة من أخبار المیثاق المأخوذ على العباد فی عالم الذّرّ بالتوحید و الامامة و نقل جملة من الأخبار الدّالة على فطرة الناس على التوحید و أنّ المعرفة من صنع اللّه تعالى ما لفظه : أقول : هنا فوائد إلى أن قال :

الثالثة أنه یستفاد منها أنّ ما زعمه الأشاعرة من أنّ مجرّد تصوّر الخطاب من غیر

[ 349 ]

سبق معرفة إلهامیة بحقایق العالم ، و بأنّ له رضا و سخطا و أنه لا بدّ له من معلّم من جهته لیعلّم الناس ما یصلحهم و ما یفسدهم كاف فی تعلّق التكلیف لهم لیس بصحیح ، انتهى و اعترض علیه أوّلا بأنّ الاستدلال یتوقف على القیاس بطریق الأولى ، و هو ممن أنكره فی مقدّمات الكتاب و أنكره أشدّ الانكار فكیف یجوز له التمسك به فی هذا المقام مضافا إلى أنه مع القول بحجّیته كما هو الحقّ الحقیق بالاتباع الموافق للآیة و للأخبار المسلّم عند كافّة علمائنا الأبرار حتى عند المستدلّ فی مواضع عدیدة و منها هذا الموضع یتوقّف على ثبوت الحكم فی المقیس علیه و مسلمیّته و قبوله و عدم مخالفته للضرورة ، و الأمر فی المقام لیس كذلك و ذلك فانّه لا خلاف و لا إشكال عند أحد حتّى عند المستدلّ حیث جعل محلّ نزاعه مع كافّة العلماء عدا أبی حنیفة فی خصوص الفروع ، و الامامة من الاصول لا من الفروع إجماعا منه و من علمائنا .

و ثانیا أنّ مقتضى هذه الصحیحة عدم التكلیف بالامامة و سایر الفروع إلاّ بتصدیق اللّه و رسوله و هو حقیقة فی التّصدیق و الاذعان القلبی لا مجرّد الاقرار باللّسان ، و على تقدیر تسلیم العموم فالمراد هنا التّصدیق القلبی جزما لقوله علیه السّلام و یعرف حقّهما ، فانّ المعرفة لیس ممّا یتوهّم فیه حصوله باللّسان خاصّة بل هو أمر قلبیّ جزما و إذعان نفسانیّ قطعا فحینئذ تدلّ هذه الصحیحة على أنّ المنافقین و منهم الخلفاء الثلاثة لم یكونوا مأمورین بالامامة و لا سایر الفروع ، و مقتضى هذا أنّه لم یكن علیهم اثم فی غصب الخلافة و سایر ما فعلوه بالنّسبة إلى أهل البیت من ضرب فاطمة علیها السّلام و غصب حقّها و إضرام النّار حول بیتها و إلقاء الحبل على رقبة مولینا أمیر المؤمنین علیه السّلام و غیر ذلك ممّا فعلوه بالنّسبة إلیهم و إلى غیرهم من البدع الّتی ابتدعوها فی الدّین و تضییع دین خاتم النّبیین و سیّد المرسلین ، و كذا ما فعله یزید و سایر جنود المخالفین مع سبط الرّسول الأمین و ما فعله المخالفون بالنسبة إلى شیعتهم و غیر ذلك ، و فی جمیع ذلك لم یكونوا مأثومین أصلا بل هم و غیرهم من الكفّار الّذین لم یصدر منهم شی‏ء من ذلك متساویین فی عقاب واحد ، و هو عدم الایمان باللّه و رسوله ، و ذلك من حیث عدم تصدیقهم للّه و رسوله و معرفة حقّهما فانّهم

[ 350 ]

و إن أقرّوا باللّسان إلاّ أنّهم لم یصدقوهما قلبا و لم یعرفوا حقّهما ، فبمقتضى الصّحیحة نظرا إلى عدم إیمانهم باللّه و رسوله و معرفتهم حقّهما كیف یكلّفهم اللّه تعالى بالامامة و سایر الفروع ، و لیس فی الصحیحة أنّ مجرّد الاقرار باللّسان كان فی ذلك ، و على هذا لم یكن لشكاویهم علیهم السّلام عن المخالفین و الخلفاء الثلاثة و طعنهم و لعنهم و إثبات الویل علیهم و تكفیرهم من الجهات الّتی ذكرت و تفسیقهم و كذا طعن علمائنا و منهم المستدلّ علیهم وجه ، بل كان لغوا محضا و یلزمه أنّه لو فعل ذلك أو شیئا من ذلك غیر المنافقین من سایر الكفّار الذین لم یقروا بالاسلام بالنّسبة إلى سادة الأنام و فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سبطیه علیهما السّلام و غیرهم من شیعتهم و أولادهم و ذراریهم بالقتل و النهب و الاسر أنّه لم یكن علیهم فی ذلك شی‏ء ، و یكونون هم و سایر من لم یحدث أمثال هذا عنه فی العقاب متساویین ، و قطعیّ أنّ المستدلّ لا یقول به أیضا إذا القول بذلك من أشنع الشّنایع و أقبح الفضایح ، و هل كان مراد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بقوله فی حقّ فاطمة علیها السّلام من آذاها فقد آذانی و غیر ذلك بالنّسبة إلیها و إلى غیرها من الحسنین و أمیر المؤمنین علیهم السّلام و أولادهم خصوص المؤمنین المصدّقین للّه و لرسوله العارفین بحقّهما ، أو المراد منه الأعمّ بل ملحوظ نظره خصوص المخالفین أ فیجوّز المستدلّ ذلك بالنّسبة إلى غیرهم فیحكم بجواز اسر غیرهم للسادات و العلویّات و الفاطمیّات و قتلهم و نهب أموالهم و هتك عرضهم و غیر ذلك من النّاس بل الأنبیاء ما هذا إلاّ شی‏ء عجیب أقرب من الكفر لو لم یكن كفرا .

و ثالثا انّ المخالفین عند المستدلّ كفار حقیقة بالكفر المقابل للاسلام ،

فیلزمه جریان أحكامهم فیه و منها القول الذى استحدثه من عدم العقاب على ترك شی‏ء من التكالیف ما هذا إلاّ أمر غریب و شی‏ء عجیب و بالجملة فانّ الصحیحة صریحة فی عدم تكلیف المخالفین بالامامة و لا بشی‏ء من الفروع ، و یفصح عنه قوله علیه السّلام :

فكیف یجب علیه معرفة الامام و هو لا یؤمن باللّه و رسوله ، و یعرف حقّهما ، و ذلك بالتّقریب الذى تقدّم ، و نزید حینئذ وجه دلالته على ذلك هنا فنقول : إنّ مقتضاها أنّ التّكلیف بالامامة فرع الایمان باللّه و رسوله و هو على ما عرفوه و ورد به الخبر و قد

[ 351 ]

ذكره فی أوّل كتاب الصّلاة هو الاقرار باللّسان و التصدیق بالجنان و العمل بالأركان و لا ریب فی أنّ ذلك لم یتحقّق فی حقّ الخلفاء الثلاث لعدم تصدیقهم بالجنان ، هذا أ فتجوّز أیّها العاقل أنّ الكفّار المحاربین للنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الكاسرین لأسنانه و القاتلین للمسلمین فی زمنه صلّى اللّه علیه و آله و المتصدّین لایقاع البلایا و المحن علیه أن یكونوا فی جمیع ذلك معذورین غیر مأثومین و أنّ دعاءه صلّى اللّه علیه و آله علیهم فی بعض الحروب كان عبثا و لغوا بلا منشاء و أنّ المنشأ هو عدم الاقرار مع أنّه لا وجه لدعائه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیهم فی ذلك الحین خاصّة دون غیرهم أولهم فی غیر تلك الحال .

و رابعا أنّ هذه الصحیحة معارضة بما فی التهذیب فی باب أنّ الجزیة واجبة على جمیع أهل الكتاب عن محمّد بن یعقوب الكلینی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حماد عن حریز قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن صدقات أهل الذّمّة و ما یؤخذ من جزیتهم من ثمن خمورهم و لحم خنازیرهم و میتتهم ، قال علیه السّلام : علیهم الجزیة فی أموالهم یؤخذ منهم من ثمن لحم الخنزیر أو خمر كل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك علیهم و ثمنه للمسلمین حلال ، یأخذونه فی جزیتهم .

و هذا الخبر لیس فی سنده من یتوقّف فیه سوى إبراهیم بن هاشم و هو على المشهور حسن كالصحیح و عند المحقّقین من المتأخّرین كما ذكره المستدلّ و ارتضاه ثقة ، و السّند المشتمل علیه إذا كان الباقی من رجال السّند لا یتوقّف فیه صحیح ، هذا مع أنّه لم یقل بهذا الاصطلاح الذى تصدّى لنا سلبه متأخّر و أصحابنا شكر اللّه سعیهم ، فالحدیث حجّة عنده و لو كان راویه من أكذب البریّة و صرّح بكذبه الأئمة و تصحیح سنده منّا تبرعیّ و سدّ لباب فرار الخصم لو ادّعى مراعاة الصّحة فى السّند بعد وقوع المعارضة بینه و بین ما صحّ سنده ، و مع صحّة سنده كما ترى صریح فی ثبوت الوزر علیهم فی استحلالهم ثمن ما لا یحلّ ثمنه فی ملّة الاسلام و مع ثبوت الوزر علیهم فی ذلك یثبت فی المعاصى الّتی ذكرناها الّتی هى أشدّ منها و مقتضى الأولویّة الّتی تمسّك بها فی اثبات مطلبه ثبوت الوزر علیهم فی المعاصى التی هى أشدّ بطریق الأولویّة هذا ، مضافا إلى عدم القول بالفصل

[ 352 ]

قال المحقّق الثانی المحقق الشیخ على بعد ذكر هذا الخبر :

فیه دلالة على أنّ الكافر یؤخذ بما یستحلّه إذا كان حراما فی شریعة الاسلام و أنّ ما یأخذونه على اعتقاد الحلّ حلال علینا و إن كان ذلك الأخذ حراما عندنا .

و مراده بقوله : یؤخذ بما یستحلّه المؤاخذة علیه و ایجاب ذلك العقاب لا أخذ الجزیة لتبادر الأوّل من العبارة .

و به اعترف من كتاب الزّكاة فی مسألة استحباب ما سوى الزّكاة من الحقوق التی فى المال من الضّغث بعد الضغث و الحفنة بعد الحفنة یوم الجذاذ حیث إنه من القائلین بالاستحباب مستندا إلى روایة معاویة بن شریح قال : سمعت الصادق علیه السّلام یقول : فی الزّرع حقّ تؤخذ به و حقّ تعطیه .

حیث قال : المتبادر من هذه العبارة العقاب على تركه ، و هو كنایة عن الوجوب و الالزام به شرعا .

و استشهد لذلك بما فی المصباح المنیر من قوله : و أخذ بذنبه ، عاقبه علیه ،

و إن كان فی الاستشهاد نوع تأمّل .

و هذه الصّحیحة مع صراحتها فی ذلك معتضدة بعمل كافّة العلمآء إلاّ أبا حنیفة على اعترافه و معتضدة بأدلّة العقلاء الّتی دیدنه التمسّك بها فكیف یعارضها التی ذكرها المستدلّ .

مضافا إلى معارضة الكتاب العزیز لها قال اللّه تعالى إنما المشركون نجس فلا یقربوا المسجد الحرام و قد نهاهم اللّه عن القرب من المسجد الحرام و بمقتضى الصّحیحة لم یكن لهذا التّكلیف وجه ، و كذا تكلیفهم بالجزیة و أخذها منهم و ایجابها علیهم .

و یدلّ على أنّهم مكلّفون بشریعة الاسلام و فروعها زیادة على الایمان قوله عزّ من قائل : قاتلوا الذین لا یؤمنون باللَّه و لا بالیوم الآخر و لا یحرّمون ما حرّم اللَّه و لا یدینون دین الحقّ من الذین اوتوا الكتاب حتّى یعطوا الجزیة عن یدوهم صاغرون

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:44:15+01:00 2010-09-27T08:44:15+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/93 [ 200 ] و من كلام له ع فی معاویة وَ اَللَّهِ مَا مُعَاوِیَةُ بِأَدْهَى مِنِّی وَ لَكِنَّهُ یَغْدِرُ وَ یَفْجُرُ وَ لَوْ لاَ كَرَاهِیَةُ اَلْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى اَلنَّاسِ وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ یُعْرَفُ بِهِ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ وَ اَللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِیدَةِ وَ لاَ أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِیدَةِ [ 364 ] و من كلام له علیه السّلام و هو المأة و التاسع و التسعون من المختار فى باب الخطب

[ 200 ] و من كلام له ع فی معاویة

وَ اَللَّهِ مَا مُعَاوِیَةُ بِأَدْهَى مِنِّی وَ لَكِنَّهُ یَغْدِرُ وَ یَفْجُرُ وَ لَوْ لاَ كَرَاهِیَةُ اَلْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى اَلنَّاسِ وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ یُعْرَفُ بِهِ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ وَ اَللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِیدَةِ وَ لاَ أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِیدَةِ


[ 364 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو المأة و التاسع و التسعون من المختار فى باب الخطب

و اللّه ما معاویة بأدهى منّی ، و لكنّه یغدر و یفجر ، و لو لا كراهیّة الغدر لكنت من أدهى النّاس ، و لكنّ كلّ غدرة فجرة ، و كلّ فجرة كفرة ، و لكلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامة ، و اللّه ما أستغفل بالمكیدة ، و لا أستغمز بالشّدیدة .

اللغة

( الدّهی ) بسكون الهاء و الدّهاء الفكر و الارب و جودة الرّأی و ( غدر ) غدرا من باب ضرب و نصر نقض عهده و ( فجر ) یفجر من باب قتل و ( الغدرة ) و ( الفجرة ) و ( الكفرة ) كلّها فی بعض النسخ بفتح الفاء و سكون العین وزان تمرة فالتّاء للمرّة ،

و فی بعضها بتحریك الفاء و العین وزان مردة فیكون جمع غادر و فاجر و كافر ، و فی بعضها بضمّ الفاء و فتح العین وزان همزة فالتّاء للمبالغة أى الكثیر الغدر و الفجور و الكفر ، فان أسكنت العین فالبناء للمفعول تقول : رجل سخرة ، كهمزة یسخر من الناس ، و سخرة كغرفة من یسخر منه .

( و لا أستغمز ) بالزاء المعجمة من الغمز و هو العصر بالید یقال غمزه غمزا من باب ضرب ، و الغمز محرّكة الرّجل الضعیف قال الشارح البحرانی : و روى بالرّاء المهملة أى لا استجهل بشداید المكاید ، انتهى . و لعلّه من الغمر بالتحریك و هو من لم یجرّب الامور و الأوّل أصوب و أنسب .

[ 365 ]

الاعراب

الباء فی قوله : بأدهى زایدة فی الخبر جى‏ء بها لتأكید معنی النّفی كما فی قوله تعالى و ما اللَّه بغافل عمّا تعملون و قوله : بالشدیدة ، صفة محذوفة الموصوف أى بالدّواهى الشدیدة و نحو ذلك .

المعنى

اعلم أنّ الغرض من هذا الكلام دفع توهّم من كان معتقدا أنّ معاویة أجود رأیا و أكثر تدبیرا منه ، و تعرّض به على معاویة من أجل عدم تحرّزه فی تدبیر الامور عن الغدر و الفجور ، و صدّر الكلام بالقسم البارّ تأكیدا للمقصود فقال :

( و اللّه ما معاویة بأدهى منّی ) أی لیس بأجود رأیا و أحسن تدبیرا و أبعد غورا و أعمق فكرا و أشدّ دهاء منّی ، و إن فسّر الدّهاء بخصوص استعمال العقل و الرّأى فیما لا ینبغی فعله من الامور الدّنیویّة المعبّر عنه بالنّكراء فلا بدّ من جعل قوله علیه السّلام أدهى بمعنى أعرف بطرق الدّهاء و أبصر بها ، لعدم اتّصافه بالدّهاء بهذا المعنى فضلا عن كونه أدهى .

( و لكنّه یغدر و یفجر ) أى یستعمل الغدر فی اموره السیّاسیّة فیزعم أهل الجهل أنّه أدهى .

و قوله : و یفجر ، إشارة إلى نتیجة الغدر یعنی أنّه من أجل إقدامه على الغدر یكون فاجرا ، و ذلك لأنّ الغدر مقابل الوفاء ، و الوفاء فضیلة داخلة تحت العفّة ،

فیكون الغدر رذیلة داخلة تحت الفجور .

و أیضا الوفاء توأم الصّدق و الغدر توأم الكذب حسبما عرفت تفصیلا فی الخطبة الحادیة و الأربعین و شرحها ، و الكذب من أعظم الفجور .

و ایضاح هذه الفقرة ما تقدّم فی الخطبة المذكورة حیث قال علیه السّلام هناك :

و لقد أصبحنا فی زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كیسا و نسبهم أهل الجهل فیه إلى حسن الحیلة ، ما لهم قاتلهم اللّه قد یرى الحوّل القلّب وجه الحیلة و دونه

[ 366 ]

مانع من أمر اللّه و نهیه فیدعها رأى عن بعد القدرة علیها و ینتهز فرصتها من لا حریجة له فی الدّین .

و روى فی الكافی فی حدیث مرفوع عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له :

ما العقل ؟ قال : ما عبد به الرّحمن و اكتسب به الجنان ، قال : قلت : فالّذى كان فی معاویة ؟ فقال : تلك النكراء تلك الشّیطنة ، و هی شبیهة بالعقل و لیست بالعقل .

و لمّا نبّه على أنّ اتّصاف معاویة بالدّهاء من جهة عدم مبالاته بالغدر و الفجور ، عقّبه بالتّنبیه على ما هو المانع من اتّصافه علیه السّلام به مع كونه أعرف و أغدر به منه فقال :

( و لو لا كراهیّة الغدر ) و المكر و استلزامه للكذب و الغشّ و الخیانة و الفجور المنافی لمرتبة العصمة ( لكنت من أدهی النّاس ) فیدلّ هذه الجملة بمقتضی مفاد لو لا الامتناعیّة على امتناع اتّصافه بالدّهاء الملازم للغدر .

و المراد بالكراهة هنا الحرمة لا معناها المعروف فی مصطلح المتشرّعة كما صرّح به فی عبارته الّتی نقلناها آنفا من الخطبة الحادیة و الاربعین أعنی قوله :

قد یرى الحوّل القلّب وجه الحیلة و دونه مانع من أمر اللّه و نهیه فیدعها رأى عین بعد القدرة علیها .

و أصرح منه ما رواه فى الكافى عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبى عمیر عن هشام بن سالم رفعه قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : لو لا أنّ المكر و الخدیعة فى النّار لكنت أمكر النّاس .

و أصرح منهما قوله : ( و لكن كلّ غدرة فجرة و كلّ فجرة كفرة ) و قد روى نظیر هذه العبارة عنه علیه السّلام فى الكافى باسناده عن الاصبغ بن نباته قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام ذات یوم و هو یخطب على المنبر بالكوفة : أیّها الناس لو لا كراهیّة الغدر كنت أدهى النّاس ألا إنّ لكلّ غدرة فجرة و لكلّ فجرة كفرة ، ألا و إنّ الغدر و الفجور و الخیانة فى النّار .

قال بعض شرّاح الكافى : الظاهر أنّ اللاّم فى لكلّ مفتوحة للمبالغة فى

[ 367 ]

التأكید ، و قوله : الغدر و الخیانة فى النّار ، إمّا على حذف المضاف أى صاحبها ،

أو المصدر بمعنى الفاعل ، هذا .

فان قلت : استلزام الغدر للفجور المستفاد من قوله علیه السّلام : و لكن كلّ غدرة فجرة قد عرفنا وجهه سابقا ، و أمّا استلزام الفجور للكفر المستفاد من قوله :

و كلّ فجرة كفرة فما الوجه فیه ؟ ،

قلت : قال بعض الشّارحین : وجه لزوم الكفر هنا إنّ الغادر على وجه استباحة ذلك و استحلاله كما كان هو المشهور من حال عمرو بن العاص و معاویة فی استباحة ما علم تحریمه بالضرورة من دین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و جحده هو الكفر .

