[ 200 ] و من كلام له ع فی معاویة

وَ اَللَّهِ مَا مُعَاوِیَةُ بِأَدْهَى مِنِّی وَ لَكِنَّهُ یَغْدِرُ وَ یَفْجُرُ وَ لَوْ لاَ كَرَاهِیَةُ اَلْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى اَلنَّاسِ وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ یُعْرَفُ بِهِ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ وَ اَللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِیدَةِ وَ لاَ أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِیدَةِ


[ 364 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو المأة و التاسع و التسعون من المختار فى باب الخطب

و اللّه ما معاویة بأدهى منّی ، و لكنّه یغدر و یفجر ، و لو لا كراهیّة الغدر لكنت من أدهى النّاس ، و لكنّ كلّ غدرة فجرة ، و كلّ فجرة كفرة ، و لكلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامة ، و اللّه ما أستغفل بالمكیدة ، و لا أستغمز بالشّدیدة .

اللغة

( الدّهی ) بسكون الهاء و الدّهاء الفكر و الارب و جودة الرّأی و ( غدر ) غدرا من باب ضرب و نصر نقض عهده و ( فجر ) یفجر من باب قتل و ( الغدرة ) و ( الفجرة ) و ( الكفرة ) كلّها فی بعض النسخ بفتح الفاء و سكون العین وزان تمرة فالتّاء للمرّة ،

و فی بعضها بتحریك الفاء و العین وزان مردة فیكون جمع غادر و فاجر و كافر ، و فی بعضها بضمّ الفاء و فتح العین وزان همزة فالتّاء للمبالغة أى الكثیر الغدر و الفجور و الكفر ، فان أسكنت العین فالبناء للمفعول تقول : رجل سخرة ، كهمزة یسخر من الناس ، و سخرة كغرفة من یسخر منه .

( و لا أستغمز ) بالزاء المعجمة من الغمز و هو العصر بالید یقال غمزه غمزا من باب ضرب ، و الغمز محرّكة الرّجل الضعیف قال الشارح البحرانی : و روى بالرّاء المهملة أى لا استجهل بشداید المكاید ، انتهى . و لعلّه من الغمر بالتحریك و هو من لم یجرّب الامور و الأوّل أصوب و أنسب .

[ 365 ]

الاعراب

الباء فی قوله : بأدهى زایدة فی الخبر جى‏ء بها لتأكید معنی النّفی كما فی قوله تعالى و ما اللَّه بغافل عمّا تعملون و قوله : بالشدیدة ، صفة محذوفة الموصوف أى بالدّواهى الشدیدة و نحو ذلك .

المعنى

اعلم أنّ الغرض من هذا الكلام دفع توهّم من كان معتقدا أنّ معاویة أجود رأیا و أكثر تدبیرا منه ، و تعرّض به على معاویة من أجل عدم تحرّزه فی تدبیر الامور عن الغدر و الفجور ، و صدّر الكلام بالقسم البارّ تأكیدا للمقصود فقال :

( و اللّه ما معاویة بأدهى منّی ) أی لیس بأجود رأیا و أحسن تدبیرا و أبعد غورا و أعمق فكرا و أشدّ دهاء منّی ، و إن فسّر الدّهاء بخصوص استعمال العقل و الرّأى فیما لا ینبغی فعله من الامور الدّنیویّة المعبّر عنه بالنّكراء فلا بدّ من جعل قوله علیه السّلام أدهى بمعنى أعرف بطرق الدّهاء و أبصر بها ، لعدم اتّصافه بالدّهاء بهذا المعنى فضلا عن كونه أدهى .

( و لكنّه یغدر و یفجر ) أى یستعمل الغدر فی اموره السیّاسیّة فیزعم أهل الجهل أنّه أدهى .

و قوله : و یفجر ، إشارة إلى نتیجة الغدر یعنی أنّه من أجل إقدامه على الغدر یكون فاجرا ، و ذلك لأنّ الغدر مقابل الوفاء ، و الوفاء فضیلة داخلة تحت العفّة ،

فیكون الغدر رذیلة داخلة تحت الفجور .

و أیضا الوفاء توأم الصّدق و الغدر توأم الكذب حسبما عرفت تفصیلا فی الخطبة الحادیة و الأربعین و شرحها ، و الكذب من أعظم الفجور .

و ایضاح هذه الفقرة ما تقدّم فی الخطبة المذكورة حیث قال علیه السّلام هناك :

و لقد أصبحنا فی زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كیسا و نسبهم أهل الجهل فیه إلى حسن الحیلة ، ما لهم قاتلهم اللّه قد یرى الحوّل القلّب وجه الحیلة و دونه

[ 366 ]

مانع من أمر اللّه و نهیه فیدعها رأى عن بعد القدرة علیها و ینتهز فرصتها من لا حریجة له فی الدّین .

و روى فی الكافی فی حدیث مرفوع عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له :

ما العقل ؟ قال : ما عبد به الرّحمن و اكتسب به الجنان ، قال : قلت : فالّذى كان فی معاویة ؟ فقال : تلك النكراء تلك الشّیطنة ، و هی شبیهة بالعقل و لیست بالعقل .

و لمّا نبّه على أنّ اتّصاف معاویة بالدّهاء من جهة عدم مبالاته بالغدر و الفجور ، عقّبه بالتّنبیه على ما هو المانع من اتّصافه علیه السّلام به مع كونه أعرف و أغدر به منه فقال :

( و لو لا كراهیّة الغدر ) و المكر و استلزامه للكذب و الغشّ و الخیانة و الفجور المنافی لمرتبة العصمة ( لكنت من أدهی النّاس ) فیدلّ هذه الجملة بمقتضی مفاد لو لا الامتناعیّة على امتناع اتّصافه بالدّهاء الملازم للغدر .

