[ 198 ] و من خطبة له ع ینبه على إحاطة علم

اللّه بالجزئیات ثم یحث على التقوى و یبین فضل الإسلام و القرآن یَعْلَمُ عَجِیجَ اَلْوُحُوشِ فِی اَلْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِیَ اَلْعِبَادِ فِی اَلْخَلَوَاتِ وَ اِخْتِلاَفَ اَلنِّینَانِ فِی اَلْبِحَارِ اَلْغَامِرَاتِ وَ تَلاَطُمَ اَلْمَاءِ بِالرِّیَاحِ اَلْعَاصِفَاتِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِیبُ اَللَّهِ وَ سَفِیرُ وَحْیِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ الوصیة بالتقوى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی أُوصِیكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِی اِبْتَدَأَ خَلْقَكُمْ وَ إِلَیْهِ یَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ وَ إِلَیْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِیلِكُمْ وَ إِلَیْهِ مَرَامِی مَفْزَعِكُمْ فَإِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَ صَلاَحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلاَءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِیَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اَللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ وَ دَخِیلاً دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِیفاً بَیْنَ أَضْلاَعِكُمْ وَ أَمِیراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَ مَنْهَلاً لِحِینِ وُرُودِكُمْ وَ شَفِیعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِیَوْمِ فَزَعِكُمْ وَ مَصَابِیحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ فَإِنَّ طَاعَةَ اَللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِیرَانٍ مُوقَدَةٍ فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ اَلشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَ اِحْلَوْلَتْ لَهُ اَلْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَ اِنْفَرَجَتْ عَنْهُ اَلْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا وَ أَسْهَلَتْ لَهُ اَلصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا وَ هَطَلَتْ عَلَیْهِ اَلْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا وَ تَحَدَّبَتْ عَلَیْهِ اَلرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَ تَفَجَّرَتْ عَلَیْهِ اَلنِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَ وَبَلَتْ عَلَیْهِ اَلْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا فَاتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِی نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ اِمْتَنَّ عَلَیْكُمْ بِنِعْمَتِهِ فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَیْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ فضل الإسلام ثُمَّ إِنَّ هَذَا اَلْإِسْلاَمَ دِینُ اَللَّهِ اَلَّذِی اِصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ اِصْطَنَعَهُ عَلَى عَیْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِیَرَةَ خَلْقِهِ وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ أَذَلَّ اَلْأَدْیَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ اَلْمِلَلَ بِرَفْعِهِ وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّیهِ بِنَصْرِهِ وَ هَدَمَ أَرْكَانَ اَلضَّلاَلَةِ بِرُكْنِهِ وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِیَاضِهِ وَ أَتْأَقَ اَلْحِیَاضَ بِمَوَاتِحِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لاَ اِنْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لاَ فَكَّ لِحَلْقَتِهِ وَ لاَ اِنْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لاَ زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ وَ لاَ اِنْقِلاَعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لاَ اِنْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ لاَ عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لاَ جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لاَ ضَنْكَ لِطُرُقِهِ وَ لاَ وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لاَ سَوَادَ لِوَضَحِهِ وَ لاَ عِوَجَ لاِنْتِصَابِهِ وَ لاَ عَصَلَ فِی عُودِهِ وَ لاَ وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لاَ اِنْطِفَاءَ لِمَصَابِیحِهِ وَ لاَ مَرَارَةَ لِحَلاَوَتِهِ فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِی اَلْحَقِّ أَسْنَاخَهَا وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ یَنَابِیعُ غَزُرَتْ عُیُونُهَا وَ مَصَابِیحُ شَبَّتْ نِیرَانُهَا وَ مَنَارٌ اِقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلاَمٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا وَ مَنَاهِلُ رَوِیَ بِهَا وُرَّادُهَا جَعَلَ اَللَّهُ فِیهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ اَللَّهِ وَثِیقُ اَلْأَرْكَانِ رَفِیعُ اَلْبُنْیَانِ مُنِیرُ اَلْبُرْهَانِ مُضِی‏ءُ اَلنِّیرَانِ عَزِیزُ اَلسُّلْطَانِ مُشْرِفُ اَلْمَنَارِ مُعْوِذُ اَلْمَثَارِ فَشَرِّفُوهُ وَ اِتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَیْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ الرسول الأعظم ثُمَّ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ حِینَ دَنَا مِنَ اَلدُّنْیَا اَلاِنْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ اَلْآخِرَةِ اَلاِطِّلاَعُ وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِیَادٌ فِی اِنْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اِقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ اِنْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا وَ اِنْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلاَمِهَا وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا جَعَلَهُ اَللَّهُ بَلاَغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ وَ رَبِیعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ القرآن الكریم ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَیْهِ اَلْكِتَابَ نُوراً لاَ تُطْفَأُ مَصَابِیحُهُ وَ سِرَاجاً لاَ یَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لاَ یُدْرَكُ قَعْرُهُ وَ مِنْهَاجاً لاَ یُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لاَ یُظْلِمُ ضَوْءُهُ وَ فُرْقَاناً لاَ یُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْیَاناً لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَ شِفَاءً لاَ تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لاَ تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ فَهُوَ مَعْدِنُ اَلْإِیمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ یَنَابِیعُ اَلْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ وَ رِیَاضُ اَلْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِیُّ اَلْإِسْلاَمِ وَ بُنْیَانُهُ وَ أَوْدِیَةُ اَلْحَقِّ وَ غِیطَانُهُ وَ بَحْرٌ لاَ یَنْزِفُهُ اَلْمُسْتَنْزِفُونَ وَ عُیُونٌ لاَ یُنْضِبُهَا اَلْمَاتِحُونَ وَ مَنَاهِلُ لاَ یَغِیضُهَا اَلْوَارِدُونَ وَ مَنَازِلُ لاَ یَضِلُّ نَهْجَهَا اَلْمُسَافِرُونَ وَ أَعْلاَمٌ لاَ یَعْمَى عَنْهَا اَلسَّائِرُونَ وَ آكَامٌ لاَ یَجُوزُ عَنْهَا اَلْقَاصِدُونَ جَعَلَهُ اَللَّهُ رِیّاً لِعَطَشِ اَلْعُلَمَاءِ وَ رَبِیعاً لِقُلُوبِ اَلْفُقَهَاءِ وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ اَلصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَیْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ وَ نُوراً لَیْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلاً وَثِیقاً عُرْوَتُهُ وَ مَعْقِلاً مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلاَّهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ اِئْتَمَّ بِهِ وَ عُذْراً لِمَنِ اِنْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ وَ حَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِیَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ وَ آیَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اِسْتَلْأَمَ وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِیثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى

[ 269 ]

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و السابعة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و شرحها فی فصول ثلاثة :

الفصل الاول

یعلم عجیج الوحوش فی الفلوات ، و معاصی العباد فی الخلوات ،

و اختلاف النّینان فی البحار الغامرات ، و تلاطم الماء بالرّیاح العاصفات ،

و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله نجیب اللّه و سفیر وحیه ،

و رسول رحمته .

أمّا بعد فإنّی أوصیكم بتقوى اللّه الّذی ابتدء خلقكم ، و إلیه یكون معادكم ، و به نجاح طلبتكم ، و إلیه منتهى رغبتكم ، و نحوه قصد سبیلكم ، و إلیه مرامی مفزعكم ، فإنّ تقوى اللّه دوآء دآء قلوبكم ،

و بصر عمى أفئدتكم ، و شفاء مرض أجسادكم ، و صلاح فساد صدوركم و طهور دنس أنفسكم ، و جلاء غشاء أبصاركم ، و أمن فزع جاشكم ،

و ضیاء سواد ظلمتكم .

