[ 23 ]

روى ورقة بن عبد اللّه الازدى قال : خرجت حاجّا إلى بیت اللّه الحرام راجیا لثواب اللّه ربّ العالمین فبینما أنا أطوف و إذا أنا بجاریة سمراء ملیحة الوجه عذبة الكلام و هى تنادى بفصاحة منطقها و تقول :

اللهمّ ربّ الكعبة الحرام و الحفظة الكرام و زمزم و المقام و المشاعر العظام و ربّ محمّد خیر الأنام البررة الكرام أن تحشرنی مع ساداتى الطّاهرین و أبنائهم الغرّ المحجلین المیامین ، ألا فاشهدوا یا جماعة الحجّاج و المعتمرین إنّ موالیّ خیرة الأخیار و صفوة الأبرار الذین علا قدرهم على الأقدار و ارتفع ذكرهم فی سایر الأمصار المرتدین بالفخار .

قال ورقة بن عبد اللّه فقلت : یا جاریة إنی لأظنك من موالی أهل البیت ، فقالت أجل قلت : و من أنت من موالیهم ؟ قالت : أنا فضّة أمة فاطمة الزّهراء ابنة محمّد المصطفى صلّى اللّه علیها و على أبیها و بعلها و بنیها ، فقلت لها : مرحبا بك و أهلا و سهلا فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك و منطقك فارید منك الساعة أن تجیبنی من مسألة أسألك فاذا أنت فرغت من الطواف قفى لى عند سوق الطعام حتى آتیك و أنت مثابة مأجورة فافترقنا فی الطواف .

فلما فرغت من الطواف و أردت الرجوع إلى منزلی جعلت طریقی على سوق الطعام و إذا بها جالسة فی معزل عن الناس ، فأقبلت إلیها و اعتزلت بها و أهدیت إلیها هدیة و لم أعتقد أنها صدقة ثمّ قلت لها : یا فضّة أخبرینی عن مولاتك فاطمة الزّهراء علیها السلام و ما الذی رأیت منها عند وفاتها بعد موت أبیها محمّد صلّى اللّه علیه و آله سلّم .

قال ورقة : فلما سمعت كلامی تغرغرت عیناه بالدّموع ثمّ انتحبت نادبة و قالت : یا ورقة بن عبد اللّه هیّجت علیّ حزنا ساكنا و أشجانا فی فؤادى كانت كامنة فاسمع الآن ما شاهدت منها .

اعلم أنه لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم افتجع له الصغیر و الكبیر و كثر علیه البكاء و قلّ العزاء و عظم رزؤه على الأقرباء و الأصحاب و الأولیاء و الأحباب و الغرباء و الأنساب ، و لم تلق إلاّ كلّ باك و باكیة و نادب و نادبة ، و لم یكن فی أهل الأرض

[ 24 ]

و الأصحاب و الأقرباء أشدّ حزنا و أعظم بكاء و انتحابا من مولاتی فاطمة الزهراء ،

و كان حزنها یتجدّد و یزید ، و بكاؤها یشتدّ فجلست سبعة أیام لا یهدى لها أنین و لا یسكن منها حنین ، و كلّ یوم جاء كان بكاؤها أكثر من الیوم الأول .

فلما كان فی الیوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن فلم تطق صبرا إذ خرجت و صرخت فكأنها من فم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم تنطق ، فتبادرت النسوان و خرجت الولاید و الولدان ، و ضجّ الناس بالبكاء و النحیب ، و جاء الناس من كلّ مكان ،

و اطفیت المصابیح لكیلا تتبیّن صفحات النساء ، و خیّل إلى النسوان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد قام من قبره ، و صار الناس فی دهشة و حیرة لما قد رهقهم ، و هى تنادى و تندب أباه وا أبتاه وا صفیّاه وا محمّداه وا أبا القاسماه و اربیع الأرامل و الیتامى اه من للقبلة و المصلّى ، و من لابنتك الوالهة الثكلى .

ثمّ أقبلت تعثر فی أذیالها و هى لا تبصر شیئا من عبرتها و من تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبیها محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصر خطاها و دام نحیبها و بكاها إلى أن اغمى علیها ، فتبادرت النسوان إلیها فنضحن الماء علیها و على صدرها و جبینها حتّى أفاقت و هى تقول :

رفعت قوّتی ، و خاننی جلدى ، و شمت بی عدوّی ، و الكمد قاتلی ، یا أبتاه بقیت و الهة وحیدة و حیرانة فریدة فقد انخمد صوتى ، و انقطع ظهرى ، و تنغّص عیشی ، و تكدّر دهری ، فما أجد یا أبتاه بعدك أنیسا لوحشتی ، و لا رادا لدمعتی و لا معینا لضعفی ، فقد فنى بعدك محكم التنزیل ، و مهبط جبرئیل ، و محلّ میكائیل انقلبت بعدك یا أبتاه الأسباب ، و تغلّقت دونی الأبواب ، فأنا للدّنیا بعدك قالیة ،

و علیك ما ترددت أنفاسی باكیة ، لا ینفد شوقی إلیك ، و لا حزنی علیك .