و المراد بالكراهة هنا الحرمة لا معناها المعروف فی مصطلح المتشرّعة كما صرّح به فی عبارته الّتی نقلناها آنفا من الخطبة الحادیة و الاربعین أعنی قوله :

قد یرى الحوّل القلّب وجه الحیلة و دونه مانع من أمر اللّه و نهیه فیدعها رأى عین بعد القدرة علیها .

و أصرح منه ما رواه فى الكافى عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبى عمیر عن هشام بن سالم رفعه قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : لو لا أنّ المكر و الخدیعة فى النّار لكنت أمكر النّاس .

و أصرح منهما قوله : ( و لكن كلّ غدرة فجرة و كلّ فجرة كفرة ) و قد روى نظیر هذه العبارة عنه علیه السّلام فى الكافى باسناده عن الاصبغ بن نباته قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام ذات یوم و هو یخطب على المنبر بالكوفة : أیّها الناس لو لا كراهیّة الغدر كنت أدهى النّاس ألا إنّ لكلّ غدرة فجرة و لكلّ فجرة كفرة ، ألا و إنّ الغدر و الفجور و الخیانة فى النّار .

قال بعض شرّاح الكافى : الظاهر أنّ اللاّم فى لكلّ مفتوحة للمبالغة فى

[ 367 ]

التأكید ، و قوله : الغدر و الخیانة فى النّار ، إمّا على حذف المضاف أى صاحبها ،

أو المصدر بمعنى الفاعل ، هذا .

فان قلت : استلزام الغدر للفجور المستفاد من قوله علیه السّلام : و لكن كلّ غدرة فجرة قد عرفنا وجهه سابقا ، و أمّا استلزام الفجور للكفر المستفاد من قوله :

و كلّ فجرة كفرة فما الوجه فیه ؟ ،

قلت : قال بعض الشّارحین : وجه لزوم الكفر هنا إنّ الغادر على وجه استباحة ذلك و استحلاله كما كان هو المشهور من حال عمرو بن العاص و معاویة فی استباحة ما علم تحریمه بالضرورة من دین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و جحده هو الكفر .

و قال الشارح البحرانی : و یحتمل أن یرید كفر نعم اللّه و سترها باظهار معصیة كما هو المفهوم اللغوى من لفظ الكفر ، انتهى .

و یتوجّه على الأوّل أوّلا أنّه أخصّ من المدّعى لأنّ المدّعى هو كفر كلّ غادر كما هو ظاهر المتن لا الغادر المستبیح المستحلّ للغدر فقط ، و ثانیا كون حرمة الغدر من ضروریّات الدّین غیر معلوم .

و على الثّانی أنّه خلاف الظاهر .

و الأظهر أنّه داخل فی القسم الرّابع من أقسام الكفر التی تقدّم تفصیلها فی حدیث الكافی فی شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الاولى ، فقد روینا هناك عن الكلبی باسناده عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : الكفر فی كتاب اللّه عزّ و جلّ على خمسة أوجه « إلى أن قال » الوجه الرّابع من الكفر ترك ما أمر اللّه و هو قول اللّه تعالى و إذ أخذنا میثاقكم لا تسفكون دمائكم و لا تخرجون أنفسكم من دیاركم ثمّ أقررتم و أنتم تشهدون . ثمّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و تخرجون فریقاً منكم من دیارهم تظاهرون علیهم بالاثم و العدوان و إن یأتوكم اسارى تفادوهم و هو محرّم علیكم إخراجهم أ فتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فكفرهم بترك ما أمر اللّه و نسبهم إلى الایمان و لم یقبله منهم و لم ینفعهم فقال فما جزاء من یفعل ذلك منكم إلاّ خزى فی الحیوة الدّنیا و یوم القیامة یردّون إلى أشدّ العذاب .

[ 368 ]

و قوله ( و لكلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامة ) قال الشّارح المعتزلی : حدیث صحیح مرویّ عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أقول : و هو تنفیر عن الغدر .

و نحوه ما رواه فی الكافی عن علىّ بن إبراهیم عن أبیه عن النّوفلی عن السّكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یجی‏ء كلّ غادر یوم القیامة بامام مایل شدقه حتّى یدخل النّار ، و یجی‏ء كلّ ناكث بیعة إمام أجذم حتّى یدخل النّار ، هذا .

و لمّا ذكر أنّ معاویة لیس بأدهى منه و نبّه على معرفته بطرق الدّهاء و خبرویّته بها أكّده بقوله :

( و اللّه ما استغفل بالمكیدة ) أى لا یطمع فی اغفالی بالكید علیّ ، لأنّی أحذر من الغراب و إن كان الطامع فی الكید أروغ من الثّعلب ، فانّ من كان أعرف بطرق الخداع و وجوه التّدابیر و الحیل لا یتمكّن من إغفاله و لا یلحقه الغفلة عمّا یراد فی حقّه من الكید و الخدیعة كما قال علیه السّلام فی الكلام السّادس : و اللّه لا أكون كالضّبع تنام على طول اللّدم حتّى یصل إلیها طالبها و یختلها راصدها .

( و لا استغمز بالشّدیدة ) أى لا استضعف بالخطوب الشّدیدة و الدّواهی العظیمة لأنّى البطل الأهیس و الحازم الأكیس و الشّجاع الأسوس .

فقد اتّضح كلّ الوضوح بما أتى به فی هذا الكلام بطلان توهّم من زعم أنّ معاویة كان أدهى منه علیه السّلام و أصحّ تدبیرا .

