[ 199 ] و من كلام له ع كان یوصی به أصحابه الصلاة

تَعَاهَدُوا أَمْرَ اَلصَّلاَةِ وَ حَافِظُوا عَلَیْهَا وَ اِسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا فَإِنَّهَا كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِینَ كِتاباً مَوْقُوتاً أَ لاَ تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ اَلنَّارِ حِینَ سُئِلُوا ما سَلَكَكُمْ فِی سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّینَ وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ اَلذُّنُوبَ حَتَّ اَلْوَرَقِ وَ تُطْلِقُهَا إِطْلاَقَ اَلرِّبَقِ وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ص بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ اَلرَّجُلِ فَهُوَ یَغْتَسِلُ مِنْهَا فِی اَلْیَوْمِ وَ اَللَّیْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا عَسَى أَنْ یَبْقَى عَلَیْهِ مِنَ اَلدَّرَنِ وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ اَلْمُؤْمِنِینَ اَلَّذِینَ لاَ تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِینَةُ مَتَاعٍ وَ لاَ قُرَّةُ عَیْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَ لاَ مَالٍ یَقُولُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ وَ إِقامِ اَلصَّلاةِ وَ إِیتاءِ اَلزَّكاةِ وَ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلاَةِ بَعْدَ اَلتَّبْشِیرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ لِقَوْلِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اِصْطَبِرْ عَلَیْها فَكَانَ یَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَ یَصْبِرُ عَلَیْهَا نَفْسَهُ الزكاة ثُمَّ إِنَّ اَلزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ اَلصَّلاَةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ اَلْإِسْلاَمِ فَمَنْ أَعْطَاهَا طَیِّبَ اَلنَّفْسِ بِهَا فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً وَ مِنَ اَلنَّارِ حِجَازاً وَ وِقَایَةً فَلاَ یُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لاَ یُكْثِرَنَّ عَلَیْهَا لَهَفَهُ فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَیْرَ طَیِّبِ اَلنَّفْسِ بِهَا یَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ مَغْبُونُ اَلْأَجْرِ ضَالُّ اَلْعَمَلِ طَوِیلُ اَلنَّدَمِ الأمانة ثُمَّ أَدَاءَ اَلْأَمَانَةِ فَقَدْ خَابَ مَنْ لَیْسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى اَلسَّمَاوَاتِ اَلْمَبْنِیَّةِ وَ اَلْأَرَضِینَ اَلْمَدْحُوَّةِ وَ اَلْجِبَالِ ذَاتِ اَلطُّولِ اَلْمَنْصُوبَةِ فَلاَ أَطْوَلَ وَ لاَ أَعْرَضَ وَ لاَ أَعْلَى وَ لاَ أَعْظَمَ مِنْهَا وَ لَوِ اِمْتَنَعَ شَیْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لاَمْتَنَعْنَ وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ اَلْعُقُوبَةِ وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ اَلْإِنْسَانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً علم اللّه تعالى إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لاَ یَخْفَى عَلَیْهِ مَا اَلْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِی لَیْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ وَ جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُكُمْ عُیُونُهُ وَ خَلَوَاتُكُمْ عِیَانُهُ


و من كلام له علیه السّلام و هو المأة و الثامن و التسعون من المختار فى باب الخطب

و هو مروىّ فی الكافی ببسط و اختلاف كثیر تطلع علیه بعد الفراغ من شرح ما أورده السیّد ( ره ) هنا

[ 318 ]

تعاهدوا أمر الصّلاة و حافظوا علیها ، و استكثروا منها ، و تقرّبوا بها ، فانّها كانت على المؤمنین كتابا موقوتا ، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حیث سئلوا ما سلككم فی سقر ، قالوا لم نك من المصلّین و انّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق ، و تطلقها إطلاق الرّبق ، و شبّهها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالحمّة تكون على باب الرّجل ، فهو یغتسل منها فی الیوم و اللّیلة خمس مرّات ، فما عسى أن یبقى علیه من الدّرن ، و قد عرف حقّها رجال من المؤمنین الّذین لا تشغلهم عنها زینة متاع ، و لا قرّة عین من ولد و لا مال ، یقول اللّه سبحانه : رِجالٌ لا تُلْهیهُمْ تِجارَةٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلوةِ و إِیتاءِ الزَّكوةِ » و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نصبا بالصّلاة بعد التّبشیر له بالجنّة ، لقول اللّه سبحانه « وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها » فكان یأمر أهله و یصبّر علیها نفسه .

ثمّ إنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الإسلام ، فمن أعطیها طیّب النّفس بها فإنّها تعجل له كفّارة ، و من النّار حجازا و وقایة ، فلا یتبعنّها أحد نفسه ، و لا یكثرنّ علیها لهفه ، فانّ من أعطاها غیر طیّب النّفس بها یرجو بها ما هو أفضل منها ، فهو جاهل بالسّنّة ، مغبون الاجر ، ضالّ العمل ، طویل النّدم .

[ 319 ]

ثمّ أدآء الامانة فقد خاب من لیس من أهلها ، إنّها عرضت على السّماوات المبنیّة ، و الارضین المدحوّة ، و الجبال ذات الطّول المنصوبة فلا أطول ، و لا أعرض ، و لا أعلى ، و لا أعظم منها ، و لو امتنع شی‏ء بطول ، أو عرض ، أو قوّة ، أو عزّ ، لامتنعن و لكن أشفقن من العقوبة ، و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ ، و هو الانسان إنّه كان ظلوما جهولا .

إنّ اللّه سبحانه لا یخفى علیه ما العباد مقترفون فی لیلهم و نهارهم ،

لطف به خبرا ، و أحاط به علما ، أعضائكم شهوده ، و جوارحكم جنوده ، و ضمائركم عیونه ، و خلواتكم عیانه .