[ 270 ]

فاجعلوا طاعة اللّه شعارا دون دثاركم ، و دخیلا دون شعاركم ،

و لطیفا بین أضلاعكم ، و أمیرا فوق أموركم ، و منهلا لحین ورودكم ،

و شفیعا لدرك طلبتكم ، و جنّة لیوم فزعكم ، و مصابیح لبطون قبوركم ، و سكنا لطول وحشتكم ، و نفسا لكرب مواطنكم .

فإنّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة ، و مخاوف متوقّعة ، و أوار نیران موقدة ، فمن أخذ بالتّقوى غربت « عزبت خ » عنه الشّداید بعد دنوّها ، و احلولت له الامور بعد مرارتها ، و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، و أسهلت له الصّعاب بعد انصابها ، و هطلت علیه الكرامة بعد قحوطها ، و تحدّبت علیه الرّحمة بعد نفورها ، و تفجّرت علیه النّعم بعد نضوبها ، و وبلت علیه البركة بعد إرذاذها .

فاتّقوا اللّه الّذی نفعكم بموعظته ، و وعظكم برسالته ، و امتنّ علیكم بنعمته ، فعبّدوا أنفسكم لعبادته ، و اخرجوا إلیه من حقّ طاعته .

اللغة

( عجّ ) عجّا من باب ضرب و عجیجا أیضا رفع صوته بالتّلبیة ، و منه الحدیث أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ ، فالعجّ رفع الصّوت فی التّلبیة ، و الثجّ إسالة الدّماء من الذّبح و النحر فی الأضاحی .

و ( النّینان ) جمع نون و هو الحوت قال تعالى و ذا النّون اذ ذهب مغاضبا

[ 271 ]

و نهر ( غامر ) أى كثیر الماء یغمر من یدخله أى یغطّیه و یستره ، و غمره البحر من باب نصر أى إذا علاه و غطاه و ( الطلبة ) بكسر الاّم ما طلبته .

و ( غشاء ) أبصاركم فی بعض النسخ بالغین المعجمة و المدّ وزان كساء و هو الغطاء قال تعالى فأغشیناهم فهم لا یبصرون أى جعلنا على أبصارهم غشاوة و غطاء و فی بعضها بالعین المهملة و القصر سوء البصر باللیل و النّهار مصدر عشى یقال عشى عشى من باب تعب ضعف بصره فهو أعشى و المرأة عشواء ، و ( الجاش ) القلب .

و ( الشّعار ) الثّوب الملاصق للبدن و هو الذی یلی شعر الجسد و ( الدّثار ) ما فوق الشّعار من الثیاب و ( دخلة ) الرّجل و دخله و دخیلته و دخیله نیّته و مذهبه و خلده و ( المنهل ) المشرب و الشرب و الموضع الذى فیه المشرب و ( الطلبة ) بكسر اللاّم كالطلب محرّكة اسم من طالبه بحقه مطالبة ، و قال الشارح المعتزلی : الطلبة ما طلبته من شی‏ء فیكون اسم عین .

و ( النفس ) محرّكة اسم وضع موضع المصدر الحقیقی من نفس تنفیسا و نفسا أى فرّج تفریجا و ( الاوار ) بضمّ الهمزة وزان غراب حرّ النّار و الشّمس و العطش و اللهب و ( هطل ) السّماء تهطل من باب ضرب امطرت هطلا و هو بالفتح تتابع المطر المتفرّق العظیم القطر و المطر الضعیف الدائم و ( نضب ) الماء نضوبا غار و ( وبلت ) السماء تبل امطرت وابلا و هو المطر الشدید الضخم القطر و ( ارذّت ) السماء بتشدید الذال المعجمة أمطرت رذاذا ، و هو بالفتح كسحاب المطر الضّعیف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار .

الاعراب

الباء فی قوله : بالرّیاح سببیّة و نحوه منصوب بنزع الخافض ، و الفاء فی قوله فانّ تقوى اللّه للتعلیل ، و فی قوله : فاجعلوا فصیحة .

[ 272 ]

المعنى

اعلم أنّ الغرض الأصلى من هذا الفصل من الخطبة الشریفة هو النصح و الموعظة و الوصیة بالتقوى و الطاعة و الترغیب علیهما بالتنبیه على عظم ما یترتب علیهما من الثمرات و المنافع المرّغبة ، و صدّر الفصل باقتضاء صناعه البلاغة و رعایة براعة الاستهلال بذكر إحاطة علمه بجزئیات الموجودات تنبیها به على أنه عزّ و جلّ لا یخفى علیه طاعة المطیعین و معصیة المذنبین فقال علیه السّلام :

( یعلم عجیج الوحوش فی الفلوات ) أى صیاحها فیها بالتسبیح و رفع أصواتها إلى عزّ جنابه تبارك و تعالى بالتّقدیس و تضرّعها إلیه سبحانه فی إنجاح طلباتها و تنفیس كرباتها و سؤالها منه لدفع شدایدها .

و فیه حثّ للمخاطبین على الطلب و السّؤال و التّضرّع و الابتهال و الانابة إلیه عزّ و علا على كلّ حال ، لأنهم أولى بذلك من الحیوانات العجم .

و یشهد بذلك الحدیث الذی قدّمناه : أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ .

و فى حدیث آخر مروىّ فى الوسایل من الكافی عن حریز رفعه قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لمّا أحرم أتاه جبرئیل فقال له : مر أصحابك بالعجّ و الثجّ ، و العجّ رفع الصّوت بالتلبیة ، و الثجّ نحر البدن .

و فى الكافی فی كتاب الدّعاء باسناده عن حنان بن سدیر عن أبیه قال : قلت لأبی جعفر علیه السّلام : أىّ العبادة أفضل ؟ قال : ما من شی‏ء أفضل عند اللّه عزّ و جلّ من أن یسأل و یطلب ممّا عنده ، و ما أحد أبغض إلى اللّه عزّ و جلّ ممّن یستكبر عن عبادته و لا یسأل ما عنده .

و فیه عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حمّاد بن عیسى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال سمعته یقول : ادع و لا تقل قد فرغ من الأمر ، فانّ الدّعاء هو العبادة إنّ اللّه عزّ و جلّ یقول إنّ الذین یستكبرون عن عبادتى سیدخلون جهنّم داخرین و قال :

ادعونی أستجب لكم .

[ 273 ]

و فیه بسنده عن میسر بن عبد العزیز عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال لی : یا میسر ادع و لا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه ، إنّ عند اللّه عزّ و جلّ منزلة لا تنال إلاّ بمسألة ،

و لو أنّ عبدا سدّفاه و لم یسأل لم یعط شیئا فاسأل تعط ، یا میسر إنه لیس من باب یقرع إلاّ یوشك أن یفتح لصاحبه .

( و ) یعلم ( معاصى العباد فی الخلوات ) بمقتضى عموم علمه بالسرّ و الخفیّات و ما تحت الثرى و فوق الأرضین و السّماوات ، و فیه تحذیر للسامعین عن ارتكاب الخطیئات و حثّ لهم عن الازعاج من السیئآت و تخصیصها بها لكون الخلوة مظنّة الوقوع فی المعصیة بعدم وجود الرّادع و الحاجز .

( و اختلاف النینان فی البحار الغامرات ) أى تردّدها فیها و سبحها فی البحر صعودا و هبوطا طولا و عرضا ( و تلاطم الماء بالرّیاح العاصفات ) أى اضطراب ماء البحار و تراكم أمواجها بالرّیاح الشّدیدة الهبوب ، ثمّ عقّب بالشهادة بالرّسالة فقال :

( و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نجیب اللّه ) أى الكریم الحسیب أفضل الناس حسبا و نسبا شرّفه اللّه تعالى بهذا الوصف الشامخ و اختاره به من خلقه .