و قد بسط الكلام فى هذا المرام أبو عثمان الجاحظ على أحسن تقریر و تبیان و فصّل الشارح المعتزلى تفصیلا عجیبا أحببت نقل ما قالا ، لأنه من لسانهما أحلى فأقول :

أما الجاحظ فقد قال فی محكیّ كلامه :

و ربما رأیت بعض من بطن بنفسه العقل و التحصیل و الفهم و التمییز و هو من العامة و یظنّ أنه من الخاصة یزعم أنّ معاویة كان أبعد غورا و أصحّ فكرا و أجود

[ 369 ]

رویّة و أبعد غایة و أدقّ مسلكا ، و لیس الأمر كذلك و ساری إلیك بجملة تعرف بها موضع غلطه و المكان الّذى دخل علیه الخطاء من قبله .

كان علیّ علیه السّلام لا یستعمل فی حربه إلاّ ما وافق الكتاب و السنّة .

و كان معاویة یستعمل خلاف الكتاب و السّنّة كما یستعمل الكتاب و السنة ، و یستعمل جمیع المكائد حلالها و حرامها و یسیر فی الحرب بسیرة ملك الهند إذا لاقی كسرى ، و خاقان إذا لاقی رتبیل .

و علیّ علیه السّلام یقول : لا تبدؤا بالقتال حتّى یبدؤكم ، و لا تتبعوا مدبرا ، و لا تجهزوا على جریح ، و لا تفتحوا بابا مغلقا ، و هذه سیرته فی ذى الكلاع و فی أبی أعور السلّمی ،

و فی عمرو بن العاص ، و حبیب بن مسلمة و فی جمیع الرّؤساء كسیرته فی الحاشیة و الحشو و الأتباع و السّفلة .

و أصحاب الحروب إن قدروا على البیات تبیّتوا . و إن قدروا على رضخ الجمیع بالجندل و هم نیام فعلوا و إن أمكن ذلك فى طرفة عین ، و لم یؤخّروا الحرق إلى وقت الغرق ، و إن أمكن الهدم لم یتكلّفوا الحصار ، و لم یدعوا أن ینصبوا المجانیق و العراوات و النّقب و الشریب و الدّبابات و الكمین ، و لم یدعوا دسّ السّموم و لا التضریب بین النّاس بالكذب و طرح الكتب فی عساكرهم بالسّعایات و توهیم الامور و ایحاش بعضهم من بعض و قتلهم بكلّ آلة و حیلة كیف وقع القتل و كیف دارت بهم الحال .

فمن اقتصر من التدبیر حفظك اللّه على ما فی الكتاب و السنّة و كان قد منع نفسه الطویل العریض من التدّبیر و ما لا یتناهی من المكاید ، و الكذب أكثر من الصّدق و الحرام أكثر عددا من الحلال ، و كذلك الایمان و الكفر و الطاعة و المعصیة و الحقّ و الباطل ، و كذلك الصّحة و السّقم و الصّواب و الخطاء .

فعلیّ علیه السّلام كان ملجما بالورع عن جمیع القول إلاّ ما هو للّه عزّ و جلّ رضى ،

و ممنوع الیدین عن كلّ بطش إلاّ ما هو للّه رضى ، و لا یرى الرّضاء إلاّ فیما یرضاه اللّه و یحبّه ، و لا یرى الرّضاء إلاّ فیما دلّ علیه الكتاب و السنّة دون ما یقول علیه أصحاب الدّهاء و النّكراء و المكاید و الآراء .

[ 370 ]

فلمّا أبصرت العوام كثرة بوادر معاویة فى المكاید ، و كثرة غرایبه فى الخدع ،

و ما اتّفق له و تهیّأ على یده ، و لم یروا ذلك من علىّ ، ظنّوا بقصر عقولهم أنّ ذلك من رجحان عند معاویة و نقصان عند علىّ فقالوا لو لم ما یعدّ له من الخدع إلاّ رفع المصاحف .

ثمّ انظر هل خدع بها إلاّ من عصى رأى علیّ و خالف أمره ، فان زعمت أنّه قد نال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت و لیس فى هذا اختلفنا ، و لا عن غرارة أصحاب علىّ علیه السّلام و عجلتهم و تسرّعهم و تنازعهم دفعنا ، و إنّما كان قولنا فى التمیز بینهما فى الدّهاء و النكراء و صحّة الرّأى و العقل .

على أنّا لا نصف الصالحین بالدّهاء و النكراء ، و لا یقول أحد عنده شى‏ء من الخیر : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أدهى العرب و العجم و أنكر قریش و أنكر كنانة .

لأنّ هذه الكلمة إنّما وضعت فى مدیح أصحاب الارب و من یتعمّق فى الرأى فى توكید أمر الدّنیا و زبرجها و تشدید أركانها .

فأمّا أصحاب الآخرة الّذین یرون النّاس لا یصلحون على تدبیر البشر و انّما یصلحون على تدبیر خالق البشر لا یمدحون بالدّهاء و النكراء ، و لم یمنعوا إلاّ لیعطوا أفضل منه .

و أما الشارح المعتزلى فقد قال :

إنّ السّایس لا یتمكّن من السّیاسة البالغة إلاّ إذا كان یعمل برأیه و بما یرى فیه صلاح ملكه و تمهید أمره ، سواء وافق الشریعة أو لم یوافقها ، و متى لم یعمل فى السّیاسة بمقتضى ما قلناه فبعید أن ینتظم أمره أو یستوسق حاله .

و أمیر المؤمنین علیه السّلام كان مقیّدا بقیود الشریعة ، مدفوعا إلى اتّباعها و رفض ما یصلح من آراء الحرب و الكید و التدبیر إذا لم یكن للشرع موافقا ، فلم یكن قاعدة فى خلافته قاعدة غیره ممّن لم یلتزم بذلك .

و لسنا زارین بهذا القول على عمر بن الخطّاب ، و لكنّه كان مجتهدا یعمل بالقیاس و الاستحسان و المصالح المرسلة و یرى تخصیص عمومات النّصّ بالآراء و بالاستنباط من اصول یقتضى خلاف ما یقتضیه عموم النّصوص ، و یكید خصمه و یأمر

[ 371 ]

أمراءه بالكید و الحیلة ، و یؤدّب بالدّرّة و السّوط من یتغلّب على ظنّه أنّه یستوجب ذلك ، و یصفح عن آخرین قد اجترموا ما یستحقّون به التّأدیب كلّ ذلك بقوّة اجتهاده و ما یؤدّیه إلیه نظره .