و قال الشارح البحرانی : و یحتمل أن یرید كفر نعم اللّه و سترها باظهار معصیة كما هو المفهوم اللغوى من لفظ الكفر ، انتهى .

و یتوجّه على الأوّل أوّلا أنّه أخصّ من المدّعى لأنّ المدّعى هو كفر كلّ غادر كما هو ظاهر المتن لا الغادر المستبیح المستحلّ للغدر فقط ، و ثانیا كون حرمة الغدر من ضروریّات الدّین غیر معلوم .

و على الثّانی أنّه خلاف الظاهر .

و الأظهر أنّه داخل فی القسم الرّابع من أقسام الكفر التی تقدّم تفصیلها فی حدیث الكافی فی شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الاولى ، فقد روینا هناك عن الكلبی باسناده عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : الكفر فی كتاب اللّه عزّ و جلّ على خمسة أوجه « إلى أن قال » الوجه الرّابع من الكفر ترك ما أمر اللّه و هو قول اللّه تعالى و إذ أخذنا میثاقكم لا تسفكون دمائكم و لا تخرجون أنفسكم من دیاركم ثمّ أقررتم و أنتم تشهدون . ثمّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و تخرجون فریقاً منكم من دیارهم تظاهرون علیهم بالاثم و العدوان و إن یأتوكم اسارى تفادوهم و هو محرّم علیكم إخراجهم أ فتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فكفرهم بترك ما أمر اللّه و نسبهم إلى الایمان و لم یقبله منهم و لم ینفعهم فقال فما جزاء من یفعل ذلك منكم إلاّ خزى فی الحیوة الدّنیا و یوم القیامة یردّون إلى أشدّ العذاب .

[ 368 ]

و قوله ( و لكلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامة ) قال الشّارح المعتزلی : حدیث صحیح مرویّ عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أقول : و هو تنفیر عن الغدر .

و نحوه ما رواه فی الكافی عن علىّ بن إبراهیم عن أبیه عن النّوفلی عن السّكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یجی‏ء كلّ غادر یوم القیامة بامام مایل شدقه حتّى یدخل النّار ، و یجی‏ء كلّ ناكث بیعة إمام أجذم حتّى یدخل النّار ، هذا .

و لمّا ذكر أنّ معاویة لیس بأدهى منه و نبّه على معرفته بطرق الدّهاء و خبرویّته بها أكّده بقوله :

( و اللّه ما استغفل بالمكیدة ) أى لا یطمع فی اغفالی بالكید علیّ ، لأنّی أحذر من الغراب و إن كان الطامع فی الكید أروغ من الثّعلب ، فانّ من كان أعرف بطرق الخداع و وجوه التّدابیر و الحیل لا یتمكّن من إغفاله و لا یلحقه الغفلة عمّا یراد فی حقّه من الكید و الخدیعة كما قال علیه السّلام فی الكلام السّادس : و اللّه لا أكون كالضّبع تنام على طول اللّدم حتّى یصل إلیها طالبها و یختلها راصدها .

( و لا استغمز بالشّدیدة ) أى لا استضعف بالخطوب الشّدیدة و الدّواهی العظیمة لأنّى البطل الأهیس و الحازم الأكیس و الشّجاع الأسوس .

فقد اتّضح كلّ الوضوح بما أتى به فی هذا الكلام بطلان توهّم من زعم أنّ معاویة كان أدهى منه علیه السّلام و أصحّ تدبیرا .

و قد بسط الكلام فى هذا المرام أبو عثمان الجاحظ على أحسن تقریر و تبیان و فصّل الشارح المعتزلى تفصیلا عجیبا أحببت نقل ما قالا ، لأنه من لسانهما أحلى فأقول :

أما الجاحظ فقد قال فی محكیّ كلامه :

و ربما رأیت بعض من بطن بنفسه العقل و التحصیل و الفهم و التمییز و هو من العامة و یظنّ أنه من الخاصة یزعم أنّ معاویة كان أبعد غورا و أصحّ فكرا و أجود

[ 369 ]

رویّة و أبعد غایة و أدقّ مسلكا ، و لیس الأمر كذلك و ساری إلیك بجملة تعرف بها موضع غلطه و المكان الّذى دخل علیه الخطاء من قبله .

كان علیّ علیه السّلام لا یستعمل فی حربه إلاّ ما وافق الكتاب و السنّة .

و كان معاویة یستعمل خلاف الكتاب و السّنّة كما یستعمل الكتاب و السنة ، و یستعمل جمیع المكائد حلالها و حرامها و یسیر فی الحرب بسیرة ملك الهند إذا لاقی كسرى ، و خاقان إذا لاقی رتبیل .

و علیّ علیه السّلام یقول : لا تبدؤا بالقتال حتّى یبدؤكم ، و لا تتبعوا مدبرا ، و لا تجهزوا على جریح ، و لا تفتحوا بابا مغلقا ، و هذه سیرته فی ذى الكلاع و فی أبی أعور السلّمی ،

و فی عمرو بن العاص ، و حبیب بن مسلمة و فی جمیع الرّؤساء كسیرته فی الحاشیة و الحشو و الأتباع و السّفلة .

و أصحاب الحروب إن قدروا على البیات تبیّتوا . و إن قدروا على رضخ الجمیع بالجندل و هم نیام فعلوا و إن أمكن ذلك فى طرفة عین ، و لم یؤخّروا الحرق إلى وقت الغرق ، و إن أمكن الهدم لم یتكلّفوا الحصار ، و لم یدعوا أن ینصبوا المجانیق و العراوات و النّقب و الشریب و الدّبابات و الكمین ، و لم یدعوا دسّ السّموم و لا التضریب بین النّاس بالكذب و طرح الكتب فی عساكرهم بالسّعایات و توهیم الامور و ایحاش بعضهم من بعض و قتلهم بكلّ آلة و حیلة كیف وقع القتل و كیف دارت بهم الحال .

فمن اقتصر من التدبیر حفظك اللّه على ما فی الكتاب و السنّة و كان قد منع نفسه الطویل العریض من التدّبیر و ما لا یتناهی من المكاید ، و الكذب أكثر من الصّدق و الحرام أكثر عددا من الحلال ، و كذلك الایمان و الكفر و الطاعة و المعصیة و الحقّ و الباطل ، و كذلك الصّحة و السّقم و الصّواب و الخطاء .

فعلیّ علیه السّلام كان ملجما بالورع عن جمیع القول إلاّ ما هو للّه عزّ و جلّ رضى ،

و ممنوع الیدین عن كلّ بطش إلاّ ما هو للّه رضى ، و لا یرى الرّضاء إلاّ فیما یرضاه اللّه و یحبّه ، و لا یرى الرّضاء إلاّ فیما دلّ علیه الكتاب و السنّة دون ما یقول علیه أصحاب الدّهاء و النّكراء و المكاید و الآراء .

[ 370 ]

فلمّا أبصرت العوام كثرة بوادر معاویة فى المكاید ، و كثرة غرایبه فى الخدع ،

و ما اتّفق له و تهیّأ على یده ، و لم یروا ذلك من علىّ ، ظنّوا بقصر عقولهم أنّ ذلك من رجحان عند معاویة و نقصان عند علىّ فقالوا لو لم ما یعدّ له من الخدع إلاّ رفع المصاحف .

ثمّ انظر هل خدع بها إلاّ من عصى رأى علیّ و خالف أمره ، فان زعمت أنّه قد نال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت و لیس فى هذا اختلفنا ، و لا عن غرارة أصحاب علىّ علیه السّلام و عجلتهم و تسرّعهم و تنازعهم دفعنا ، و إنّما كان قولنا فى التمیز بینهما فى الدّهاء و النكراء و صحّة الرّأى و العقل .

على أنّا لا نصف الصالحین بالدّهاء و النكراء ، و لا یقول أحد عنده شى‏ء من الخیر : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أدهى العرب و العجم و أنكر قریش و أنكر كنانة .

لأنّ هذه الكلمة إنّما وضعت فى مدیح أصحاب الارب و من یتعمّق فى الرأى فى توكید أمر الدّنیا و زبرجها و تشدید أركانها .

فأمّا أصحاب الآخرة الّذین یرون النّاس لا یصلحون على تدبیر البشر و انّما یصلحون على تدبیر خالق البشر لا یمدحون بالدّهاء و النكراء ، و لم یمنعوا إلاّ لیعطوا أفضل منه .

و أما الشارح المعتزلى فقد قال :

إنّ السّایس لا یتمكّن من السّیاسة البالغة إلاّ إذا كان یعمل برأیه و بما یرى فیه صلاح ملكه و تمهید أمره ، سواء وافق الشریعة أو لم یوافقها ، و متى لم یعمل فى السّیاسة بمقتضى ما قلناه فبعید أن ینتظم أمره أو یستوسق حاله .

و أمیر المؤمنین علیه السّلام كان مقیّدا بقیود الشریعة ، مدفوعا إلى اتّباعها و رفض ما یصلح من آراء الحرب و الكید و التدبیر إذا لم یكن للشرع موافقا ، فلم یكن قاعدة فى خلافته قاعدة غیره ممّن لم یلتزم بذلك .

و لسنا زارین بهذا القول على عمر بن الخطّاب ، و لكنّه كان مجتهدا یعمل بالقیاس و الاستحسان و المصالح المرسلة و یرى تخصیص عمومات النّصّ بالآراء و بالاستنباط من اصول یقتضى خلاف ما یقتضیه عموم النّصوص ، و یكید خصمه و یأمر

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:43:19+01:00 2010-09-27T08:43:19+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/92 [ 201 ] و من كلام له ع یعظ بسلوك الطریق الواضح أَیُّهَا اَلنَّاسُ لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِیقِ اَلْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ فَإِنَّ اَلنَّاسَ قَدِ اِجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِیرٌ وَ جُوعُهَا طَوِیلٌ أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا یَجْمَعُ اَلنَّاسَ اَلرِّضَا وَ اَلسُّخْطُ وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اَللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِینَ فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ خَارَتْ أ

[ 201 ] و من كلام له ع یعظ بسلوك الطریق الواضح

أَیُّهَا اَلنَّاسُ لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِیقِ اَلْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ فَإِنَّ اَلنَّاسَ قَدِ اِجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِیرٌ وَ جُوعُهَا طَوِیلٌ أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا یَجْمَعُ اَلنَّاسَ اَلرِّضَا وَ اَلسُّخْطُ وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اَللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِینَ فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ اَلسِّكَّةِ اَلْمُحْمَاةِ فِی اَلْأَرْضِ اَلْخَوَّارَةِ أَیُّهَا اَلنَّاسُ مَنْ سَلَكَ اَلطَّرِیقَ اَلْوَاضِحَ وَرَدَ اَلْمَاءَ وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِی اَلتِّیهِ


و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان من المختار فى باب الخطب

أیّها النّاس لا تستوحشوا فی طریق الهدى لقلّة أهله ، فانّ النّاس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصیر ، وجوعها طویل ، أیّها النّاس إنّما یجمع النّاس الرّضا و السّخط ، و إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرّضا ، فقال سبحانه فَعَقَرُوها فَاَصْبَحُوا نادِمینَ فما كان إلاّ أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السّكّة المحماة فی الارض الخوّارة أیّها النّاس من سلك الطّریق الواضح ورد الماء ، و من خالف وقع فی التّیه .

اللغة

قال الأزهرى ( العقر ) عند العرب قطع عرقوب النّاقة ثمّ جعل النّحر عقرا

[ 383 ]

لأنّ ناحر البعیر یعقره ثمّ ینحره و ( الخوار ) بالضمّ صوت البقر و الغنم و السّهم و الحور المنخفض من الأرض ، و الأرض الخوّارة الكثیرة الخوار و ( خسف ) المكان غار فی الأرض و خسفه اللّه یتعدّى و لا یتعدّى و ( السّكة ) بالكسر حدیدة الفدّان الّتی تثیر بها الأرض و ( حمیت ) الحدیدة تحمى من باب تعب فهى حامیة إذا اشتدّ حرّها بالنّار و یعدّى بالهمزة فیقال أحمیتها فهی محماة و ( التّیه ) بكسر التّاء المفازة الّتی لا علامة فیها یهتدى بها ، و تاه الانسان فی المفازة یتیه ضلّ عن الطریق .

الاعراب

ثمود بالفتحة قبیلة من العرب الاولى و هم قوم صالح و صالح من ولد ثمود سمّوا باسم أبیهم الأكبر ثمود بن عائر بن ارم بن سام بن نوح یصرف و لا یصرف ، فمن جعله اسم حىّ أو واد صرفه لأنّه حینئذ مذكّر ، و من جعله اسم قبیلة أو أرض لم یصرفه للتّأنیث و العلمیّة ، و أرض ثمود قریبة من تبوك ، و لمّا عمّوه فی بعض النسخ بتشدید المیم فتكون ظرفیّة بمعنی إذ ، و فی بعضها بكسر اللاّم و تخفیف المیم فتكون ما مصدریّة ، و قوله : فأصبحوا نادمین إن كان أصبح ناقصة بمعنی صار فنادمین خبرها ،

و إن كانت تامّة بمعنی الدّخول فی وقت الصّباح فهو حال من فاعلها ، و یؤیّد الثانی قوله تعالى فی سورة الحجر فأخذتهم الصّیحة مصبحین و كذا قوله : فما كان ، یحتمل أن تكون كان ناقصة و اسمها مضمر فیها أى ما كان الانتقام منهم ، و تامّة بمعنى وقع .

المعنى

اعلم أنّ الغرض من هذا الكلام ترغیب أصحابه على الثّبات على ما كانوا علیه من سلوك سبیل الحقّ ، و لمّا كانت العادة جاریة بأن یستوحش النّاس من الوحدة و قلّة الرّفیق فی الطریق لا سیّما إذا كان طویلا صعبا غیر مأنوس فنهى عن الاستیحاش فی تلك الطریق و قال :

( أیّها النّاس لا تستوحشوا فی طریق الهدى لقلّة أهله ) و كنّى به عمّا عساه

[ 384 ]

یعرض لبعضهم من الوسوسة بأنّهم لیسوا على الحقّ لقلّتهم و كثرة مخالفیهم ، و أیضا قلّة العدد فی الطّرق الحسیّة مظنّة الهلاك و السّلامة مع الكثرة فنبّههم علیه السّلام على أنهم فى طریق الهدى و السلامة و إن كانوا قلیلین و أنّ طرق الآخرة لا تقاس بطرق الدّنیا .

ثمّ نبّه على قلّة أهل الهدى بأنّ أغلب الناس مفتونون بحبّها الصارف لهم عن طریق الهدى إلى طریق الرّدى فقال :

( فانّ الناس اجتمعوا على مائدة ) استعارها للدّنیا و الجامع كونهما مجتمع اللّذات و تفرعها بأنّ ( شبعها قصیر وجوعها طویل ) و كنّى بقصر شبعها عن قصر مدّتها و بطول جوعها عن استعقاب الانهماك فیها للعذاب الطویل فی الآخرة .

قال الشارح البحرانى : لفظ الجوع مستعار للحاجة الطویلة بعد الموت إلى المطاعم الحقیقیة الباقیة من الكمالات النفسانیة الفانیة بسبب الغفلة فى الدّنیا ،

فلذلك نسب الجوع إلیها .

و كیف كان ففیه تنفیر للمخاطبین من الاجتماع على تلك المائدة مع المجتمعین علیها من أهل الدّنیا و حثّ لهم على الاجتماع على مائدة شبعها طویل وجوعها قصیر مع المجتمعین علیها من أهل الآخرة .

و انما یحصل ذلك بسلوك صراطهم المستقیم المؤدّى إلى جنّة النعیم عرضها السماوات و الأرض اعدّت للمتقین ، اولئك لهم رزق معلوم ، فواكه و هم مكرمون ،

على سرر متقابلین ، یطاف علیهم بكأس من معین ، بیضاء لذّة للشاربین ، و فاكهة مما یتخیّرون ، و لحم طیر مما یشتهون ، یسقون من رحیق مختوم ، ختامه مسك و فى ذلك فلیتنافس المتنافسون ، هذا .

و أما قلّة أهل الهدى فقد اشیر إلیها فى كثیر من آیات الكتاب العزیز و فى أخبار أهل البیت علیهم السّلام ، و قد مدح اللّه القلیل و ذمّ الكثیر فى كثیر من آى التنزیل قال تعالى و قلیل من عبادى الشكور و قال و قلیل ما هم و قال و ما آمن معه الاّ قلیل و قال بل أكثرهم لا یعقلون و قال و اكثرهم لا یشعرون .

[ 385 ]

و الغرض منها رفع ما یسبق الى الأوهام العامیة من أنّ الكثرة دلیل الحقیّة و القلّة دلیل البطلان ، و لذا یمیل أكثر الناس إلى السواد الأعظم مع أنّ فى أعصار جمیع الأنبیاء كان أعداؤهم أضعاف أتباعهم و أولیائهم .

روى فى البحار من الكافى باسناده عن سماعة بن مهران قال : قال لی عبد صالح علیه السّلام یا سماعة امنوا على فرشهم و أخافونى أما و اللّه لقد كانت الدّنیا و ما فیها إلاّ واحد یعبد اللّه و لو كان معه غیره لأضافه اللّه عزّ و جلّ إلیه حیث یقول :

انّ إبراهیم كان امة قانتاً للَّه حنیفاً و لم یك من المشركین فصبر بذلك ما شاء اللّه ،

ثمّ إن اللّه آنسه باسماعیل و إسحاق فصاروا ثلاثة أما و اللّه إنّ المؤمن لقلیل و إنّ أهل الكفر كثیر أتدرى لم ذلك ؟ فقلت : لا أدرى جعلت فداك ، فقال : صیروا انسا للمؤمنین یبثّون إلیهم ما فى صدورهم فیستریحون إلى ذلك و یسكنون إلیه .

قال المحدّث العلامة المجلسیّ بعد نقله : قوله : و أخافونی ، أى بالاذاعة و ترك التقیّة ، و الضمیر فی أمنوا راجع إلى المدّعین للتشیّع الّذین لم یطیعوا أئمتهم فی التقیّة و ترك الاذاعة و أشار بذلك إلى أنّهم لیسوا بشیعة لنا ، و قوله و إنّ أهل الكفر كثیر المراد بالكفر هنا المقابل للایمان الكامل كما قال تعالى و ما یؤمن أكثرهم باللَّه إلاّ و هم مشركون و قوله : أ تدرى لم ذاك ؟ أى قلّة عدد المؤمنین مع أنّهم بحسب الظاهر كثیرون أو لأنّ اللّه لم جعل هؤلاء فی صورة المؤمنین ، و المعنی أنّ اللّه جعل هؤلاء المتشیّعة انسا للمؤمنین لئلاّ یستوحشوا لقلّتهم أو یكون علّة لخروج هؤلاء عن الایمان ، فالمعنی أنّه جعل المخالفین انسا للمؤمنین فیبثّون أى المؤمنون إلى المخالفین أسرار أئمّتهم فبذلك خرجوا عن الایمان .

و یؤید الاحتمالات المتقدّمة ما رواه علىّ بن جعفر قال : سمعت أبا الحسن علیه السّلام یقول : لیس كلّ من یقول بولایتنا مؤمنا و لكن جعلوا انسا للمؤمنین .

و فى البحار من الكافى عن حمران بن أعین قال : قلت لأبى جعفر علیه السّلام :

جعلت فداك ما أقلّنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنیناها فقال علیه السّلام : ألا احدّثك بأعجب

[ 386 ]

من ذلك المهاجرون و الأنصار إلاّ و أشار بیده 1 ثلاثة ، فقلت : جعلت فداك ما حال عمّار ؟ قال : رحم اللّه عمّارا أبا الیقظان بایع و مات شهیدا ، فقلت فى نفسى : ما شى‏ء أفضل من الشهادة ، فنظر الىّ فقال : لعلّك ترى أنّه مثل الثلاثة ایهات ایهات .

