[ 292 ]

على المطلق و یمكن إرادة المعنى الحقیقى و یكون النظر فى التشبیه إلى أنه الجادّة الوسطى بین طرفى الافراط و التفریط ، كما أنّ الفجّ هو الطریق الواسع بین الجبلین .

( و ) مضیئا ( لا انطفاء لمصابیحه ) الظاهر أنّ المراد بمصابیحه أئمة الدّین و أعلام الیقین الذینهم مصابیح الدّجى و منار الهدى ، و أراد بعدم انطفائها عدم خلوّ الأرض منهم علیهم السّلام .

( و ) حلوا ( لا مرارة لحلاوته ) لأنه أحلى و ألذّ فى أذواق المتدیّنین من كلّ حلو ، و لذیذ لا یشوبه مرارة مشقّة التكلیف .

كما قال الصادق علیه السّلام فی قوله تعالى یا ایها الذین آمنوا كتب علیكم الصیام :

لذّة ما فى النداء أزال تعب العبادة و العناء .

( فهو دعائم أساخ فى الحقّ أسناخها ) یعنى أنّ الاسلام دعائم العبودیّة فلا ینافى حملها علیه هنا لما تقدّم سابقا من إضافتها إلیه فى قوله : أقام دعائمه على محبّته ،

و قوله : و لا زوال لدعائمه ، نظرا إلى أنّ ظهور الاضافة فی التغایر .

وجه عدم المنافاة أنّ الغرض فیما سبق تشبیه الاسلام و الدّین بالبیت فأثبت له الدّعائم على سبیل الاستعارة المكنیّة التخییلیة ، فهو لا ینافى كون الاسلام نفسه أیضا دعائم لكن للعبودیّة .

و یمكن دفع المنافاة بوجه آخر و هو أنّا قد بیّنا فیما سبق أنّ المراد بدعائم الاسلام إمّا الدعائم الّتی یأتی تفصیلها منه علیه السّلام فی باب المختار من حكمه أو خصوص العبادات الخمس أعنى الصلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و الولایة حسبما اشیر إلیه فی الحدیث الذى رویناه من البحار و فی أحادیث كثیرة غیره تركنا ذكرها ،

و على أىّ تقدیر فلمّا كان قوام الاسلام بتلك الدّعائم و ثباته علیها حتّى أنّه بدونها لا ینتفع بشی‏ء من أجزائه فجعله نفس تلك الدّعائم مبالغة من باب زید عدل .

و یوضح ذلك ما فی البحار من الكافی عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : الصّلاة عمود دینكم .

و فى الكافى أیضا باسناده عن عبید بن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال

[ 293 ]

رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : مثل الصّلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و الغشاء ، و إذا انكسر العمود لم ینفع طناب و لاوتد و لا غشاء .

و أما قوله : أساخ فی الحقّ أسناخها ، فمعناه أنّه تعالى أثبت اصولها فی الحقّ یعنی أنّه بناء محكم بنی على الحقّ و ثبت قوائمة علیه دون الباطل كما قال تعالى فأقم وجهك للدّین حنیفاً فطرة اللَّه الّتی فطر النّاس علیها لا تبدیل لخلق اللَّه ذلك الدّین القیّم أى ذلك الدّین المستقیم الحقّ .

( و ثبّت لها أساسها ) أى أحكم لهذه الدّعائم أبنیتها .

( و ینابیع غزرت عیونها ) یعنی جداول و أنهار كثیرة ماء عیونها الّتى تجریان منها ، و الظاهر أنّه من التّشبیه البلیغ ، و المراد أنّ الاسلام بما تضمّنه من الأحكام الكثیرة الاسلامیّة بمنزلة ینابیع وصفها ما ذكر ، و وجه الشّبه أنّ الینابیع منبع مادّة حیاة الأبدان و الأحكام الاسلامیّة منشأ مادّة حیاة الأرواح ، إذ بامتثالها یحصل القرب من اللّه المحصّل لحیاة الأبد .

و فی وصف المشبّه به بغزارة العیون إشارة إلى ملاحظة ذلك الوصف فی جانب المشبّه أیضا لأنّ الأحكام الاسلامیّة صادرة عن صدر النّبوّة و صدور الأئمة الّتی هى معادن العلوم الالهیّة و عیونها ، و كفى بها كثرة و غزارة .

( و مصابیح شبّت نیرانها ) و هو أیضا من التّشبیه البلیغ ، یعنی أنّ الاسلام بما فیه من الطّاعات و العبادات الّتی من وظایفه مثل المصابیح الموقدة النّیران المشتعلة الّتی هی فی غایة الاضاءة ، و وجه الشّبه أنّ المصابیح الّتی وصفها ذلك كما أنها ترفع الظلام المحسوسة ، فكذلك الطاعات الموظفة فی دین الاسلام إذا اقیست علیها تنوّر القلوب و تجلو ظلمتها المعقولة .

( و منار اقتدى بها سفّارها ) یعنی أنّه بما فیه من الأدلّة السّاطعة و البراهین القاطعة الّتی یستدلّ بها العلماء فی المقاصد ، مثل منائر یهتدى بها المسافرون فی الفلوات ، و إضافة سفار إلى ضمیر المنار من التّوسع .

و مثله قوله ( و أعلام قصد بها فجاجها ) أى مثل أعلام قصد بنصب تلك الأعلام

[ 294 ]

إهداء المسافرین فی تلك الفجاج .

( و مناهل روى بها ورّادها ) یعنی أنّه بما فیه من العلوم الاسلامیّة النقلیّة و العقلیّة بمنزلة مشارب تروى بمائها العطاش الواردون إلیها .

( جعل اللّه فیه منتهى رضوانه ) أى غایة رضاه لكونه أتمّ الوسایل و أكملها فی الایصال إلى قربه و زلفاه كما اشیر إلیه فی قوله أكملت لكم دینكم و اتممت علیكم نعمتی و رضیت لكم الاسلام دیناً و قوله انّ الدّین عند اللَّه الاسلام .

( و ذروة دعائمه ) الظاهر أنّ المراد بالدعائم العبادات التی بنیت علیها بیت العبودیّة ، و لما كان دین الاسلام أشرف الأدیان و أفضلها تكون العبادات الموظفة فیه أفضل العبادات و أعلاها ، و إضافة الدعائم إلى اللّه من باب التّشریف و التكریم باعتبار أنّها مجعولات له سبحانه أو من أجل كونها مطلوبة له تعالى .

و به یظهر أیضا معنى قوله ( و سنام طاعته ) و یستفاد من بعض الأخبار أنّ ذروة الاسلام و سنامه هو خصوص الجهاد .

و هو ما رواه فی البحار من الكافی باسناده عن سلیمان بن خالد عن أبیجعفر علیه السّلام قال : ألا اخبرك بأصل الاسلام و فرعه و ذروة سنامه ؟ قلت : بلى جعلت فداك ،

قال : أمّا أصله فالصّلاة ، و فرعه الزّكاة ، و ذروة سنامه الجهاد .

قال المحدّث العلامة المجلسی : الاضافة فی ذروة سنامه بیانیّة أو لامیّة إذ للسّنام الذى هو ذروة البعیر ذروة أیضا هو أرفع أجزائه ، و إنما صارت الصلاة أصل الاسلام لأنه بدونها لا یثبت على ساق ، و الزّكاة فرعه لأنه بدونها لا تتمّ ، و الجهاد ذروة سنامه لأنه سبب لعلوّه و ارتفاعه ، و قیل : لأنه فوق كل برّ كما ورد فی الخبر و كیف كان ( فهو عند اللّه وثیق الأركان ) لابتنائه على أدلّة محكمة و اصول متقنة ( رفیع البنیان ) كنایة عن علوّ شأنه و رفعة قدره على سایر الأدیان .

( منیر البرهان ) أى الدّلیل الدّال على حقیّته من الآیات و المعجزات الباهرة منیر واضح .

( مضی‏ء النیران ) كنایة عن كون أنواره أى العلوم و الحكم الثاقبة التی فیه فی غایة

[ 295 ]

الضیاء بحیث لا تخفى على الناظر المتدبّر .