اللغة

( تعاهدوا أمر الصّلاة ) و روى تعهّدوا بدله یقال تعهّدت الشی‏ء و تعاهدته تردّدت إلیه و تفقّدته و أصلحته ، و حقیقته تجدید العهد به ، و فى الدّعاء عند الحجر الأسود :

میثاقی تعهّدته لتشهد لی بالموافاة یوم القیامة ، و فی روایة العلل عن أبیعبد اللّه علیه السّلام تعاهدته بدله ، أى جدّدت العهد به ، قال الفیومی : قال الفارابى : تعهّدته أفصح من تعاهدته ، و قال ابن فارس و لا یقال تعاهدته ، لأنّ التعاهد لا یكون إلاّ من اثنین و یردّه كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام على روایة السیّد ، و دعاء الحجر على روایة العلل و ما فی الحدیث من قوله : تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم .

و ( حتّ ) الرّجل الورق من الشجر حتا من باب مدّ أسقطه و أزاله ، و تحاتت

[ 320 ]

الشّجرة تساقط ورقها و ( الرّبق ) وزان عنب جمع ربق بالكسر وزان حمل حبل فیه عدّة عرى یشدّ به البهم ، و كلّ عروة ربقة و ( الحمة ) بفتح الحاء المهملة كلّ عین فیها ماء حارّ ینبع یستشفى بها الأعلاء ، و فی بعض النّسخ بالجیم و هى البئر الكثیرة الماء و ( الدّرن ) محرّكة الوسخ .

و ( اقام الصّلاة ) أصله إقوام مصدر أقوم مثل أكثر أكرم إكراما ، و التّاء فی إقامة عوض من العین السّاقط بالاعلال ، فلما اضیفت اقیمت الاضافة مقام حرف التّعویض و ( نصب ) نصبا كتعب وزنا و معنى فهو نصب .

و ( یصبّر علیها نفسه ) بالتثقیل أى یأمرها بالصّبر من صبّرته أى حملته على الصّبر بوعد الأجر ، و قلت له : اصبر و یروى بالتّخفیف أى یحبس علیها نفسه و ( القربان ) كفرقان اسم لما یتقرّب به إلى اللّه من أعمال البرّ .

و قوله ( فلا یتبعنّها ) بنون التّوكید مثقّلة من اتبعت فلانا لحقته قال تعالى فأتبعهم فرعون بجنوده أى لحقهم و ( العیان ) بالكسر المعاینة یقال لقاه عیانا أى معاینة لم یشكّ فی رؤیته إیّاه .

الاعراب

قوله : على المؤمنین ، متعلّق بقوله : موقوتا قوله : فما عسى أن یبقى علیه من الدّرن ، كلمة ما نافیة و عسى تامّة بمعنى كاد ، و أن یبقى علیه ، فی موضع رفع بأنّه فاعل عسى كما فی قوله تعالى عسى أن تكرهوا شیئاً و فاعل یبقى محذوف و من الدّرن بیان للفاعل المحذوف أى یبقى علیه شی‏ء من الدّرن .

و قوله تعالى : رجال ، فاعل یسبّح المذكور قبل ذلك ، قال سبحانه یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال رجال لا تلهیهم و على قراءة یسبّح مبنیّا للمفعول فالجار و المجرور أعنی له نایب عن الفاعل و رجال مرفوع بفعل محذوف یدل علیه الفعل المذكور كأنّه بعد ما قیل یسبّح له سئل عن المسبّح فقیل : رجال ، أى یسبّح له

[ 321 ]

رجال على حدّ قول الشّاعر :

لیبك یزید ضارع لخصومة
و مختبط ممّا تطیح الطوایح

أى یبكیه ضارع ، و قوله : طیّب النّفس ، منصوب على الحال من فاعل أعطى ،

و قوله : غیر طیّب النّفس ، و جملة یرجو بها منصوبان لفظا و محلا أیضا على الحال و قوله : لا یخفى علیه ما العباد مقترفون ، كلمة ما موصولة منصوبة محلا مفعول یخفى و ما بعدها صلة لها و العاید محذوف أى مقترفون له .

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الكلام الشّریف على فصول ثلاثة الفصل الاول فی الأمر بالصّلاة و الحثّ علیها و الفصل الثانى فی الترغیب فی الزّكاة و الالزام بها و الفصل الثالث فی التحضیض على أداء الأمانة و التّحذیر من المعاصی .

اما الفصل الاول

فهو قوله ( تعاهدوا أمر الصلاة ) أى جدّدوا العهد بها و راقبوا علیها فی أوقاتها المخصوصة و لا تضیّعوها و لا تغفلوا عنها ، لأنها عماد الدّین ، و معراج المؤمنین ،

و قربان كلّ تقىّ و مؤمن نقیّ ، و أوّل ما یحاسب به العبد إن قبلت قبل ما سواها و إن ردّت ردّ ما سواها .

و قد ذمّ اللّه أقواما توانوا عنها و استهانوا بأوقاتها فقال : « فویل للمصلّین الذینهم عن صلواتهم ساهون » قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی روایة الخصال : یعنی أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها .

( و حافظوا علیها ) أى على أوقاتها و رعایة آدابها و سننها و حدودها و مراسمها و شروطها و أركانها .

[ 322 ]

فلقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من ترك صلاته متعمّدا فقد هدم دینه .

و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا تضیعوا صلاتكم فانّ من ضیع صلاته حشره اللّه تعالى مع قارون و فرعون و هامان لعنهم اللّه و أخزاهم و كان حقا على اللّه أن یدخله النار مع المنافقین فالویل لمن لم یحافظ على صلاته .

و قال أبو جعفر علیه السّلام إنّ الصلاة إذا ارتفعت فی أوّل وقتها رجعت إلى صاحبها و هی بیضاء مشرقة ، تقول : حفظتنی حفظك اللّه و إذا ارتفعت فی غیر وقتها بغیر حدودها رجعت إلى صاحبها و هى سوداء مظلمة ، تقول : ضیّعتنى ضیّعك اللّه .

و قد أمر اللّه عزّ و جل بمحافظتها فی الكتاب العزیز بقوله : حافظوا على الصّلوات و الصلوة الوسطى و قوموا للَّه قانتین .