ثمّ نادت : یا أبتاه و البّاه ثمّ قالت :

إنّ حزنی علیك حزن جدید
و فؤادى و اللّه صبّ عنید

كلّ یوم یزید فیه شجونی
وا كتئا بی علیك لیس یبید

جلّ خطبى فبان عنّی عزائی
فبكائی كلّ وقت جدید

[ 25 ]

إنّ قلبا علیك یألف صبرا
أو عزاء فانّه لجلید

ثمّ نادت : یا أبتاه انقطعت بك الدّنیا بأنوارها ، و زوت زهرتها و كانت ببهجتك زاهرة فقد اسودّ نهارها ، فكان یحكی حنادسها رطبها و یابسها ، یا أبتاه لا زالت آسفة علیك إلى التّلاق ، یا أبتاه زال غمصى منذ حقّ الفراق ، یا أبتاه من للأرامل و المساكین ، و من للأمّة إلى یوم الدّین ، یا أبتاه أمسینا بعدك من المستضعفین ،

یا أبتاه أصبحت النّاس عنّا معرضین ، و لقد كنّا بك معظّمین فی النّاس غیر مستضعفین فأىّ دمعة لفراقك لا تنهمل ، و أیّ حزن بعدك علیك لا یتّصل ، و أىّ جفن بعدك بالنّوم یكتحل ، و أنت ربیع الدین ، و نور النبیین ، فكیف للجبال لا تمور ، و للبحار بعدك لا تغور ، و الأرض كیف لم تتزلزل ، رمیت یا أبتاه بالخطب الجلیل ، و لم یكن الرزیّة بالقلیل ، و طرقت یا أبتاه بالمصاب العظیم ، و بالفادح المهول ، بكتك یا أبتاه الأملاك ،

و وقفت الأفلاك فمنبرك بعدك مستوحش ، و محرابك خال من مناجاتك ، و قبرك فرح بمواراتك ، و الجنّة مشتاقة إلیك و إلى دعائك و صلاتك ، یا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك ، فوا أسفا علیك إلى أن أقدم عاجلا علیك و اثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولدیك الحسن و الحسین و أخوك و ولیك و حبیبك و من ربّیته صغیرا و آخیته كبیرا و أحلی أحبابك و أصحابك من كان منهم سابقا و مهاجرا و ناصرا ، و الثكل شاملنا ،

و البكاء قاتلنا ، و الأسى لازمنا .

ثمّ زفرت زفرة و أنّت أنّة كادت روحها أن تخرج ثمّ قالت :

قلّ صبرى و بان عنّی عزائى
بعد فقدى لخاتم الأنبیاء

عین یا عین اسكبى الدّمع سحّا
ویك لا تبخلی بفیض الدّماء

یا رسول الا له یا خیرة اللّه
و كهف الأیتام و الضّعفاء

قد بكتك الجبال و الوحش جمعا
و الطیر و الأرض بعد بكى السماء

و بكاك الحجون و الركن و
المشعر یا سیدى مع البطحاء

و بكاك المحراب و الدّرس
للقرآن فی الصّبح معلنا و المساء

و بكاك الاسلام اذ صار فی النّاس
غریبا من سایر الغرباء

[ 26 ]

لو ترى المنبر الذی كنت تعلوه
علاه الظلام بعد الضّیاء

یا إلهى عجّل وفاتی سریعا
قد نغصت الحیاة یا مولائی

قالت : ثمّ رجعت إلى منزلها و أخذت بالبكاء و العویل لیلها و نهارها و هی لا ترقى دمعتها ، و لا تهدى زفرتها .

و اجتمع شیوخ أهل المدینة و اقبلوا إلى أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فقالوا له یا أبا الحسن إنّ فاطمة تبكى اللّیل و النّهار فلا أحد منّا یتهنأ بالنّوم فی اللّیل على فراشنا و لا بالنّهار قرار على أشغالنا و طلب معایشنا ، و إنّا نخیّرك أن تسألها إمّا أن تبكى لیلا أو نهارا ، فقال حبّا و كرامة .

فأقبل أمیر المؤمنین حتّى دخل على فاطمة علیها السّلام و هی لا تفیق من البكاء ،

و لا ینفع فیها العزاء ، فلمّا رأته سكتت هیمنة له فقال لها : یا بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ شیوخ المدینة یسألونی أن أسألك إمّا أن تبكین أباك لیلا و إمّا نهارا فقالت یا أبا الحسن ما أقلّ مكثی بینهم و ما أقرب مغیبتی من بین أظهرهم ، فو اللّه لا أسكت لیلا و لا نهارا أو ألحق بأبی رسول اللّه ، فقال لها علیّ : افعلی یا بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما بدا لك ثمّ إنّه علیه السّلام بنى لها بیتا فی البقیع نازحا من المدینة یسمّى بیت الأحزان و كانت إذا أصبحت قدّمت الحسن و الحسین أمامها و خرجت إلى البقیع باكیة فلا تزال بین القبور باكیة ، فاذا جاء اللّیل أقبل أمیر المؤمنین إلیها و ساقها بین یدیه إلى منزلها .

و لم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد أبیها سبعة و عشرون یوما و اعتلّت العلّة الّتی توفّیت فیها فبقیت إلى یوم الأربعین و قد صلّى أمیر المؤمنین صلاة الظهر و أقبل یرید المنزل إذ استقبلته الجواری باكیات حزینات فقال لهنّ : ما الخبر و ما لى أراكنّ متغیّرات الوجوه و الصّور ، فقلن : یا أمیر المؤمنین أدرك ابنة عمك الزّهراء و ما نظنّك تدركها .

فأقبل أمیر المؤمنین مسرعا حتّى دخل علیها و إذا بها ملقاة على فراشها و هو

[ 27 ]

من قباطى مصر و هى تقبض یمینا و تمدّ شمالا ، فألقى الرّداء عن عاتقه و العمامة عن رأسه و حل أزراره .

و أقبل حتّى أخذ رأسها و تركه فی حجره و ناداها : یا زهراء ، فلم تكلّمه ،

فنادها : یا بنت محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلم تكلّمه ، فناداها : یا بنت من حمل الزّكاة فی أطراف ردائه و بذلها على الفقراء ، فلم تكلّمه ، فناداها : یا ابنة من صلّى بالملائكة فی السّماء مثنى مثنى ، فلم تكلّمه فناداها : یا فاطمة كلّمینی فأنا ابن عمّك علیّ ابن أبیطالب .