( عزیز السلطان ) یرید أنّ حجّته قویّة أو أنّ سلطنته غالبة على سایر الأدیان كما قال تعالى لیظهره على الدّین كلّه .

( مشرف المنار ) أى مرتفع المنارة قال الشارح البحرانی : و كنى به عن علوّ قدر علمائه و أئمته و انتشار فضلهم و الهدایة بهم .

( معوز المثار ) قیل : أى یعجز الناس ازعاجه و إثارته لقوّته و ثباته و متانته و قال البحرانی : أى یعجز الخلق إثارة دفائنه و استخراج ما فیه من كنوز الحكمة و لا یمكنهم استقصاؤها ، و فی بعض النسخ معوز المثال أى یعجز الخلق عن الاتیان بمثله ، و فی بعضها معوز المنال أى یعجزون عن النیل و الوصول إلى نكاته و دقائقه و أسراره .

( فشرّفوه ) أى عظّموه و عدّوه شریفا و اعتقدوه كذلك ( و اتّبعوه و أدّوا إلیه حقّه ) أى ما یحقّه من الاتّباع الكامل ( و ضعوه مواضعه ) أراد به الكفّ عن تغییر أحكامه و العلم بمرتبته و مقداره الذى جعله اللّه له ، أو العمل بجمیع ما تضمّنه من الأوامر و النواهی ، و فّقنا اللّه لذلك بجاه محمّد و آله سلام اللّه علیه و علیهم .

الترجمة

فصل ثانى از این خطبه شریفه در وصف اسلام است و ذكر فضایل آن میفرماید :

پس بدرستى این اسلام دین خداست كه پسند فرموده آنرا از براى خودش و برگزیده آنرا در حالتى كه عالمست بفضیلت آن ، و خالص گردانیده بأو بهترین خلق خود را كه پیغمبر آخر الزّمان صلّى اللّه علیه و آله باشد ، و بر پا داشته ستونهاى آن را بر بالاى محبّت خود ، ذلیل نموده دینها را بسبب عزیزى آن ، و پست فرموده ملّتها را بجهت بلندى آن ، و خوار نموده دشمنهاى خود را بجهت گرامى داشتن آن ، و ذلیل كرده معاندین خود را با یارى كردن آن ، و خراب كرده أركان ضلالت و گمراهى را با ركن آن ، و سیراب فرموده تشنگان را از حوضهاى آن ، و پر كرده حوضها را

[ 296 ]

با آب كشندگان آن .

پس گردانیده آن را كه گسیخته نمى‏شود جاى دستگیر آن ، و فك نمیشود حلقه آن ، و خرابى نیست اساس آن را و زوال نیست ستونهاى آن را ، و بر كندگى نیست درخت آن را ، و انقطاع نیست مدّت او را ، و اندراس نیست شریعتهاى او را و بریدگى نیست شاخهاى او را ، و تنگى نیست راههاى آنرا ، و دشوارى نیست أز براى سهولت آن ، و سیاهى نیست از براى سفیدى آن ، و كجى نیست أز براى استقامت آن و اعوجاج نیست از براى چوب آن ، و صعوبت نیست از براى راههاى آن ،

و خاموشى نیست چراغهاى آن را ، و تلخى نیست شیرینی آنرا .

پس آن اسلام ستونهائیست كه ثابت و محكم كرده خدا در حقّ اصلهاى آنها را ، و بغایت مستحكم نموده از براى آنها بنیانهاى آنها را ، و نهرهاى پر آبیست كه زیاده است آبهاى چشمهاى آنها ، و چراغهائیست كه أفروخته شده آتشهای آنها و مناره‏هائیست كه هدایت یافته با آنها مسافران آنها ، و علمهائیست كه قصد كرده شده با آنها راه روندگان گدوكهاى آنها ، و سرچشمهائیست كه سیراب شده با آنها واردین بآنها ، گردانیده است خداوند تبارك و تعالى در او غایت رضاى خود را ، و بلندتر ستونهاى خود را ، و كوهان طاعت خود را .

پس او است در نزد خدا كه محكم است ركنهاى آن ، و بلند است بنائى آن نورانى است دلیل آن ، روشن است آتشهاى آن ، عزیز است سلطنت آن ، بلند است مناره آن ، نا یابست معارضه گرى آن ، پس مشرّف و گرامى دارید او را ، و تبعیّت نمائید بآن ، و أدا كنید بأو حقّ او را و بگذارید او را جائیكه لایق او است .

[ 297 ]

الفصل الثالث و الرابع فى بعثة النبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و نبذ من فضایل القران

ثمّ إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله حین دنا من الدّنیا الانقطاع ، و أقبل من الآخرة الاطّلاع ، و أظلمت بهجتها بعد إشراق ، و قامت بأهلها على ساق ، و خشن منها مهاد ، و أزف منها قیاد ، فی انقطاع من مدّتها ،

و اقتراب من أشراطها ، و تصرّم من أهلها ، و انفصام من حلقتها ، و انتشار من سببها ، و عفآء من أعلامها ، و تكشّف من عوراتها ، و قصر من طولها جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته ، و كرامة لامّته ، و ربیعا لاهل زمانه ، و رفعة لاعوانه ، و شرفا لأنصاره .

ثمّ أنزل علیه الكتاب نورا لا تطفا مصابیحه ، و سراجا لا یخبو توقّده و بحرا لا یدرك قعره ، و منهاجا لا یضلّ نهجه ، و شعاعا لا یظلم ضوئه و فرقانا لا یخمد برهانه ، و بنیانا لا تهدم أركانه ، و شفآء لا تخشى أسقامه و عزّا لا تهزم أنصاره ، و حقّا لا تخذل أعوانه .

فهو معدن الایمان و بحبوحته ، و ینابیع العلم و بحوره ، و ریاض العدل و غدرانه و أثافیّ الاسلام و بنیانه ، و أودیة الحقّ و غیطانه ، و بحر

[ 298 ]

لا ینزفه المستنزفون « المنتزفون خ ل » ، و عیون لا ینضبها الماتحون ،

و مناهل لا یغیضها الواردون و منازل لا یضلّ نهجها المسافرون ، و أعلام لا یعمى عنها السّایرن ، و آكام لا یجوز عنها القاصدون .

جعله اللّه ریّا لعطش العلمآء ، و ربیعا لقلوب الفقهاء ، و محاجّ لطرق الصّلحاء ، و دوآء لیس معه « بعده خ ل » داء ، و نورا لیس معه ظلمة و حبلا وثیقا عروته ، و معقلا منیعا ذروته ، و عزّا لمن تولاّه ، و سلما لمن دخله ، و هدى لمن ائتمّ به ، و عذرا لمن انتحله ، و برهانا لمن تكلّم به ، و شاهدا لمن خاصم به ، و فلجا لمن حاجّ به ، و حاملا لمن حمله ، و مطیّة لمن أعمله ، و آیة لمن توسّم ، و جنّة لمن استلام ، و علما لمن وعى ، و حدیثا لمن روى ، و حكما لمن قضى .

اللغة

( الاطلاع ) الاشراف من موضع عال و ( السّاق ) الشّدّة قال تعالى و التفّت السّاق بالساق أى اتّصلت آخر شدّة الدّنیا بأوّل شدّة الآخرة و ( المهاد ) بالكسر كالمهد موضع یهیّا للصّبی و الفراش و ( قاد ) الرّجل الفرس قودا من باب قال و قیادا بالكسر و هو نقیض السّوق قال الخلیل : القود أن یكون الرّجل أمام الدّابة آخذا بقیادها ، و السّوق أن یكون خلفها ، فان قادها لنفسه قیل : اقتادها ، و المقود بالكسر الحبل یقاد به ، و القیاد مثله مثل لحاف و ملحف .

و ( العورة ) السوءة و كلّ أمر یستحى منه و ( الطول ) الامتداد یقول طال الشی‏ء

[ 299 ]

طولا بالضمّ امتدّ و خلاف العرض ، و فی بعض النسخ من طولها وزان عنب و هو حبل تشدّ به قائمة الدّابة أو تشدّ و تمسك طرفه و ترسلها ترعى ، و طال طولك و طیلك و طیالك أى عمرك أو مكثك أو غیبتك .

