[ 226 ]

علیهم أضربهم یمینا و شمالا حتّى فرّوا فقال صلّى اللّه علیه و آله : أما تسمع مدیحك فی السّماء إنّ ملكا اسمه رضوان ینادى : لا سیف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علیّ ، فبكیت سرورا و حمدت اللّه على نعمته .

قال : و قد ذكر أهل السّیر قتلى احد من المشركین و كان جمهورهم قتلی أمیر المؤمنین علیه السّلام و انصرف المشركون إلى مكّة و انصرف النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة فاستقبلته فاطمة و معها إناء فیه ماء فغسل به وجهه ، و لحقه أمیر المؤمنین علیه السّلام ،

و قد خضب الدّم یده إلى كتفه و معه ذو الفقار ، فناوله فاطمة و قال : خذى هذا السّیف فقد صدقنى الیوم و قال علیه السّلام :

أفاطم هاك السّیف غیر ذمیم
فلست برعدید و لا بملیم
1
أمیطى دماء الكفر عنه فانّه
سقا آل عبد الدّار كاس حمیم

لعمرى لقد أعذرت فی نصر أحمد
و طاعة ربّ بالعباد علیم

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : خذیه یا فاطمة فقد أدّى بعلك ما علیه ، و قد قتل اللّه صنادید قریش بیده .

و منها غزوة الأحزاب المعروفة بغزاة خندق قال المفید فی الارشاد : و قد روى قیس بن الرّبیع قال : حدّثنا أبو هارون العبدى عن ربیعة السّعدى قال : أتیت حذیفة بن الیمان فقلت یا أبا عبد اللّه إنّا لنتحدّث عن علیّ علیه السّلام و مناقبه فیقول لنا أهل البصرة : إنّكم لتفرطون فی على علیه السّلام ، فهل أنت تحدّثنى بحدیث فیه قال حذیفة : یا ربیعة و ما تسألنى عن علىّ فو الذى نفسى بیده لو وضع جمیع أعمال أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی كفّة المیزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى یوم الناس هذا ، و وضع عمل علىّ علیه السّلام فی الكفّة الأخرى لرجح عمل علىّ علیه السّلام على جمیع أعمالهم ، فقال ربیعة : هذا الذى لا یقام و لا یقعد ، فقال حذیفة : یا لكع و كیف لا یحمل و أین كان أبو بكر و عمر و حذیفة و جمیع أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم عمرو بن عبدود و قد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا

-----------
( 1 ) الرعدید الجبان ، الملیم الذى یلائم على ما یصدر منه ، ك .

[ 227 ]

علیّا علیه السّلام ، فانّه برز إلیه و قتله اللّه على یده ، و الذى نفس حذیفة بیده لعمله ذلك الیوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى یوم القیامة قال فی كشف الغمّة : رأیت فی بعض الكتب أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال حین بارز علىّ عمرو بن عبدود : خرج الاسلام كلّه إلى الشرك كلّه .

قال : و روى أنّ عبد اللّه بن مسعود كان یقرء : و كفى اللّه المؤمنین القتال بعلىّ و كان اللّه قویّا عزیزا .

قال : و فی قتل عمرو یقول حسان بن ثابت :

أمسى الفتى عمرو بن عبد یبتغى
بجنوب یثرب غارة لم تنظر

فلقد وجدت سیوفنا مشهورة
و لقد وجدت جیادنا لم تقصر

و لقد رأیت غداة بدر عصبة
ضربوك ضربا غیر ضرب المحشر

أصبحت لا تدعى لیوم عظیمة
یا عمرو أو لجسیم أمر منكر

قال : و لمّا بلغ شعر حسان بنى عامر أجابه فتى منهم فقال یردّ علیه فخره :

كذبتم و بیت اللّه لا تقتلوننا
و لكن بسیف الهاشمیّین فافخروا

بسیف ابن عبد اللّه أحمد فی الوغا
بكفّ علىّ نلتم ذاك فاقصروا

فلم تقتلوا عمرو بن ودّ و لا ابنه
و لكنه الكفّ الجسور الغضنفر

علىّ الذى فی الفخر طال بناؤه
فلا تكثروا الدّعوى علینا فتحقروا

ببدر خرجتم للبراز فردّكم
شیوخ قریش جهرة و تأخّروا

فلما أتاهم حمزة و عبیدة
و جاء علىّ بالمهنّد یخطر

فقالوا نعم أكفاء صدق و أقبلوا
إلیهم سراعا إذ بغوا و تجبّروا

فجال علىّ جولة هاشمیّة
فدمّر هم لما عتوا و تكبّروا

فلیس لكم فخر علینا بغیرنا
و لیس لكم فخر یعدّ و یذكر

و منها غزوة وادى الرّمل و تسمى غزوة ذات السلسلة .

و قد كان الفتح فیها لأمیر المؤمنین علیه السّلام خاصة بعد أن كان فیها من غیره من الافساد ما كان ، و فیها نزل على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سورة و العادیات فتضمّنت ذكر ما

[ 228 ]

فعله أمیر المؤمنین فیها .

قال المفید : روى عن امّ سلمة قالت : كان نبیّ اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائلا فی بیتى إذ انتبه فزعا من منامه فقلت له : اللّه جارك قال : صدقت و اللّه جارى لكن هذا جبرئیل یخبرنى أنّ علینا قادم ، ثمّ خرج إلى الناس فأمرهم أن یستقبلوا علیا علیه السّلام فقام المسلمون له صفّین مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلما بصر النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ترجّل عن فرسه و أهوى إلى قدمیه یقبلهما ، فقال له علیه السّلام : اركب فانّ اللّه تعالى و رسوله عنك راضیان فبكى أمیر المؤمنین علیه السّلام فرحا و انصرف إلى منزله ، و تسلّم المسلمون الغنایم « إلى أن قال » ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله له : یا على لو لا أننى أشفق أن تقول فیك طوایف من امتى ما قالت النصارى فى عیسى بن مریم لقلت فیك الیوم مقالا لا تمرّ بملاء منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدمیك .

و منها غزوة الحدیبیّة .

و فیها أقبل سهیل بن عمرو إلى النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال له یا محمّد إنّ أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علینا ، فغضب رسول اللّه حتّى تبیّن الغضب فى وجهه ثمّ قال : لتنتهنّ یا معاشر قریش أو لیبعثنّ اللّه علیكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالایمان یضرب رقابكم على الدین ، فقال بعض من حضر : یا رسول اللّه أبو بكر ذلك الرّجل ؟ قال : لا ، قال : فعمر ، قال :

لا ، و لكنه خاصف النعل فى الحجرة ، فتبادر الناس إلى الحجرة ینظرون من الرّجل فاذا هو أمیر المؤمنین علىّ بن أبى طالب علیه السّلام رواه المفید فى الارشاد ، و رواه فى كشف الغمة و صحیح الترمذى نحوه .

و منها غزوة خیبر قال المفید : ثمّ تلت الحدیبیّة خیبر و كان الفتح فیها لأمیر المؤمنین علیه السّلام بلا ارتیاب فظهر من فضله فى هذه الغزاة ما أجمع علیه نقلة الرّواة و تفرّد فیها مناقب لم یشركه فیها أحد من الناس .