قالت : ففتحت عینیها فی وجهه و نظرت إلیه و بكت و بكى ، و قال : ما الّذی تجدینه فأنا ابن عمّك علیّ بن أبیطالب ، فقالت : یا ابن العمّ إنّی أجد الموت الذی لا بدّ منه و لا محیص عنه و أنا أعلم أنّك بعدى لا تصبر على قلّة التزویج ، فان أنت تزوّجت امرأة اجعل لها یوما و لیلة و اجعل لأولادی یوما و لیلة ، و لا تصح فی وجوههما فیصبحان یتیمین غریبین منكسرین فانّهما بالأمس فقد اجدّهما : و الیوم یفقدان امّهما ، فالویل لامة تقتلهما و تبغضهما ثمّ أنشأت تقول :

ابكنى إن بكیت یا خیر هادى
و اسبل الدّمع فهو یوم الفراق

یا قرین البتول اوصیك بالنّسل
فقد أصبحا حلیف الاشتیاق

ابكنى و ابك للیتامی و لا
تنس قتیل العدى بطفّ العراق

فارقوا فاصبحوا یتامى حیارى
یخلف اللّه فهو یوم الفراق

قالت فقال علیّ : من أین لك یا بنت رسول اللّه هذا الخبر و الوحى قد انقطع عنّا ؟ فقالت : یا أبا الحسن رقدت السّاعة فرأیت حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی قصر من الدّرّ الأبیض فلمّا رآنی قال : هلمّی إلیّ یا بنیّة فانّی إلیك مشتاق ، فقلت :

و اللّه إنّى لأشدّ شوقا منك إلى لقائك ، فقال : أنت اللّیلة عندى و هو الصّادق لما وعد و الموفی لما عاهد فاذا أنت قرءت یس فاعلم أنّی قد قضیت نحبى ، فغسّلنی و لا تكشف عنّی فانّى طاهرة مطهّرة ، و لیصلّ علیّ معك من أهلی الأدنى فالأدنى و من رزق اجرى و ادفنّی لیلا فی قبری ، بهذا أخبرنی حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 28 ]

فقال علیّ علیه السّلام و اللّه لقد أخذت فی أمرها و غسلتها فی قمیصها و لم اكشفه عنها فو اللّه لقد كانت میمونة طاهرة مطهّرة ، ثمّ حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كفنتها و أدرجتها فی أكفانها .

فلمّا هممت أن أعقد الرّداء نادیت یا امّ كلثوم یا زینب یا سكینة یا فضّة یا حسن یا حسین هلمّوا تزوّدوا من امّكم فهذا الفراق و اللّقاء فی الجنّة ، فأقبل الحسن و الحسین و هما ینادیان وا حسرتاه لا ننطفى أبدا من فقد جدّنا محمّد المصطفى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و امّنا فاطمة الزّهراء ، یا امّ الحسن یا امّ الحسین إذا لقیت جدّنا محمّد المصطفى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاقرئیه منّا السّلام و قولى له : إنّا قد بقینا بعدك یتیمین فی دار الدّنیا .

فقال أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام : إنى اشهد اللّه أنّها قد حنّت و أنّت و مدّت یدیها و ضمّتهما إلى صدرها ملیا و إذا بهاتف من السماء ینادى یا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكیا و اللّه ملائكة السماوات ، فقد اشتاق الحبیب إلى المحبوب .

قال : فرفعتهما من صدرها و جعلت أعقد الرداء و أنا انشد بهذه الأبیات :

فراقك أعظم الأشیاء عندى
و فقدك فاطم أدهى الثكول

سأبكى حسرة و أنوح شجوا
على خلّ مضى أسنا سبیل

ثمّ حملها على یده و أقبل بها إلى قبر أبیها و نادى :

السلام علیك یا رسول اللّه ، السلام علیك یا حبیب اللّه ، السلام علیك یا نور اللّه السلام علیك یا صفوة اللّه منّی السلام علیك و التحیة منّی واصلة إلیك و لدیك ، و من ابنتك النازلة علیك بفنائك ، و إنّ الودیعة قد استردّت ، و الرهینة قد اخذت ،

فواحزناه على الرّسول ، ثمّ من بعده على البتول ، و لقد اسودّت علیّ الغبراء ،

و بعدت عنّی الخضراء ، فواحزناه ثمّ وا أسفاه .

ثمّ عدل بها على الرّوضة فصلّى علیها فی أهله و أصحابه و موالیه و أحبّائه و طائفة من المهاجرین و الأنصار ، فلما واراها و ألحدها فی لحدها أنشأ بهذه الأبیات یقوله :

[ 29 ]

أرى علل الدّنیا علیّ كثیرة
و صاحبها حتى الممات علیل

لكل اجتماع من خلیلین فرقة
و إنّ بقائی عندكم لقلیل

و انّ افتقادى فاطما بعد أحمد
دلیل على أن لا یدوم خلیل

أقول : و فی الدّیوان المنسوب إلیه علیه الصلاة و السلام أنه أنشد عند وفاة فاطمة صلوات اللّه و سلامه علیها بهذه الأبیات :

