[ 202 ]

وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع رُوِیَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْنِ سَیِّدَةِ اَلنِّسَاءِ فَاطِمَةَ ع كَالْمُنَاجِی بِهِ رَسُولَ اَللَّهِ ص عِنْدَ قَبْرِهِ اَلسَّلاَمُ عَلَیْكَ یَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنِّی وَ عَنِ اِبْنَتِكَ اَلنَّازِلَةِ فِی جِوَارِكَ وَ اَلسَّرِیعَةِ اَللَّحَاقِ بِكَ قَلَّ یَا رَسُولَ اَللَّهِ عَنْ صَفِیَّتِكَ صَبْرِی وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِی إِلاَّ أَنَّ فِی اَلتَّأَسِّی لِی بِعَظِیمِ فُرْقَتِكَ وَ فَادِحِ مُصِیبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِی مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ وَ فَاضَتْ بَیْنَ نَحْرِی وَ صَدْرِی نَفْسُكَ فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ فَلَقَدِ اُسْتُرْجِعَتِ اَلْوَدِیعَةُ وَ أُخِذَتِ اَلرَّهِینَةُ أَمَّا حُزْنِی فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَیْلِی فَمُسَهَّدٌ إِلَى أَنْ یَخْتَارَ اَللَّهُ لِی دَارَكَ اَلَّتِی أَنْتَ بِهَا مُقِیمٌ وَ سَتُنَبِّئُكَ اِبْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا فَأَحْفِهَا اَلسُّؤَالَ وَ اِسْتَخْبِرْهَا اَلْحَالَ هَذَا وَ لَمْ یَطُلِ اَلْعَهْدُ وَ لَمْ یَخْلُ مِنْكَ اَلذِّكْرُ وَ اَلسَّلاَمُ عَلَیْكُمَا سَلاَمَ مُوَدِّعٍ لاَ قَالٍ وَ لاَ سَئِمٍ فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلاَ عَنْ مَلاَلَةٍ وَ إِنْ أُقِمْ فَلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اَللَّهُ اَلصَّابِرِینَ


و من كلام له علیه السّلام عند دفن الزهراء سلام اللّه علیها و هو المأتان و الواحد من المختار فى باب الخطب

و هو مروى فی الكافی و فی كشف الغمة و فی البحار من أمالی الشیخ و مجالس المفید باختلاف و زیادة تطلع علیه انشاء اللّه ألسّلام علیك یا رسول اللّه عنّی و عن ابنتك النّازلة فی جوارك ،

و السّریعة اللّحاق بك ، قلّ یا رسول اللّه عن صفیّتك صبری ، و رقّ عنها تجلّدی ، إلاّ أنّ لی فی التّأسّی بعظیم فرقتك ، و فادح مصیبتك ،

موضع تعزّ ، فلقد وسّدتك فی ملحودة قبرك ، و فاضت بین نحری و صدری نفسك .

إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ، فلقد استرجعت الودیعة ، و أخذت الرّهینة ، أمّا حزنی فسرمد ، و أمّا لیلی فمسّهد ، إلى أن یختار اللّه لی

[ 3 ]

دارك الّتی أنت بها مقیم ، و ستنبّئك ابنتك بتظافر أمّتك على هضمها ،

فأحفها السّؤال ، و استخبرها الحال ، هذا و لم یطل العهد ، و لم یخل منك الذّكر ، و السّلام علیكما سلام مودّع ، لا قال و لا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، و إن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصّابرین .

اللغة

( التجلّد ) تكلّف الجلادة ، و هی القوّة و الشدّة كما فی القاموس و الكنز قال الشاعر :

بتجلّدی للشامتین اریهم
إنّی لریب الدّهر لا أتضعضع

أو تكلّف الجلد ، و هو الصبر قال الشاعر :

ما الاصطبار لسلمى أم لها جلد
إذا الاقی الّذى لاقاه أمثالی

و أصل الجلد كما فی القاموس جلد البوء تحشى تماما و یخیّل للنّاقة فتعطف بذلك على ولد غیرها أو جلد حوار یلبس حوارا آخر لترامه امّ المسلوخة ، و على ذلك فاطلاقه على الصّبر مجاز لعلاقة السّببیّة .

و ( الفرقة ) بالضّم اسم من الافتراق و ( عزّیته ) تعزیة قلت له : أحسن اللّه عزاك أی رزقك الصّبر الحسن ، و العزاء اسم من ذلك مثل سلّم سلاما و كلّم كلاما ، و تعزّى هو تصبّر و شعاره أن یقول : إنا للّه و إنّا إلیه راجعون .

و ( استرجعت ) و ( اخذت ) بالبناء على المجهول و ( السهد ) بالضّم الأرق و قد سهد سهدا من باب فرح ، و السّهد بضمّتین القلیل النّوم ، و سهّدته فهو مسهّد أى مورق و هو ذو سهدة یقظة و ( هضمه ) هضما من باب ضرب دفعه عن موضعه فانهضم ، و قیل : هضمه كسره و هضمه حقّه نقصه هكذا فی المصباح ، و قال فی القاموس : هضم فلانا ظلمه و غصبه كاهتضمه و تهضّمه فهو هضیم .

و ( الاحفاء ) فی السؤال المبالغة فیه و الاستقصاء و ( قلیت ) الرّجل أقلیه من باب

[ 4 ]

رمى قلّی بالكسر و القصر و مقلیة ابغضه فأنا قال و ( سئم ) الشی‏ء ساما و سأما و سامة ملّ منه فهو سؤم و سئم و ( أقام ) بالبلد إقامة اتّخذه وطنا فهو مقیم .

الاعراب

قوله : إلاّ أنّ لی استثناء منقطع ، و موضع تعزّ بالنصب اسم أنّ و قدّم خبرها للتوسّع ، و قوله ، فی ملحودة قبرك ، إضافة الملحودة إلى القبر من إضافة الصّفة إلى الموصوف لا بیانیّة كما توهّم ، و التّأنیث باعتبار الخطّة و الحفرة ، و قوله : و أمّا لیلى فمسهّد ،

من المجاز العقلی من باب الاسناد إلى الزّمان كما فی قول الشاعر رحمه اللّه :

و بات و باتت له لیلة
كلیلة ذى العائر الأرمد

و قوله : إلى أن یختار ، ظرف لغو متعلّق بقوله مسهّد ، و قوله : استخبرها الحال ، قال الشّارح المعتزلی : أی عن الحال فحذف الجار ، اه ، و الأظهر أن یجعل الحال مفعولا به و الجار مخذوفا قبل الضّمیر أی استخبر عنها الحال ، و قوله : هذا و لم یطل العهد ، خبر هذا محذوف على أنّه مبتدء أو فاعل لفعل محذوف ، و جملة و لم یطل فی محلّ النّصب على الحال ، و قوله : لا قال و لا سئم ، صفة لمودّع .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام كما قال السیّد « ره » قد روى عنه علیه السّلام أنّه قاله عند دفن سیّدة النساء فاطمة الزهراء علیها السلام إظهارا للتّفجّع بمصابها و التّوجع من ألم فراقها كالمناجی به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عند قبره ، و ینبغی قبل الشروع فی شرح كلامه أن نذكر طرفا من الأخبار الواردة فی تسمیتها سلام اللّه علیها بفاطمة و فی تلقّبها بسیّدة النساء و بالزّهراء .