و فیه من الكافى عن قتیبة الأعشى قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : المؤمنة أعزّ من المؤمن و المؤمن أعزّ من الكبریت الأحمر فمن رأى منكم الكبریت الأحمر ؟

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة و فیما رویناه كفایة .

و قوله ( أیّها النّاس إنّما یجمع النّاس الرّضا و السّخط ) أى یجمعهم فی العذاب رضاهم بالمنكرات و فی الخلاص منه سخطهم لها كما أنّه یجمعهم فی الثّواب رضاهم بالصّالحات و فی الحرمان منه سخطهم لها ، لأنّ الرّاضى بفعل قوم كالداخل معهم فیه ، و یدلّ على ذلك أخبار كثیرة .

مثل ما فی الوسایل عن البرقی فی المحاسن عن محمّد بن مسلم قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إنّما یجمع النّاس الرّضا و السّخط فمن رضى أمرا فقد دخل فیه و من سخطه فقد خرج منه .

و فیه من العیون و العلل باسناده عن عبد السّلام بن صالح الهروى قال قلت لأبی الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیهما السّلام یا ابن رسول اللّه ما تقول فی حدیث روى عن الصّادق علیه السّلام قال : إذا خرج القائم علیه السّلام قتل ذرارى قتلة الحسین علیه السّلام بفعال آبائها فقال : هو كذلك ، فقلت : قول اللّه عزّ و جلّ و لا تزر وازرة وزر اخرى ما معناه ؟

قال : صدق اللّه فی جمیع أقواله ، و لكن ذرارى قتلة الحسین یرضون بفعال آبائهم و یفتخرون بها ، و من رضی شیئا كان كمن أتاه ، و لو أنّ رجلا قتل بالمشرق فرضی بقتله رجل بالمغرب لكان الرّاضی عند اللّه شریك القاتل ، و إنما یقتلهم القائم علیه السّلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم .

و فیه من العیون و العلل بهذا الاسناد عن الرّضا علیه السّلام قال : قلت له : لأىّ

-----------
( 1 ) قوله و أشار بیده من كلام الراوى ، و المراد به الاشارة بثلاثة أصابع من یده و ثلاثة من كلام الامام « ع » و المراد بالثلاثة : سلمان ، و أبوذر ، و المقداد « بحار »

[ 387 ]

علّة أغرق اللّه عزّ و جلّ الدّنیا كلّها فی زمن نوح علیه السّلام و فیهم الأطفال و من لا ذنب له ؟ فقال : ما كان فیهم الأطفال لأنّ اللّه عزّ و جلّ أعقم أصلاب قوم نوح و أرحام نسائهم أربعین عاما فانقطع نسلهم فغرقوا و لا طفل فیهم ، ما كان اللّه لیهلك بعذابه من لا ذنب له ، و أمّا الباقون من قوم نوح فاغرقوا بتكذیبهم لنبیّ اللّه نوح علیه السّلام و سائرهم اغرقوا برضاهم بتكذیب المكذّبین ، و من غاب عن أمر فرضی به كان كمن شهده و أتاه .

و فیه عن العیّاشی فی تفسیره عن محمّد بن هاشم عمّن حدّثه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لمّا نزلت هذه الآیة قل قد جائكم رسل من قبلی بالبیّنات و بالّذى قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقین و قد علم أن قد قالوا و اللّه ما قتلنا و لا شهدنا ، و إنّما قیل لهم : ابرأوا من قتلتهم ، فأبوا .

و عن محمّد بن الأرقط عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : تنزل الكوفة ؟ قلت : نعم قال :

ترون قتلة الحسین بین أظهركم ؟ قال : قلت : جعلت فداك ما بقى منهم أحد ، قال :

فأنت إذا لا ترى القاتل إلاّ من قتل أو من ولی القتل أ لم تسمع إلى قول اللّه قل قد جائكم رسل من قبلى بالبیّنات و بالذى قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقین فأىّ رسول قتل الذین كان محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بین أظهرهم و لم یكن بینه و بین عیسى رسول ،

و إنّما رضوا قتل اولئك فسمّوا قاتلین ، هذا .

و لمّا ذكر علیه السّلام إنّ النّاس یجمعهم الرّضا و السخط استشهد علیه بقصّة ثمود فقال :

( و إنّما عقر ناقة ) الصالح الّتی جعلها اللّه آیة قومه ( ثمود رجل واحد ) منهم أزرق أشقر أحمر یقال له : قدار بن سالف ، و كان ولد زنا و لم یكن ابن سالف و إنّما ولد فی بیته فانتسب إلیه ( فغمّهم اللّه بالعذاب ) و هى الصّیحة و الرّجفة و الصاعقة و الزلزلة الشّدیدة ( لما عموه بالرّضا ) أى أنزل العذاب على جمیعهم لما كان الجمیع راضین بذلك الفعل أعنى عقر النّاقة ( فقال تعالى ) فى سورة الشعراء

[ 388 ]

( فعقروها ) نسب العقر إلى جمیعهم لما ذكر ( فأصبحوا نادمین ) على عقرها عند معاینة العذاب .

و فی سورة هود و اخذ الذین ظلموا الصّیحة فاصبحوا فی دیارهم جاثمین 1 و فی سورة الأعراف فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا فی دیارهم جاثمین .

قال الطبرسی فی تفسیر هذه الآیة الأخیرة : أى الصّیحة ، و قیل : الزّلزلة هلكوا بها ، و قیل : الصّاعقة ، و قیل : كانت صیحة زلزلت به الأرض و أصل الرّجفة الحركة المزعجة الشّدیدة و إنّما قال فأصبحوا جاثمین لأنّ العذاب أخذهم عند الصّباح ، و قیل : أتتهم الصّیحة لیلا فأصبحوا على هذه الصّفة ، و العرب تقول عند الأمر العظیم : و اسوء صباحاه .

أقول : و یؤیّد الأوّل قوله تعالى فی سورة الحجر فأخذتهم الصیحة مصبحین و ستعرف تفصیل قصّتهم و تمام الآیة المذكورة فی المتن فی التّذنیب الآتى إنشاء اللّه .

( فما كان ) عقوبتهم بعد العقر ( إلاّ أن ) أخذتهم الرّجفة و ( خارت أرضهم بالخسفة ) أى صوتت بسبب الخسف فی الأرض ( خوار السّكة المحماة فی الأرض الخوارة ) أى مثل تصویت السكة المحدّدة التی هى أقوى صوتا و أشدّ غوصا فی الأرض الصّلبة الكثیرة الصّوت فاریه بالمحماة المحدّدة مجازا بعلاقة ما كان لأنّها تحمى فی النار أوّلا ثمّ تحدّد أو بعلاقة الملازمة .

و أبقاه الشارح المعتزلی على معناه الحقیقى و قال : إنّما جعلها محماة لأنه یكون أبلغ فی ذهابها فی الأرض ، لأنّ السّكة المحماة تخرق الأرض بشیئین :

أحدهما تحدّد رأسها ، و الثانى حرارته ، فانّ الجسم المحدّد إذا اعتمد علیه فی الأرض اقتضت الحرارة إعانة ذلك الطرف المحدّد على النّفوذ بتحلیلها ما یلاقى من صلابته الأرض ، لأنّ شأن الحرارة التحلیل ، فیكون غوص ذلك الجسم المحدّد فی

-----------
( 1 ) أى صرعى میّتین لا حركة بهم و أصل الجثوم اللزوم بالمكان ، منه .

]]>
ادامه تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:42:49+01:00 2010-09-27T08:42:49+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/91 [ 202 ] وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع رُوِیَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْنِ سَیِّدَةِ اَلنِّسَاءِ فَاطِمَةَ ع كَالْمُنَاجِی بِهِ رَسُولَ اَللَّهِ ص عِنْدَ قَبْرِهِ اَلسَّلاَمُ عَلَیْكَ یَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنِّی وَ عَنِ اِبْنَتِكَ اَلنَّازِلَةِ فِی جِوَارِكَ وَ اَلسَّرِیعَةِ اَللَّحَاقِ بِكَ قَلَّ یَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنْ صَفِیَّتِكَ صَبْرِی وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِی إِلاَّ أَنَّ فِی اَلتَّأَسِّی لِی بِعَظِیمِ فُرْقَتِكَ وَ فَادِحِ مُصِیبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ فَلَقَدْ وَسَّدْ

[ 202 ]

وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع رُوِیَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْنِ سَیِّدَةِ اَلنِّسَاءِ فَاطِمَةَ ع كَالْمُنَاجِی بِهِ رَسُولَ اَللَّهِ ص عِنْدَ قَبْرِهِ اَلسَّلاَمُ عَلَیْكَ یَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنِّی وَ عَنِ اِبْنَتِكَ اَلنَّازِلَةِ فِی جِوَارِكَ وَ اَلسَّرِیعَةِ اَللَّحَاقِ بِكَ قَلَّ یَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنْ صَفِیَّتِكَ صَبْرِی وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِی إِلاَّ أَنَّ فِی اَلتَّأَسِّی لِی بِعَظِیمِ فُرْقَتِكَ وَ فَادِحِ مُصِیبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِی مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ وَ فَاضَتْ بَیْنَ نَحْرِی وَ صَدْرِی نَفْسُكَ فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ فَلَقَدِ اُسْتُرْجِعَتِ اَلْوَدِیعَةُ وَ أُخِذَتِ اَلرَّهِینَةُ أَمَّا حُزْنِی فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَیْلِی فَمُسَهَّدٌ إِلَى أَنْ یَخْتَارَ اَللَّهُ لِی دَارَكَ اَلَّتِی أَنْتَ بِهَا مُقِیمٌ وَ سَتُنَبِّئُكَ اِبْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا فَأَحْفِهَا اَلسُّؤَالَ وَ اِسْتَخْبِرْهَا اَلْحَالَ هَذَا وَ لَمْ یَطُلِ اَلْعَهْدُ وَ لَمْ یَخْلُ مِنْكَ اَلذِّكْرُ وَ اَلسَّلاَمُ عَلَیْكُمَا سَلاَمَ مُوَدِّعٍ لاَ قَالٍ وَ لاَ سَئِمٍ فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلاَ عَنْ مَلاَلَةٍ وَ إِنْ أُقِمْ فَلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اَللَّهُ اَلصَّابِرِینَ


و من كلام له علیه السّلام عند دفن الزهراء سلام اللّه علیها و هو المأتان و الواحد من المختار فى باب الخطب

و هو مروى فی الكافی و فی كشف الغمة و فی البحار من أمالی الشیخ و مجالس المفید باختلاف و زیادة تطلع علیه انشاء اللّه ألسّلام علیك یا رسول اللّه عنّی و عن ابنتك النّازلة فی جوارك ،

و السّریعة اللّحاق بك ، قلّ یا رسول اللّه عن صفیّتك صبری ، و رقّ عنها تجلّدی ، إلاّ أنّ لی فی التّأسّی بعظیم فرقتك ، و فادح مصیبتك ،

موضع تعزّ ، فلقد وسّدتك فی ملحودة قبرك ، و فاضت بین نحری و صدری نفسك .

إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ، فلقد استرجعت الودیعة ، و أخذت الرّهینة ، أمّا حزنی فسرمد ، و أمّا لیلی فمسّهد ، إلى أن یختار اللّه لی

[ 3 ]

دارك الّتی أنت بها مقیم ، و ستنبّئك ابنتك بتظافر أمّتك على هضمها ،

فأحفها السّؤال ، و استخبرها الحال ، هذا و لم یطل العهد ، و لم یخل منك الذّكر ، و السّلام علیكما سلام مودّع ، لا قال و لا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، و إن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصّابرین .

اللغة

( التجلّد ) تكلّف الجلادة ، و هی القوّة و الشدّة كما فی القاموس و الكنز قال الشاعر :

بتجلّدی للشامتین اریهم
إنّی لریب الدّهر لا أتضعضع

أو تكلّف الجلد ، و هو الصبر قال الشاعر :

ما الاصطبار لسلمى أم لها جلد
إذا الاقی الّذى لاقاه أمثالی

و أصل الجلد كما فی القاموس جلد البوء تحشى تماما و یخیّل للنّاقة فتعطف بذلك على ولد غیرها أو جلد حوار یلبس حوارا آخر لترامه امّ المسلوخة ، و على ذلك فاطلاقه على الصّبر مجاز لعلاقة السّببیّة .

و ( الفرقة ) بالضّم اسم من الافتراق و ( عزّیته ) تعزیة قلت له : أحسن اللّه عزاك أی رزقك الصّبر الحسن ، و العزاء اسم من ذلك مثل سلّم سلاما و كلّم كلاما ، و تعزّى هو تصبّر و شعاره أن یقول : إنا للّه و إنّا إلیه راجعون .

و ( استرجعت ) و ( اخذت ) بالبناء على المجهول و ( السهد ) بالضّم الأرق و قد سهد سهدا من باب فرح ، و السّهد بضمّتین القلیل النّوم ، و سهّدته فهو مسهّد أى مورق و هو ذو سهدة یقظة و ( هضمه ) هضما من باب ضرب دفعه عن موضعه فانهضم ، و قیل : هضمه كسره و هضمه حقّه نقصه هكذا فی المصباح ، و قال فی القاموس : هضم فلانا ظلمه و غصبه كاهتضمه و تهضّمه فهو هضیم .

و ( الاحفاء ) فی السؤال المبالغة فیه و الاستقصاء و ( قلیت ) الرّجل أقلیه من باب

[ 4 ]

رمى قلّی بالكسر و القصر و مقلیة ابغضه فأنا قال و ( سئم ) الشی‏ء ساما و سأما و سامة ملّ منه فهو سؤم و سئم و ( أقام ) بالبلد إقامة اتّخذه وطنا فهو مقیم .

الاعراب

قوله : إلاّ أنّ لی استثناء منقطع ، و موضع تعزّ بالنصب اسم أنّ و قدّم خبرها للتوسّع ، و قوله ، فی ملحودة قبرك ، إضافة الملحودة إلى القبر من إضافة الصّفة إلى الموصوف لا بیانیّة كما توهّم ، و التّأنیث باعتبار الخطّة و الحفرة ، و قوله : و أمّا لیلى فمسهّد ،

من المجاز العقلی من باب الاسناد إلى الزّمان كما فی قول الشاعر رحمه اللّه :

و بات و باتت له لیلة
كلیلة ذى العائر الأرمد

و قوله : إلى أن یختار ، ظرف لغو متعلّق بقوله مسهّد ، و قوله : استخبرها الحال ، قال الشّارح المعتزلی : أی عن الحال فحذف الجار ، اه ، و الأظهر أن یجعل الحال مفعولا به و الجار مخذوفا قبل الضّمیر أی استخبر عنها الحال ، و قوله : هذا و لم یطل العهد ، خبر هذا محذوف على أنّه مبتدء أو فاعل لفعل محذوف ، و جملة و لم یطل فی محلّ النّصب على الحال ، و قوله : لا قال و لا سئم ، صفة لمودّع .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام كما قال السیّد « ره » قد روى عنه علیه السّلام أنّه قاله عند دفن سیّدة النساء فاطمة الزهراء علیها السلام إظهارا للتّفجّع بمصابها و التّوجع من ألم فراقها كالمناجی به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عند قبره ، و ینبغی قبل الشروع فی شرح كلامه أن نذكر طرفا من الأخبار الواردة فی تسمیتها سلام اللّه علیها بفاطمة و فی تلقّبها بسیّدة النساء و بالزّهراء .

أما تسمیتها بفاطمة .

ففى البحار من العیون بالاسناد إلى دارم قال : حدّثنا علیّ بن موسى الرّضا و محمّد بن علیّ علیهما السّلام قالا : سمعنا المأمون یحدّث عن الرّشید عن المهدى عن المنصور عن أبیه عن جدّه قال : قال ابن عبّاس لمعاویة : أتدرى لم سمّیت فاطمة فاطمة ؟ قال : لا ، قال : لأنّها فطمت هى و شیعتها من النّار ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقوله .

[ 5 ]

و من العیون بالأسانید الثلاثة عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّی سمّیت ابنتی فاطمة لأنّ اللّه عزّ و جلّ فطمها و فطم من أحبّها من النّار .

و من علل الشرایع بسنده عن یزید بن عبد الملك عن أبی جعفر علیه السّلام قال : لمّا ولدت فاطمة سلام اللّه علیها أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى ملك فانطق به لسان محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسمّاها فاطمة ثمّ قال : إنّی فطمتك بالعلم و فطمتك عن الطمث ، ثمّ قال أبو جعفر علیه السّلام : و اللّه لقد فطمها اللّه تبارك و تعالى بالعلم و عن الطّمث فی المیثاق .

قال المحدّث العلامة المجلسی « قد » بعد نقله : فطمتك بالعلم أى أرضعتك بالعلم حتّى استغنیت و فطمت ، أو قطعتك عن الجهل بسبب العلم ، أو جعلت فطامك من اللبن مقرونا بالعلم كنایة عن كونها فى بدء فطرتها عالمة بالعلوم الرّبانیّة ،

و على التقادیر كان الفاعل بمعنى المفعول كالدّافق بمعنى المدفوق ، و یقرء على بناء التفعیل أى جعلتك قاطعة النّاس من الجهل ، أو المعنى لما فطمها من الجهل فهى تفطم النّاس منه ، و الوجهان الأخیران یشكل إجراؤهما فى قوله فطمتك عن الطمث إلاّ بتكلف بأن یجعل الطمث كنایة عن الاخلاق و الأفعال الذّمیمة .

و فى البحار من المناقب عن الصادق علیه السّلام قال : تدری أیّ شى‏ء تفسیر فاطمة ؟ قال : فطمت من الشرّ ، و یقال إنّما سمّیت فاطمة لأنّها فطمت عن الطّمث .

و أما تلقّبها بسیّدة النساء .

فقد روى فی البحار من مناقب ابن شهر آشوب عن حذیفة أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : أتانی ملك فبشّرنی أنّ فاطمة سیّدة نساء أهل الجنّة أو نساء امّتی .

و عن جابر بن سمرة عن النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى خبر أما أنها سیدة النساء یوم القیامة .

و من الامالى بسنده عن الحسن بن زید العطار قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : فاطمة سیدة نساء أهل الجنة أسیّدة نساء عالمها ، قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : تاك مریم و فاطمة سیّدة نساء الجنّة من الأوّلین و الآخرین فقلت : فقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الحسن و الحسین سیدا شباب أهل الجنة ؟ قال : و اللّه هما سیدا شباب أهل الجنة من الأولین

[ 6 ]

و الآخرین .

و من معانی الأخبار باسناده عن المفضل قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : أخبرنی عن قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى فاطمة : انها سیّدة نساء العالمین أهى سیّدة نساء عالمها ؟

فقال : ذاك لمریم كانت سیّدة نساء عالمها و فاطمة سیّدة نساء العالمین من الأوّلین و الآخرین .

و من الأمالى بسنده عن سعید بن المسیّب عن ابن عبّاس قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان جالسا ذات یوم و عنده علىّ و فاطمة و الحسن و الحسین فقال : اللّهم إنك تعلم أنّ هؤلاء أهل بیتى و أكرم النّاس علیّ فاحبب من أحبّهم ، و ابغض من أبغضهم ، و وال من والاهم ، و عاد من عاداهم ، و أعن من أعانهم ، و اجعلهم مطهّرین من كلّ دنس ، معصومین من كلّ ذنب ، و أیّدهم بروح القدس منك .

ثمّ قال : یا على أنت امام امّتى و خلیفتى علیها بعدى ، و أنت قائد المؤمنین إلى الجنّة ، و كأنّى أنظر إلى ابنتى فاطمة قد أقبلت یوم القیامة على نجیب من نور عن یمینها سبعون ألف ملك ، و بین یدیها سبعون ألف ملك ، و عن یسارها سبعون ألف ملك ،

و خلفها سعبون ألف ملك ، تقود مؤمنات امّتى إلى الجنّة فأیما امرأة صلّت فی الیوم و اللّیلة خمس صلاة ، و صامت شهر رمضان ، و حجّت بیت اللّه الحرام ، و زكت مالها ، و أطاعت زوجها ، و والت علیّا بعدى دخلت الجنّة بشفاعة ابنتى فاطمة ،

و انّها لسیّدة نساء العالمین من الأوّلین و الآخرین ، و أنّها لتقوم فی محرابها فیسلّم علیها سبعون ألف ملك من الملائكة المقرّبین ، و ینادونها بما نادت به الملائكة مریم فیقولون : یا فاطمة إنّ اللّه اصطفیك و طهّرك و اصطفیك على نساء العالمین .