( و سفیر وحیه و رسول رحمته ) كما قال عزّ من قائل و ما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمین أى نعمة علیهم لأنّ ما بعث به سبب لصلاح معاشهم و معادهم موجب للسّعادة الدائمة و كونه رحمة للكفّار أمنهم به من الخسف و المسخ و عذاب الاستیصال قال فی مجمع البیان : قال ابن عباس : رحمة للبرّ و الفاجر و المؤمن و الكافر فهو رحمة للمؤمن فی الدنیا و الآخرة و رحمة للكافر بأن عوفى ممّا أصاب الامم من الخسف و المسخ .

قال : و روی أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لجبرئیل علیه السّلام لما نزلت هذه الآیة : هل أصابك من هذه الرّحمة شی‏ء ؟ قال : نعم إنّى كنت أخشى عاقبة الأمر فامنت بك لما أثنى اللّه علىّ بقوله « ذى قوّة عند ذى العرش مكین » و قیل : إنّ الوجه فی أنّه نعمة على الكافر أنّه عرّضه للایمان و الثّواب الدائم و هداه و إن لم یهتد كمن قدّم

[ 274 ]

الطعام إلى جائع فلم یأكل فانّه منعم علیه و إن لم یقبل .

( أمّا بعد فانّى اوصیكم ) عباد اللّه ( ب ) ما لا أزال اوصیكم به أعنى ( تقوى اللّه الذى ابتدء خلقكم ) و فى الاتیان بهذه الجملة و ما یتلوها من الجملات الوصفیة تعظیم لشأنه عزّ و جلّ و تأكید للغرض المسوق له الكلام ، لأنّ العلم باتّصافه بهذه الصفات یوجب مزید الملازمة بالتقوى و المواظبة على أوامره و نواهیه عزّ و تعالى .

و المراد بهذه الجملة انّ اللّه الذى حباكم خلعة الخلقة و أخرجكم من العدم و أفاض علیكم نعمة الوجود الّتی هى أصل جمیع النّعم صغیرها و كبیرها و جلیلها و حقیرها أحرى بأن یخشى منه و یتّقى و لا یقابل نعمه العظام بالكفران و آلائه الجسام بالتّمرّد و الطغیان .

( و إلیه یكون معادكم ) أى عودكم و رجوعكم یوم حشركم و نشركم ، فانّ الكلّ إلیه راجعون فیجازیهم بما كانوا یعملون ، و أمّا الذین اتّقوا ، فاولئك هم الفائزون و أما الذین ظلموا فلا ینفع معذرتهم و لا هم یستعتبون كما قال عزّ من قائل : إن المتّقین فی ظلال و عیون . و فواكه ممّا یشتهون . كلوا و اشربوا هنیئاً بما كنتم تعملون .

إنّا كذلك نجزى المحسنین .

( و به نجاح طلبتكم و إلیه منتهى رغبتكم ) أى الظفر بمطالبكم و قضاء مقاصدكم و نیل حوائجكم ، فانّه تعالى قاضى حوائج السائلین و منجح طلبات الرّاغبین ، و من كان هذا شأنه یجب أن یطاع و یعبد لا أن یعصى لحكمه و یتمرّد .

( و نحوه قصد سبیلكم ) لأنّه منتهى سیر السالكین و غایة مراد المریدین ،

فلا بدّ من سلوك صراطه المستقیم المؤدّى إلى قربه و زلفاه ، و هو صراط الملازمین لطاعته و تقواه و أمّا غیرهم فانّهم عن الصراط لناكبون ، و عن لقائه محرومون .

( و إلیه مرامى مفزعكم ) یعنى إذا دهمكم الخوف و الفزع ترمیكم الأفزاع نحوه ،

لأنه یجیب المضطرّ إذا دعاه و یكشف السوء عنه إذا ناداه .

و فى الحدیث لیس وراء اللّه مرمى ، قال الطریحی : أى مقصد ترمى إلیه الآمال و یوجه نحوه الرّجاء ، تشبیها بالهدف الّتی ترمى إلیها السّهام ، و إذا كان شأنه العزیز انّه إذا فاجاكم الفزع فالیه تضرّعون ، و إذا مسّكم الضرّ فالیه تجأرون ، فلا بدّ

[ 275 ]

من أن یطاع و لا یعصى و یذكر و لا ینسى .

ثمّ لمّا وصف اللّه عزّ و علا بأوصاف توجب منه الاتّقاء أردفه بالتنبیه على منافع التّقوى و الثمرات المترتّبة علیها فی الدّین و الدّنیا لمزید الحثّ و الترغیب إلیها فقال :

( فانّ تقوى اللّه دواء داء قلوبكم ) یعنى أنّها رافعة للأمراض القلبیّة و الرّزائل النّفسانیة الموبقة من البخل و الحسد و النفاق و العداوة و البغضاء و غیرها ، لأنها مضادّة لها كما أنّ الدواء ضدّ الدّاء ( و بصر عمى افئدتكم ) بیان ذلك أنّ حصول وصف العمى للأعمى لمّا كان موجبا لعجزه عن إدراكه للمحسوسات ، و سببا لضلاله عن الطریق ، فكذلك حصول هذا الوصف للأفئدة الناشی من اتّباع الهوى و الانهماك فی الشهوات ، موجب لقصورها عن إدراك المعقولات ، و عن الاهتدا إلى الصراط المستقیم .

و كما أنّ بحسّ البصر یرتفع عمى الأبصار الظاهرة و یحصل إدراك المحسوسات فكذلك بالتقوى یرتفع عمى الأفئدة و یتمكّن من إدراك المعقولات و یهتدى إلى الصراط المستقیم ، لكونها مانعة من متابعة الهوى و انهماك الشهوات الموجبین لعماها ، و هذا معنى كونها بصرا لعمى أبصار الأفئدة .

روى فی الصافی فی تفسیر قوله تعالى أ فلم یسیروا فی الأرض فتكون لهم قلوب یعقلون بها أو آذان یسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب الّتی فی الصدور من التوحید و الخصال عن السجاد علیه السّلام أنّ للعبد أربع أعین : عینان یبصر بهما أمر دینه و دنیاه ، و عینان یبصر بهما أمر آخرته ، فاذا أراد اللّه بعبد خیرا فتح اللّه له العینین اللّتین فی قلبه فأبصر بهما الغیب و أمر آخرته ، و إذا أراد اللّه به غیر ذلك ترك القلب بما فیه .

و فیه من الكافی عن الصادق علیه السّلام إنّما شیعتنا أصحاب الأربعة أعین : عینان فی الرّأس ، و عینان فی القلب ، ألا و إنّ الخلایق كلّهم كذلك إلاّ أنّ اللّه عزّ و جلّ فتح أبصاركم و أعمى أبصارهم .

( و شفاء مرض أجسادكم ) هذا وارد مورد الغالب ، لأنّ عمدة سبب المرض هو

[ 276 ]

الشبع و البطنة و أهل التقوى لكونه متّصفا بقلّة الأكل و قناعته بالحلال حسبما عرفت فی الخطبة المأة و الثانیة و التّسعین و شرحها یسلم جسده غالبا من الأمراض و الأسقام .

و یرشد إلى ذلك ما رواه المحدّث الجزائرى فی زهر الرّبیع أنّ حكیما نصرانیا دخل على الصادق علیه السّلام فقال : أ فى كتاب ربّكم أم فى سنّة نبیّكم شی‏ء من الطب ؟ فقال : أما فی كتاب ربّنا فقوله تعالى كلوا و اشربوا و لا تسرفوا و أما فی سنّة نبیّنا : الاسراف فی الاكل رأس كلّ داء و الحمیّة منه أصل كلّ دواء .

و فیه أیضا عنه علیه السّلام أنه لو سئل أهل القبور عن السبب و العلّة فی موتهم لقال اكثرهم : التخمة .

و فیه أیضا قال : و روى أنّ المؤمن یاكل فی معاء واحد و الكافر یا كل فی سبعة أمعاء .