قال أمین الاسلام الطبرسى : أى داوموا على الصلوات المكتوبات فی مواقیتها بتمام أركانها ، ثمّ خص الوسطى تفخیما لشأنها فقال : و الصّلوة الوسطى و قال المحدّث العلاّمة المجلسى : و یدلّ بناء على كون الأمر مطلقا أو خصوص أمر القرآن للوجوب على وجوب المحافظة على جمیع الصّلوات إلاّ ما أخرجها الدلیل ، و ربما یستدلّ بها على وجوب صلاة الجمعة و العیدین و الآیات ،

و لكن فی بعض الرّوایات أنّ المراد بها الصّلوات الخمس ، و على تقدیر العموم یمكن تعمیمها بحیث یشمل النّوافل و التّطوّعات أیضا ، فلا یكون الأمر على الوجوب ،

و یشمل رعایة السّنن فی الصلاة الواجبة أیضا كما یفهم من بعض الأخبار .

و خصّ الصلاة الوسطى بذلك بعد التعمیم لشدّة الاهتمام بها لمزید فضلها أو لكونها معرضة للضّیاع من بینها فهى الوسطى بین الصلاة وقتا أو عددا او الفضلى من قولهم للأفضل الأوسط .

و قد قال بتعیین كلّ من الصلوات الخمس قوم إلاّ أنّ أصحابنا لم یقولوا بغیر الظهر و العصر كما یظهر من المنتهى و غیره .

فقال الشیخ فی الخلاف : إنّها الظهر و تبعه جماعة من أصحابنا و به قال زید بن ثابت عایشة و عبد اللّه بن شداد ، لأنّها بین صلاتین بالنّهار ، و لأنّها فى وسط النّهار ، و لأنّها تقع

[ 323 ]

فى شدّة الحرّ و الهاجرة وقت شدّة تنازع الانسان إلى النّوم و الرّاحة فكانت أشقّ ، و أفضل العبادات أحمزها ، و أیضا الأمر بمحافظة ما كان أشقّ أنسب و أهمّ و لأنّها أوّل صلاة فرضت و لأنها فی الساعة الّتی یفتح فیها أبواب السماء فلا تغلق حتّى تصلّى الظهر و یستجاب فیها الدّعاء .

و روى الجمهور عن زید بن ثابت قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یصلّى الظهر بالهاجرة و لم یكن یصلّى صلاة أشدّ على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منها فنزلت الآیة .

و روى التّرمدى و أبو داود عن عایشة عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قرء حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر .

قال فی المنتهى : و العطف یقتضى المغایرة لا یقال : الواو زایدة كما فی قوله تعالى و لكن رسول اللَّه و خاتم النّبیین لأنّا نقول : الزّیادة منافیة للأصل فلا یصار إلیه إلاّ لموجب و المثال الذى ذكروه نمنع زیادة الواو فیه بل هى للعطف على بابها و قال فی مجمع البیان : كونها الظهر هو المرویّ عن الباقر و الصادق علیهما السّلام و روى فیه عن علیّ علیه السّلام أنّها الجمعة یوم الجمعة و الظهر فى سایر الأیام .

و قال السید المرتضى هى صلاة العصر و تبعه جماعة من أصحابنا ، و به قال أبو هریرة و أبو أیّوب و أبو سعید عبیدة السلمانى و الحسن و الضّحاك و أبو حنیفة و أصحابه و أحمد و نقله الجمهور عن علیّ علیه السّلام قالوا لأنّها بین صلاتی لیل و صلاتی نهار .

و احتجّ السید ره باجماع الشیعة .

و المخالفون بما رووا عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال یوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللّه بیوتهم و قبورهم نارا .

و فی الوسائل بعد روایة الأخبار الدّالّة على أنّها الظهر قال : و تقدّم ما یشعر بأنها العصر ، و هو محمول على التّقیة فی الرّوایة .

و قیل : إنّها إحدى الصلوات الخمس لم یعیّنها اللّه و أخفاها فی جملة الصلوات


[ 324 ]

المكتوبة لیحافظوا على جمیعها كما أخفى لیلة القدر فی لیالى شهر رمضان ، و اسمه الأعظم فی جمیع الأسماء ، و ساعة الاجابة فی ساعات الجمعة لئلا یتطرّق التّشاغل بغیرها بل یهتمّ غایة الاهتمام بالكلّ فیدرك كمال الفضل .

( و استكثروا منها ) فانّها خیر موضوع فمن شاء أقلّ و من شاء أكثر .

روى فی البحار من البصایر عن محمّد بن الحسین عن عبد الرّحمن بن أبی هاشم ابن العتبة العابدة قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام و ذكر عنده الصلاة فقال : إنّ فى كتاب علیّ علیه السّلام الذى إملا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ اللّه لا یعذّب على كثرة الصلاة و الصیام و لكن یزیده جزاء « خیرا خ » و فى الوسایل عن الشیخ باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السّلام قال :

أتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رجل فقال : ادع اللّه أن یدخلنی الجنّة فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أعنّى بكثرة السّجود .

و فیه عن الصدوق باسناده عن أبی جعفر العطار قال : سمعت الصادق جعفر ابن محمّد علیهما السّلام یقول : جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : یا رسول اللّه كثرت ذنوبى و ضعف عملى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أكثر السّجود فانّه یحطّ الذنوب كما تحتّ الرّیح ورق الشجر .

( و تقرّبوا بها ) إلى اللّه سبحانه فانّها قربان كلّ تقىّ .

كما رواه فی البحار من العیون باسناده عن محمّد بن الفضیل عن الرّضا علیه السّلام قال : الصلاة قربان كلّ تقىّ .

و فیه من ثواب الأعمال باسناده عن موسى بن بكر عن أبی الحسن علیه السّلام قال :

صلاة النّوافل قربان كلّ مؤمن .

بل هى أفضل ما یتقرّب به إلیه تعالى .