ثمّ التفت إلى علىّ علیه السّلام و قال : یا علی إنّ فاطمة بضعة منّى و هى نور عینى و ثمرة فؤادى یسوؤنى من « ما » ساءها و یسرّنی من « ما » یسرّها ، و أنّها أوّل من یلحقنى من أهل بیتى فأحسن إلیها بعدى ، و أما الحسن و الحسین فهما ابناى و ریحانتاى و هما سیّدا شباب أهل الجنّة فلیكونا علیك كسمعك و بصرك .

ثمّ رفع یده إلى السّماء فقال : اللّهمّ إنّى اشهدك أنّی محبّ لمن أحبّهم ،

[ 7 ]

و مبغض لمن أبغضهم ، و سلم لمن سالمهم ، و حرب لمن حاربهم ، و عدوّ لمن عاداهم و ولىّ لمن والاهم .

و أما تلقّبها بالزّهراء .

فقد روى فی البحار من معانی الأخبار ، و علل الشرائع عن الطالقانی عن الجلودى عن الجوهرى عن ابن عمارة عن أبیه قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن فاطمة لم سمّیت زهراء ؟ قال : لأنها كانت إذا قامت فی محرابها ظهر نورها لأهل السّماء كما یظهر نور الكواكب لأهل الأرض .

و من العلل بسنده عن جابر عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت : لم سمّیت فاطمة الزهراء زهراء ؟ فقال : لأنّ اللّه عزّ و جلّ خلقها من نور عظمته ، فلّما أشرقت أضائت السّماوات و الأرض بنورها ، و غشیت أبصار الملائكة و خرّت الملائكة ساجدین للّه و قالوا : إلهنا و سیّدنا ما هذا النّور ؟ فأوحى اللّه إلیهم : هذا نور من نورى أسكنته فی سمائی خلقته من عظمتى اخرجه من صلب نبیّ من أنبیائی أفضّله على جمیع الأنبیاء و اخرج من ذلك النّور أئمّة یقومون بأمرى یهدون إلى حقّی « خلقى » و أجعلهم خلفائی فی أرضى بعد انقضاء وحیی .

و من المناقب عن أبی هاشم العسكر قال : سألت صاحب العسكر لم سمّیت فاطمة الزّهراء ؟ فقال : كان وجهها یزهر لأمیر المؤمنین علیه السّلام من أوّل النّهار كالشمس الضّاحیة ، و عند الزّوال كالقمر المنیر ، و عند غروب الشّمس كالكوكب الدّرّی .

و من العلل بسنده عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : یا ابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم سمّیت الزّهراء زهراء ؟ قال : لأنّها تزهر لأمیر المؤمنین فى النهار ثلاث مرّات بالنّور :

كان یزهر نور وجهها صلاة الغداة و النّاس فى فراشهم فیدخل بیاض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدینة فتبیض حیطانهم فیعجبون من ذلك فیأتون النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیسألونه عمّار أوا ، فیرسلهم إلى منزل فاطمة فیأتون منزلها فیرونها قاعدة فى محرابها تصلّى

]]>
ادامه تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:40:55+01:00 2010-09-27T08:40:55+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/90 [ 23 ] روى ورقة بن عبد اللّه الازدى قال : خرجت حاجّا إلى بیت اللّه الحرام راجیا لثواب اللّه ربّ العالمین فبینما أنا أطوف و إذا أنا بجاریة سمراء ملیحة الوجه عذبة الكلام و هى تنادى بفصاحة منطقها و تقول : اللهمّ ربّ الكعبة الحرام و الحفظة الكرام و زمزم و المقام و المشاعر العظام و ربّ محمّد خیر الأنام البررة الكرام أن تحشرنی مع ساداتى الطّاهرین و أبنائهم الغرّ المحجلین المیامین ، ألا فاشهدوا یا جماعة الحجّاج و المعتمرین إنّ موالیّ خیرة الأخیار و صفوة الأبرار الذین علا قدرهم على الأقدا [ 23 ]

روى ورقة بن عبد اللّه الازدى قال : خرجت حاجّا إلى بیت اللّه الحرام راجیا لثواب اللّه ربّ العالمین فبینما أنا أطوف و إذا أنا بجاریة سمراء ملیحة الوجه عذبة الكلام و هى تنادى بفصاحة منطقها و تقول :

اللهمّ ربّ الكعبة الحرام و الحفظة الكرام و زمزم و المقام و المشاعر العظام و ربّ محمّد خیر الأنام البررة الكرام أن تحشرنی مع ساداتى الطّاهرین و أبنائهم الغرّ المحجلین المیامین ، ألا فاشهدوا یا جماعة الحجّاج و المعتمرین إنّ موالیّ خیرة الأخیار و صفوة الأبرار الذین علا قدرهم على الأقدار و ارتفع ذكرهم فی سایر الأمصار المرتدین بالفخار .

قال ورقة بن عبد اللّه فقلت : یا جاریة إنی لأظنك من موالی أهل البیت ، فقالت أجل قلت : و من أنت من موالیهم ؟ قالت : أنا فضّة أمة فاطمة الزّهراء ابنة محمّد المصطفى صلّى اللّه علیها و على أبیها و بعلها و بنیها ، فقلت لها : مرحبا بك و أهلا و سهلا فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك و منطقك فارید منك الساعة أن تجیبنی من مسألة أسألك فاذا أنت فرغت من الطواف قفى لى عند سوق الطعام حتى آتیك و أنت مثابة مأجورة فافترقنا فی الطواف .

فلما فرغت من الطواف و أردت الرجوع إلى منزلی جعلت طریقی على سوق الطعام و إذا بها جالسة فی معزل عن الناس ، فأقبلت إلیها و اعتزلت بها و أهدیت إلیها هدیة و لم أعتقد أنها صدقة ثمّ قلت لها : یا فضّة أخبرینی عن مولاتك فاطمة الزّهراء علیها السلام و ما الذی رأیت منها عند وفاتها بعد موت أبیها محمّد صلّى اللّه علیه و آله سلّم .

قال ورقة : فلما سمعت كلامی تغرغرت عیناه بالدّموع ثمّ انتحبت نادبة و قالت : یا ورقة بن عبد اللّه هیّجت علیّ حزنا ساكنا و أشجانا فی فؤادى كانت كامنة فاسمع الآن ما شاهدت منها .

اعلم أنه لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم افتجع له الصغیر و الكبیر و كثر علیه البكاء و قلّ العزاء و عظم رزؤه على الأقرباء و الأصحاب و الأولیاء و الأحباب و الغرباء و الأنساب ، و لم تلق إلاّ كلّ باك و باكیة و نادب و نادبة ، و لم یكن فی أهل الأرض

[ 24 ]

و الأصحاب و الأقرباء أشدّ حزنا و أعظم بكاء و انتحابا من مولاتی فاطمة الزهراء ،

و كان حزنها یتجدّد و یزید ، و بكاؤها یشتدّ فجلست سبعة أیام لا یهدى لها أنین و لا یسكن منها حنین ، و كلّ یوم جاء كان بكاؤها أكثر من الیوم الأول .

فلما كان فی الیوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن فلم تطق صبرا إذ خرجت و صرخت فكأنها من فم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم تنطق ، فتبادرت النسوان و خرجت الولاید و الولدان ، و ضجّ الناس بالبكاء و النحیب ، و جاء الناس من كلّ مكان ،

و اطفیت المصابیح لكیلا تتبیّن صفحات النساء ، و خیّل إلى النسوان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد قام من قبره ، و صار الناس فی دهشة و حیرة لما قد رهقهم ، و هى تنادى و تندب أباه وا أبتاه وا صفیّاه وا محمّداه وا أبا القاسماه و اربیع الأرامل و الیتامى اه من للقبلة و المصلّى ، و من لابنتك الوالهة الثكلى .

ثمّ أقبلت تعثر فی أذیالها و هى لا تبصر شیئا من عبرتها و من تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبیها محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصر خطاها و دام نحیبها و بكاها إلى أن اغمى علیها ، فتبادرت النسوان إلیها فنضحن الماء علیها و على صدرها و جبینها حتّى أفاقت و هى تقول :

رفعت قوّتی ، و خاننی جلدى ، و شمت بی عدوّی ، و الكمد قاتلی ، یا أبتاه بقیت و الهة وحیدة و حیرانة فریدة فقد انخمد صوتى ، و انقطع ظهرى ، و تنغّص عیشی ، و تكدّر دهری ، فما أجد یا أبتاه بعدك أنیسا لوحشتی ، و لا رادا لدمعتی و لا معینا لضعفی ، فقد فنى بعدك محكم التنزیل ، و مهبط جبرئیل ، و محلّ میكائیل انقلبت بعدك یا أبتاه الأسباب ، و تغلّقت دونی الأبواب ، فأنا للدّنیا بعدك قالیة ،

و علیك ما ترددت أنفاسی باكیة ، لا ینفد شوقی إلیك ، و لا حزنی علیك .

ثمّ نادت : یا أبتاه و البّاه ثمّ قالت :

إنّ حزنی علیك حزن جدید
و فؤادى و اللّه صبّ عنید

كلّ یوم یزید فیه شجونی
وا كتئا بی علیك لیس یبید

جلّ خطبى فبان عنّی عزائی
فبكائی كلّ وقت جدید

[ 25 ]

إنّ قلبا علیك یألف صبرا
أو عزاء فانّه لجلید

ثمّ نادت : یا أبتاه انقطعت بك الدّنیا بأنوارها ، و زوت زهرتها و كانت ببهجتك زاهرة فقد اسودّ نهارها ، فكان یحكی حنادسها رطبها و یابسها ، یا أبتاه لا زالت آسفة علیك إلى التّلاق ، یا أبتاه زال غمصى منذ حقّ الفراق ، یا أبتاه من للأرامل و المساكین ، و من للأمّة إلى یوم الدّین ، یا أبتاه أمسینا بعدك من المستضعفین ،

یا أبتاه أصبحت النّاس عنّا معرضین ، و لقد كنّا بك معظّمین فی النّاس غیر مستضعفین فأىّ دمعة لفراقك لا تنهمل ، و أیّ حزن بعدك علیك لا یتّصل ، و أىّ جفن بعدك بالنّوم یكتحل ، و أنت ربیع الدین ، و نور النبیین ، فكیف للجبال لا تمور ، و للبحار بعدك لا تغور ، و الأرض كیف لم تتزلزل ، رمیت یا أبتاه بالخطب الجلیل ، و لم یكن الرزیّة بالقلیل ، و طرقت یا أبتاه بالمصاب العظیم ، و بالفادح المهول ، بكتك یا أبتاه الأملاك ،

و وقفت الأفلاك فمنبرك بعدك مستوحش ، و محرابك خال من مناجاتك ، و قبرك فرح بمواراتك ، و الجنّة مشتاقة إلیك و إلى دعائك و صلاتك ، یا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك ، فوا أسفا علیك إلى أن أقدم عاجلا علیك و اثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولدیك الحسن و الحسین و أخوك و ولیك و حبیبك و من ربّیته صغیرا و آخیته كبیرا و أحلی أحبابك و أصحابك من كان منهم سابقا و مهاجرا و ناصرا ، و الثكل شاملنا ،

و البكاء قاتلنا ، و الأسى لازمنا .

ثمّ زفرت زفرة و أنّت أنّة كادت روحها أن تخرج ثمّ قالت :

قلّ صبرى و بان عنّی عزائى
بعد فقدى لخاتم الأنبیاء

عین یا عین اسكبى الدّمع سحّا
ویك لا تبخلی بفیض الدّماء

یا رسول الا له یا خیرة اللّه
و كهف الأیتام و الضّعفاء

قد بكتك الجبال و الوحش جمعا
و الطیر و الأرض بعد بكى السماء

و بكاك الحجون و الركن و
المشعر یا سیدى مع البطحاء

و بكاك المحراب و الدّرس
للقرآن فی الصّبح معلنا و المساء

و بكاك الاسلام اذ صار فی النّاس
غریبا من سایر الغرباء

[ 26 ]

لو ترى المنبر الذی كنت تعلوه
علاه الظلام بعد الضّیاء

یا إلهى عجّل وفاتی سریعا
قد نغصت الحیاة یا مولائی

قالت : ثمّ رجعت إلى منزلها و أخذت بالبكاء و العویل لیلها و نهارها و هی لا ترقى دمعتها ، و لا تهدى زفرتها .

و اجتمع شیوخ أهل المدینة و اقبلوا إلى أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فقالوا له یا أبا الحسن إنّ فاطمة تبكى اللّیل و النّهار فلا أحد منّا یتهنأ بالنّوم فی اللّیل على فراشنا و لا بالنّهار قرار على أشغالنا و طلب معایشنا ، و إنّا نخیّرك أن تسألها إمّا أن تبكى لیلا أو نهارا ، فقال حبّا و كرامة .

فأقبل أمیر المؤمنین حتّى دخل على فاطمة علیها السّلام و هی لا تفیق من البكاء ،

و لا ینفع فیها العزاء ، فلمّا رأته سكتت هیمنة له فقال لها : یا بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ شیوخ المدینة یسألونی أن أسألك إمّا أن تبكین أباك لیلا و إمّا نهارا فقالت یا أبا الحسن ما أقلّ مكثی بینهم و ما أقرب مغیبتی من بین أظهرهم ، فو اللّه لا أسكت لیلا و لا نهارا أو ألحق بأبی رسول اللّه ، فقال لها علیّ : افعلی یا بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما بدا لك ثمّ إنّه علیه السّلام بنى لها بیتا فی البقیع نازحا من المدینة یسمّى بیت الأحزان و كانت إذا أصبحت قدّمت الحسن و الحسین أمامها و خرجت إلى البقیع باكیة فلا تزال بین القبور باكیة ، فاذا جاء اللّیل أقبل أمیر المؤمنین إلیها و ساقها بین یدیه إلى منزلها .

و لم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد أبیها سبعة و عشرون یوما و اعتلّت العلّة الّتی توفّیت فیها فبقیت إلى یوم الأربعین و قد صلّى أمیر المؤمنین صلاة الظهر و أقبل یرید المنزل إذ استقبلته الجواری باكیات حزینات فقال لهنّ : ما الخبر و ما لى أراكنّ متغیّرات الوجوه و الصّور ، فقلن : یا أمیر المؤمنین أدرك ابنة عمك الزّهراء و ما نظنّك تدركها .

فأقبل أمیر المؤمنین مسرعا حتّى دخل علیها و إذا بها ملقاة على فراشها و هو

[ 27 ]

من قباطى مصر و هى تقبض یمینا و تمدّ شمالا ، فألقى الرّداء عن عاتقه و العمامة عن رأسه و حل أزراره .

و أقبل حتّى أخذ رأسها و تركه فی حجره و ناداها : یا زهراء ، فلم تكلّمه ،

فنادها : یا بنت محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلم تكلّمه ، فناداها : یا بنت من حمل الزّكاة فی أطراف ردائه و بذلها على الفقراء ، فلم تكلّمه ، فناداها : یا ابنة من صلّى بالملائكة فی السّماء مثنى مثنى ، فلم تكلّمه فناداها : یا فاطمة كلّمینی فأنا ابن عمّك علیّ ابن أبیطالب .

قالت : ففتحت عینیها فی وجهه و نظرت إلیه و بكت و بكى ، و قال : ما الّذی تجدینه فأنا ابن عمّك علیّ بن أبیطالب ، فقالت : یا ابن العمّ إنّی أجد الموت الذی لا بدّ منه و لا محیص عنه و أنا أعلم أنّك بعدى لا تصبر على قلّة التزویج ، فان أنت تزوّجت امرأة اجعل لها یوما و لیلة و اجعل لأولادی یوما و لیلة ، و لا تصح فی وجوههما فیصبحان یتیمین غریبین منكسرین فانّهما بالأمس فقد اجدّهما : و الیوم یفقدان امّهما ، فالویل لامة تقتلهما و تبغضهما ثمّ أنشأت تقول :

ابكنى إن بكیت یا خیر هادى
و اسبل الدّمع فهو یوم الفراق

یا قرین البتول اوصیك بالنّسل
فقد أصبحا حلیف الاشتیاق

ابكنى و ابك للیتامی و لا
تنس قتیل العدى بطفّ العراق

فارقوا فاصبحوا یتامى حیارى
یخلف اللّه فهو یوم الفراق

قالت فقال علیّ : من أین لك یا بنت رسول اللّه هذا الخبر و الوحى قد انقطع عنّا ؟ فقالت : یا أبا الحسن رقدت السّاعة فرأیت حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی قصر من الدّرّ الأبیض فلمّا رآنی قال : هلمّی إلیّ یا بنیّة فانّی إلیك مشتاق ، فقلت :

و اللّه إنّى لأشدّ شوقا منك إلى لقائك ، فقال : أنت اللّیلة عندى و هو الصّادق لما وعد و الموفی لما عاهد فاذا أنت قرءت یس فاعلم أنّی قد قضیت نحبى ، فغسّلنی و لا تكشف عنّی فانّى طاهرة مطهّرة ، و لیصلّ علیّ معك من أهلی الأدنى فالأدنى و من رزق اجرى و ادفنّی لیلا فی قبری ، بهذا أخبرنی حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 28 ]

فقال علیّ علیه السّلام و اللّه لقد أخذت فی أمرها و غسلتها فی قمیصها و لم اكشفه عنها فو اللّه لقد كانت میمونة طاهرة مطهّرة ، ثمّ حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كفنتها و أدرجتها فی أكفانها .

فلمّا هممت أن أعقد الرّداء نادیت یا امّ كلثوم یا زینب یا سكینة یا فضّة یا حسن یا حسین هلمّوا تزوّدوا من امّكم فهذا الفراق و اللّقاء فی الجنّة ، فأقبل الحسن و الحسین و هما ینادیان وا حسرتاه لا ننطفى أبدا من فقد جدّنا محمّد المصطفى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و امّنا فاطمة الزّهراء ، یا امّ الحسن یا امّ الحسین إذا لقیت جدّنا محمّد المصطفى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاقرئیه منّا السّلام و قولى له : إنّا قد بقینا بعدك یتیمین فی دار الدّنیا .

فقال أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام : إنى اشهد اللّه أنّها قد حنّت و أنّت و مدّت یدیها و ضمّتهما إلى صدرها ملیا و إذا بهاتف من السماء ینادى یا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكیا و اللّه ملائكة السماوات ، فقد اشتاق الحبیب إلى المحبوب .

قال : فرفعتهما من صدرها و جعلت أعقد الرداء و أنا انشد بهذه الأبیات :

فراقك أعظم الأشیاء عندى
و فقدك فاطم أدهى الثكول

سأبكى حسرة و أنوح شجوا
على خلّ مضى أسنا سبیل

ثمّ حملها على یده و أقبل بها إلى قبر أبیها و نادى :

السلام علیك یا رسول اللّه ، السلام علیك یا حبیب اللّه ، السلام علیك یا نور اللّه السلام علیك یا صفوة اللّه منّی السلام علیك و التحیة منّی واصلة إلیك و لدیك ، و من ابنتك النازلة علیك بفنائك ، و إنّ الودیعة قد استردّت ، و الرهینة قد اخذت ،

فواحزناه على الرّسول ، ثمّ من بعده على البتول ، و لقد اسودّت علیّ الغبراء ،

و بعدت عنّی الخضراء ، فواحزناه ثمّ وا أسفاه .