و قد تقدّم فی شرح الفصل الثانی من الخطبة المأة و التاسعة و الخمسین فصل واف فی فواید الجوع و آفات الشّبع فلیراجع ثمة .

( و صلاح فساد صدوركم ) لأنّ فساد الصدور و هو كونها ساقطة عن الاعتبار خالیة عن المنفعة إنّما ینشأ من طریان ما یفسدها من الغلّ و الحقد و الحسد و نحوها من الوساوس النّفسانیة علیها ، و بالتقوى یرتفع هذه كلّها و یحصل صلاحها ، و به یظهر أیضا معنى قوله :

( و طهور دنس أنفسكم ) لأنّ هذه الطوارى أیضا أوساخ موجبة لتدنّس النّفوس بها ، و التقوى مطهرة لذلك الدّنس و الوسخ .

( و جلاء غشاء أبصاركم ) یعنى أنّ التّقوى تجلو و تكشف غطاء أبصار البصایر و تستعدّ بذلك لادراك المعقولات ، كما أنّ الباصرة إذا ارتفع حجابها و انجلى غشاوتها تصلح لادراك المبصرات .

( و أمن فزع جاشكم ) إذ بها تحصل قوّة القلب فی الدّنیا ، و هى أمان من أفزاع یوم القیامة و أخاویفها كما قال تعالى فی سورة الأعراف فمن اتّقى و أصلح

[ 277 ]

فلا خوف علیهم و لا هم یحزنون و فی سورة النّمل من جاء بالحسنة فله خیر منها و هم من فزع یومئذ آمنون و فی سورة الأنبیاء لا یحزنهم الفزع الاكبر و تتلقّیهم الملائكة هذا یومكم الذى كنتم توعدون ( و ضیاء سواد ظلمتكم ) الظاهر أنّ المراد بالظلمة هو ظلمة القلوب الحاصلة لها من اكتساب الآثام و انهماك الشهوات ، فانّ المعاصى توجب ظلمة القلب و اسوداد الوجه ، و بالتّقوى و الطاعة یحصل له نور و ضیاء و استعداد لقبول الافاضات الالهیّة ، هذا .

و لا یخفى ما فی هذه الفقرة و ما تقدّمت علیها من الفقرات السّبع من حسن المطابقة و لطفها .

و لمّا أوصى بالتّقوى و رغّب فیها بالتنبیه على ما یترتّب علیها من الثمرات العظیمة أكّد ذلك بالأمر بملازمة الطاعة المحصّلة لها و بالغ فی المواظبة علیها فقال :

( فاجعلوا طاعة اللّه شعارا دون دثاركم ) أى بمنزلة الشّعار الملاصق للبدن لا الدّثار الذى فوق الشعار ، و هو إشارة إلى المواظبة علیها باطنا لا ظاهرا فقط ، و أكّد استبطانها بقوله :

( و دخیلا دون شعاركم ) أى داخلا فی باطنكم تحت الشعار ، و بقوله ( و لطیفا بین أضلاعكم ) و هو غایة المبالغة فی ادخالها فی الباطن ، و آكد دلالة علیه من سابقیه و الغرض منه جعلها مكنونا فی الخلد متمكّنا فی القلوب .

و قوله : ( و أمیرا فوق اموركم ) أى یكون ورودكم و صدوركم فی اموركم الدنیویّة بأمره و نهیه كسایر الامراء بالنّسبة إلى الرّعیّة .

( و منهلا لحین ورودكم ) أى مشربا تشربون من صفوها و عذبها حین الورود یوم القیامة كما قال عزّ من قائل انّ الأبرار یشربون من كأس كان مزاجها كافوراً .

عیناً یشرب بها عباد اللَّه یفجّرونها تفجیراً .

( و شفیعا لدرك طلبتكم ) أى واسطة و وسیلة لادراك مطالبكم الدّنیویّة و الاخرویة

[ 278 ]

إذ بالتّقوى و الطاعة یحصل الاستعداد لدركها كما قال تعالى و من یتّق اللَّه یجعل له مخرجاً و یرزقه من حیث لا یحتسب و من یتوكّل على اللَّه فهو حسبه انّ اللَّه بالغ أمره فقد دلّ قوله : یجعل له مخرجا ، على أنّها حصن حصین و حرز حریز بها یحصل النّجاة من الشداید و الوقایة من المكاره ، و قوله : و یرزقه من حیث لا یحتسب على أنّها كنز كاف بها یدرك المطالب و یفاز بالمآرب ، و قوله : و من یتوكل على اللّه فهو حسبه ، على أنّه تعالى كاف لمن توكّل علیه و اكتفاه ، قادر على إنجاح ما یبتغیه و یتمنّاه ( و جنّة لیوم فزعكم ) أى وقایة یوم القیامة من النّار و غضب الجبّار كما قال تعالى ثمّ ننجّی الّذین اتّقوا .

و مصابیح لبطون قبوركم ) فانّ القبر بیت الظّلمة ، و العمل الصّالح یضى‏ء قبر صاحبه كما یضی‏ء المصباح الظلمة على ما جاء فی الخبر .

( و سكنا لطول وحشتكم ) أی فی القبور فانّها بیت الغربة و الوحدة و الوحشة و الأعمال الصّالحة كما ورد فی أخبار كثیرة تتصوّر فی صور حسنة یستأنس بها صاحبها و یسكن إلیها و یطیب بها نفسه و یرفع عنه وحشة القبر .

روى فی الكافی بسنده عن سالم عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : ما من موضع قبر إلاّ و هو ینطق كلّ یوم ثلاث مرّات : أنا بیت التراب أنا بیت البلا أنا بیت الدّود .

قال علیه السّلام : فاذا دخله عبد مؤمن قال مرحبا و أهلا أما و اللّه لقد كنت احبّك و أنت تمشی على ظهری فكیف إذا دخلت بطنى فسترى ذلك .

قال : فیفسح له مدّ البصر و یفتح له باب یرى مقعده من الجنّة .

قال : و یخرج من ذلك رجل لم تر عیناه شیئا قطّ أحسن منه فیقول : یا عبد اللّه ما رأیت شیئا قط أحسن منك فیقول : أنا رأیك الحسن الّذى كنت علیه و عملك الصّالح الّذى كنت تعمله قال : ثمّ یؤخذ روحه فتوضع فی الجنّة حیث رأى منزله ثمّ یقال له : نم قریر العین فلا تزال نفحة من الجنّة یصیب جسده و یجد لذّتها و طیبها حتّى یبعث .

[ 279 ]

و فى البحار من المحاسن باسناده عن أبی بصیر عن أحدهما علیها السّلام قال : إذا مات العبد المؤمن دخل معه فی قبره ستّة صور فیهنّ صورة أحسنهنّ وجها و أبهاهنّ هیئة و أطیبهنّ ریحا و أنظفهنّ صورة .

قال : فیقف صورة عن یمینه و اخرى عن یساره و اخرى بین یدیه و اخرى خلفه و اخرى عند رجله ، و تقف الّتى هی أحسنهنّ فوق « رأسه ظ » ، فان اتى عن یمینه منعته الّتى عن یمینه ، ثم كذلك إلى أن یؤتى من الجهات السّتّ قال : فتقول أحسنهنّ صورة : و من أنتم جزاكم اللّه خیرا ؟ فتقول الّتى عن یساره : أنا الزكاة ، و تقول الّتی بین یدیه : أنا الصّیام ، و تقول الّتی خلفه : أنا الحجّ و العمرة ، و تقول الّتی عند رجلیه : أنا برّ من وصلت من إخوانك ، ثمّ یقلن : من أنت فأنت أحسننا وجها و أطیبنا ریحا و أبهانا هیئة ؟ فتقول : أنا الولایة لآل محمّد صلوات اللّه علیهم أجمعین .

