[ 201 ] و من كلام له ع یعظ بسلوك الطریق الواضح

أَیُّهَا اَلنَّاسُ لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِیقِ اَلْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ فَإِنَّ اَلنَّاسَ قَدِ اِجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِیرٌ وَ جُوعُهَا طَوِیلٌ أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا یَجْمَعُ اَلنَّاسَ اَلرِّضَا وَ اَلسُّخْطُ وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اَللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِینَ فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ اَلسِّكَّةِ اَلْمُحْمَاةِ فِی اَلْأَرْضِ اَلْخَوَّارَةِ أَیُّهَا اَلنَّاسُ مَنْ سَلَكَ اَلطَّرِیقَ اَلْوَاضِحَ وَرَدَ اَلْمَاءَ وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِی اَلتِّیهِ


و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان من المختار فى باب الخطب

أیّها النّاس لا تستوحشوا فی طریق الهدى لقلّة أهله ، فانّ النّاس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصیر ، وجوعها طویل ، أیّها النّاس إنّما یجمع النّاس الرّضا و السّخط ، و إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرّضا ، فقال سبحانه فَعَقَرُوها فَاَصْبَحُوا نادِمینَ فما كان إلاّ أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السّكّة المحماة فی الارض الخوّارة أیّها النّاس من سلك الطّریق الواضح ورد الماء ، و من خالف وقع فی التّیه .

اللغة

قال الأزهرى ( العقر ) عند العرب قطع عرقوب النّاقة ثمّ جعل النّحر عقرا

[ 383 ]

لأنّ ناحر البعیر یعقره ثمّ ینحره و ( الخوار ) بالضمّ صوت البقر و الغنم و السّهم و الحور المنخفض من الأرض ، و الأرض الخوّارة الكثیرة الخوار و ( خسف ) المكان غار فی الأرض و خسفه اللّه یتعدّى و لا یتعدّى و ( السّكة ) بالكسر حدیدة الفدّان الّتی تثیر بها الأرض و ( حمیت ) الحدیدة تحمى من باب تعب فهى حامیة إذا اشتدّ حرّها بالنّار و یعدّى بالهمزة فیقال أحمیتها فهی محماة و ( التّیه ) بكسر التّاء المفازة الّتی لا علامة فیها یهتدى بها ، و تاه الانسان فی المفازة یتیه ضلّ عن الطریق .

الاعراب

ثمود بالفتحة قبیلة من العرب الاولى و هم قوم صالح و صالح من ولد ثمود سمّوا باسم أبیهم الأكبر ثمود بن عائر بن ارم بن سام بن نوح یصرف و لا یصرف ، فمن جعله اسم حىّ أو واد صرفه لأنّه حینئذ مذكّر ، و من جعله اسم قبیلة أو أرض لم یصرفه للتّأنیث و العلمیّة ، و أرض ثمود قریبة من تبوك ، و لمّا عمّوه فی بعض النسخ بتشدید المیم فتكون ظرفیّة بمعنی إذ ، و فی بعضها بكسر اللاّم و تخفیف المیم فتكون ما مصدریّة ، و قوله : فأصبحوا نادمین إن كان أصبح ناقصة بمعنی صار فنادمین خبرها ،

و إن كانت تامّة بمعنی الدّخول فی وقت الصّباح فهو حال من فاعلها ، و یؤیّد الثانی قوله تعالى فی سورة الحجر فأخذتهم الصّیحة مصبحین و كذا قوله : فما كان ، یحتمل أن تكون كان ناقصة و اسمها مضمر فیها أى ما كان الانتقام منهم ، و تامّة بمعنى وقع .

المعنى

اعلم أنّ الغرض من هذا الكلام ترغیب أصحابه على الثّبات على ما كانوا علیه من سلوك سبیل الحقّ ، و لمّا كانت العادة جاریة بأن یستوحش النّاس من الوحدة و قلّة الرّفیق فی الطریق لا سیّما إذا كان طویلا صعبا غیر مأنوس فنهى عن الاستیحاش فی تلك الطریق و قال :

( أیّها النّاس لا تستوحشوا فی طریق الهدى لقلّة أهله ) و كنّى به عمّا عساه

[ 384 ]

یعرض لبعضهم من الوسوسة بأنّهم لیسوا على الحقّ لقلّتهم و كثرة مخالفیهم ، و أیضا قلّة العدد فی الطّرق الحسیّة مظنّة الهلاك و السّلامة مع الكثرة فنبّههم علیه السّلام على أنهم فى طریق الهدى و السلامة و إن كانوا قلیلین و أنّ طرق الآخرة لا تقاس بطرق الدّنیا .

ثمّ نبّه على قلّة أهل الهدى بأنّ أغلب الناس مفتونون بحبّها الصارف لهم عن طریق الهدى إلى طریق الرّدى فقال :

( فانّ الناس اجتمعوا على مائدة ) استعارها للدّنیا و الجامع كونهما مجتمع اللّذات و تفرعها بأنّ ( شبعها قصیر وجوعها طویل ) و كنّى بقصر شبعها عن قصر مدّتها و بطول جوعها عن استعقاب الانهماك فیها للعذاب الطویل فی الآخرة .

قال الشارح البحرانى : لفظ الجوع مستعار للحاجة الطویلة بعد الموت إلى المطاعم الحقیقیة الباقیة من الكمالات النفسانیة الفانیة بسبب الغفلة فى الدّنیا ،

فلذلك نسب الجوع إلیها .