و قال كاشف الغمة : قال ابن طلحة : و تلخیص المقصد فیها على ما ذكره أبو محمّد عبد الملك بن هشام فى كتاب السیرة النبویّة یرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال :

[ 229 ]

بعث النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبا بكر برایته و كانت بیضاء إلى بعض حصون خیبر فقاتل ثمّ رجع و لم یكن فتح و قد جهد ، ثمّ بعث عمر بن الخطاب فكان كذلك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لاعطینّ الرایة غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله یفتح اللّه على یدیه لیس بفرّار ، قال سلمة : فدعا علیّا و هو أرمد فتفل فی عینیه ثم قال : خذ هذه الرّایة فامض بها حتّى یفتح اللّه علیك ، فخرج یهرول و أنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رایته فی رضم 1 من حجارة تحت الحصن ، فاطلع علیه یهودىّ من الحصن فقال :

من أنت ؟ قال : أنا علىّ بن أبیطالب فقال الیهودى : علوتم حصننا و ما انزل على موسى أو كما قال ، فما رجع حتّى فتح اللّه على یدیه .

و منها فتح مكّة .

قال المفید ره : و فیما ذكرناه من أعمال أمیر المؤمنین علیه السّلام ، فی قتل من قتل من أعداء اللّه بمكة و إخافة من أخاف و معونة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على تطهیر المسجد من الأصنام و شدّة بأسه فی اللّه و قطع الأرحام فی طاعة اللّه عزّ و جلّ أوّل دلیل على تخصیصه من الفضل بما لم یكن لأحد منهم سهم فیه حسبما قدمناه .

و منها غزوة حنین .

فاستظهر فیها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بكثرة الجمع ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و معه عشرة آلاف من المسلمین فظنّ أكثرهم أنهم لن یغلبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم و عددهم و عدّتهم و أعجب أبا بكر الكثرة یومئذ فقال لن نغلب الیوم من قلّة فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه و عانهم 2 أبو بكر .

فلمّا التقوا لم یلبثوا و انهزموا بأجمعهم فلم یبق مع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ تسعة من بنی هاشم و عاشرهم أیمن بن امّ ایمن ، و قتل رحمه اللّه و ثبت التّسعة الهاشمیّون رئیسهم أمیر المؤمنین علیه السّلام و رجعوا بعد ذلك و تلاحقوا و كانت الكرّة لهم على المشركین فأنزل اللّه فی إعجاب أبی بكر بالكثرة و یوم حنین إذ أعجبتكم كثرتكم

-----------
( 1 ) الرضم و الرضام صخور عظام یرضم بعضها فوق بعض فى الأبنیة ، منه .

-----------
( 2 ) اى اصابهم بعین یعنى چشم زخم زد ، منه .

[ 230 ]

فلم تغن عنكم شیئا و ضاقت علیكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّیتم مدبرین . ثم أنزل اللَّه سكینته على رسوله و على المؤمنین یرید علیّا علیه السّلام و من ثبت معه من بنی هاشم .

قال كاشف الغمّة بعد شرح هذه الغزوة : فانظر إلى مفاخر أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذه الغزاة و مناقبه ، و جل بفكرك فی بدایع فضله و عجایبه ، و احكم فیها برأى صحیح الرّاى صایبه ، و أعجب من ثباته حین فرّ الشّجاع على أعقابه ، و لم ینظر فی الأمر و عواقبه ، و اعلم أنّه علیه السّلام أحقّ بالصّحبة حین لم یر مفارقة صاحبه ، و تیقّن أنّه إذا حمّ الحمام لم ینتفع المرء بغیر أهله و أقاربه ، فاذا صحّ ذلك عندك بدلایله و بیّناته ، و عرفته بشواهده و علاماته ، فاقطع أنّ ثبات من ثبت من نتایج ثباته ، و أنّهم كانوا أتباعا له فی حروبه و مقاماته ، و أنّ رجوع من رجع من هزیمته فانّما كان عند ما بان لهم من النّصر و أماراته .

قال الشارح الفقیر : هذا قلیل من كثیر و یسیر من جم غفیر من مناقبه و مفاخره و مجاهداته و مواساته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أوردته باقتضاء المقام و شرحا لمعنى قوله علیه السّلام : و لقد واسیته فی المواطن الّتی تنكص فیها الأبطال و تتأخر فیها الأقدام و كم له علیه السّلام من الآثار و المناقب و الأخبار الّتی لا تستر ، و المفاخر و الفضائل و المجاهدات المثبتة فی كتب التواریخ و السّیر ، و كم له من المزایا و الخلال و البلاء المذكور فی النّزال ، و لا صدرت منه علیه السّلام ، هذه الأفعال إلاّ عن نجدة و شجاعة تذلّ لها الأبطال ، و تقلّ لدیها الأهوال ، و لا تقوم بوصفها الأقلام و الأقوال ، و لا یحتاج فی اثباتها إلى تجشّم الاستدلال ، و على الجملة و التفصیل فمقام بأسه و نجدته لا ینال و ما ذا بعد الحقّ إلاّ الضّلال .

الثالثة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و انّ رأسه لعلى صدرى ) قیل : لعلّه علیه السّلام أسنده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى صدره عند اشتداد مرضه ، و قیل : انّه كان رأسه على ركبته فیكون رأسه صلّى اللّه علیه و آله ، فی صدره عند اكبابه علیه ، و الأول أظهر .

و یؤیده ما فی البحار عن أمالی الشّیخ عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : كنت

[ 231 ]

عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم فی مرضه الّذى قبض فیه و كان رأسه فی حجرى و العبّاس یذبّ عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فاغمى علیه اغماء ثمّ فتح عینه فقال : یا عبّاس یا عمّ رسول اللّه اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى ، فقال العباس : یا رسول اللّه أنت أجود من الرّیح المرسلة و لیس فی مالى وفاء لدینك و عداتك ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذلك ثلاثا یعیده علیه و العبّاس فى كلّ ذلك یجیبه بما قال أوّل مرّة .

قال : فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لأقولنّها لمن یقبلها و لا یقول یا عبّاس مثل مقالتك ، فقال :

یا على اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى .

قال : فخنقتنى العبرة و ارتج جسدى و نظرت إلى رأس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یذهب و یجى‏ء فی حجرى فقطرت دموعى على وجهه و لم اقدر أن اجیبه ، ثمّ ثنّى فقال :

اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى قال : قلت : نعم بأبی و امّى قال : اجلسنى ، فأجلسته فكان ظهره فی صدرى فقال : یا على أنت أخی فی الدّنیا و الآخرة ، و وصیّى و خلیفتى فی أهلی .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله : یا بلال هلمّ سیفى و درعى و بغلتى و سرجها و لجامها و منطقتی الّتی أشدّ بها على درعى ، فجاء بلال بهذه الأشیاء فوقف بالبغلة بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : یا على قم فاقبض ، فقال : قمت و قام العبّاس فجلس مكانی فقمت فقبضت ذلك ، فقال : انطلق به إلى منزلك ، فانطلقت ثمّ جئت فقمت بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائما فنظر إلىّ ثمّ عمد إلى خاتمه فنزعه ثمّ دفعه إلىّ فقال : هاك یا علیّ هذا لك فى الدّنیا و الآخرة و البیت غاصّ من بنی هاشم و المسلمین .