ثمّ عدل بها على الرّوضة فصلّى علیها فی أهله و أصحابه و موالیه و أحبّائه و طائفة من المهاجرین و الأنصار ، فلما واراها و ألحدها فی لحدها أنشأ بهذه الأبیات یقوله :

[ 29 ]

أرى علل الدّنیا علیّ كثیرة
و صاحبها حتى الممات علیل

لكل اجتماع من خلیلین فرقة
و إنّ بقائی عندكم لقلیل

و انّ افتقادى فاطما بعد أحمد
دلیل على أن لا یدوم خلیل

أقول : و فی الدّیوان المنسوب إلیه علیه الصلاة و السلام أنه أنشد عند وفاة فاطمة صلوات اللّه و سلامه علیها بهذه الأبیات :

ألا هل إلى طول الحیات سبیل
و أنّى و هذا الموت لیس یحول

و إنّی و إن أصبحت بالموت موقنا
فلا أمل من دون ذاك طویل

و للدّهر ألوان تروح و تغتدی
و إنّ نفوسا بینهنّ تسیل

و منزل حقّ لا معرّج دونه
لكلّ امرء منها إلیه سبیل

قطعت بأیّام التعزّز ذكره
و كلّ عزیز ما هناك ذلیل

أرى علل الدّنیا علىّ كثیرة
و صاحبها حتّى الممات علیل

و انّى لمشتاق إلى من أحبّه
فهل لی إلى من قد هویت سبیل

و انّى و إن شطت بی الدّهر نازحا
و قد مات قبلی بالفراق جمیل

فقد قال فی الأمثال فی البین قائل
أضرّ به یوم الفراق رحیل

لكلّ اجتماع من خلیلین فرقة
و كلّ الذی دون الفراق قلیل

و انّ افتقادی فاطما بعد أحمد
دلیل على أن لا یدوم خلیل

و كیف هناك العیش من بعد فقدهم
لعمرك شی‏ء ما إلیه سبیل

سیعرض عن ذكرى و تنسى مودّتی
و یظهر بعدى للخلیل عدیل

و لیس خلیلی بالملول و لا الذى
إذا غبت یرضاه سواى بدیل

و لكن خلیلی من یدوم وصاله
و یحفظ سرّى قلبه و دخیل

إذا انقطعت یوما من العیش مدّتی
فانّ بكاء الباكیات قلیل

یرید الفتى أن لا یموت حبیبه
و لیس إلى ما یبتغیه سبیل

و لیس جلیلا رزء مال و فقده
و لكنّ رزء الأكرمین جلیل

[ 30 ]

لذلك جنبی لا یواتیه مضجع
و فی القلب من حرّ الفراق غلیل 1

خاتمة

نذكر فیها بعض الأخبار الواردة فی كیفیّة مجیئها سلام اللّه علیها إلى المحشر و تظلّمها یوم القیامة و عقاب ظالمیها .

و إنّما أوردت هذه الأخبار لأنّ الأخبار السّالفة المتضمّنة لما جرى علیها بعد وفاة أبیها سلام اللّه علیه و علیها من البغی و العدوان و الظلم و الطغیان لا سیّما ما تضمّنت أنینها و حنینها و بكائها و مظلومیّتها و وحدتها و غربتها حالة وفاتها ،

قد ملأت قلبی قیحا و شحنت صدرى قرحة ، و جرّعتنی نعب التّهمام أنفاسا ، فسرت عند روایتها لا أضبط دمعتى ، و لا أملك كمدى و لوعتی ، و كانت الدّمعات من عظم مصیبتها جاریة ، و حرقات القلب مشتعلة .

فأحببت ایراد هذه الأخبار تسلیة لبعض همومی و هموم سایر الموالین ، لعن اللّه ظالمیها و ظالمی بعلها و بنیها فلقد أوغلوا فی العداوة و الطغیان ، و بالغوا فی التعدیة و العدوان ، و شمّروا فی استیصال أهل البیت الشّریف بالفعل و اللّسان ، و أبانوا عن دناءة أصلهم بقبح فعلهم و فعل الأعوان ، و ركبوا مركبا وعرا أجابوا فیه دعوة ولیّهم الشّیطان .

فلیتهم أخزاهم اللّه إذ لم یكفّوا عن غصب فدك و الخلافة ، كفّوا عن إحراق باب بیت العصمة و الطهارة ، و لیتهم قنعوا بتلبیب سیّد الأولیاء ، و أمسكوا عن ضرب السّوط و اسقاط جنین سیّدة النساء .

نعم نسبهم الخبیث و أصلهم الدنىّ قد نفى عنهم الغیرة و المروّة و أقامهم على

-----------
( 1 ) قوله ( ع ) : و أنى ، اسم استفهام خبره محذوف أى كیف سبیل إلى طول الحیاة و منزل عطف على ألوان ، و المعرج محل الاقامة ، و شطت الدار و نزحت بعدت و الباء للتعدیة و التضریب مبالغة فى الضرب ، و البین الفراق أى أضرب المثل الذى قاله القائل فى یوم الفراق الذى هو رحیل ، و المثل قوله : لكلّ اجتماع ، و فاطم مرخم فاطمة ،

و البدیل البدل ، و دخیل الرجل الذى یداخل فى اموره و یختصّ به ، لا یواتیه اى لا یوافقه و الغلیل العطش « منه » .

[ 31 ]

دعوى الجاهلیّة لأنّ الاناء ینضح بما فیه ، و الولد سرّ أبیه .

روى فی البحار من تفسیر العیّاشی عن أبی بصیر قال : یؤتی بجهنم لها سبعة أبواب : الأوّل للظالم و هو زریق ، و بابها الثّانی لحبتر ، و الباب الثالث للثالث و الباب الرّابع لمعاویة ، و الباب الخامس لعبد الملك ، و الباب السّادس لعسكر بن هوسر ، و الباب السابع لأبی سلامة ، فهم أبواب لمن اتّبعهم .

قال المحدّث العلامة المجلسى : عسكر اسم جمل عایشة فیكون كنایة عن عایشة و صاحبیها ، و یحتمل كنایة عن بعض ولاة بنی امیّة كأبی سلامة ، و یحتمل أن یكون أبو سلامة كنایة عن أبی مسلم إشارة إلى من سلّطهم من بنی العبّاس .

و من العیّاشی عن أبی بصیر ، عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّه إذا كان یوم القیامة یؤتی بابلیس فی سبعین غلا و سبعین كبلا 1 ، فینظر الأوّل إلى زفر فی عشرین و مأة كبل و عشرین و مأة غلّ فینظر إبلیس فیقول : من هذا الذى أضعفه اللّه العذاب و أنا أغویت هذا و الخلق جمیعا ؟ فیقال : هذا زفر ، فیقول : بما جدّد له هذا العذب ؟ فیقال : ببغیه على علیّ علیه السّلام فیقول له إبلیس : ویل لك و ثبور لك أما علمت أنّ اللّه أمرنی بالسجود لآدم فعصیته و سألته أن یجعل لی سلطانا على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أهل بیته علیهم السّلام و شیعته فلم یجبنی إلى ذلك ، و قال إنّ عبادى لیس لك علیهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوین و ما عرفتهم حین استثناهم إذ قلت و لا تجد أكثرهم شاكرین فمنیت به نفسك غرورا .

فیوقف بین یدى الخلایق فیقال له : ما الذى كان منك إلى علیّ و إلى الخلق الذین اتّبعوك على الخلاف ؟ فیقول الشّیطان و هو زفر لابلیس : أنت أمرتنی بذلك فیقول له إبلیس : فلم عصیت ربّك و أطعتنی ؟ فیردّ علیه زفر ما قال اللّه انّ اللّه وعدكم وعد الحقّ و وعدتكم فاخلفتكم و ما كان لى علیكم من سلطان إلى آخر الآیة .

قال العلاّمة المجلسیّ « قد » : قوله علیه السّلام : فیردّ زفر علیه ظاهر السیاق أن یكون قوله : انّ اللّه وعدكم ، كلام إبلیس فیكون كلام زفر ما ذكر

-----------
( 1 ) الكبل القید الضخم یقال كبلت الاسیر و كبلته اذا قیدته فهو مكبول و مكبل ، الصحاح

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:40:19+01:00 2010-09-27T08:40:19+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/89 [ 203 ] و من كلام له ع فی التزهید من الدنیا و الترغیب فی الآخرة أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا اَلدُّنْیَا دَارُ مَجَازٍ وَ اَلْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ وَ لاَ تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ یَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ وَ أَخْرِجُوا مِنَ اَلدُّنْیَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِیهَا اُخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَیْرِهَا خُلِقْتُمْ إِنَّ اَلْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ اَلنَّاسُ مَا تَرَكَ وَ قَالَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ مَا قَد

[ 203 ] و من كلام له ع فی التزهید من الدنیا و الترغیب فی الآخرة

أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا اَلدُّنْیَا دَارُ مَجَازٍ وَ اَلْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ وَ لاَ تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ یَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ وَ أَخْرِجُوا مِنَ اَلدُّنْیَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِیهَا اُخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَیْرِهَا خُلِقْتُمْ إِنَّ اَلْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ اَلنَّاسُ مَا تَرَكَ وَ قَالَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ مَا قَدَّمَ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً یَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً وَ لاَ تُخْلِفُوا كُلاًّ فَیَكُونَ فَرْضاً عَلَیْكُمْ

[ 40 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الثانى من المختار فى باب الخطب

و رواه فی الارشاد و فی البحار من أمالی الصّدوق بتفاوت یسیر مع زیادة حسبما تعرفه فی التكملة الآتیة إنشاء اللّه .

أیّها النّاس إنّما الدّنیا دار مجاز ، و الاخرة دار قرار ، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، و لا تهتكوا أستاركم عند من یعلم أسراركم و أخرجوا من الدّنیا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففیها اختبرتم ، و لغیرها خلقتم ، إنّ المرء إذا هلك قال النّاس ما ترك ،

و قالت الملائكة ما قدّم ، للّه آباءكم فقدّموا بعضا یكن لكم ، و لا تخلّفوا كلاّ فیكون علیكم .

اللغة

( المجاز ) مصدر میمیّ من جاز المكان یجوزه جوزا و جوازا إذا سار فیه و عبره و ( القرار ) اسم من قرّ الشی‏ء قرّا من باب ضرب استقرّ بالمكان و ( لا تخلّفوا كلاّ ) مضارع خلّف الرّجل الشی‏ء بالتّشدید تركه بعده .

الاعراب

من فی قوله : من ممرّكم نشویة و قوله : للّه آباءكم ، جملة اسمیّة تستعمل فی مقام التعجّب و الاستعظام كقولهم : للّه أبوك و للّه درّك و تسمّى هذه اللاّم بلام التّعجب .

[ 41 ]

قال نجم الأئمّة : أمّا معنى قولهم : للّه درّك ، فالدّر فی الأصل ما یدرّ أى ینزل من الضّرع من اللبن و من الغیم من المطر ، و هو ههنا كنایة عن فعل الممدوح الصّادر عنه ، و إنّما نسب فعله إلیه تعالى قصدا للتّعجب ، لأنّ اللّه منشی‏ء العجائب ، فكلّ شى‏ء عظیم یریدون التعجّب منه ینسبون إلیه تعالى و یضیفونه نحو قولهم : للّه أبوك و للّه أنت فمعنى للّه درّه ما أعجب فعله ، و قد تقدّم مزید تفصیل فیه فی شرح المختار المأة و التّاسع و السبعین

المعنى

اعلم أنّ الغرض من هذا الكلام التّنفیر من الدّنیا و الترغیب فی الآخرة و الأمر بأخذ الزاد لیوم المعاد و بالاستعداد للموت قبل حلول الفوت ، و صدّر الكلام بحرف النّداء و التنبیه ایقاظا للمخاطبین من نوم الغفلة فقال :

( أیّها النّاس إنّما الدّنیا دار مجاز و الآخرة دار قرار ) یعنی أنّ الاولى دار عبور و الاخرى دار استقرار ، و الاتیان بكلمة إنّما المفیدة للحصر تأكیدا للغرض المسوق له الكلام ، و تنبیها على أنّ وجود الدّنیا نفس حدوثها و بقاءها عین زوالها ، فلا صلاحیّة لها إلاّ لأن تكون مجازا و معبرا بمنزلة قنطرة یتجاوز منها إلى المقرّ و المأوى ، فمن نوى البقاء فیها و القرار فقد جهل و ضلّ و خبط خبطا عظیما و خسر خسرانا مبینا ، و إذا كان شأنها ذلك :

( فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ) أى خذوا فی الدّنیا من الخیرات و الحسنات و الباقیات الصّالحات الّتی هى زاد الآخرة ، لتنالوا بها حسن الثواب فیها و تحصّلوا النّعمة الدّائمة .

( و لا تهتكوا أستاركم عند من یعلم أسراركم ) أى لا تجاهروا بالمعصیة و العدوان عند من لا یخفى علیه شی‏ء من السّرّ و الاعلان ، بل یعلم ما أنتم مقترفون فی لیلكم و نهاركم ، لطف به خبرا و أحاط به علما ، أعضاؤكم شهوده ، و الحفظة جنوده ، و ضمائركم عیونه ، و خلواتكم عیانه كما قال عزّ من قائل و لقد خلقنا الانسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إلیه من حبل الورید . إذ یتلقّى . المتلقّیان عن الیمین و عن الشّمال قعید . ما یلفظ من قول إلاّ لدیه رقیب عتید .

[ 42 ]

( و اخرجوا من الدّنیا قلوبكم من قبل أن یخرج منها أبدانكم ) و هو أمر بالزهد فی الدّنیا و الاعراض عنها و حذف محبّتها عن ساحة القلب و الاستعداد للموت قبل حلوله ، لأنّ من كانت الدّنیا همّته و أشرب محبّتها قلبه اشتدّت عند مفارقتها حسرته .

روى فی البحار من الأمالی قال : قیل لأمیر المؤمنین علیه السّلام ما الاستعداد للموت ؟ قال : أداء الفرایض و اجتناب المحارم و الاشتمال على المكارم ثمّ لا یبالی أوقع على الموت أم وقع الموت علیه ، و اللّه ما یبالی ابن أبی طالب أوقع على الموت أم وقع الموت علیه .

و فیه من الخصال و معانی الأخبار بسنده عن عبد اللّه بن بكر المرادى عن موسى بن جعفر عن أبیه عن جدّه عن علیّ بن الحسین علیهم السّلام قال : بینا أمیر المؤمنین علیه السّلام ذات یوم جالس مع أصحابه یعبیهم للحرب إذ أتاه شیخ علیه شجّة السّفر فقال : أین أمیر المؤمنین ؟ فقیل : هو ذا ، فسلّم ثمّ قال : یا أمیر المؤمنین إنّی أتیتك من ناحیة الشّام و أنا شیخ كبیر قد سمعت فیك من الفضل ما لا احصى ، و أنّی أظنّك ستقتال فعلّمنی ممّا علّمك اللّه .

قال : نعم یا شیخ من اعتدل یوماه فهو مغبون ، و من كانت الدّنیا همّته اشتدّت حسرته عند فراقها ، و من كانت غده شرّ یومیه فهو محروم ، و ساق الرّوایة إلى أن قال :

فقال : یا شیخ إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق خلقا ضیّق الدّنیا علیهم نظرا لهم فزهدهم فیها و فی حطامها ، فرغبوا فی دار السلام الذی دعاهم إلیه و صبروا على ضیق المعیشة و صبروا على المكروه و اشتاقوا إلى ما عند اللّه من الكرامة ،

و بذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان اللّه و كانت خاتمة أعمالهم الشّهادة ، فلقوا اللّه و هو عنهم راض و علموا أنّ الموت سبیل من مضى و بقى فتزوّدوا لآخرتهم غیر الذّهب و الفضّة و لبسوا الخشن و صبروا على القوت ، و قدّموا الفضل و أحبّوا فی اللّه و أبغضوا فی اللّه عزّ و جلّ اولئك المصابیح و أهل النّعیم فی الآخرة و السّلام .

[ 43 ]

( ففیها اختبرتم و لغیرها خلقتم ) یعنی أنّه سبحانه خلقكم فی الدّنیا لا لأجل الدّنیا و البقاء فیها و الرّكون إلیها ، بل لأجل الآخرة و تحصیل النّعمة الدّائمة ، و إنّما خلقكم فی الدّنیا لمحض الابتلاء و الامتحان كما قال تعالى :

و نبلوكم بالشرّ و الخیر فتنة و الینا ترجعون .

و قد مضى تحقیق معنى الابتلاء فی شرح الخطبة الثّانیة و السّتین ، و بیّنا هناك أنّ اللاّزم على الانسان قصر همّته فی محصّلات السّعادة الاخرویة لیخلص من قالب الامتحان ، و لیستحقّ القرار فی غرفات الجنان ، و یدرك مرتبة الرّضوان الذی هو أعظم السّعادات و أشرف اللذات و أكبر البهجات .

( انّ المرء إذا هلك قال النّاس ما ترك و قالت الملائكة ما قدّم ) و هو تأكید لما سبق فانّه علیه السّلام لمّا أمر بالأخذ من الممرّ للمقرّ و بالزّهد فی الدّنیا و الاعراض عن قنیاتها و زخارفها ، و نبّه على أنّ الغرض الأصلی من الخلقة هو العبادة و الطاعة و تحصیل السّعادة الاخرویة .

أكّده بأنّ المرء إذا مات قال أبناء الدّنیا من عشایر المیّت و الأقرباء و الاخوان و القرناء المصروف هممهم بها و المشغولین بها عن التّوجّه إلى الاخرى :

ما ترك ، أى یسأل بعضهم بعضا عمّا خلّفه المیّت من متاع الدّنیا و ما تركه من الأولاد و الأموال .

و قالت الملائكة الّذین نظرهم إلى محصلات القرب و الزّلفى لدیه تعالى فقط :

ما قدّم المیّت لنفسه و ادّخره لیوم فاقته و مقام حاجته ، فینبغی على ذلك ترجیح مسئول الملائكة على مسئول النّاس ، و تقدیم محصّلات الزّلفی على قنیات الدّنیا قال الشّارح البحرانى : و فی لفظ ما ترك و ما قدّم لطف تنبیه على أنّ متاع الدّنیا مفارق متروك و الأعمال الصّالحة مقدّمة باقیة نافعة للمرء فی معاده ، فینبغی أن تكون العنایة بها دون المفارق المتروك .

( للّه آبائكم ) استعظمهم بنسبة آبائهم إلى اللّه حیث ولدوا مثل هؤلاء الأولاد و قوله : ( فقدّموا بعضا یكن لكم و لا تخلّفوا كلاّ فیكون علیكم ) تفریع على

[ 44 ]

ما تقدّم ، فانه لما صدّر الكلام بالأمر بالأخذ من الممرّ للمقرّ و أكّده بأنّ سؤال الملائكة و فحصهم عن المقدّم دون المؤخّر ، رتب علیه هذه الجملة تنبیها على مقدار ما یؤخذ و یقدّم .

و لا یخفى ما فی هاتین القرینتین من حسن المقابلة ، و هو مقابلة الأربعة بالأربعة حیث جعل القرینة الأولى موجبة و الثانیة سالبة ، ثمّ قابل بین التقدیم و التخلیف و بین البعض و الكلّ و بین لكم و علیكم .

و فی بعض النسخ فقدّموا بعضا یكن لكم قرضا ، و لا تخلّفوا كلاّ فیكون علیكم كلاّ فتكون من مقابلة الخمسة بالخمسة .

أى خذوا من ممرّكم لمقرّكم بعض أموالكم ، و قدّموه و أنفقوه فی سبیل اللّه یكن لكم قرضا على اللّه تستحقّون بأخذ مثله من اللّه فی مقام الحاجة و موطن الفاقة بل یضاعفه لكم أضعافا مضاعفة كما قال تعالى من ذا الذى یقرض اللّه قرضا حسنا فیضاعفه له و له أجر كریم « و قد مرّ معناه فی شرح الخطبة المأة و الثانیة و الثمانین و قال أیضا : و آتوا الزكوة و أقرضوا اللّه قرضا حسنا و ما تقدّموا لأنفسكم من خیر تجدوه عند اللّه هو خیرا و أعظم أجرا .