أما تسمیتها بفاطمة .

ففى البحار من العیون بالاسناد إلى دارم قال : حدّثنا علیّ بن موسى الرّضا و محمّد بن علیّ علیهما السّلام قالا : سمعنا المأمون یحدّث عن الرّشید عن المهدى عن المنصور عن أبیه عن جدّه قال : قال ابن عبّاس لمعاویة : أتدرى لم سمّیت فاطمة فاطمة ؟ قال : لا ، قال : لأنّها فطمت هى و شیعتها من النّار ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقوله .

[ 5 ]

و من العیون بالأسانید الثلاثة عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّی سمّیت ابنتی فاطمة لأنّ اللّه عزّ و جلّ فطمها و فطم من أحبّها من النّار .

و من علل الشرایع بسنده عن یزید بن عبد الملك عن أبی جعفر علیه السّلام قال : لمّا ولدت فاطمة سلام اللّه علیها أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى ملك فانطق به لسان محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسمّاها فاطمة ثمّ قال : إنّی فطمتك بالعلم و فطمتك عن الطمث ، ثمّ قال أبو جعفر علیه السّلام : و اللّه لقد فطمها اللّه تبارك و تعالى بالعلم و عن الطّمث فی المیثاق .

قال المحدّث العلامة المجلسی « قد » بعد نقله : فطمتك بالعلم أى أرضعتك بالعلم حتّى استغنیت و فطمت ، أو قطعتك عن الجهل بسبب العلم ، أو جعلت فطامك من اللبن مقرونا بالعلم كنایة عن كونها فى بدء فطرتها عالمة بالعلوم الرّبانیّة ،

و على التقادیر كان الفاعل بمعنى المفعول كالدّافق بمعنى المدفوق ، و یقرء على بناء التفعیل أى جعلتك قاطعة النّاس من الجهل ، أو المعنى لما فطمها من الجهل فهى تفطم النّاس منه ، و الوجهان الأخیران یشكل إجراؤهما فى قوله فطمتك عن الطمث إلاّ بتكلف بأن یجعل الطمث كنایة عن الاخلاق و الأفعال الذّمیمة .

و فى البحار من المناقب عن الصادق علیه السّلام قال : تدری أیّ شى‏ء تفسیر فاطمة ؟ قال : فطمت من الشرّ ، و یقال إنّما سمّیت فاطمة لأنّها فطمت عن الطّمث .

و أما تلقّبها بسیّدة النساء .

فقد روى فی البحار من مناقب ابن شهر آشوب عن حذیفة أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : أتانی ملك فبشّرنی أنّ فاطمة سیّدة نساء أهل الجنّة أو نساء امّتی .

و عن جابر بن سمرة عن النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى خبر أما أنها سیدة النساء یوم القیامة .

و من الامالى بسنده عن الحسن بن زید العطار قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : فاطمة سیدة نساء أهل الجنة أسیّدة نساء عالمها ، قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : تاك مریم و فاطمة سیّدة نساء الجنّة من الأوّلین و الآخرین فقلت : فقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الحسن و الحسین سیدا شباب أهل الجنة ؟ قال : و اللّه هما سیدا شباب أهل الجنة من الأولین

[ 6 ]

و الآخرین .

و من معانی الأخبار باسناده عن المفضل قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : أخبرنی عن قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى فاطمة : انها سیّدة نساء العالمین أهى سیّدة نساء عالمها ؟

فقال : ذاك لمریم كانت سیّدة نساء عالمها و فاطمة سیّدة نساء العالمین من الأوّلین و الآخرین .

و من الأمالى بسنده عن سعید بن المسیّب عن ابن عبّاس قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان جالسا ذات یوم و عنده علىّ و فاطمة و الحسن و الحسین فقال : اللّهم إنك تعلم أنّ هؤلاء أهل بیتى و أكرم النّاس علیّ فاحبب من أحبّهم ، و ابغض من أبغضهم ، و وال من والاهم ، و عاد من عاداهم ، و أعن من أعانهم ، و اجعلهم مطهّرین من كلّ دنس ، معصومین من كلّ ذنب ، و أیّدهم بروح القدس منك .

ثمّ قال : یا على أنت امام امّتى و خلیفتى علیها بعدى ، و أنت قائد المؤمنین إلى الجنّة ، و كأنّى أنظر إلى ابنتى فاطمة قد أقبلت یوم القیامة على نجیب من نور عن یمینها سبعون ألف ملك ، و بین یدیها سبعون ألف ملك ، و عن یسارها سبعون ألف ملك ،

و خلفها سعبون ألف ملك ، تقود مؤمنات امّتى إلى الجنّة فأیما امرأة صلّت فی الیوم و اللّیلة خمس صلاة ، و صامت شهر رمضان ، و حجّت بیت اللّه الحرام ، و زكت مالها ، و أطاعت زوجها ، و والت علیّا بعدى دخلت الجنّة بشفاعة ابنتى فاطمة ،

و انّها لسیّدة نساء العالمین من الأوّلین و الآخرین ، و أنّها لتقوم فی محرابها فیسلّم علیها سبعون ألف ملك من الملائكة المقرّبین ، و ینادونها بما نادت به الملائكة مریم فیقولون : یا فاطمة إنّ اللّه اصطفیك و طهّرك و اصطفیك على نساء العالمین .

ثمّ التفت إلى علىّ علیه السّلام و قال : یا علی إنّ فاطمة بضعة منّى و هى نور عینى و ثمرة فؤادى یسوؤنى من « ما » ساءها و یسرّنی من « ما » یسرّها ، و أنّها أوّل من یلحقنى من أهل بیتى فأحسن إلیها بعدى ، و أما الحسن و الحسین فهما ابناى و ریحانتاى و هما سیّدا شباب أهل الجنّة فلیكونا علیك كسمعك و بصرك .

ثمّ رفع یده إلى السّماء فقال : اللّهمّ إنّى اشهدك أنّی محبّ لمن أحبّهم ،

[ 7 ]

و مبغض لمن أبغضهم ، و سلم لمن سالمهم ، و حرب لمن حاربهم ، و عدوّ لمن عاداهم و ولىّ لمن والاهم .

و أما تلقّبها بالزّهراء .

