الثانى

اختلفوا فی المراد بعرض الأمانة على السّماوات و الأرض .

[ 337 ]

فقیل : إنّ المراد به عرضها على نفس الأرض و السّماء و إنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فیها فهما و قال : إنّى فرضت فریضة و خلقت جنّة لمن أطاعنی و نارا لمن عصانی : فقلن : نحن مسخّرات لأمرك لا نحتمل فریضة و لا نبتغى ثوابا و لا عقابا ، و لمّا خلق آدم عرض علیه مثل ذلك فحمله و كان ظلوما لنفسه بتحمّلها ما یشقّ علیها ، جهولا لو خامة عاقبته .

و هذا القول أعنی عرضها على نفس السّماوات و الأرض مرویّ عن ابن عبّاس و یدلّ علیه ظاهر كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فی المتن حیث قال : و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ .

و یشهد به أیضا ما رواه فى البحار و غایة المرام من مناقب أبى بكر الشیرازى فى نزول القرآن فى شأن علىّ علیه السّلام بالاسناد عن مقاتل عن محمّد بن حنفیّة عن أمیر المؤمنین فى قوله « إنّا عرضنا الأمانة » عرض اللّه أمانتی على السماوات السبع بالثواب و العقاب فقلن ربنا لا نحملنها بالثواب و العقاب و لكنا نحملها بلا ثواب و لا عقاب ، و انّ اللّه عرض أمانتی و ولایتی على الطیور ، فأوّل من آمن بها البزاة البیض و القنابر و أوّل من جحدها البوم و العنقا ، فلعنهما اللّه تعالى من بین الطیور ، فأما الیوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبغض الطیر لها ، و أما العنقا فغابت فى البحار و إنّ اللّه عرض أمانتى على الأرضین فكلّ بقعة آمنت بولایتى جعلها طیبة زكیة و جعل نباتها و ثمرتها حلوا عذبا و جعل ماءها زلالا ، و كلّ بقعة جحدت إمامتى و أنكرت ولایتى جعلها سبخا و جعل نباتها مرّا علقما ، و جعل ثمرها العوسج و الحنظل ، و جعل ماءها ملحا اجاجا ثمّ قال : و حملها الانسان ، یعنى امتك یا محمّد ولایة أمیر المؤمنین و امامته بما فیها من الثواب و العقاب ، إنه كان ظلوما لنفسه جهولا لأمر ربّه ، من لم یؤدّها بحقّها ظلوم غشوم .

و محصّل هذا القول أنّ المراد بالأمانة التكلیف بالعبودیّة على وجهها و التقرّب بها إلى اللّه سبحانه كما ینبغى لكلّ عبد بحسب استعداده لها ، و أعظمها الولایة و الخلافة الالهیّة ، ثمّ تسلیم من لم یكن من أهلها لأهلها و عدم ادّعاء منزلتها لنفسه ، ثمّ سایر

[ 338 ]

التكالیف الشرعیة ، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهنّ و بابائهنّ الاباء الطبیعى الذى هو عبارة عن عدم اللّیاقة و الاستعداد ،

و بحمل الانسان قابلیّته و استعداده لها و تحمّله إیاها و كونه ظلوما جهولا ، تقصیره فى أدائها لما غلب علیه من القوّة الشهویّة و الغضبیة .

و قیل : إنّ المراد العرض على أهلها فحذف المضاف و اقیم المضاف الیه مقامه ،

و عرضها علیهم هو تعریفها إیاهم انّ فی تضییع الامانة الاثم العظیم ، و كذلك فى ترك أوامر اللّه و احكامه ، فبیّن سبحانه جرءة الانسان على المعاصى و اشفاق الملائكة من ذلك ، فیكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات و الأرض و الجبال من الملائكة و الجنّ و الانس فابى أهلهنّ أن یحملوا تركها و عقابها و المآثم فیها و أشفقن أهلها من حملها ، و حملها الانسان إنه كان ظلوما لنفسه بارتكاب المعاصى ، جهولا بموضع الامانة فى استحقاق العقاب على الخیانة فیها .

و قیل : إنه على وجه التقدیر الاّ أنه جرى علیه لفظ الواقع ، لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر ، و المعنى انه لو كانت السماوات و الأرض و الجبال عاقلة ثمّ عرضت علیها الأمانة و هى وظایف الدّین اصولا و فروعا و بما فیها من الوعد و الوعید ، لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدّتها و قوّتها و لامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقّها ، ثمّ حملها الانسان مع ضعف جسمه و لم یخف الوعید لظلمه و جهله .

الثالث

قوله : و حملها الانسان .

المراد بالانسان إمّا نوع الانسان أى بنو آدم ، أو خصوص امّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فالمراد بحملهم لها قبولهم للاتیان بما كلّف علیهم من الطاعات و العبادات و التسلیم لامامة أئمة الدین ، و كونه ظلوما جهولا لعدم خروجهم عن عهدة التكلیف و عدم وفائهم بما حملوه من طاعة الأئمّة و تقصیرهم فی أداء الأمانة ، و هو وصف للجنس باعتبار أغلب أفراده إذ الأنبیاء و الأولیاء و المؤمنون القائمون بوظایف العبودیّة الرّاعون

[ 339 ]

لعهد الامامة خارجون من عموم الآیة قطعا .

و إمّا خصوص فرد منه و هو أبو بكر حسبما تقدّم فی الأخبار ، و علیه فالمراد بحمله للامانة أى الخلافة ادّعائه لها لنفسه من غیر استحقاق و أهلیّة ، و بعبارة اخرى خیانته و تقصیره فیها و ظلمه على من كان مستحقّا به و جهله بمرتبة نفسه حیث وضعها موضعا لیس له .

و قیل : إنّ المراد بالانسان هو آدم علیه السّلام ، و اعترض علیه فی مجمع البیان بقوله و لا یجوز أن یكون الانسان محمولا على آدم لقوله « انّ اللَّه أصطفى آدم » فكیف یكون من اصطفاه اللّه من بین خلقه موصوفا بالظلم و الجهل .

هذا تفصیل ما قیل أو یقال فی تفسیر الآیة الشریفة ، و قد ظهر منه اختلافهم فی المراد بالأمانة المذكورة فیها على أقوال .

و أمّا فی كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فالظاهر أنّ المراد بها خصوص الأمانة المعهودة بین الخلق حسبما عرفتها فى الأخبار المتقدّمة ، و انّما قلنا : إنّ الظاهر ذلك ، لاشعار تقدیم ذكر الصلاة و الزكاة علیها على عدم كون المراد بها مطلق التكالیف الشرعیّة ، بل التكلیف المخصوص الّذى فی عداد الصّلاة و الزكاة القسیم لهما .

لكن الأظهر بمقتضى الحال و المقام ، و أنّ وصیّته بهذا الكلام إلى أصحابه كان فی مقام الحرب مع النّاكثین و القاسطین و المارقین حسبما تعرفه فى التكملة الآتیة هو : أنّ المراد بها الامامة و الولایة ، فیكون غرضه بقوله : ثمّ أداء الأمانة فقد خاب من لیس من أهلها آه الطعن و التعریض على المعارضین له و الجاحدین لولایته و النّاصبین له العداوة من معاویة و طلحة و الزّبیر و أتباعهم و أهل النهر و أمثالهم بكونهم خائبین خاسرین ، لعدم كونهم أهلا للامانة أى الخلافة و الولایة ، و بأنّهم حملوا و ادّعوا ما أبت السماوات و الأرض و الجبال على كبر أجرامهما من حملها و ادّعائها ، و أشفقن من ذلك ، و بأنّهم كانوا متّصفین بالظّلم و الجهل حیث ظلموه علیه السّلام حقّه و جهلوا بشأنه و مقامه .

و كیف كان فلمّا أمر و أوصى أصحابه بالصّلاة و الزّكاة و أداء الأمانة ، و شدّد

[ 340 ]

الترغیب فیها و التحذیر من مخالفتها بكون الخاین أو المقصّر ظلوما جهولا ، عقّبه بالتّنبیه على أنّ كلّ ما یفعله العباد من خیر أو شرّ بعین اللّه الّتی لا تنام و علمه الّذى لا تخفى علیه خافیة لتأكید تحضیض المخاطبین بمواظبة هذه العبادات الثلاث و سایر الحسنات و تحذیرهم من مخالفتها فقال :

( إنّ اللّه سبحانه لا یخفى علیه ) و لا یعزب عن علمه ( ما العباد مقترفون ) أى مكتسبون له من خیر أو شرّ حسن أو قبیح ( فى لیلهم و نهارهم ) یعنی أنّ اللیل و النهار سیّان بالنسبة إلى علمه ، و لیس كغیره من مخلوقاته یكون إدراكه للمحسوسات بطریق الاحساس حتّى تكون ظلمة اللّیل حجابا و حجازا عن إدراكه .