فقال : یا بنیّ هاشم یا معشر المسلمین لا تخالفوا علیّا فتضلّوا و لا تحسدوه فتكفروا ، یا عبّاس قم من مكان علیّ علیه السّلام ، فقال : تقیم الشیخ و تجلس الغلام ؟ فأعادها ثلاث مرّات فقام العبّاس فنهض مغضبا و جلست مكانى .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا عبّاس یا عمّ رسول اللّه لا اخرج من الدّنیا و أنا ساخط علیك فیدخلك سخطى علیك النّار فرجع و جلس .

و من الامالی أیضا عنه علیه السّلام فی حدیث قال :

[ 232 ]

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا علی أجلسنی ، فأجلسته و أسندته إلى صدرى قال علیّ علیه السّلام : فلقد رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیثقل ضعفا و هو یقول یسمع أهل البیت أعلاهم و أدناهم : إنّ أخی و وصیّی و وزیری و خلیفتی فی أهلی علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ،

یقضی دینی و ینجز وعدی ، یا بنی هاشم یا بنی عبد المطلب لا تبغضوا علیّا و لا تخالفوا عن أمره فتضلّوا ، و لا تحسدوه و ترغبوا عنه فتكفروا ، أضجعنى یا علی فأضجعته ، الحدیث .

و فى البحار من الأمالی أیضا باسناده عن ابن أبی رافع عن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام قال :

دخلت على نبیّ اللّه و هو مریض فاذا رأسه فی حجر رجل أحسن ما رأیت من الخلق و النّبی نائم ، فلمّا دخلت علیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، قال الرّجل : ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى ، فدنوت منهما فقام الرّجل و جلست مكانه و وضعت رأس النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حجرى كما كان فی حجر الرّجل ، فمكث ساعة ثمّ إنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله استیقظ فقال : أین الرّجل الّذى كان رأسى فی حجره ؟

فقلت : لمّا دخلت علیك دعانى إلیك ثمّ قال : ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى ثمّ قام فجلست مكانه ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : فهل تدرى من الرّجل ؟ قلت : لا بأبی و امّى ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ذاك جبرئیل كان یحدّثنى حتّى خفّ عنّى وجعى و نمت و رأسى فی حجره .

و أما كیفیة وفاته صلوات اللّه و سلامه علیه و آله

ففى البحار من امالی الصّدوق باسناده عن ابن عبّاس قال :

لمّا مرض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عنده أصحابه ، قام إلیه عمّار بن یاسر فقال له :

فداك أبی و امّی یا رسول اللّه فمن یغسلك منّا إذا كان ذلك منك ؟ قال : ذلك علیّ ابن أبیطالب لأنّه لا یهم بعضو من أعضائی إلاّ أعانته الملائكة على ذلك .

فقال له : فداك أبی و امّی یا رسول اللّه فمن یصلّى علیك منّا إذا كان ذلك

[ 233 ]

منك ؟ قال : منه رحمك اللّه .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام : یا ابن أبیطالب إذا رأیت روحى قد فارقت جسدى فاغسلنى و انق غسلى و كفنى فی طمرىّ هذین أو فی بیاض مصر حبرة و بردیمان ،

و لا تغال فی كفنى و احملونى حتّى تضعونى على شفیر قبرى ، فأوّل من یصلّى علیّ الجبّار جلّ جلاله من فوق عرشه ، ثمّ جبرئیل و میكائیل و إسرافیل فی جنود من الملائكة لا یحصى عددهم إلاّ اللّه جلّ و عزّ ثمّ الحافّون بالعرش ثمّ سكّان أهل سماء فسماء ثمّ جلّ أهل بیتی و نسائی الأقربون فالأقربون یؤمون ایماء و یسلمون تسلیما لا یؤذونى بصوت نادبة « نائحة خ » و لا مرنّة ثمّ قال : یا بلال هلمّ علیّ بالناس ، فاجتمع الناس فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله متعصّبا بعمامته متوكئا على قوسه حتّى صعد المنبر فحمد اللّه و أثنی علیه ثمّ قال :

معاشر أصحابی أىّ نبیّ كنت لكم ؟ أ لم اجاهد بین أظهركم ؟ أ لم تكسر رباعیّتی ؟ أ لم یعفر جبینی ؟ أ لم تسل الدّماء على حرّ وجهى حتّى كنفت 1 لحیتى ؟ أ لم اكابد الشدّة و الجهد مع جهّال قومى ؟ أ لم أربط حجر المجاعة على بطنى ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لقد كنت للّه صابرا ، و عن منكر بلاء اللّه ناهیا ،

فجزاك اللّه عنّا أفضل الجزاء .

قال صلّى اللّه علیه و آله : و أنتم فجزاكم اللّه ثمّ قال : إنّ ربّی عزّ و جلّ حكم و اقسم أن لا یجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم باللّه أىّ رجل منكم كانت له قبل محمّد مظلمة إلاّ قام فلیقتصّ منه فالقصاص فی دار الدّنیا أحبّ إلىّ من القصاص فی دار الآخرة على رؤوس الملائكة و الأنبیاء .

فقام إلیه رجل من أقصى القوم یقال له : سوادة بن قیس فقال له : فداك أبی و امّى یا رسول اللّه إنّك لمّا أقبلت من الطایف استقبلتك و أنت على ناقتك الغضباء و بیدك القضیب الممشوق ، فرفعت القضیب و أنت ترید الرّاحلة فأصاب بطنى فلا أدرى عمدا أو خطاء .

-----------
( 1 ) أى أحاطت ، بحار .

[ 234 ]

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : معاذ اللّه أن أكون تعمّدت ، ثمّ قال : یا بلال قم إلى منزل فاطمة فائتنى بالقضیب الممشوق .

فخرج بلال و هو ینادى فی سكك المدینة : معاشر الناس من ذا الذى یعطى القصاص من نفسه قبل یوم القیامة فهذا محمّد صلّى اللّه علیه و آله یعطى القصاص من نفسه قبل یوم القیامة .

و طرق بلال الباب على فاطمة علیها السّلام و هو یقول : یا فاطمة قومى فوالدك یرید القضیب الممشوق فأقبلت فاطمة علیها السّلام و هى تقول : یا بلال و ما یصنع والدى بالقضیب و لیس هذا یوم القضیب ، فقال بلال : یا فاطمة أما علمت أنّ والدك قد صعد المنبر و هو یودّع أهل الدّین و الدّنیا ، فصاحت فاطمة علیها السّلام و قالت : و اغماه لغمك یا أبتاه من للفقراء و المساكین و ابن السبیل یا حبیب اللّه و حبیب القلوب ، ثمّ ناولت بلالا القضیب ، فخرج حتّى ناوله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أین الشیخ ؟ فقال الشیخ : ها أنا ذا یا رسول اللّه بأبی أنت و امّى فقال : فاقتصّ منّى حتى ترضى ، فقال الشیخ : فاكشف لى عن بطنك یا رسول اللّه ، فكشف عن بطنه فقال الشیخ : بأبی أنت و امّى یا رسول اللّه أ تأذن لى أن أضع فمى على بطنك ؟ فأذن له فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من النار .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، یا سوادة بن قیس أ تعفو أم تقتصّ ؟ فقال : بل أعفو یا رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : اللهمّ اعف عن سوادة بن قیس كما عفى عن محمّد نبیك .