فقد روى فی البحار من معانی الأخبار ، و علل الشرائع عن الطالقانی عن الجلودى عن الجوهرى عن ابن عمارة عن أبیه قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن فاطمة لم سمّیت زهراء ؟ قال : لأنها كانت إذا قامت فی محرابها ظهر نورها لأهل السّماء كما یظهر نور الكواكب لأهل الأرض .

و من العلل بسنده عن جابر عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت : لم سمّیت فاطمة الزهراء زهراء ؟ فقال : لأنّ اللّه عزّ و جلّ خلقها من نور عظمته ، فلّما أشرقت أضائت السّماوات و الأرض بنورها ، و غشیت أبصار الملائكة و خرّت الملائكة ساجدین للّه و قالوا : إلهنا و سیّدنا ما هذا النّور ؟ فأوحى اللّه إلیهم : هذا نور من نورى أسكنته فی سمائی خلقته من عظمتى اخرجه من صلب نبیّ من أنبیائی أفضّله على جمیع الأنبیاء و اخرج من ذلك النّور أئمّة یقومون بأمرى یهدون إلى حقّی « خلقى » و أجعلهم خلفائی فی أرضى بعد انقضاء وحیی .

و من المناقب عن أبی هاشم العسكر قال : سألت صاحب العسكر لم سمّیت فاطمة الزّهراء ؟ فقال : كان وجهها یزهر لأمیر المؤمنین علیه السّلام من أوّل النّهار كالشمس الضّاحیة ، و عند الزّوال كالقمر المنیر ، و عند غروب الشّمس كالكوكب الدّرّی .

و من العلل بسنده عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : یا ابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم سمّیت الزّهراء زهراء ؟ قال : لأنّها تزهر لأمیر المؤمنین فى النهار ثلاث مرّات بالنّور :

كان یزهر نور وجهها صلاة الغداة و النّاس فى فراشهم فیدخل بیاض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدینة فتبیض حیطانهم فیعجبون من ذلك فیأتون النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیسألونه عمّار أوا ، فیرسلهم إلى منزل فاطمة فیأتون منزلها فیرونها قاعدة فى محرابها تصلّى

[ 8 ]

و النّور یسطع من محرابها و من وجهها فیعلمون أن الّذى رأوه كان من نور فاطمة فاذا انتصف النّهار و ترتّبت 1 للصلاة زهر نور وجها بالصّفرة فتدخل الصّفرة فى حجرات الناس فتصفر ثیابهم و ألوانهم فیأتون النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیسألونه عمّار أوا ، فیرسلهم إلى منزل فاطمة علیها السلام فیرونها قائمة فی محرابها و ظهر نور وجهها صلوات اللّه علیها و على أبیها و بعلها و بنیها بالصّفرة ، فیعلمون أنّ الّذى رأوا كان من نور وجهها .

فاذا كان آخر النّهار و غربت الشمس احمرّ وجه فاطمة علیها السّلام و أشرق وجهها بالحمرة فرحا و شكرا للّه عزّ و جلّ فكان تدخل حمرة وجهها حجرات القوم و تحمرّ حیطانهم فیعجبون ذلك و یأتون النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یسألونه عن ذلك فیرسلهم إلى منزل فاطمة فیرونها جالسة تسبّح اللّه و تمجّده و تحمده و نور وجهها یزهر بالحمرة فیعلمون أنّ الّذى رأوا كان من نور وجه فاطمة .

فلم یزل ذلك النّور فی وجهها حتّى ولد الحسین فهو یتقلّب فی وجوهنا إلى یوم القیامة فی الأئمّة منّا أهل البیت إمام بعد إمام .

إذا عرفت ذلك فلنشرع فی شرح كلامه علیه السّلام فأقول :

بدء علیه السّلام بالسلام قبل الكلام رعایة لرسم الأدب و مواظبة على النّدب فقال :

( السلام علیك یا رسول اللّه عنّى و عن ابنتك النازلة فی جوارك ) أى فی البقیع كما روى عن ابن عباس فی حدیث وفاتها قال : فلما أرادوا أن یدفنوها نودوا من بقعة من البقیع إلیّ إلیّ فقد رفع تربتها منّى ، فنظر فاذا هی بقبر محفور ، فحملوا السریر إلیها فدفنوها ، أو فی بیتها و هو المشهور .

روى فی البحار من المناقب قال : قال أبو جعفر الطوسی : الأصوب أنّها مدفونة فی دارها أو فی الرّوضة یؤیّد قوله قول النبّی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ بین قبرى و منبرى روضة من ریاض الجنّة ، و فی البخارى بین بیتى و منبرى ، قالوا : حدّ الروضة

-----------
( 1 ) اى ثبتت فى محرابها كما فى اللغة أو تهیأت من الترتیب العرفى بمعنى جعل كلّ شى‏ء فى مرتبته ، و یحتمل أن یكون تصحیف تزینت ، بحار .

[ 9 ]

ما بین القبر إلى المنبر إلى الاساطین الّتی تلى صحن المسجد .

و عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر قال : سألت أبا الحسن الرّضا علیه السّلام عن قبر فاطمة ، فقال : دفنت فی بیتها فلمّا زادت بنو امیّة فی المسجد صارت فی المسجد و رواه أیضا فی الكافی عن علیّ بن محمّد و غیره عن سرى بن زیاد عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر عن الرّضا علیه السّلام مثله .

( و السریعة اللحاق بك ) واردة فی مقام التفجّع و التشكیّ من تواتر المحن و المصائب الموجبة لقصر عمرها و المعدّة لسرعة لحاقها به سلام اللّه علیها و على أبیها .

و روى فی البحار من المناقب عن البخارى و مسلم و الحلیة و مسند أحمد بن حنبل عن عایشة أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دعا فاطمة فی شكواه الّذى قبض فیه فسارّها بشی‏ء فبكت ، ثم دعاها « سارّها ظ » فضحكت ، فسألت عن ذلك فقالت : أخبرنى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله سلّم أنّه مقبوض فبكیت ، ثمّ أخبرنی أنّى أول أهله لحوقا به فضحكت .

و من المناقب من كتاب ابن شاهین قالت امّ سلمة و عایشة : إنّها لمّا سئلت عن بكائها و ضحكها فقالت أخبرنى النّبی صلّى اللّه علیه و آله سلّم أنّه مقبوض فبكیت ، ثمّ أخبر أنّ بنیه سیصیبهم بعدى شدّة فبكیت ، ثمّ أخبرنى أنّی أوّل أهله لحوقا به .

و قد اختلف الأخبار جدّا فی مدّة بقائها بعد أبیها .

قال أبو الفرج فی مقاتل الطالبیّین : كانت وفاة فاطمة بعد وفاة النبىّ صلّى اللّه علیه و آله سلّم بمدّة یختلف فی مبلغها ، فالمكثر یقول : ثمانیة أشهر ، و المقلّل یقول : أربعین یوما إلاّ أنّ الثبت فی ذلك ما روى عن أبی جعفر محمّد بن علیّ علیهما السّلام أنّها توفّیت بعده بثلاثة أشهر ، حدّثنى بذلك الحسن بن علیّ عن الحرث عن ابن سعد عن الواقدى عن عمرو بن دینار عن أبی جعفر محمّد بن علیّ .