( و منهاجا لا یضلّ نهجه ) المنهاج و النهج وزان فلس الطریق الواضح ، و نهج الطریق نهجا من باب منع سلكه ، و یضلّ من باب الافعال و فی بعض النسخ بصیغة المجرّد .

و ( الغدران ) جمع الغدیر و هو النهر و ( الأثافی ) بفتح الهمزة و تشدید الیاء كاثاف جمع الاثفیة بالضمّ و بالكسر و هو الحجر یوضع علیه القدر و الأثافی الأحجار الموضع علیها القدر على شكل مثلّث و ( نضب ) الماء نضوبا من باب قعد غار فی الأرض و ینضب بالكسر من باب ضرب لغة .

و ( غاض ) الماء غیضا من باب سار نضب و قلّ ، و غاضه اللّه بتعدّى و لا یتعدّى فالماء مغیض قال الشارح المعتزلی و روى لا یغیضها بالضمّ على قول من قال أغضت الماء و هی لغة غیر مشهورة .

و ( الأكمة ) بالتحریك التلّ ، و قیل : شرفة كالرّابیة و هو ما اجتمع من الحجارة فی مكان واحد ، و ربّما غلظ و الجمع اكم و اكمات مثل قصبة و قصب و قصبات و جمع الاكم اكام مثل جبل و جبال ، و جمع الاكام اكم بضمّتین مثل كتاب و كتب و جمع الاكم أكام مثل عنق و أعناق هكذا قال الفیومی .

و ( المحجّة ) بالفتح جادّة الطریق و ( الفلج ) بالضّم اسم من الفلج و هو الظفر و الفوز و فلج بحجّته أثبتها ، و أفلج اللّه حجّته أظهرها و ( وعى ) الحدیث وعیا من باب وعد حفظه و جمعه و تدبّره .

الاعراب

قوله : فی انقطاع من مدّتها ظرف لغو متعلّق بقوله أزف و فی بمعنى مع و یحتمل أن یكون ظرفا مستقرّا متعلّقا بمقدّر حالا من قیاد ، و قوله : نورا بدل من الكتاب ، و قوله : و منهاجا لا یضلّ نهجه إن كان من باب الافعال فنهجه منصوب على

[ 300 ]

المفعول و الفاعل ضمیر مستكن راجع إلى منهاجا ، و إن كان بصیغة المجرّد فهو مرفوع على الفاعل و اسناد الفعل الیه من المجاز العقلی أو المصدر بمعنى الفاعل فمجاز لغویّ و الاسناد حینئذ على حقیقته .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لمّا ذكر فی الفصل السّابق فضل الاسلام و شرفه أردفه بهذا الفصل و أشار فیه إلى بعثة من جاء بالاسلام ، و شرح حال زمان البعثة تنبیها بذلك على عظم ما ترتّب على بعثه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الفوائد العظیمة ، ثمّ عقّب بذكر أعظم نعمة أنعم اللّه به على عباده ببعثه و هو تنزیل الكتاب العزیز و ذلك قوله :

( ثمّ إن اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) بالهدى و دین الحقّ ( حین دنا من الدّنیا الانقطاع و أقبل من الآخرة الاطلاع ) الظاهر أنّ المراد به قرب انقطاع دنیا كلّ امّة و إقبال آخرتهم بحضور موتهم حسبما عرفت تفصیله فى شرح قوله : أمّا بعد فانّ الدّنیا قد أدبرت و آذنت بوداع و أنّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع ، من الخطبة الثامنة و العشرین .

و یحتمل أن یراد به قرب زوالها بالكلّیة و إشراف الآخرة و القیامة الكبرى بناء على أنّ ما مرّ من عمر الدّنیا أكثر ممّا بقى ، و یعضده بعض الأخبار .

مثل ما رواه فی البحار من البرسی فی مشارق الأنوار عن الثمالی عن علیّ ابن الحسین علیهما السّلام قال : إنّ اللّه خلق محمّدا و علیّا و الطیّبین من ذریّتهما من نور عظمته و أقامهم أشباحا قبل المخلوقات ، ثمّ قال الظنّ إنّ اللّه لم یخلق خلقا سواكم بلى و اللّه لقد خلق اللّه ألف ألف آدم و ألف ألف عالم و أنت و اللّه فی آخر تلك العوالم .

و فیه أیضا من جامع الأخبار قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ موسى سأل ربّه عزّ و جلّ أن یعرّفه بدء الدّنیا منذكم خلقت فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى تسألنی عن غوامض علمی فقال : یا ربّ أحبّ أن أعلم ذلك ، فقال : یا موسى خلقت الدّنیا منذ مأة ألف ألف عام عشر مرات و كانت خرابا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فعمرتها خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت فیها خلقا على مثال البقر یاكلون رزقى

[ 301 ]

و یعبدون غیرى خمسین ألف عام ، ثمّ امتّهم كلّهم فی ساعة واحدة ، ثمّ خربت الدّنیا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت عامرة خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت فیها بحرا فمكث البحر خمسین ألف عام لا شی‏ء مجاجا من الدّنیا یشرب ، ثمّ خلقت دابّة و سلّطتها على ذلك البحر فشربه بنفس واحد ، ثمّ خلقت خلقا أصغر من الزّنبور و أكبر من البقّ فسلّطت ذلك الخلق على هذه الدّابّة فلدغها و قتلها ، فمكثت الدّنیا خرابا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت خمسین ألف سنة ، ثمّ جعلت الدّنیا كلّها آجام القصب و خلقت السّلاحف و سلّطتها علیها فأكلتها حتّى لم یبق منها شی‏ء ، ثمّ أهلكتها فی ساعة واحدة فمكثت الدّنیا خرابا خمسین ألف عام ، ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت عامرة خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت ثلاثین آدم ثلاثین ألف سنة من آدم إلى آدم ألف سنة ، فأفنیتهم كلّهم بقضائی و قدرى ، ثمّ خلقت فیها ألف ألف مدینة من الفضّة البیضاء ، و خلقت فی كلّ مدینة مأة ألف ألف قصر من الذّهب الأحمر ، فملئت المدن خردلا عند الهواء یومئذ ألذّ من الشهد و أحلى من العسل و أبیض من الثلج ، ثمّ خلقت طیرا أعمى و جعلت طعامه فی كلّ ألف سنة حبّة من الخردل أكلها كلّها حتّى فنیت ، ثمّ خرّبتها فمكثت خرابا خمسین ألف عام ثمّ بدءت فی عمارتها فمكثت عامرة خمسین ألف عام ، ثمّ خلقت أباك آدم بیدى یوم الجمعة وقت الظهر و لم أخلق من الطین غیره ، و أخرجت من صلبه النبیّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و هذان الخبران كما ترى یعضدان ما ذكرناه من كون الغابر من الدّنیا أكثر من الباقی .

لكن العلامة المجلسی « قد » قال فی المجلّد التاسع من البحار بعد ایراد روایة البرسی : لا أعتمد على ما تفرّد بنقله ، و قال فی المجلّد الرّابع عشر بعد روایة الخبر الثانی من جامع الأخبار : هذه من روایات المخالفین أوردها صاحب الجامع فأوردتها و لم أعتمد علیها .

فعلى ذلك لا یمكن التعویل علیهما مع منافاتهما لما رواه المحدّث الجزائرى

[ 302 ]

فى الأنوار عن ابن طاووس « ره » أنّ عمر الدّنیا مأة ألف سنة یكون منها عشرون ألف سنة ملك جمیع أهل الدّنیا ، و یكون ثمانون ألف سنة منها مدّة ملك آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأولى ردّ علم ذلك إلى اللّه و الرّاسخون فى العلم علیهم السّلام هذا .

و قوله ( و أظلمت بهجتها بعد اشراق ) أراد به أنّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على حین فترة من الرّسل بعد ما كانت الدّنیا مبتهجة بوجودهم مشرقة مضیئة بأنوار هدایتهم ، فأظلمت بهجتها أى ذهب حسنها و نضارتها بطول زمان الفترة و تمادى مدّة الغفلة و الضلالة .