و كیف كان ففیه تنفیر للمخاطبین من الاجتماع على تلك المائدة مع المجتمعین علیها من أهل الدّنیا و حثّ لهم على الاجتماع على مائدة شبعها طویل وجوعها قصیر مع المجتمعین علیها من أهل الآخرة .

و انما یحصل ذلك بسلوك صراطهم المستقیم المؤدّى إلى جنّة النعیم عرضها السماوات و الأرض اعدّت للمتقین ، اولئك لهم رزق معلوم ، فواكه و هم مكرمون ،

على سرر متقابلین ، یطاف علیهم بكأس من معین ، بیضاء لذّة للشاربین ، و فاكهة مما یتخیّرون ، و لحم طیر مما یشتهون ، یسقون من رحیق مختوم ، ختامه مسك و فى ذلك فلیتنافس المتنافسون ، هذا .

و أما قلّة أهل الهدى فقد اشیر إلیها فى كثیر من آیات الكتاب العزیز و فى أخبار أهل البیت علیهم السّلام ، و قد مدح اللّه القلیل و ذمّ الكثیر فى كثیر من آى التنزیل قال تعالى و قلیل من عبادى الشكور و قال و قلیل ما هم و قال و ما آمن معه الاّ قلیل و قال بل أكثرهم لا یعقلون و قال و اكثرهم لا یشعرون .

[ 385 ]

و الغرض منها رفع ما یسبق الى الأوهام العامیة من أنّ الكثرة دلیل الحقیّة و القلّة دلیل البطلان ، و لذا یمیل أكثر الناس إلى السواد الأعظم مع أنّ فى أعصار جمیع الأنبیاء كان أعداؤهم أضعاف أتباعهم و أولیائهم .

روى فى البحار من الكافى باسناده عن سماعة بن مهران قال : قال لی عبد صالح علیه السّلام یا سماعة امنوا على فرشهم و أخافونى أما و اللّه لقد كانت الدّنیا و ما فیها إلاّ واحد یعبد اللّه و لو كان معه غیره لأضافه اللّه عزّ و جلّ إلیه حیث یقول :

انّ إبراهیم كان امة قانتاً للَّه حنیفاً و لم یك من المشركین فصبر بذلك ما شاء اللّه ،

ثمّ إن اللّه آنسه باسماعیل و إسحاق فصاروا ثلاثة أما و اللّه إنّ المؤمن لقلیل و إنّ أهل الكفر كثیر أتدرى لم ذلك ؟ فقلت : لا أدرى جعلت فداك ، فقال : صیروا انسا للمؤمنین یبثّون إلیهم ما فى صدورهم فیستریحون إلى ذلك و یسكنون إلیه .

قال المحدّث العلامة المجلسیّ بعد نقله : قوله : و أخافونی ، أى بالاذاعة و ترك التقیّة ، و الضمیر فی أمنوا راجع إلى المدّعین للتشیّع الّذین لم یطیعوا أئمتهم فی التقیّة و ترك الاذاعة و أشار بذلك إلى أنّهم لیسوا بشیعة لنا ، و قوله و إنّ أهل الكفر كثیر المراد بالكفر هنا المقابل للایمان الكامل كما قال تعالى و ما یؤمن أكثرهم باللَّه إلاّ و هم مشركون و قوله : أ تدرى لم ذاك ؟ أى قلّة عدد المؤمنین مع أنّهم بحسب الظاهر كثیرون أو لأنّ اللّه لم جعل هؤلاء فی صورة المؤمنین ، و المعنی أنّ اللّه جعل هؤلاء المتشیّعة انسا للمؤمنین لئلاّ یستوحشوا لقلّتهم أو یكون علّة لخروج هؤلاء عن الایمان ، فالمعنی أنّه جعل المخالفین انسا للمؤمنین فیبثّون أى المؤمنون إلى المخالفین أسرار أئمّتهم فبذلك خرجوا عن الایمان .

و یؤید الاحتمالات المتقدّمة ما رواه علىّ بن جعفر قال : سمعت أبا الحسن علیه السّلام یقول : لیس كلّ من یقول بولایتنا مؤمنا و لكن جعلوا انسا للمؤمنین .

و فى البحار من الكافى عن حمران بن أعین قال : قلت لأبى جعفر علیه السّلام :

جعلت فداك ما أقلّنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنیناها فقال علیه السّلام : ألا احدّثك بأعجب

[ 386 ]

من ذلك المهاجرون و الأنصار إلاّ و أشار بیده 1 ثلاثة ، فقلت : جعلت فداك ما حال عمّار ؟ قال : رحم اللّه عمّارا أبا الیقظان بایع و مات شهیدا ، فقلت فى نفسى : ما شى‏ء أفضل من الشهادة ، فنظر الىّ فقال : لعلّك ترى أنّه مثل الثلاثة ایهات ایهات .

و فیه من الكافى عن قتیبة الأعشى قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : المؤمنة أعزّ من المؤمن و المؤمن أعزّ من الكبریت الأحمر فمن رأى منكم الكبریت الأحمر ؟

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة و فیما رویناه كفایة .

و قوله ( أیّها النّاس إنّما یجمع النّاس الرّضا و السّخط ) أى یجمعهم فی العذاب رضاهم بالمنكرات و فی الخلاص منه سخطهم لها كما أنّه یجمعهم فی الثّواب رضاهم بالصّالحات و فی الحرمان منه سخطهم لها ، لأنّ الرّاضى بفعل قوم كالداخل معهم فیه ، و یدلّ على ذلك أخبار كثیرة .

مثل ما فی الوسایل عن البرقی فی المحاسن عن محمّد بن مسلم قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إنّما یجمع النّاس الرّضا و السّخط فمن رضى أمرا فقد دخل فیه و من سخطه فقد خرج منه .