( و نفسا لكرب مواطنكم ) أى سعة و روحا لكرب منازل الآخرة و مواقف القیامة ( فانّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة ) أى عوذة من المهالك المحیطة ( و مخاوف متوقّعة ) أى مخاوف الآخرة المنتظره الوقوع ( واوارنیران موقدة ) أراد به حرّ نار الجحیم .

( فمن أخذ بالتّقوى ) و عمل صالحا ( غربت ) أى بعدت و غابت ( عنه الشّدائد بعد دنوّها ) أى شداید الآخرة و أهاویلها ، و یجوز أن یراد بها الأعمّ لأنّ المتّقى بقناعته و خفّة مؤنته و اعتزاله من مخالطة أبناء الدّنیا و مجالستهم سالم غالبا من المحن و الشّداید و ایذاء أبناء النّوع .

( و احلولت له الامور بعد مرارتها ) أى صارت الأمرار الدّنیویة و الاخرویة حلوا له ، أمّا الدّنیویة كضیق العیش و الجوع و الفقر و العرى و ما ضاهاها فلما له من الرّضا بالقضاء ، و أما الاخرویة كمشاقّ الطاعات و العبادات فلكونها أحلى و ألذّ عنده من كلّ شی‏ء و إن كان مرّا فی ذوقه فی مبدء السلوك ، و ذلك لما له من علم الیقین بأنّ هذه المشقّة القلیلة توجب راحة طویلة ، و تلك المرارة الیسیرة تجلب لذّة دائمة .

[ 280 ]

( و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ) أى انكشفت عنه أمواج الفتن الدّنیویة بعد تراكمها و كثرتها ، و ذلك لأنّ الآخذ بالتقوى لكونه بمعزل من الدّنیا و أهلها سالم من الفتن و المحن التی ابتلی بها أهلها .

( و أسهلت له الصّعاب بعد انصبابها ) أى صارت الامور الصعبة و المشاق النفسانیة سهلة له بعد ایقاعها ایاه فی النصب و التعب ، و ذلك لما عرفت آنفا من أنّ المتّقى لمعرفته بعظم ما یترتّب على طاعته و تقواه من الثمرات الاخرویة یسهل علیه كلّ خطب و یهون له الشداید ( و هطلت علیه الكرامة بعد قحوطها ) شبه كرامة اللّه سبحانه الشاملة للمتقى بالمطر العظیم القطر المتتابع على سبیل الاستعارة المكنیة ، و إثبات الهطل تخییل و القحوط ترشیح . و نظیرها الفقرتان المتقدّمتان فانهما أیضا من قبیل الاستعارة المكنیة التخییلیة الترشیحیة .

و المراد أنّ أهل التقوى انصبت علیه و تتابعت فی حقه كرامة اللّه العزیز عزّ و جلّ بسبب اتصافه بالتقوى بعد احتباسها و منعها عنه ، و ذلك قبل أن یستعدّ بالتقوى لها و یشهد بذلك أی بافاضة كرامته على المتقی صریحا نصّ قوله سبحانه انّ أكرمكم عند اللّه اتقیكم .

( و تحدبت علیه الرحمة بعد نفورها ) أى تعطفت علیه الرحمة الالهیة بعد ما كانت نافرة عنه حین ما لم یكن متصفا بالتقوى و مستعدا لها ، و هذه الفقرة أیضا مثل سوابقها حیث شبه الرحمة بالناقة العاطفة على ولدها على سبیل الاستعارة بالكنایة و أثبت التحدّب تخییلا و النفور ترشیحا .

( و تفجّرت علیه النّعم بعد نضوبها ) إمّا استعارة مكنیة مثل ما مرّت تشبیها للنعم بالینابیع الجاریة المنفجرة ، فیكون ذكر التفجّر و النضوب تخییلا و ترشیحا ، أى انفجرت علیه ینابیع النعم بعد اغورارها .

و یجوز أن یراد بالتفجر التتابع بعلاقة الملازمة فیكون مجازا مرسلا ، و النعم قرینة التجوز أو ارید بالتفجر الافاضة و الجامع التتابع و الدوام فیكون استعارة تبعیة و على هذین الاحتمالین فیراد بالنضوب الفقدان مجازا و لا یخفى على المتدبّر أنّ هذین الاحتمالین یأتیان أیضا فی بعض القراین المتقدّمة كالقرینة المتأخّرة أعنى قوله :

[ 281 ]

( و وبلت علیه البركة بعد ارذاذها ) فیجوز أن تكون الاستعارة بالكنایة بأن یشبه البركة بالمطر الشدید العظیم القطر و الوبل و الارذاذ تخییل و ترشیح ، و أن تكون استعارة تبعیة بأن یستعار الوبل للفیض الكثیر و الجامع الكثرة ، و أن یكون مجازا مرسلا و یراد بالوبل النزول ، و على التقدیرین فیراد بالارذاذ القلّة و الضعف مجازا .

ثمّ بعد التنبیه على جملة من ثمرات التقوى و المنافع العظیمة المترتّبة علیها عاد إلى الأمر بها تأكیدا و تقویة لما قدّم فقال :

( فاتّقوا اللّه الذی نفعكم بموعظته ) و هى ما وعظكم بها فی كتابه المبین و لسان نبیّه الأمین و هداكم بها إلى الجنّة و أنقذكم بها من النار و أىّ منفعة أعظم من هذه و أنفع .

( و وعظكم برسالته ) التی بعث بها رسله و لم یبق عذر لعاذر بعد مواعظهم البلیغة فی ترك التقوى و الطاعة .

( و امتنّ علیكم بنعمته ) الغیر المحصاة التی لا یجوز للعاقل أن یقابلها بالكفران و یكافئها بترك التقوى و الطاعة و العصیان .

( فعبّدوا أنفسكم لعبادته ) أى ذللوها لحمل أثقال العبادة .

( و اخرجوا إلیه من حقّ طاعته ) أى من طاعته التى هو حق علیكم و ثابت فی ذمتكم ، أو من طاعته التی حقیق به عزّ و جلّ أى اخرجوا إلیه من كمال طاعته التی یلیق بحضرته .

الترجمة

میداند خداوند تبارك و تعالى صداى وحشیان را در بیابانها ، و معصیتهاى بندگان را در مكان خلوت ، و تردّد ماهیان را در دریاهاى گود ، و تلاطم آب دریاها را با بادهاى تند و زنده ، و شهادت مى‏دهم باینكه محمّد مصطفى صلوات اللّه و سلامه علیه و آله بنده نجیب خداست و ایلچى وحى او و پیغمبر رحمت اوست .

اما پس از ثناى خدا پس بدرستى كه من وصیّت میكنم شما را بتقوى و پرهیزكارى خداوندى كه ایجاد فرموده خلقت شما را و بسوى اوست بازگشت شما

[ 282 ]

و با عنایت اوست رسیدن مطالب شما و بطرف اوست قصد راه شما و بسوى اوست نشانگاه فزع و خوف شما پس بدرستیكه تقوى دواى درد قلبهاى شماست ، و چشم كورى دلهاى شما ، و شفاى ناخوشى بدنهاى شما ، و صلاح فساد سینهاى شما ،

و پاكیزگى كثافت نفسهاى شماست ، و جلاى پردهاى بصرهاى شما ، و خاطر جمعى خوف قلبهاى شما ، و روشنى سیاهى تاریكى قلب شما است .

پس بگردانید طاعت و عبادت پروردگار را لباس باطنى خودتان نه لباس ظاهرى و داخل در باطن خود نه شعار ظاهرى ، و چیزى لطیف در میان دندهاى خودتان ، و أمیر حكمران بالاى جمیع كارهاى خودتان و محل آب خور از براى زمان ورود آن ، و واسطه از براى درك مطالب خودتان ، و سپر از براى روز فزع خود و چراغها از براى بطون قبرهاى خود ، و مایه انس از براى طول وحشت خود ، و فرج و راحت از براى أندوه و محنت مواطن خودتان .