و لم یكن أمیر المؤمنین علیه السّلام یرى ذلك ، و كان یقف مع النصوص و الظواهر و لا یتعدّاها إلى الاجتهاد و الأقیسة ، و یطبّق امور الدّنیا على امور الدّین ، و یسوق الكلّ مساقا واحدا ، و لا یضع و لا یرفع إلاّ بالكتاب و النّصّ ، فاختلف طریقتاهما فى الخلافة و السّیاسة .

و كان عمر مع ذلك شدید الغلظة ، و كان علىّ علیه السّلام كثیر الحلم و الصّفح و التجاوز فازدادت خلافة ذلك قوّة ، و خلافة هذا لینا .

و لم یمن عمر بما منى علیّ به من فتنة عثمان الّتى أحوجته إلى مداراة أصحابه و جنده و مقاربتهم للاضطراب الواقع بطریق تلك الفتنة .

ثمّ تلى تلك الفتنة فتنة الجمل و فتنة صفّین ثمّ فتنة النّهروان و كلّ ذلك الامور مؤثرة فى اضطراب أمر الوالى و اغلال معاقد ملكه ، و لم یتّفق لعمر شى‏ء من ذلك فشتّان بین الخلافتین فیما یعود إلى انتظام المملكة و صحّة تدبیر الخلافة .

فان قلت : فما قولك فى سیاسة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تدبیره أ لیس كان منتظما سدیدا مع أنّه كان لا یعمل إلاّ بالنّصوص و التوقیف من الوحى ، فهلا كان تدبیر علیّ علیه السّلام و سیاسته كذلك ؟ .

قلت : أمّا سیاسة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تدبیره فخارج عمّا نحن فیه ، لأنّه معصوم لا یتطرّق العلّة إلى أفعاله ، و لیس بواحد من هذین الرّجلین بواجب العصمة عندنا « إلى أن قال » :

و كان أبو جعفر بن أبى زید الحسنى نقیب البصرة إذا حدّثناه فى هذا یقول :

إنّه لا فرق عند من قرء السیر بین سیرة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سیاسة أصحابه أیّام حیاته ،

و بین سیرة أمیر المؤمنین و سیاسة أصحابه أیّام حیاته ، فكما أنّ علیّا علیه السّلام لم یزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة و العصیان و الهرب إلى أعدائه و كثرة اختلافه و الحروب

[ 372 ]

فكذلك كان النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ممنوا بنفاق المنافقین و اذاهم و خلاف أصحابه علیه و هرب بعضهم إلى أعدائه و كثرة الحروب و الفتن .

و كان یقول : أ لست ترى القرآن العزیز مملوّا بذكر المنافقین و الشّكوى منهم و التّألّم من أذاهم له ، كما أنّ كلام علیّ مملوّ بالشكوى من منافقى أصحابه و التّألّم من أذاهم له .

ثمّ ذكر كثیرا من الآیات المتضمنّة لنفاق المنافقین و الشكوى منهم لا حاجة بنا إلى ذكرها ثمّ قال :

فمن تأمّل كتاب العزیز علم حاله صلوات اللّه علیه مع أصحابه كیف كانت و لم ینقله اللّه إلى جواره إلاّ و هو مع المنافقین له و المظهرین خلاف ما یضمرون من تصدیقه فی جهاد شدید ، حتّى لقد كاشفوه مرارا فقال لهم یوم الحدیبیّة : احلقوا و انحروا ، فلم یحلقوا و لم ینحروا و لم یتحرّك أحد منهم عند قوله ، و قال له بعضهم و هو یقسم الغنائم : اعدل یا محمّد فانّك لم تعدل ، و قالت الأنصار له مواجهة یوم حنین أ تأخذ ما أفشاه اللّه علینا بسیوفنا فتدفعه إلى أقاربك من أهل مكة ، حتى أفضى إلى أن قال لهم فی مرض موته : ایتونى بدواة و كتف أكتب لكم ما لا تضلّون بعده ، فعصوه و لم یأتوه بذلك ولیتهم اقتصروا على عصیانه و لم یقولوا له ما قالوا و هو یسمع قال :

و كان أبو جعفر یقول من هذا ما یطول شرحه و القلیل منه ینبى‏ء عن الكثیر و كان یقول :

إنّ الاسلام ما جلا عندهم و لا ثبت فی قلوبهم إلاّ بعد موته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین فتح علیهم الفتوح و جائتهم الغنائم و الأموال و كثرت علیهم المكاسب و ذاقو الذّة الحیاة و عرفوا لذّة الدّنیا و لبسوا الناعم و أكلوا الطیب و تمتّعوا بنساء الرّوم و ملكوا خزائن كسرى ، و تبدّلوا بذلك التقشّف و اللبس الخشن و أكل الضباب و القنافذ و الیرابیع و لبس الصّوف و الكرابیس أكل اللّوز ینجات و الفالوزجات و لبس الحریر و الدّیباج فاستدلّوا بما فتحه اللّه علیهم و أتاخه لهم على صحّة الدّعوة و صدق الرّسالة .

و قد كان صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، وعدهم بأنّه سیفتح علیهم كنوز كسرى و قیصر ، فلما

[ 373 ]

وجدوا الأمر قد وقع بموجب ما قاله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عظّموه و أحبّوه و انقلبت تلك الشكوى و ذلك النفاق و ذلك الاستهزاء إیمانا و یقینا و إخلاصا ، و طاب لهم العیش ، و تمسّكوا بالدین لأنّهم رأوه طریقا إلى نیل الدّنیا ، فعظّموا ناموسه ، و بالغوا فی إجلاله و إجلال الرسول الذى جاء به .