و قدّم اللیل على النهار لمزید الاهتمام من حیث كونها مظنّة لاختفاء ما یفعل فیها من المعاصی ، و أردف بالنهار لدفع توهّم الاختصاص .

( لطف به خبرا ) أراد به علمه بخفیّات أفعال العباد و خبرویّته بها ، و اللّطیف الخبیر حسبما تقدّم فی شرح الخطبة السابقة من جملة أسمائه الحسنى عزّ و علا .

و تسمیته باللّطیف من جهة علمه بالشی‏ء اللّطیف مثل البعوضة و أخفى منها و موضع النشوء منها و العقل و الشهوة للفساد و الحدب على نسلها و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها فی المفاوز و الأودیة و القفار .

و معنى الخبیر هو الّذى لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا یجرى شی‏ء فی الملك و الملكوت و لا تتحرّك ذرّة و لا تضطرب نفس و لا تطمئنّ إلاّ و یكون عنده خبره ،

و هو بمعنى العلیم إلاّ أنّ العلم إذا اضیف إلى الخفایا الباطنة سمّى خبرة ، و قد مرّ تفصیل نفاذ علمه فی خفاء الأشیاء فی الفصل الثامن من الخطبة التسعین .

( و أحاط به علما ) و قد تقدّم فی شرح غیر واحدة من الخطب المتقدّمة كالخطبة الاولى و الخطبة التاسعة و الأربعین و الخامسة و الثمانین و غیرها تحقیق إحاطة علمه تعالى بالكلّیات و الجزئیات و لا حاجة إلى الاعادة .

( أعضاؤكم شهوده ) یعنی أنّها تشهد على العباد بما اقترفوه من المعاصی و الآثام .

( و جوارحكم جنوده ) یعنی أنّها تكون معینة له علیهم ، و ذلك لأنّ جنود

[ 341 ]

الملك عبارة عن أعوانه على أعدائه فتلك الأعضاء و الجوارح لما شهدت على المجرمین بما فعلوه صارت بمنزلة المعین له بذلك الاعتبار .

و یشهد بشهادة الأعضاء و الجوارح قول اللّه تعالى فی سورة یس « الیوم نختم على أفواههم و تكلّمنا أیدیهم و تشهد أرجلهم بما كانوا یكسبون أى نستنطق الأعضاء الّتی كانت لا تنطق فی الدّنیا لتشهد علیهم و نختم على أفواههم الّتی عهد منها النطق و هذا حقیقة الختم یوضع على أفواه الكفار بمنعها من النطق و الكلام .

قال علیّ بن إبراهیم القمّی قال : إذا جمع اللّه عزّ و جل الخلق یوم القیامة دفع إلى كلّ انسان كتابه فینظرون فیه فینكرون أنّهم عملوا من ذلك شیئا ، فتشهد علیهم الملائكة فیقولون : یا ربّ ملائكتك یشهدون لك ، ثمّ یحلفون أنّهم لم یعملوا من ذلك شیئا و هو قول اللّه عزّ و جلّ یوم یبعثهم اللَّه جمیعاً فیحلفون له كما یحلفون لكم فاذا فعلوا ذلك ختم اللّه على ألسنتهم و تنطق جوارحهم بما كانوا یكسبون و قال تعالى فی سورة فصّلت و یوم یحشر أعداء اللَّه إلى النّار فیهم یوزعون . حتّى . إذا ما جآؤها شهد علیهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا یعملون . و قالوا لجلودهم لم شهدتم علینا قالوا أنطقنا اللَّه الّذى أنطق كلّ شی‏ء و هو خلقكم أوّل مرّة و إلیه ترجعون . و ما كنتم تستترون أن یشهد علیكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم أنّ اللَّه لا یعلم كثیراً مما تعملون .

قال أمین الاسلام الطبرسیّ : أى یحبس أوّلهم على آخرهم لیتلاحقوا و لا یتفرّقوا ، حتّى إذا جاؤا النّار الّتی حشروا إلیها شهد علیهم سمعهم بما قرعه من الدّعاء إلى الحقّ فأعرضوا عنه و لم یقبلوه ، و أبصارهم بما رأوا من الآیات الدّالّة على وحدانیّة اللّه تعالى فلم یؤمنوا ، و سایر جلودهم بما باشروه من المعاصی و الأفعال القبیحة .

و قیل فی شهادة الجوارح قولان : أحدهما أنّ اللّه تعالى یبیّنها بیّنة الحیّ و یلجئها إلى الاعتراف و الشهادة بما فعله أصحابها ، و الآخر أنّ اللّه یفعل فیها الشهادة أى یجعل فیها كلاما ، و إنّما نسب الكلام إلیها لأنّه لا یظهر إلاّ من جهتها .

و قیل فیه وجه ثالث : و هو أنّ معنى شهادتها و كلامها أنّ اللّه تعالى یجعل

[ 342 ]

فیها من الآیات ما یدلّ على أنّ أصحابها عصوا اللّه بها ، فسمّى ذلك شهادة منها كما یقال : عیناك تشهدان بسهرك .

و قیل : إنّ المراد بالجلود الفروج .

أقول : و هو المروىّ فى الصافى عن الكافى عن الصادق علیه السّلام و من الفقیه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام .

ثمّ أنطق اللّه ألسنتهم فیقولون لجلودهم : لم شهدتم علینا ، فتقول فی جوابهم أنطقنا اللّه الّذى أنطق كلّ شی‏ء ، ثمّ قال سبحانه : و هو خلقكم الآیة ، و لیس هذا من جواب الجلود .

و قوله : و ما كنتم تستترون أن یشهد علیكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم ،

معناه و ما كنتم تستخفون أى لم یكن یتهیّأ لكم أن تستتروا أعمالكم عن هذه الأعضاء لأنّكم كنتم بها تعملون ، فجعلها اللّه شاهدة علیكم یوم القیامة ، و لكن ظننتم أنّ اللّه لا یعلم كثیرا ممّا تعملون فاجترأتم على المعاصی لذلك ، و قیل : بل معناهما كنتم تتركون المعاصی حذرا أن یشهد علیكم جوارحكم بها لأنكم ما كنتم تظنّون ذلك ، و لكن ظننتم أنّ اللّه لا یعلم كثیرا ممّا تعملون ، لجهلكم باللّه فهان علیكم ارتكاب المعاصی لذلك ، هذا .

و فى الصافى من الكافى عن الباقر علیه السّلام و لیست تشهد الجوارح على مؤمن إنّما تشهد على من حقّت علیه كلمة العذاب ، فأمّا المؤمن فیعطى كتابه بیمینه قال اللّه عزّ و جلّ فامّا من اوتى كتابه بیمینه فاولئك یقرؤن كتابهم و لا یظلمون فتیلاً » .

و قوله ( و ضمائركم عیونه ) قال الشارح البحرانی : أی طلایعه و جواسیسه كقوله تعالى و شهدوا على انفسهم انّهم كانوا كافرین و تلك الشهادة بلسان الحال ،

انتهى .

أقول : یعنی أنّ الضمایر لا تخفى ما فیها من الأسرار و لا تكتمها علیه تعالى كما أنّ من شأن الجاسوس المراقب بشی‏ء أن لا یكتمه ممّن و كلّه به ، و على ذلك

[ 343 ]

فالمراد بالضّمایر القلوب ، و یحتمل أن یكون المراد بالضّمایر ما یضمره القلوب من الأسرار و الخفیّات .

و العیون جمع العین بمعنى الحاضر و هو أحد معانیه كما فی القاموس و غیره ،

فیكون المعنى أنّ جمیع ما أضمره نفوسكم فهو حاضر لدیه سبحانه غیر محجوب عنه كما قال تعالى و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون و قال قل إن تخفوا ما فی صدوركم أو تبدوه یعلمه اللَّه .

و محصّل المراد أنّه لا یخفى ما فی النفوس علیه عزّ و جل كما یخفى على غیره ،

فیكون مساقه مساق قوله علیه السّلام فی الخطبة التسعین : عالم السرّ من ضمایر المضمرین و نجوى المتحافتین ، و قوله فی الخطبة المأة و السابعة : خرق علمه باطن غیب السترات و أحاط بغموض عقاید السّریرات .

و قوله ( و خلواتكم عیانه ) قال البحرانی : كنی بالخلوات عمّا یفعل فیها من معاصی اللّه مجازا ، و إنّما خصصها لأنها مظنّة المعصیة ، و یحتمل أن یرید بالخلوة مصدر قولك خلوت اخلو لا المكان ، فیكون حقیقة ، و ظاهر كونها عیانا للّه أى معاینة له .

و كلّ ذلك تحذیر و تنفیر عن تحریك الجوارح و الخلوة بها فیما لا ینبغی من المعاصی ، و باللّه التوفیق و العصمة .