و فى كشف الغمّة و نقلت من كتاب الذّریّة الطاهرة للدّولابی فی وفاتها ما نقله عن رجاله قال : لبثت فاطمة علیها السلام بعد النّبی صلّى اللّه علیه و آله سلّم ثلاثة أشهر .

و قال ابن شهاب ستّة أشهر و قال الزّهرى ستّة أشهر و مثله عن عایشة و مثله عن عروة بن الزّبیر .

[ 10 ]

و عن أبى جعفر محمّد بن علیّ علیهما السّلام خمسا و تسعین لیلة فى سنة إحدى عشرة و قال ابن قتیبة فی معارفه مأة یوم و قیل ماتت فی سنة إحدى عشرة لیلة الثلثا لثلاث لیال من شهر رمضان المبارك و هی بنت تسع و عشرین سنة أو نحوها .

و فى البحار عن الكفعمی فی الثالث من جمادی الآخرة .

و فى الكافی بسنده عن أبی عبیدة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ فاطمة مكثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله سلّم خمسة و سبعین یوما و كان دخلها حزن شدید على أبیها و كان یأتیها جبرئیل فیحسن عزاها على أبیها و یطیب نفسها و یخبرها عن أبیها و مكانه و یخبرها بما یكون بعدها فی ذرّیتها ، و كان علیّ علیه السّلام یكتب ذلك .

كانت وفاة الصّدیقة سنة إحدى عشرة .

قال فی البحار بعد نقله الأخبار على كثرة اختلافها :

أقول : لا یمكن التطبیق بین أكثر تواریخ الولادة و الوفاة و مدّة عمرها الشّریف ، و لا بین تواریخ الوفاة و بین ما مرّ فی الخبر الصحیح أنّها عاشت بعد أبیها خمسة و سبعین یوما ، إذ لو كان وفاة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله سلّم فی الثامن و العشرین من صفر كان على هذا وفاتها فی أواسط جمادى الاولى ، و لو كان فی ثانى عشر ربیع الأوّل كما ترویه العامة كان وفاتها فی أواخر جمادى الاولى ، و ما رواه أبو الفرج عن الباقر علیه السّلام من كون مكثها بعده ثلاثة أشهر یمكن تطبیقه على ما هو المشهور من كون وفاتها فی ثالث جمادی الآخرة هذا .

و أما مدّة عمرها فالأخبار فیه أیضا مختلفة .

ففی الكافى ولدت فاطمة بعد مبعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بخمس سنین ، و توفّیت و لها ثمان عشرة سنة و خمسة و سبعون یوما ، و بقیت بعد أبیها خمسة و سبعین یوما .

و نحوه فی البحار من عیون المعجزات للسید المرتضى قال : روى أنّ فاطمة علیها السّلام توفّت و لها ثمان عشرة سنة و شهران و أقامت بعد النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خمسة و سبعین یوما و روى أربعین یوما .

و فى البحار من بعض كتب المناقب القدیمة عن سیّد الحفاظ أبی منصور الدیلمى

[ 11 ]

باسناده انّ عبد اللّه بن الحسن دخل على هشام بن عبد الملك و عنده الكلبى فقال هشام لعبد اللّه بن الحسن : یا أبا محمّد كم بلغت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من السّن ؟

فقال : بلغت ثلاثین ، فقال للكلبى : ما تقول ؟ قال : بلغت خمسا و ثلاثین ، فقال هشام لعبد اللّه : ألا تسمع ما یقول الكلبى ؟ فقال عبد اللّه : یا أمیر المؤمنین سلنى عن امّی فأنا أعلم بها و سل الكلبی عن امّها فهو أعلم بها .

و عن العاصمی باسناده عن محمّد بن عمر قال : توفّیت فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لثلاث لیال خلون من شهر رمضان و هی بنت تسع و عشرین أو نحوها و قال محمّد بن اسحاق توفّیت و لها ثمان و عشرون سنة و قیل : سبع و عشرون سنة .

و فى روایة أنّها ولدت على رأس سنة إحدى و أربعین من مولد النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیكون سنّها على هذا ثلاثا و عشرین ، و الأكثر على أنّها كانت بنت تسع و عشرین أو ثلاثین ، و اللّه العالم بحقایق الوقایع .

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد السلام على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شرع فی اظهار التفجّع و الأسف فقال :

( قلّ یا رسول اللّه عن صفیّتك صبری ) قال الشّارح المعتزلی اجلّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن أن یقول عن ابنتك فقال عن صفیّتك و هذا من لطایف عبارته و محاسن كنایته علیه السّلام أقول : و فیه مضافا إلى ذلك الاشارة إلى كونها صفیّة له مختارة عنده كما أنّها كانت صفیّة للّه حسبما عرفت فی روایة الامالی المتقدّمة فی وجه تسمیتها بسیّدة النّساء من أنّ الملائكة یسلّمون علیها و ینادونها بما نادت به الملائكة مریم فیقولون : یا فاطمة إنّ اللّه اصطفیك و طهّرك و اصطفیك على نساء العالمین .

و فى البحار من الخصال فیما أوصى به النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى علیّ علیه السّلام یا علیّ إنّ اللّه عزّ و جلّ أشرف على الدّنیا فاختارنی منها على رجال العالمین ، ثمّ اطلع الثانیة فاختارك على رجال العالمین بعدی ، ثمّ اطلع الثالثة فاختار الأئمة من ولدك على رجال العالمین بعدك ، ثمّ اطلع الرّابعة فاختار فاطمة على نساء العالمین و فیه الاشارة أیضا إلى ما كان له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حقّها من التبجیل و المحبّة

[ 12 ]

و الاعظام ما لم یكن فی حقّ غیره حتّى روی عن القرطبی فی كتاب إكمال الاكمال أنّ فاطمة « رض » أحبّ بناته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أكرمهنّ عنده و سیّدة نساء الجنّة و كان إذا قدم من سفره بدء بالمسجد فیصلّی ركعتین ثمّ ببیت فاطمة « رض » فیسأل عنها ثمّ یدور على نسائه إكراما لفاطمة و اعتناء بها .

و فى البحار من الامالی بسنده عن عایشة بنت طلحة عن عایشة قالت :

ما رأیت أحدا من النّاس أشبه كلاما و حدیثا برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من فاطمة كانت إذا دخلت علیه رحّب بها و قبّل یدیها و أجلسها فی مجلسه ، فاذا دخل علیها قامت إلیه فرحّبت به و قبّلت یدیه ، الخبر .