و فیه من العیون و العلل باسناده عن عبد السّلام بن صالح الهروى قال قلت لأبی الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیهما السّلام یا ابن رسول اللّه ما تقول فی حدیث روى عن الصّادق علیه السّلام قال : إذا خرج القائم علیه السّلام قتل ذرارى قتلة الحسین علیه السّلام بفعال آبائها فقال : هو كذلك ، فقلت : قول اللّه عزّ و جلّ و لا تزر وازرة وزر اخرى ما معناه ؟

قال : صدق اللّه فی جمیع أقواله ، و لكن ذرارى قتلة الحسین یرضون بفعال آبائهم و یفتخرون بها ، و من رضی شیئا كان كمن أتاه ، و لو أنّ رجلا قتل بالمشرق فرضی بقتله رجل بالمغرب لكان الرّاضی عند اللّه شریك القاتل ، و إنما یقتلهم القائم علیه السّلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم .

و فیه من العیون و العلل بهذا الاسناد عن الرّضا علیه السّلام قال : قلت له : لأىّ

-----------
( 1 ) قوله و أشار بیده من كلام الراوى ، و المراد به الاشارة بثلاثة أصابع من یده و ثلاثة من كلام الامام « ع » و المراد بالثلاثة : سلمان ، و أبوذر ، و المقداد « بحار »

[ 387 ]

علّة أغرق اللّه عزّ و جلّ الدّنیا كلّها فی زمن نوح علیه السّلام و فیهم الأطفال و من لا ذنب له ؟ فقال : ما كان فیهم الأطفال لأنّ اللّه عزّ و جلّ أعقم أصلاب قوم نوح و أرحام نسائهم أربعین عاما فانقطع نسلهم فغرقوا و لا طفل فیهم ، ما كان اللّه لیهلك بعذابه من لا ذنب له ، و أمّا الباقون من قوم نوح فاغرقوا بتكذیبهم لنبیّ اللّه نوح علیه السّلام و سائرهم اغرقوا برضاهم بتكذیب المكذّبین ، و من غاب عن أمر فرضی به كان كمن شهده و أتاه .

و فیه عن العیّاشی فی تفسیره عن محمّد بن هاشم عمّن حدّثه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لمّا نزلت هذه الآیة قل قد جائكم رسل من قبلی بالبیّنات و بالّذى قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقین و قد علم أن قد قالوا و اللّه ما قتلنا و لا شهدنا ، و إنّما قیل لهم : ابرأوا من قتلتهم ، فأبوا .

و عن محمّد بن الأرقط عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : تنزل الكوفة ؟ قلت : نعم قال :

ترون قتلة الحسین بین أظهركم ؟ قال : قلت : جعلت فداك ما بقى منهم أحد ، قال :

فأنت إذا لا ترى القاتل إلاّ من قتل أو من ولی القتل أ لم تسمع إلى قول اللّه قل قد جائكم رسل من قبلى بالبیّنات و بالذى قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقین فأىّ رسول قتل الذین كان محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بین أظهرهم و لم یكن بینه و بین عیسى رسول ،

و إنّما رضوا قتل اولئك فسمّوا قاتلین ، هذا .

و لمّا ذكر علیه السّلام إنّ النّاس یجمعهم الرّضا و السخط استشهد علیه بقصّة ثمود فقال :

( و إنّما عقر ناقة ) الصالح الّتی جعلها اللّه آیة قومه ( ثمود رجل واحد ) منهم أزرق أشقر أحمر یقال له : قدار بن سالف ، و كان ولد زنا و لم یكن ابن سالف و إنّما ولد فی بیته فانتسب إلیه ( فغمّهم اللّه بالعذاب ) و هى الصّیحة و الرّجفة و الصاعقة و الزلزلة الشّدیدة ( لما عموه بالرّضا ) أى أنزل العذاب على جمیعهم لما كان الجمیع راضین بذلك الفعل أعنى عقر النّاقة ( فقال تعالى ) فى سورة الشعراء

[ 388 ]

( فعقروها ) نسب العقر إلى جمیعهم لما ذكر ( فأصبحوا نادمین ) على عقرها عند معاینة العذاب .

و فی سورة هود و اخذ الذین ظلموا الصّیحة فاصبحوا فی دیارهم جاثمین 1 و فی سورة الأعراف فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا فی دیارهم جاثمین .

قال الطبرسی فی تفسیر هذه الآیة الأخیرة : أى الصّیحة ، و قیل : الزّلزلة هلكوا بها ، و قیل : الصّاعقة ، و قیل : كانت صیحة زلزلت به الأرض و أصل الرّجفة الحركة المزعجة الشّدیدة و إنّما قال فأصبحوا جاثمین لأنّ العذاب أخذهم عند الصّباح ، و قیل : أتتهم الصّیحة لیلا فأصبحوا على هذه الصّفة ، و العرب تقول عند الأمر العظیم : و اسوء صباحاه .

أقول : و یؤیّد الأوّل قوله تعالى فی سورة الحجر فأخذتهم الصیحة مصبحین و ستعرف تفصیل قصّتهم و تمام الآیة المذكورة فی المتن فی التّذنیب الآتى إنشاء اللّه .

( فما كان ) عقوبتهم بعد العقر ( إلاّ أن ) أخذتهم الرّجفة و ( خارت أرضهم بالخسفة ) أى صوتت بسبب الخسف فی الأرض ( خوار السّكة المحماة فی الأرض الخوارة ) أى مثل تصویت السكة المحدّدة التی هى أقوى صوتا و أشدّ غوصا فی الأرض الصّلبة الكثیرة الصّوت فاریه بالمحماة المحدّدة مجازا بعلاقة ما كان لأنّها تحمى فی النار أوّلا ثمّ تحدّد أو بعلاقة الملازمة .