ألا هل إلى طول الحیات سبیل
و أنّى و هذا الموت لیس یحول

و إنّی و إن أصبحت بالموت موقنا
فلا أمل من دون ذاك طویل

و للدّهر ألوان تروح و تغتدی
و إنّ نفوسا بینهنّ تسیل

و منزل حقّ لا معرّج دونه
لكلّ امرء منها إلیه سبیل

قطعت بأیّام التعزّز ذكره
و كلّ عزیز ما هناك ذلیل

أرى علل الدّنیا علىّ كثیرة
و صاحبها حتّى الممات علیل

و انّى لمشتاق إلى من أحبّه
فهل لی إلى من قد هویت سبیل

و انّى و إن شطت بی الدّهر نازحا
و قد مات قبلی بالفراق جمیل

فقد قال فی الأمثال فی البین قائل
أضرّ به یوم الفراق رحیل

لكلّ اجتماع من خلیلین فرقة
و كلّ الذی دون الفراق قلیل

و انّ افتقادی فاطما بعد أحمد
دلیل على أن لا یدوم خلیل

و كیف هناك العیش من بعد فقدهم
لعمرك شی‏ء ما إلیه سبیل

سیعرض عن ذكرى و تنسى مودّتی
و یظهر بعدى للخلیل عدیل

و لیس خلیلی بالملول و لا الذى
إذا غبت یرضاه سواى بدیل

و لكن خلیلی من یدوم وصاله
و یحفظ سرّى قلبه و دخیل

إذا انقطعت یوما من العیش مدّتی
فانّ بكاء الباكیات قلیل

یرید الفتى أن لا یموت حبیبه
و لیس إلى ما یبتغیه سبیل

و لیس جلیلا رزء مال و فقده
و لكنّ رزء الأكرمین جلیل

[ 30 ]

لذلك جنبی لا یواتیه مضجع
و فی القلب من حرّ الفراق غلیل 1

خاتمة

نذكر فیها بعض الأخبار الواردة فی كیفیّة مجیئها سلام اللّه علیها إلى المحشر و تظلّمها یوم القیامة و عقاب ظالمیها .

و إنّما أوردت هذه الأخبار لأنّ الأخبار السّالفة المتضمّنة لما جرى علیها بعد وفاة أبیها سلام اللّه علیه و علیها من البغی و العدوان و الظلم و الطغیان لا سیّما ما تضمّنت أنینها و حنینها و بكائها و مظلومیّتها و وحدتها و غربتها حالة وفاتها ،

قد ملأت قلبی قیحا و شحنت صدرى قرحة ، و جرّعتنی نعب التّهمام أنفاسا ، فسرت عند روایتها لا أضبط دمعتى ، و لا أملك كمدى و لوعتی ، و كانت الدّمعات من عظم مصیبتها جاریة ، و حرقات القلب مشتعلة .

فأحببت ایراد هذه الأخبار تسلیة لبعض همومی و هموم سایر الموالین ، لعن اللّه ظالمیها و ظالمی بعلها و بنیها فلقد أوغلوا فی العداوة و الطغیان ، و بالغوا فی التعدیة و العدوان ، و شمّروا فی استیصال أهل البیت الشّریف بالفعل و اللّسان ، و أبانوا عن دناءة أصلهم بقبح فعلهم و فعل الأعوان ، و ركبوا مركبا وعرا أجابوا فیه دعوة ولیّهم الشّیطان .

فلیتهم أخزاهم اللّه إذ لم یكفّوا عن غصب فدك و الخلافة ، كفّوا عن إحراق باب بیت العصمة و الطهارة ، و لیتهم قنعوا بتلبیب سیّد الأولیاء ، و أمسكوا عن ضرب السّوط و اسقاط جنین سیّدة النساء .

نعم نسبهم الخبیث و أصلهم الدنىّ قد نفى عنهم الغیرة و المروّة و أقامهم على

-----------
( 1 ) قوله ( ع ) : و أنى ، اسم استفهام خبره محذوف أى كیف سبیل إلى طول الحیاة و منزل عطف على ألوان ، و المعرج محل الاقامة ، و شطت الدار و نزحت بعدت و الباء للتعدیة و التضریب مبالغة فى الضرب ، و البین الفراق أى أضرب المثل الذى قاله القائل فى یوم الفراق الذى هو رحیل ، و المثل قوله : لكلّ اجتماع ، و فاطم مرخم فاطمة ،

و البدیل البدل ، و دخیل الرجل الذى یداخل فى اموره و یختصّ به ، لا یواتیه اى لا یوافقه و الغلیل العطش « منه » .

[ 31 ]

دعوى الجاهلیّة لأنّ الاناء ینضح بما فیه ، و الولد سرّ أبیه .

روى فی البحار من تفسیر العیّاشی عن أبی بصیر قال : یؤتی بجهنم لها سبعة أبواب : الأوّل للظالم و هو زریق ، و بابها الثّانی لحبتر ، و الباب الثالث للثالث و الباب الرّابع لمعاویة ، و الباب الخامس لعبد الملك ، و الباب السّادس لعسكر بن هوسر ، و الباب السابع لأبی سلامة ، فهم أبواب لمن اتّبعهم .

قال المحدّث العلامة المجلسى : عسكر اسم جمل عایشة فیكون كنایة عن عایشة و صاحبیها ، و یحتمل كنایة عن بعض ولاة بنی امیّة كأبی سلامة ، و یحتمل أن یكون أبو سلامة كنایة عن أبی مسلم إشارة إلى من سلّطهم من بنی العبّاس .

و من العیّاشی عن أبی بصیر ، عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّه إذا كان یوم القیامة یؤتی بابلیس فی سبعین غلا و سبعین كبلا 1 ، فینظر الأوّل إلى زفر فی عشرین و مأة كبل و عشرین و مأة غلّ فینظر إبلیس فیقول : من هذا الذى أضعفه اللّه العذاب و أنا أغویت هذا و الخلق جمیعا ؟ فیقال : هذا زفر ، فیقول : بما جدّد له هذا العذب ؟ فیقال : ببغیه على علیّ علیه السّلام فیقول له إبلیس : ویل لك و ثبور لك أما علمت أنّ اللّه أمرنی بالسجود لآدم فعصیته و سألته أن یجعل لی سلطانا على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أهل بیته علیهم السّلام و شیعته فلم یجبنی إلى ذلك ، و قال إنّ عبادى لیس لك علیهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوین و ما عرفتهم حین استثناهم إذ قلت و لا تجد أكثرهم شاكرین فمنیت به نفسك غرورا .