كما یدلّ علیه ما رواه فی الكافى باسناده عن معاویة بن وهب قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن أفضل ما یتقرّب به العباد إلى ربّهم فقال : ما أعلم شیئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ، ألا ترى أنّ العبد الصالح عیسى بن مریم علیهما السّلام قال : و أوصانى

[ 325 ]

بالصلوة و الزّكوة ما دمت حیّا ، هذا .

و لمّا أمر بتعاهدها و محافظتها و التّقرّب بها عقّب علیه السّلام ذلك و علّله بوجوه مرغبة .

أحدها قوله ( فانّها كانت على المؤمنین كتابا موقوتا ) اقتباس من الآیة الشریفة فى سورة النساء .

قال فی مجمع البیان : اختلف فی تأویله فقیل : إنّ الصلاة كانت على المؤمنین واجبة مفروضة و هو المرویّ عن الباقر و الصادق علیهما السّلام ، و قیل : معناه فرضا موقوتا أى منجما تؤدّونها فی أنجمها .

و فی الكافى باسناده عن داود بن فرقد قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : قوله تعالى إنّ الصلاة كانت على المؤمنین كتاباً موقوتاً قال : كتابا ثابتا و لیس إن عجّلت قلیلا أو أخّرت قلیلا بالذى یضرّك ما لم تضیّع تلك الاضاعة فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول لقوم أضاعوا الصلوة و اتّبعوا الشّهوات فسوف یلقون غیّاً .

و فیه عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام فی هذه الآیة أى كتابا موجوبا « موجبا خ ل » هذا و تخصیص المؤمنین بالذكر فی الآیة الشریفة لتحریصهم و ترغیبهم على حفظها و حفظ أوقاتها حالتى الأمن و الخوف و مراعاة جمیع حدودها فی حال الأمن و ایماء بأنّ ذلك من مقتضى الایمان و شعار أهله فلا یجوز أن تفوتهم و إنّ التّساهل فیها یخلّ بالایمان و انّهم هم المنتفعون بها لعدم صحّتها من غیرهم .

الثانى قوله ( ألا تسمعون إلى جواب أهل النار ) و الاستفهام للتقریر بما بعد النّفى أو للتوبیخ و التقریع ، و الغرض منه تنبیه المخاطبین على أنّ ترك الصلاة یوجب دخول النار و سخط الجبار لیتحرزوا من تركها و یحافظوا علیها .

و ذلك انّ أهل النار ( حین سئلوا ) أى سألهم أهل الجنّة على ما حكى اللّه عنهم فی سورة المدّثر بقوله : كلّ نفس بما كسبت رهینة . الاّ أصحاب الیمین .

فی جنّات یتسائلون عن المجرمین . ما سلككم فی سقر . قالوا لم نك من المصلّین

[ 326 ]

و لم نك نطعم المسكین . و كنّا نخوض مع الخائضین . و كنّا نكذّب بیوم الدّین . حتى أتینا الیقین .

قال أمین الاسلام الطبرسى فی تفسیر الآیة : كلّ نفس بما كسبت رهینة أى محبوسة بعملها مطالبة بما كسبته من طاعة أو معصیة ، ثمّ استثنى سبحانه أصحاب الیمین وهم الذین یعطون كتبهم بأیمانهم و قال الباقر علیه السّلام نحن و شیعتنا أصحاب الیمین .

فی جنّات یتسائلون ، أى یسأل بعضهم بعضا و قیل : یسألون عن المجرمین أى عن حالهم و عن ذنوبهم الّتی استحقوا بها النار .

ما سلككم فی سقر ، هذا سؤال توبیخ أى تطلع أهل الجنّة على أهل النار فیقولون : ما أوقعكم فی النار .

قالوا لم نك من المصلّین ، أى كنا لا نصلّى الصلاة المكتوبة على ما قرّرها الشرع ، و فی هذا دلالة على أنّ الاخلال بالواجب یستحقّ به الذّم و العقاب ،

لأنهم علّقوا استحقاقهم العقاب بالاخلال بالصلاة ، و فیه دلالة أیضا على أنّ الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعیّة ، لأنه حكایة عن الكفار بدلیل قوله : و كنا نكذّب بیوم الدّین .

و قوله : و لم نك نطعم المسكین ، معناه لم نك نخرج الزّكوات الّتى كانت واجبة علینا ، و الكفارات التى وجب دفعها إلى المساكین ، و هم الفقراء .

و كنّا نخوض مع الخائضین أى كلّما غوى غاو بالدّخول فی الباطل غوینا معه و المعنى كنا نلوث أنفسنا فی المرور بالباطل كتلویث الرّجل بالخوض ، فهؤلاء لما كانوا یجرون مع من یكذّب بالحقّ مشیعین لهم فى القول كانوا خائضین معهم .

و كنا نكذّب بیوم الدّین ، مع ذلك أى نجحد یوم الجزاء و هو یوم القیامة .

حتّى أتینا الیقین ، أى أتانا الموت على هذه الحالة ، و قیل : حتّى جاءنا علم الیقین من ذلك بأن عاینّاه ، هذا .

و فى الصافى عن الكافى عن الصادق علیه السّلام فی قوله : لم نك من المصلّین ،

[ 327 ]

قال علیه السّلام : لم نك من أتباع الأئمة الذین قال اللّه فیهم : و السابقون السابقون اولئك المقرّبون ، أما ترى الناس یسمّون الذى یلى السابق فی الحلبة مصلّیا ، فذلك الذى عنى حیث قال : لم نك من المصلّین أى لم نك من أتباع السابقین .

و عن الكاظم علیه السّلام یعنى أنا لم نتولّ وصیّ محمّد و الأوصیاء من بعده و لم نصلّ علیهم ، و هذان لا ینافیان التفسیر المتقدّم لأنّ المتقدّم تنزیلها وهذا تأویلها .

( و ) الثالث ( انها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق ) أى تسقطها من الرّقاب سقوط الأوراق من الأشجار .