ثمّ قام رسول اللّه فدخل بیت امّ سلمة و هو یقول ، ربّ سلّم امة محمّد من النار و یسّر علیهم الحساب ، فقالت امّ سلمة : یا رسول اللّه ما لی أراك مغموما متغیّر اللون فقال صلّى اللّه علیه و آله ، نعیت إلى نفسى هذه الساعة فسلام لك فی الدّنیا فلا تسمعین بعد هذا الیوم صوت محمّد أبدا ، فقالت أمّ سلمة : واحزناه حزنا لا تدركه الندامة علیك یا محمّد ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ادع لی حبیبة قلبی و قرّة عینی فاطمة ، فجائت فاطمة و هی تقول :

نفسى لنفسك الفداء و وجهى لوجهك الوفاء یا أبتاه ألا تكلّمنى كلمة فانى أنظر إلیك و أراك مفارق الدّنیا و أرى عساكر الموت تغشاك شدیدا .

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لها : یا بنیة إنّى مفارقك فسلام علیك منّى ، قالت : یا أبتاه فأین

[ 235 ]

الملتقى یوم القیامة ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله : عند الحساب ، قالت : فان لم ألقك عند الحساب ؟ قال : عند الشفاعة لامتى ، قالت : فان لم ألقك عند الشفاعة لأمتك ؟ قال : عند الصراط جبرئیل عن یمینی و میكائیل عن یسارى و الملائكة خلفى و قدّامى ینادون ربّ سلم امة محمّد من النار و یسّر علیهم الحساب ، قالت فاطمة : فأین والدتى خدیجة ؟

قال : فی قصر له أربعة أبواب إلى الجنة .

ثمّ اغمى على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فدخل بلال و هو یقول : الصّلاة رحمك اللّه ،

فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صلّى بالنّاس و خفّف الصّلاة .

ثمّ قال : ادعوا لى علیّ بن أبیطالب و اسامة بن زید ، فجاءا فوضع صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یده على عاتق علیّ و الاخرى على اسامة ثمّ قال : انطلقا بی إلى فاطمة ، فجاءا به حتى وضع رأسه فی حجرها فاذا الحسن و الحسین یبكیان و یصطرخان و هما یقولان : أنفسنا لنفسك الفداء و وجوهنا لوجهك الوقاء .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : من هذان یا علیّ ؟ فقال علیه السّلام : ابناك الحسن و الحسین ،

فعانقهما و قبّلهما و كان الحسن علیه السّلام أشدّ بكاء فقال صلّى اللّه علیه و آله : كفّ یا حسن فقد شققت على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فنزل ملك الموت قال : السلام علیك یا رسول اللّه قال : و علیك السّلام یا ملك الموت لی إیاك حاجة ، قال : و ما حاجتك یا نبیّ اللّه ؟ قال : حاجتی أن لا تقبض روحى حتى یجیئنی جبرئیل فتسلم علىّ و اسلم علیه .

فخرج ملك الموت و هو یقول : یا محمّداه ، فاستقبله جبرئیل فى الهواء فقال :

یا ملك الموت قبضت روح محمّد ؟ قال : لا یا جبرئیل سألنى أن لا أقبضه حتى یلقاك فتسلم علیه و یسلم علیك ، فقال جبرئیل : یا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتّحة لروح محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أما ترى الحور العین قد تزیّن لروح محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ثم نزل جبرئیل فقال : السلام علیك یا أبا القاسم فقال : و علیك السلام یا جبرئیل ادن منى حبیبى جبرئیل ، فدنا منه ، فنزل ملك الموت فقال له جبرئیل : یا ملك الموت احفظ وصیة اللّه فی روح محمّد ، و كان جبرئیل عن یمینه و میكائیل عن یساره و ملك الموت

[ 236 ]

آخذ بروحه ، فلما كشف الثوب عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نظر إلى جبرئیل فقال له عند الشدائد تخذلنی ، فقال : یا محمّد إنك میّت و انهم میّتون ، كلّ نفس ذائقة الموت .

فروى عن ابن عباس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى ذلك المرض كان یقول : ادعوا الى حبیبى فجعل یدعا له رجل بعد رجل فیعرض عنه فقیل لفاطمة علیها السّلام امضى إلى علىّ فما نرى رسول اللّه یرید غیر علیّ ، فبعث فاطمة إلى علىّ علیه السّلام فلما دخل فتح رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عینیه و تهلّل وجهه ثم قال : إلیّ یا علی إلیّ یا علی فما زال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یدنیه حتى أخذه بیده و أجلسه عند رأسه ثمّ اغمى علیه فجاء الحسن و الحسین علیهما السّلام یصیحان و یبكیان حتى وقعا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فأراد علىّ أن ینحیهما عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ قال یا على دعنى أشمّهما و یشمّانى و أتزوّد منهما و یتزوّدان منّی أما أنهما سیظلمان بعدی و یقتلان ظلما فلعنة اللّه على من یظلمهما یقول ذلك ثلاثا .

ثمّ مدّ یده إلى علىّ فجذبه إلیه حتى أدخله تحت ثوبه الذى كان علیه ، و وضع فاه على فیه و جعل یناجیه مناجاة طویلة حتى خرجت روحه الطیبة صلوات اللّه علیه و آله .

فانسلّ علىّ من تحت ثیابه و قال : اعظم اللّه اجوركم فى نبیّكم فقد قبضه اللّه إلیه ، فارتفعت الأصوات بالضجة و البكاء فقیل لأمیر المؤمنین علیه السّلام : ما الذى ناجاك به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین أدخلك تحت ثیابه ؟ فقال : علّمنى ألف باب كلّ باب یفتح ألف باب قال الشارح عفى اللّه عنه : ما فى هذا الحدیث من قصة سوادة مناف للاصول المحكمة و الأدلة القاطعة العقلیة و النقلیة الدّالة على كون الأنبیاء معصومین من السهو و الخطاء و النسیان كعصمتهم من المعاصى مطلقا حسبما عرفته تفصیلا فى شرح الفصل الثانى عشر من الخطبة الاولى ، فلا بدّ من تأویله على وجه لا ینافى العصمة أو ردّه لمخالفته لاصول مذهب الامامیّة ، و لعلّ الصدوق رواه بناء على مذهبه من تجویزه السهو على النبیّ كما صرّح به فى الفقیه و غیره .

و فى كشف الغمة من كتاب أبى إسحاق الثعلبى قال :

دخل أبو بكر على النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد ثقل فقال : یا رسول اللّه متى الأجل ؟

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قد حضر ، قال أبو بكر : اللّه المستعان على ذلك فالى ما المنقلب ؟

[ 237 ]

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إلى السدرة المنتهى و الجنة المأوى و إلى الرفیق الأعلى و الكاس الأوفى و العیش المهنىّ ، قال أبو بكر : فمن یلى غسلك ؟ قال : رجال أهل بیتى الأدنى فأدنى قال : ففیم نكفنك ؟ قال : فى ثیابى هذه التی علیّ أو فى حلّة یمانیة أو فی بیاض مصر قال : كیف الصلاة علیك ؟ فارتجت الأرض بالبكاء .