تذییل

الآیة الّتی استدل بها أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا الكلام على وجوب المحافظة على الصلاة أعنی قوله تعالى حكایة عن المجرمین لم نك من المصلّین مما استدلّ بها أكثر أصحابنا الاصولیّون كالمعتزلة على أنّ الكفار مكلّفون بالفروع حسبما أشار إلیه أمین الاسلام الطبرسیّ « ره » أیضا فی تفسیر الآیة على ما حكیناه عنه سابقا ،

و حیث إنّ هذه المسألة من المسائل الغامضة المعظمة ، و یتفرّع علیها كثیر من الأحكام الشرعیّة فلا بأس بتحقیق الكلام و بسطه فیها لكونها حقیقا بذلك .

[ 344 ]

فأقول و باللّه التوفیق :

المشهور بین أصحابنا بل كاد أن یكون اجماعا أنّ الكفّار مكلّفون بفروع العبادات كما أنّهم مكلّفون باصول الاعتقادات و هو مذهب جمهور العامّة أیضا ، و لم ینقلوا فیها خلافا إلاّ عن أبی حنیفة و لم أجد منّا مخالفا أیضا إلاّ شرذمة من الأخباریّة كالأمین الاسترابادى و صاحب الحدایق و صاحب الوافی ، و هو الحقّ الموافق للتحقیق ،

و استدلّ له بوجوه :

الاول عموم الأدلّة على التكالیف مثل قوله تعالى و ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ لیعبدون و قوله و للَّه على النّاس حجّ البیت و قوله یا أیّها النّاس اعبدوا ربّكم و یا ایّها النّاس اتّقوا ربّكم و غیرها ، فانّها یشمل الكافر مثل شمولها للمؤمن .

و الاعتراض علیه بحملها على المؤمنین حملا للمطلق على المقیّد و العامّ على الخاصّ كما فی الحدائق فاسد ، لما تطلع علیه عند ذكر أدلّة الخصم .

الثانى أنّ الكفر لا یصلح للمانعیّة حیث إنّ الكافر متمكّن من الاتیان بالایمان أوّلا حتّى یصیر متمكّنا من الفروع .

و اعترض علیه صاحب الحدائق أیضا بأنّه مصادرة محضة .

و فیه مع عدم كونه مصادرة لأنّ المدعى أنّ الكفّار مكلّفون بالعبادات و مخاطبون بها ، و الدّلیل أنّ ما زعمه الخصم مانعا من توجّه الخطاب علیهم و من الاتیان بها على الوجه الصحیح و هو الكفر لا یصلح للمانعیّة فكیف یكون مصادرة .

و محصّله أنّ ما دلّ على التكلیف بالفروع عام و لا یمنع من ذلك عدم التمكن من الصحیح حال الكفر لأنّ الامتناع بالاختیار لا ینافى الاختیار ، على أنّ الایمان من شرایط الوجود الّتی یجب تحصیلها على المكلّف لا شرایط الوجوب ، فلا مانع من التكلیف حال عدمها مع التمكّن منها .

الثالث قوله تعالى لم نك من المصلّین فانّه حكایة عن الكفّار و أنّهم علّلوا دخولهم النّار بتركهم للصّلاة على ما تقدّم تفصیله سابقا .

[ 345 ]

و اعترض صاحب الحدائق أیضا ما یحمل على المخالفین المقرّین بالاسلام إذ لا تصریح فیه بالكفّار ، و یدلّ علیه ما ورد فی تفسیر علیّ بن إبراهیم من تفسیرها باتّباع الائمة ، أى لم نك من أتباع الأئمة و هو مروىّ عن الصادق علیه السّلام حسبما عرفت سابقا و عن الكاظم علیه السّلام یعنی أنّا لم نتولّ وصیّ محمّد من بعده و لم نصلّ علیهم .

و فیه إنّ الصلاة حقیقة شرعیّة فی الأركان المخصوصة و ظاهر معنى المصلّین هو المقیمون للصلاة أى الأركان المخصوصة و الحمل على المعنى اللّغوى أى التابعین خلاف الظاهر المتبادر منه فلا وجه لحملها على المخالفین ، و إنكار التصریح فیه بالكفار مورد تعجّب لأنّ قوله حكایة عنهم : و كنّا نكذّب بیوم الدّین ، صریح فی كونهم كافرین منكرین للمعاد فكیف یكونون مقرّین بالاسلام و أمّا الخبران المروّیان عن الصّادق و الكاظم علیهما السّلام فلا دلالة فیهما ، لكونهما تفسیرا بالباطن كما قلناه عند شرح المتن فلا یوجبان رفع الید عن الظاهر ، و یشهد بذلك استدلال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا الكلام الّذى نحن فی شرحه بظاهرها على وجوب المحافظة على الصلوات الخمس و تعاهدها .

الرابع قوله تعالى فلا صدّق و لا صلّى . و لكن كذّب و تولّى .

و اعترض علیه أیضا بجواز حمل الصّلاة فیها على ما دلّت علیه الأخبار فی الآیة الاولى و أنّ اللفظ من الألفاظ المجملة المتشابهة المحتاج فی تعیین المراد منها إلى التوقیف ، فالاستدلال بها و الحال كذلك مردود بتصادم الاحتمالات و الدّخول تحت قوله یتّبعون ما تشابه منه الآیة ، على أنّ ما ذكرنا من المعنى هو الموجود فی تفسیر علیّ بن إبراهیم كما لا یخفى على من راجعه .

و فیه أوّلا منع كون الآیة من المتشابهات الّتی یتّبعها الّذین فی قلوبهم زیغ ، بل من المحكمات الّتی تؤخذ بظواهرها و هنّ امّ الكتاب ، و ظاهر الآیة كما ترى أنّه لم یصدّق بكتاب اللّه و رسوله و لا صلّى للّه و لكن كذّب بالكتاب و الرّسول و أعرض عن الایمان ، و هذا وصف الكافر لا المخالف .

[ 346 ]

و یدلّ على ذلك ما فى مجمع البیان قال : و جاءت الرّوایة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أخذ بید أبى جهل ثمّ قال له : أولى لك 1 فأولى . ثمّ أولى لك فأولى فقال أبو جهل : بأىّ شى‏ء تهدّدنى لا تستطیع أنت و ربّك أن تفعلا بى شیئا و انّی لأعزّ أهل هذا الوادى ، فأنزل اللّه سبحانه كما قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هذا .

و أمّا ما فى تفسیر علىّ بن إبراهیم من أنه كان سبب نزولها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله دعا إلى بیعة علىّ یوم غدیر خم فلمّا بلّغ الناس و أخبرهم فى علىّ ما أراد أن یخبر رجع الناس فاتكى معاویة على المغیرة بن شعبة و أبى موسى الأشعرى ثمّ أقبل یتمطّى 2 نحوه و یقول : ما نقرّبا لولایة لعلىّ أبدا و لا نصدّق محمّدا مقالته ، فأنزل اللّه جلّ ذكره فلا صدّق و لا صلّى الآیات ، فصعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المنبر و هو یرید البراءة منه فأنزل اللّه عزّ و جلّ لا تحرّك به لسانك لتعجل به فسكت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فالجواب عنه أنّ ظاهر قوله سبحانه : فلا صدّق و لا صلّى و لكن كذّب و تولّى ،

یفید أنّه لم یصدّق أصلا لا ظاهرا و لا باطنا ، و لم یقم الصّلاة بل كذّب و أعرض ظاهرا و باطنا ، و هذا شأن الكافر لا المخالف المصدّق ظاهرا فقط ، و المكذّب المعرض باطنا فقط .

و على ذلك فاللاّزم ترجیح الرّوایة المفیدة لكون المراد بهذه الآیة هو أبو جهل الكافر كما فى مجمع البیان على ما تفسیر القمىّ المفید كون المراد بها معاویة لأنّ فى الأخذ بالرّوایة الأولى إبقاء الآیة على ظاهرها و الأخذ بالثانى یوجب صرفها إلى خلاف ما هو الظاهر المتبادر .

و یؤید كون المراد به أبو جهل أنّ هذه الآیة فى سورة القیامة و هى مكیّة كما صرّح به فى مجمع البیان فى تفسیر هذه السورة و رواه أیضا فى تفسیر سورة هل أتى فانّه یقوى الظنّ بكون نزولها بمكّة فى حقّ أبى جهل لا فى غدیر خم فى حقّ معاویة ، و اللّه العالم .

-----------
( 1 ) أى ویل لك ، م

-----------
( 2 ) یتبختر افتخارا ، منه

[ 347 ]

الخامس قوله تعالى و ویل للمشركین الذین لا یؤتون الزّكوة و هو نصّ صریح فی المطلوب .

السادس قوله تعالى و إذا قیل لهم اركعوا لا یركعون ذمّ اللّه المكذّبین بتركهم للرّكوع .