و لا تتركوا جمیع أموالكم فیكون علیكم كلاّ أى ثقیلا لا خیر فیه أو وزرا و ثقلا أى یكون عبؤه لكم و مهناؤه لغیركم روى فی الوسائل عن الصدوق فی قول اللّه عزّ و جل كذلك یریهم اللّه أعمالهم حسرات علیهم قال : هو الرجل یدع ماله لا ینفقه فی طاعة اللّه عزّ و جلّ بخلا ثم یموت فیدعه لمن یعمل فیه بطاعة اللّه أو بمعصیة اللّه ، فان عمل فیه بطاعة اللّه رآه فی میزان غیره فرآه حسرة و قد كان المال له ، و ان كان عمل به فى معصیة اللّه قویه بذلك المال حتى عمل به فی معصیة اللّه عزّ و جلّ .

قال : و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ما محق الاسلام محق الشحّ شی‏ء ، ثمّ قال :

إنّ لهذا الشحّ دبیبا كدبیب النمل و شعبا كشعب الشرك .

و فى الكافى باسناده عن هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لیس یتبع

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:39:43+01:00 2010-09-27T08:39:43+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/88 [ 204 ] و من كلام له ع كان كثیرا ما ینادی به أصحابه تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ فَقَدْ نُودِیَ فِیكُمْ بِالرَّحِیلِ وَ أَقِلُّوا اَلْعُرْجَةَ عَلَى اَلدُّنْیَا وَ اِنْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ اَلزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لاَ بُدَّ مِنَ اَلْوُرُودِ عَلَیْهَا وَ اَلْوُقُوفِ عِنْدَهَا وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَلاَحِظَ اَلْمَنِیَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِیَةٌ وَ كَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِیكُمْ وَ قَدْ

[ 204 ] و من كلام له ع كان كثیرا ما ینادی به أصحابه

تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ فَقَدْ نُودِیَ فِیكُمْ بِالرَّحِیلِ وَ أَقِلُّوا اَلْعُرْجَةَ عَلَى اَلدُّنْیَا وَ اِنْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ اَلزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لاَ بُدَّ مِنَ اَلْوُرُودِ عَلَیْهَا وَ اَلْوُقُوفِ عِنْدَهَا وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَلاَحِظَ اَلْمَنِیَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِیَةٌ وَ كَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِیكُمْ وَ قَدْ دَهَمَتْكُمْ فِیهَا مُفْظِعَاتُ اَلْأُمُورِ وَ مُعْضِلاَتُ اَلْمَحْذُورِ فَقَطِّعُوا عَلاَئِقَ اَلدُّنْیَا وَ اِسْتَظْهِرُوا بِزَادِ اَلتَّقْوَى و قد مضى شی‏ء من هذا الكلام فیما تقدم بخلاف هذه الروایة

و من كلام له علیه السّلام كان كثیرا ما ینادى به أصحابه و هو المأتان و الثالث من المختار فى باب الخطب

و هو مروىّ فی البحار من أمالی الصّدوق باختلاف كثیر تطلع علیه تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودی فیكم بالرّحیل ، و أقلّوا العرجة على الدّنیا ، و انقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزّاد ، فإنّ أمامكم عقبة كئودا ، و منازل مخوفة مهولة ، لا بدّ من الورود علیها ،

و الوقوف عندها ، و اعلموا أنّ ملاحظ المنیّة نحوكم دائبة ، و كأنّكم بمخالبها و قد نشبت فیكم ، و قد دهمتكم منها مفظعات الأمور ،

و معضلات المحذور ، فقطّعوا علایق الدّنیا ، و استظهروا بزاد التّقوى

[ 49 ]

قال السّیّد « ره » : و قد مضى شی‏ء من هذا الكلام فیما تقدّم بخلاف هذه الرّوایة أقول : الأشبه أن یكون مراده به ما تقدّم فی الخطبة الرّابعة و الثّمانین .

اللغة

( جهاز ) المسافر ما یحتاج إلیه فی قطع المسافة و هو بالفتح و به قرء السّبعة فی قوله تعالى فلمّا جهّزهم بجهازهم و الكسر لغة قلیلة ، و جهاز العروس و المیّت باللغتین أیضا ما یحتاجان إلیه و جهّزته تجهیزا هیّأت جهازه فتجهّزو ( العرجة ) بالضمّ الاقامة من عرّج تعریجا و تعرّج تعرّجا أى أقام و حبس المطیّة على المنزل و ( عقبة كئود ) ككفور و كأداء أى صعبة شاقّة من تكأدّنی الأمر شقّ علىّ و ( هاله ) الأمر هولا أفزعه ، و الهول المخافة و الجمع أهوال و هول هائل و مهول كمصون تاكید و ( الملاحظ ) جمع الملحظ مصدر میمیّ بمعنى اللحظ یقال لحظه و إلیه لحظا من باب منع و لحظانا بالتّحریك نظر بمؤخّر عینیه قال الشّاعر :

و أسرار الملاحظ أین تخفى
و قد یقرء بذی اللّحظ الظّنون

قال الفیروزآبادى : اللّحظ أشدّ التفاتا من الشّرز و ( دئب ) فی الأمر دئبا جدّ و تعب ، و فی بعض النسخ دانیة بدل دائبة من الدنوّ بمعنى القرب و ( المخلب ) من السّباع كالظّفر من غیرها و ( نشب ) نشبا من باب تعب علق و ( المعضلات ) الشّداید من أعضل به الأمر اشتدّ .

و فی نسخة الشارح المعتزلی مضلعات المحذور و فسّرها بالخطوب التی تضلع أى تجعل الانسان ضلعا أى معوجا .

أقول : لعلّه أخذه من ضلع السیف ضلعا من باب فرح اعوجّ ، و لا قیمنّ ضلعك بالتحریك و بالسكون أیضا و هو الاعوجاج خلقة و لكن الأظهر أن یكون مأخوذا من أضلعه الدّین أثقله حتى یمیل صاحبه عن الاستواء و حمل مضلع وزان محسن أى ثقیل و ان كان مرجعه أیضا إلى الأول .

و روى مظلعات المحذور بالظاء المشالة ، قال الشارح المعتزلی : أراد الامور التی تجعل الانسان ظالعا أى یغمر فی مشیه لثقلها علیه و الماضی ظلع بالفتح یظلع

[ 50 ]

ظلعا فهو ظالع ، و فی القاموس ظلع البعیر كمنع غمز فی مشیه ، و الظالع المائل و الظلاع كغراب داء فی قوائم الدابة لا من سیر و لا تعب

الاعراب

قول السید : كثیرا ما ینادی ، كثیرا منصوب على الظرفیة المجازیة مفعول لقوله ینادى قدّم علیه لتضمّنه معنى الظرف أى ینادى حینا كثیرا أى فی كثیر من الأوقات ، و نحوكم منصوب بنزع الخافض متعلّق بقوله دائبة ، و قوله : و كأنكم بمخالبها ، كأنّ للتشبیه و الظرف متعلق بفعل محذوف بقرینة المقام أى كأنكم تبصرون بمخالبها على حدّ قوله تعالى فبصرت به عن جنب و الجملة خبر كأنّ و جملة و قد نشبت فی محلّ النّصب حال من مخالبها لكونه مفعولا بالواسطة و قوله و قد دهمتكم جملة مستأنفه ، و الفاء فی قوله : فقطعوا فصیحة .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام حسبما أشار إلیه السیّد كان علیه السّلام كثیرا ما ینادی به أصحابه بعد صلاة العشاء الآخرة كما صرح به فی روایة الامالى الآتیة ایقاظا لهم عن نوم الغفلة و إزعاجا من الاغترار بالدّنیا ینادیهم بحیث یسمع من فی المسجد .

( تجهّزوا رحمكم اللّه ) أى خذوا جهاز الموت و هیئوا ما تحتاجون إلیه فی طیّ منازل الآخرة و الوصول إلى حضرت ربّ العزّة .

( فقد نودى فیكم بالرّحیل ) أى بالارتحال و المسافرة إلى العقبی ، و المراد بالمنادى إما توارد الآلام و الأسقام و تراكم الأسباب المعدّة للمزاج للفساد ، أو الملك المأمور من اللّه تبارك و تعالى بالنداء یقول : لدوا للموت و ابنوا للخراب أو طروّ المشیب و الهرم كما قال علیه السّلام فی الدّیوان المنسوب إلیه :

الشیب عنوان المنیّة
و هو تاریخ الكبر

و بیاض شعرك موت
شعرك ثم أنت على الاثر

و إذا رأیت الشیب عمّ
الرأس فالحذر الحذر

و یحتمل أن یكون المراد بالرّحیل الازعاج من الدّنیا و التوجّه إلى الآخرة

[ 51 ]

و السفر إلى اللّه بالرّیاضیات الكاملة ، فالمراد بالنداء حینئذ ما نطق به الكتاب العزیز و جرى على ألسنة الأنبیاء و الرّسل و الأئمة من الأوامر الواردة بالزّهد كما قال علیه السّلام موتوا قبل أن تموتوا ، أو أنّ المراد به اخبارهم بأنهم یرتحلون و لا یبقون كما قال تعالى إنك میّت و إنّهم میّتون و أینما تكونوا یدرككم الموت و نحو ذلك ، و قد مرّ نظیر هذه الفقرة فی الخطبة الثالثة و الستّین و هو قوله : ترحّلوا فقد جدّ بكم ،

فلیراجع ثمّة .

( و أقلّوا العرجة على الدّنیا ) أى الاقامة علیها و حبّ البقاء فیها ، و المراد به الأمر بقصر الأمل و عدم تطویله ، لأنّ طول الأمل ینسى الآخرة .

كما قال علیه السّلام فی المختار الثانی و الأربعین : إنّ أخوف ما أخاف علیكم اثنان اتّباع الهوى و طول الأمل ، فأما اتّباع الهوى فیصدّ عن الحقّ ، و أما طول الأمل فینسى الآخرة ، و مضى فی شرحه مطالب نافعة و أخبار نفیسة .

و قال علیه السّلام فی المختار الثامن و العشرین : ألا و إنكم قد امرتم بالظعن و دللتم على الزاد ، و إنّ أخوف ما أخاف علیكم اتّباع الهوى و طول الأمل ، و مضى فی شرحه أیضا مطالب و أخبار شریفة و روینا هناك عن أبی یعفور قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : من تعلّق قلبه بالدّنیا تعلّق بثلاث خصال : همّ لا یفنى ، و أمل لا یدرك ، و رجاء لا تنال .

و محصّل المراد من إقلال الاقامة على الدّنیا الزّهد فیها و القناعة على القدر الضروری من العیش و ارتقاب الموت و لنعم ما قال علیه السّلام فی الدّیوان المنسوب إلیه

إنما الدّنیا فناء لیس للدّنیا ثبوت
إنما الدّنیا كبیت نسجته العنكبوت

و لقد یكفیك منها أیها الطالب قوت
و لعمرى عن قلیل كلّ من فیها یموت

و قال أیضا :

أ لم تر أنّ الدّهر یوم و لیلة
یكرّان من سبت جدید إلى سبت

فقل لجدید الثوب لابدّ من بلى
و قل لاجتماع الشمل لا بدّ من شتّ

و قال أیضا :

بیت و یوم و قوت یوم
یكفى لمن فى غد یموت

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:38:33+01:00 2010-09-27T08:38:33+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/87 [ 205 ] و من كلام له ع كلم به طلحة و الزبیر بعد بیعته بالخلافة و قد عتبا علیه من ترك مشورتهما و الاستعانة فی الأمور بهما لَقَدْ نَقَمْتُمَا یَسِیراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِیراً أَ لاَ تُخْبِرَانِی أَیُّ شَیْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِیهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ أَمْ أَیُّ قَسْمٍ اِسْتَأْثَرْتُ عَلَیْكُمَا بِهِ أَمْ أَیُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَیَّ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِینَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ وَ اَللَّهِ مَا كَانَتْ لِی فِی اَلْخِلاَفَةِ رَغْبَةٌ وَ لاَ

[ 205 ] و من كلام له ع كلم به طلحة و الزبیر بعد بیعته بالخلافة و قد عتبا علیه من ترك مشورتهما و الاستعانة فی الأمور بهما

لَقَدْ نَقَمْتُمَا یَسِیراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِیراً أَ لاَ تُخْبِرَانِی أَیُّ شَیْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِیهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ أَمْ أَیُّ قَسْمٍ اِسْتَأْثَرْتُ عَلَیْكُمَا بِهِ أَمْ أَیُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَیَّ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِینَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ وَ اَللَّهِ مَا كَانَتْ لِی فِی اَلْخِلاَفَةِ رَغْبَةٌ وَ لاَ فِی اَلْوِلاَیَةِ إِرْبَةٌ وَ لَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِی إِلَیْهَا وَ حَمَلْتُمُونِی عَلَیْهَا فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَیَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ وَ مَا اِسْتَنَّ اَلنَّبِیُّ ص فَاقْتَدَیْتُهُ فَلَمْ أَحْتَجْ فِی ذَلِكَ إِلَى رَأْیِكُمَا وَ لاَ رَأْیِ غَیْرِكُمَا وَ لاَ وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِیرَكُمَا وَ إِخْوَانِی مِنَ اَلْمُسْلِمِینَ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَ لاَ عَنْ غَیْرِكُمَا وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ اَلْأُسْوَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِیهِ بِرَأْیِی وَ لاَ وَلِیتُهُ هَوًى مِنِّی بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اَللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَیْكُمَا فِیمَا قَدْ فَرَغَ اَللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ وَ أَمْضَى فِیهِ حُكْمَهُ فَلَیْسَ لَكُمَا وَ اَللَّهِ عِنْدِی وَ لاَ لِغَیْرِكُمَا فِی هَذَا عُتْبَى أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاكُمُ اَلصَّبْرَ ثم قال ع رَحِمَ اَللَّهُ رَجُلاً رَأَى حَقّاً فَأَعَانَ عَلَیْهِ أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ وَ كَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الرابع من المختار فى باب الخطب

و رواه الشارح المعتزلی فی شرح المختار الحادى و التّسعین من كتاب نقض كتاب العثمانیة لأبی جعفر الاسكافی باختلاف كثیر تعرفه إن شاء اللّه .

قال السید : كلّم به طلحة و الزّبیر بعد بیعته بالخلافة و قد عتبا علیه من ترك مشورتهما و الاستعانة فی الامور بهما .

لقد نقمتما یسیرا ، و أرجأتما كثیرا ، ألا تخبرانی أیّ شی‏ء لكما

[ 57 ]

فیه حقّ دفعتكما عنه ، و أیّ قسم استأثرت علیكما به ، أم أیّ حقّ رفعه إلیّ أحد من المسلمین ضعفت عنه ، أمّ جهلته أم أخطأت بابه ،

و اللّه ما كانت لی فی الخلافة رغبة ، و لا فی الولایة إربة ، و لكنّكم دعوتمونی إلیها ، و حملتمونی علیها ، فلمّا أفضت إلیّ نظرت إلى كتاب اللّه و ما وضع لنا و أمرنا بالحكم به فاتّبعته ، و ما استسنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاقتدیته ، فلم أحتج فی ذلك إلى رأیكما ، و لا رأی غیركما ، و لا وقع حكم جهلته فأستشیركما و إخوانی من المسلمین ،

و لو كان ذلك لم أرغب عنكما و لا عن غیركما .

و أمّا ما ذكرتما من أمر الاسوة فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فیه برأیی ، و لا ولّیته هوى منّی ، بل وجدت أنا و أنتما ما جآء به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد فرغ منه ، فلم أحتج إلیكما فیما قد فرغ اللّه من قسمه ،

و أمضى فیه حكمه ، فلیس لكما و اللّه عندی و لا لغیركما فی هذا عتبى ، أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ، و ألهمنا و إیّاكم الصّبر .

ثمّ قال علیه السّلام : رحم اللّه رجلا رأى حقّا فأعان علیه ، أو رأى جورا فردّه ، و كان عونا بالحقّ على صاحبه .

اللغة

( نقمت ) علیه أمره و نقمت منه نقما من باب ضرب و نقمت أنقم من باب

[ 58 ]

تعب لغة إذا عبته و كرهته أشدّ الكراهة بسوء فعله و اللغة الأولى هی الفصیحة و بهما قرء قوله تعالى و ما تنقم منّا أى و ما تطعن فینا و تقدح ، و قیل : لیس لنا عندك ذنب و لا ركبنا مكروها و ( أرجأته ) بالهمزة أخّرته ( و قسمته ) قسما من باب ضرب فرزته أجزاء فانقسم و القسم بالكسر اسم منه ، ثمّ اطلق على الحصّة و النّصیب فیقال : هذا قسمى و الجمع أقسام مثل حمل و أحمال .

و ( استاثر ) بالشی‏ء استبدّ به أى انفرد به من غیر مشارك له فیه و ( حمله ) على الأمر یحمله فانحمل أغراه به و ( الاسوة ) بالضمّ و الكسر القدوة ( و لا ولیّته هوى منّى ) فی أكثر النسخ بتشدید اللاّم یقال ولّیته تولیة أى جعلته والیا ، و فی بعضها بالتّخفیف و هو الأظهر من ولیه إذا قام به و منه ولىّ الصغیر أى القائم بأمره و ( عتب ) علیه عتبا من باب ضرب و قتل لامه فی تسخّط ، و أعتبنى الهمزة للسلب أى أزال الشكوى و العتاب ، و العتبى وزان فعلى اسم من الاعتاب .

الاعراب

قوله : بعد بیعته بالخلافة من إضافة المصدر إلى المفعول ، و یسیرا و كثیرا منصوبان على المفعول به ، و قوله : ألا تخبرانى أىّ شی‏ء لكما فیه حقّ دفعتكما عنه أىّ اسم استفهام مرفوع على الابتداء و جملة دفعتكما عنه خبره ، و جملة لكما فیه حقّ صفة لشی‏ء ، و لكما ظرف لغو متعلّق بحقّ ، و فیه ظرف مستقرّ متعلّق بمقدّر خبر مقدّم ، و حقّ مبتدء و یحتمل أن یجعل الأوّل ظرف مستقرّ و الثانى ظرف لغو ، و جملة أىّ شی‏ء اه منصوبة المحلّ مفعول لتخبرانی اه .

و قوله : أم أىّ قسم فی بعض النسخ أو بدل أم و كذلك فی قوله أم جهلته و قوله : و لاولیّته هوى منّى ، على روایة ولیّته بالتشدید یكون هوى مفعولا به أى لم أجعل هواى والیا فی هذا الأمر . و على روایة التخفیف فهو مفعول له أى ما قمت به لأجل هوى نفسى ، و جملة قد فرغ منه بالبناء على الفاعل حال من رسول اللّه ،

و فی بعض النسخ بالبناء على المفعول فتكون حالا من ما جاء به ، و الفاء فى قوله :

فلیس فصیحة ، و جملة رحم اللّه رجلا اه ، دعائیّة لا محلّ لها من الاعراب .

[ 59 ]

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام حسبما أشار إلیه الرّضیّ رضی اللّه عنه : ( كلّم به طلحة و الزّبیر بعد بیعتهما له بالخلافة و قد عتبا من ترك مشورتهما و الاستعانة فی الامور بهما ) و من ترك تفضیلهما فی العطاء على غیرهما .

قال الشّارح المعتزلی إنّهما قالا : ما نراه یستشیرنا فی أمر و لا یفاوضنا فی رأى و یقطع الأمر دوننا و كانا یرجوان غیر ذلك ، و أراد طلحة أن یولیّه البصرة و أراد الزّبیر أن یولیّه الكوفة .

فلمّا شاهدا صلابته فی الدّین و قوّته فی العزم ، و هجره الادهان و المراقبة و رفضه المدالسة و المواریة ، و سلوكه فی جمیع مسالكه منهج الكتاب و السّنّة ، و قد كانا یعلمان ذلك قدیما من طبعه و سجیّته ، و كان عمر قال لهما و لغیرهما : إنّ الأجلح أى الأنزع إن ولیها لیحملنّكم على المحجّة البیضاء و الصراط المستقیم ، و كان النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال من قبل : و إن تولّوها علیّا تجدوه هادیا مهدّیا ، إلاّ انّه لیس الخبر كالعیان ، و لا القول كالفعل ، و لا الوعد كالانجاز حالا 1 عنه و تنكّرا له ، و وقعا فیه ، و عاباه تطلّبا له العلل و التأویلات ، و تنقما علیه الاستبداد و ترك المشاورة ، و انتقلا من ذلك إلى الوقیعة فیه بمساوات الناس فی قسمة الأموال ، و أثنیا على عمر و حمدا سیرته و صوّبا رأیه ، و قالا : إنّه كان یفضّل أهل السوابق ، و ضلّلا علیّا فیما رآه و قالا : إنّه أخطاء ، و إنّه خالف سیرة عمر ، و استنجدا علیه بالرّؤساء من المسلمین كان عمر یفضّلهم فی القسم على غیرهم .