فقال لهم النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : مهلا عفى اللّه عنكم إذا غسلت فكفنت فضعونى على سریرى فى بیتى على شفیر قبرى ثمّ اخرجوا عنى ساعة فان اللّه تبارك و تعالى أوّل من یصلّی علیّ ثمّ یأذن الملائكة فی الصّلاة علىّ ، فأوّل من ینزل جبرئیل ثمّ إسرافیل ثمّ میكائیل ثمّ ملك الموت علیهم السّلام فى جنود كثیر من الملائكة بأجمعها ، ثمّ ادخلوا علىّ زمرة زمرة فصلّوا علیّ و سلموا تسلیما و لا تؤذونى بتزكیة 1 و لا رنّة ، و لیبدء بالصلاة علىّ الأدنى فالأدنى من أهل بیتى ، ثمّ النساء ، ثمّ الصبیان زمرا .

قال أبو بكر : فمن یدخل قبرك ؟ قال : الأدنى فالأدنى من أهل بیتى مع ملائكة لا ترونهم ، قوموا فأدّوا عنّى إلى من ورائكم فقلت للحارث بن مرّة : من حدّثك بهذا الحدیث ؟ قال : عبد اللّه بن مسعود عن علیّ علیه السّلام قال : كان جبرئیل ینزل على النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى مرضه الذى قبض فیه فى كلّ یوم و لیلة فیقول : السلام علیك إنّ ربّك یقرؤك السلام فیقول : كیف تجدك و هو أعلم بك و لكنه أراد أن یزیدك كرامة و شرفا إلى ما أعطاك على الخلق و أراد أن یكون عیادة المریض سنة فى امتك .

فیقول له النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إن كان وجعا : یا جبرئیل أجدنى وجعا ، فقال له جبرئیل اعلم یا محمّد أنّ اللّه لم یشدد علیك و ما من أحد من خلقه أكرم علیه منك ، و لكنه أحبّ

-----------
( 1 ) اى بذكر ما یعدونه من الفضائل و لیس منها كما كانت عادة العرب من الذكر بالحمیة و العصبیة و أمثالها أو مطلقا فان الدّعا فى تلك الحال أفضل ، هكذا فى البحار أقول : و یؤیده ما رواه ابن شهر آشوب من الكافى قال : اجتمعت نسوة بنى هاشم و جعل یذكرن النبىّ ( ص ) فقالت فاطمة : اتركن التعداد و علیكنّ بالدّعاء ( منه ) .

[ 238 ]

أن یسمع صوتك و دعاءك حتّى تلقاه مستوجبا للدّرجة و الثواب الذى أعدّ لك و الكرامة و الفضیلة على الخلق .

و إن قال له النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أجدنی مریحا فی عافیة قال له : فاحمد اللّه على ذلك فانّه یحبّ أن تحمده و تشكره لیزیدك إلى ما أعطاك خیرا فانّه یحبّ أن یحمد و یزید من شكر .

قال : و انّه نزل علیه فی الوقت الذى كان ینزل فیه فعرفنا حسّه فقال علیّ علیه السّلام فخرج من كان فی البیت غیرى ، فقال له جبرئیل : یا محمّد إنّ ربّك یقرؤك السلام و یسألك و هو أعلم بك كیف تجدك ؟ فقال له النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أجدنی میّتا ، قال له جبرئیل : یا محمّد ابشر فانّ اللّه إنّما أراد أن یبلّغك بما تجد ما أعدّ لك من الكرامة قال له النّبی صلّى اللّه علیه و آله : إنّ ملك الموت استأذن علیّ فأذنت له فدخل و استنظرته مجیئك فقال له جبرئیل : یا محمّد إنّ ربك إلیك مشتاق فما استاذن ملك الموت على أحد قبلك و لا یستأذن على أحد بعدك فقال له النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا تبرح یا جبرئیل حتّى یعود .

ثمّ أذن للنساء فدخلن علیه فقال لابنته : ادنی منّی یا فاطمة فأكبّت علیه فناجاها فرفعت رأسها فعیناها تهملان دموعا ، فقال لها : ادنی منّی فدنت منه فأكبّت علیه فناجاها فرفعت رأسها و هی تضحك .

فتعجّبنا لما رأینا ، فسألناها فأخبرتنا أنّه نعى إلیها نفسه فبكت فقال لها یا بنیّة لا تجزعی فانّی سألت اللّه أن یجعلك أوّل أهل بیتی لحاقا بی فأخبرنی أنّه قد استجاب لی فضحكت قال : ثمّ دعا النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الحسن و الحسین علیهما السّلام فقبّلهما و شمّهما و جعل یترشفهما و عیناه تهملان .

قال الشارح عفى اللّه عنه : و لقد كنت عند نقلی هذه الرّوایة للثعلبی كاد أن یشرح قلبی بالسّكاكین ممّا تضمّنه صدرها من شنیع فعل أبی بكر و إصراره فى سؤال الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من أجله و غسله و دفنه و كفنه و منقلبه فى هذه الحال من شدّة

[ 239 ]

مرضه و ضعفه ، و قد أحاطت به غمرات الآلام ، و غشیته طوارق الأوجاع و الأسقام ،

و كیف تمالك نفسه و لم تخنقه عبرته و بالغ فى السّؤال حتّى ارتجّت الأرض بالبكاء و ألجأ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى ردعه بقوله : مهلا ، فیا للّه ما أقلّ حیاء الرّجل و أسوء أدبه و أقسى قلبه و أقبح فعله .

و فى البحار من المناقب عن سهل بن أبی صالح عن ابن عبّاس أنّه اغمى على النبىّ صلّى اللّه علیه و آله فى مرضه فدقّ بابه ، فقالت فاطمة : من ذا ؟ قال : أنا رجل غریب أتیت أسأل رسول اللّه أ تأذنون لی فی الدّخول علیه ؟ فأجابت امض رحمك اللّه لحاجتك فرسول اللّه عنك مشغول .

فمضى ثمّ رجع فدقّ الباب و قال : غریب یستأذن على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أ تاذنون للغرباء ؟ فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من غشیته و قال : یا فاطمة أ تدرین من هذا قالت : لا یا رسول اللّه ، قال : هذا مفرّق الجماعات و منقض « منغص » اللّذات ، هذا ملك الموت ما استأذن و اللّه على أحد قبلى و لا یستأذن على أحد بعدى ، استأذن علیّ لكرامتی على اللّه ائذنى له فقالت : ادخل رحمك اللّه ، فدخل كریح هفافة و قال : السلام على أهل بیت رسول اللّه ، فأوصى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى علیّ علیه السّلام بالصبر عن الدّنیا و بحفظ فاطمة و بجمع القرآن و بقضاء دینه و بغسله و أن یعمل حول قبره حایط و بحفظ الحسن و الحسین .