( و قامت بأهلها على ساق ) قد مضى تحقیق معنى هذه الجملة فی شرح الخطبة المأة و الثامنة و الثلاثین فلیراجع ثمّة و محصّل المراد بلوغها حین بعثته إلى غایة الشدّة بأهلها لما كانت علیه العرب حینئذ من ضیق العیش و الضّر و الحروب و القتل و الغارة و إثارة الفتن و تهییج الشرور و المفاسد كما قال علیه السّلام فی الخطبة السّادسة و العشرین : إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نذیرا للعالمین و أمینا على التنزیل ، و أنتم معشر العرب على شرّ دین و فى شرّ دار منیخون بین حجارة خشن و حیات صمّ ، تشربون الكدر ، و تأكلون الجشب ،

و تسفكون دمائكم و تقطعون أرحامكم آه .

( و خشن منها مهاد ) كنایة عن عدم الاستقرار بها و فقدان طیب العیش و الرّاحة ،

لأنّ ذلك إنّما یتمّ بانتظام الشرایع و ثبات قوانین العدل و یرتفع بارتفاعها .

( و أزف منها قیاد ) أى قرب منها اقتیاد أهلها و تعریضهم بالهلاك و الفناء ، أو انقیادها بنفسها للعدم و الزّوال ، و الثانی أظهر بملاحظة الظروف الّتی بعدها أعنی قوله .

( فی انقطاع من مدّتها ) و انخراطها فی سلك العدم .

( و اقتراب من أشراطها ) أی آیاتها و علاماتها الدّالّة على زوالها ، و المراد بها أشراط السّاعة الّتی اشیر الیها فی قوله تعالى فهل ینظرون الاّ السّاعة أن تأتیهم بغتة فقد جاء أشراطها و قوله انّه لعلم للساعة فلا تمترنّ بها و قوله یوم تأتی السّماء بدخان مبین . یغشی النّاس هذا عذاب الیم .

[ 303 ]

و انّما جعلها من أشراط الدّنیا مع كونها من أشراط السّاعة لوقوعها فی الدّنیا مع أنّها كما تدلّ على قرب القیامة تدلّ على انقطاع الدّنیا و تمامها ، فتكون أشراطا لهما معا ، و مضى تفصیل هذه الأشراط فی شرح الخطبة المأة و التاسعة و الثمانین .

و روى فی الصافی فی حدیث أشراط السّاعة : أوّل الآیات الدّخان و نزول عیسى و نار تخرج من قعر عدن ابین تسوق النّاس إلى المحشر .

و فى البحار من مجمع البیان و روى عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : بادروا بالأعمال ستّا : طلوع الشمس من مغربها ، و الدّابّة ، و الدّجّال ، و الدّخان ، و خویصة أحدكم أى موته ، و أمر العامّة یعنی القیامة .

( و تصرّم من أهلها ) أى انقطاع منهم ( و انفصام من حلقتها ) أى انكسار و اندراس من نظام أهلها و اجتماعهم على الشریعة و الدّین ( و انتشار من سببها ) أى تفرّق من حبلها و ربقتها المشدودة بها رقاب أهلها و هو حبل الاسلام .

( و عفاء من اعلامها ) أى دروس منها و هو كنایة عن فقدان الأنبیاء و العلماء الصّالحین الذین یهتدى بهم فی ظلمات الجهالة و یستضاء بأنوارهم فی بوادى الضّلالة .

( و تكشّف من عوراتها ) أى ظهور من معایبها و مساویها الّتی كانت مستورة بحجاب الشرایع و استار الاسلام .

( و قصر من طولها ) أى من تمادیها و امتدادها أو المراد قصر عمرها على روایة طول بكسر الطّاء و فتح الواو .

و تعدید هذه الحالات الّتی كان علیها النّاس حین بعثه صلّى اللّه علیه و آله و شرحها و بسطها تذكیرا للمخاطبین بأنّ بعثه فی مثل تلك الحالات أعظم من منّ اللّه تعالى به على عباده ، لیؤدّ السامعون بتذكّره و ذكراه وظایف شكر تلك النعمة العظمى ، و یقوموا بمراسم حمده حیث أنقذهم ببعثه سلام اللّه علیه و آله من ورطات الكفر و الضّلال ،

و أنجاهم من العقاب و الوبال .

( جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته ) أى تبلیغا لها كما فی قوله تعالى و ما على الرّسول الاّ البلاغ أى إلاّ أداء الرّسالة و بیان الشریعة أو كفایة لها كما فی قوله

[ 304 ]

تعالى فی وصف القرآن هذا بلاغ للنّاس و لینذروا به أى موعظة بالغة كافیة ،

و على المعنیین فلا بد من جعل المصدر بمعنى الفاعل أى جعله عزّ و جلّ مبلّغا للرسالة أو كافیا لها أى غیر محتاج معه إلى رسول آخر ، و لذلك كان صلّى اللّه علیه و آله خاتم النّبوة .

( و كرامة لامّته ) أى أكرمهم عزّ و جلّ بجعله رسولا لهم و جعلهم امّة له صلّى اللّه علیه و آله و فضّلهم بذلك على سایر الامم .

( و ربیعا لأهل زمانه ) تشبیهه بالرّبیع إمّا من أجل ابتهاجهم ببهجة جماله و بدیع مثاله كما یبتهج النّاس بالرّبیع و نضراته و طراوته ، أو من أجل أنّ أهل زمانه قد خرجوا بوجوده الشریف من ضنك المعیشة إلى الرّخا و السعة ، كما أنّ الناس یخرجون فی الرّبیع من جدب الشتاء و ضیق عیشها إلى الدّعة و الرفاهة .

( و رفعة لأعوانه و شرفا لأنصاره ) یحتمل رجوع الضمیرین الى اللّه كما فی الفقرة الاولى و إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كما فی الفقرتین الأخیرتین ، و على أىّ تقدیر فالمراد بالأعوان و الأنصار المسلمون أمّا كونهم أنصارا له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فواضح ، و أمّا جعلهم أنصارا و عونا للّه عزّ و جلّ على الاحتمال الأول فلكونهم أنصار دین اللّه و أعوان رسوله ، أضافهما إلیه تعالى تشریفا و تكریما .

و كیف كان فقد شرف اللّه تعالى المسلمین و رفع شأنهم فى الدّنیا و الآخرة بمتابعتهم لرسوله و معاونتهم له و سلّطهم على محادّیه و جاحدیه لعنهم اللّه تعالى و عذّبهم عذابا ألیما ، هذا .

و لمّا ذكر بعثة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و أشار إلى بعض فواید بعثه أردفه بذكر أعظم معجزات النّبوة و هو الكتاب العزیز ، و أشار إلى جملة من أوصافه و مزایاه تنبیها على علوّ قدره و عزّة شأنه فقال :

( ثمّ أنزل علیه الكتاب ) و عدّ به اثنین و أربعین منقبة .

أولها كونه ( نورا لا تطفى مصابیحه ) أمّا أنّه نور فلاهتداء النّاس به من ظلمات الجهل كما یهتدى بالنور المحسوس فی ظلمة اللّیل قال تعالى إنّ هذا القرآن یهدى للّتی هی أقوم و أمّا مصابیحه فاستعارة لطرق الاهتداء و فنون العلوم الّتی تضمّنها القرآن .

[ 305 ]

( و ) الثانیة كونه ( سراجا لا یخبو توقده ) أمّا أنّه سراجا فلما مرّ آنفا ،

و أمّا ، أنّه لا یخبو توقّده فالمراد به عدم انقطاع اهتداء النّاس به و استضاءتهم بنوره .

( و ) الثالثة كونه ( بحرا لا یدرك قعره ) استعارة البحر له باعتبار اشتماله على النكات البدیعة و الأسرار الخفیّة و دقایق العلوم الّتی لا یدركها بعد الهمم و لا ینالها غوص الفطن كما لا یدرك الغائص قعر البحر العمیق .

( و ) الرابعة كونه ( منهاجا لا یضلّ نهجه ) أى طریقا واضحا مستقیما إلى الحقّ لا یضلّ سالكه أو لا یضلّ سلوكه .