و الناس أبناء الدّنیا و یحبّون المال حبّا جمّا فتنكّرت على أمیر المؤمنین بتنكّرهما قلوب كثیرة .

و كان عمر منع قریشا و المهاجرین و ذوى السوابق من الخروج من المدینة و نهاهم عن مخالطة الناس ، و نهى الناس عن مخالطتهم و رأى أنّ ذلك اسّ

-----------
( 1 ) حالا عنه أى تغیّرا من الاستواء الى العوج ، منه .

[ 60 ]

الفساد فی الأرض ، و أنّ الفتوح و الغنایم قد أبطرت المسلمین ، و متى بعد الرؤوس و الكبراء منهم عن دار الهجرة و انفردوا بأنفسهم و خالطهم الناس فی البلاد البعیدة لم یؤمن أن یحسنوا لهم الوثوب و طلب الامارة و مفارقة الجماعة و حلّ نظام الالفة و لكنّه نقض هذا الرّاى السّدید بما فعله بعد طعن أبی لؤلؤة له من الشّورى فانّ ذلك كان سبب كلّ فتنة وقع و یقع إلى أن تنقضى الدّنیا .

قال : و قد قدّمنا ذكّر ذلك و شرحنا ما أدّى إلیه أمر الشورى من الفساد بما حصل فی نفس كلّ من الستة من ترشیحه للخلافة إلى أن قال : إنّ طلحة و الزبیر لما آیسا من جهة علیّ علیه السّلام و من حصول الدّنیا من قبله قلبا له ظهر المجنّ ، فكاشفاه و عاتباه قبل المفارقة عتابا لاذعا 1 قال : روى أبو عثمان الجاحظ قال :

أرسل طلحة و الزّبیر إلى علیّ علیه السّلام قبل خروجهما إلى مكّة محمّد بن طلحة و قالا :

لا تقل له یا أمیر المؤمنین و لكن قل له : یا أبا الحسن لقد فال « أى اخطأ » فیك رأینا و خاب ظننا أصلحنا لك الأمر و وطدنا لك الامرة و أجلبنا على عثمان حتّى قتل فلما طلبك الناس لأمرهم أسرعنا إلیك و بایعناك و قدنا إلیك أعناق العرب و وطأ المهاجرون و الأنصار أعقابنا فی بیعتك حتّى إذا ملكت عنانك استبددت برأیك عنّا و رفضتنا رفض التّریكة 2 و أذلتنا إذالة الاماء 3 و ملكت أمرك الاشتر و حكیم بن جبلة و غیرهما من الأعراب فلما جاء محمّد بن طلحة أبلغه ذاك فقال : اذهب إلیهما فقل لهما فما الذى یرضیكما ؟

فذهب و جاء و قال : إنّهما یقولان ولّ أحدنا البصرة و آخرنا الكوفة .

فقال : لا هاء اللّه إذا یحلم 4 الأدیم ، و یستشرى الفساد ، و تنتقض علیّ

-----------
( 1 ) لذع النار الشى‏ء لفحه ، منه .

-----------
( 2 ) التریكة كسفینة امرأة تترك لا تتزوّج ، منه .

-----------
( 3 ) اى أهنتا إهانة الاماء یقال أذلته أهنته و لم أحسن القیام علیه ، منه .

-----------
( 4 ) حلم الجلد من باب فرح وقع منه الحلم و هى دودة تقع فى الجلد فتأكله ، منه .

[ 61 ]

البلاد من أقطارها ، و اللّه انّى لا آمنهما و هما عندى بالمدینة فكیف آمنهما و قد ولّیتهما العراقین اذهب إلیهما فقل أیّها الشیخان احذرا من اللّه و نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على امّته و لا تبغى 1 المسلمین غایلة و كیدا و قد سمعتما قول اللّه تعالى تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذین لا یریدون علوّا فی الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقین .

فقام محمّد بن طلحة فأتا إلیهما و لم یعدا له و تأخّرا عنه أیّاما ثمّ جاءاه فاستأذنا فی الخروج إلى مكّة للعمرة فأذن لهما بعد أن أحلفهما أن لا ینقضا بیعته و لا یغدرا به و لا یشقّا عصا المسلمین و لا یوقعا الفرقة بینهم و أن یعودا بعد العمرة إلى بیوتهما بالمدینة ، فحلفا على ذلك كلّه ثمّ خرجا ففعلا ما فعلا قال : و روى الطبرى فی التاریخ قال : لمّا بایع الناس علیّا و تمّ الأمر له قال طلحة للزّبیر : ما أرى أنّ لنا من هذا الأمر إلاّ ككشحة أنف الكلب فقد ظهر لك من ذلك و یظهر أیضا ممّا نرویه من الاسكافی أنّ علّة نقم طلحة و الزّبیر منه علیه السّلام إنّما كانت ترك استشارتهما و مداخلتهما فی أمر الخلافة و عدم بذل مأمولهما فى تولیة العراقین و التسویة بینهما و بین غیرهما فی القسم و لمّا نقما علیه بذلك أجاب لهما بقوله :

( لقد نقمتما یسیرا و أرجأتما كثیرا ) أى طعنتما و عتبتما علیّ شیئا یسیرا و هو ترك الاستشارة و أمر التسویة حسبما عرفت مع عدم كونهما مورد طعن و عیب فی الحقیقة و أخرتما شیئا كثیرا من رعایة حقوقی الواجبة و السعی فیما یعود إلى صلاح حال المسلمین و انتظام أمر الدّین و اتّساق حبل الالفة و الجماعة .

و قال الشّارح المعتزلی : أى نقمتما من أحوالى الیسیر ، و تركتما الكثیر الّذى لیس لكما و لا لغیركما فیه طعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما الیسیر الكثیر .

و قال الشّارح البحرانی : یحتمل أن یریدان الّذی أبدیاه و نقماه بعض ممّا فی أنفسهما و قد دلّ ذلك على أنّ فی أنفسهما أشیاء كثیرة وراء ما ذكراه .

أقول : یعنى قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفى صدورهم أكبر ،

-----------
( 1 ) هكذا فى النسخة و الظاهر أنها تصحیف و الصحیح لا تبغیا بصیغة التثنیة ، منه .

[ 62 ]

و الأظهر ما قلناه .

ثمّ استخبر عمّا نقماه و استفهم عن وجوه النّقم المتصوّرة فی المقام استفهاما انكاریا إبطالیّا تنبیها به على بطلان تلك الوجوه جمیعا و على كذب مدّعیها فقال :

( ألا تخبرانی أىّ شی‏ء لكما فیه حقّ ) مالیّ أو غیر مالیّ ( دفعتكما عنه ) و ظلمتكما فیه .

و بطلان هذا الوجه مع كونه معصوما واضح ، و یزیده وضوحا قوله الآتی فی الكلام المأتین و العشرین : و كیف أظلم أحدا لنفس یسرع إلى البلى قفولها و یطول فی الثرى حلولها ، و قوله فیه أیضا . و اللّه لو اعطیت الأقالیم السّبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصی اللّه فی نملة أسلبها جلب شعیرة ما فعلته ، و من هذا حاله كیف یتصوّر فی حقّه الظلم ؟ .

( و أىّ قسم استأثرت علیكما به ) أى أىّ سهم و نصیب أخذت من بیت المال و تفرّدت به و لم اشارككم .

و بطلانه أیضا واضح ممّا مر و یزیده توضیحا ما مرّ فی الكلام المأة و السادس و العشرین من قوله : لو كان المال لى لسوّیت بینهم فكیف و المال مال اللّه ، و ما یأتی فی باب المختار من كتبه فی كتابه إلى عثمان بن حنیف الأنصارى من قوله : و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنیاه بطمریه و من طعمه بقرصیه ، و من هذا شأنه كیف یحیف الغیر و یذهب بحقّه و غیره ؟ و بما ذكرته علم الفرق بین هذا الوجه و الوجه الأوّل ، فانّ الأوّل أعم من الحقّ المالى و غیره ، و هذا مخصوص بالمالی ، و أیضا دفع الحقّ عنهما أعمّ من أن یصیر إلیه أو إلى غیره أو لم یصر إلى أحد بل یبقی فی بیت المال و الاستیثار علیهما به هو أن یأخذ حقّهما لنفسه .

( أم أىّ حقّ رفعه إلىّ أحد من المسلمین ضعفت عنه ) و كنت محتاجا فیه إلى المعاون و المعین .

[ 63 ]

و بطلان هذا الوجه أیضا لا ریب فیه لما قد عرف من بأسه و شجاعته و أنه لو لا سیفه لما قام للاسلام عمود و لا اخضرّ للدّین عود ، و قد قال فی الكلام السّابع و الثلاثین و استبددت برهانها كالجبل لا تحرّكه القواصف و لا تزیله العواصف لم یكن لأحد فیّ مهمز و لا لقائل فیّ مغمز الذّلیل عندى عزیز حتى آخذ الحقّ له ، و القوّى عندى ضعیف حتّى آخذ الحقّ منه ، و قال فی الكلام المأة و السّادسة و الثلاثین : و ایم اللّه لأنصفنّ المظلوم من ظالمه و لأقودنّ الظالم بخزامته حتّى أورده منهل الحقّ و إن كان كارها ( أم جهلته أم أخطأت بابه ) و كنت محتاجا إلى التعلیم و التنبیه و الفرق بین الجهل و الخطاء فی الباب الأوّل أن یكون اللّه سبحانه قد حكم بحرمة شی‏ء مثلا فأحلّه الامام و الثّانى أن یصیب فی الحكم و یخطى‏ء فی طریقه و الاستدلال علیه ، أو أنّ الأوّل أن یجهل الحكم و یتحیّر فیه و لا یدرى كیف یحكم ، و الثانی أن یحكم بخلاف الواقع و على أیّ تقدیر فتوهّم أحد الأمرین فی حقّه علیه السّلام ، مع علمه بما كان و ما یكون و ما هو كائن و كونه أعلم بطرق السّماء من طرق الأرض و كونه باب مدینة العلم و الحكمة و كونه أقضی الامة على ما صدر عن صدر النّبوة و عرفته فی تضاعیف الشّرح غیر مرّة أوضح البطلان و فساده غنّى عن البرهان ، هذا و لما أشار علیه السّلام إلى بطلان وجوه النّقم المتصوّرة إجمالا أراد إبطال ما نقما به علیه تصریحا و هو ترك الاستشارة و أمر الاسوة و أجاب عن النّقم بهما تفصیلا .

و قبل الشروع فی الجواب مهّد مقدّمة لطیفة دفعا بها توهّم كون نهوضه بالخلافة من حبّ الملك و الرّیاسة و محبّة السلطنة و الولایة المقتضیة للمماشاة و المشاورة مع الحاشیة و البطانة كما كان فی المتخلّفین الثلاثة و رفعا بها منّتهما عنه علیه السّلام حیث منّا علیه بأنّا أصلحنا الأمر و وطدنا لك الامرة و بایعناك و قدنا إلیك أعناق العرب على ما مرّ فی روایة أبی عثمان الجاحظ .

و تلك المقدّمة قوله علیه السّلام ( و اللّه ما كانت لى فی الخلافة رغبة و لا فی

[ 64 ]

الولایة اربة ) و حاجة أمّا عدم احتیاجه إلیها فواضح ، و أمّا عدم رغبته فیها فلكراهته لها طبعا و إن كان یحبّها شرعا أو كراهته لها من حیث الملك و السلطنة فلا تنافی رغبته من حیث التّمكن من إعلاء لواء الشرع و إقامة المعروف و إزاحة المنكر أو أنّ عدم الرّغبة حین عدم تحقّق الشرایط .

كما یشعر بذلك قوله علیه السّلام فی الخطبة الثالثة المعروفة بالشّقشقیّة : أما و الذى فلق الحبّة و برء النّسمة لو لا حضور الحاضر و قیام الحجّة بوجود الناصر و ما أخذ اللّه على العلماء ألاّ یقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم لألقیت حبلها على غاربها و لألقیتم دنیاكم هذه أزهد عندى من عفطة عنز .

و یشعر به أیضا قوله علیه السّلام فی الكلام الحادى و التّسعین : دعونى و التمسوا غیرى ،

و مضى هناك أخبار مناسبة للمقام .

( و لكنكم دعوتمونى إلیها ) على رغبة منكم ( و حملتمونى علیها ) على كراهة منّی كما أوضحه علیه السّلام فی المختار المأتین و الخامسة و العشرین حیث قال هناك : و بسطتم یدی فكففتها و مددتموها فقبضتها ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الابل الهیم على حیاضها یوم ورودها حتّى انقطعت النّعل و سقطت الرّداء و وطى‏ء الضّعیف و بلغ من سرور الناس بیعتهم إیّاى أن ابتهج بها الصغیر و هدج إلیها الكبیر .

و لمّا مهّد المقدّمة الشریفة المنبئة عن عدم رغبته فی الولایة و الخلافة و رفع بها منّتهما علیه فی المبایعة رتّب علیها الجواب عن نقمهما الأوّل أعنی مسألة المشاورة و قال :

( فلمّا أفضت ) أى وصلت الخلافة ( إلیّ نظرت إلى كتاب اللّه ) عزّ و جلّ ( و ) إلى ( ما وضع لنا ) أى ما وظفه لنا و ألزمه علینا معاشر الأئمة من الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر و الحكم بین الناس بالعدل حیث قال كنتم خیر أمّة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون باللّه .

روى فی البحار عن العیاشى عن حماد بن عیسى عن بعض أصحابه عن أبی

[ 65 ]

عبد اللّه علیه السّلام قال : فی قراءة علیّ علیه السّلام « كنتم خیر أئمّة أخرجت للناس » قال : هم آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و عن العیاشى عن أبی بصیر عنه علیه السّلام ، قال : إنما انزلت هذه الآیة على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه و فی الأوصیاء خاصّة فقال « أنتم خیر أئمة « امة خ » اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر » هكذا و اللّه نزل بها جبرئیل و ما عنى بها إلاّ محمّدا و أوصیاءه صلوات اللّه علیهم .

و قال تعالى أیضا إنّ اللّه یأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بین النّاس أن تحكموا بالعدل إنّ اللّه نعمّا یعظكم به إنّ اللّه كان سمیعا بصیرا فانّ هذه الآیة أیضا خطاب لخصوص ولاة الامر ، و على كونها خطابا للعموم فیدخل فیه ولاة الأمر ، و على أىّ تقدیر فقد بیّن اللّه وظیفتهم فیها .

قال فی مجمع البیان : قیل فی معنى هذه الآیة أقوال :

أحدها أنّها فی كلّ من اؤتمن أمانة من الأمانات و أمانات اللّه أوامره و نواهیه و أمانات عباده فیما یأتمن بعضهم بعضا من المال و غیره ، و هو المرویّ عن أبی جعفر و أبی عبد اللّه علیهما السّلام .

و ثانیها أنّ المراد به ولاة الأمر أمرهم اللّه أن یقوموا برعایة الرّعیة و حملهم على موجب الدّین و الشّریعة و رواه أصحابنا عن أبی جعفر الباقر و أبی عبد اللّه الصّادق علیهما السّلام قالا : أمر اللّه كلّ واحد من الأئمة أن یسلم الأمر إلى من بعده ،

و یعضده أنّه أمر الرّعیة بعد هذا بطاعة ولاة الأمر .

و روى عنهم علیهم السّلام انّهم قالوا : آیتان إحداهما لنا و الاخرى لكم قال اللّه إنّ اللّه یامركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها الآیة و قال یا أیّها الذین آمنوا أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و أولى الأمر منكم الآیة .

و هذا القول داخل فی القول الأوّل لأنّه من جملة ما ائتمن اللّه علیه الأئمة الصّادقین علیهم السّلام و لذلك قال أبو جعفر علیه السّلام إنّ الصّلاة و الزكاة و الصّوم و الحجّ من الأمانة و یكون من جملتها الأمر لولاة الأمر بقسم الصدقات و الغنایم و غیر ذلك

[ 66 ]

ممّا یتعلّق به حقّ الرعیة ، و قد عظم اللّه أمر الامانة بقوله یعلم خائنة الأعین و قوله لا تخونوا اللّه و الرّسول و قوله و من أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار لا یؤدّه إلیك .

( و ) إلى ما ( أمرنا بالحكم به فاتبعته ) أراد به الحكم بما أنزل اللّه فى كتابه دون غیره من أحكام الجاهلیّة و الأحكام الصّادرة عن الاستحسانات العقلیّة كما صدرت عن المتخلّفین الثلاثة و قد قال تعالى و من لم یحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الكافرون و من لم یحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الظالمون و من لم یحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الفاسقون و قال و أن أحكم بینهم بما أنزل اللّه و لا تتّبع أهوائهم و احذرهم أن یفتنوك عن بعض ما أنزل اللّه إلیك فان تولّوا فاعلم أنّما یرید اللّه أن یصیبهم ببعض ذنوبهم و إنّ كثیرا من الناس لفاسقون . أ فحكم الجاهلیة یبغون و من أحسن من اللّه حكما لقوم یوقنون .

فانّ هذه الآیات كما ترى صریحة فی وجوب الأخذ بحكم الكتاب ، و الآیة الأخیرة و إن كانت خاصة بالنبیّ إلاّ أنّها تعمّ الائمة القائمین مقامه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بل تعمّ سایر أحكام الشرع بمقتضى أدلة الشركة فی التكالیف .

و غیر خفیّ على الفطن العارف حسن انطباق مفاد الآیة الأخیرة بالمقام فانّ اللّه سبحانه أمر نبیّه فیها فی الحكم بین أهل الكتاب بما أنزل اللّه و نهاه عن اتّباع هواهم و حذّره من تفتینهم و أشار إلى تولیهم عن حكم اللّه و إلى ابتغائهم حكم الجاهلیة ، و كذلك كان حال أمیر المؤمنین علیه السّلام مع طلحة و الزّبیر اللذین هما تالیا أهل الكتاب فقد كان مراده أن یحكم بحكم اللّه و بالأخذ بسیرة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كان مرادهما أن یداخلهما فی الأمر و یشاورهما و یتابع هواهما و یسیر فیهما و فی غیرهما بسیرة عمر ، و كان غرضهما تفتینه و تغییره حكم اللّه إلى حكم الجاهلیة ، إذ حكم الجاهلیة لم یكن منحصرا فی أحكام أیام الفترة بل كلّ حكم خالف الكتاب و السنة كما روى فی الكافی عن الصادق عن أمیر المؤمنین علیه السّلام الحكم حكمان : حكم اللّه و حكم الجاهلیة فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهلیّة .

و قال الطبرسی فی قوله أفحكم الجاهلیّة یبغون قیل : المراد به كلّ من

[ 67 ]

طلب غیر حكم اللّه فانه یخرج منه إلى حكم الجاهلیّة و كفى بذلك أن یحكم بما یوجبه الجهل دون ما یوجبه العلم .

فقد علم بذلك أنّ تكلیف الأئمة علیهم السّلام اتّباع أمر اللّه و الأخذ بحكم اللّه لا الحكم بالرأى و الأهواء كما فی أئمّة الجور .

روى فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم عن حمید بن زیاد عن محمّد بن الحسین عن محمّد بن یحیى عن طلحة بن زید عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام قال : الأئمة فی كتاب اللّه إمامان قال اللّه و جعلنا منهم أئمّة یهدون بأمرنا لا بأمر الناس یقدّمون أمر اللّه قبل أمرهم و حكم اللّه قبل حكمهم ، قال و جعلناهم أئمّة یدعون إلى النار یقدّمون أمرهم قبل أمر اللّه و حكمهم قبل حكم اللّه و یأخذون بأهوائهم خلافا لما فی كتاب اللّه .