ثمّ انقرض الأسلاف و جاء الأخلاف على عقیدة ممهّدة و أمر أخذوه تقلیدا من أسلافهم الذین دبّوا فی حجورهم ، ثمّ انقرض ذلك القرن و جاء من بعدهم كذلك و هلم جرّا قال :

و لو لا الفتوح و النّصر و الظفر الذى منحهم اللّه تعالى إیّاه و الدولة الّتی ساقها إلیهم لا نقرض دین الاسلام بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و كان یذكر فی التواریخ كما یذكر نبوّة خالد بن سنان العنسى حیث ظهر و دعا إلى الدّین و كان النّاس یعجبون من ذلك و یتذاكرونه كما یعجبون و یتذاكرون أخبار من نبغ من الرّؤساء و الملوك و الدّعاة الذین انقرض أمرهم و بقیت أخبارهم ، و كان یقول :

من تأمّل الرّجلین وجدهما متشابیهن فی جمیع امورهما أو فی أكثرها .

و ذلك لأنّ حرب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مع المشركین كانت سجالا انتصر یوم بدر و انتصر المشركون علیه یوم احد ، و كان یوم الخندق كفافا خرج هو و هم سواء لاله و لا علیه ، لأنّهم قتلوا رئیس الأوس و هو سعد بن معاذ و قتل منهم فارس قریش و هو عمرو بن عبدود و انصرفوا عنه بغیر حرب بعد تلك السّاعة الّتی كانت ،

ثمّ حارب قریشا بعدها یوم الفتح فكان الظفر له .

و هكذا كانت حروب علیّ علیه السّلام انتصر یوم الجمل و خرج بینه و بین معاویة على سواء قتل من أصحابه رؤساء ، و من أصحابه رؤساء و انصرف كلّ واحد من الفریقین عن صاحبه بعد الحرب على مكانه ، ثمّ حارب بعد صفّین أهل النهروان فكان الظفر له قال :

و من العجب أنّ أوّل حروب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كانت بدرا و كان هو المنصور

[ 374 ]

فیها ، و أوّل حروب علیّ علیه السّلام الجمل و كان هو المنصور .

ثمّ كان من صحیفة الصلح و الحكومة یوم صفین نظیر ما كان من صحیفة الصلح و الهدنة یوم الحدیبیّة ثمّ دعا معاویة فی آخر أیّام علیّ علیه السّلام إلى نفسه و تسمّى بالخلافة كما أنّ مسیلمة و الأسود العنسى دعوا إلى أنفسهما فی آخر أیّام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تسمّیا بالنّبوة ، و اشتدّ على علیّ علیه السّلام ذلك كما اشتدّ على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أمر الأسود و مسیلمة ، و بطل أمرهما بعد وفاة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كذلك بطل أمر معاویة و بنی امیة بعد وفاة علیّ علیه السّلام .

و لم یحارب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أحد من العرب إلاّ قریش ما عدا یوم حنین ، و لم یحارب علیّا علیه السّلام أحد من العرب إلاّ قریش ما عدا یوم النّهروان .

و مات علىّ علیه السّلام شهیدا بالسّیف ، و مات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شهیدا بالسمّ .

و هذا لم یتزوّج على خدیجة امّ أولاده حتّى ماتت ، و هذا لم یتزوّج على فاطمة أمّ أشرف أولاده حتّى ماتت .

مات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عن ثلاث و ستّین سنة و مات علیّ علیه السّلام عن مثلها ، و كان یقول :

انظروا إلى أخلاقهما و خصایصهما :

هذا شجاع و هذا شجاع ، و هذا فصیح و هذا فصیح ، و هذا سخیّ جواد و هذا سخیّ جواد ،

و هذا عالم بالشرایع و الامور الالهیة و هذا عالم بالفقه و الشریعة و الامور الدقیقة الغامضة و هذا زاهد فی الدّنیا غیرنهم علیها و لا مستكثر منها و هذا زاهد فی الدّنیا تارك لها غیر متمتّع بلذّاتها ، و هذا مذیب نفسه فی الصّلاة و العبادة و هذا مثله ، و هذا غیر محبّ إلیه شی‏ء من الامور العاجلة إلاّ النساء و هذا مثله ، و هذا ابن ابن عبد المطلب بن هاشم وهذا فی تعداده ، و أبوهما أخوان لأب واحد دون غیرهما من بنی عبد المطلب و ربّى محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حجر والده هذا و هو أبو طالب فكان عنده جاریا مجرى أحد أولاده ، ثمّ لمّا شبّ و كبر استخلص من بنی أبی طالب و هو غلام فربّاه فی حجره مكافاة لصنیع أبیطالب به ، فامتزج الخلقان و تماثلت السّجیّتان ، و إذا كان القرین

[ 375 ]

مقتدیا بالقرین فما ظنك بالتّربیة و التثقیف الدّهر الطویل .

فوجب أن یكون أخلاق محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كأخلاق أبیطالب ، و أن یكون أخلاق علىّ كأخلاق أبیطالب أبیه و أخلاق محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مربّیه و أن یكون الكلّ شیمة واحدة وسوسا واحدا و طینة مشتركة و نفسا غیر منقسمة و لا متجزیّة ، و أن لا یكون بین بعض هؤلاء و بعض فرق و لا فصل لو لا أنّ اللّه اختصّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله برسالته و اصطفاه لوحیه لما یعلمه من مصالح البریة فی ذلك ، فامتاز رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بقوله : أخصّك بالنّبوة فلا نبوّة بعدى ، و تخصم النّاس بسبع و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له أیضا : أنت منّی بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبىّ بعدی ، فأبان نفسه بالنّبوة و أثبت له ما عداها من جمیع الفضایل و الخصایص مشتركا بینهما .