( و ) الخامسة كونه ( شعاعا لا یظلم ضوءه ) أى حقّا لا یدانیه شكّ و ریب أى لا یشوبه ظلمة الباطل فیغطیه و یستره كما قال تعالى ذلك الكتاب لا ریب فیه و قال لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حكیم حمید .

قال الطبرسی : قیل : إنّ الباطل الشیطان و معناه لا یقدر الشیطان أن ینقص منه حقّا أو یزید فیه باطلا ، و قیل : لا یأتیه الباطل من جهة من الجهات فلا تناقض فی ألفاظه .

و لا كذب فی اخباره و لا یعارض و لا یزاد فیه و لا یغیّر بل هو محفوظ حجة على المكلّفین إلى یوم القیامة ، و یؤیّده قوله تعالى انّا نحن نزّلنا الذّكر و انّا له لحافظون .

( و ) السادسة كونه ( فرقانا لا یخمد برهانه ) أى فارقا بین الحقّ و الباطل و فاصلا بینهما لا ینتفی براهینه الجلیّة و بیّناته الّتی بها یفرق بینهما كما قال تعالى انّه لقول فصل و ما هو بالهزل و قال هدى للنّاس و بیّنات من الهدى و الفرقان .

( و ) السابعة كونه ( بنیانا لا تهدم أركانه ) شبّهه ببنیان مرصوص وثیق الأركان فاستعار له لفظه و الجامع انتظام الاجزاء و اتّصال بعضها ببعض ، و قوله : لا تهدم أركانه ،

ترشیح للاستعارة ، و فیه إشارة إلى أنّ البنیان الوثیق كما أنّه مأمون من التّهافت و الهدم و الانفراج فكذلك الكتاب العزیز محفوظ من طروّ النقص و الخلل و الاندراس .

( و ) الثامنة كونه ( شفاء لا تخشى أسقامه ) یعنی انّه شفاء للأبدان و الأرواح .

أمّا الأبدان فبالتجربة و العیان مضافا إلى الأحادیث الواردة فی خواصّ أكثر الآیات المفیدة للاستشفاء و التعویذ بها .

[ 306 ]

مثل ما فی الكافی باسناده عن السّكونی عن أبی عبد اللّه عن آبائه علیهم السّلام قال :

شكى رجل إلى النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وجعا فی صدره فقال : استشف بالقرآن فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول : و شفاء لما فی الصّدور .

و عن سلمة بن محرّز قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : من لم یبرءه الحمد لم یبرءه شی‏ء .

و عن إبراهیم مهزم عن رجل سمع أبا الحسن علیه السّلام یقول : من قرء آیة الكرسی عند منامه لم یخف الفالج انشاء اللّه ، و من قرءها فی دبر كلّ فریضة لم یضرّه ذوحمة .

و فى مجمع البیان من كتاب العیاشی باسناده انّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لجابر بن عبد اللّه الأنصارى : ألا اعلمك أفضل سورة أنزلها اللّه فی كتابه ؟ قال : فقال له جابر :

بلى بأبى أنت و أمّی یا رسول اللّه علّمنیها ، قال : فعلّمه الحمد أمّ الكتاب ، ثمّ قال :

یا جابر ألا اخبرك عنها ؟ قال : بلى بأبى أنت و امّى فأخبرنی ، فقال : هى شفاء من كلّ داء إلاّ السّام ، و السّام الموت ، إلى غیر هذه ممّا لا حاجة إلى ایرادها .

و أمّا الأرواح فلأنّه بما تضمّنه من فنون العلوم شفاء لأمراض الجهل .

فقد ظهر بذلك كونه شفاء للأبدان من الأوجاع و الأسقام ، و شفاء للقلوب من كلّ شك و ریب و شبهة ، و یصدق ذلك قوله تعالى فی سورة السجدة قل هو للّذین آمنوا هدى و شفاء و فی سورة بنی اسرائیل و ننزّل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنین .

و لا یزید الظالمین الاّ خساراً .

قال أمین الاسلام الطبرسی وجه الشّفاء فیه من وجوه :

منها ما فیه من البیان الّذى یزیل عمى الجهل و حیرة الشكّ .

و منها ما فیه من النظم و التألیف و الفصاحة البالغة حدّ الاعجاز الّذى یدلّ على صدق النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فهو من هذه الجهة شفاء من الجهل و الشكّ و العمى فی الدّین و یكون شفاء للقلوب .

و منها أنّه یتبرّك به و بقراءته و یستعان به على دفع العلل و الأسقام و یدفع اللّه به كثیرا من المكاره و المضارّ على ما یقتضیه الحكمة .

و منها ما فیه من أدّلة التوحید و العدل و بیان الشرایع فهو شفاء للنّاس فی دنیاهم

[ 307 ]

و آخرتهم ، و رحمة للمؤمنین أى نعمة لهم ، و إنّما خصّهم بذلك لأنّهم المنتفعون به ، انتهى .

فقد تحصّل من ذلك أنّه شفاء لا یخاف أن یعقب سقما ، لأنّ الكمالات النفسانیة الحاصلة من قراءته و تفكّره و تدبّر آیاته تصیر ملكات راسخة لا تتبدّل بأضدادها و لا تتغیّر .

( و ) التاسعة كونه ( عزا لا تهزم أنصاره ) أى لا تغلب و لا تقهر .

( و ) العاشرة كونه ( حقّا لا تخذل أعوانه ) و المراد بأعوانه و أنصاره هم المسلمون العارفون بحقّه العاملون بأحكامه و عدم هزمهم و خذلانهم نصّ قوله تعالى لن یجعل اللَّه للكافرین على المؤمنین سبیلاً .

قال فی مجمع البیان فیه أقوال :

أحدها أنّ المراد لن یجعل اللّه للیهود على المؤمنین نصرا و لا ظهورا .

و قیل : لن یجعل اللّه للكافرین على المؤمنین سبیلا بالحجّة و إن جاز أن یغلبوهم بالقوّة ، لكن المؤمنین منصورون بالدّلالة و الحجّة .

و قیل : لن یجعل لهم فی الآخرة علیهم سبیلا لأنّه مذكور عقیب قوله فاللَّه یحكم بینهم یوم القیامة بیّن اللّه سبحانه أنّه إن یثبت لهم سبیل على المؤمنین فی الدّنیا بالقتل و القهر و النهب و الاسر و غیر ذلك من وجوه الغلبة فلن یجعل لهم یوم القیامة علیهم سبیلا .

و الحادیة عشر ما أشار إلیه بقوله ( فهو معدن الایمان و بحبوحته ) .

أمّا أنّه معدن الایمان ، فلأنّ المعدن عبارة عن منبت الجوهر من ذهب و فضّة و نحوهما ، و لمّا كان الایمان باللّه و رسوله جوهرا نفیسا لا جوهر أنفس منه و لا أغلى عند ذوى العقول ، و كان یستفاد من القرآن و یستخرج منه جعله معدنا له .

و أمّا أنّه بحبوحته و وسطه فلأنّ الایمان بجمیع أجزائه و شرایطه و مراسمه یدور علیه ، فهو بمنزلة القطب و المركز لدائرة الایمان كما هو ظاهر .

( و ) الثانیة عشر أنّه ( ینابیع العلم و بحوره )

[ 308 ]

أمّا أنّه ینابیع العلم فلأنّ العلوم بجمیع أقسامه منه تفیض كالعیون الجاریة منها الماء .

و أمّا أنّه بحوره فلاحتوائه بفنون العلم كاحتواء البحر بمعظم الماء ( و ) الثالثة عشر أنّه ( ریاض العدل و غدرانه ) .

أمّا كونه ریاض العدل فلأنّ الرّیاض عبارة عن مجامع النّبات و الزّهر و الرّیاحین الّتی تبتهج النفوس بخضرتها و نضرتها ، و تستلذّ الطباع بحسنها و بهجتها كما قال تعالى و حدائق ذات بهجة فشبّه التّكالیف الشرعیّة المجعولة عن وجه العدل و الحكمة بالزّهر و النبات الحسن لایجابها لذّة الأبد و جعل الكتاب العزیز ریاضا لها لاجتماعها فیه و استنباطها منه .