و من المناقب من جامع الترمدی و ابانة العكبری و اخبار فاطمة عن أبى علىّ الصّولی و تاریخ خراسان عن السّلامى مسندا أنّ جمیعا التمیمی قال : دخلت مع عمّتی على عایشة فقالت لها عمّتی : ما حملك على الخروج على علیّ ؟ فقالت عایشة :

دعینا فو اللّه ما كان أحد من الرّجال أحبّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من علیّ ، و لا من النساء أحبّ إلیه من فاطمة و قوله ( و رقّ عنها تجلّدى ) أى ضعف عن فراقها تحملی للجلد و الصبر من عظم الرّزیة و شدّة المصیبة .

( إلاّ أنّ لی فی التأسّی ) و الاقتداء ( بعظیم فرقتك و فادح مصیبتك موضع تعزّ ) و هو وارد مورد التسلیة لنفسه القدسیّة ، فانّه لمّا ذكر عظم وجده فی افتقاد الصدیقة سلام اللّه علیها و شدّة تأثیره فیه استدرك ذلك بأنّی قد اصبت قبل ذلك بعظیم فراقك و ثقیل مصابك فصبرت علیه مع كونه أعظم رزء و أشدّ تأثیرا فینبغی لی أن أقتدى فی الصّبر على تلك المصیبة الحادثة بالصبر على هذه المصیبة الماضیة لكونها سهلا عندها .

و بعبارة أوضح فكأنّه یقول : إنّ صفیّتك و ان عظم بفراقها المصاب و قلّ عنها الصبر و التحمل إلاّ أنّ فراقك قد كان أعظم و أجلّ ، و مصابك أشدّ و أثقل فكما صبرت فى تلك الرّزیّة العظمى فلئن أصبر فى هذه المصیبة كان أولى و أحرى

[ 13 ]

ثمّ أكّد شدّة تأثّره بفراقه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بشرح بعض حالاته معه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین موته المفیدة لمزید اختصاصه به فانّ الاختصاص كلّما كان أزید كان تأثیر الفراق أشدّ فقال ( فلقد وسّدتك فی ملحودة قبرك ) أى اتّخذت لك وسادة فی قبرك المعمولة فیها اللّحد و هو كنایة عن دفنه له فیها بیده .

( و فاضت بین نحرى و صدری نفسك ) و قد مضى تحقیق معنى هذه الفقرة و تفصیل الكلام فیها و فی سابقتها فی شرح الخطبة المأة و السادسة و التّسعین فلیراجع هناك .

و المراد بهاتین الفقرتین حسبما أشرنا إلیه إظهار مزید تفجّعه بمصیبته به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تجرّعه بغصص الفراق ، فانّ أعظم المصائب و أشدّ الآلام أن یخرج روح أحبّ الخلق إلى الرّجل و رأسه فی صدره و أن یدفنه بیده فی قبره .

ثمّ لمّا كان الاسترجاع موجبا للسّلوة و لجبران المصیبة مضافا إلى ما فیه من عظیم الأجر و الاستبشار بالنعمة الدّائمة استرجع و قال :

( إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ) أمّا الاستبشار فلقوله تعالى و بشّر الصّابرین الذین إذا أصابتهم مصیبة قالوا إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون . اولئك علیهم صلوات من ربّهم و رحمة و اولئك هم المهتدون و أمّا السّلوة و الأجر العظیم :

فلما رواه فی الصّافی من مجمع البیان عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من استرجع عند المصیبة جبر اللّه مصیبته و أحسن عقباه ، و جعل له خلفا صالحا یرضیه قال : و قال :

من اصیب بمصیبة فأحدث استرجاعا و إن تقادم عهدها كتب اللّه له من الأجر مثله یوم أصیب .

و فیه من الكافی عن الباقر علیه السّلام ما من عبد یصاب بمصیبة فیسترجع عند ذكر المصیبة إلاّ غفر اللّه له كلّ ذنب فیما بینهما .

و عن الصّادق علیه السّلام من ذكر مصیبة و لو بعد حین فقال : إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون و الحمد للّه ربّ العالمین اللّهمّ أجرنی على مصیبتی و اخلف علىّ أفضل منها ، كان له من الأجر مثل ما كان له عند أوّل صدمته .

[ 14 ]

و قوله علیه السّلام ( فلقد استرجعت الودیعة و أخذت الرّهینة ) استعار علیه السّلام لفظ الودیعة و الرّهینة لتلك النفس الكریمة لأنّ الأرواح كالودیعة و الرّهن فی الأبدان أو لأنّ النّساء كالودایع و الرّهاین عند الأزواج یجب علیهم مراقبتهنّ و محافظتهنّ كما یجب على المستودع و المرتهن حفظ الودایع و الرّهاین .

ثمّ ذكر ما ناله من تلك المصیبة فقال : ( أمّا حزنى فسرمد و أمّا لیلی فمسهّد إلى أن یختار اللّه لی دارك الّتی أنت بها مقیم ) یرید أنّ حزنه دائم و أنّه یسهر لیله إلى انتقاله إلى الدّار الآخرة و التحاقه برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مجلس القدس و محفل الانس .

و هذا كما قال الشّارح المعتزلی من باب المبالغة الّتی یستعملها الفصحاء و الشّعراء فی كلامهم و هو من محاسن البلاغة قال الشاعر :

قال لی كیف أنت قلت علیل
سهر دائم و حزن طویل

و إنما قلنا : إنه من باب المبالغة لأنه ما سهر منذ ماتت فاطمة علیها السّلام إلى أن قتل و انما أسهر لیلة أو شهرا أو سنة نعم دوام الحزن فهو على حقیقته فانه لم یزل حزینا اذا ذكرت فاطمة علیها السلام عنده .

ثمّ ساق الكلام مساق التشكّى إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من سوء فعل الامة بعده فقال ( و ستنبئك ابنتك بتظافر امّتك على هضمها ) لا یخفى ما فی هذه العبارة من حسن البیان مع بدیع الایجاز فانّ التظافر بمادّته التی هى الظفر و هو الفوز على المطلوب یدلّ على أنّ هضمها كان مطلوبا لهم لكنهم لم یكونوا متمكّنین من الفوز به ما دام كونه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حیا بین أظهرهم ، فلما وجدوا العرصة خالیة من وجوده الشریف فازوا به .

و ان كان مأخوذا من أظفر الصقر الطایر من باب افتعل و تظافر أى أعلق علیه ظفره و أخذه برأسه فیدلّ على أنهم علقوا أظفارهم على هضمها قاصدین بذلك قتلها و إهلاكها .

ثمّ إنّ المعانى الخمسة المذكورة للهضم كلّها مناسبة للمقام .

[ 15 ]

أما المعنى الأوّل فلأنهم قد تظافروا على رفعها عن محلّها و مقامها الذی كان لها و حطّوها عن مرتبتها المقرّرة و لم یراعوا فى حقّها ما كان لازما علیهم من التبجیل و الاعظام و التعظیم و الاكرام ، بل عاملوا معها معاملة الرّعیة و السوقة حتى ألجأوها إلى الخروج إلى مجامع الرّجال فى أمر فدك و غیره مثل سایر النسوة البرزة .

و على المعنى الثانى فیكون إشارة إلى ما صدر عنهم من كسر ضلعها و اسقاط جنینها یوم اخراجه علیه السّلام من البیت ملببا للبیعة .

و على الثالث فیكون إشارة إلى اجتماعهم على نقص حقّها المقرّر لها بقوله تعالى : و آت ذا القربى حقه .

و مثله المعنى الخامس فیكون إشارة إلى غصب فدك .

و أما المعنى الرّابع فهو أولى بالارادة لشموله جمیع مظالمها و ما وقع فى حقّها من الظلم و الجور ، فالى اللّه المشتكى من سوء عمل الامة و شنیع فعلهم بالعترة و ما أدرى

ماذا یقولون إذ قال النبیّ لهم
ماذا فعلتم و أنتم آخر الامم

بعترتى و بأهلى بعد مفتقدی
منهم اسارى و منهم ضرّجوا بدم

ما كان هذا جزائى اذ نصحت لكم
أن تخلفونى بسوء فى ذوى رحم

( فاحفها السّؤال ) أى بالغ فی سؤالها و استقص فی مسألتها ( و استخبرها الحال ) أى حالها و حالى بعد ارتحالك و افتقادك .

( هذا ) أى تظافر الامّة على الهضم كائن ( و ) الحال انّه ( لم یطل العهد ) أى عهدهم بك أو ما عاهدتهم علیه من المودّة فی القربى و المواظبة بالثّقلین ( و لم یخل منك الذّكر ) أى لم یرتفع ذكرك الجمیل عن أفواههم .

و محصّله انه لم یطل المدّة من موتك حتى ینسوا وصایاك المتأكدة فی حقّ العترة أو یغفلوا من صنایعك العظیمة فی حقّهم فیقابلوها بهذا الكفران العظیم .

و لما أراد الوداع ختم كلامه بالسلام كما بدء به جریا على مجارى عادة

[ 16 ]

الأحباب عند وداع بعضهم لبعض فقال ( و السلام علیكما سلام مودّع ) محبّ مشتاق مشفق ( لا قال و لا سئم ) أى لا مبغض لكما و لا ملول من طول صحبتكما و أوضح ذلك بقوله ( فان أنصرف ) عن زیارتكما ( فلا عن ملالة و ان اقم ) أى أقمت عند ضریحكما ( فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصابرین ) بقوله : اولئك علیهم صلوات من ربّهم و رحمة و اولئك هم المهتدون .

تذنیب

ینبغی لنا أن نذكر شطرا من الأخبار فیما وقع علیها من الظلم و بكائها و حزنها و شكایتها فی مرضها و كیفیّة وفاتها و دفنها صلوات اللّه علیها و لعنة اللّه على غاصبى حقّها و ظالمیها فأقول :

روى فی كشف الغمة عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : البكّاؤون خمسة : آدم ، و یعقوب و یوسف ، و فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و علىّ بن الحسین علیهم السّلام .

فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار فی خدّیه مثل الأودیة .

و أما یعقوب فبكى على یوسف حتى ذهب بصره و حتى قیل له : تاللّه تفتؤ تذكر یوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكین .

و أما یوسف فبكى على یعقوب حتّى تأذّى به أهل السّجن فقالوا : إمّا أن تبكی بالنهار و تسكت باللّیل ، و إمّا أن تبكی اللّیل و تسكت النّهار فصالحهم على واحد منهما .

و أمّا فاطمة فبكت على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى تأذی بها أهل المدینة فقالوا لها قد آذیتنا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكى حتّى تقضى حاجتها و تنصرف .

و أمّا علیّ بن الحسین فبكى على الحسین علیه السّلام عشرین سنة أو أربعین و ما وضع بین یدیه طعام قطّ إلاّ بكى حتّى قال له علیه السّلام مولى له : جعلت فداك یا ابن رسول اللّه إنّی أخاف علیك أن تكون من الهالكین قال : انّما أشكو بثّى و حزنی إلى اللّه و أعلم من اللّه ما لا تعلمون ، إنّى لم أذكر مصرع بنی فاطمة إلاّ خنقتنی

[ 17 ]

لذلك العبرة .

و فى البحار من الأمالی عن الدّقاق عن الأسدى عن النخعی عن النوفلی عن البطائی عن أبیه عن ابن جبیر عن ابن عباس فى خبر طویل أخبر فیه النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بظلم أهل البیت قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

و أما ابنتى فاطمة فانها سیّدة نساء العالمین من الأوّلین و الآخرین ، و هى بضعة منى ، و هى نور عینى ، و هى ثمرة فؤادى ، و هى روحی التى بین جنبى ، و هى الحوراء الانسیة متى ما قامت فى محرابها بین یدی ربّها جلّ جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما یزهر نور الكواكب لأهل الأرض و یقول اللّه عزّ و جلّ لملائكته : یا ملائكتى انظروا إلى أمتى فاطمة سیدة إمائى قائمة بین یدی ترتعد فرائصها من خیفتى و قد أقبلت بقلبها على عبادتى اشهدكم أنى قد امنت شیعتها من النار .

و انی لما رأیتها ذكرت ما یصنع بها بعدی كأنّى بها و قد دخل الذّلّ بیتها و انتهكت حرمتها و غصبت حقها و منعت ارثها و كسر جنبها و اسقطت جنینها و هى تنادى یا محمّداه فلا تجاب و تستغیث فلا تغاث ، فلا تزال بعدى محزونة مكروبة باكیة تتذكّر انقطاع الوحی عن بیتها مرّة و تتذكّر فراقى اخرى و تستوحش إذا جنّها اللّیل لفقد صوتى الذى كانت تستمع إلیه إذا تهجّدت بالقرآن ، ثمّ ترى نفسها ذلیلة بعد أن كانت أیام أبیها عزیزة ، فعند ذلك یونسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مریم بنت عمران فتقول یا فاطمة إنّ اللّه اصطفیك و طهّرك و اصطفیك على نساء العالمین یا فاطمة اقنتى لربك و اسجدى و اركعى مع الراكعین .

ثمّ یبتدء بها الوجع فتمرض فیبعث اللّه عزّ و جلّ إلیها مریم بنت عمران تمرّضها و تونسها فى علّتها فتقول عند ذلك : یا ربّ إنّی قد سئمت الحیاة و تبرّمت بأهل الدّنیا فألحقنى بأبى فتكون أوّل من یلحقنى من أهل بیتى ، فتقدم علیّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة فأقول عند ذلك : اللهمّ العن من ظلمها و عاقب من غصبها و ذلّل من أذلّها ، و خلّد فى نارك من ضرب جنبیها حتّى ألقت ولدها فتقول الملائكة عند ذلك : آمین .