قال الشّارح المعتزلی :

و كان النّقیب أبو جعفر غزیر العلم صحیح العقل منصفا بالجدل غیر متعصّب للمذهب و إن كان علویا و كان یعترف بفضایل الصّحابة و یثنى على الشّیخین و یقول : إنهما مهّدا دین الاسلام و أرسیا قواعده و لقد كان شدید الاضطراب فی حیاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إنّما مهّداه بما تیسّر للعرب من الفتوح و الغنایم فی دولتهما و كان یقول فی عثمان : إنّ الدولة فى أیّامه كانت على إقبالها و علوّ جدّها بل كانت الفتوح فی أیّامه أكثر و الغنایم أعظم لو لا أنّه لم یراع ناموس الشیخین و لم یستطع أن یسلك مسلكهما و كان مضعفا فی أصل القاعدة مغلوبا علیه و كثیر الحبّ لأهله و اتیح له من مروان وزیر سوء ما أفسد القلوب علیه و حمل النّاس على خلعه و قتله .

قال الشّارح : و كان أبو جعفر لا یجحد الفاضل فضله و الحدیث ذو شجون قلت له مرّة :

ما سبب حبّ النّاس لعلىّ بن أبیطالب علیه السّلام و عشقهم له و تهالكهم فی هواه ؟

و دعنى فی الجواب من حدیث الشّجاعة و العلم و الفصاحة و غیر ذلك من الخصایص التی رزقه اللّه سبحانه الكثیر الطیّب منها .

[ 376 ]

فضحك و قال لى : لم تجمع حرا میزك علیّ ؟ ثمّ قال : ههنا مقدّمة ینبغى أن تعلم و هى :

إنّ أكثر النّاس موتورون من الدنیا أمّا المستحقّون فلا ریب فی أنّ أكثرهم محرومون .

نحو عالم یرى أنّه لا حظّ له من الدّنیا ، و یرى جاهلا غیره مرزوقا موسّعا علیه .

بضروراته ، و یرى غیره و هو جبان فشل ینفر من ظلّه مالكا بقطر عظیم من الدّنیا و قطعة وافرة من المال و الرزق .

و عاقل سدید الرّأى صحیح العقل قد قدر علیه رزقه و هو یرى غیره أحمق مایقا تدرّ علیه الخیرات له أخلاف الرّزق و ذى دین قویم و عبادة حسنة و اخلاص و توحید و هو محروم ضیق الرزق و یرى غیره یهودیّا أو نصرانیا أو زندیقا كثیر المال حسن الحال حتّى أنّ هذه الطبقات المستحقّة یحتاجون فی أكثر الوقت إلى الطبقات الّتی لا استحقاق لها ،

و تدعوهم الضّرورة إلى الذلّ لهم و الخضوع بین أیدیهم إمّا لدفع ضرر أو لاستجلاب نفع .

و دون هذه الطبقات من ذوى الاستحقاق أیضا ما یشاهد عیانا من تجّار حاذق أو بنّاء عالم أو نقاش بارع أو مصوّر لطیف على غایة ما یكون من ضیق رزقهم و قلّة الحیلة بهم ، و یرى غیرهم ممّن لیس یجرى مجراهم و لا یلحق طبقتهم مرزوقا مرغوبا كثیر المكسب طیب العیش واسع الرّزق .

فهذا حال ذوى الاستحقاق و الاستعداد .

و أما الذین لیسوا من أهل الفضایل كحثو العامّة فانّهم أیضا لا یخلون من الحقد على الدّنیا و الذمّ لها و الحنق و الغیظ منها لما یلحقهم من حسد أمثالهم و جیرانهم و لا ترى أحدا منهم قانعا بعیشه و لا راضیا بحاله یتزیّد و یطلب حالا فوق حاله قال :

[ 377 ]

فاذا عرفت هذه المقدّمة فمعلوم أنّ علیّا علیه السّلام كان مستحقا محروما بل هو أمیر المستحقّین المحرومین و سیّدهم و كبیرهم ، و معلوم أنّ الّذین یلحقهم النّزلة و ینالهم الضّیم یتعصّب بعضهم لبعض و یكونون البا و یدا واحدة على المرزوقین الّذین ظفروا بالدّنیا لاشتراكهم فی الأمر الذى ألمهم و ساءهم و عضّهم و مضّهم ، و اشتراكهم فی الأنفة و الحمیة و الغضب و المنافسة لمن علیهم و قهر علیهم و بلغ من الدّنیا ما لم یبلغوه .

فاذا كان هؤلاء أعنی المحرومین متساوین فی المنزلة و المرتبة و تعصّب بعضهم لبعض فما ظنّك بما إذا كان رجل عظیم القدر جلیل الخطر كامل الشرف جامع للفضایل محتو على الخصایص و المناقب و هو مع ذلك محروم محدود قد جرّعته الدّنیا علاقمها ، و علته عللا بعد نهل من صابها و صبرها ، و لقى منها برحا بارحا و جهدا جهیدا و علا علیه من هو دونه و حكم فیه و فی بیته و أهله و رهطه من لم یكن ما ناله من الامرة و السّلطان فی حسابه ، و لا دائرا فی خلده ، و لا خاطرا بباله ، و لا كان أحد من الناس یرتقب ذلك له و لا یراء له ، ثم كان فی آخر الامر أن قتل هذا الرجل الجلیل فی محرابه و قتل بنوه بعده و سبى حریمه و نساؤه و تتّبع أهله و بنو عمّه بالطرد و القتل و الشّرید و السّجون مع فضلهم و زهدهم و عبادتهم و سخائهم و انتفاع الخلق بهم .

فهل یمكن أن لا یتعصّب البشر كلّهم مع هذا الشّخص و هل تستطیع أن لا تحبّه و تهواه و تذوب فیه و تفنى فی عشقه انتصارا له و حمیّة من أجله و آنفة ممّا ناله و امتعاضا ممّا جرى علیه .