و أمّا كونه غدران العدل فلأنّ الغدیر عبارة عن مجمع الماء فشبّه الأحكام العدلیّة بالماء لما فیها من حیاة الأرواح كما أنّ بالماء حیاة الأبدان و جعله غدیرا لجامعیّته لها .

( و ) الرابعة عشر أنّه ( أثافیّ الاسلام و بنیانه ) لما قد عرفت من أنّ الأثافی عبارة عن الأحجار الّتی علیها القدر ، فجعله أثافى للاسلام لاستقراره و ثباته علیه مثل استقرار القدر على الأثافی .

و بهذا الاعتبار أیضا جعل الصلاة و الزّكاة و الولایة أثافیة فی حدیث البحار من الكافی عن الصّادق علیه السّلام قال : أثافی الاسلام ثلاثة : الصلاة ، و الزكاة ، و الولایة لا تصحّ واحدة منهنّ إلاّ بصاحبتها .

قال العلاّمة المجلسیّ : و إنّما اقتصر علیها لأنها أهمّ الأجزاء و یدلّ على اشتراط قبول كلّ منها بالآخرین ، و لا ریب فی كون الولایة شرطا لصحّة الاخریین .

( و ) الخامسة عشر أنّه ( أودیة الحقّ و غیطانه ) یعنی أنّ طالب الحقّ إنّما یجده فی هذه الأودیة و الأراضى المطمئنة قال الشارح البحرانی : و اللّفظان مستعاران باعتبار كونه معدنا للحقّ و مظنّة له ، كما أنّ الأودیة و الغیطان مظانّ الكلاء و الماء .

( و ) السادسة عشر أنّه ( بحر لا ینزفه المستنزفون ) أى لا ینزحه كلّه و لا یفنیه

[ 309 ]

المستقون ، و هو إشارة إلى عدم انتهاء العلوم المستفادة منه ، فانّ فیه علم ما كان و ما یكون و ما هو كائن إلى یوم القیامة حسبما عرفت فی شرح الفصل السّابع عشر من الخطبة الاولى .

( و ) السابعة عشر أنّه ( عیون لا ینضبها الماتحون ) أى لا یغیّرها المستسقون .

( و ) الثامنة عشر أنّه ( مناهل لا یغیضها الواردون ) أى مشارب لا ینقص مائها الواردون على كثرة ورودهم علیها .

( و ) التاسعة عشر أنّه ( منازل لا یضلّ نهجها المسافرون ) یعنی أنّه منازل السّالكین إلى اللّه لا یضلّ مسافروه منهاج تلك المنازل لكونه واضحا جلیّا و جادّة مستقیمة ( و ) العشرون أنّه ( أعلام لا یعمى عنها السّائرون ) لاستنارتها و اضاءتها .

( و ) الحادیة و العشرون أنّه ( آكام لا یجوز عنها القاصدون ) قال الشّارح البحرانی : استعار لفظ الاعلام و الآكام للأدلّة و الامارات فیه على طریق إلى معرفته و احكامه باعتبار كونها هادیة إلیها كما تهدى الأعلام و الجبال على الطّرق .

و الثانیة و العشرون أنّه ( جعله اللّه تعالى ریّا لعطش العلماء ) شبّه شدّة اشتیاق نفوس العلماء و حرصهم على المعارف الحقّة الالهیّة بعطش العطاش ، و حیث إنّ الكتاب العزیز كان رافعا لغللهم جعله مرویّا لهم كما یروى الماء الغلیل .

( و ) الثالثة و العشرون أنّه جعله سبحانه ( ربیعا لقلوب الفقهاء ) لابتهاج قلوبهم به و استلذاذهم منه كما یبتهج النّاس بالرّبیع .

( و ) الرابعة و العشرون أنّه جعله ( محاجّ لطرق الصلحاء ) أى جواد واضحة مستقیمة لا عوج فیها و لا خفاء ، لأنّه یهدى للّتی هی أقوم .

( و ) الخامسة و العشرون أنّه جعله ( دواء لیس معه داء ) حسبما عرفته فی شرح قوله : و شفاء لا تخشى أسقامه .

( و ) السادسة و العشرون أنّه جعله ( نورا لیس معه ظلمة ) أى حقّا لا یشوبه باطل حسبما عرفته فی شرح قوله ، و شعاعا لا یظلم نوره .

[ 310 ]

و فى الكافى باسناده عن أبى جمیلة قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : كان فی وصیّة أمیر المؤمنین علیه السّلام أصحابه : إنّ هذا القرآن هدى النهار و نور اللّیل المظلم على ما كان من جهد وفاقة .

و فیه عن طلحة بن زید عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ هذا القرآن فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى فلیجل جال بصره و یفتح للضیاء نظره فانّ التّفكّر حیاة قلب البصیر كما یمشی المستنیر فی الظّلمات بالنور .

( و ) السابعة و العشرون أنّه جعله ( حبلا وثیقا عروته ) لا یخشى من انفصامه من تمسّك به و اتّبع بأحكامه نجا و من تركه هلك .

( و ) الثامنة و العشرون أنّه جعله ( معقلا منیعا ذروته ) أى ملجأ و حصنا حصینا یمنع الملتجى إلیه من أن یناله المكروه و سوء العذاب .

( و ) التاسعة و العشرون أنّه جعله ( عزّا لمن تولاّه ) یعنی من اتّخذه ولیّا و ألقى إلیه أزمّة اموره و عمل بأوامره و نواهیه فهو عزّة له فی الدّارین .

( و ) الثلاثون أنّه جعله عزّ و جلّ ( سلما لمن دخله ) قال الشارح البحرانی أى أمنا ، و دخوله الخوض فی تدبّر مقاصده و اقتباسها و بذلك الاعتبار یكون مأمنا من عذاب اللّه و من الوقوع فی الشّبهات الّتی هی مهاوى الهلاك ، و قیل : استعار لفظ السّلم باعتبار عدم اذاه لمن دخله فهو كالمسالم له .

( و ) الحادیة و الثلاثون أنّه جعله ( هدى لمن ائتمّ به ) و هو واضح كما قال تعالى ذلك الكتاب لا ریب فیه هدى للمتّقین .

( و ) الثانیة و الثلاثون أنه جعله ( عذرا لمن انتحله ) و لعلّ المراد كونه عذرا منجیا من العذاب یوم القیامة لمن دان به و جعله نحلته و قیل : إنّ المراد أنّ من انتسب الیه بأن جعل نفسه من أهل القرآن و افتخر بذلك كان القرآن نفسه عذرا له ،

لعلوّ شأنه ، و ما ذكرناه أقرب .

( و ) الثالثة و الثلاثون أنّه جعله ( برهانا لمن تكلّم به ) أى حجّة واضحة و بیانا جلیا لمن احتجّ به .

[ 311 ]

( و ) الرابعة و الثلاثون أنه جعله ( شاهدا لمن خاصم به ) أى دلیلا محكما للمستدلّ .

( و ) الخامسة و الثلاثون أنّه جعله ( فلجأ لمن حاجّ به ) أى ظفرا و فوزا للمخاصم یعنی أنّ من خاصم و احتجّ به فاز بمقصده و غلب خصمه .

روى فی البحار من كنز الفواید باسناده عن أبی جعفر علیه السّلام قال : یا معشر الشّیعة خاصموا بسورة إنّا أنزلناه فی لیلة القدر تفلجوا ، فو اللّه إنّها لحجّة اللّه تبارك و تعالى على الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إنّها لسیّدة دینكم و إنّها لغایة علمنا ، یا معشر الشّیعة خاصموا بحم و الكتاب المبین فانّها لولاة الأمر خاصة بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

( و ) السادسة و الثلاثون أنه جعله ( حاملا لمن حمله ) یعنی أنّ من حمل القرآن و حفظه و عمل به و اتّبع أحكامه حمله القرآن إلى دار القدس و غرفات الجنان .

روى فی الكافی باسناده عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله :

یا معاشر قرّاء القرآن اتّقوا اللّه عزّ و جلّ فیما حملكم من كتابه فانی مسئول و انكم مسئولون ، إنّی مسئول عن تبلیغ الرّسالة ، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب اللّه و سنّتی .