و أبقاه الشارح المعتزلی على معناه الحقیقى و قال : إنّما جعلها محماة لأنه یكون أبلغ فی ذهابها فی الأرض ، لأنّ السّكة المحماة تخرق الأرض بشیئین :

أحدهما تحدّد رأسها ، و الثانى حرارته ، فانّ الجسم المحدّد إذا اعتمد علیه فی الأرض اقتضت الحرارة إعانة ذلك الطرف المحدّد على النّفوذ بتحلیلها ما یلاقى من صلابته الأرض ، لأنّ شأن الحرارة التحلیل ، فیكون غوص ذلك الجسم المحدّد فی

-----------
( 1 ) أى صرعى میّتین لا حركة بهم و أصل الجثوم اللزوم بالمكان ، منه .

[ 389 ]

الأرض أسهل ، انتهى و فیه أنّ الحدید عند التسخین ملیّن و اللّین یوجب ضعف النفوذ لا قوّته كما هو ظاهر فكیف تكون الحرارة معینة على نفوذها .

ثمّ إنّه فسّر الخوارة باللّینة و فسّرها الشارح البحرانی بالضعیفة ، فیتوجّه علیه أنّ الأرض اللّینة الضعیفة و إن كان نفوذ السكة فیها أبلغ إلاّ أنّها لا یكون لها صوت و إنّما یخرج الصّوت من اصطدام الحدید بالصّلب من الأرض ، و لذلك اشترطوا فی خروج الصوت مقاومة المقروع للقارع و المقلوع للقالع ، هذا .

و لمّا افتتح كلامه بالنّهى عن الاستیحاش فی سلوك طریق الهدى ، ختمه بالترغیب فی سلوكه بالتنبیه على ما فیه من المنافع فقال :

( أیّها الناس من سلك الطریق الواضح ورد الماء و من خالف وقع فی التّیه ) و هو من قبیل إسارل المثل فانّ سالك الجادّة الوسطى یصل المنزل و یرد الماء ، و الآخذ بالیمین و الشّمال یضلّ عنها و یقع فی المفازة الخالیة من الماء و الكلاء و یهلك من العطش .

و المراد به أنّ ناهج المنهج القویم و الصّراط المستقیم یصل إلى جنات النعیم و یشرب من كوثر و تسنیم ، و التارك له صار إلى الجحیم ، و وقع فی العذاب الألیم و الخزى العظیم ، نعوذ باللّه من اتّباع الهوى و من الضلال بعد الهدى .

تنبیه

ما أوردته فی شرح هذا الكلام له علیه السّلام جریا على مقتضى ظاهره المسوق سوق العموم ، و الذى یقتضیه النظر الدّقیق أنّ نظره علیه السّلام فیه إلى أمر الخلافة و الحثّ على متابعته و التحذیر و التنفیر من متابعة أئمّة الضّلال .

فیكون محصل المعنى على ذلك أمر المخاطبین بعدم الاستیحاش من متابعته و من تخلیص الایمان بولایته لقلّة المؤمنین و كثرة المنافقین ، لأنّ الناس المجتمعین على عوائد أئمة الضلال و موائدهم و المنتفعون من عطیّاتهم و جوائزهم

[ 390 ]

لا سیّما ما كان فی زمن عثمان و معاویة من خضم مال اللّه خضم الابل نبتة الرّبیع قد اجتمعوا على مائدة فیها اللّذة العاجلة القلیلة و النّقمة الآجلة الكثیرة و الشّبع القصیر و الجوع الطویل ، و حذّرهم عن الرّضا بفعل أئمّة الضّلال من الظلم فی حقّه مضافا إلى البدع و المنكرات الّتی أحدثوها أن یعمّهم العذاب و یحیط بهم كما أحاط بقوم ثمود من أجل رضاهم بما فعله واحد منهم من عقر ناقة اللّه و الظلم فی حقّها ثمّ أكّد علیه السّلام ذلك أى وجوب متابعته و حرمة مخالفته و العدول عنه إلى غیره بالتّنبیه على أنّ سالك سبیل ولایته یشرب من الرّحیق المختوم ، و العادل عنه إلى غیره تاه فی أودیة الضّلال و یسقى من الضریع و الزّقوم .

و من ذلك علم حسن أقحام قصّة ثمود فی البین و ارتباط أجزاء الكلام بعضها ببعض و یزید ذلك وضوحا :

ما رواه فی البحار من الثعلبی باسناد معروف عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا على أ تدری من أشقى الأوّلین ؟ قال : قلت : اللّه و رسوله أعلم قال : عاقر النّاقة ، قال : أ تدری من أشقى الآخرین ؟ قال : قلت : اللّه و رسوله أعلم قال : قاتلك ، و فی روایة اخرى قال :

أشقى الآخرین من یخضب هذه من هذه و أشار إلى لحیته و رأسه .

و فى البحار أیضا من قصص الأنبیاء عن الشحام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث طویل قال : و إنّما مثل علىّ علیه السّلام و القائم صلوات اللّه علیهما فی هذه الامّة مثل صالح علیه السّلام .