قال فی الصّافی : روی أنها نزلت فی ثقیف حین أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالصّلاة فقالوا لا نحنى ، و فی روایة لا نجبّى فانّها سبّة ، رواها فی المجمع قال : فقال : لا خیر فی دین لیس فیه ركوع و سجود أقول : أى لا نحنى بالمهملة و النّون أى لا نعطف ظهورنا و على الرّوایة بالجیم و الباء الموحّدة المشدّدة أى لا ننكبّ على وجوهنا و هما متقاربان .

و أما ما فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عن الصّادق علیه السّلام قال : إذا قیل لهم تولّوا الامام لم یتولّوه ، فهو تفسیر بالباطن لا یوجب صرف الید عن الظاهر كما لا یخفى و احتج القائلون بالعدم بوجوه ، فصّلها صاحب الحدائق فی مبحث غسل الجنابة من الكتاب المذكور لا بأس بذكر عبارته على تفصیلها ثمّ نتبع كلّ وجه وجه بما یتوجّه علیه من وجوه الكلام و ضروب الملام .

فأقول : قال فی الحدائق :

المشهور بین الأصحاب رضی اللّه عنهم بل كاد أن یكون إجماعا أنّه یجب الغسل على الكافر لأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع و لم ینقلوا فی المسألة خلافا من أحد من الخاصة بل من العامة إلاّ عن أبی حنیفة ، قالوا : لكن لا یصحّ منه حال كفره لاشتراط الصحّة بالاسلام و لا یجبّه الاسلام و إنّ جبّ الصّلاة لخروجها بدلیل خاص و ما ذكروه منظور عندی من وجوه :

الاول عدم الدّلیل على التّكلیف المذكور و هو دلیل العدم كما هو مسلّم بینهم ، و ما استدلّوا به هما سیأتى ذكره مدخول بما سنذكره .

أقول : و فیه انك قد عرفت الأدلّة المحكمة على هذا التكلیف كما عرفت اندفاع الاعتراضات التی اعترض بها علیها .

[ 348 ]

الثانى الأخبار الدّالة على توقف التكلیف على الاقرار و التصدیق بالشهادتین منها ما رواه فى الكافى فی الصحیح عن زرارة قال : قلت للباقر علیه السّلام : أخبرنی عن معرفة الامام منكم واجبة على جمیع الخلق ؟ قال : إنّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى الناس أجمعین رسولا و حجّة للّه على خلقه فی أرضه ، فمن آمن باللّه و بمحمّد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اتبعه و صدّقه فانّ معرفة الامام منّا واجبة علیه ، و من لم یؤمن باللّه و رسوله و لم یتبعه و لم یصدّقه و یعرف حقّهما فكیف یجب علیه معرفة الامام ، و هو لا یؤمن باللّه و رسوله و یعرف حقّهما الحدیث .

و هو كما ترى صریح الدّلالة على خلاف ما ذكروه و أنه متى لم یجب معرفة الامام قبل الایمان باللّه و رسوله فبالطریق الأولى معرفة سایر الفروع التى هی متلقّاة من الامام ، و الحدیث صحیح السند باصطلاحهم صریح الدّلالة فلا وجه لردّه و طرحه و العمل بخلافه إلاّ مع الغفلة عن الوقوف علیه .

قال : و إلى العمل بالخبر المذكور ذهب المحدّث الكاشانی حیث قال فی الوافی بعد نقله ما صورته : و فی هذا الحدیث دلالة على أنّ الكفار لیسوا مكلّفین بشرایع الاسلام كما هو الحقّ ، خلافا لما اشتهر بین أصحابنا ، انتهى .

قال : و یظهر ذلك أیضا من الأمین الاسترابادى فی الفواید المدنیّة حیث صرّح فیها بأنّ حكمة اللّه اقتضت أن یكون تعلّق التكالیف بالناس على التدریج بأن یكلّفوا أوّلا بالاقرار بالشهادتین ثمّ بعد صدور الاقرار عنهم یكلّفون بسایر ما جاء به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله .

و من الأحادیث الدّالة على ذلك صحیحة زرارة فی الوافی ثمّ ساق الرّوایة بتمامها .

قال : و قال أیضا بعد نقل جملة من أخبار المیثاق المأخوذ على العباد فی عالم الذّرّ بالتوحید و الامامة و نقل جملة من الأخبار الدّالة على فطرة الناس على التوحید و أنّ المعرفة من صنع اللّه تعالى ما لفظه : أقول : هنا فوائد إلى أن قال :

الثالثة أنه یستفاد منها أنّ ما زعمه الأشاعرة من أنّ مجرّد تصوّر الخطاب من غیر

[ 349 ]

سبق معرفة إلهامیة بحقایق العالم ، و بأنّ له رضا و سخطا و أنه لا بدّ له من معلّم من جهته لیعلّم الناس ما یصلحهم و ما یفسدهم كاف فی تعلّق التكلیف لهم لیس بصحیح ، انتهى و اعترض علیه أوّلا بأنّ الاستدلال یتوقف على القیاس بطریق الأولى ، و هو ممن أنكره فی مقدّمات الكتاب و أنكره أشدّ الانكار فكیف یجوز له التمسك به فی هذا المقام مضافا إلى أنه مع القول بحجّیته كما هو الحقّ الحقیق بالاتباع الموافق للآیة و للأخبار المسلّم عند كافّة علمائنا الأبرار حتى عند المستدلّ فی مواضع عدیدة و منها هذا الموضع یتوقّف على ثبوت الحكم فی المقیس علیه و مسلمیّته و قبوله و عدم مخالفته للضرورة ، و الأمر فی المقام لیس كذلك و ذلك فانّه لا خلاف و لا إشكال عند أحد حتّى عند المستدلّ حیث جعل محلّ نزاعه مع كافّة العلماء عدا أبی حنیفة فی خصوص الفروع ، و الامامة من الاصول لا من الفروع إجماعا منه و من علمائنا .

و ثانیا أنّ مقتضى هذه الصحیحة عدم التكلیف بالامامة و سایر الفروع إلاّ بتصدیق اللّه و رسوله و هو حقیقة فی التّصدیق و الاذعان القلبی لا مجرّد الاقرار باللّسان ، و على تقدیر تسلیم العموم فالمراد هنا التّصدیق القلبی جزما لقوله علیه السّلام و یعرف حقّهما ، فانّ المعرفة لیس ممّا یتوهّم فیه حصوله باللّسان خاصّة بل هو أمر قلبیّ جزما و إذعان نفسانیّ قطعا فحینئذ تدلّ هذه الصحیحة على أنّ المنافقین و منهم الخلفاء الثلاثة لم یكونوا مأمورین بالامامة و لا سایر الفروع ، و مقتضى هذا أنّه لم یكن علیهم اثم فی غصب الخلافة و سایر ما فعلوه بالنّسبة إلى أهل البیت من ضرب فاطمة علیها السّلام و غصب حقّها و إضرام النّار حول بیتها و إلقاء الحبل على رقبة مولینا أمیر المؤمنین علیه السّلام و غیر ذلك ممّا فعلوه بالنّسبة إلیهم و إلى غیرهم من البدع الّتی ابتدعوها فی الدّین و تضییع دین خاتم النّبیین و سیّد المرسلین ، و كذا ما فعله یزید و سایر جنود المخالفین مع سبط الرّسول الأمین و ما فعله المخالفون بالنسبة إلى شیعتهم و غیر ذلك ، و فی جمیع ذلك لم یكونوا مأثومین أصلا بل هم و غیرهم من الكفّار الّذین لم یصدر منهم شی‏ء من ذلك متساویین فی عقاب واحد ، و هو عدم الایمان باللّه و رسوله ، و ذلك من حیث عدم تصدیقهم للّه و رسوله و معرفة حقّهما فانّهم

[ 350 ]

و إن أقرّوا باللّسان إلاّ أنّهم لم یصدقوهما قلبا و لم یعرفوا حقّهما ، فبمقتضى الصّحیحة نظرا إلى عدم إیمانهم باللّه و رسوله و معرفتهم حقّهما كیف یكلّفهم اللّه تعالى بالامامة و سایر الفروع ، و لیس فی الصحیحة أنّ مجرّد الاقرار باللّسان كان فی ذلك ، و على هذا لم یكن لشكاویهم علیهم السّلام عن المخالفین و الخلفاء الثلاثة و طعنهم و لعنهم و إثبات الویل علیهم و تكفیرهم من الجهات الّتی ذكرت و تفسیقهم و كذا طعن علمائنا و منهم المستدلّ علیهم وجه ، بل كان لغوا محضا و یلزمه أنّه لو فعل ذلك أو شیئا من ذلك غیر المنافقین من سایر الكفّار الذین لم یقروا بالاسلام بالنّسبة إلى سادة الأنام و فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سبطیه علیهما السّلام و غیرهم من شیعتهم و أولادهم و ذراریهم بالقتل و النهب و الاسر أنّه لم یكن علیهم فی ذلك شی‏ء ، و یكونون هم و سایر من لم یحدث أمثال هذا عنه فی العقاب متساویین ، و قطعیّ أنّ المستدلّ لا یقول به أیضا إذا القول بذلك من أشنع الشّنایع و أقبح الفضایح ، و هل كان مراد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بقوله فی حقّ فاطمة علیها السّلام من آذاها فقد آذانی و غیر ذلك بالنّسبة إلیها و إلى غیرها من الحسنین و أمیر المؤمنین علیهم السّلام و أولادهم خصوص المؤمنین المصدّقین للّه و لرسوله العارفین بحقّهما ، أو المراد منه الأعمّ بل ملحوظ نظره خصوص المخالفین أ فیجوّز المستدلّ ذلك بالنّسبة إلى غیرهم فیحكم بجواز اسر غیرهم للسادات و العلویّات و الفاطمیّات و قتلهم و نهب أموالهم و هتك عرضهم و غیر ذلك من النّاس بل الأنبیاء ما هذا إلاّ شی‏ء عجیب أقرب من الكفر لو لم یكن كفرا .