و فیه عن السكونى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة و المجتهدون قوّاد أهل الجنّة و الرّسل سادات أهل الجنّة .

و عن عمرو بن جمیع عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

إنّ أحقّ النّاس بالتخشّع فی السّرّ و العلانیة لحامل القرآن ، و إنّ أحقّ النّاس فی السرّ و العلانیة بالصلاة و الصّوم لحامل القرآن ، ثمّ نادى بأعلى صوته یا حامل القرآن تواضع به یرفعك اللّه و لا تعزّ زبه فیذلّك اللّه ،

یا حامل القرآن تزیّن به للّه یزیّنك اللّه به و لا تزیّن به للنّاس فیشینك اللّه به ،

من ختم القرآن فكأنّما ادرجت النّبوة بین جنبیه و لكنّه لا یوحى إلیه ، و من جمع القرآن فنوله لا یجهل مع من یجهل علیه و لا یغضب فیمن یغضب علیه و لا یحدّ فیمن

[ 312 ]

یحدّ علیه و لكنّه یعفو و یصفح و یغفر و یحلم لتعظیم القرآن ، و من اوتى القرآن فظنّ أنّ أحدا من النّاس اوتى أفضل ممّا اوتى فقد عظّم ما حقّر اللّه ، و حقّر ما عظّم اللّه .

( و ) السابعة و الثلاثون أنّه جعله ( مطیّة لمن أعمله ) أى مركبا سریع السّیر یبلغ بمن أعمله إلى منزله و مقصده ، و هو حظایر القدس و مجالس الانس ، و المراد باعماله هو حفظه و المواظبة علیه و عدم الغفلة عنه .

روى فی الكافی باسناده عن ابن أبی یعفور قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول :

إنّ الرّجل إذا كان یعلم السّورة ثمّ نسیها و تركها و دخل الجنّة أشرفت علیه من فوق فى أحسن صورة فتقول : تعرفنی ؟ فیقول : لا ، فتقول : أنا سورة كذا و كذا لم تعمل بی و تركتنی أما و اللّه لو عملت بی لبلغت بك هذه الدّرجة ،

و أشارت بیدها إلى فوقها .

و عن یعقوب الأحمر قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : إنّ علیّ دینا كثیرا و قد دخلنی شی‏ء ما كاد القرآن یتفلّت منی ، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : القرآن القرآن إنّ الآیة من القرآن و السّورة لتجی‏ء یوم القیامة حتّى تصعد ألف درجة یعنی فی الجنّة ،

فتقول : لو حفظتنی لبلغت بك ههنا .

و عن أبی بصیر قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : من نسی سورة من القرآن مثّلت له فی صورة حسنة و درجة رفیعة فی الجنّة ، فاذا رآها قال : ما أنت ما أحسنك لیتك لی ، فیقول : أما تعرفنی أنا سورة كذا و كذا و لو لم تنسنی لرفعتك إلى هذا .

( و ) الثامنة و الثلاثون أنّه جعله ( آیة لمن توسّم ) أى دلالة للمتفكّر المعتبر و علامة یستدلّ بها المتفرّس ، و أصل التوسّم هو النظر فی السمة أى العلامة الدّالة قال تعالى انّ فی ذلك لآیات للمتوسّمین أى دلالات للمتفكّرین المعتبرین .

قال فی مجمع البیان : و قد صحّ عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال : اتّقوا فراسة المؤمن و انّه ینظر بنور اللّه ، و قال : إن للّه عبادا یعرفون الناس بالتوسّم ثمّ قرء هذه الآیة .

( و ) التاسعة و الثلاثون أنه جعله ( جنّة لمن استلام ) أى وقایة و سلاحا لطالب

[ 313 ]

الدّرع و السلاح ، و المراد كونه وقایة لقارئه من مكاره الدّنیا و الآخرة أما الآخرة فواضحة ، لأنه یوجب النجاة من النار و الخلاص من غضب الجبار جلّ جلاله .

و أما الدّنیا فیدلّ على كونه وقایة من مكارهها صریح قوله تعالى و إذا قرأت القرآن جعلنا بینك و بین الذین لا یؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً .

قال الطبرسیّ : قال الكلبیّ : و هم أبو سفیان و النّضر بن الحرث و أبو جهل و امّ جمیل امرأة أبی لهب ، حجب اللّه رسوله عن أبصارهم و كانوا یأتونه و یمرّون به و لا یرونه .

و فى الصافى من قرب الاسناد عن الكاظم علیه السّلام انّ امّ جمیل امرأة أبی لهب أتته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین نزلت سورة تبّت و مع النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبو بكر بن أبی قحافة ، فقال :

یا رسول اللّه هذه امّ جمیل منخفضة أو مغضبة تریدك و معها حجر ترید أن ترمیك به فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّها لا ترانی ، فقالت لأبی بكر : أین صاحبك ؟ قال : حیث شاء اللّه ،

قالت : لقد جئته و لو أراه لرمیته فانّه هجانی و اللاّت و العزّى إنّی لشاعرة ، فقال أبو بكر : یا رسول اللّه لم ترك ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا ، ضرب اللّه بینی و بینها حجابا مستورا .

و أما سایر النّاس فیشهد بكونه جنّة لهم من المكاره .

ما رواه فی الكافی باسناده عن الاصبغ بن نباته عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قال : و الّذى بعث محمّدا بالحقّ و أكرم أهل بیته ما من شی‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابة من صاحبها أو آبق إلاّ و هو فی القرآن ، فمن أراد ذلك فلیسألنی عنه .

قال : فقام الیه رجل فقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنی عمّا یؤمن من الحرق و الغرق فقال علیه السّلام : اقرء هذه الآیات اللَّه الذى نزّل الكتاب و هو یتولّى الصالحین .

و ما قدروا اللَّه حقّ قدره الى قوله سبحانه و تعالى عما یشركون فمن قرأها فقد أمن من الحرق و الغرق ، قال : فقرأها رجل و اضطرمت النار فی بیوت جیرانه و بیته وسطها فلم یصبه شی‏ء .

[ 314 ]

ثمّ قام الیه رجل آخر فقال : یا أمیر المؤمنین إنّ دابتی استصعبت علیّ و أنا منها على وجل فقال : اقرء فی اذنها الیمنی و له أسلم من فی السّموات و الأرض طوعاً و كرهاً و الیه ترجعون فقرأها فذلّت له دابّته .

و قام إلیه آخر فقال : یا أمیر المؤمنین إنّ أرضی أرض مسبعة إنّ السباع تغشى منزلی و لا تجوز حتى تأخذ فریستها فقال : اقرء لقد جائكم رسول من انفسكم عزیز علیه ما عنتّم حریص علیكم بالمؤمنین رؤف رحیم . فان تولّوا فقل حسبى اللَّه لا اله إلاّ هو علیه توكّلت و هو ربّ العرش العظیم فقرأهما الرّجل فاجتنبته السباع .

ثمّ قام إلیه آخر فقال : یا أمیر المؤمنین إنّ فی بطنی ماء أصفر فهل من شفاء ؟

فقال : نعم بلا درهم و لا دینار و لكن اكتب على بطنك آیة الكرسی و تغسلها و تشربها و تجعلها ذخیرة فی بطنك فتبرء باذن اللّه عزّ و جلّ ، ففعل الرّجل فبرء باذن اللّه .

ثمّ قام إلیه آخر فقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن الضّالّة فقال علیه السّلام اقرء یس فی ركعتین و قل : یا هادى الضالّة ردّ علیّ ضالّتی ففعل فردّ اللّه علیه ضالّته .

ثمّ قام إلیه آخر فقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن الآبق فقال علیه السّلام : اقرء « أو كظلمات فی بحر لجیّ یغشیه موج من فوقه موج إلى قوله و من لم یجعل اللَّه له نوراً فما له من نور » فقالها الرّجل فرجع إلیه الآبق .