تذنیب

فی تفصیل قصّة صالح و ثمود و كیفیة عقر الناقة فأقول :

قد ذكر اللّه سبحانه هذه القصة فی عدّة سور من كتابه العزیز فی بعضها إجمالا و بعضها تفصیلا و هی سورة الأعراف و هو و الحجر و الشعراء و النمل و السجدة و الذاریات و القمر و الحاقّة و الفجر و الشّمس ، و نحن نورد الآیات المتضمنّة لها فی

[ 391 ]

سورة الشّعراء تبعا للمتن ، و نعقبها بالاخبار الواردة فی تلك القصة قال تعالى :

كذّبت ثمود المرسلین . إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتّقون . إنّی لكم رسول . أمین . « الى أن قال » فاتّقوا اللَّه وأطیعون . و لا تطیعوا أمر المسرفین . الذین یفسدون فی . الأَرض و لا یصلحون . قالوا إنّما أنت من المسحّرین . ما أنت إلاّ بشر مثلنا فائت بآیة . إن كنت من الصّادقین . قال هذه ناقة لها شرب و لكم شرب یوم معلوم . و لا تمسّوها . بسوء فیأخذكم عذاب یوم عظیم . فعقروها فأصبحوا نادمین . فأخذهم العذاب انّ . فی ذلك لآیة و ما كان أكثرهم مؤمنین . و إنّ ربّك لهو العزیز الرّحیم روى الكلینی فی كتاب الرّوضة من الكافی عن علىّ بن إبراهیم عن أبیه عن الحسن بن محبوب عن أبی حمزة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله سأل جبرئیل كیف كان مهلك قوم صالح ؟ فقال : یا محمّد إنّ صالحا بعث إلى قومه و هو ابن ستّ عشرة سنة ، فلبث فیهم حتّى بلغ عشرین و مأة سنة لا یجیبونه إلى خیر .

قال : و كان لهم سبعون صنما یعبدونها من دون اللّه عزّ ذكره فلما رأى ذلك منهم قال یا قوم بعث الیكم و انا ابن ستّ عشرة سنة و قد بلغت عشرین و مأة سنة و انا أعرض علیكم أمرین إن شئتم فاسألونى حتّى أسأل إلهی فیجیبكم فیما سألتمونی السّاعة و إن شئتم سألت آلهتكم فان أجابتنی بالذى أسألها خرجت عنكم فقد سئمتكم و سئمتمونى 1 قالوا : قد أنصفت یا صالح فاتعدو الیوم یخرجون فیه .

قال : فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم 2 ثمّ قرّبوا طعامهم و شرابهم فأكلوا و شربوا فلما أن فرغوا دعوه فقالوا یا صالح سل ، فدعا صالح كبیر أصنامهم فقال :

ما اسم هذا ؟ فأخبروه باسمه ، فناداه باسمه فلم یجب ، فقال صالح : ما له لا یجیب ،

فقالوا له : ادع غیره .

-----------
( 1 ) اى مللت منكم و مللتم منى ، منه .

-----------
( 2 ) اى خارج بلدهم ، منه .

[ 392 ]

قال : فدعاها كلّها فلم یجبه منها شی‏ء 1 فقال : یا قوم قد ترون قد دعوت أصنامكم فلم یجبنى واحد منهم فاسألونى حتّى أدعو إلهى فیجیبكم السّاعة فأقبلوا على أصنامهم فقالوا لها : ما بالكنّ لا تجبن صالحا فلم تجب ، فقالوا : یا صالح تنحّ عنّا و دعنا و أصنامنا قلیلا .

قال : فرموا بتلك البسط الّتی بسطوها و بتلك الانیة و نحو الثّیاب و تمرّغوا فی التّراب و طرحوا التّراب على رؤوسهم و قالوا لها : لئن لم تجبن صالحا لنفضحنّ ثمّ دعوه فقالوا : یا صالح تعالى فاسألها ، فعاد فسألها فلم تجبه ، فقال لهم : یا قوم قد ذهب صدر النهار و لا أرى آلهتكم تجیبنى فاسألونى حتّى ادعوا إلهى فیجیبكم الساعة .

فانتدب له منهم سبعون رجلا من كبرائهم و عظمائهم و المنظور الیهم منهم ، فقالوا یا صالح نحن نسألك فان أجابنا ربّك تبعناك و أجبناك و بایعك جمیع أهل قریتنا ، فقال لهم : سلونى ما شئتم ، فقالوا : تقدّم بنا إلى هذا الجبل ، و كان الجبل قریبا ، فانطلق معهم صالح فلمّا انتهوا إلى الجبل قالوا : یا صالح ادع لنا ربّك یخرج لنا من هذا الجبل السّاعة ناقة حمراء شقراء و براء عشراء 2 بین جنبیها میل ، فقال لهم صالح قد سألتمونى شیئا یعظم علیّ و یهون على ربّی جلّ و عزّ و تعالى .

قال : فسأل اللّه تبارك و تعالى صالح ذلك فانصدع الجبل صدعا كادت تطیر منه عقولهم لمّا سمعوا ذلك ، ثمّ اضطرب الجبل اضطرابا شدیدا كالمرأة إذا أخذها المخاض ، ثمّ لم یفجاهم 3 إلاّ و رأسها قد طلع علیهم من ذلك الصّدع ، فما استتمّت رقبتها حتّى اجترت ثمّ خرج سایر جسدها ثمّ استوت قائمة على الأرض .

فلمّا رأوا ذلك قالوا : یا صالح ما أسرع ما أجابك ربّك ادع لنا یخرج

-----------
( 1 ) « فلم یجبه واحد منهم خ ل »

-----------
( 2 ) الشقراء الشدیدة الحمرة الوبراء الكثیرة الوبر العشراء التى أتى على حملها عشرة أشهر ، منه

-----------
( 3 ) أى لم یظهر علیهم شى‏ء من أعضائها إلاّ رأسها . م

[ 393 ]

لنا فصیلها .