و ثالثا انّ المخالفین عند المستدلّ كفار حقیقة بالكفر المقابل للاسلام ،

فیلزمه جریان أحكامهم فیه و منها القول الذى استحدثه من عدم العقاب على ترك شی‏ء من التكالیف ما هذا إلاّ أمر غریب و شی‏ء عجیب و بالجملة فانّ الصحیحة صریحة فی عدم تكلیف المخالفین بالامامة و لا بشی‏ء من الفروع ، و یفصح عنه قوله علیه السّلام :

فكیف یجب علیه معرفة الامام و هو لا یؤمن باللّه و رسوله ، و یعرف حقّهما ، و ذلك بالتّقریب الذى تقدّم ، و نزید حینئذ وجه دلالته على ذلك هنا فنقول : إنّ مقتضاها أنّ التّكلیف بالامامة فرع الایمان باللّه و رسوله و هو على ما عرفوه و ورد به الخبر و قد

[ 351 ]

ذكره فی أوّل كتاب الصّلاة هو الاقرار باللّسان و التصدیق بالجنان و العمل بالأركان و لا ریب فی أنّ ذلك لم یتحقّق فی حقّ الخلفاء الثلاث لعدم تصدیقهم بالجنان ، هذا أ فتجوّز أیّها العاقل أنّ الكفّار المحاربین للنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الكاسرین لأسنانه و القاتلین للمسلمین فی زمنه صلّى اللّه علیه و آله و المتصدّین لایقاع البلایا و المحن علیه أن یكونوا فی جمیع ذلك معذورین غیر مأثومین و أنّ دعاءه صلّى اللّه علیه و آله علیهم فی بعض الحروب كان عبثا و لغوا بلا منشاء و أنّ المنشأ هو عدم الاقرار مع أنّه لا وجه لدعائه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیهم فی ذلك الحین خاصّة دون غیرهم أولهم فی غیر تلك الحال .

و رابعا أنّ هذه الصحیحة معارضة بما فی التهذیب فی باب أنّ الجزیة واجبة على جمیع أهل الكتاب عن محمّد بن یعقوب الكلینی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حماد عن حریز قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن صدقات أهل الذّمّة و ما یؤخذ من جزیتهم من ثمن خمورهم و لحم خنازیرهم و میتتهم ، قال علیه السّلام : علیهم الجزیة فی أموالهم یؤخذ منهم من ثمن لحم الخنزیر أو خمر كل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك علیهم و ثمنه للمسلمین حلال ، یأخذونه فی جزیتهم .

و هذا الخبر لیس فی سنده من یتوقّف فیه سوى إبراهیم بن هاشم و هو على المشهور حسن كالصحیح و عند المحقّقین من المتأخّرین كما ذكره المستدلّ و ارتضاه ثقة ، و السّند المشتمل علیه إذا كان الباقی من رجال السّند لا یتوقّف فیه صحیح ، هذا مع أنّه لم یقل بهذا الاصطلاح الذى تصدّى لنا سلبه متأخّر و أصحابنا شكر اللّه سعیهم ، فالحدیث حجّة عنده و لو كان راویه من أكذب البریّة و صرّح بكذبه الأئمة و تصحیح سنده منّا تبرعیّ و سدّ لباب فرار الخصم لو ادّعى مراعاة الصّحة فى السّند بعد وقوع المعارضة بینه و بین ما صحّ سنده ، و مع صحّة سنده كما ترى صریح فی ثبوت الوزر علیهم فی استحلالهم ثمن ما لا یحلّ ثمنه فی ملّة الاسلام و مع ثبوت الوزر علیهم فی ذلك یثبت فی المعاصى الّتی ذكرناها الّتی هى أشدّ منها و مقتضى الأولویّة الّتی تمسّك بها فی اثبات مطلبه ثبوت الوزر علیهم فی المعاصى التی هى أشدّ بطریق الأولویّة هذا ، مضافا إلى عدم القول بالفصل

[ 352 ]

قال المحقّق الثانی المحقق الشیخ على بعد ذكر هذا الخبر :

فیه دلالة على أنّ الكافر یؤخذ بما یستحلّه إذا كان حراما فی شریعة الاسلام و أنّ ما یأخذونه على اعتقاد الحلّ حلال علینا و إن كان ذلك الأخذ حراما عندنا .

و مراده بقوله : یؤخذ بما یستحلّه المؤاخذة علیه و ایجاب ذلك العقاب لا أخذ الجزیة لتبادر الأوّل من العبارة .

و به اعترف من كتاب الزّكاة فی مسألة استحباب ما سوى الزّكاة من الحقوق التی فى المال من الضّغث بعد الضغث و الحفنة بعد الحفنة یوم الجذاذ حیث إنه من القائلین بالاستحباب مستندا إلى روایة معاویة بن شریح قال : سمعت الصادق علیه السّلام یقول : فی الزّرع حقّ تؤخذ به و حقّ تعطیه .

حیث قال : المتبادر من هذه العبارة العقاب على تركه ، و هو كنایة عن الوجوب و الالزام به شرعا .

و استشهد لذلك بما فی المصباح المنیر من قوله : و أخذ بذنبه ، عاقبه علیه ،

و إن كان فی الاستشهاد نوع تأمّل .

و هذه الصّحیحة مع صراحتها فی ذلك معتضدة بعمل كافّة العلمآء إلاّ أبا حنیفة على اعترافه و معتضدة بأدلّة العقلاء الّتی دیدنه التمسّك بها فكیف یعارضها التی ذكرها المستدلّ .

مضافا إلى معارضة الكتاب العزیز لها قال اللّه تعالى إنما المشركون نجس فلا یقربوا المسجد الحرام و قد نهاهم اللّه عن القرب من المسجد الحرام و بمقتضى الصّحیحة لم یكن لهذا التّكلیف وجه ، و كذا تكلیفهم بالجزیة و أخذها منهم و ایجابها علیهم .

و یدلّ على أنّهم مكلّفون بشریعة الاسلام و فروعها زیادة على الایمان قوله عزّ من قائل : قاتلوا الذین لا یؤمنون باللَّه و لا بالیوم الآخر و لا یحرّمون ما حرّم اللَّه و لا یدینون دین الحقّ من الذین اوتوا الكتاب حتّى یعطوا الجزیة عن یدوهم صاغرون

[ 353 ]

انظر ایّدك اللّه تعالى إلى ظهور هذه الآیة فی كونهم مكلّفین بتحریم ما حرّم اللّه و التّدین بدین الحق بل و صراحتها فی ذلك ، فانّهم لو لم یكونوا مكلّفین بذلك لما كان لإرداف قوله : لا یحرّمون ما حرّم اللّه ، إلى آخره بقوله : لا یؤمنون باللّه و لا بالیوم الآخر و إیراد ذلك فی بیان منشاء مقابلتهم و أخذ الجزیة منهم وجه ، إذ كان عدم الایمان كافیا فی ذلك ، فیصیر الإرداف المذكور لغوا بحتا و خالیا عن الفایدة بالمرّة تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبیرا .

و قال سبحانه أیضا و الذین لا یدعون مع اللَّه إلها آخر و لا یقتلون النّفس الّتی حرّم اللَّه إلاّ بالحق و لا یزنون و من یفعل ذلك یلق أثاما . یضاعف له العذاب یوم القیامة انظر إلى صراحة هذه الآیة أیضا فجعل العذاب المضاعف جزاء لهم على الأفعال المذكورة و من جملتها قتل النفس و الزّنا ، فلو لا أنّ كلا من الامور المذكورة یصیر سببا لضعف العذاب یوم القیامة أو المجموع من حیث المجموع لما كان لتأخیر الاشارة أى لفظة ذلك عن جمیع ذلك وجه ، بل كان المناسب بل اللازم دفعا لتوهّم الاشتراك إردافها بالأمر الأوّل فقط و هو الشّرك لیفید إنفراده فی السّببیّة .