و هذا أمر مركوز فی الطّبایع مخلوق فی الغرائز كما یشاهد النّاس على الجرف إنسانا قد وقع فی الماء العمیق و هو لا یحسن السّباحة فانّهم بالطّبع البشرى یرقّون علیه رقّة شدیدة .

و قد بلغنی أنّه رمى قوم منهم أنفسهم فی الماء نحوه یطلبون تخلیصه و لا یتوقّعون على ذلك مجازاة منه بمال أو شكر و لا ثواب فی الآخرة فقد یكون منهم من لا یعتقد أمر الآخرة ، و لكنّها رقّة بشریّة و كان الواحد منهم یتخیّل فی نفسه أنّه ذلك الغریق

[ 378 ]

فكما یطلب خلاص نفسه لو كان هذا الغریق كذلك یطلب تخلیص من هو فی تلك الحال الصّعبة للمشاركة الجنسیّة .

و كذلك لو أنّ ملكا ظلم أهل بلد من بلاده ظلما عنیفا لكان أهل ذلك البلد یتعصّب بعضهم لبعض فی الانتصار من ذلك الملك و الاستعداء علیه .

فلو كان من جملتهم رجل عظیم القدر جلیل الشّأن قد ظلمه الملك أكثر من ظلمه إیّاهم و أخذ أمواله و ضیاعه و قتل أولاده و أهله كان لیاذهم به و انضوائهم إلیه و اجتماعهم و التفافهم به أعظم و أعظم ، لأنّ الطّبیعة البشریّة تدعو إلى ذلك على سبیل الایجاب و الاضطرار و لا یستطیع الانسان منه امتناعا .

قال الشّارح : هذا محصول قول النقیب أبی جعفر قد حكیته و الألفاظ لی و المعنى له ، و كان لا یعتقد فی الصّحابة ما یعتقده أكثر الامامیّة فیهم و یسفّه رأى من یذهب فیهم إلى النّفاق و التّكفیر ، و كان یقول : حكمهم حكم مسلم مؤمن عصى فی بعض الافعال فحكمه إلى اللّه إن شاء أخذه و إن شاء غفر له قلت له مرّة : أ فتقول إنّهما من أهل الجنّة ؟

فقال : إى و اللّه أعتقد ذلك لأنّهما إمّا أن یعفو اللّه عنهما ابتداء أو بشفاعة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو بشفاعة علىّ أو یؤاخذهم بعقاب أو عتاب ثمّ ینقلهما إلى الجنة لا استریب فی ذلك أصلا و لا أشكّ فی ایمانهما برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و صحّة عقیدتهما فقلت له : فعثمان ؟

قال : و كذلك عثمان ثمّ قال : رحم اللّه عثمان و هل كان إلاّ واحدا منّا و غصنا من شجرة عبد مناف ، و لكن أهله كدروه علینا و أوقعوا العداوة و البغضاء بینه و بیننا قلت له : فیلزم ذلك على ما تراه فی أمر هؤلاء أن یجوز دخول معاویة الجنّة لأنه لم تكن منه إلاّ المخالفة و ترك امتثال أمر النبویّ .

فقال : كلاّ إنّ معاویة من أهل النار لا لمخالفته علیا و لا بمحاربته ایّاه ،

و لكن عقیدته لم تكن صحیحة و لا ایمانه حقا كان من رؤوس المنافقین هو و أبوه ،

و لم یسلم قلبه قطّ و إنما أسلم لسانه ، و كان یذكر من حدیث معاویة و من فلتات

[ 379 ]

قوله و ما حفظ من كلام یقتضی فساد العقیدة شیئا كثیرا لیس هنا موضع ذكره فأذكره و قال لی مرّة : حاش للّه أن یثبت معاویة فی جریدة الشیخین الفاضلین أبی بكر و عمر و اللّه ما هما إلاّ كالذّهب الابریز و لا معاویة إلاّ كالدّرهم الزایف أو قال كالدّرهم القمی .

ثمّ قال لى : فما یقول أصحابكم فیهما ؟

قلت : أما الذى استقرّ علیه رأى المعتزلة بعد اختلاف كثیر بین قدمائهم فى التفضیل و غیره إنّ علیا علیه السّلام أفضل الجماعة و إنّهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها و إنه لم یكن هناك نصّ قاطع العذر و إنما كانت إشارة و ایماء لا یتضمّن شی‏ء منها صریح النصّ و إنّ علیا نازع ثمّ بایع ، و جمح ثمّ اسحب ، و لو قام على الامتناع لم نقل بصحّة البیعة له و لا بلزومها ، و لو جرّد السیف كما جرّده فی آخر الأمر لقلنا بفسق كلّ من خالفه على الاطلاق إنه فاسق كافر و لكن رضی بالبیعة أخیرا و دخل فى الطاعة ، و بالجملة أصحابنا یقولون : إنّ الأمر كان له و كان هو المستحقّ و المتعیّن فان شاء أخذه بنفسه و إن شاء ولاّه غیره فلما رأیناه قد وافق على ولایة غیره اتبعناه و رضیناه .

فقال : قد بقی بینی و بینكم قلیل أنا أذهب إلى النصّ و أنتم لا تذهبون إلیه ؟

فقلت : إنه لم یثبت النصّ عندنا بطریق یوجب العلم ، و ما تذكرونه أنتم صریحا فانتم تنفردون بنقله ، و ما عدا ذلك من الأخبار التی نشارككم فیها فلها تأویلات معلومة .

فقال و هو ضجر : یا فلان لو فتحنا باب التأویلات لجاز أن نتأوّل قولنا لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه ، دعنی من التأویلات الباردة التى تعلم القلوب و النفوس أنها غیر مرادة و أنّ المتكلّمین تكلّفوها و تعسّفوها ، فانما أنا و أنت فى الدّار و لا ثالث لنا فیستحیى أحدنا من صاحبه أو یخافه .