و كیف كان فمحصّل مفاد قوله علیه السّلام إنّی نظرت إلى كتاب اللّه جلّ شأنه و إلى ما عیّن لنا فیه من التكالیف و الأحكام فاتّبعته .

( و ) نظرت إلى ( ما استسنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) و شرعه ( فاقتدیته ) و تابعته ( فلم ) یبق الكتاب و السنة شیئا من الأحكام الشرعیة ( احتج فی ذلك إلى رأیكما و لا رأى غیركما ) من الآراء الباطلة و الاستحسانات الفاسدة .

( و لا وقع حكم جهلته ) و هذا أحد الوجوه المتقدّمة التى أنكرها سابقا على سبیل الاستفهام و نفاه هنا صریحا أى لم یقع حكم شرعی لا أعلم به فأحتاج إلى التعلّم و المشاورة ( فأستشیر كما و اخوانی من المسلمین ) فیه و أتعلّمه منكم ( و لو كان ذلك ) أى لو وقع حكم كذلك ( لم أرغب عنكما و لا عن غیركما ) .

و لما أجاب عن نقمهما الأوّل شرع فی الجواب عن نقمهما الثانی فقال :

( و أما ما ذكرتما من أمر الاسوة ) أى القدوة و اقتدائكما بغیركما فی النصیب و القسمة ( فانّ ذلك أمر لم أحكم أنا فیه برأیی ) و من تلقاء نفسی ( و لا ولیته هوى منى ) أى ما جعلت هواى والیا أوما باشرته بهواى ( بل وجدت أنا و أنتما ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) من القسم بالسویة و العدل فی الرّعیة و الحال أنه ( قد فرغ منه )

[ 68 ]

و أكمل و لم یبق مجال للكلام ( فلم احتج إلیكما ) و لا إلى غیركما ( فیما قد فرغ اللّه من قسمه و أمضى فیه حكمه ) نسبة الفراغ أولا إلى الرّسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ثانیا إلى اللّه تنبیها على اتّحاد حكمهما لعدم كونه ناطقا عن الهوى إن هو إلاّ وحی یوحى و المراد أنه لا حاجة لی إلى الغیر فی مال قد فرغ اللّه من تقسیمه و حكم فیه بالحكم النافذ الالزامی بأن یقسم بالسویة لا بالتفاوت .

( فلیس لكما و اللّه عندى و لا لغیركما فی هذا ) القسم بالسویة ( عتبى ) أى لیس لكما و لا لغیركما علىّ أن ارضیكم و ازیل شكواكم عنی .

ثمّ دعا لنفسه و لهما بقوله ( أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ) أى صرفها إلیه ( و ألهمنا و ایاكم الصبر ) أى ألهمنی الصبر على مشاق الخلافة و مقاساة المكاره و المساوى من الرعیة و ألهمكم الصبر على ما تكرهه نفوسكم الامارة من القسم بالسویة و نحوه ممّا مر .

( ثمّ قال علیه السّلام رحم اللّه رجلا رأى حقا ) و عدلا ( فأعان علیه ) و على العمل به ( أو رأى جورا ) و ظلما ( فردّه ) و دفعه ( و كان عونا بالحقّ على صاحبه ) أى على صاحب الجور .

و المراد به الجذب إلى طاعته و إعانته و الصرف عن مخالفته و اعانة ظالمیه ، لأنه علیه الصلاة و السلام مع الحقّ و الحقّ معه علیه السلام و الصّلاة یدور معه حیثما دار هو علیه التحیة و الثناء ، فالمعین له علیه الصلاة و السلام معین للحقّ ، و المعاند له علیه السّلام معاند للحقّ و معین للجور و الباطل .

تكملة و تبصرة

روى فی البحار من الامالی أمالى الشیخ عن أحمد بن محمّد بن موسى بن الصلت عن أحمد بن عقدة قال : حدّثنا الحسن بن صالح من كتابه فی ربیع الأول سنة ثمان و سبعین و أحمد بن یحیى عن محمّد بن عمرو عن عبد الكریم عن القاسم بن أحمد عن أبی الصّلت الهروی و قال ابن عقدة و حدثناه القاسم بن الحسن الحسینى عن أبى الصلت عن علیّ بن عبد اللّه بن النّعجة عن أبى سهیل بن مالك عن مالك بن اوس بن

]]>
تفاسیر نهج البلاغه 2010-09-27T08:36:44+01:00 2010-09-27T08:36:44+01:00 tag:http://najiyebashar.mihanblog.com/post/86 [ 206 ] و من كلام له ع و قد سمع قوما من أصحابه یسبون أهل الشام أیام حربهم بصفین إِنِّی أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِینَ وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِی اَلْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِی اَلْعُذْرِ وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِیَّاهُمْ اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَیْنِنَا وَ بَیْنِهِمْ وَ اِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتَّى یَعْرِفَ اَلْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَ یَرْعَوِیَ عَنِ اَلْغَیِّ

[ 206 ] و من كلام له ع و قد سمع قوما من أصحابه یسبون أهل الشام أیام حربهم بصفین

إِنِّی أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِینَ وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِی اَلْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِی اَلْعُذْرِ وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِیَّاهُمْ اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَیْنِنَا وَ بَیْنِهِمْ وَ اِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتَّى یَعْرِفَ اَلْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَ یَرْعَوِیَ عَنِ اَلْغَیِّ وَ اَلْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الخامس من المختار فى باب الخطب

و رواه الشّارح المعتزلی من كتاب نصر بن مزاحم فی شرح المختار السادس و الأربعین باختلاف تطلع علیه إنشاء اللّه و قد سمع قوما من أصحابه یسبّون أهل الشّام أیّام حربهم بصفّین

[ 82 ]

إنّی أكره لكم أن تكونوا سبّابین ، و لكنّكم لو وصفتم أعمالهم ،

و ذكرتم حالهم ، كان أصوب فی القول ، و أبلغ فی العذر ، و قلتم مكان سبّكم إیّاهم : أللّهمّ احقن دمائنا و دمائهم ، و أصلح ذات بیننا و بینهم ، و اهدهم من ضلالتهم حتّى یعرف الحقّ من جهله ، و یرعوی عن الغیّ و العدوان من لهج به .

اللغة

( السب ) الشتم كالسّباب بكسر السّین و تخفیف الباء من سبّه یسبّه من باب نصر ، و رجل مسبّ بكسر المیم و سبّ و سبّاب كثیر السبّ ، و التسابّ التشاتم و رجل سبّة بالضمّ أى یكثر النّاس سبّه و سببة كهمزة أى كثیر السّب للنّاس و السبّابة الأصبع التی تلى الابهام لأنّها یشار بها عند السبّ .

و ( حقنت ) الماء فی السّقاء حقنا من باب نصر جمعته فیه و حقنت دمه خلاف هدرته أى منعته أن یسفك .

و ( البین ) بالفتح من الأضداد یطلق على الفرقة و الوصل قال تعالى لقد تقطع بینكم أى وصلكم و یكون اسما و ظرفا متمكنّا قال الفیومى : البین یطلق على الوصل و على الفرقة و منه ذات البین للعداوة و البغضاء و قولهم لاصلاح ذات البین أى لاصلاح الفساد بین القوم ، و المراد إسكان النایرة و بین ظرف مبهم لا یتبیّن معناه إلاّ بالاضافة إلى اثنین فصاعدا أو ما یقوم مقام ذلك كقوله تعالى عوان بین ذلك .

و ( ارعوى ) عن القبیح ارتدع عنه و رجع و ( الغیّ ) الضلال و روى العمى بدله و ( لهج ) بالشی‏ء لهجا من باب تعب أولع به .

الاعراب

قوله : و قلتم عطف على قوله : وصفتم فتدخل علیه لو و حذف جوابها بدلالة الجواب السّابق علیه أى و لو قلتم مكان سبّكم هذا الدّعاء لكان أحسن و أصوب .

[ 83 ]

و قوله : ذات بیننا و بینهم باضافة ذات إلى بین ، و بینهم على ما رأیناه فی عدّة من النّسخ بالنصب عطف على ذات ، و الأصوب أن یكون بالجرّ عطفا على بیننا .

و ذات إمّا بمعنى صاحبة كما فی قوله تعالى و تضع كلّ ذات حمل حملها فتكون كنایة عن نائرة العداوة و البغضاء ، و بیننا و بینهم على هذا ظرف مكان أى اصلح ما بیننا و بینهم من البغضاء و العداوة ، و لمّا كانت العداوة مصاحبة البین و ملابسة له اضیفت إلیه كما أنّ الضمایر لمّا كانت ملابسة للصدور قیل : ذات الصّدور .

و إمّا بمعنی نفس الشی‏ء و حقیقته كما فی قولهم : ذات یوم و ذات لیلة ، و قد فسّر بهما قوله تعالى و اللّه علیم بذات الصّدور أى علیم بما فی الصّدور من الضّمایر أو علیم بنفس الصّدور و بواطنها ، و بین على هذا المعنى الثانی یجوز أن یكون ظرفا ، و أن یكون اسما بمعنى الفرقة و الوصل حسبما تعرف فی بیان المعنى

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام كما قاله الرّضیّ و یأتی فی روایة الطبرسیّ أیضا خاطب به أصحابه ( و ) ذلك أنّه ( قد سمع قوما من أصحابه یسبّون أهل الشّام أیّام حربهم بصفین ) فمنعهم بهذا الكلام من باب التأدیب و الارشاد إلى القول الصّواب و كرایم الأخلاق المطلوبة فی كلّ باب .

و قبل الشروع فی شرح كلامه ینبغی أن نمهّد مقدّمة فقهیّة فی جواز السبّ و عدم جوازه مطلقا أو فی الجملة تحقیقا للمقام و توضیحا لمرام الامام علیه السّلام .

فأقول و باللّه التوفیق :

السبّ لغة هو الشّتم كقولك یا شارب الخمر ، یا آكل الرّبا ، یا ملعون ،

یا خائن ، یا فاجر ، یا فاسق ، یا حمار ، یا كلب ، یا ابن الكلب و نحو ذلك ، أو یا أعور یا أعمى یا أجذم ، یا أبرص ، و نحوها ، و یشمل القذف أیضا مثل یا ابن الزانیة ،

یا ابن الحرام ، و یا دیّوث ، و یا قوّاد ، و مثل ذلك .

و هو إما فی حقّ المؤمن ، أو فی حقّ غیره من المنافق و الكافر و النّاصب .

[ 84 ]

أمّا المؤمن فسبّه حرام مطلقا ، سواء كان متضمّنا للقذف أم لا و یدلّ علیه الأخبار المستفیضة المتقدّمة جملة منها فی شرح المختار المأة و الثّانی و التسعین خصوصا و عموم الأخبار الكثیرة الدّالّة على حرمة اهانة المؤمن و استحقاره و استذلاله .

مثل ما رواه فی الكافی بسنده عن معاویة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث قال قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قال اللّه لی : یا محمّد من أذلّ لی ولیّا فقد أرصدنی بالمحاربة و من حاربنی حاربته ، فقلت : یا ربّ و من ولیّك هذا فقد علمت أنّ من حاربك حاربته ، قال : ذاك من أخذت میثاقه لك و لوصیّك و لذرّیتكما بالولایة .

و فیه عن المعلّى قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قال اللّه عزّ و جلّ : قد نابذنی من أذلّ عبدی المؤمن .

و عن المعلّى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال اللّه عزّ و جلّ :

من استذلّ عبدى فقد بارزنی بالمحاربة ، و نحوها أخبار اخر .

و كما یحرم سبّه یحرم لعنه أیضا ، و معناه الطّرد و الابعاد من رحمة اللّه بل هو نوع من السّب فیدلّ على حرمته ما دلّ على حرمة السّب مضافا إلى خصوص الأخبار النّاهیة عنه .

مثل ما رواه فی الكافی عن علیّ بن أبی حمزة عن أحدهما علیهما السّلام قال : سمعته یقول : إنّ اللّعنة إذا خرجت عن فیّ صاحبها تردّدت فان وجدت مساغا و إلاّ رجعت على صاحبها .

و فیه عن أبی حمزة الثمالی قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : إنّ اللّعنة إذا خرجت من فیّ صاحبها تردّدت بینهما فان وجدت مساغا و إلاّ رجعت على صاحبها .

و عن معلّى عن أحمد بن غسّال عن سماعة قال : دخلت على أبی عبد اللّه علیه السّلام فقال لی مبتدءا : یا سماعة ما هذا الّذی بینك و بین جمّالك إیّاك أن تكون فحّاشا أو سخّابا أو لعّانا ، فقلت : و اللّه لقد كان ذلك إنّه ظلمنی ، فقال : إن كان ظلمك لقد

[ 85 ]

أربیت علیه إنّ هذا لیس من فعالى و لا آمر به شیعتى استغفر ربّك و لا تعد ، قلت :

أستغفر اللّه و لا أعود .

ثمّ المراد بالمؤمن الذی قلنا بعدم جواز سبّه و لعنه هل هو مطلق المؤمن أو خصوص من لم یستحق الاستخفاف ، ظاهر الأخبار الاطلاق لكنّ المستفاد من بعض الأخبار و كلمات علمائنا الأبرار هو الاختصاص فیجوز سبّ المستحق إذا لم یكن متضمّنا للقذف .

قال فی البحار بعد ما روى من الكافی عن أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السّلام قال :

قال : سباب المؤمن فسوق ، و قتاله كفر ، و أكل لحمه معصیة ، و حرمة ماله كحرمة دمه : ما عبارته :

السّباب هنا بالكسر مصدر باب المفاعلة ، و هو إمّا بمعنى السّب أو المبالغة فی السبّ أو على بابه من الطرفین و الاضافة إلى المفعول أو الفاعل ، و الأوّل أظهر فیدلّ على أنّه لا بأس بسبّ غیر المؤمن إذا لم یكن قذفا .

بل یمكن أن یكون المراد بالمؤمن من لا یتظاهر بارتكاب الكبائر و لا یكون مبتدعا مستحقّا للاستخفاف .

قال المحقّق فی الشّرایع : كلّ تعریض بما یكرهه المواجه و لم یوضع للقذف لغة و لا عرفا یثبت به التعزیر إلى قوله : و لو كان المقول له مستحقّا للاستخفاف فلا حدّ و لا تعزیر ، و كذا كلّ ما یوجب أذى كقوله : یا أجذم أو یا أبرص .

و قال الشّهید الثّانی فی شرحه : لمّا كان أذى المؤمن الغیر المستحقّ للاستخفاف محرّما فكلّ كلمة تقال له و یحصل له بها الأذى و لم تكن موضوعة للقذف بالزّنا و ما فی حكمه لغة و لا عرفا یجب بها التّعزیر بفعل المحرم كغیره من المحرّمات و منه التّعبیر بالأمراض .

و فى صحیحة عبد الرّحمن بن أبی عبد اللّه قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل سبّ رجلا بغیر قذف یعرّض به هل یجلّد ؟ قال : علیه التعزیر .

و المراد بكون المقول له مستحقّا للاستخفاف أن یكون فاسقا متظاهرا بفسقه

[ 86 ]

فانّه لا حرمة له حینئذ .

لما روى عن الصّادق علیه السّلام إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ، و لا غیبة قال : و فی بعض الأخبار : من تمام العبادة الوقیعة فی أهل الرّیب .

و فى الصّحیح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذا رأیتم أهل البدع و الرّیب من بعدی فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم و القول فیهم و الوقیعة و باهتوهم لئلا یطمعوا فى الفساد فی الاسلام و یحذّرهم النّاس و لا یتعلّمون من بدعهم یكتب اللّه لكم بذلك الحسنات ، و یرفع لكم به الدّرجات « فی الآخرة » انتهى .

و أمّا غیر المؤمن من الكافر و المنافق و المبغض لآل محمّد صلوات اللّه و سلامه علیه و علیهم ، فلا ریب فی جواز لعنهم و وجوب معاداتهم و البراءة منهم ، و آیات الكتاب و روایات الأئمّة الأطیاب مشحونة به ، قال تعالى إنّ اللّه لعن الكافرین و المنافقین و أعدّ لهم سعیرا و قال اولئك یلعنهم اللّه و یلعنهم اللاّعنون .

و فى البحار من العیون باسناد التمیمی عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام قال : قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من تولّى غیر موالیه فعلیه لعنة اللّه و الملائكه و النّاس أجمعین قال الصّدوق فی عقایده : اعتقادنا فی الظالمین انّهم ملعونون و البراءة منهم واجبة قال اللّه عزّ و جلّ و من أظلم ممن افترى على اللّه كذبا اولئك یعرضون على ربّهم و یقول الأشهاد هؤلاء الذین كذبوا على ربّهم ألا لعنة اللّه على الظالمین .

الذین یصدّون عن سبیل اللّه و یبغونها عوجا و هم بالآخرة هم كافرون .

و قال ابن عباس فی تفسیر هذه الآیة : سبیل اللّه عزّ و جلّ فی هذا الموضع علیّ بن أبیطالب ، و الأئمة فی كتاب اللّه عزّ و جلّ : إمامان : إمام هدى ، و إمام ضلالة قال اللّه جلّ ثناؤه : و جعلناهم أئمة یهدون بأمرنا لمّا صبروا و قال عزّ و جلّ فی أئمة الضلال و جعلناهم أئمة یدعون إلى النّار و یوم القیامة لا ینصرون . و اتبعناهم فی هذه الدّنیا لعنة و یوم القیامة هم من المقبوحین .

و لمّا نزلت هذه الآیة و اتّقوا فتنة لا تصیبنّ الذین ظلموا منكم خاصّة قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من ظلم علیّا مقعدى هذا بعد وفاتی فكأنّما جحد نبوّتى

[ 87 ]

و نبوّة الأنبیاء من قبلی ، و من تولّى ظالما فهو ظالم قال اللّه عزّ و جلّ یا أیّها الذین آمنوا لا تتّخذوا آبائكم و إخوانكم أولیاء إن استحبّوا الكفر على الایمان و من یتولّهم منكم فاولئك هم الظالمون و قال اللّه عزّ و جلّ لا تتولّوا قوما غضب اللّه علیهم و قال عزّ و جلّ لا تجد قوما یؤمنون باللّه و الیوم الآخر یوادّون من حادّ اللّه و رسوله و لو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشیرتهم و قال عزّ و جلّ و لا تركنوا إلى الذین ظلموا فتمسكم النار و الظلم هو وضع الشى‏ء فی غیر موضعه ،

فمن ادّعى الامامة و لیس بامام فهو الظالم الملعون ، و من وضع الامامة فی غیر أهلها فهو ظالم ملعون ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و أما سبّ هؤلاء و شتمهم فالظاهر جوازه أیضا كما ظهر من المحدّث العلامة المجلسى ، بل هو ظاهر عبارة الشهید الثانی أیضا لعدم الرّیب فی فسقهم الموجب للاستخفاف بأىّ نحو كان .

و یدل على ذلك صریحا ما فی تفسیر علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیر سورة الأحزاب فی اقتصاص غزوة بنی قریظة قال : فجاء أمیر المؤمنین علیه السّلام فأحاط بحصنهم فأشرف علیهم كعب بن أسید من الحصن یشتمهم و یشتم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على حمار فاستقبله أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال : بأبی و امّی یا رسول اللّه لا تدن من الحصن ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا علیّ لعلّهم شتمونی انهم لو رأونی لأذلّهم اللّه ، ثمّ دنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من حصنهم فقال : یا اخوة القردة و الخنازیر و عبدة الطاغوت أتشتمونی إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم ، فأشرف علیهم كعب بن اسید من الحصن فقال : یا أبا القاسم ما كنت جهولا ، فاستحى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتى سقط الرّداء من ظهره حیاء مما قاله الحدیث .

و یدل علیه أیضا ما قاله أمیر المؤمنین علیه السّلام فی المختار التاسع عشر للاشعث ابن قیس : علیك لعنة اللّه و لعنة اللاعنین حائك بن حائك منافق بن كافر ، و ما قاله فی المختار المأة و الخامس و الثلاثین للمغیرة بن الأخنس یا ابن اللّعین الأبتر و الشجرة التی لا أصل لها و لا فرع ، و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة كما هو غیر خفیّ

]]>