فسأل اللّه عزّ و جلّ ذلك ، فرمت به فدبّ حولها فقال لهم : یا قوم أبقی شی‏ء ؟

قالوا : لا انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأینا و یؤمنون « یؤمنوا » بك .

قال : فرجعوا فلم یبلغ السبعون إلیهم حتّى ارتدّ منهم أربعة و ستّون رجلا و قالوا : سحر و كذب .

قال : فانتهوا إلى الجمیع فقال الستّة حقّ و قال الجمیع كذب و سحر ، قال :

فانصرفوا على ذلك ثمّ ارتابت من الستّة واحد و كان فیمن عقرها .

قال ابن محبوب : فحدّثت بهذا الحدیث رجلا من أصحابنا یقال له سعد بن یزید فأخبرنی أنّه رأى الجبل الّذى خرجت منه بالشام فرأى جنبها قد حكّ الجبل فأثّر جنبها فیه و جبل آخر بینه و بین هذا میل .

و فى الروضة عن علیّ بن العبّاس عن الحسن بن عبد الرّحمن عن علیّ بن حجرة عن أبی بصیر عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له كذّبت ثمود بالنّذر . فقالوا . أبشراً منّا واحداً نتّبعه إنّا إذاً لفی ضلال و سعر . ء القی الذّكر علیه من بیننا بل هو كذّاب أشر .

قال علیه السّلام : هذا بما كذّبوا صالحا و ما أهلك اللّه قوما قط حتّى یبعث إلیهم قبل ذلك الرّسل فیحتجّوا علیهم فبعث اللّه عزّ و جلّ إلیهم صالحا فدعاهم إلى اللّه فلم یجیبوه و عتوا علیه عتوّا و قالوا : لن نؤمن لك حتّى تخرج إلینا من هذه الصّخرة ناقة عشراء ، و كانت الصّخرة یعظّمونها و یعبدونها و یذبحون عندها فی رأس كلّ سنة و یجتمعون عندها فقالوا له : إن كنت كما تزعم نبیّا رسولا فادع لنا إلهك حتّى یخرج لنا من هذه الصّخرة الصّماء ناقة عشراء ، فأخرجها اللّه كما طلبوا منه .

ثمّ أوحى اللّه تبارك و تعالى الیه أن یا صالح قل لهم : إنّ اللّه قد جعل لهذه الناقة من الماء شرب یوم و لكم شرب یوم ، فكانت الناقة إذا كان یوم شربها شربت ذلك الیوم الماء فیحلبونها فلا یبقى صغیر و لا كبیر إلاّ شرب من لبنها یومهم ذلك ، فاذا كان اللیل و أصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك الیوم و لم تشرب النّاقة ذلك الیوم .

[ 394 ]

فمكثوا بذلك ما شاء اللّه ثمّ إنّهم عتوا على اللّه و مشى بعضهم إلى بعض و قالوا : اعقروا هذه الناقة و استربحوا منها لا نرضى أن یكون لنا شرب یوم و لها شرب یوم ، ثمّ قالوا من الّذى یلی قتلها و نجعل له جعلا ما أحبّ ، فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق ولد زنا لا یعرف له أب یقال له قدار شقیّ من الأشقیاء مشئوم علیهم ، فجعلوا له جعلا ، فلمّا توجّهت الناقة إلى الماء الّذى كانت ترده تركها حتّى شربت الماء و أقبلت راجعة فقعد لها فی طریقها فضربها بالسیف ضربة فلم تعمل شیئا فضربها ضربة اخرى فقتلها و خرّت إلى الأرض على جنبها و هرب فصیلها حتى صعد إلى الجبل فرغا ثلاث مرات إلى السماء و أقبل قوم صالح فلم یبق أحد إلاّ شركه فی ضربته و اقتسموا لحمها فیما بینهم فلم یبق منهم صغیر و لا كبیر إلاّ أكل منها .

فلما رأى ذلك صالح أقبل علیهم فقال : یا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم أعصیتم ربّكم ؟

فأوحى اللّه تعالى إلى صالح إنّ قومك قد طغوا و بغوا و قتلوا ناقة بعثها اللّه إلیهم حجّة علیهم و لم یكن علیهم منها ضرر و كان لهم فیها أعظم المنفعة فقل لهم : إنی مرسل علیكم عذابى إلى ثلاثة أیام فان هم تابوا و رجعوا قبلت توبتهم و صددت عنهم و إن هم لم یتوبوا و لم یرجعوا بعثت علیهم عذابى فى الیوم الثالث .

فأتاهم صالح فقال لهم یا قوم إنّی رسول ربكم الیكم و هو یقول لكم إن أنتم تبتم و رجعتم و استغفرتم غفرت لكم و تبت لكم .

فلما قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا و أخبث و قالوا : یا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقین قال : یا قوم إنكم تصبحون غدا و وجوهكم مصفرّة ، و الیوم الثانى وجوهكم محمرّة ، و الیوم الثالث وجوهكم مسوّدة .

فلما أن كان أوّل یوم أصبحوا و وجوههم مصفرّة فمشى بعضهم إلى بعض و قالوا : قد جاءكم ما قال لكم صالح فقال العتاة منهم : لا نسمع قول صالح و لا نقبل قوله و إن كان عظیما .