پس بدرستیكه طاعت خدا حرز است ، از مهلكه‏هاى محیطه و از محلّهاى خوفى كه متوقعست و از حرارت آتشهاى روشن شده ، پس كسیكه اخذ نمود تقوى را غایب شد از آن شدتها بعد از نزدیكى آنها باو ، و شیرین شد از براى او كارها بعد از تلخى آنها ، و منكشف شد از او موجها بعد از تراكم و تلاطم آنها ، و آسان شد از براى او كارهاى صعب بعد از مشقت انداختن آنها ، و بارید باو باران‏هاى كرامت بعد از قحطى آن ، و برگشت با مهربانى بر او رحمت خدا بعد از رمیدن آن ، و منفجر شد بر او چشمهاى نعمتها بعد از نایابى آنها ، و بارید بأو باران بركت با شدّت بعد از ضعف و قلّت آن .

پس پرهیز نمائید از خدا چنان خداوندى كه نفع بخشید بشما با موعظه بالغه خود ، و موعظه فرمود بشما با رسالت رسولان خود ، و منت گذاشت بر شما با نعمت فراوان خود ، پس ذلیل نمائید نفسهاى خودتان را با بار عبادت او ، و خارج شوید بسوى او از حق اطاعت او كه لایق حضرت او است .

[ 283 ]

الفصل الثانى

ثمّ إنّ هذا الإسلام دین اللّه الّذی اصطفاه لنفسه ، و اصطنعه على عینه ، و أصفاه خیرة خلقه ، و أقام دعائمه على محبّته ، أذلّ الادیان بعزّته ، و وضع الملل برفعه ، و أهان أعدائه بكرامته ، و خذل محادّیه بنصره ، و هدم أركان الضّلالة بركنه ، و سقى من عطش من حیاضه ، و أتاق الحیاض بمواتحه .

ثمّ جعله لا انفصام لعروته ، و لا فكّ لحلقته ، و لا انهدام لاساسه و لا زوال لدعائمه ، و لا انقلاع لشجرته ، و لا انقطاع لمدّته ، و لا عفاء لشرایعه ، و لا جذّ لفروعه ، و لا ضنك لطرقه ، و لا وعوثة لسهولته و لا سواد لوضحه ، و لا عوج لانتصابه ، و لا عصل فى عوده ، و لا وعث لفجّه ، و لا انطفآء لمصابیحه ، و لا مرارة لحلاوته .

فهو دعائم أساخ فی الحقّ أسناخها ، و ثبّت لها أساسها ، و ینابیع غزرت عیونها ، و مصابیح شبّت نیرانها ، و منار اقتدى بها سفّارها ،

و أعلام قصد بها فجاجها ، و مناهل روى بها ورّادها ، جعل اللّه فیه منتهى رضوانه ، و ذروة دعائمه ، و سنام طاعته .

[ 284 ]

فهو عند اللّه وثیق الاركان ، رفیع البنیان ، منیر البرهان ، مضى‏ء النّیران ، عزیز السّلطان ، مشرف المنار ، معوز المثار ، فشرّفوه ،

و أدّوا إلیه حقّه ، وضعوه مواضعه .

اللغة

( اصطنعه على عینه ) افتعال من الصنع و الصنع اتّخاذ الخیر لصاحبه كذا فی مجمع البیان ، و قیل : من الصنیعة و هى العطیة و الاحسان و الكرامة یقال اصطنعتك لنفسى اخترتك لأمر أستكفیكه و اصطنع خاتما أمر أن یصنع له قال تعالى فی سورة طه مخاطبا لموسى علیه السّلام و اصطنعتك لنفسى . اذهب أنت و أخوك بآیاتى . و لا تنیا فی ذكرى .

و قال الشارح المعتزلى : اصطنعه على عینه كلمة یقال لما یشتدّ الاهتمام به ، تقول للصانع : اصنع لى خاتما على عینى ، أى اصنعه صنعة كالصّنعة التی تصنعها و أنا حاضر اشاهدها .

و قال الزّمخشرى فی الكشاف فی تفسیر قوله تعالى و لتصنع على عینى لتربى و یحسن إلیك و أنا مراعیك و راقبك كما یرعى الرّجل الشى‏ء بعینه إذا اعتنى به ، و تقول للصانع اصنع هذا على عینى أنظر إلیك لئلاّ تخالف به عن مرادى و ( الخیرة ) بفتح الیاء وزان عنبة كالخیرة بسكونها اسم من اخترت الرّجل أى فضلته على غیره و ( الدّعائم ) جمع الدّعامة بالكسر عماد البیت و الخشب المنصوب للتعریش و ( حادّه ) محادّة عادّه و غاضبه و خالفه مأخوذ من الحدد و هو الغضب قال تعالى یوادّون من حادّ اللَّه و رسوله .

و ( تئق ) الحوض من باب فرح امتلأ ماء و أتاق الحیاض ملأها و ( المواتح ) جمع الماتح و هو الذى یستقى بالدّلو من المتح و هو الاستقاء یقال متحت الدّلو

[ 285 ]

أى استخرجتها و ( عروة ) الكوز مقبضه و ( الجذ ) بالذّال المعجمة القطع أو القطع المستأصل ، و فی بعض النسخ بالحاء المهملة و هو القطع و فی بعضها بالجیم و الدّال المهملة و هو القطع أیضا و الفعل فی الجمیع كمدّ .

و ( وعث ) الطریق و عوثة من باب قرب و تعب إذا شقّ على السالك فهو وعث و قیل : الوعث رمل دقیق تغیب فیه الأقدام فهو شاق ، ثمّ استعیر لكلّ أمر شاقّ من تعب و أثم و غیر ذلك ، و منه و عثاء السفر أى شدّة النصب و التعب .

و ( الوضح ) محرّكة بیاض الصبح و القمر و محجّة الطریق و ( العصل ) محرّكة الاعوجاج فی صلابة و منه العصال بالكسر و هو السهم المعوّج و ( الفج ) الطریق الواسع بین الجبلین و ( ساخت ) قوائمه فی الأرض أى غابت و ساخت بهم الأرض أى خسفت و یعدى بالهمزة فیقال : أساخه اللّه و ( الینبوع ) العین ینبع منه الماء أى یخرج و قیل : الجدول الكثیر الماء و هو أنسب و ( غزر ) الماء بضمّ الزّاء المعجمة غزارة كثر فهو غزیر و ( شبت نیرانها ) بضمّ الشین بالبناء على المفعول أى اوقدت و ( ورّادها ) جمع وارد قال الشارح المعتزلى : و روى روّادها جمع رائد و هو الذى یسبق القوم فیرتاد لهم الماء و الكلاء و ( ذروة ) الشی‏ء بالكسر و الضمّ أعلاه و ( سنام ) بالفتح وزان سحاب أیضا أعلاه و ( عوز ) الشی‏ء عوزا من باب تعب عزّ فلم یوجد ، و عزت الشی‏ء أعوزه من باب قال احتجت إلیه فلم أجده ، و أعوزنى مثل أعجزنى وزنا و معنى ، و أعوز الرّجل إعوازا افتقر ، و أعوزه الدّهر أفقره و ( ثار ) الغبار یثور ثورا وثورانا هاج ، و ثار به الناس أى وثبوا علیه ، و فلان أثار الفتنة أى هیّجها ، و المثار مصدر أو اسم للمكان .