فیوقف بین یدى الخلایق فیقال له : ما الذى كان منك إلى علیّ و إلى الخلق الذین اتّبعوك على الخلاف ؟ فیقول الشّیطان و هو زفر لابلیس : أنت أمرتنی بذلك فیقول له إبلیس : فلم عصیت ربّك و أطعتنی ؟ فیردّ علیه زفر ما قال اللّه انّ اللّه وعدكم وعد الحقّ و وعدتكم فاخلفتكم و ما كان لى علیكم من سلطان إلى آخر الآیة .

قال العلاّمة المجلسیّ « قد » : قوله علیه السّلام : فیردّ زفر علیه ظاهر السیاق أن یكون قوله : انّ اللّه وعدكم ، كلام إبلیس فیكون كلام زفر ما ذكر

-----------
( 1 ) الكبل القید الضخم یقال كبلت الاسیر و كبلته اذا قیدته فهو مكبول و مكبل ، الصحاح

[ 32 ]

قبل تلك الآیة من قوله انّا كنّا لكم تبعا و ترك اختصارا .

و من كتاب سلیم بن قیس الهلالی عن أبان بن أبی عیّاش عن سلیم قال :

سمعت سلمان الفارسی یقول : إذا كان یوم القیامة یؤتی إبلیس مزموما بزمام من نار و یؤتی بزفر مزموما بزمامین من نار ، فینطلق إلیه إبلیس فیصرخ و یقول : ثكلتك امّك من أنت أنا الذى فتنت الأوّلین و الآخرین و أنا مزموم بزمام واحد و أنت مزموم بزمامین ، فیقول : أنا الذى امرت فاطعت و أمر اللّه فعصى .

و فى عقاب الأعمال عن حنان بن سدیر قال : حدثنی رجل من أصحاب أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمعته یقول : إنّ أشدّ النّاس عذابا یوم القیامة لسبعة نفر :

أوّلهم ابن آدم الذى قتل أخاه ، و نمرود الذى حاجّ إبراهیم فی ربّه ، و اثنان فی بنی إسرائیل هوّدا قومهما و نصّراهما ، و فرعون الذى قال : أنا ربّكم الأعلى ، و اثنان من هذه الامّة أحدهما شرّهما فی تابوت من قواریر تحت الفلق فی بحار من نار .

و فیه عن أبی الجارود قال : قلت لأبی جعفر علیه السّلام « أخبرنى ظ » بأوّل من یدخل النّار قال : إبلیس ، و رجل عن یمینه ، و رجل عن یساره .

و فیه عن إسحاق بن عمّار الصّیرفی عن أبی الحسن الماضی علیه السّلام قال : قلت جعلت فداك حدّثنی فیهما بحدیث فقد سمعت عن أبیك فیهما أحادیث عدّة ، قال فقال لی : یا إسحاق الأوّل بمنزلة العجل ، و الثّانی بمنزلة السّامری .

قال : قلت : جعلت فداك زدنی فیهما ، قال : هما و اللّه هوّدا و نصّرا و مجّسا فلا غفر اللّه ذلك لهما .

قال : قلت : جعلت فداك زدنی فیهما ، قال ، ثلاثة لا ینظر اللّه إلیهم و لا یزكّیهم و لهم عذاب ألیم ، قال : قلت : جعلت فداك فمن هم ؟ قال رجل ادّعى إماما من غیر اللّه ، و آخر طغى فی إمام من اللّه ، و آخر زعم أنّ لهما نصیبا فی الاسلام .

قال : قلت : جعلت فداك زدنی فیهما ، قال : ما ابالی یا إسحاق محوت المحكم من كتاب ، أو جحدت محمّدا النّبوة ، أو زعمت أن لیس فی السّماء إلها ، أو

[ 33 ]

تقدّمت على علیّ بن أبیطالب علیه السّلام .

قال : قلت : جعلت فداك زدنی ، قال علیه السّلام : إنّ فی النّار لوادیا یقال له :

محیط لو طلع منها شرارة لأحرق من على وجه الأرض و إنّ أهل النّار یتعوّذون أهل ذلك الوادی من حرّ ذلك الجبل و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله ، و انّ فی ذلك الجبل لشعبا یتعوّذ جمیع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشّعب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله ، و إنّ فی ذلك الشّعب لقلیبا یتعوّذ « أهل ظ » ذلك الشّعب من حرّ ذلك القلیب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله ، و إنّ فی ذلك القلیب لحیّة یتعوّذ جمیع أهل ذلك القلیب من خبث تلك الحیّة و نتنها و قذرها و ما أعدّ اللّه عزّ و جلّ فی أنیابها من السمّ لأهلها ، و إنّ فی جوف تلك الحیّة لسبع صنادیق فیها خمسة من الامم السّالفة و اثنان من هذه الامّة .

قال : قلت : جعلت فداك و من الخمسة ؟ و من الاثنان ؟ قال : أمّا الخمسة فقابیل الّذی قتل هابیل ، و نمرود الّذى حاجّ إبراهیم فی ربّه قال أنا احیى و امیت و فرعون الذى قال أنا ربّكم الأعلى ، و یهود الذى هوّد الیهود ، و یولس الّذى نصّر النّصارى ، و من هذه الامة الأعرابیان .

أقول : الأعرابیان أبو بكر و عمر عبّر عنهما بذلك إشارة إلى كفرهما كما قال تعالى : الأعراب أشدّ كفرا و نفاقا .

و فیه عن أبی خدیجة عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : یؤتی یوم القیامة بابلیس مع مضلّ هذه الامّة فی زمامین غلظهما مثل جبل أحد ، فیسحبان على وجوههما فیسدّ بهما باب من أبواب النّار .

و فیه عن شریك یرفعه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إذا كان یوم القیامة جائت فاطمة فی لمة 1 من نسائها فیقال لها : ادخلى الجنّة ، فتقول : لا أدخل حتّى أعلم ما صنع بولدى من بعدى ، فیقال لها : انظرى فی قلب القیامة ، فتنظر إلى الحسین علیه السّلام قائما و لیس علیه رأس فتصرخ صرخة و أصرخ لصراخها و تصرخ الملائكة

-----------
( 1 ) لمة بضم اللام و فتح المیم المخففة الجماعة ( منه )

[ 34 ]

لصراخنا ، فیغضب اللّه لنا عند ذلك فیأمر نارا یقال لها هبهب قد أوقد علیها ألف عام حتّى اسودّت لا یدخلها روح أبدا و لا یخرج منها غمّ أبدا ، فیقال لها : التقطى قتلة الحسین و حملة القرآن 1 ، فتلقطهم فاذا صاروا فی حوصلتها صهلت و صهلوا بها و شهقت و شهقوا بها و زفرت و زفروا بها ، فینطقون بألسنة زلقة طلقة : یا ربّنا بما أوجبت النّار لنا قبل عبدة الأوثان ؟ فیأتیهم الجواب عن اللّه عزّ و جلّ إنّ من علم لیس كمن لا یعلم .

و فیه عن محمّد بن سنان عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذا كان یوم القیامة نصب لفاطمة قبّة من نور و أقبل الحسین علیه السّلام رأسه على یده ، فاذا رأته شهقت شهقة لا یبقى فى الجمع ملك مقرّب و لا نبىّ مرسل و لا عبد مؤمن إلاّ بكى لها ، فیمثل اللّه عزّ و جلّ رجلا لها فی أحسن صورة و هو یخاصم قتلته بلا رأس ، فیجمع اللّه قتلته و المجهّزین علیه و من شرك فی قتله فیقتلهم حتّى اتى على آخرهم ، ثمّ ینشرون فیقتلهم أمیر المؤمنین علیه السّلام ، ثمّ ینشرون فیقتلهم الحسن علیه السّلام ، ثمّ ینشرون فیقتلهم الحسین علیه السّلام ، ثمّ ینشرون فلا یبقى من ذرّیتنا أحد إلاّ فیقتلهم قتلة ، فعند ذلك یكشف اللّه الغیظ و ینسى الحزن ، ثمّ قال أبو عبد اللّه علیه السّلام رحم اللّه شیعتنا ،

شیعتنا و اللّه هم المؤمنون فقد و اللّه شركونا فی المصیبة بطول الحزن و الحسرة .

و فى البحار من مجالس الشیخ عن أبان بن عثمان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

إذا كان یوم القیامة جمع اللّه الأوّلین و الآخرین فی صعید واحد فینادى مناد :

غضّوا أبصاركم و نكسّوا رؤوسكم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الصّراط .

قال : فتغضّ الخلایق أبصارهم فتأتی فاطمة سلام اللّه علیها على نجیب من نجب الجنّة یشیّعها سبعون ألف ملك ، فتقف موقفا شریفا من مواقف القیامة ، ثمّ تنزل من نجیبها فتأخذ قمیص الحسین بن علیّ علیهما الصّلاة و السّلام بیدها مضمخا بدمه ، و تقول : یا ربّ هذا قمیص ولدی الحسین و قد علمت ما صنع به ، فیأتیها النّداء من قبل اللّه عزّ و جلّ : یا فاطمة لك عندی الرّضا ، فتقول : یا ربّ انتصر لی

-----------
( 1 ) المراد بحملة القرآن الذین ضیّعوه و حرقوه ( منه ) أقول تفسیر حملة القرآن على الذین ضیوه و حرقوه عجیب بل الظاهر أن المراد : التقطى قتله الحسین و قتله حملة القرآن . المصحح .

[ 35 ]

عن قاتله ، فیأمر اللّه تعالى عنقا من النار فتخرج من جهنّم ، فتلتقط قتلة الحسین بن علیّ صلوات اللّه و سلامه علیهما كما یلتقط الطّیر الحبّ ، ثمّ یعود العنق بهم إلى النّار ، فیعذّبون فیها بأنواع العذاب .

ثمّ تركب فاطمة سلام اللّه علیها نجیبها حتّى تدخل الجنّة و معها الملائكة المشیّعون لها و ذرّیتها بین یدیها و أولیاؤهم من النّاس عن یمینها و شمالها .

أقول : و لقد أجاد من قال مضمنا لمضمون هذه الأخبار :

كأنّنی بالبتول الطّهر واقفة
فی الحشر تشكو إلى الرّحمن باریها

تأتی و قد ضمخت ثوب الحسین دما
فیض النحور البحارى ویل مجریها

تدعو ألا أین مسمومی و یا أسفا
على ذبیحى و اسرى من ذراریها

تقول و احزنی بل آه وا حسنی
هذا حسینی قتیل فی فیا فیها

هذا حسینی رضیض الجسم منجدلا
تسفى على جسمه العارى سوا فیها

آه على جثث بالطف قد قطعت
رؤوسها و هجیر السّیف یصلیها

آه على جثث فیها القنى لعبت
و اركضت ماضیات فی تراقیها

یا فتیة ذبحت فی كربلا و ثوت
على الوجوه عرایا فى صحاریها

بنتم فبان لكم سلوان فاطمة
و لا عج الوجد بالوجدان یشجیها

ألا لعنة اللّه على القوم الظالمین ، و سیعلم الذین ظلموا آل محمّد صلى اللّه علیه و علیهم حقّهم أىّ منقلب ینقلبون .

تكملة

قد أشرنا إلى أنّ هذا الكلام مروىّ فی عدّة من اصول معتمدة على اختلاف و زیادة أحببت روایة ما فیها على مجرى عادتنا فأقول :

روى ثقة الاسلام محمّد بن یعقوب الكلینی عن أحمد بن مهران و عن أحمد بن إدریس عن محمّد بن عبد الجبّار الشّیبانی قال : حدّثنی القاسم بن محمّد الرّازى قال :

حدّثنی علیّ بن محمّد الهرمزانی عن أبی عبد اللّه الحسین بن علیّ علیهما السّلام قال :

لمّا قبضت فاطمة سلام اللّه علیها دفنها أمیر المؤمنین علیه السّلام سرّا و عفى على موضع

[ 36 ]

قبر ها ثمّ قام فحوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال :

السّلام علیك یا رسول اللّه عنّی و السلام علیك عن ابنتك و زایرتك و البائتة فی الثّرى ببقعتك ، و المختار اللّه لها سرعة اللّحاق بك ، قلّ یا رسول اللّه عن صفیّتك صبرى ، و عفی عن سیّدة نساء العالمین تجلّدى ، إلاّ أنّ فی التّأسّی لی بسنّتك فی فرقتك موضع تعزّ فلقد وسّدتك فی ملحودة قبرك ، و فاضت نفسك بین نحرى و صدرى ، بلى و فی كتاب اللّه لی انعم القبول إنّا للّه و إنّا الیه راجعون ، قد استرجعت الودیعة و اخذت الرّهینة ، و اخلست « اختلست » الزّهراء ، فما أقبح الخضراء و الغبراء یا رسول اللّه أمّا حزنى فسرمد و أمّا لیلى فمسهّد ، و همّ لا یبرح من قلبى أو یختار اللّه لى دارك الّتى أنت فیها مقیم ، كمد مقیّح ، و همّ مهیّج ، سرعان ما فرق بیننا ، و الى اللّه أشكو ، و ستنبئك ابنتك بتظافر امّتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، و استخبرها الحال ، فكم من غلیل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبیلا و ستقول و یحكم اللّه و هو خیر الحاكمین سلام مودّع لا قال و لا سئم فان أنصرف فلا عن ملالة ، و ان اقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصابرین واه واها و الصبر أیمن و أجمل ، و لو لا غلبة المستولین لجعلت المقام و اللّبث لزاما معكوفا ، و لأعولت إعوال الثكلى على جلیل الرّزیة ، فبعین اللّه تدفن ابنتك سرّا و تهضم حقّها و تمنع إرثها ، و لم یتباعد العهد و لم یخلق منك الذكر ، و إلى اللّه یا رسول اللّه المشتكى ،

و فیك یا رسول اللّه أحسن العزاء ، صلّى اللّه علیك ، و علیها السلام و الرّضوان .

بیان

« العفو » المحو و الانمحاء و « المختار اللّه » من إضافة الصفة إلى فاعلها و « سرعة اللّحاق » مفعوله أى التى اختار اللّه لها سرعة لحاقها بك .

قوله « و فى كتاب اللّه لى أنعم القبول » أى فیه ما یصیر سببا لقبول المصائب أحسن القبول و أطیبه و « أخلسته » و اختلسته استلبته ، و الخلسة ما یؤخذ سلبا و مكابرة .

قوله « و كمد مقیّح » الكمد محرّكة و بالفتح الحزن الشّدید و مرض القلب

[ 37 ]

و المقیّح بتشدید الیاء من القیح أى حزنی حزن شدید یورث فی القلب قیحا و « سرعان » اسم فعل مبنیّ على الفتح بمعنى سرع و قرب مع تعجّب أى ما أسرع ما فرق و « ما » كنایة عن الموت و « ستنبئك » من باب الافعال و التّفعیل من النبأ و هو الخبر و « الغلیل » حرارة الجوف و « اعتلجت » الأمواج التطمت .

و قوله « سلام مودّع » منصوب على المصدر محذوف العامل مطردا و قوله « واه واها » و فی بعض النّسخ واها واها یقال : واها لك و یترك تنوینه كلمة تعجّب من طیب شی‏ء و كلمة ملهف و التكریر للتّأكید كما قال الشّاعر :

واها لریّا ثمّ واها واها
هى المنا لو أنّنا نلناها

و « معكوفا » أى محبوسا و « العویل » رفع الصّوت بالبكاء و الصّیاح و قوله « فبعین اللّه » آه أى تدفن ابنتك سرّا بحفظ اللّه أو بحضوره و شهوده « و لم یخلق » من الخلق و هو البالی أى لم یبل و لم یندرس ذكرك و قوله « و فیك » أى فی اطاعة أمرك « أحسن العزاء » و فى البحار من المجالس و أمالی المفید عن الصّدوق عن أبیه عن أحمد ابن إدریس عن محمّد بن عبد الجبّار عن القاسم بن محمّد الرّازی عن علیّ بن محمّد الهروی عن علیّ بن الحسین عن أبیه الحسین علیه السّلام قال :

لمّا مرضت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وصّت إلى علیّ بن أبی طالب أن یكتم أمرها و یخفى خبرها و لا یؤذن أحدا بمرضها ، ففعل ذلك و كان یمرّضها بنفسه و تعینه على ذلك أسماء بنت عمیس على استسرار بذلك كما وصّت به .

فلمّا حضرتها الوفاة وصّت أمیر المؤمنین علیه السّلام أن یتولّی أمرها و یدفنها لیلا و یعفى قبرها . فتولّى ذلك أمیر المؤمنین علیه السّلام و دفنها و عفى موضع قبرها ، فلما نفض یده من تراب القبر هاج به الحزن فأرسل دموعه على خدّیه و حوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال :

السلام علیك یا رسول اللّه ، السلام علیك من ابنتك و حبیبتك و قرّة عینك و زائرتك و البائتة فی الثرى ببقیعك ، المختار اللّه لها سرعة اللحاق بك ، قلّ یا

[ 38 ]

رسول اللّه عن صفیّتك صبرى ، و ضعف عن سیدة النساء تجلّدی ، إلاّ أنّ فی التأسّی لی بسنتك و الحزن الذی حلّ بی لفراقك موضع التعزّى ، و لقد وسّدتك فی ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدرى ، و غمضتك بیدی ، و تولّیت أمرك بنفسی نعم و فی كتاب اللّه أنعم القبول إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ، قد استرجعت الودیعة ،

و أخذت الرّهینة ، و اختلست الزّهراء ، فما أقبح الخضراء و الغبراء یا رسول اللّه أما حزنی فسرمد ، و أما لیلی فمسهّد ، لا یبرح الحزن من قلبی أو یختار اللّه لی دارك التی فیها أنت مقیم ، كمد مقیّح ، و حزن مهیّج ، سرعان ما فرّق اللّه بیننا ، و إلى اللّه أشكو ، و ستنبئك ابنتك بتظاهر امتك علیّ و على هضمها حقّها فاستخبرها الحال فكم من غلیل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبیلا ، و ستقول و یحكم اللّه و هو خیر الحاكمین ، سلام علیك یا رسول اللّه سلام مودّع ، لا سام و لا قال ، فان أنصرف فلا عن ملالة و إن اقم فلا عن سوء ظنی بما وعد اللّه الصابرین ، الصبر أیمن و أجمل و لو لا غلبة المستولین علینا لجعلت المقام عند قبرك لزاما ، و التلبّث عنده معكوفا و لأعولت إعوال الثكلى على جلیل الرّزیة ، فبعین اللّه تدفن بنتك سرّا ، و یهتضم حقها قهرا و یمنع إرثها جهرا و لم یطل العهد و لم یخلق منك الذكر ، فالى اللّه یا رسول اللّه المشتكى ، و فیك أجمل العزاء فصلوات اللّه علیها و علیك و رحمة اللّه و بركاته .

و رواه فى كشف الغمة مثل ما رواه السیّد فى المتن إلى قوله : بما وعد اللّه الصابرین ، ثمّ قال : و فى روایة اخرى زیادة على قول علیّ علیه السّلام عند موتها :

أمّا حزنى فسرمد ، و أمّا لیلى فمسهّد ، و لا نبرح أو یختار اللّه لى دارك التى أنت فیها مقیم ، سرعان ما فرّق بیننا ، و إلى اللّه أشكو ، و ستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها حقّها ، فأحفها السؤال ، و استخبرها الحال ، فكم من غلیل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبیلا ، فستقول و یحكم اللّه و هو خیر الحاكمین ، و السلام علیكما سلام مودّع ، لا قال و لا سئم ، فان أنصرف فلا عن ملالة ، و إن اقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصابرین ، فالصبر أیمن و أجمل ، فبعین اللّه تدفن ابنتك صبرا ، و تهتضم

[ 39 ]

حقّها ، و تمنع إرثها ، و لم یبعد العهد ، فالى اللّه المشتكى یا رسول اللّه و فیك یا رسول اللّه أحسن العزاء صلوات اللّه علیك و علیها معك .

الترجمة

از جمله كلام آن امام است كه روایت كرده‏اند از او كه گفته این كلام را در وقت دفن كردن حضرت سیّده زنان فاطمه زهرا سلام اللّه علیها گویا مناجات مى‏نمود با این كلام با حضرت رسالتمآب صلوات اللّه علیه و آله و عرض مى‏نمود :

السّلام علیك یا رسول اللّه سلام باد بر تو أى پیغمبر خدا أز طرف من و از طرف دخترت كه نازل شد در همسایگی تو ، و زود لاحق شد بتو ، كم شد یا رسول اللّه از دختر پسندیده تو صبر من ، و ضعیف شد از فراق او تحمّل و قوّت من ، لكن مراست در پیروى نمودن جدائى بزرگ تو و مصیبت سنگین تو محلّ تسلی ، پس بتحقیق خواباندم ترا در قبر لحد دار تو ، و سیلان نمود میان گلو و سینه من روح تو .

و إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ، پس بتحقیق كه باز یافت شد أمانت ، و پس گرفته شد گرو كنایه است از حضرت فاطمه كه بمنزله أمانت و رهن بود در نزد شوهرش .

أمّا حزن و أندوه من پس همیشگى است ، و أمّا شب من پس بی‏خوابیست تا آنكه اختیار نماید خداى تعالى از براى من خانه را كه تو در آنجا اقامت كرده و بزودى خبر مى‏دهد ترا دختر تو باجتماع امّت ستمكار تو بر ظلم و ستم آن مظلومه پس درست سؤال كن از آن ، و بپرس از آن حال من و او را .

بود این ظلم ظالمان در حالتى كه عهد ایشان با تو طول نیافته بود ، و ذكر خیر تو از زبان خلق نرفته بود ، و سلام باد بر تو یا رسول اللّه و بر دختر تو ، مانند سلام وداع كننده مهربان كه صاحب خشم و ملال نباشد أز صحبت شما ، پس اگر مراجعت نمایم از نزد شما نه از جهت ملالست ، و اگر اقامت كنم در نزد قبر شمانه از جهت سوء ظنّ و بدگمانیست بآنچه كه وعده فرموده است خداوند تبارك و تعالى در حق صبر كنندگان .