[ 18 ]

و من كتاب دلائل الامامة للطبری بالاسناد عن أبى بصیر عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : قبضت فاطمة فى جمادى الآخرة یوم الثلثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة ، و كان سبب وفاتها أنّ قنفذ مولى عمر لكزها بنعل السیف بأمره فأسقطت محسنا و مرضت من ذلك مرضا شدیدا و لم تدع أحدا ممّن أذاها یدخل علیها .

و كان الرّجلان من أصحاب النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سألا أمیر المؤمنین أن یشفع لهما إلیها فسألها أمیر المؤمنین علیه السّلام فلما دخلا علیها قالا لها : كیف أنت یا بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟

قالت : بخیر بحمد اللّه ، ثمّ قالت لهما : ما سمعتما النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : فاطمة بضعة منّى من آذاها فقد آذانى و من آذانى فقد آذى اللّه ، قالا : بلى ، قالت : فو اللّه لقد آذیتمانى ، قال : فخرجا من عندها و هى ساخطة علیهما أقول : و قد تقدّم فى المقدّمة الثالثة من مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقیة بروایة سلیم بن قیس الهلالى تفصیل كیفیة دخول قنفذ اللعین بیت فاطمة و إحراق بابها و بعض مظالمها ، و اورد هنا بعض ما تقدّم من روایة سلیم ملخصا و نضیف إلیه ما لم یتقدّم هناك بحسب اقتضاء المقام و ما اورده هنا أنقله من المجلد العاشر من البحار على ما لخصّه أیضا فأقول :

قال المحدّث العلامة المجلسیّ : وجدت فی كتاب سلیم بن قیس الهلالی بروایة أبان بن أبی عیاش عنه عن سلمان و عبد اللّه بن العبّاس قالا : توفّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم توفّى فلم یوضع فی حفرته حتّى نكث النّاس و ارتدّوا و أجمعوا على الخلاف و اشتغل علىّ علیه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى فرغ من غسله و تكفینه و تحنیطه و وضعه فی حفرته ، ثمّ أقبل على تألیف القرآن و شغل عنهم بوصیّة رسول اللّه فقال عمر لأبی بكر : یا هذا إنّ النّاس أجمعین قد بایعوك ما خلا هذا الرّجل و أهل بیته فابعث إلیه ، فبعث إلیه ابن عمّ لعمر یقال له : قنفذ ، فقال : یا قنفذ انطلق إلى علیّ فقل له أجب خلیفة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فبعثا مرارا و أبى علیّ علیه السّلام أن یأتیهم فوثب عمر غضبانا و نادى خالد بن الولید و قنفذا فأمرهم أن یحملا حطبا و نارا

[ 19 ]

ثم أقبل حتّى انتهى إلى باب علیّ علیه السّلام و فاطمة علیها السلام قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها و نحل جسمها فی وفاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأقبل عمر حتّى ضرب الباب ثمّ نادى یا ابن أبیطالب افتح الباب . فقالت فاطمة علیها السلام خلف الباب : یا عمر ما لنا و لك لا تدعنا و ما نحن فیه ، قال : افتحى الباب و إلاّ أحرقنا علیكم ، فقالت یا عمر ، أما تتّقی اللّه تدخل على بیتى و تهجم على دارى بغیر اذنی فأبی أن ینصرف .

ثمّ دعا عمر بالنار فأضرمها فی الباب فأحرق الباب ثمّ دفعه عمر فدخل فاستقبلته فاطمة و صاحت یا أبتاه یا رسول اللّه ، فرفع عمر السّیف و هو فی غمده فوجى به جنبها فصرخت یا أبتاه ، فرفع السّوط فضرب به ذراعها و نادت یا رسول اللّه بئس ما خلفك أبو بكر و عمر .

فوثب علىّ بن أبیطالب علیه السّلام فأخذ بتلابیب عمر فصرعه و وجى أنفه و رقبته و همّ بقتله فذكر قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ما أوصاه به من الصبر و الطّاعة فقال : و الذی أكرم محمّدا بالنّبوة یا ابن صحاك لو لا كتاب من اللّه سبق لعلمت أنّك لا تدخل بیتی فأرسل عمر یستغیث فأقبل النّاس حتّى دخلوا الدّار فكاثروه و ألقوا فی عنقه حبلا فحالت بینهم و بینه فاطمة عند باب البیت فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حین ماتت و أن فی عضدها كمثل الدّملج من ضربته لعنه اللّه ، فألجأها إلى عضادة بیتها و دفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنینا من بطنها ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلّى اللّه علیها من ذلك شهیدة و ساق الحدیث إلى أن قال قال ابن عباس : ثمّ إنّ فاطمة بلغها أنّ أبا بكر قبض فدكا فخرجت فی نساء بنی هاشم حتى دخلت على أبی بكر فقال : یا أبا بكر أترید أن تأخذ منى أرضا جعلها لی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فدعا أبو بكر بدواة لیكتب به لها فدخل عمر لعنه اللّه فقال :

یا خلیفة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا تكتب لها حتى تقیم البینة بما تدّعى ، فقالت فاطمة :

علیّ و امّ أیمن یشهدان بذلك فقال عمر : لا نقبل شهادة امرأة أعجمیّة لا تفصح و أما علیّ فیجرّ النار إلى قرصته ، فرجعت فاطمة علیها السّلام مغتاظة فمرضت و كان علیّ علیه السّلام یصلّى فی المسجد الصلوات الخمس ، فلمّا صلّى قال له أبو بكر و عمر

[ 20 ]

كیف بنت رسول اللّه إلى أن ثقلت فسألا عنها و قالا و قد كان بیننا و بینها ما قد علمت فان رأیت أن تأذن لنا لنعتذر إلیها من ذنبنا ، قال : ذاك إلیكما ، فقام فجلسا فی الباب .

فدخل علیّ على فاطمة فقال : أیّتها الحرّة فلان و فلان فی الباب یریدان أن یسلّما علیك فما تریدین ؟ قالت : البیت بیتك و الحرّة زوجتك و افعل ما تشاء ،

فقال : سدّى قناعك فسدّت قنّاعها و حوّلت وجهها إلى الحایط ، فدخلا و سلّما و قالا ارضی عنا رضی اللّه عنك ، فقالت : ما دعا إلى هذا فقالا اعترفنا بالاساءة و رجونا أن تعفى عنا ، فقالت إن كنتما صادقین فأخبرانى عما أسألكما عنه فانى لا أسألكما عن أمر إلاّ و أنا عارفة بأنكما تعلمانه ، فان صدقتما علمت أنكما صادقان فى مجیئكما قالا : سل عما بدا لك ، قالت : نشدتكما باللّه هل سمعتما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول :

فاطمة بضعة منى فمن آذاها فقد آذانى ؟ قالا : نعم ، قال : فرفعت یدها إلى السماء فقالت : اللهم إنهما قد اذیانى فأنا أشكوهما إلیك و إلى رسولك لا و اللّه لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اخبره بما صنعتما فیكون هو الحاكم فیكما قال : فعند ذلك دعى أبو بكر بالویل و الثبور و جزع جزعا شدیدا فقال عمر له :

تجزع یا خلیفة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من قول امرأة ؟ .