و فى كشف الغمة عن أبى جعفر علیه السّلام قال : لمّا حضرت النبیّ الوفاة استأذن علیه رجل فخرج إلیه علیّ علیه السّلام فقال : ما حاجتك ؟ قال : ارید الدّخول على رسول اللّه فقال علىّ : لست تصل إلیه فما حاجتك ؟ فقال الرّجل : إنه لا بدّ من الدّخول علیه ،

فدخل علىّ علیه السّلام فاستأذن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاذن له فدخل فجلس عند رأس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ثمّ قال : یا نبیّ اللّه إنّی رسول اللّه إلیك ، قال : و أیّ رسل اللّه أنت ؟ قال : أنا ملك الموت أرسلنى إلیك یخیّرك بین لقائه و الرّجوع إلى الدّنیا ، فقال له النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فامهلنى حتّى ینزل جبرئیل فأستشیره .

[ 240 ]

و نزل جبرئیل فقال : یا رسول اللّه الآخرة خیر لك من الاولى و لسوف یعطیك ربك فترضى ، لقاء اللّه خیر لك ، فقال علیه السّلام لقاء ربّی خیر لى فامض لما امرت به ، فقال جبرئیل لملك الموت : لا تعجل حتى أعرج الى السماء « ربى خ » و أهبط ، قال ملك الموت :

لقد صارت نفسه فی موضع لا أقدر على تأخیرها ، فعند ذلك قال جبرئیل : یا محمّد هذا آخر هبوطى إلى الدّنیا إنما كنت أنت حاجتى فیها .

و فى البحار من كتاب اعلام الورى قال الصادق علیه السّلام : قال جبرئیل : یا محمّد هذا آخر نزولى إلى الدّنیا إنما كنت أنت حاجتى منها ، قال : و صاحت فاطمة و صاح المسلمون و یضعون التراب على رؤوسهم و مات صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للیلتین بقیتا من صفر سنة عشر من الهجرة ، و روى أیضا لاثنى عشر لیلة من ربیع الأوّل صلّى اللّه علیه و آله و سلّم تسلیما كثیرا .

الرابعة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد سالت نفسه فی كفّى فأمررتها على وجهى ) قال الشارح البحرانی : أراد بنفسه دمه یقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قاء وقت موته دما یسیرا و إنّ علیا علیه السّلام مسح بذلك الدّم وجهه ، و لا ینافی ذلك نجاسة الدّم لجواز أن یخصّص دم الرّسول كما روى أن أباطیبة الحجام شرب دمه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین حجمه فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذا لا ینجع بطنك ، انتهى كلامه ، و مثله الشارح المعتزلی .

أقول : أمّا طهارة دم النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلا ریب فیها كما قال الشاعر :

فان تفق الأنام و أنت منهم
فانّ المسك بعض دم الغزال

و یشهد بها آیة التطهیر فان قلت : لو كان طاهرا لم حذّر النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبا سعید الخدرى من شربه كما رواه فی البحار من تفسیر الامام فی حدیث طویل قال فیه :

و أما الدّم فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله احتجم مرّة فدفع الدّم الخارج منه إلى أبى سعید الخدرى و قال له : غیّبه ، فذهب فشربه فقال صلّى اللّه علیه و آله له : ما صنعت به ؟ قال له : شربته یا رسول اللّه ، قال : أ لم أقل لك غیّبه ؟ فقال له : غیّبته فی وعاء حریز ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إیّاك

[ 241 ]

و أن تعود لمثل هذا ، ثمّ اعلم أنّ اللّه قد حرّم على النّار لحمك و دمك لما اختلط بلحمى و دمى .

قلت : لعلّ تحذیره عن شربه لأجل حرمته لا لأجل النّجاسة .

و أمّا حمل النفس فی قوله علیه السّلام : و لقد سالت نفسه بمعنى الدّم فلا یخفى بعده بل ضعفه ، و الأقوى عندى أن یراد بالنّفس نفسه النّاطقة القدسیّة الّتی هی مبدء الفكر و الذّكر و العلم و الحلم و النّباهة ، و لها خاصیّة الحكمة و النّزاهة ،

فیكون محصّل المراد بالكلام أنّ روحه الطیبة الكاملة الّتی هى المصداق الحقیقى لقوله : قل الرّوح من أمر ربّى ، و المقصود الأصلى بقوله : و نفخت فیه من روحى ،

لما فارقت جسده الطاهر فاضت بیدى فمسحت بها على وجهى .

و لعلّ هذا مراد من قال إنّ المراد بسیلان النّفس هبوب النفس عند انقطاع الأنفاس ، هذا .

و انّما مسح بها على وجهه إما تیمّنا أو لحكمة عظیمة لا نعرفها .

و انما فعل علیه السّلام ذلك بوصیّة منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كما رواه فی البحار من مناقب ابن شهر آشوب قال : و من طریقة أهل البیت علیهم السّلام أنّ عایشة دعت أباها فأعرض عنه و دعت حفصة أباها فأعرض عنه و دعت أمّ سلمة علیّا فناجاه طویلا ثمّ اغمى علیه فجاء الحسن و الحسین علیهما السّلام یصیحان و یبكیان حتّى وقعا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أراد علىّ علیه السّلام أن ینحّیهما عنه ، فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ قال : یا علیّ دعهما أشمّهما و یشمّانی و أتزوّد منهما و یتزوّدان منّی .

ثمّ جذب علیّا علیه السّلام تحت ثوبه و وضع فاه على فیه و جعل یناجیه ، فلمّا حضره الموت قال له : ضع رأسى یا على فی حجرك فقد جاء أمر اللّه فاذا فاضت نفسى فتناولها بیدك و امسح بها وجهك ثمّ وجّهنى إلى القبلة و تولّ أمرى و صلّ علىّ أوّل النّاس و لا تفارقنى حتّى توارینى فی رمسى و استعن باللّه عزّ و جلّ .

و أخذ علىّ برأسه فوضعه فی حجره فاغمی علیه فبكت فاطمة فأومى إلیها بالدنوّ منه ، فأسرّ إلیها شیئا تهلّل وجهها القصّة .

[ 242 ]

ثمّ قضى صلّى اللّه علیه و آله و مدّ أمیر المؤمنین علیه السّلام یده الیمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فیها ، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثمّ وجّهه و مدّ علیه ازاره و استقبل بالنّظر فی أمره .

و فى البحار من كتاب اعلام الورى قضى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ید أمیر المؤمنین الیمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه فیها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثمّ وجّهه و غمّضه و مدّ علیه ازاره و اشتغل بالنّظر فی أمره .

الخامسة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد ولیت ) أى باشرت ( غسله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الملائكة أعوانى ) باطنا ، و الفضل بن عباس یعینه ظاهرا و كان مباشرته بغسله صلّى اللّه علیه و آله أیضا بوصیّته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

كما یدل علیه ما رواه فی البحار من المناقب عن أبان بن بطة قال یزید بن بلال قال علىّ علیه السّلام : أوصى النبّی ألاّ یغسّله أحد غیرى فانّه لا یرى عورتى أحد إلاّ طمست عیناه ، قال : فما تناولت عضوا إلاّ كأنّما یقلّبه معى ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله .

و روى أنّه لمّا أراد علىّ علیه السّلام غسله استدعا الفضل بن عباس لیعینه و كان مشدود العینین و قد أمره علىّ علیه السّلام بذلك إشفاقا علیه من العمى ، و فی هذا المعنى قال العبدى :

من ولى غسل النّبی و من
لفّقه من بعد فی الكفن

و قال آخر :

غسّله إمام صدق طاهر
من دنس الشرك و أسباب الغیر

فأورث اللّه علیّا علمه
و كان من بعد إلیه یفتقر

و فى البحار من كتاب الطرف لابن طاووس نقلا من كتاب الوصیّة للشّیخ عیسى بن المستفاد الضّریر عن موسى بن جعفر عن أبیه علیهما السّلام قال :

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : یا على أضمنت دینى تقضیه عنّى ؟ قال : نعم . قال : اللّهمّ فاشهد ، ثمّ قال : یا على تغسلنى و لا یغسلنى غیرك فیعمى بصره ، قال علىّ علیه السّلام و لم یا رسول اللّه ؟ قال : كذلك قال جبرئیل عن ربّى أنّه لا یرى عورتى غیرك إلاّ عمى

[ 243 ]

بصره ، قال علیّ علیه السّلام فكیف أقوى علیك وحدی ؟ قال : یعینك جبرئیل و میكائیل و اسرافیل و ملك الموت و إسماعیل صاحب السماء الدّنیا ، قلت : فمن یناولنى الماء ؟

قال : الفضل بن العباس من غیر أن ینظر إلى شی‏ء منّى فانّه لا یحلّ له و لا لغیره من الرّجال و النساء النظر إلى عورتى ، و هى حرام علیهم ، فاذا فرغت من غسلى فضعنى على لوح و أفرغ علىّ من بئرى بئر غرس أربعین دلوا مفتّحة الأبواب أو قال أربعین قربة شككت أنا فی ذلك ثمّ ضع یدك یا على على صدرى و احضر معك فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السّلام من غیر أن ینظروا إلى شی‏ء من عورتى ثمّ تفهّم عند ذلك تفهم ما كان و ما هو كائن إنشاء اللّه .

و من كتاب فقه الرّضا و قال جعفر علیه السّلام : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أوصى إلى علىّ أن لا یغسلنى غیرك ، فقال علىّ علیه السّلام : یا رسول اللّه من یناولنی الماء و انّك رجل ثقیل لا استطیع أن اقلبّك ؟ فقال : جبرئیل معك یعاونك و یناولك الفضل الماء ، و قل له فلیغطّ عینیه فانّه لا یرى أحد عورتى غیرك إلاّ انفقات عیناه ، قال : كان الفضل یناوله الماء و جبرئیل یعاونه و علىّ یغسّله .

و قوله ( فضجّت الدّار و الأفنیة ملاء یهبط و ملاء یعرج ) نسبة الضجیج إلى الدار و الأفنیة من التوسّع ، و الاسناد إلى المكان ، و المراد به ضجیج الملائكة النّازلین فیهما حین موته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بكاؤهم علیه مثل ضجیج سایر الحاضرین لدیه .

و یشهد بذلك ما فی البحار من كتاب الطرف لابن طاووس فی الحدیث الذى قدّمنا روایته آنفا و فیه بعد قوله صلّى اللّه علیه و آله تفهم ما كان و ما هو كائن : أقبلت یا علیّ ؟

قال : نعم قال : اللّهمّ فاشهد .

قال : یا علیّ ما أنت صانع لو قد تأمّر القوم علیك بعدی وتقدّموا علیك و بعث إلیك طاغیتهم یدعوك إلى البیعة ثمّ لبّبت بثوبك تقاد كما یقاد الشّارد من الابل مذموما مخذولا محزونا مهموما و بعد ذلك ینزل بهذه الذّلّ .

قال : فلمّا سمعت فاطمة ما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صرخت و بكت ، فبكى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لبكائها و قال : یا بنیّة لا تبكین و لا تؤذین جلساءك من الملائكة ، هذا جبرئیل

[ 244 ]

بكى لبكائك و میكائیل و صاحب سرّ اللّه إسرافیل ، یا بنیة لا تبكین فقد بكیت السّماوات و الأرض لبكائك .

فقال علیّ علیه السّلام : یا رسول اللّه انقاد للقوم و أصبر على ما أصابنى من غیر بیعة لهم ما لم اصب أعوانا لم اناجز القوم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : اللّهمّ اشهد .

و فیه من الكتاب المذكور أیضا من كتاب الوصیّة لعیسى الضّریر عن موسى بن جعفر عن أبیه علیهما السّلام قال :

لمّا كانت اللّیلة الّتی قبض النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فى صبیحتها دعى علیّا و فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السّلام و اغلق علیه و علیهم الباب ، و قال : یا فاطمة و أدناها منه فناجاها من اللّیل طویلا ، فلمّا طال ذلك خرج علىّ و معه الحسن و الحسین و أقاموا بالباب و الناس خلف الباب و نساء النّبی ینظرون إلى علىّ و معه ابناه .

فقالت عایشة : لأمر ما أخرجك منه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و خلا بابنته دونك فی هذه السّاعة ؟

فقال علىّ علیه السّلام قد عرفت الذى خلا بها و أرادها له و هو بعض ما كنت فیه و أبوك و صاحباه ممّا قد سمّاه ، فوجمت أن تردّ علیه كلمة قال علیّ علیه السّلام : فما لبثت أن نادتنی فاطمة علیها السّلام فدخلت على النّبی صلّى اللّه علیه و آله و هو یجود بنفسه فبكیت و لم أملك نفسى حین رأیته بتلك الحال یجود بنفسه .

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لی : ما یبكیك یا على لیس هذا أو ان البكاء فقد حان الفراق بینى و بینك فاستودعك اللّه یا أخى فقد اختار لی ربّی ما عنده ، و إنما بكائی و غمّی و حزنى علیك و على هذه أى فاطمة أن تضیع بعدى ، فقد أجمع القوم على ظلمكم و قد استودعكم اللّه و قبلكم منّى ودیعة یا علیّ قد أوصیت فاطمة ابنتی بأشیاء و أمرتها أن تلقیها إلیك فأنفذها فهی الصّادقة المصدّقة .

ثمّ ضمها إلیه و قبّل رأسها و قال : فداك أبوك یا فاطمة ، فعلا صوتها بالبكاء ثمّ ضمها إلیه و قال : و اللّه لینتقمنّ اللّه ربّی و لیغضبنّ لغضبك ، فالویل ثمّ الویل للظالمین ثمّ بكى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 245 ]

و قال علیّ علیه السّلام : فو اللّه لقد حسبت بضعة منّی قد ذهبت لبكائه صلّى اللّه علیه و آله حتّى هملت عیناه مثل المطر حتّى بلّت دموعه لحیته و ملاءة كانت علیه و هو یلتزم فاطمة لا یفارقها و رأسه على صدرى و أنا مسنده و الحسن و الحسین یقبلان قدمیه و یبكیان بأعلى أصواتهما قال علیّ علیه السّلام : فلو قلت إنّ جبرئیل فی البیت لصدقت لأنّى كنت اسمع بكاء و نغمة لا أعرفها و كنت أعلم أنّها أصوات الملائكة لا أشكّ فیها ، لأنّ جبرئیل لم یكن فی مثل تلك اللّیلة یفارق النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، و لقد رأیت بكاء منها أحسب أنّ السّماوات و الأرضین قد بكت لها .