كما وقع التّصریح به فی روایة الوسایل من مجالس ابن الشّیخ باسناده عن سلمان الفارسى قال : كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى ظلّ شجرة فأخذ غصنا منها فنفضه فتساقط ورقه فقال : ألا تسألونى عمّا صنعت ؟ فقالوا : أخبرنا یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : إنّ العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاطت خطایاه كما تحاطت ورق هذه الشجرة ، هذا .

و التشبیه فی كلامه علیه السّلام من قبیل تشبیه المعقول بالمحسوس ، و كذلك فی قوله :

( و تطلقها إطلاق الرّبق ) و الكلام على القلب و المراد أنّها تطلق أعناق النفوس أى تفكّها من أغلال الذّنوب إطلاق أعناق البهایم من الأرباق .

و لمّا ذكر إسقاطها للذّنوب أیّده بقوله ( و شبّهها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالحمة تكون على باب الرّجل ) و أشار إلى وجه الشّبه بقوله ( فهو یغتسل منها ) و یطهر جسده من الأوساخ ( فی الیوم و اللّیلة خمس مرّات فما عسى أن یبقى علیه ) شی‏ء ( من الدّرن ) و كذلك من صلّى الصلوات الخمس لا یبقى علیه شی‏ء من الذّنوب .

و قد تقدّم فی شرح الخطبة المأة و التاسعة روایة متن الحدیث النّبوى من الفقیه عن الصادق علیه السّلام قال : قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّما مثل الصلاة فیكم كمثل السرى و هو النهر على باب أحدكم یخرج إلیه فی الیوم و اللّیلة یغتسل منه خمس مرّات فلم یبق الدرن على الغسل خمس مرّات ، و لم یبق الذنوب على الصلاة خمس مرّات .

[ 328 ]

و الرابع ما أشار إلیه بقوله ( و قد عرف حقّها ) و قدرها ( رجال من المؤمنین ) و هو علیه السّلام رئیسهم و سیّدهم و أفضلهم حسبما تطلع علیه فی الأخبار الاتیة و هم ( الذین لا تشغلهم عنها زینة متاع و لا قرّة عین من ولد و لا مال ) لعلمهم بأنّ المال و البنین زینة الحیاة الدنیا و الباقیات الصالحات خیر عند ربهم ثوابا و خیر أملا .

( یقول اللّه سبحانه ) فی وصفهم فی سورة النّور : فی بیوت أذن اللَّه أن ترفع و یذكر فیها اسمه یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال ( رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع ) من عطف الخاص على العام لشمول التجارة سایر أنواع المكاسب ( عن ذكر اللّه و إقام الصّلوة و ایتاء الزكوة ) یخافون یوما تتقلّب فیه القلوب و الأبصار .

قال فى مجمع البیان : روى مرفوعا أنّه سئل النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما قرء الآیة أىّ بیوت هذه ؟ فقال : بیوتات الأنبیاء ، فقام أبو بكر فقال : یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله هذا البیت منها لبیت علیّ و فاطمة ، قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : نعم من أفاضلها .

و المراد بالرّفع التعظیم و رفع القدر من الأرجاس و التطهیر من المعاصى ،

و یذكر فیها اسمه أى یتلى فیها كتابه یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال أى یصلّى فیها بالبكر و العشایا ، رجال لا تلهیهم ، أى لا تشغلهم و لا تصرفهم ، تجارة و لا بیع عن ذكر اللّه و إقام الصلاة ، أى إقامة الصّلاة و ایتاء الزكاة أى إخلاص الطاعة للّه و قیل یرید الزكاة المفروضة .

و روى فی كتاب غایة المرام من تفسیر مجاهد و الى یوسف یعقوب بن سفین « كذا » قال ابن عبّاس فی قوله تعالى : و إذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إلیها و تركوك قائماً إنّ دحیة الكلبی جاء یوم الجمعة من الشّام بالمسیرة فنزل عند أحجار الزّیت ثمّ ضرب بالطبول لیأذن بقدومه و مضوا النّاس الیه إلاّ علىّ و الحسن و الحسین و فاطمة و سلمان و أبوذر و المقداد و صهیب و تركوا النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائما یخطب على المنبر ،

فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لقد نظر اللّه یوم الجمعة إلى مسجدى فلو لا هؤلاء الثمّانیة الّذین جلسوا فی مسجدى لاضطرمت المدینة على أهلها نارا و حصبوا بالحجارة كقوم لوط ،

فنزل فیهم : رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع .

و فیه عن محمّد بن العباس عن محمّد بن همّام عن محمّد بن إسماعیل عن عیسى بن

[ 329 ]

داود قال : حدّثنا الامام موسى بن جعفر عن أبیه علیهما السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ فی بیوت أذن اللَّه أن ترفع الآیة قال : بیوت آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بیت علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و حمزة و جعفر علیهم السّلام ، قلت : بالغدوّ و الآصال ، قال : الصّلاة فی أوقاتها ،

قال : ثمّ وصفهم اللّه عزّ و جل : رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع عن ذكر اللَّه و إقام الصلوة و ایتاء الزّكوة یخافون یوما تتقلّب فیه القلوب و الأبصار ، قال : هم الرّجال لم یخلط اللّه معهم غیرهم ، ثمّ قال : لیجزیهم اللَّه أحسن ما عملوا و یزیدهم من فضله ، قال :

ما اختصّهم به من المودّة و الطّاعة المفروضة و صیّر مأواهم الجنّة و اللّه یرزق من یشاء بغیر حساب .

( و ) الخامس انّ فی المحافظة على الصلاة أسوة بالنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلقد ( كان رسول اللّه نصبا بالصلاة ) أى تعبا بها كلّ التعب .

حتى روى انّه كان یصلّى اللّیل كلّه و یعلّق صدره بحبل حتّى لا یغلبه النّوم فعاتبه اللّه على ذلك و أنزل علیه « طه ما أنزلنا علیك القرآن لتشقى » و أمره بأن یخفّف على نفسه و ذكر أنّه ما أنزل علیه الوحى لیتعب كلّ هذا التّعب .