قال : فبقیت فاطمة بعد وفاة أبیها أربعین لیلة فلما اشتدّ بها الأمر دعت علیها السّلام علیا و قالت : یا ابن عمّ ما أرانى إلاّ لما بى و إنى اوصیك أن تتزوّج بامامة بنت اختى زینب یكون لولدی مثلى ، و اتّخذ لى نعشا فانّى رأیت الملائكة یصفونه لى ، و أن لا یشهد أحد من أعداء اللّه جنازتى و لا دفنى و لا الصلاة علیّ .

قال ابن عباس : فقبضت فاطمة علیها السلام من یومها ، فارتجّت المدینة بالبكاء من الرّجال و النساء ، و دهش الناس كیوم قبض فیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأقبل أبو بكر و عمر یعزّیان علیا علیه السّلام و یقولان له : یا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فلما كان اللیل دعا علىّ علیه السّلام العباس و الفضل و المقداد و سلمان و أبا ذر و عمارا

[ 21 ]

فقدّم العباس و صلّى علیها و دفنوها لیلا .

فلما أصبح الناس أقبل أبو بكر و عمر و الناس یریدون الصلاة على فاطمة علیها السّلام فقال المقداد : قد دفنّا فاطمة البارحة ، فالتفت عمر إلى أبى بكر فقال : ألم أقل لك إنهم سیفعلون فقال العباس : إنها أوصت أن لا تصلّیا علیها ، فقال عمر : لا تتركون یا بنى هاشم حسدكم القدیم لنا أبدا إن هذه الضغاین الذی فی صدوركم لن تذهب و اللّه لقد هممت أن انبشها فأصلّی علیها ، فقال علیّ علیه السّلام : و اللّه لو رمت ذلك یا ابن صهاك لا رجعت إلیك یمینك ، لئن سللت سیفى لاغمدته دون إزهاق نفسك ،

فانكسر عمر و سكت و علم أنّ علیا علیه السّلام إذا حلف صدق .

ثمّ قال علیّ علیه السّلام یا عمر ألست الذى همّ بك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أرسل إلىّ فجئت متقلّدا سیفى ثمّ أقبلت نحوك لأقتلك فأنزل اللّه عزّ و جلّ فلا تعجل علیهم إنما نعدّ لهم عدّا .

و فى كشف الغمة روى أنها علیها السلام أوصت علیا و أسماء بنت عمیس أن یغسلاها .

و عن ابن عباس قال : مرضت فاطمة مرضا شدیدا فقالت لأسماء بنت عمیس ألا ترین إلى ما بلغت 1 فلا تحملینى على سریر ظاهر فقالت : لا لعمرى و لكن أصنع نعشا كما رأیت یصنع بالحبشة قالت : فأرنیها ، فأرسلت إلى جراید رطبة فقطعت من الأسواق ثمّ جعلت على السریر نعشا و هو أوّل ما كان النعش ، فتبسّمت و ما رإیت متبسّمة إلاّ یومئذ ثمّ حملناها و دفناها لیلا و صلّى علیها العباس بن عبد المطلب و نزل فی حفرتها هو و علىّ و الفضل بن العباس .

و عن أسماء بنت عمیس أنّ فاطمة علیها السلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قالت انى قد استقبحت ما یصنع بالنساء إنه یطرح على المرأة الثوب فیصفها لمن رأى فقالت أسماء : یا بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنی أریك شیئا رأیته بأرض الحبشة قال :

فدعت بجریدة رطبة فحسنتها ثمّ طرحت علیها ثوبا فقالت فاطمة : ما أحسن هذا و أجمله لا تعرف به المرأة من الرجل ، قال : قالت فاطمة : فاذا متّ فاغسلینى أنت و لا یدخلنّ

-----------
( 1 ) اى من نحول الجسم و الضعف كما صرّح به فى روایة اخرى ، منه .

[ 22 ]

علىّ أحد ، فلما توفیت فاطمة جاءت عایشة تدخل علیها فقالت أسماء : لا تدخل فكلّمت عایشة أبا بكر فقالت : إن هذه الخثعمیّة تحول بیننا و بین ابنة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد جعلت لها مثل هودج العروس ، فقالت أسماء : أمرتنى أن لا یدخل علیها أحد و أریتها هذا الذى صنعت و هى حیّة فأمرتنى أن أصنع لها ذلك فقال أبو بكر : اصنعى ما أمرتك ، فانصرف و غسلها علىّ و أسماء .

و قیل : قالت فاطمة لأسماء حین توضأت وضوءها للصلاة : هاتى طیبى الذی أ تطیّب به ، و هاتی ثیابی الّتی اصلّی فیها ، فتوضأت ثمّ وضعت رأسها فقالت لها :

اجلسى عند رأسى فاذا جاء وقت الصلاة فأقیمینى فان قمت و إلاّ فأرسلى إلى علیّ فلما جاء وقت الصلاة قالت : الصلاة یا بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فاذا هى قد قبضت فجاء علیّ علیه السّلام فقالت له : قد قبضت ابنة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال علیّ : متى ؟ قالت : حین أرسلت إلیك ، قال : فأمر أسماء فغسلتها و أمر الحسن و الحسین یدخلان الماء ، و دفنها لیلا و سوّى قبرها فعوتب على ذلك فقال : بذلك أمرتنى .

و فی البحار من مناقب ابن شهر آشوب عن ابن جبیر عن ابن عباس قال :

أوصت فاطمة علیها السلام أن لا یعلم إذا ماتت أبو بكر و لا عمر ، و لا یصلّیا علیها قال : فدفنها علیّ لیلا و لم یعلمهما بذلك .

و عن الأصبغ بن نباتة أنّه سأل أمیر المؤمنین علیه السّلام عن دفنها لیلا ، فقال :

إنّها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها و حرام على من یتولاّهم أن یصلّی على أحد من ولدها .

و روى أنّه علیه السّلام سوّى قبرها مع الأرض مستویا و قالوا سوّى حوالیها قبورا مزورة مقدار سبعة حتّى لا یعرف قبر لها .

و روى انّه رشّ أربعین قبرا حتى لا یبین قبرها من غیره من القبور ،

فیصلّوا علیها .

و فى البحار وجدت فی بعض الكتب خبرا فی وفاتها علیها السلام فأحببت ایراده و إن لم آخذه من أصل یعوّل علیه .