قال الشارح : فلما بلغنا إلى هذا الموضع دخل قوم ممن كان یخشاه ، فتركنا ذلك الاسلوب من الحدیث و خضنا فی غیره ، انتهى .

[ 380 ]

قال الشارح المحتاج إلى رحمة ربّ العالمین المتمسّك بحبل اللّه المتین ولایة أمیر المؤمنین :

للّه در الشارح المعتزلی و النّقیب أبی جعفر الحسنی ، فلقد أجاد كلّ منهما فیما أفاد ، و أسفرا النّقاب عن وجه المراد ، و حقّقا ما هو الحقّ الأحقّ بالاتباع ،

و أفصحا عن صریح مذهب الشّیعة الامامیّة رضی اللّه عنهم لو لا إنكار الأوّل للنّص الجلی و تعصّب الثّانی فی حقّ الشیخین و قوله : بأنّهما من أهل الجنّة بشفاعة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله أو بشفاعة علیّ علیه السّلام و بعبارة اخرى عدم تبرّیه من الشّیخین مع تولّیه لأمیر المؤمنین فان كان ما قالاه مقتضى التّقیّة الّتی هی شعار الامامیّة أى یكون ما أضمراه خلاف ما أظهراه ، فطوبى لهم و حسن مآب و جنّات خلد مفتّحة الأبواب .

و إن كان سریرتهما وفق علانیتهما فویل لهما من دیّان الدّین یوم حشر الأوّلین و الآخرین .

و ما أدرى ما ذا یعتذران به إذا لاقیا أمیر المؤمنین فی موقف حساب ربّ العالمین و كیف یمكن إنكار النصّ مع وجود النّصوص القاطعة المتواترة العامیة و الخاصیّة حسبما عرفت فی تضاعیف الشرح و تعرف أیضا فی المواقع اللایقة ، أم كیف یمكن اجتماع ولایة أمیر المؤمنین علیه السّلام و محبّته فی القلب مع محبّة الشیخین و ما جعل اللّه لرجل فی جوفه من قلبین و لنعم ما قال مجنون العامرى :

و لو كان لی قلب یذوب بحبّها . و قلب باخرى إنّها لقلوب

و قد تقدّم فی شرح الخطبة المأة و السابعة و الأربعین أخبار كثیرة فى عدم اجتماع محبّته علیه السّلام مع محبّة غیره فلیتذكّر ، هذا .

مضافا إلى النصّ الذى هو مسلّم النقیب كما أنه مثبت لخلافة أمیر المؤمنین ناف لخلافة المنتحلین المبطلین ، و بالجملة لازمة الولایة الحقّة الثبات فی عداوة الثلاثة .

و هنا لطیفة مناسبة للمقام یعجبنی ذكرها و هو :

إنّ الشیخ صالح بن حسن سأل عن الشیخ الأجلّ بهاء الملّة و الدّین قدّس اللّه

[ 381 ]

روحه و قال : ما قول سیدى و سندى فی هذه الأبیات لبعض النواصب فالمأمول أن تشرفوا بجواب منظوم یكسر سورته :

أهوى علیا أمیر المؤمنین و لا
أرضى بسبّ أبی بكر و لا عمرا

و لا أقول إذا لم یعطیا فدكا
بنت النبیّ رسول اللّه قد كفرا

اللّه یعلم ما ذا یأتیان به
یوم القیامة من عذر إذا اعتذرا

فأجابه الشیخ قدّس سرّه العزیز : التمست أیها الأخ الأفضل الصفیّ الوفیّ أطال اللّه بقاك و أدام فى معارج العزّ ارتقاك الاجابة عما هذر به هذا المخذول فقابلت التماسك بالقبول و طفقت أقول :

یا أیها المدّعی حبّ الوصیّ و لم
تسمح بسبّ أبی بكر و لا عمرا

كذبت و اللّه فى دعوى محبّته
تبّت یداك ستصلى فی غد سقرا

فكیف تهوى أمیر المؤمنین و قد
أراك فى سبّ من عاداه مفتكرا

فان تكن صادقا فیما نطقت به
فابرء إلى اللّه ممّن خان أو غدرا

و أنكر النصّ فی خمّ و بیعته
و قال إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد هجرا

أتیت تبغی قیام العذر فى فدك
أ نحسب الأمر فى التمویه مستترا

إن كان فى غصب حقّ الطهر فاطمة
سیقبل العذر ممّن جاء معتذرا

فكلّ ذنب له عذر غداة غد
و كلّ ظلم ترى فى الحشر مغتفرا

فلا تقولوا لمن أیّامه صرفت
فى سبّ شیخیكم قد ضلّ أو كفرا

بل سامحوه و قولوا لا نؤاخذه
عسى یكون له عذر إذا اعتذرا

فكیف و العذر مثل الشمس اذ بزغت
و الأمر متّضح كالصّبح إذ ظهرا

لكنّ إبلیس أغواكم و صیّركم
عمیا و صمّا فلا سمعا و لا بصرا

الترجمة

مى‏فرماید قسم بخدا نیست معاویه زیركتر از من در تدبیر امورات دنیویّه ،

[ 382 ]

و لكن آن ملعون مكر و حیله میكند و مرتكب فسق و فجور مى‏شود ، و اگر حیله كردن حرام نمى‏شد هر آینه مى‏بودم من از زیركترین خلق و لكن هر حیله كننده فاسق و فاجر است ، و هر فاسق و فاجر كافر ، و هر صاحب حیله را علمى است شناخته مى‏شود با او در روز قیامت ، بخدا سوگند طلب نمى‏شود غفلت از من بجهت كید و حیله و طمع نمى‏شود در ضعف من بجهت شداید و سختیهاى روزگار .