روى فى الصافى من الاحتجاج عن الكاظم عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام قال : لقد قام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عشر سنین على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه یقوم اللّیل أجمع حتّى عوتب فی ذلك فقال اللّه عزّ و جلّ طه ما أنزلنا علیك القرآن لتشقى بل لتسعد .

قیل : الشقاء شایع بمعنى التّعب و منه أشقى من رایض‏المهر و سیّد القوم أشقاهم ، و لعلّه عدل الیه للاشعار بأنّه انزل إلیه لیسعد .

و قوله ( بعد التبشیر له بالجنّة ) إشارة إلى أنّه لم یكن مواظبته على الصّلاة شوقا إلى الجنّة و لا خوفا من النّار بل قد كان نصبا بها مع وجود تلك البشارة متحملا كلّ التعب امتثالا ( لقول اللّه سبحانه ) و أمره له بالصبر علیها فی سورة طه حیث قال :

-----------
( 1 ) رضت الدابة ریاضا ذللتها فالفاعل رائض ، مصباح اللغة .

[ 330 ]

( و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر علیها ) لا نسئلك رزقا . نحن نرزقك و العاقبة للتّقوى .

قال فی مجمع البیان : معناه و أمر یا محمّد أهل بیتك و أهل دینك بالصلاة و اصبر على فعلها ، و فى الصافى و داوم علیها ، لا نسألك أن ترزق نفسك و لا أهلك ، بل كلّفناك العبادة و أداء الرّسالة و ضمنا رزق الجمیع ، نحن نرزقك و إیّاهم ففرّغ بالك للآخرة ،

و العاقبة المحمودة لذوى التقوى .

قال فى مجمع البیان روى أبو سعید الخدرى قال : لمّا نزلت هذه الآیة كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یأتی باب فاطمة و علیّ تسعة أشهر عند كلّ صلاة فیقول : الصلاة رحمكم اللّه إنّما یرید اللَّه لیذهب عنكم الرجس أهل البیت و یطهّركم تطهیراً .

قال و قال أبو جعفر علیه السّلام أمره اللّه أن یخصّ أهله دون النّاس لیعلم النّاس أنّ لأهله عند اللّه منزلة لیست للنّاس ، فأمرهم مع النّاس عامّة ثمّ أمرهم خاصّة .

و فى الصافى من العیون عن الرّضا علیه السّلام فی هذه الآیة قال : خصّنا اللّه هذه الخصوصیّة إذ أمرنا مع الامّة باقامة الصّلاة ثمّ خصّنا من دون الامّة فكان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یجى‏ء إلى باب علىّ و فاطمة بعد نزول هذه الآیة تسعة أشهر كلّ یوم عند حضور كلّ صلاة خمس مرّات فیقول : الصّلاة رحمكم اللّه و ما أكرم اللّه أحدا من ذرارى الأنبیاء بمثل هذه الكرامة الّتی أكرمنا بها و خصّنا من دون جمیع أهل بیتهم .

( فكان ) صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( یأمر ) بها ( أهله و یصبّر علیها نفسه ) أى یأمر نفسه بالصبر و التحمّل على تعبها ، هذا .

و قد تقدّم فی شرح الخطبة المأة و التاسعة تفصیل الكلام فی فضل الصّلاة و آدابها و أسرارها و عقاب تاركها . فلیراجع هناك .

و أما الفصل الثانى

فقد أشار الیه بقوله ( ثمّ إنّ الزكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الاسلام )

[ 331 ]

یعنی كما جعل اللّه سبحانه الصّلاة قربانا للمسلمین یتقرّبون بها إلیه تعالى ، جعل الزكاة أیضا قربانا لهم مثلها .

و یدلّ على ذلك أنّه سبحانه عقّب الأمر باقام الصّلاة فی أكثر آیات كتابه العزیز بالأمر بایتاء الزّكاة ، فجعل الزكاة تالی الصّلاة فی المطلوبیّة .

و یشهد به أیضا ما فی الوسایل عن الصّدوق باسناده عن المجاشعی عن الرّضا علیه السّلام عن آبائه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : بنی الاسلام على خمس خصال :

على الشّهادتین ، و القرینتین ، قیل له : أمّا الشهادتان فقد عرفناهما ، فما القرینتان ؟

قال : الصّلاة و الزّكاة ، فانّه لا یقبل إحداهما إلاّ بالاخرى ، و الصیام و حجّ البیت من استطاع إلیه سبیلا ، و ختم ذلك بالولایة .

و قد مضی الكلام فی فضلها و عقوبة تاركها و أقسامها فی شرح الخطبة المأة و التاسعة بما لا مزید علیه فلیراجع ثمّة .

و لما ذكر كونها قربانا لأهل الاسلام نبّه على شرط قربانیّتها و هو كون اتیانها عن وجه الخلوص و طیب النفس ، و سرّ ذلك ما قدّمناه فی شرح الخطبة الّتی أشرنا الیه ، و محصّل ما قدّمناه أنّ الاسلام موقوف على توحید الربّ عزّ و جلّ و كمال توحیده عبارة عن الاخلاص له ، و معنى الاخلاص إفراده بالمعبودیّة و المحبوبیّة و اخلاء القلب عن محبّة ما سواه فلا یجتمع محبة المال مع محبّته تعالى .

( ف ) علم من ذلك أنّ ( من أعطاها طیّب النفس بها ) حبّا له تعالى و امتثالا لأمره و ابتغاء لمرضاته و تقرّبا إلیه عزّ و جلّ ( فانها ) حینئذ تقرّبه إلیه و توجب حبّه تعالى له و القرب و الزّلفى لدیه و ( تجعل له ) من الذّنوب ( كفارة و من النار حجازا و وقایة ) أى حاجزا مانعا من النار و وقایة من غضب الجبار .

كما یشهد به ما رواه فی الفقیه عن الصادق علیه السّلام قال : خیاركم سمحاؤكم و شراركم بخلاؤكم ، و من خالص الایمان البرّ بالاخوان ، و السعى فى حوائجهم ، و انّ البارّ بالاخوان لیحبّه الرّحمن ، و فی ذلك مرغمة للشیطان ، و تزحزح عن النیران

[ 332 ]

و دخول الجنان ثمّ قال علیه السّلام لجمیل : یا جمیل أخبر بهذا غرر 1 أصحابك ، قلت :

جعلت فداك من غرر أصحابی ؟ قال : هم البارّون بالاخوان فى العسر و الیسر ، ثمّ قال : یا جمیل اعلم أنّ صاحب الكثیر یهوّن علیه ذلك و إنما مدح اللّه فى ذلك صاحب القلیل فقال فى كتابه و یؤثرون على انفسهم و لو كان بهم خصاصة و من یوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون .

و بعد ذلك ( ف ) اللاّزم أن ( لا یتبعنها أحد ) من المعطین لها ( نفسه و لا یكثرنّ علیها لهفه ) و تحسّره ، لأنّ اتباع النّفس و إكثار اللّهف كاشف عن محبّته لها و هو ینافى محبّته تعالى فكیف یتقرّب باعطائها إلیه و یبتغی القرب و الزّلفى لدیه ( فانّ من أعطاها ) على وجه الاكراه ( غیر طیّب النّفس بها ) و الحال أنّه ( یرجو ) و یتوقّع ( بها ما هو أفضل منها ) من رضوان اللّه تعالى و الخلد فی جنانه ( فهو ) كاذب فى دعوى المحبّة ( جاهل بالسّنة ) لأنّ السّنة فى أدائها أن یكون بطیب النفس ، و لذلك مدح اللّه الباذلین للمال كذلك بقوله و یؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة و قوله و یطعمون الطعام على حبّه مسكیناً و یتیماً و أسیراً . إنّما نطعمكم لوجه اللَّه لا نرید منكم جزاءً و لا شكوراً .

( مغبون الأجر ) لأنّ الأجر مترتّب على العمل ، فاذا كان العمل لا على وجه الرّضا یكون الجزاء المترتّب علیه كذلك ، و من هنا قیل : كما تدین تدان ، و قد قال سبحانه و ما آتیتم من ربا لیربو فى أموال الناس فلا یربو عند اللَّه و ما آتیتم من زكوة تریدون وجه اللَّه فاولئك هم المضعفون .

( ضالّ العمل ) حیث أتا به على غیر الوجه المطلوب شرعا ( طویل النّدم ) فی الآخرة على ما فوّته على نفسه من الأجر الجزیل و الجزاء الجمیل

-----------
( 1 ) رجل أغرّ ، أى شریف و غرّة القوم سیدهم ، م

[ 333 ]

و اما الفصل الثالث

فهو ما أشار إلیه بقوله ( ثمّ أداء الامانة ) الّتى جعل اللّه المحافظة علیها من وصف المؤمنین الموصوفین فى قوله قد أفلح المؤمنون . الذینهم فى صلوتهم خاشعون إلى قوله و الذینهم لأماناتهم و عهدهم راعون و الأخبار فى فضلها بالغة حدّ الاستفاضة .

منها ما فى البحار من الكافى عن الحسین بن أبى العلا عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال :

إنّ اللّه عزّ و جلّ لم یبعث نبیّا إلاّ بصدق الحدیث و أداء الامانة إلى البرّ و الفاجر .

و من قرب الاسناد عن ابن طریف عن ابن علوان عن جعفر عن أبیه علیه السّلام قال :

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : الأمانة تجلب الغنى و الخیانة تجلب الفقر .

و من الامالى عن عمر بن یزید قال : سمعت الصادق علیه السّلام یقول : اتّقوا اللّه و علیكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم . فلو أنّ قاتل أمیر المؤمنین ائتمننى على أمانة لأدّیتها إلیه .

و عن الثمالى عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال : سمعته علیه السّلام یقول لشیعته : علیكم بأداء الأمانة فو الذى بعث محمّدا بالحقّ نبیّا لو أنّ قاتل أبی الحسین بن علیّ علیهما السّلام ائمننى على السیف الذى قتله به لأدّیته إلیه .

و عن أحمد بن محمّد الهمدانی عن أبی جعفر الثّانى عن آبائه علیهم السّلام عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم و صومهم و كثرة الحجّ و المعروف و طنطنتهم باللّیل ، و لكن انظروا إلى صدق الحدیث و أداء الأمانة .

و عن الحسین بن أبی العلا عن الصادق علیه السّلام قال : سمعته یقول : أحبّ العباد إلى اللّه عزّ و جلّ رجل صدوق فی حدیثه محافظ على صلاته و ما افترض اللّه علیه مع أداء الأمانة ، ثمّ قال علیه السّلام : من اؤتمن على أمانة فأدّاها فقد حلّ ألف عقدة من عنقه من عقد النّار ، فبادروا بأداء الأمانة ، فانّ من اؤتمن على أمانة وكّل به إبلیس مأة شیطان من مردة أعوانه لیضلّوه و یوسوسوا إلیه حتّى یهلكوه إلاّ من عصم اللّه عزّ و جلّ .

[ 334 ]

( فقد ) علم من ذلك أنّه ( خاب من لیس من أهلها ) أى خسر فی الدنیا و فی الآخرة من لم یكن من أهلها ، بل كان من أهل الخیانة ، فانّ الخیانة حسبما عرفت تجلب الفقر فی الدّنیا و النار فی العقبى و خسر أهلها خسرانا عظیما .

و ان شئت أن تعرف عظم الخطب و مزید ثقل التّكلیف فیها فاستمع لما یتلى علیك من قوله :

( إنّها عرضت على السّماوات المبنیّة و الأرضین المدحوّة ) المبسوطة على الماء ( و الجبال ) الرّاسیات ( ذات الطول المنصوبة ) المرفوعة على الأرض و لكنّها مع أنّها أعظم ما خلق اللّه عزّ و جلّ فی الكون ( فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها ) امتنعن من حمل هذا التكلیف ، أى تكلیف الأمانة و أبین أن یحملنها لثقلها و صعوبتها لا للعظمة و الاستكبار عن الطاعة ، بل للخوف و الاشفاق من المعصیة .

( و لو امتنع شی‏ء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لامتنعن ) بل كنّ أولى بالامتناع بما لهنّ من أوصاف العظمة التی لیست فی غیرهنّ ( و لكن أشفقن من العقوبة و غفلن ما جهل من هو أضعف منهن و هو الانسان ) فحملها مع ما به من الضعف و النقصان ( انّه كان ظلوما جهولا ) قال الشارح البحرانى : و ذكر كون السماوات مبنیّة و الأرض مدحوّة و الجبال بطولها و عرضها و عظمتها ، تنبیه للانسان على جرئته على المعاصى و تضییع هذه الأمانة إذا هى لها و حملها و تعجب منه فی ذلك ، فكأنّه یقول : إذا كانت هذه الأجرام العلویة التی لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانة حین عرضت علیها فكیف حملها من هو أضعف منها .

أقول : تحقیق هذا المقام یحتاج إلى بسط الكلام .

قال اللّه تعالى فی سورة الأحزاب إنّا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فأبین أن یحملنها و أشفقن منها و حملها الانسان انّه كان ظلوماً جهولاً .

و قد اختلف أقوال المفسّرین كالأخبار فی تفسیر هذه الآیة فی مواضع :

[ 335 ]

الاول

أنّ المراد بالأمانة المعروضة ما ذا ؟

فقیل : هی ما أمر اللّه به من طاعته و نهى عنه من معصیته ، و بعبارة اخرى هى التكالیف و الأحكام الشرعیّة المطلوبة من الانسان ، فانّ اللّه سبحانه لما اقتضت عنایته لایجاد هذه العبادة المخصوصة ، و أن یجعل فی الأرض خلیفة لعمارتها ، خلق الانسان و جعله واسطة بین الملك و الحیوان . فهو كالحیوان فی الشهوة و الغضب و التناسل و سایر القوى البدنیّة المخصوصة بالحیوان ، و كالملك فی العقل و العلم و العبادة و سایر الكمالات النفسانیّة ، فلو كان خالیا من العقل و الفهم لم یتأهل لمعرفته و عبادته الخاصة كسایر أصناف الحیوان ، و لو كان خالیا عن الشهوة و الغضب مثل الملك لم یصلح لعمارة الأرض و خلافته . و لذلك قال اللّه للملائكة إنّى أعلم ما لا تعلمون فاذا هذه العبادة الخاصة لا یصلح لها إلاّ الانسان ، و هى المراد بالامانة فی الآیة .

و یؤید هذا القول ما فی الصافى من العوالى أنّ علیّا علیه السّلام إذا حضر وقت الصّلاة یتململ و یتزلزل و یتلوّن فیقال له : ما لك یا أمیر المؤمنین ؟ فیقول : جاء وقت الصلاة وقت أمانة عرضها اللّه على السموات و الأرض و الجبال فأبین أن یحملنها و أشفقن منها .

و قیل : هى أمانات الناس و الوفاء بالعهود .

و یؤیده ما فى البحار من مشكاة الأنوار نقلا من كتاب المحاسن قال : و سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إنّا عرضنا الأمانة الآیة ما الذى عرض علیهنّ ؟

و ما الذى حمل الانسان ؟ و ما كان هذا ؟ قال : فقال : عرض علیهنّ الأمانة بین الناس و ذلك حین خلق الخلق .

و عن بعض أصحابه رفعه قال : قال لابنه یا بنیّ أدّ الأمانة یسلم لك دنیاك و آخرتك و كن أمینا تكن غنیّا .

و قیل : إنّ المراد بها الامامة قال فى تفسیر القمّی : الأمانة هى الامامة

[ 336 ]

و الأمر و النّهى ، و الدلیل على أنّ الأمانة هى الامامة قول اللّه عزّ و جلّ للائمّة انّ اللَّه یأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها یعنى الامامة ، فالأمانة هى الامامة عرضت على السماوات و الأرض و الجبال فأبین أن یحملنها أن یدّعوها أو یغصبوها أهلها و أشفقن منها ، و حملها الانسان ، یعنى الأوّل إنّه كان ظلوما جهولا ، انتهى .

و یدل على ذلك أخبار كثیرة مثل ما فى البحار من كنز الفواید عن إسحاق ابن عمّار عن أبى عبد اللّه علیه السّلام فى هذه الآیة ، قال : یعنى ولایة أمیر المؤمنین .

و من جامع الأخبار و العیون عن الحسین بن خالد قال : سألت الرّضا علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إنّا عرضننا الأمانة الآیة قال : الأمانة الولایة من ادّعاها بغیر حقّ فقد كفر .

و من جامع الأخبار عن أبی بصیر قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إنّا عرضنا الأمانة الآیة قال : الامانة الولایة و الانسان أبو الشرور المنافق .

و من البصایر عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام فی قول اللّه تبارك و تعالى إنّا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فأبین أن یحملنها و أشفقن قال : الولایة أبین أن یحملنها كفرا بها ، و حملها الانسان ، و الانسان الذى حملها أبو فلان . إلى غیر هذه مما لا نطیل بروایتها .

قال المحدّث العلامة المجلسیّ بعد روایة هذه الرّوایات : على تأویلهم علیهم السّلام یكون اللام فی الانسان للعهد و هو أبو الشرور أى أبو بكر أو للجنس و مصداقه الأوّل فی هذا الباب أبو بكر ، و المراد بالحمل الخیانة ، و المراد بالولایة الخلافة و ادعائها بغیر حقّ ، فعرض ذلك على أهل السّماوات و الأرض أو علیهما بأن یبیّن لهم عقوبة ذلك و قیل لهم : هل تحملون ذلك ، فأبوا إلاّ هذا المنافق و أضرابه حیث حملوا ذلك مع ما بیّن لهم من العقاب المترتّب علیه