ثمّ قال لها : یا بنیّة اللّه خلیفتی علیكم و هو خیر خلیفة .

و الّذى بعثنی بالحقّ لقد بكى لبكائك عرش اللّه و ما حوله من الملائكة و السّماوات و الأرضون و ما بینهما .

یا فاطمة و الذى بعثنی بالحقّ لقد حرّمت الجنّة على الخلایق حتّى أدخلها و أنّك لأوّل خلق اللّه یدخلها بعدى كاسیة حالیة ناعمة ، یا فاطمة هنیئا لك .

و الذى بعثنی بالحقّ إنّك لسیّدة من یدخلها من النّساء ، و الّذى بعثنی بالحقّ إنّ جهنّم لتزفر زفرة لا یبقى ملك مقرّب و لا نبىّ مرسل إلاّ صعق ، فینادى إلیها أن یا جهنّم یقول لك الجبّار اسكنی بعزّى و استقرّى حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد إلى الجنان لا یغشیها قتر و لا ذلّة .

و الذی بعثنی بالحقّ لیدخلنّ حسن و حسین ، حسن عن یمینك و حسین عن یسارك و لتشرفنّ من أعلى الجنان بین یدى اللّه فى المقام الشریف و لواء الحمد مع علىّ بن أبیطالب یكسى إذا كسیت و یحبى إذا حبیت .

و الّذی بعثنی بالحقّ لأقومنّ لخصومة أعدائك و لیندمنّ قوم أخذوا حقّك و قطعوا مودّتك و كذبوا علیّا و لیختلجنّ دونی فأقول : امّتى امّتى ، فیقال : انّهم بدلوا بعدك و صاروا إلى السّعیر .

قال الشارح عفى اللّه عنه : و إنّما أوردت هذه الرّوایة بتمامها و طولها مع كون موضع الحاجة منها بعضها كأكثر الأخبار المتقدّمة فی شرح هذه الخطبة ،

[ 246 ]

لكونها متضمّنة مثل سایر ما تقدّم للغرض الّذى سوق هذه الخطبة لأجله مؤكّدة له ، و هو إفادة مزید اختصاصه علیه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قرباه منه ، على أنا أحببنا أن یكون شرح هذه الخطبة متكفلا لجمل أخبار وفاة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله .

و قوله ( و ما فارقت سمعى هینمة منهم ) أى لم یغب أصواتهم عن سمعى و لم تخف علىّ ، و یدلّ علیه عموم الأخبار المفیدة لكونه محدثا یسمع صوت الملك و لا یرى شخصه ، و قد تقدّمت جملة منها فى التنبیه الثانى من شرح الفصل الثامن من الخطبة المأة و الحادیة و التسعین .

و یدل علیه خصوصا بل یدلّ على رؤیته علیه السّلام لهم أیضا فى تلك الحال ما رواه فى البحار من كتاب بصایر الدّرجات عن أحمد بن محمّد و أحمد بن اسحاق عن القاسم بن یحیى عن بعض أصحابنا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هبط جبرئیل و معه الملائكة و الرّوح الذین كانوا یهبطون فى لیلة القدر ، قال : ففتح لأمیر المؤمنین بصره فرآهم فى منتهى السماوات إلى الأرض یغسّلون النبیّ معه و یصلّون علیه معه و یحفرون له ، و اللّه ما حفر له غیرهم حتى إذا وضع فى قبره نزلوا مع من نزل ، فوضعوه فتكلّم ، و فتح لأمیر المؤمنین سمعه فسمعه یوصیهم به فبكى علیه السّلام و سمعهم یقولون لا نالوه جهدا و انما هو صاحبنا بعدك إلاّ أنه لیس یعایننا ببصره بعد مرّتنا هذه .

حتّى إذ مات أمیر المؤمنین علیه السّلام رأى الحسن و الحسین علیهما السّلام مثل ذلك الذى رأى و رأیا النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یعین الملائكة مثل الذى صنعوا بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

حتّى اذا مات الحسن علیه السّلام رأى منه الحسین مثل ذلك و رأى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و علیا علیه السّلام یعینان الملائكة .

حتى إذا مات الحسین علیه السّلام رأى علیّ بن الحسین علیهما السّلام منه مثل ذلك و رأى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و علیا و الحسن علیهما السّلام یعینون الملائكة .

حتّى إذا مات علیّ بن الحسین علیهما السّلام رأى محمّد بن علیّ مثل ذلك و رأى النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و علیا و الحسن و الحسین علیهم السّلام یعینون الملائكة .

[ 247 ]

حتى إذا مات محمّد بن علىّ علیهما السّلام رأى جعفر علیه السّلام مثل ذلك و رأى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و علیا و الحسن و الحسین و علىّ بن الحسین علیهم السّلام یعینون الملائكة .

حتّى إذا مات جعفر علیه السّلام رأى موسى علیه السّلام منه مثل ذلك ، هكذا یجری إلى آخر و قوله ( یصلّون علیه ) صریح فی صلاة الملائكة ، و قد مرّ فی شرح قوله علیه السّلام :

و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی روایة الأمالی إنّ أوّل من یصلّى علیه هو اللّه سبحانه ثمّ الملائكة ، ثمّ المسلمون .

و روى فی الكافی بسنده عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : لما قبض النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صلّت علیه الملائكة و المهاجرون و الأنصار فوجا فوجا و قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول فی صحّته و سلامته : إنّما انزلت هذه الآیة علىّ فی الصّلاة بعد قبض اللّه لى : إنّ اللّه و ملائكته یصلّون على النّبیّ یا أیّها الّذین آمنوا صلّوا علیه و سلّموا تسلیما .

و فى البحار من الاحتجاج و فی روایة سلیم بن قیس الهلالى عن سلمان الفارسی أنّه قال :

أتیت علیّا علیه السّلام و هو یغسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد كان أوصى أن لا یغسله غیر علیّ علیه السّلام و أخبر عنه أنّه لا یرید أن یقلّب منه عضو إلاّ قلب له ، و قد قال أمیر المؤمنین لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من یعیننى على غسلك یا رسول اللّه ؟ قال : جبرئیل .

فلمّا غسّله و كفّنه أدخلنى و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسینا علیهم السّلام فتقدّم و صففنا خلفه و صلّى علیه ، و عایشة فى الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئیل ببصرها ثمّ ادخل عشرة عشرة من المهاجرین و الأنصار فیصلّون و یخرجون ، حتى لم یبق أحد من المهاجرین و الأنصار إلاّ صلّى علیه ، الخبر .

و من كتاب اعلام الورى قال أبان : و حدّثنى أبو مریم عن أبیجعفر علیه السّلام قال قال الناس : كیف الصلاة علیه ؟ فقال علیّ علیه السّلام : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إمامنا حیا و میتا فدخل علیه عشرة عشرة فصلّوا علیه یوم الاثنین و لیلة الثلثاء حتّى صلّى علیه كبیرهم و صغیرهم و ذكرهم و انثاهم و ضواحی المدینة بغیر إمام .