الاعراب

قوله : على عینه ظرف مستقرّ حال من فاعل اصطنع ، و قوله : على محبّة یحتمل أن یكون ظرف لغو متعلّق بقوله أقام فالضمیر راجع إلى اللّه ، و أن یكون ظرفا مستقرّا حالا من فاعل أقام أو من الضمیر فی دعائمه ، فالضمیر فیه على الأوّل

[ 286 ]

أیضا راجع إلى اللّه ، و على الثانى فیعود إلى الاسلام ، و یجوز جعل على بمعنى اللاّم للتعلیل كما فى قوله تعالى و لتكبّروا اللّه على ما هدیكم و على هذا فایضا ظرف لغو و الضّمیر یصحّ عوده إلى اللّه و إلى الاسلام فتدبّر ، و الباء فی قوله : بعزّته للسّببیّة ، و قوله : ثمّ جعله لا انفصام لعروته المفعول الثّانی لجعل محذوف و جملة لا انفصام لعروته صفة له .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لمّا أوصى فی الفصل السّابق بالتّقوى و الطّاعة أردفه بهذا الفصل المتضمّن لشرف الاسلام و فضایله لكونهما من شئونه فقال :

( ثمّ إنّ هذا الاسلام دین اللّه ) أى لا دین مرضىّ عند اللّه سوى الاسلام و هو التّوحید و التّدرّع بالشّرع الّذی جاء به محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كما قال تعالى انّ الدّین عند اللَّه الاسلام و قال و من یبتغ غیر الاسلام دیناً فلن یقبل منه و هو فی الآخرة من الخاسرین أى من یطلب غیره دینا یدین به لن یقبل منه بل یعاقب علیه و هو من الهالكین فی الآخرة ، و فیه دلالة على أنّ الدّین و الاسلام واحد و هما عبارتان عن معبر واحد ، و هو التّسلیم و الانقیاد بما جاء به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و هو ( الّذی اصطفاه ) اللّه و اختاره من بین سایر الأدیان ( لنفسه ) أى لأن یكون طریقا إلى معرفته و طاعته مؤدّیا إلى جنّته .

( و اصطنعه على عینه ) أى اتّخذه صنعة و اختاره حالكونه مراعیا حافظا له مراقبا علیه مشاهدا ایّاه ، و یجوز جعل العین مجازا فی العلم فیكون المعنى أنّه اصطنعه و أسّس قواعده على ما ینبغى و على علم منه به أى حالكونه عالما بدقایقه و نكاته أو بشرفه و فضله .

و یحتمل أن یكون معنى اصطنعه أنّه طلب صنعته أى انّه أمر بصنعته و القیام به حالكونه بمرئى منه أى كالمصنوع المشاهد له ، و ذلك أنّ من صنع لغیره شیئا و هو ینظر إلیه صنعه كما یحبّ و لا یتهیّأ له خلافه أو أنّه أمر بأن یصنع أی بصنعه

[ 287 ]

و صنیعته أى بكرامته و الاتیان به على وجه الكمال .

و على هذا الاحتمال فالصّانع له أى المأمور بالصّنعة و الصنع و الصنیعة المكلّفون المطلوب منهم الاسلام .

و هذا نظیر ما قاله المفسّرون فی قوله تعالى و لتصنع على عینی على قراءة لتصنع بلفظ الأمر مبنیّا للمفعول . إنّ المعنى لیصنعك غیرك أى لتربّى و تغذّى و یحسن إلیك بمرئى منّی أى یجرى امرك على ما ارید من الرّفاهة .

( و أصفاه خیرة خلقه ) أى آثر و اختار للبعثة به خیرة خلقه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، أو جعل خیرة خلقه خالصا لتبلیغه دون غیره .

( و أقام دعائمه على محبّته ) أى أثبت أركان الاسلام فوق محبّته تعالى ، فانّ من أحبّه سبحانه أسلم له ، أو أنّه قام دعائم حالكونه تعالى محبّا له أو حالكون الاسلام محبوبا له تعالى ، أو لأجل حبّه إیاه ، أو لأجل محبوبیّته عنده على الاحتمالات المتقدّمة فی الاعراب .

ثمّ المراد بدعائمه إما مطلق أركانه التی یأتی تفصیلها منه علیه السّلام فی أوائل باب المختار من حكمه و هو الأنسب .

أو خصوص ما اشیر إلیه فی الحدیث المرویّ فی البحار من أمالى الصدوق بسنده عن المفضل عن الصادق علیه السّلام قال : بنی الاسلام على خمس دعائم : على الصّلاة ،

و الزّكاة ، و الصوم ، و الحجّ ، و ولایة أمیر المؤمنین و الأئمّة من ولده صلوات اللّه علیهم ( أذلّ الأدیان بعزّته ) أراد بذلّتها نسخها أو المراد ذلّة أهلها على حذف المضاف و یحتملهما قوله ( و وضع الملل برفعه ) و یصدّق هاتین القرینتین صریحا قوله تعالى ارسل رسوله بالهدى و دین الحقّ لیظهره على الدّین كلّه .

( و أهان أعداءه بكرامته ) أى أهان أعداء الاسلام و هم الیهود و النصارى و المشركون و كلّ من عانده و لم یتدیّن به من أهل الملل المتقدّمة ، و إهانتهم بالقتل و الاستیصال و أخذ الجزیة و الذلّ و الصّغار .

( و خذل محادّیه بنصره ) أى ترك نصرة المخالفین للاسلام المحادّین له و أخزاهم

[ 288 ]

بنصرته للاسلام و أهله .

( و هدم أركان الضّلالة بركنه ) ركن الشی‏ء جانبه الّذى یستند إلیه و یقوم به ، فاستعار أركان الضلالة للعقاید المضلّة أو رؤساء أهل الضّلالة أو الأصنام ، و أراد بركنه أصوله و قواعده أو النّبی أو كلمة التوحید .

( و سقى من عطش من حیاضه ) المراد بمن عطش الجاهل بقواعد الاسلام المبتغی له ، و بالحیاض النّبی و الأئمّة سلام اللّه علیهم المملوون بمیاه العلوم الحقّة ، أو الأعمّ الشامل للعلماء الرّاشدین أیضا و یسقیه هدایته له إلى الاستفادة و أخذ علوم الدّین عنهم علیهم السّلام .

( و أتاق الحیاض بمواتحه ) أى ملأ صدور اولى العلم علیهم السّلام من زلال المعارف الحقّة و العلوم الدّینیة بوساطة المبلّغین من اللّه تعالى من الملائكة و روح القدس و الالهامات الالهیّة . و إن ارید بالحیاض الأعمّ الشامل للعلماء فیعمّم المواتح للأئمة لأنهم یستفیدون من علومهم علیهم السّلام و یستضیئون بأنوارهم علیهم السّلام و قیل هنا : معان اخر ، و الأظهر ما قلناه .

( ثمّ جعله ) وثیقا ( لا انفصام لعروته ) كما قال تعالى قد تبیّن الرّشد من الغیّ فمن یكفر بالطاغوت و یؤمن باللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .

قال أمین الاسلام الطبرسی « قد » قد ظهر الایمان من الكفر و الحقّ من الباطل ،

فمن یكفر بما خالف أمر اللّه و یصدق باللّه و بما جاءت به رسله فقد تمسّك و اعتصم بالعصمة الوثیقة و عقد لنفسه من الدّین عقدا وثیقا لا یحلّه شبهة ، لا انفصام لها أى لا انقطاع لها كما لا ینقطع من تمسك بالعروة كذلك لا ینقطع أمر من تمسّك بالایمان ،

و محصّله أنّ من اعتصم بعروة الاسلام فهی تؤدّیه إلى غایة مقصده من رضاء الحقّ و رضوانه و نزول غرفات جنانه لأنّها وثیقة لا ینقطع و لا تنفصم .

( و ) جعله محكما ( لا فكّ لحلقته ) قال الشّارح البحرانی : كنایة عن عدم انقهار أهله و جماعته .

[ 289 ]

( و ) مشیّدا ( لا انهدام لأساسه ) قال البحرانی : استعار لفظ الأساس للكتاب و السّنة الّذین هما أساس الاسلام ، و لفظ الانهدام لاضمحلالهما انتهى ، و لا بأس به ، و قد یفسّر فی بعض الرّوایات بالولایة .

و هو ما رواه فی البحار من أمالی الشیخ باسناده عن جابر بن یزید عن أبی جعفر محمّد بن علیّ بن الحسین عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام قال : لمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مناسكه من حجّة الوداع ركب راحلته و أنشأ یقول : لا یدخل الجنّة إلاّ من كان مسلما ، فقام الیه أبو ذر الغفارى فقال : یا رسول اللّه و ما الاسلام ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الاسلام عریان و لباسه التقوى ، و زینته الحیاء ، و ملاكه 1 الورع و كماله الدّین ، و ثمرته العمل ، و لكلّ شی‏ء أساس و أساس الاسلام حبّنا أهل البیت .

( و ) ثابتا ( لا زوال لدعائمه ) قال البحرانی : استعار لفظ الدّعائم لعلمائه أو للكتاب و السنة و قوانینهما ، و أراد بعدم زوالها عدم انقراض العلماء أو عدم القوانین الشرعیّة ، انتهى .

و الأولى أن یراد بالدّعائم ما یأتی تفصیلها منه علیه السّلام فی أوائل باب المختار من حكمه علیه السّلام و هو ثالث أبواب النّهج .

( و ) راسخا ( لا انقلاع لشجرته ) الظاهر أنّه من قبیل اضافة المشبّه به على المشبّه كما فی لجین الماء ، و المراد أنّ الاسلام كشجرة ثابتة أصلها ثابت و فرعها فى السماء كما اشیر الیه فی قوله مثل كلمة طیّبة كشجرة طیّبة الآیة .

قال الطبرسی : قال ابن عبّاس : هی كلمة التوحید شهادة أن لا إله إلاّ اللّه كشجرة زاكیة نامیة راسخة اصولها فى الأرض عالیة أغصانها ، و ثمارها فی السماء ،

و أراد به المبالغة فی الرّفعة و الأصل سافل و الفرع عال إلاّ أنه یتوصّل من الأصل إلى الفرع .

قال : و قیل : انّه سبحانه شبّه الایمان بالنّخلة لثبات الایمان فی قلب المؤمن كثبات النخلة فی منبتها ، و شبّه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة ،

-----------
( 1 ) أى قوامه و نظامه م

[ 290 ]

و شبّه ما یكسبه المؤمنون من بركة الایمان و ثوابه فی كلّ وقت و حین بما ینال من ثمرة النخلة فی أوقات السّنة كلّها من الرّطب و التّمر .

و فى البحار من علل الشرایع باسناده عن معمّر بن قتادة عن أنس بن مالك فی حدیث قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال حبیبی جبرئیل علیه السّلام : إنّ مثل هذا الدّین كمثل شجرة ثابتة الایمان أصلها ، و الصّلاة ، عروقها ، و الزّكاة ماؤها ، و الصّوم سعفها ، و حسن الخلق ورقها ، و الكفّ عن المحارم ثمرها ، فلا تكمل شجرة إلاّ بالثمر كذلك الایمان لا یكمل إلاّ بالكفّ عن المحارم .

( و ) متمادیا ( لا انقطاع لمدّته ) لاستمراره و بقائه إلى یوم القیامة .

( و ) جدیدا ( لا عفاء لشرایعه ) أى لا اندراس لما شرع اللّه منه لعباده و لا انمحاء لطرقه و شعبه الّتی یذهب بسالكها إلى حظایر القدس و محافل الانس ( و ) زاكیا ( لا جذّ لفروعه ) أى لا ینقطع ما یتفرّع علیه من الأحكام الّتی یستنبطها المجتهدون بأفكارهم السلیمة من الكتاب و السّنة ، و یحتمل أن یراد بها ما یتفرّع علیه من الثّمرات و المنافع الدنیویّة و الاخرویة .

( و ) وسیعا ( لا ضنك لطرقه ) أى لا ضیق لمسالكه بحیث یشقّ على السّالكین سلوكه ، و المراد أنها ملّة سمحة سهلة لیس فیها ثقل على المكلّفین كما كان فی الملل السّابقة .

قال تعالى الّذین یتّبعون الرّسول النّبی الامیّ الّذى یجدونه مكتوباً عندهم فی التوریة و الانجیل یأمرهم بالمعروف و ینهیهم عن المنكر و یحلّ لهم الطیّبات و یحرّم علیهم الخبائث و یضع عنهم اصرهم و الأغلال الّتی كانت علیهم .

قال أمین الاسلام الطبرسی : معناه یبیح لهم المستلذّات الحسنة و یحرّم علیهم القبایح و ما تعافه الأنفس ، و قیل : یحلّ لهم ما اكتسبوه من وجه طیّب و یحرّم علیهم ما اكتسبوه من وجه خبیث ، و قیل : یحلّ لهم ما حرّمه علیهم رهبانیّهم و أحبارهم و ما كان یحرّمه أهل الجاهلیة من البحائر و السوائب و غیرها ، و یحرّم علیهم المیتة و الدّم و لحم الخنزیر و ما ذكر معها .

و یضع عنهم إصرهم أى ثقلهم شبّه ما كان على بنی إسرائیل من التكلیف الشدید

[ 291 ]

بالثقل ، و ذلك إن اللّه سبحانه جعل توبتهم أن یقتل بعضهم و جعل توبة هذه الامّة الندم بالقلب حرمة للنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و الاغلال الّتی كانت علیهم قیل : یرید بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم فی التوبة و قرض ما یصیبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلك من تحریم السّبت و تحریم العروق و الشحوم و قطع الأعضاء الخاطئة و وجوب القصاص دون الدّیة انتهى .

و قیل : الاصر الثقل الّذى یأصر حامله أى یحبسه فى مكانه لفرط ثقله .

و قال الزّمخشرى : هو مثل لثقل تكلیفهم و صعوبته نحو اشتراط قتل الأنفس فى صحّة توبتهم ، و كذلك الاغلال مثل لما كان فى شرایعهم من الأشیاء الشّاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطاء من غیر شرع الدّیة ، و قطع الأعضاء الخاطئة ،

و قرض موضع النّجاسة من الجلد و الثوب و إحراق الغنایم ، و تحریم العروق فى اللّحم و تحریم السبت .

و عن عطا كانت بنو اسرائیل إذا قامت تصلّى لبسوا المسوح و غلّوا أیدیهم إلى الأعناق ، و ربّما ثقب الرّجل ترقوته و جعل فیها طرف السّلسلة و أوثقها إلى السّاریة یحبس نفسه على العبادة .

( و ) سهلا ( لا وعوثة لسهولته ) یعنی أنّه على حدّ الاعتدال من السهولة ، و لیس سهلا مفرطا كالوعث من الطریق یتعسّر سلوكه و یشقّ المشى فیه لرسوب الأقدام .

( و ) واضحا ( لا سواد لوضحه ) یعنى أنّ بیاضه لا یشوبه الظلام كما قال النّبى صلّى اللّه علیه و آله :

بعثت الیكم بالحنیفیّة السمحقة السهلة البیضاء ، و بیاضه كنایة عن صفائه عن كدر الباطل .

( و ) مستقیما ( لا عوج لانتصابه ) أى لا اعوجاج لقیامه كما قال تعالى قل انّنى هدانى ربّى الى صراط مستقیم . دیناً قیماً ملّة إبراهیم حنیفاً و ما كان من المشركین و المراد أنّه صراط مستقیم مؤدّ لسالكه إلى الجنّة ، و رضوان اللّه تعالى لیس فیه عوج و لا أمت .

( و ) مستویا ( لا عصل فى عوده ) و هو أیضا كنایة عن استقامته و ادائه إلى الحقّ .

( و ) یسیرا ( لا وعث لفجّه ) أراد بالفجّ مطلق الطریق مجازا من إطلاق المقیّد