ثمّ قام إلیه آخر فقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن السّرق فانّه لا یزال قد یسرق لی الشی‏ء بعد الشی‏ء لیلا ، فقال له : اقرء إذا آویت إلى فراشك « قل ادعوا اللَّه أو ادعوا الرّحمن إلى قوله فكبّره تكبیراً » ثمّ قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : من بات بأرض قفر فقرء هذه الآیة انّ ربّكم اللَّه الّذى خلق السّموات و الأَرض فی ستّة أیّام ثمّ استوى على العرش إلى قوله تبارك اللَّه ربّ العالمین حرسته الملائكة و تباعدت عنه الشّیاطین .

قال : فمضى الرّجل فاذا هو بقریة خراب فبات فیها و لم یقرء هذه الآیة فغشاه الشّیاطین و إذا هو آخذ بخطمه فقال له صاحبه : انظره ، و استیقظ الرّجل فقرء الآیة فقال الشیطان لصاحبه : ارغم اللّه أنفك احرسه الآن حتّى یصبح .

[ 315 ]

فلمّا أصبح رجع الى أمیر المؤمنین علیه السّلام فأخبره فقال له رأیت فی كلامك الشفاء و الصّدق و مضى بعد طلوع الشمس فاذا هو بأثر شعر الشّیاطین مجتمعا فی الأرض .

( و ) الاربعون أنّه جعله ( علما لمن وعى ) أى علما كاملا بالمبدء و المعاد لمن حفظه و عقله و جعله فی وعاء قلبه قال الطریحی : و فی الحدیث لا یعذّب اللّه قلبا وعی القرآن ، أى عقل القرآن ایمانا منه و عملا ، فأمّا من حفظ ألفاظه و ضیّع حدوده فهو غیر واع له ، و فیه : خیر القلوب أوعاها ، أى أحفظها للعلم و أجمعها له .

( و ) الحادیة و الاربعون أنّه جعله ( حدیثا لمن روى ) قال أمین الاسلام الطبرسی فی تفسیر قوله تعالى اللَّه نزّل احسن الحدیث كتابا متشابهاً مثانی تقشعرّ منه جلود الّذین یؤمنون ربّهم یعنى القرآن ، و إنّما سمّاه اللّه حدیثا لأنّه كلام اللّه و الكلام سمّى حدیثا كما یسمّى كلام النبىّ حدیثا ، لأنه حدیث التنزیل بعد ما تقدّمه من الكتب المنزلة على الأنبیاء ، و هو أحسن الحدیث لفرط فصاحته و لاعجازه و لاشتماله على جمیع ما یحتاج المكلّف إلیه من التنبیه على أدلّة التوحید و العدل و بیان أحكام الشرایع و غیر ذلك من المواعظ و قصص الأنبیاء و الترغیب و الترهیب ، كتابا متشابها یشبه بعضه بعضا و یصدق بعضه بعضا لیس فیه اختلاف و تناقض ، و قیل : إنه یشبه كتب اللّه المتقدّمة و ان كان أعم و أجمع و أنفع .

( و ) الثانیة و الاربعون أنه جعله ( حكما لمن قضى ) یعنى من یقضى بین الناس ، فالقرآن حكم له لا حكم له غیره لأنه الحكم الحقّ و غیره باطل كما قال تعالى و من لم یحكم بما أنزل اللَّه فاولئك هم الظالمون و فى آیة اخرى فاولئك هم الفاسقون و فى ثالثة فاولئك هم الكافرون .

قیل فى توجیهه : إنّ الحاكم بغیر ما أنزل اللّه إن كان لا مع الاعتقاد فهو إمّا ظالم أو فاسق ، و ان حكم بذلك مع اعتقاد أنّه غیر ما أنزل اللّه فهو كافر ، هذا .

و قد تقدّم فی شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الاولى و غیره فصل واف فی فضل الكتاب العزیز و ما یتعلّق به فلیراجع هناك ، و نسأل اللّه سبحانه أن یجعلنا من العارفین بفضله ، و العاملین بأحكامه ، و الواعین لعلمه ، و الرّاوین لحدیثه ، و القاضین

[ 316 ]

بحكمه بجاه محمّد و آله سلام اللّه علیه و علیهم .

الترجمة

فصل سیّم و چهارم از این خطبة در بیان بعثت حضرت رسالتمآب صلوات اللّه و سلامه علیه و آله و اشاره بر فواید بعثت است و ذكر نزول كتاب كریم و إشاره بر مناقب آن میفرماید :

پس بدرستیكه خداوند تعالى مبعوث فرمود محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه علیه و آله را با حقّ هنگامى كه نزدیك شده از دنیاى فانى بریده شدن آن ، و اقبال كرده بود از آخرت مشرف بودن آن ، و ظلمانى شده بود شكفتگى دنیا بعد از روشنائى آن ، و بر پا ایستاده بود بأهل خود بغایت شدّت ، و ناهموار شده بود از آن بساط آن ، و نزدیك شده بود از آن انقیاد آن بزوال در انقطاع مدّت آن ، و نزدیكى علامتهاى فناى آن ، و بریده شدن أهل آن ، و گسیخته شدن حلقه آن ، و تفرّق ریسمان آن ، و اندراس علمهاى آن ، و انكشاف قبایح آن ، و كوتاهى درازى آن .

گردانید او را حق تعالى كفایت كننده از براى رسالت خود ، و كرامت از براى امّت او ، و بهار از براى أهل زمان او ، و سر بلندى بجهت اعوان او ، و شرف مر یاران او را .

پس نازل فرمود بر آن بزرگوار كتاب عزیز خود را نوریكه خاموش نمیباشد چراغهاى آن ، و چراغى كه نابود نمى‏گردد اشتعال آن ، و دریائى كه درك نمیشود ته آن ، و جاده واضحى كه ضلالت نمى‏افتد سالك آن ، و شعائى كه تاریك نمیباشد روشنائى آن ، و فرقانى كه خاموش نمیشود برهان و دلیل آن ، و بنیادى كه خراب نمیشود ركنهاى آن ، و شفائى كه ترسیده نمیشود مرضهاى آن ، و عزیزى كه مغلوب نمیباشد ناصران آن ، و حقى كه خوار نمى‏باشد یاران آن .

پس آن كتاب معدن ایمان و وسط او است ، و چشمهاى علم و دریاهاى او است و باغهاى عدالت و گودالهاى آب او است ، و پایهاى اسلام و بنیان او است ، و بیابانهاى

[ 317 ]

حق و گودیهاى او است ، و دریائیست كه نمیتواند بكشد آب آن را آب كشندگان و چشمهائیست كه تمام نمى‏كند آب آنرا آب بردارندگان ، و سرچشمه‏هائى است كه ناقص نمى‏نماید آن را واردان ، و منزلهائیست كه گم نمى‏كند راه آن را مسافران ، و علامتهائیست كه نابینا نمى‏شود از آنها سیر كنندگان ، و تلهائیست كه تجاوز نمى‏نماید از آنها قاصدان .

گردانید خداوند آن را سیرابى از براى تشنگى عالمیان ، و بهار از براى قلبهاى فقیهان ، و راههاى روشن از براى طرق صالحان ، و دوائى كه نیست بعد از آن دردى ، و نورى كه نیست با وجود آن ظلمتى ، و ریسمانى كه محكم است جاى دستگیر آن ، و پناهگاهى كه مانع است بلندى آن ، و عزیزى از براى كسى كه آنرا بجهت خود دوست اخذ نموده باشد ، و أمن امان أز براى كسى كه داخل آن شود و هدایت از براى كسى كه اقتدا نماید بآن ، و عذر از براى كسى كه نسبت آنرا بخود بدهد ، و برهان واضح بجهت كسیكه با آن تكلّم نماید ، و شاهد صادق بجهت كسیكه مخاصمه نماید با آن ، و غلبه و ظفر براى كسیكه احتجاج كند با آن ، و بردارنده مر حاملان خود را ، و مركب از براى كسیكه إعمال نماید آنرا ، و علامت از براى كسیكه تفكر نماید ، و زره از براى كسیكه طالب سلاح باشد ، و علم كامل كسیرا كه حفظ كند آنرا ، و حدیث صحیح كسى را كه روایت نماید ، و حكم بحق از براى كسیكه حكم نماید .