[ 395 ]

فلمّا كان الیوم الثانی أصبحت وجوههم محمرّة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا : یا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح فقال العتاة منهم : لو أهلكنا جمیعا ما سمعنا قول صالح و ما تركنا آلهتنا الّتی كان آباؤنا یعبدونها و لم یتوبوا و لم یرجعوا فلمّا كان الیوم الثالث أصبحوا و وجوههم مسودّة فمشى بعضهم إلى بعض فقال : یا قوم أتاكم ما قال لكم صالح فقال العتاة منهم : قد أتانا ما قال لنا صالح .

فلمّا كان نصف اللّیل أتاهم جبرئیل علیه السّلام فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصّرخة أسماعهم و فلقت قلوبهم و صدعت أكبادهم و قد كانوا فی تلك الثلاثة أیام قد تحنّطوا و تكفّنوا و علموا أنّ العذاب نازل بهم فماتوا أجمعین فی طرفة عین صغیرهم و كبیرهم فلم یبق منهم ناعقة و لا راعیة و لا شی‏ء إلاّ أهلكه اللّه فأصبحوا فی دیارهم و مضاجعهم موتى أجمعین ، ثمّ أرسل اللّه علیهم مع الصّیحة النّار من السماء فأحرقتهم أجمعین ، و كانت هذه قصّتهم .

و رواه المحدّث العلاّمة المجلسیّ فی البحار من الرّوضة كما نقلناه . و قال بعد روایته :

« ایضاح » قوله : كذّبث ثمود بالنذر ، بالانذارات أو المواعظ أو الرّسل ،

فقالوا أبشرا منّا من جنسنا و جملتنا لا فضل له علینا ، انتصابه بفعل یفسّره ما بعده ،

واحدا ، منفردا لا تابع له أو من آحادهم دون أشرافهم ، نتّبعه إذا لفی ضلال و سعر ،

كأنّهم عكسوا علیه فرتّبوا على اتّباعهم إیّاه ما رتّب على ترك اتّباعهم له ، ء القی الذّكر ، الكتاب و الوحى ، علیه من بیننا ، و فینا من هو أحقّ منه بذلك ، بل هو كذّاب أشر ، حمله بطره على الرّفع علینا بادّعائه .

و الشرب بالكسر النصیب من الماء ، و الأشقر من النّاس ، من تعلو بیاضه حمرة ،

لا یعرف له أب أى كان ولد زنا ، و انّما كان ینسب « الى سالف ظ » لأنّه كان ولد على فراشه ،

قال الجوهرى : قدار بضمّ القاف و تخفیف الدّال یقال له أحمر ثمود و عاقر ناقة

[ 396 ]

صالح انتهى .

و رغا البعیر صوّت و ضجّ ، لم یبق منهم ناعقة و لا راعیة أى لم یبق جماعة یتأتى منهم النّعیق و الرّعى ، و النعیق صوت الرّاعى بغنمه ، و فی بعض النسخ ثاغیة و لا راغیة أى شاة و لا ناقة .

و فی مجمع البیان فاذا كان یوم النّاقة وضعت رأسها فی مائهم فما ترفعه حتّى تشرب كلّ ما فیه ثمّ ترفع رأسها فتفجج لهم فیحتلبون ما شاؤا من لبن فیشربون و یدّخرون حتّى یملاؤا أوانیهم كلّها .

قال الحسن بن محبوب : حدّثنی رجل من أصحابنا یقال له سعید بن یزید قال : أتیت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة بین الجبلین و رأیت أثر جنبیها فوجدته ثمانین ذراعا و كانت تصدر من غیر الفجّ الّذى منه وردت ، و لا تقدر على أن تصدر من حیث ترد لأنّه یضیق عنها و كانوا فی سعة و دعة منها ، و كانوا یشربون الماء یوم الناقة من الجبال و المغارات ، فشقّ ذلك علیهم و كانت مواشیهم تنفر عنها لعظمها فهمّوا بقتلها .

قالوا : و كانت امرأة جمیلة یقال لها : صدوف ، ذات مال من إبل و بقر و غنم و كانت أشدّ النّاس عداوة لصالح علیه السّلام فدعت رجلا یقال له : مصدع بن مهرج ،

و جعلت له نفسها على أن یعقر الناقة ، و امرأة اخرى یقال لها : عنیزة ، دعت قدار بن سالف و كان أحمر أزرق قصیرا و كان ولد زنا و لم یكن لسالف الّذى یدّعى الیه و لكنه ولد على فراشه ، و قالت له : اعطیك أىّ بناتی شئت على أن تعقر الناقة و كان قدار عزیزا منیعا فی قومه ، فانطلق قدار بن سالف و مصدع فاستغویا غواة ثمود فاتبعهما سبعة نفر و أجمعوا على عقر الناقة .

قال السدى : و لما ولد قدار و كبر جلس مع اناس یشربون الشراب ، فأرادوا ماء یمزجون به شرابهم و كان ذلك الیوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة ،

فاشتدّ ذلك علیهم فقال قدار : هل لكم فی أن أعقرها لكم ؟ قالوا : نعم .

[ 397 ]

و قال كعب : كان سبب عقرهم الناقة أنّ امرأة یقال لها : ملكاء كانت قد ملكت ثمود ، فلما أقبل الناس على صالح و صارت الریاسة إلیه حسدته ، فقالت لامرأة یقال لها قطام و كانت معشوقة قدار بن سالف ، و لامرأة اخرى یقال لها اقبال و كانت معشوقة مصدع ، و كان قدار و مصدع یجتمعان معهما كلّ لیلة و یشربون الخمر فقالت لهما ملكاء : إذا أتاكما اللیلة القدار و مصدع فلا تطیعاهما و قولا لهما إنّ الملكاء حزینة لأجل الناقة و لأجل صالح ، فنحن لا نطیعكما حتى تعقرا الناقة ،

فلما أتیاهما قالتا هذه المقالة لهما ، فقالا : نحن نكون من وراء عقرها .