و الآیات الظاهرة فی ذلك كثیرة ، و العمل بالصّحیحة یوجب ردّها بأجمعها و أىّ عاقل یرضى بهذا و قد أمروا علیهم السّلام فی أخبار كثیرة مستفیضة بالأخذ بما وافق الكتاب ، و هذه الأخبار متلقّاة بالقبول حتّى عند المستدلّ فالصّحیحة الموافقة له و هى ما ذكرناها ترجّح على الصحیحة المخالفة له و هى ما ذكرها .

و بعد هذا كلّه نقول :

الذى یفهم من الصحیحة غیر ما فهمه المستدلّ و ذكره ، بل المراد منها و اللّه العالم و قائله أعلم : أنّ مخاطبة الكفّار المنكرین غیر المقرّین باللّه و رسوله إلى معرفة الامام الذى هو نائبه و خلیفته و من تجب إطاعته و توجیه الخطاب بذلك إلیهم یكاد أن یكون ذلك لغوا ، و ذلك لا یستلزم عدم إرادتها و مطلوبیّتها منهم .

و نظیر ذلك فی الشّرع كثیر منه تكلیف النائم و كذا الغافل و كذا فاقد

[ 354 ]

الطهور عند المحقّقین فی الأخیر و عند الكلّ فی الأوّلین بقضاء الصلاة التی فاتتهما الذى هو عبارة عن تدارك ما فات اتفاقا ، فلو لا أنّ الصلاة مرادة و مطلوبة منهم فی تلك لأحوال لما كان للأمر بالقضاء معنى .

و لذلك مثال فی العرف كأن یكون لشخص عبد لا یطیعه و یعصیه فلا یأمره باطاعة وكیله مثلا ، و لا یوجه إلیه الخطاب باطاعة الوكیل مع أنّه لو وجّهه لا یطیعه جزما ، فانّ ذلك لا یوجب عدم المطلوبیّة منه و عدم إرادته على وجه الوجوب و اللزوم لینحصرا فیما دلّ علیه الأمر الخطابىّ .

فالمراد بقوله علیه السّلام : كیف یجب علیه معرفة الامام ، أنّه كیف یوجّه الخطاب إلیه .

و لذلك مثال آخر و هو أنّ الأمر بالشی‏ء عند المحقّقین لا یستلزم الامر بما هو مقدّمة لوجوده ، و یقولون بعدم حرمته من حیث إنّها مقدّمة و مع ذلك یقولون إنّ الخطاب بالاباحة و عدم الحرمة یكون لغوا و إن كان ما تضمّنه الخطاب حقّا ، و یكون مثله كبیان الواضحات مثل أنّ النّائم لا یبصر و الأسود الزّنجى لا یعلم الغیوب و أمثال ذلك ، فعدم توجّه الخطاب من حیث القبح فی الصدور لا یستلزم عدم ما تضمّنه لو صدر و قبحه و ذلك واضح لا یخفى .

قال صاحب الحدائق :

و منها ما رواه الثقة الجلیل أحمد بن أبیطالب الطبرسی فی الاحتجاج عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حدیث الزّندیق الذى جاء إلیه مستدّلا علیه بآى القرآن قد اشتبهت حیث قال علیه السّلام :

فكان أوّل ما قیّدهم به الاقرار بالوحدانیّة و الرّبوبیّة و شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالاقرار لنبیّه صلّى اللّه علیه و آله بالنّبوة و الشهادة بالرّسالة ، فلمّا انقادوا لذلك فرض علیهم الصلاة ثمّ الصوم ثمّ الحجّ ، الحدیث .

و فیه بعد تسلیم حجّیته بحسب السند حیث إنّه لیس من أخبار الكتب التی یدعى قطعیّتها ، أنّ التكلیفات فی صدر الاسلام و أوّل البعثة صدرت تدریجا و لم ینسخ

[ 355 ]

الشریعة السابقة دفعة ، بل إنّما نسخ شیئا فشیئا ، و لیس ذلك من محلّ النزاع فی شی‏ء ، فانّه لا ریب أنّهم متعبّدون بشریعتهم السابقة ، و لكن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم ینسخها عنهم دفعة بل أبقاهم فی أوّل الشریعة على شریعتهم و نسخ منها شیئا فشیئا فأوجب علیهم بعض التكالیف تدریجا ، و ذلك لا یستلزم عدم كونها مكلّفین بالتكالیف فی شریعتنا بعد انتساخ شریعتهم ، قال :

و منها ما رواه الثقة الجلیل علىّ بن إبراهیم القمّى فی تفسیره عن الصادق علیه السّلام فی تفسیر قوله تعالى و ویل للمشركین الّذین لا یؤتون الزّكوة و هم بالآخرة هم كافرون حیث قال علیه السّلام :

أ ترى أنّ اللّه عزّ و جلّ طلب من المشركین زكاة أموالهم و هم یشركون به حیث یقول : و ویل للمشركین الذین لا یؤتون الزّكوة و هم بالآخرة هم كافرون ، إنّما دعى اللّه العباد للایمان به فاذا آمنوا باللّه و رسوله افترض علیهم الفرض .

قال المحدّث الكاشانی فی كتاب الصافی بعد نقل الحدیث المذكور :

أقول : هذا الحدیث یدلّ على ما هو التحقیق عندی من أنّ الكفّار غیر مكلّفین بالأحكام الشرعیّة ما داموا باقین على الكفر ، انتهى .

و فیه بعد تسلیم السّند الحمل على التّقیّة لكونه مذهب أبی حنیفة كما اعترف ، و هو قد كان فی زمان مولینا الصادق علیه السّلام و من تلامذته ، و مذهبه كان مشهورا بینهم فی زمانه .

و الشاهد على الحمل على التّقیّة و تعیّنه أنّه مع عدم هذا الحمل یلزم مناقضة مضمون الخبر لنصّ الآیة ، فانّها صریحة فى أنّ المراد بالمشركین هم الكفّار الذین لا یؤمنون بالآخرة حیث وصفهم فیها بقوله : و هم بالآخرة هم كافرون .

و حینئذ فمقتضى الخبر أنّ مورد الآیة إمّا المسلمون أو الذین لا نعرفهم أولا مورد لها ، و الأخیران باطلان جزما و كذلك الأوّل لأنّه یلزم أن یكون المسلمون و المؤمنون مشركین كافرین بیوم الآخر ، فیحكم بنجاستهم و كفرهم و عدم قربهم من المسجد الحرام و غیر ذلك من أحكام الكفر ، كما فعل ذلك المستدلّ فی الحكم

[ 356 ]

بكفر المخالفین من حیث إطلاق الكفر علیهم فی الأخبار و جعلهم بذلك كفارا حقیقة بالكفر المقابل للاسلام فاذا كان مؤمن لا یؤتى الزّكاة یلزم الحكم بكفره و شركه و نجاسته و استحقاقه للخلود فی النار و هو قطعىّ الفساد عند المستدلّ و عند الكلّ ، هذا .

مع أنّ الشرك و الكفر بالاخرة الواقعین فی الآیة وصفا لمن لا یؤتی الزكاة حقیقة فیمن صدر عنه هذان الوصفان ، و لیس المسلم كذلك جزما و وجدانا ،

و حینئذ فالعمل بالخبر یستلزم إلغاء الآیة و عدم وجود مصداق لها أو القول بكفر من لا یؤت الزّكاة من المؤمنین و شركه و ترتّب أحكامهما علیه و لا أراه یقول به .

و بالجملة ظاهر الخبر مناقض لصریح الآیة و قد قالوا فی أخبار كثیرة : ما خالف الكتاب فاضربوه على الحائط ، و أىّ مخالفة أشدّ من هذه المخالفة .

و لو قیل بكون هذا الخبر تفسیرا لها و وجوب المصیر إلیه لزم منه طرح تلك الأخبار و یلزم منه أن لا یوجد مصداق تلك الأخبار الآمرة لضرب المخالف للقرآن على الحائط إذ كلّ خبر مخالف یحتمل أن یكون تفسیرا للقرآن و إن لم یرد فی تفسیره فأىّ خبر یعلم منه المخالفة للقرآن .

و بمقتضى جمیع ما ذكر یتعیّن الحمل على التقیّة الّتی هی باعتراف المستدلّ رأس كلّ آفة و بلیّة .

مع أنّه یحتمل أن یكون المراد بهذا الخبر ما قدّمناه فی الاعتراض على الخبر الأوّل من أنّ عدم توجّه الخطاب إلیهم لا ینافی مطلوبیّته منهم ، أو ما قدّمناه فی الاعتراض على الخبر الثانی من أنّهم فی صدر الاسلام و أوّل البعثة لم یؤمروا بذلك ، و إنّما كلّفوا بالتكالیف شیئا فشیئا ، و إلیه یشیر قوله علیه السّلام فی آخر الخبر : إنّما دعا اللّه العباد للایمان ، و على ذلك فلا دلالة فیه على ما رامه .

قال صاحب الحدایق :

و مما یدلّ على ذلك ما ورد عن الباقر علیه السّلام فی تفسیر قوله تعالى أطیعوا اللَّه و أطیعوا الرّسول و اُولى الأمر منكم حیث قال : كیف یأمر بطاعتهم و یرخّص فی

[ 357 ]

منازعتهم ، إنّما قال ذلك للمأمورین الذین قیل لهم أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول .

أقول : تمام الحدیث ما رواه فی الكافی عن برید العجلى قال : تلا أبو جعفر علیه السّلام أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و اولى الأمر منكم فان خفتم تنازعا فی الأمر فارجعوه إلى اللّه و إلى الرّسول و إلى اولى الأمر منكم ، ثمّ قال : كیف یأمر بطاعتهم و یرخّص فی منازعتهم إنما قال ذلك للمأمورین الذین قیل لهم أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول .

و هو كما ترى لا دلالة فیه على ما رامه المستدلّ بوجه ، بل محصّل معناه أنّه كان فی مصحفهم علیهم السّلام فارجعوه مكان فردّوه و یحتمل أن یكون تفسیرا له كما أنّ قوله فان خفتم تنازعا للأمر تفسیر لقوله فان تنازعتم فی شی‏ء ، و یستفاد منه أیضا أنّه كان فی مصحفهم و إلى اولى الأمر منكم ، فیدلّ على أنّه لا یدخل اولوا الأمر فی المخاطبین بقوله : إن تنازعتم ، كما زعمه المفسّرون من المخالفین ، فقوله :

كیف یأمر بطاعتهم و یرخّص فى منازعتهم ، یرید به أنّ اللّه سبحانه أمر بطاعتهم أولا بقوله : و أطیعوا الرّسول و اولى الأمر منكم ، و مع ذلك فلا یجوز إدخالهم فی المخاطبین بقوله : فان تنازعتم إذ وجوب الاطاعة لا یجتمع مع التّرخیص فی المنازعة فلا بدّ أن یكون المقصود بالخطاب غیرهم ، و هم الذین امروا أوّلا باطاعة اللّه و الرّسول و اولى الأمر ، فامروا ثانیا عند التّنازع بالرّد و الرّجوع إلیهم أیضا ،

فافهم جیّدا .

الثالث لزوم تكلیف ما لا یطاق إذ تكلیف الجاهل بما هو جاهل به تصوّرا و تصدیقا عین تكلیف ما لا یطاق ، و هو ممّا منعته الأدلة العقلیّة و النّقلیة لعین ما تقدّم فی حكم معذوریة الجاهل ، و إلیه یشیر كلام الذخیرة فی مسألة الصلاة مع النّجاسة عامدا حیث نقل عن بعضهم الاشكال فی إلحاق الجاهل بالعامد ، و قال بعده :

و الظاهر أنّ التكلیف متعلّق بمقدّمات الفعل كالنّظر و السعى و التعلّم ، و إلاّ لزم تكلیف الغافل أو التكلیف بما لا یطاق ، و العقاب یترتّب على ترك النظر « إلی أن قال » و لا یخفى أنّه یلزم على هذا أن لا یكون الكفّار مخاطبین بالأحكام و إنّما یكونون

[ 358 ]

مخاطبین بمقدّمات الأحكام ، و هذا خلاف ما قرّره الأصحاب رضی اللّه عنهم و تحقیق المقام من المشكلات .

قال صاحب الحدایق بعد نقل هذا الكلام :

لا إشكال بحمد اللّه سبحانه فیما ذكره بعد ورود الأخبار بمعذوریّة الجاهل حسبما مرّ ، و ورودها بخصوص الكافر كما نقلنا هنا ، و لكنّهم یدورون مدار الشّهرة فی جمیع الأحكام و إن خلت عن الدّلیل فی المقام سیّما مع عدم الوقوف على ما یضادّها من أخبار أهل الذكر علیهم السّلام .

و فیه أوّلا أنّ هذا الدّلیل أخصّ من المدّعى لا یشمل من تصوّر أحكام الاسلام و عرفه .

و ثانیا إن كان مراده بذلك الجاهل المستضعف الذى لا یعرف الاسلام ، و لم یسمع صیته أصلا فلا كلام فیه .

و إن أراد من سمع صیت الاسلام و عرفه فلا نسلم أنّه جاهل تصوّرا و تصدیقا بل لا ریب أنّه عالم بالشّرایع الموظفة و لو إجمالا .

نعم لیس عالما بذلك تفصیلا فهو متصوّر لما فی الاسلام من شریعة و أحكام كما أنّا مثلا عارفون بدین أهل الكفر و أنّ لهم شرایع و أحكاما و إن كنّا جاهلین بذلك تفصیلا ، و هذا القدر من العلم یكفى .

و لذلك انّ أصحابنا لا یعذرون الجاهل فی الأحكام نظرا إلى علمه بذلك إجمالا و لو لم یكف هذا المقدار لزم أن لا یكلّف المقرّ باللّه و رسوله بمعرفة الامام و الفروع أصلا حتّى الصّلاة و الزّكاة و الحجّ و لا یعاقب بتركها أیضا ، و یكون الأمر بالمعرفة الواردة فی الأخبار لیس فیه فایدة ، و من الفروع وجوب تحصیل المعرفة بالأحكام و على ما ذكره یلزم أن لا یكونوا مكلّفین ، و هو ممّن یقول بوجوب تحصیل المعرفة على المسلمین .

و على قوله لم یكن فرق بینها و بین سایر الواجبات و المحرّمات إذ الجهل الذى هو علّة لعدم تعلّق التكلیف بما وراء المعرفة من حیث استلزامه التكلیف بما

[ 359 ]

لا یطاق جاء فی نفس المعرفة أیضا فأنّى له بالفارق ، هذا .

مع أنّه لو صحّ ما ذكر یلزم قبح التكلیف بالاصول أیضا لاتّحاد العلّة بل ازدیادها فیها ، و ذلك فانّ من تیقّن بطلان الاسلام فضلا عن أن یجهله مكلّف بالاصول جزما فتكلیف من هو جاهل بها أولى كما لا یخفى .

و یلزم على ذلك خروج اكثر الكفار لو لم یكن كلّهم عن التكلیف بالاسلام لاستحالة تكلیف الجاهل فضلا عن العالم ، و لا ریب أنّ كلّ من دان بدین إلاّ من شذّ متیقّن بدینه جازم بصحّته ، ففی حال الجزم و الیقین كیف یكلّف بالعلم ببطلان ما علمه و فساد ما تیقّن به .

و بذلك یظهر أنّهم لیسوا مكلّفین بالاصول و الحال أنّ المستدلّ لا یقول به ،

و لیت شعرى كیف لا یلتزم به مع اقتضاء دلیله ذلك و جریانه فیه بل أولى بالجریان كما عرفت ، هذا .

و قد یقرّر هذا الدّلیل أعنی لزوم التكلیف بما لا یطاق بوجه آخر و هو أنّ الكافر غیر قادر على الاتیان بالعبادة الصّحیحة المشروطة بالایمان .

و اجیب عنه بأنّا نقول انّهم مكلّفون بالفروع حال الكفر لا بشرط الكفر فالكفر ظرف للتّكلیف لا للمكلّف فلا یلزم التكلیف بما لا یطاق .

الرابع الأخبار الدّالة على وجوب طلب العلم كقولهم علیهم السّلام طلب العلم فریضة على كلّ مسلم فانّ موردها المسلم دون مجرّد البالغ العاقل .

و فیه أنّ الاستدلال بتلك الأخبار موقوف على القول بحجیّة مفهوم اللّقب و هو مع كونه خلاف التّحقیق لا یقول به المستدلّ أیضا فلا وجه لاستدلاله بها على المدّعى .

الخامس اختصاص الخطاب القرآنى بالذین آمنوا ، و ورود یا أیّها النّاس فی بعض و هو الأقلّ یحمل على المؤمنین حملا للمطلق على المقیّد و العام على الخاص كما هو القاعدة المسلّمة بینهم .

و الجواب ما قدّمنا فی الدّلیل السّابق ، و هو أنّ دلالته من حیث مفهوم

[ 360 ]

اللّقب الذى لیس بحجّة عنده و عند المحقّقین .

تكملة

هذا الكلام الشّریف له علیه السّلام حسبما أشرنا إلیه مروىّ فی الكافی عن على ابن إبراهیم عن أبیه عن بعض أصحابه عن أبی حمزة عن عقیل الخزاعى أنّ أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه كان إذا حضر الحرب یوصى للمسلمین بكلمات یقول :

تعاهدوا الصّلاة و حافظوا علیها ، و استكثروا منها ، و تقرّبوا بها فانّها كانت على المؤمنین كتابا موقوتا ، و قد علم ذلك الكفّار حین سئلوا ، ما سلككم فی سقر قالوا لم نك من المصلّین و قد عرف حقّها من طرقها و أكرم بها من المؤمنین الذین لا یشغلهم عنها زین متاع و لا قرّة عین من مال و لا ولد یقول اللّه عزّ و جلّ : رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع عن ذكر اللَّه و إقام الصّلوة ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منصبا 1 لنفسه بعد البشرى له بالجنّة من ربّه فقال عزّ و جلّ : و أمر أهلك بالصّلوة و اصطبر علیها ، الآیة ، فكان یأمر بها أهله و یصبر علیها نفسه .

ثمّ إنّ الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لأهل الاسلام على أهل الاسلام ، و من لم یعطها طیب النّفس بها یرجو بها من الثّمن ما هو أفضل منها فانّه جاهل بالسنة مغبون الأجر ضالّ العمر طویل النّدم بترك أمر اللّه عزّ و جلّ و الرغبة عمّا علیه صالحو عباد اللّه یقول اللّه عزّ و جلّ : و من یتّبع غیر سبیل المؤمنین نولّه ما تولّى من الأمانة فقد خسر من لیس من أهلها و ضلّ عمله عرضت على السّماوات المبنیّة و الأرض المهاد و الجبال المنصوبة فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم و لو امتنعن « امتنعت خ ل » من طول أو عرض أو عظم أو قوّة أو عزّة امتنعن ، و لكن أشفقن من العقوبة .

ثمّ إنّ الجهاد أشرف الأعمال بعد الاسلام ، و هو قوام الدّین و الأجر فیه عظیم مع العزّة و المنعة و هو الكرّة فیه الحسنات و البشرى بالجنّة بعد الشّهادة و بالرّزق غدا عند الرّب و الكرامة یقول اللّه عزّ و جلّ : و لا تحسبنّ الذین قتلوا

-----------
( 1 ) أى متعبا .

[ 361 ]

فی سبیل اللَّه أمواتاً بل أحیاء ، الآیة .

ثمّ إنّ الرّعب و الخوف من جهاد المستحقّ للجهاد و المتوازرین على الضلال ضلال فی الدّین و سلب للدّنیا مع الذلّ و الصّغار ، و فیه استیجاب النار بالفرار من الزّحف عند حضرة القتال یقول اللّه عزّ و جلّ : یا أیّها الذین آمنوا إذا لقیتم الذین كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأَدبار .

فحافظوا على أمر اللّه عزّ و جلّ فی هذه المواطن الّتی الصّبر علیها كرم و سعادة ، و نجاة فی الدّنیا و الآخرة من فظیع الهول و المخافة ، فانّ اللّه عزّ و جلّ لا یعبأ بما العباد مقترفون لیلهم و نهارهم لطف به علما ، و كان « كل خ ل » ذلك فی كتاب لا یضلّ ربّى و لا ینسى ، فاصبروا و صابروا و اسألوا النّصر ، و وطنوا أنفسكم على القتال و اتّقوا اللّه عزّ و جلّ ، فانّ اللّه مع الّذین اتّقوا و الّذینهم محسنون .

بیان

رواه المحدّث العلامة المجلسیّ فی البحار من الكافی كما رویناه و قال بعد نقله :

قوله : من طرقها ، لعلّه من الطروق بمعنى الاتیان باللّیل أى واظب علیها فی اللّیالى و قیل : أى جعلها دأبه و صنعته من قولهم هذا طرقة رجل أى صنعته .

و لا یخفى ما فیه و لا یبعد أن یكون تصحیف طوّق بها على المجهول أى ألزمها كالطّوق بقرینة اكرم بها على بناء المجهول أیضا .

قوله على أهل الاسلام ، الظاهر أنّه سقط هنا شی‏ء قوله : من الأمانة ، لعلّه بیان لسبیل المؤمنین ، أى المراد بسبیل المؤمنین ولایة أهل البیت علیهم السّلام و هی الامانة المعروفة .

قوله علیه السّلام : و هو الكرّة ، أى الحملة على العدوّ و هی فی نفسها أمر مرغوب فیه اذ لیس هو الاّ مرّة واحدة و حملة فیها سعادة الأبد ، و یمكن أن یقرء الكرّة بالهاء ،

أى هو مكروه للطباع فیكون إشارة إلى قوله تعالى : كتب علیكم القتال و هو كره لكم ، و لعلّه أصوب .

[ 362 ]

و قال الجوهرى : زحف إلیه زحفا ، مشى و الزّحف الجیش یزحفون إلى العدوّ ، و قوله : لطف به ، الضمیر راجع إلى الموصول فی قوله : ما العباد مقترقون .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام است وصیّت میكرد با آن أصحاب خود را مى‏فرمود :

مواظبت نمائید بأمر نماز و محافظت نمائید بر آن و بسیار كنید از گذاردن آن و تقرّب جوئید بدرگاه پروردگار با آن ، پس بدرستى كه بوده است آن نماز بر مؤمنین فرض واجب ، آیا گوش نمیكنید بسوى جواب اهل آتش وقتى كه سؤال كرده شدند كه چه باعث شد بآمدن شما در دوزخ ، گفتند نبودیم ما در دنیا از نماز گذارندگان ، و بدرستى كه آن نماز مى‏ریزد گناهانرا مثل ریختن برك از درختان و بر میدارد قید گناهان را از گردن گناه كاران مثل برداشتن بند ریسمان از گردن حیوان .

و تشبیه فرموده است نمازهاى پنج گانه را حضرت رسالتمآب صلوات اللّه و سلامه علیه و آله بچشمه آب گرمى كه باشد در خانه مرد پس بشوید آن مرد بدن خود را در آن چشمه در روز و شب پنچ دفعه ، پس نزدیك نیست كه باقى ماند بر بدن او چركى و كثافتى ، و بتحقیق كه شناخت قدر نماز را مردانى از مؤمنین كه مشغول نمیكند ایشان را از آن نماز زینت متاع دنیا و نه چشم روشنى از اولاد و نه مال آن میفرماید حقتعالى در شان ایشان : رجال لا تلهیهم الآیة ، یعنى تسبیح كند خداوند را مردانى كه مشغول نمى‏نماید ایشان را تجارت و خرید و فروش از ذكر پروردگار و از اقامه نماز و از دادن زكاة و بود حضرت رسول خدا بغایت متحمل بمشقّت و زحمت نماز با وجود اینكه بشارت بهشت داده بود او را بجهت فرمایش خدا كه خطاب فرمود او را كه : امر كن اهل خود را بنماز و صبر كن برحمت آن ، پس بود آن بزرگوار امر مى‏فرمود اهل خود را و وادار مینمود نفس خود را بر آن .

[ 363 ]

پس از آن بدرستیكه زكاة گردانیده شده با نماز مایه تقرّب خدا از براى اهل اسلام پس كسیكه عطا نماید زكاة را در حالتى كه با طیب نفس بدهد آنرا پس بدرستى كه باشد آن از براى او كفّاره گناهان و حاجب و مانع از آتش سوزان ،

پس البتّه نباید احدى چشمش بر پشت آن بدوزد ، و البته نباید غمگین و پریشان شود بآن از جهت این كه هر كسى كه بدهد زكاة را با وجه إكراه و عدم طیب نفس در حالتى كه امیدوار باشد بجهت دادن آن ثوابى را كه أفضل باشد از آن پس آن كس جاهلست بسنّت ، مغبونست در اجرت ، گمراهست در عمل ، دراز است پشیمانى و ندامت آن .

پس از آن أداء أمانت است پس بتحقیق كه نومید شد كسى كه نبوده از أهل آن ، بدرستیكه آن امانت اظهار شد بر آسمانهاى بنا شده ، و بر زمینهاى فرش شده ،

و بر كوههائى كه صاحب بلندى و منصوبست بر زمین ، پس نیست هیچ چیز درازتر و پهن‏تر و بلندتر و بزرگتر از آنها ، و اگر امتناع مى‏نمودى چیزى بجهت درازى یا پهنى یا بجهت قوّت یا عزّت هر آینه آنها امتناع میكردند ، و لكن ترسیدند از عذاب پروردگار ، و فهمیدند چیزى را كه جاهل شد بآن كسیكه ضعیفتر از ایشان بود كه عبارت باشد از انسان ، بدرستى كه آن انسان بسیار ظالمست بسیار نادان ،

بدرستى كه خداى تعالى مخفى نمى‏ماند بر او چیزى كه بندگان كسب نمایند آنرا در شب و روز خودشان ، لطیف خبیر است به كار ایشان ، و محیط است با علم خود بآن ،

أعضاء شما شاهدان اویند ، و جوارح شما لشكران او ، و قلبهاى شما جاسوسان او ،

و خلوتهاى شما آشكار است در نظر آن .