قالوا : فانطلق قدار و مصدع و أصحابهما السبعة فرصدوا الناقة حین صدرت عن الماء ، و قد كمن لها قدار فی أصل صخرة على طریقها ، و كمن مصدع فی أصل اخرى ، فمرّت على مصدع فرمى بسهم فانتظم به عضلة و خرجت عنیزة و أمرت ابنتها و كانت من أحسن الناس فأسفرت لقد ارثمّ زمّرته 1 فشدّ على الناقة بالسّیف فكشف عرقوبها فخرّت و رغت رغاة واحدة تحذر سقبها « سقیتها خ » ، ثمّ طعن فى لبّتها فنحرها و خرج أهل البلدة و اقتسموا لحمها و طبخوه .

فلمّا رأى الفصیل ما فعل بامّه ولّى هاربا حتّى صعد جبلا ثمّ رغا رغاء تقطّع منه قلوب القوم ، و أقبل صالح فخرجوا یعتذرون إلیه إنّما عقرها فلان و لا ذنب لنا .

فقال صالح : انظروا هل تدركون فصیلها فان أدركتموه فعسى أن یرفع عنكم العذاب ، فخرجوا یطلبونه فی الجبل فلم یجدوه ، و كانوا عقروا النّاقة لیلة الأربعاء فقال لهم صالح : تمتّعوا فی داركم یعنی فی محلّتكم فی الدّنیا ثلاثة أیّام ، فانّ العذاب نازل بكم .

ثمّ قال یا قوم إنكم تصبحون غدا و وجوهكم مصفرّة ، و الیوم الثانی تصبحون و وجوهكم محمرّة ، و الیوم الثالث وجوهكم مسودّة .

-----------
( 1 ) زمرته أى شجّعته و حضّته م

[ 398 ]

فلمّا كان أوّل یوم أصبحت وجوهم مصفرّة فقالوا جاءكم ما قال لكم صالح ،

و لمّا كان الیوم الثانی احمرّت وجوههم ، و الیوم الثّالث اسودّت وجوههم .

و لمّا كان نصف اللیل أتاهم جبرئیل علیه السّلام فصرخت بهم صرخة خرقت أسماعهم و صدعت أكبادهم و فلقت قلوبهم ، و كانوا قد تحنطوا و تكفّنوا و علموا أنّ العذاب نازل بهم فماتوا أجمعین فی طرفة عین صغیرهم و كبیرهم ، فلم یبق اللّه منهم ثاغیة و لا راغیة و لا شیئا یتنفّس إلاّ أهلكها فأصبحوا فی دیارهم موتى جاثمین ، ثمّ أرسل اللّه إلیهم مع الصّیحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعین .

و فی كتاب علیّ بن إبراهیم فبعث اللّه علیهم صیحة و زلزلة فهلكوا .

نعوذ باللّه من غضب اللّه و سخطه ، و نتوسّل إلیه بمحمّد و آله أن لا یؤاخذنا بأعمالنا ، و أن یغفر لنا و یصفح عنّا فانّه كریم الصّفح ، و عظیم المنّ ، و حسن التجاوز ، و ولیّ الاحسان ، و الكرم و الامتنان ، و على كلّ شی‏ء قدیر ، و بالاجابة جدیر .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام أنام علیه السّلام است در تحریص مردمان براه هدایت و تحذیر ایشان از طریق ضلالت مى‏فرماید .

أى مردمان مستوحش نباشید در راه هدایت بجهت كمى اهل آن پس بدرستى كه خلق جمع شده‏اند بر طعامى كه سیر بودن از آن زمانش كوتاه و گرسنگى آن مدّتش طولانیست ، اى مردمان بدرستی كه جمع میكند خلق را در عذاب الهی رضا شدن ایشان بمناهی و خشمناك بودن ایشان بطاعات ، و جز این نیست كه پى نمود ناقه قوم صالح پیغمبر علیه السّلام را یكنفر از ایشان ، پس شامل كرد خداى تعالى بجمیع ایشان عذاب را وقتى كه همه ایشان راضى شدند بفعل قبیح آن یك نفر ، پس فرمود خداوند در كتاب مجید خود فعقروها فأصبحوا نادمین یعنی پى كردند و كشتند آن قوم ناقه را پس صباح نمودند در حالتیكه پشیمان بودند ، پس نشد مؤاخذه

[ 399 ]

و انتقام ایشان مگر اینكه صدا كرد زمین ایشان بجهت زلزله شدیده و فرو رفتن در زمین مثل صداى آهن تیز شده كه زمین را با آن شخم میكنند در زمینى كه بسیار صدا كننده باشد هنگام شخم ، أى مردمان هر كه راه برود در راه آشكار و راست وارد مى‏شود بآب ، و هر كه تخلّف نماید مى‏افتد به بیابان گمراهى و هلاكت . هنا انتهى الجزء الثانى عشر من هذه الطبعة النفیسة القیّمة ، و قد تمّ تصحیحه و تهذیبه و ترتیبه بید العبد السید ابراهیم المیانجى عفى عنه و عن والدیه ، و ذلك فى 25 من شهر شعبان سنة 1382 و یلیه انشاء الله الجزء الثالث عشر و أوّله :

« و من كلام له علیه السّلام عند دفن الزّهراء سلام الله علیها » و الحمد للّه أولا و آخرا .

[ 2 ]

ج 13

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم