[ 205 ] و من كلام له ع كلم به طلحة و الزبیر بعد بیعته بالخلافة و قد عتبا علیه من ترك مشورتهما و الاستعانة فی الأمور بهما

لَقَدْ نَقَمْتُمَا یَسِیراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِیراً أَ لاَ تُخْبِرَانِی أَیُّ شَیْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِیهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ أَمْ أَیُّ قَسْمٍ اِسْتَأْثَرْتُ عَلَیْكُمَا بِهِ أَمْ أَیُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَیَّ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِینَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ وَ اَللَّهِ مَا كَانَتْ لِی فِی اَلْخِلاَفَةِ رَغْبَةٌ وَ لاَ فِی اَلْوِلاَیَةِ إِرْبَةٌ وَ لَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِی إِلَیْهَا وَ حَمَلْتُمُونِی عَلَیْهَا فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَیَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ وَ مَا اِسْتَنَّ اَلنَّبِیُّ ص فَاقْتَدَیْتُهُ فَلَمْ أَحْتَجْ فِی ذَلِكَ إِلَى رَأْیِكُمَا وَ لاَ رَأْیِ غَیْرِكُمَا وَ لاَ وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِیرَكُمَا وَ إِخْوَانِی مِنَ اَلْمُسْلِمِینَ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَ لاَ عَنْ غَیْرِكُمَا وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ اَلْأُسْوَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِیهِ بِرَأْیِی وَ لاَ وَلِیتُهُ هَوًى مِنِّی بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اَللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَیْكُمَا فِیمَا قَدْ فَرَغَ اَللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ وَ أَمْضَى فِیهِ حُكْمَهُ فَلَیْسَ لَكُمَا وَ اَللَّهِ عِنْدِی وَ لاَ لِغَیْرِكُمَا فِی هَذَا عُتْبَى أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاكُمُ اَلصَّبْرَ ثم قال ع رَحِمَ اَللَّهُ رَجُلاً رَأَى حَقّاً فَأَعَانَ عَلَیْهِ أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ وَ كَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الرابع من المختار فى باب الخطب

و رواه الشارح المعتزلی فی شرح المختار الحادى و التّسعین من كتاب نقض كتاب العثمانیة لأبی جعفر الاسكافی باختلاف كثیر تعرفه إن شاء اللّه .

قال السید : كلّم به طلحة و الزّبیر بعد بیعته بالخلافة و قد عتبا علیه من ترك مشورتهما و الاستعانة فی الامور بهما .

لقد نقمتما یسیرا ، و أرجأتما كثیرا ، ألا تخبرانی أیّ شی‏ء لكما

[ 57 ]

فیه حقّ دفعتكما عنه ، و أیّ قسم استأثرت علیكما به ، أم أیّ حقّ رفعه إلیّ أحد من المسلمین ضعفت عنه ، أمّ جهلته أم أخطأت بابه ،

و اللّه ما كانت لی فی الخلافة رغبة ، و لا فی الولایة إربة ، و لكنّكم دعوتمونی إلیها ، و حملتمونی علیها ، فلمّا أفضت إلیّ نظرت إلى كتاب اللّه و ما وضع لنا و أمرنا بالحكم به فاتّبعته ، و ما استسنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاقتدیته ، فلم أحتج فی ذلك إلى رأیكما ، و لا رأی غیركما ، و لا وقع حكم جهلته فأستشیركما و إخوانی من المسلمین ،

و لو كان ذلك لم أرغب عنكما و لا عن غیركما .

و أمّا ما ذكرتما من أمر الاسوة فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فیه برأیی ، و لا ولّیته هوى منّی ، بل وجدت أنا و أنتما ما جآء به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد فرغ منه ، فلم أحتج إلیكما فیما قد فرغ اللّه من قسمه ،

و أمضى فیه حكمه ، فلیس لكما و اللّه عندی و لا لغیركما فی هذا عتبى ، أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ، و ألهمنا و إیّاكم الصّبر .

ثمّ قال علیه السّلام : رحم اللّه رجلا رأى حقّا فأعان علیه ، أو رأى جورا فردّه ، و كان عونا بالحقّ على صاحبه .

اللغة

( نقمت ) علیه أمره و نقمت منه نقما من باب ضرب و نقمت أنقم من باب

[ 58 ]

تعب لغة إذا عبته و كرهته أشدّ الكراهة بسوء فعله و اللغة الأولى هی الفصیحة و بهما قرء قوله تعالى و ما تنقم منّا أى و ما تطعن فینا و تقدح ، و قیل : لیس لنا عندك ذنب و لا ركبنا مكروها و ( أرجأته ) بالهمزة أخّرته ( و قسمته ) قسما من باب ضرب فرزته أجزاء فانقسم و القسم بالكسر اسم منه ، ثمّ اطلق على الحصّة و النّصیب فیقال : هذا قسمى و الجمع أقسام مثل حمل و أحمال .

و ( استاثر ) بالشی‏ء استبدّ به أى انفرد به من غیر مشارك له فیه و ( حمله ) على الأمر یحمله فانحمل أغراه به و ( الاسوة ) بالضمّ و الكسر القدوة ( و لا ولیّته هوى منّى ) فی أكثر النسخ بتشدید اللاّم یقال ولّیته تولیة أى جعلته والیا ، و فی بعضها بالتّخفیف و هو الأظهر من ولیه إذا قام به و منه ولىّ الصغیر أى القائم بأمره و ( عتب ) علیه عتبا من باب ضرب و قتل لامه فی تسخّط ، و أعتبنى الهمزة للسلب أى أزال الشكوى و العتاب ، و العتبى وزان فعلى اسم من الاعتاب .

الاعراب

قوله : بعد بیعته بالخلافة من إضافة المصدر إلى المفعول ، و یسیرا و كثیرا منصوبان على المفعول به ، و قوله : ألا تخبرانى أىّ شی‏ء لكما فیه حقّ دفعتكما عنه أىّ اسم استفهام مرفوع على الابتداء و جملة دفعتكما عنه خبره ، و جملة لكما فیه حقّ صفة لشی‏ء ، و لكما ظرف لغو متعلّق بحقّ ، و فیه ظرف مستقرّ متعلّق بمقدّر خبر مقدّم ، و حقّ مبتدء و یحتمل أن یجعل الأوّل ظرف مستقرّ و الثانى ظرف لغو ، و جملة أىّ شی‏ء اه منصوبة المحلّ مفعول لتخبرانی اه .

و قوله : أم أىّ قسم فی بعض النسخ أو بدل أم و كذلك فی قوله أم جهلته و قوله : و لاولیّته هوى منّى ، على روایة ولیّته بالتشدید یكون هوى مفعولا به أى لم أجعل هواى والیا فی هذا الأمر . و على روایة التخفیف فهو مفعول له أى ما قمت به لأجل هوى نفسى ، و جملة قد فرغ منه بالبناء على الفاعل حال من رسول اللّه ،

و فی بعض النسخ بالبناء على المفعول فتكون حالا من ما جاء به ، و الفاء فى قوله :

فلیس فصیحة ، و جملة رحم اللّه رجلا اه ، دعائیّة لا محلّ لها من الاعراب .

[ 59 ]

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام حسبما أشار إلیه الرّضیّ رضی اللّه عنه : ( كلّم به طلحة و الزّبیر بعد بیعتهما له بالخلافة و قد عتبا من ترك مشورتهما و الاستعانة فی الامور بهما ) و من ترك تفضیلهما فی العطاء على غیرهما .

قال الشّارح المعتزلی إنّهما قالا : ما نراه یستشیرنا فی أمر و لا یفاوضنا فی رأى و یقطع الأمر دوننا و كانا یرجوان غیر ذلك ، و أراد طلحة أن یولیّه البصرة و أراد الزّبیر أن یولیّه الكوفة .

فلمّا شاهدا صلابته فی الدّین و قوّته فی العزم ، و هجره الادهان و المراقبة و رفضه المدالسة و المواریة ، و سلوكه فی جمیع مسالكه منهج الكتاب و السّنّة ، و قد كانا یعلمان ذلك قدیما من طبعه و سجیّته ، و كان عمر قال لهما و لغیرهما : إنّ الأجلح أى الأنزع إن ولیها لیحملنّكم على المحجّة البیضاء و الصراط المستقیم ، و كان النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال من قبل : و إن تولّوها علیّا تجدوه هادیا مهدّیا ، إلاّ انّه لیس الخبر كالعیان ، و لا القول كالفعل ، و لا الوعد كالانجاز حالا 1 عنه و تنكّرا له ، و وقعا فیه ، و عاباه تطلّبا له العلل و التأویلات ، و تنقما علیه الاستبداد و ترك المشاورة ، و انتقلا من ذلك إلى الوقیعة فیه بمساوات الناس فی قسمة الأموال ، و أثنیا على عمر و حمدا سیرته و صوّبا رأیه ، و قالا : إنّه كان یفضّل أهل السوابق ، و ضلّلا علیّا فیما رآه و قالا : إنّه أخطاء ، و إنّه خالف سیرة عمر ، و استنجدا علیه بالرّؤساء من المسلمین كان عمر یفضّلهم فی القسم على غیرهم .

و الناس أبناء الدّنیا و یحبّون المال حبّا جمّا فتنكّرت على أمیر المؤمنین بتنكّرهما قلوب كثیرة .

و كان عمر منع قریشا و المهاجرین و ذوى السوابق من الخروج من المدینة و نهاهم عن مخالطة الناس ، و نهى الناس عن مخالطتهم و رأى أنّ ذلك اسّ

-----------
( 1 ) حالا عنه أى تغیّرا من الاستواء الى العوج ، منه .

[ 60 ]

الفساد فی الأرض ، و أنّ الفتوح و الغنایم قد أبطرت المسلمین ، و متى بعد الرؤوس و الكبراء منهم عن دار الهجرة و انفردوا بأنفسهم و خالطهم الناس فی البلاد البعیدة لم یؤمن أن یحسنوا لهم الوثوب و طلب الامارة و مفارقة الجماعة و حلّ نظام الالفة و لكنّه نقض هذا الرّاى السّدید بما فعله بعد طعن أبی لؤلؤة له من الشّورى فانّ ذلك كان سبب كلّ فتنة وقع و یقع إلى أن تنقضى الدّنیا .

قال : و قد قدّمنا ذكّر ذلك و شرحنا ما أدّى إلیه أمر الشورى من الفساد بما حصل فی نفس كلّ من الستة من ترشیحه للخلافة إلى أن قال : إنّ طلحة و الزبیر لما آیسا من جهة علیّ علیه السّلام و من حصول الدّنیا من قبله قلبا له ظهر المجنّ ، فكاشفاه و عاتباه قبل المفارقة عتابا لاذعا 1 قال : روى أبو عثمان الجاحظ قال :

أرسل طلحة و الزّبیر إلى علیّ علیه السّلام قبل خروجهما إلى مكّة محمّد بن طلحة و قالا :

لا تقل له یا أمیر المؤمنین و لكن قل له : یا أبا الحسن لقد فال « أى اخطأ » فیك رأینا و خاب ظننا أصلحنا لك الأمر و وطدنا لك الامرة و أجلبنا على عثمان حتّى قتل فلما طلبك الناس لأمرهم أسرعنا إلیك و بایعناك و قدنا إلیك أعناق العرب و وطأ المهاجرون و الأنصار أعقابنا فی بیعتك حتّى إذا ملكت عنانك استبددت برأیك عنّا و رفضتنا رفض التّریكة 2 و أذلتنا إذالة الاماء 3 و ملكت أمرك الاشتر و حكیم بن جبلة و غیرهما من الأعراب فلما جاء محمّد بن طلحة أبلغه ذاك فقال : اذهب إلیهما فقل لهما فما الذى یرضیكما ؟

فذهب و جاء و قال : إنّهما یقولان ولّ أحدنا البصرة و آخرنا الكوفة .

فقال : لا هاء اللّه إذا یحلم 4 الأدیم ، و یستشرى الفساد ، و تنتقض علیّ

-----------
( 1 ) لذع النار الشى‏ء لفحه ، منه .

-----------
( 2 ) التریكة كسفینة امرأة تترك لا تتزوّج ، منه .

-----------
( 3 ) اى أهنتا إهانة الاماء یقال أذلته أهنته و لم أحسن القیام علیه ، منه .

-----------
( 4 ) حلم الجلد من باب فرح وقع منه الحلم و هى دودة تقع فى الجلد فتأكله ، منه .

[ 61 ]

البلاد من أقطارها ، و اللّه انّى لا آمنهما و هما عندى بالمدینة فكیف آمنهما و قد ولّیتهما العراقین اذهب إلیهما فقل أیّها الشیخان احذرا من اللّه و نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على امّته و لا تبغى 1 المسلمین غایلة و كیدا و قد سمعتما قول اللّه تعالى تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذین لا یریدون علوّا فی الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقین .

فقام محمّد بن طلحة فأتا إلیهما و لم یعدا له و تأخّرا عنه أیّاما ثمّ جاءاه فاستأذنا فی الخروج إلى مكّة للعمرة فأذن لهما بعد أن أحلفهما أن لا ینقضا بیعته و لا یغدرا به و لا یشقّا عصا المسلمین و لا یوقعا الفرقة بینهم و أن یعودا بعد العمرة إلى بیوتهما بالمدینة ، فحلفا على ذلك كلّه ثمّ خرجا ففعلا ما فعلا قال : و روى الطبرى فی التاریخ قال : لمّا بایع الناس علیّا و تمّ الأمر له قال طلحة للزّبیر : ما أرى أنّ لنا من هذا الأمر إلاّ ككشحة أنف الكلب فقد ظهر لك من ذلك و یظهر أیضا ممّا نرویه من الاسكافی أنّ علّة نقم طلحة و الزّبیر منه علیه السّلام إنّما كانت ترك استشارتهما و مداخلتهما فی أمر الخلافة و عدم بذل مأمولهما فى تولیة العراقین و التسویة بینهما و بین غیرهما فی القسم و لمّا نقما علیه بذلك أجاب لهما بقوله :

( لقد نقمتما یسیرا و أرجأتما كثیرا ) أى طعنتما و عتبتما علیّ شیئا یسیرا و هو ترك الاستشارة و أمر التسویة حسبما عرفت مع عدم كونهما مورد طعن و عیب فی الحقیقة و أخرتما شیئا كثیرا من رعایة حقوقی الواجبة و السعی فیما یعود إلى صلاح حال المسلمین و انتظام أمر الدّین و اتّساق حبل الالفة و الجماعة .

و قال الشّارح المعتزلی : أى نقمتما من أحوالى الیسیر ، و تركتما الكثیر الّذى لیس لكما و لا لغیركما فیه طعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما الیسیر الكثیر .

و قال الشّارح البحرانی : یحتمل أن یریدان الّذی أبدیاه و نقماه بعض ممّا فی أنفسهما و قد دلّ ذلك على أنّ فی أنفسهما أشیاء كثیرة وراء ما ذكراه .

أقول : یعنى قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفى صدورهم أكبر ،

-----------
( 1 ) هكذا فى النسخة و الظاهر أنها تصحیف و الصحیح لا تبغیا بصیغة التثنیة ، منه .

[ 62 ]

و الأظهر ما قلناه .

ثمّ استخبر عمّا نقماه و استفهم عن وجوه النّقم المتصوّرة فی المقام استفهاما انكاریا إبطالیّا تنبیها به على بطلان تلك الوجوه جمیعا و على كذب مدّعیها فقال :

( ألا تخبرانی أىّ شی‏ء لكما فیه حقّ ) مالیّ أو غیر مالیّ ( دفعتكما عنه ) و ظلمتكما فیه .

و بطلان هذا الوجه مع كونه معصوما واضح ، و یزیده وضوحا قوله الآتی فی الكلام المأتین و العشرین : و كیف أظلم أحدا لنفس یسرع إلى البلى قفولها و یطول فی الثرى حلولها ، و قوله فیه أیضا . و اللّه لو اعطیت الأقالیم السّبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصی اللّه فی نملة أسلبها جلب شعیرة ما فعلته ، و من هذا حاله كیف یتصوّر فی حقّه الظلم ؟ .

( و أىّ قسم استأثرت علیكما به ) أى أىّ سهم و نصیب أخذت من بیت المال و تفرّدت به و لم اشارككم .

و بطلانه أیضا واضح ممّا مر و یزیده توضیحا ما مرّ فی الكلام المأة و السادس و العشرین من قوله : لو كان المال لى لسوّیت بینهم فكیف و المال مال اللّه ، و ما یأتی فی باب المختار من كتبه فی كتابه إلى عثمان بن حنیف الأنصارى من قوله : و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنیاه بطمریه و من طعمه بقرصیه ، و من هذا شأنه كیف یحیف الغیر و یذهب بحقّه و غیره ؟ و بما ذكرته علم الفرق بین هذا الوجه و الوجه الأوّل ، فانّ الأوّل أعم من الحقّ المالى و غیره ، و هذا مخصوص بالمالی ، و أیضا دفع الحقّ عنهما أعمّ من أن یصیر إلیه أو إلى غیره أو لم یصر إلى أحد بل یبقی فی بیت المال و الاستیثار علیهما به هو أن یأخذ حقّهما لنفسه .

( أم أىّ حقّ رفعه إلىّ أحد من المسلمین ضعفت عنه ) و كنت محتاجا فیه إلى المعاون و المعین .

[ 63 ]

و بطلان هذا الوجه أیضا لا ریب فیه لما قد عرف من بأسه و شجاعته و أنه لو لا سیفه لما قام للاسلام عمود و لا اخضرّ للدّین عود ، و قد قال فی الكلام السّابع و الثلاثین و استبددت برهانها كالجبل لا تحرّكه القواصف و لا تزیله العواصف لم یكن لأحد فیّ مهمز و لا لقائل فیّ مغمز الذّلیل عندى عزیز حتى آخذ الحقّ له ، و القوّى عندى ضعیف حتّى آخذ الحقّ منه ، و قال فی الكلام المأة و السّادسة و الثلاثین : و ایم اللّه لأنصفنّ المظلوم من ظالمه و لأقودنّ الظالم بخزامته حتّى أورده منهل الحقّ و إن كان كارها ( أم جهلته أم أخطأت بابه ) و كنت محتاجا إلى التعلیم و التنبیه و الفرق بین الجهل و الخطاء فی الباب الأوّل أن یكون اللّه سبحانه قد حكم بحرمة شی‏ء مثلا فأحلّه الامام و الثّانى أن یصیب فی الحكم و یخطى‏ء فی طریقه و الاستدلال علیه ، أو أنّ الأوّل أن یجهل الحكم و یتحیّر فیه و لا یدرى كیف یحكم ، و الثانی أن یحكم بخلاف الواقع و على أیّ تقدیر فتوهّم أحد الأمرین فی حقّه علیه السّلام ، مع علمه بما كان و ما یكون و ما هو كائن و كونه أعلم بطرق السّماء من طرق الأرض و كونه باب مدینة العلم و الحكمة و كونه أقضی الامة على ما صدر عن صدر النّبوة و عرفته فی تضاعیف الشّرح غیر مرّة أوضح البطلان و فساده غنّى عن البرهان ، هذا و لما أشار علیه السّلام إلى بطلان وجوه النّقم المتصوّرة إجمالا أراد إبطال ما نقما به علیه تصریحا و هو ترك الاستشارة و أمر الاسوة و أجاب عن النّقم بهما تفصیلا .

و قبل الشروع فی الجواب مهّد مقدّمة لطیفة دفعا بها توهّم كون نهوضه بالخلافة من حبّ الملك و الرّیاسة و محبّة السلطنة و الولایة المقتضیة للمماشاة و المشاورة مع الحاشیة و البطانة كما كان فی المتخلّفین الثلاثة و رفعا بها منّتهما عنه علیه السّلام حیث منّا علیه بأنّا أصلحنا الأمر و وطدنا لك الامرة و بایعناك و قدنا إلیك أعناق العرب على ما مرّ فی روایة أبی عثمان الجاحظ .

و تلك المقدّمة قوله علیه السّلام ( و اللّه ما كانت لى فی الخلافة رغبة و لا فی

[ 64 ]

الولایة اربة ) و حاجة أمّا عدم احتیاجه إلیها فواضح ، و أمّا عدم رغبته فیها فلكراهته لها طبعا و إن كان یحبّها شرعا أو كراهته لها من حیث الملك و السلطنة فلا تنافی رغبته من حیث التّمكن من إعلاء لواء الشرع و إقامة المعروف و إزاحة المنكر أو أنّ عدم الرّغبة حین عدم تحقّق الشرایط .

كما یشعر بذلك قوله علیه السّلام فی الخطبة الثالثة المعروفة بالشّقشقیّة : أما و الذى فلق الحبّة و برء النّسمة لو لا حضور الحاضر و قیام الحجّة بوجود الناصر و ما أخذ اللّه على العلماء ألاّ یقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم لألقیت حبلها على غاربها و لألقیتم دنیاكم هذه أزهد عندى من عفطة عنز .

و یشعر به أیضا قوله علیه السّلام فی الكلام الحادى و التّسعین : دعونى و التمسوا غیرى ،

و مضى هناك أخبار مناسبة للمقام .

( و لكنكم دعوتمونى إلیها ) على رغبة منكم ( و حملتمونى علیها ) على كراهة منّی كما أوضحه علیه السّلام فی المختار المأتین و الخامسة و العشرین حیث قال هناك : و بسطتم یدی فكففتها و مددتموها فقبضتها ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الابل الهیم على حیاضها یوم ورودها حتّى انقطعت النّعل و سقطت الرّداء و وطى‏ء الضّعیف و بلغ من سرور الناس بیعتهم إیّاى أن ابتهج بها الصغیر و هدج إلیها الكبیر .

و لمّا مهّد المقدّمة الشریفة المنبئة عن عدم رغبته فی الولایة و الخلافة و رفع بها منّتهما علیه فی المبایعة رتّب علیها الجواب عن نقمهما الأوّل أعنی مسألة المشاورة و قال :

( فلمّا أفضت ) أى وصلت الخلافة ( إلیّ نظرت إلى كتاب اللّه ) عزّ و جلّ ( و ) إلى ( ما وضع لنا ) أى ما وظفه لنا و ألزمه علینا معاشر الأئمة من الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر و الحكم بین الناس بالعدل حیث قال كنتم خیر أمّة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون باللّه .

روى فی البحار عن العیاشى عن حماد بن عیسى عن بعض أصحابه عن أبی

[ 65 ]

عبد اللّه علیه السّلام قال : فی قراءة علیّ علیه السّلام « كنتم خیر أئمّة أخرجت للناس » قال : هم آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و عن العیاشى عن أبی بصیر عنه علیه السّلام ، قال : إنما انزلت هذه الآیة على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه و فی الأوصیاء خاصّة فقال « أنتم خیر أئمة « امة خ » اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر » هكذا و اللّه نزل بها جبرئیل و ما عنى بها إلاّ محمّدا و أوصیاءه صلوات اللّه علیهم .

و قال تعالى أیضا إنّ اللّه یأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بین النّاس أن تحكموا بالعدل إنّ اللّه نعمّا یعظكم به إنّ اللّه كان سمیعا بصیرا فانّ هذه الآیة أیضا خطاب لخصوص ولاة الامر ، و على كونها خطابا للعموم فیدخل فیه ولاة الأمر ، و على أىّ تقدیر فقد بیّن اللّه وظیفتهم فیها .

قال فی مجمع البیان : قیل فی معنى هذه الآیة أقوال :

أحدها أنّها فی كلّ من اؤتمن أمانة من الأمانات و أمانات اللّه أوامره و نواهیه و أمانات عباده فیما یأتمن بعضهم بعضا من المال و غیره ، و هو المرویّ عن أبی جعفر و أبی عبد اللّه علیهما السّلام .

و ثانیها أنّ المراد به ولاة الأمر أمرهم اللّه أن یقوموا برعایة الرّعیة و حملهم على موجب الدّین و الشّریعة و رواه أصحابنا عن أبی جعفر الباقر و أبی عبد اللّه الصّادق علیهما السّلام قالا : أمر اللّه كلّ واحد من الأئمة أن یسلم الأمر إلى من بعده ،

و یعضده أنّه أمر الرّعیة بعد هذا بطاعة ولاة الأمر .

و روى عنهم علیهم السّلام انّهم قالوا : آیتان إحداهما لنا و الاخرى لكم قال اللّه إنّ اللّه یامركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها الآیة و قال یا أیّها الذین آمنوا أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و أولى الأمر منكم الآیة .

و هذا القول داخل فی القول الأوّل لأنّه من جملة ما ائتمن اللّه علیه الأئمة الصّادقین علیهم السّلام و لذلك قال أبو جعفر علیه السّلام إنّ الصّلاة و الزكاة و الصّوم و الحجّ من الأمانة و یكون من جملتها الأمر لولاة الأمر بقسم الصدقات و الغنایم و غیر ذلك

[ 66 ]

ممّا یتعلّق به حقّ الرعیة ، و قد عظم اللّه أمر الامانة بقوله یعلم خائنة الأعین و قوله لا تخونوا اللّه و الرّسول و قوله و من أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار لا یؤدّه إلیك .

( و ) إلى ما ( أمرنا بالحكم به فاتبعته ) أراد به الحكم بما أنزل اللّه فى كتابه دون غیره من أحكام الجاهلیّة و الأحكام الصّادرة عن الاستحسانات العقلیّة كما صدرت عن المتخلّفین الثلاثة و قد قال تعالى و من لم یحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الكافرون و من لم یحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الظالمون و من لم یحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الفاسقون و قال و أن أحكم بینهم بما أنزل اللّه و لا تتّبع أهوائهم و احذرهم أن یفتنوك عن بعض ما أنزل اللّه إلیك فان تولّوا فاعلم أنّما یرید اللّه أن یصیبهم ببعض ذنوبهم و إنّ كثیرا من الناس لفاسقون . أ فحكم الجاهلیة یبغون و من أحسن من اللّه حكما لقوم یوقنون .

فانّ هذه الآیات كما ترى صریحة فی وجوب الأخذ بحكم الكتاب ، و الآیة الأخیرة و إن كانت خاصة بالنبیّ إلاّ أنّها تعمّ الائمة القائمین مقامه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بل تعمّ سایر أحكام الشرع بمقتضى أدلة الشركة فی التكالیف .

و غیر خفیّ على الفطن العارف حسن انطباق مفاد الآیة الأخیرة بالمقام فانّ اللّه سبحانه أمر نبیّه فیها فی الحكم بین أهل الكتاب بما أنزل اللّه و نهاه عن اتّباع هواهم و حذّره من تفتینهم و أشار إلى تولیهم عن حكم اللّه و إلى ابتغائهم حكم الجاهلیة ، و كذلك كان حال أمیر المؤمنین علیه السّلام مع طلحة و الزّبیر اللذین هما تالیا أهل الكتاب فقد كان مراده أن یحكم بحكم اللّه و بالأخذ بسیرة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كان مرادهما أن یداخلهما فی الأمر و یشاورهما و یتابع هواهما و یسیر فیهما و فی غیرهما بسیرة عمر ، و كان غرضهما تفتینه و تغییره حكم اللّه إلى حكم الجاهلیة ، إذ حكم الجاهلیة لم یكن منحصرا فی أحكام أیام الفترة بل كلّ حكم خالف الكتاب و السنة كما روى فی الكافی عن الصادق عن أمیر المؤمنین علیه السّلام الحكم حكمان : حكم اللّه و حكم الجاهلیة فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهلیّة .

و قال الطبرسی فی قوله أفحكم الجاهلیّة یبغون قیل : المراد به كلّ من

[ 67 ]

طلب غیر حكم اللّه فانه یخرج منه إلى حكم الجاهلیّة و كفى بذلك أن یحكم بما یوجبه الجهل دون ما یوجبه العلم .

فقد علم بذلك أنّ تكلیف الأئمة علیهم السّلام اتّباع أمر اللّه و الأخذ بحكم اللّه لا الحكم بالرأى و الأهواء كما فی أئمّة الجور .

روى فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم عن حمید بن زیاد عن محمّد بن الحسین عن محمّد بن یحیى عن طلحة بن زید عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام قال : الأئمة فی كتاب اللّه إمامان قال اللّه و جعلنا منهم أئمّة یهدون بأمرنا لا بأمر الناس یقدّمون أمر اللّه قبل أمرهم و حكم اللّه قبل حكمهم ، قال و جعلناهم أئمّة یدعون إلى النار یقدّمون أمرهم قبل أمر اللّه و حكمهم قبل حكم اللّه و یأخذون بأهوائهم خلافا لما فی كتاب اللّه .

و كیف كان فمحصّل مفاد قوله علیه السّلام إنّی نظرت إلى كتاب اللّه جلّ شأنه و إلى ما عیّن لنا فیه من التكالیف و الأحكام فاتّبعته .

( و ) نظرت إلى ( ما استسنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) و شرعه ( فاقتدیته ) و تابعته ( فلم ) یبق الكتاب و السنة شیئا من الأحكام الشرعیة ( احتج فی ذلك إلى رأیكما و لا رأى غیركما ) من الآراء الباطلة و الاستحسانات الفاسدة .

( و لا وقع حكم جهلته ) و هذا أحد الوجوه المتقدّمة التى أنكرها سابقا على سبیل الاستفهام و نفاه هنا صریحا أى لم یقع حكم شرعی لا أعلم به فأحتاج إلى التعلّم و المشاورة ( فأستشیر كما و اخوانی من المسلمین ) فیه و أتعلّمه منكم ( و لو كان ذلك ) أى لو وقع حكم كذلك ( لم أرغب عنكما و لا عن غیركما ) .

و لما أجاب عن نقمهما الأوّل شرع فی الجواب عن نقمهما الثانی فقال :

( و أما ما ذكرتما من أمر الاسوة ) أى القدوة و اقتدائكما بغیركما فی النصیب و القسمة ( فانّ ذلك أمر لم أحكم أنا فیه برأیی ) و من تلقاء نفسی ( و لا ولیته هوى منى ) أى ما جعلت هواى والیا أوما باشرته بهواى ( بل وجدت أنا و أنتما ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) من القسم بالسویة و العدل فی الرّعیة و الحال أنه ( قد فرغ منه )

[ 68 ]

و أكمل و لم یبق مجال للكلام ( فلم احتج إلیكما ) و لا إلى غیركما ( فیما قد فرغ اللّه من قسمه و أمضى فیه حكمه ) نسبة الفراغ أولا إلى الرّسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ثانیا إلى اللّه تنبیها على اتّحاد حكمهما لعدم كونه ناطقا عن الهوى إن هو إلاّ وحی یوحى و المراد أنه لا حاجة لی إلى الغیر فی مال قد فرغ اللّه من تقسیمه و حكم فیه بالحكم النافذ الالزامی بأن یقسم بالسویة لا بالتفاوت .

( فلیس لكما و اللّه عندى و لا لغیركما فی هذا ) القسم بالسویة ( عتبى ) أى لیس لكما و لا لغیركما علىّ أن ارضیكم و ازیل شكواكم عنی .

ثمّ دعا لنفسه و لهما بقوله ( أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ) أى صرفها إلیه ( و ألهمنا و ایاكم الصبر ) أى ألهمنی الصبر على مشاق الخلافة و مقاساة المكاره و المساوى من الرعیة و ألهمكم الصبر على ما تكرهه نفوسكم الامارة من القسم بالسویة و نحوه ممّا مر .

( ثمّ قال علیه السّلام رحم اللّه رجلا رأى حقا ) و عدلا ( فأعان علیه ) و على العمل به ( أو رأى جورا ) و ظلما ( فردّه ) و دفعه ( و كان عونا بالحقّ على صاحبه ) أى على صاحب الجور .

و المراد به الجذب إلى طاعته و إعانته و الصرف عن مخالفته و اعانة ظالمیه ، لأنه علیه الصلاة و السلام مع الحقّ و الحقّ معه علیه السلام و الصّلاة یدور معه حیثما دار هو علیه التحیة و الثناء ، فالمعین له علیه الصلاة و السلام معین للحقّ ، و المعاند له علیه السّلام معاند للحقّ و معین للجور و الباطل .

تكملة و تبصرة

روى فی البحار من الامالی أمالى الشیخ عن أحمد بن محمّد بن موسى بن الصلت عن أحمد بن عقدة قال : حدّثنا الحسن بن صالح من كتابه فی ربیع الأول سنة ثمان و سبعین و أحمد بن یحیى عن محمّد بن عمرو عن عبد الكریم عن القاسم بن أحمد عن أبی الصّلت الهروی و قال ابن عقدة و حدثناه القاسم بن الحسن الحسینى عن أبى الصلت عن علیّ بن عبد اللّه بن النّعجة عن أبى سهیل بن مالك عن مالك بن اوس بن

[ 69 ]

الحدثان قال :

لمّا ولى علىّ بن أبى طالب أسرع النّاس إلى بیعة المهاجرین و الأنصار و جماعة الناس لم یتخلّف عنه من أهل الفضل إلاّ نفر یسیر خذلوا و بایع الناس ، و كان عثمان قد عود قریشا و الصحابة كلّهم ، و صبّت علیهم الدّنیا صبا ، و آثر بعضهم على بعض ، و خصّ أهل بیته من بنى امیة و جعل لهم البلاد و خوّلهم العباد فأظهروا فى الأرض الفساد و حمل أهل الجاهلیة و المؤلفة قلوبهم على رقاب الناس حتى غلبوه على أمره فأنكر الناس ما رأوا من ذلك فعاتبوه فلم یعتبهم ، و راجعوه فلم یسمع منهم ، و حملهم على رقاب النّاس حتّى انتهى إلى أن ضرب بعضا و نفى بعضا و حرّم بعضا .

فرأى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أن یدفعوه و قالوا : إنّما بایعناه على كتاب اللّه و سنّة نبیّه و العمل بهما ، فحیث لم یفعل ذلك لم تكن له علیهم طاعة فافترق النّاس فی أمره على خاذل و قاتل .

فأمّا من قاتل فرأى أنّه حیث خالف الكتاب و السّنّة و استأثر بالفی‏ء و استعمل من لا یستأهل رأوا أنّ جهاده جهاد .

و أمّا من خذله فانّه رأى أنّه یستحقّ الخذلان و لم یستوجب النصرة بترك أمر اللّه حتّى قتل .

و اجتمعوا على علیّ بن أبیطالب علیه السّلام فبایعوه فقام و حمد اللّه و اثنى علیه بما هو أهله و صلّى على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و آله ثمّ قال :

أما بعد فانی قد كنت كارها لهذه الولایة یعلم اللّه فی سماواته و فوق عرشه على امّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى اجتمعتم على ذلك فدخلت فیه ، و ذلك أنى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : أیّما وال ولى أمر امتی من بعدى اقیم یوم القیامة على الصراط و نشرت الملائكة صحیفته ، فان نجى فبعدله ، و إن جار انتفض به الصراط انتفاضة تزیل ما بین مفاصله حتى یكون بین كلّ عضو و عضو من أعضائه مسیرة مأة عام یحرق به الصراط 1 ، فأوّل ما یلقى به النار أنفه و حرّ وجهه ، و لكنى لما اجتمعتم

-----------
( 1 ) من الاعوام التى یحرق بها الصراط اى یقطع ، بحار .

[ 70 ]

علىّ نظرت فلم یسعنى ردّكم حیث اجتمعتم أقول ما سمعتم و أستغفر اللّه لی و لكم .

فقام إلیه الناس فبایعوه فأوّل من قام فبایعه طلحة و الزّبیر ، ثمّ قام المهاجرون و الأنصار و سائر الناس حتى بایعه الناس و كان الذى یأخذ علیهم البیعة عمار بن یاسر و أبو الهیثم بن التیهان و هما یقولان : نبایعكم على طاعة اللّه و سنة رسوله و إن لم نف لكم فلا طاعة لنا علیكم و لا بیعة فی أعناقكم و القرآن أمامنا و أمامكم ثمّ التفت علیّ علیه السّلام عن یمینه و عن شماله و هو على المنبر و هو یقول :

ألا لا یقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتهم الدّنیا فاتخذوا العقار ، و فجّروا الأنهار ، و ركبوا الخیول الفارهة ، و اتّخذوا الوصائف الرّدقة ، فصار ذلك علیهم عارا و شنارا ان لم یغفر لهم الغفّار إذا منعوا ما كانوا فیه ، و صیروا إلى حقوقهم التی یعلمون یقولون حرمنا علیّ بن أبیطالب و ظلمنا حقوقنا و نستعین باللّه و نستغفره ،

و أما من كان له فضل و سابقة منكم فانما أجره فیه على اللّه ، فمن استجاب للّه و لرسوله و دخل فی دیننا و استقبل قبلتنا و أكل ذبیحتنا فقد استوجب حقوق الاسلام و حدوده فأنتم أیها الناس عباد اللّه المسلمون و المال مال اللّه یقسم بینكم بالسویة و لیس لأحد على أحد فضل إلاّ بالتقوى ، و للمتقین عند اللّه خیر الجزاء و أفضل الثواب ، لم یجعل اللّه الدّنیا للمتقین جزاء و ما عند اللّه خیر للأبرار ، إذا كان غدا فاغدوا فانّ عندنا مالا اجتمع فلا یتخلّفن أحد كان فی عطاء أو لم یكن إذا كان مسلما حرّا ، احضروا رحمكم اللّه .

فاجتمعوا من الغد و لم یتخلّف عنه أحد ، فقسم بینهم ثلاثة دنانیر لكلّ إنسان الشریف و الوضیع و الأحمر و الأسود و لم یفضّل أحدا و لم یتخلّف عنه أحد إلاّ هؤلاء الرّهط طلحة و الزبیر و عبد اللّه بن عمر و سعید بن العاص و مروان بن الحكم و ناس معهم ، فسمع عبید اللّه بن أبی رافع و هو كاتب علیّ بن أبیطالب علیه السّلام عبد اللّه بن الزبیر و هو یقول للزبیر و طلحة و سعید بن العاص لقد التفت إلى زید بن ثابت فقلت له : ایاك اعنی و اسمعی یا جارة فقال عبید اللّه یا سعید بن العاص و عبد اللّه بن الزّبیر إنّ اللّه یقول فی كتابه و أكثرهم للحقّ كارهون قال عبید اللّه فأخبرت علیا علیه السّلام فقال

[ 71 ]

علیه السّلام لان سلمت لهم لأحملنهم على الطریق قاتل اللّه ابن العاص لقد علم فی كلامى أنی اریده و أصحابه بكلامى و اللّه المستعان .

قال مالك بن الأوس : و كان علىّ بن أبیطالب اكثر ما یسكن القناة ، فبینا نحن فی المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبیر و طلحة فجلسا ناحیة عن علىّ ، ثمّ طلع مروان و سعید و عبد اللّه بن الزّبیر و المسور بن محزمة ، فجلسوا و كان علیّ علیه السّلام جعل عمار بن یاسر على الخیل ، فقال لأبی الهیثم بن التیهان و الخالد بن زید أبى أیّوب و لأبی حیة و لرفاعة بن رافع فى رجال من اصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قوموا إلى هؤلاء القوم فانه بلغنا عنهم ما نكره من خلاف أمیر المؤمنین امامهم و الطعن علیه و قد دخل معهم قوم من أهل الجفاء و العداوة فانّهم سیحملونهم على ما لیس من رأیهم فقال ،

فقاموا و قمنا معهم حتّى جلسوا إلیهم .

فتكلّم أبو الهیثم بن التیهان فقال : إنّ لكم لقدما فی الاسلام و سابقة و قرابة من أمیر المؤمنین علیه السّلام و قد بلغنا عنكم طعن و سخط لأمیر المؤمنین فان یكن أمر لكما خاصّة فكاتبا ابن عمّتكما و امامكما ، و إن كان نصیحة للمسلمین فلا تؤخّراه عنه و نحن عون لكما فقد علمتما أنّ بنی امیّة لن تنصحكما و قد عرفتما و قال أحمد عرفتم عداوتهم لكما و قد شركتما فی دم عثمان و مالئتما .

فسكت الزبیر و تكلّم طلحة فقال :

افرغوا جمیعا ممّا تقولون ، فانّى قد عرفت أنّ فی كلّ واحد منكم خطبة فتكلّم عمّار بن یاسر رحمه اللّه فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قال :

أنتما صاحبا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد اعطیتما إمامكم الطاعة و المناصحة و المیثاق على العمل بطاعة اللّه و طاعة رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أن یجعل كتاب اللّه اماما .

قال أحمد و جعل كتاب اللّه اماما ففیم السخط و الغضب على علیّ بن أبیطالب فغضب الرّجال للحق انصرا نصركما اللّه .

فتكلّم عبد اللّه بن الزبیر ، فقال : لقد تهدّدت یا أبا الیقظان .

[ 72 ]

فقال عمار : ما لك تتعلق فی مثل هذا یا أعبس ثمّ أمر به فاخرج .

فقام الزّبیر فقال : أعجلت یا أبا الیقظان على ابن أخیك رحمك اللّه .

فقال عمار : یا أبا عبد اللّه انشدك اللّه أن تسمع قول من رأیت فانكم معشر المهاجرین لم یهلك من هلك منكم حتى استدخل فی أمره المؤلفة قلوبهم .

فقال الزبیر : معاذ اللّه أن نسمع منهم .

فقال عمار : و اللّه یا أبا عبد اللّه لو لم یبق أحد إلاّ خالف علیّ بن أبیطالب لما خالفته و لا زالت یدى مع یده ، و ذلك لأنّ علیا لم یزل مع الحقّ منذ بعث اللّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فانی أشهد أنه لا ینبغی لأحد أن یفضل علیه أحدا .

فاجتمع عمار بن یاسر و أبو الهیثم و رفاعة و أبو أیوب و سهل بن حنیف فتشاوروا أن یركبوا إلى علیّ علیه السّلام بالقناة فتخبروه بخبر القوم ، فركبوا إلیه فأخبروه باجتماع القوم و ما هم فیه من إظهار الشكوى و التعظیم لقتل عثمان ، و قال له أبو الهیثم : یا أمیر المؤمنین انظر فی هذا الأمر .

فركب بغلة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و دخل المدینة و صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى علیه و اجتمع أهل الخیر و الفضل من الصحابة و المهاجرین فقالوا لعلیّ : إنهم قد كرهوا الاسوة و طلبوا الاثرة و سخطوا لذلك ، فقال علیّ علیه السّلام : لیس لأحد فضل فى هذا المال ، و هذا كتاب اللّه بیننا و بینكم و نبیكم محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سیرته .

ثمّ صاح بأعلى صوته : یا معشر الأنصار أتمنّون علىّ باسلامكم أنا أبو الحسن القرم 1 و نزل عن المنبر و جلس ناحیة المسجد و بعث إلى طلحة و الزبیر فدعاهما ثمّ قال لهما : ألم یأتیانى و تبایعانى طائعین غیر مكرهین فما أنكرتم أجور فى حكم أو استیثار فی فی‏ء ؟

قالا : لا .

-----------
( 1 ) القرم أى المقدم فى الرأى ، و القرم فحل الابل ، أى أنا فیهم بمنزلة الفحل فى الابل ، بحار

[ 73 ]

قال : أو فى أمر دعوتمانى إلیه فى أمر المسلمین فقصرت عنه ؟

قالا : معاذ اللّه .

قال : فما الذی كرهتما فی أمری حتى رأیتما خلافی ؟

قالا : خلافك لعمر بن الخطاب فى القسم و انتقاصنا حقنا من الفی‏ء ، جعلت حظنا فى الاسلام كحظّ غیرنا مما أفاء اللّه علینا بسیوفنا ممّن هو لنا فی‏ء ، فسوّیت بیننا و بینهم .

فقال علیّ : اللّه أكبر اللّهمّ إنى اشهدك و اشهد من حضر علیهما أما ما ذكرتما من الاستیثار فو اللّه ما كانت لى فى الولایة رغبة و لا لی فیها محبّة ، و لكنكم دعوتمونى إلیها و حملتمونى علیها فكرهت خلافكم ، فلما أفضت إلىّ نظرت إلى كتاب اللّه و ما وضع و امر فیه بالحكم و قسّم و سنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأمضیته و لم احتج فیه إلى رأیكما و دخولكما معى و لا غیركما و لم یقع أمر جهلته فأتقوّى فیه برأیكما و مشورتكما ، و لو كان ذلك لم أرغب عنكما و لا عن غیركما إذا لم یكن فى كتاب اللّه و لا فى سنّة نبیّنا ، فأما ما كان فلا یحتاج فیه إلى أحد .

و أما ما ذكرتما من أمر الأسوة فانّ ذلك أمر لم أحكم أنا فیه و وجدت أنا و أنتما ما قد جاء به محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من كتاب اللّه فلم أحتج فیه إلیكما قد فرغ من قسمه كتاب اللّه الذی لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حكیم حمید و أما قولكما جعلتنا فیه كمن ضربناه بأسیافنا و أفاء اللّه علینا و قد سبق رجال رجالا فلم یضرّهم و لم یستأثر علیهم من سبقهم لم یضرّهم حتّى استجابوا لرّبهم ،

و اللّه ما لكم و لا لغیركم إلاّ ذلك ألهمنا اللّه و إیّاكم الصبر علیه .

فذهب عبد اللّه بن الزّبیر یتكلّم فامر به فوجئت عنقه و اخرج من المسجد و هو یصیح و یقول : ردّوا إلیه بیعته .

فقال علیّ علیه السّلام : لست مخرجكما من أمر دخلتما فیه و لا مدخلكما فی أمر خرجتما منه .

فقاما عنه فقالا : أما انّه لیس عندنا أمر إلاّ الوفاء ، قال :

[ 74 ]

فقال علیه السّلام : رحم اللّه عبدا رأى حقّا فأعان علیه أو رأى جورا فردّه و كان عونا للحقّ على من خالفه .

و روى الشّارح المعتزلی فی شرح الخطبة الحادى و التسعین عن أبی جعفر الاسكافی من كتابه الذی نقض به كتاب العثمانیة للجاحظ قال :

قال أبو جعفر : لما اجتمعت الصّحابة فی مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد قتل عثمان للنظر فی أمر الامامة أشار أبو الهیثم بن التیهان و رفاعة بن رافع و مالك بن العجلان و أبو أیّوب الأنصاری و عمّار بن یاسر بعلیّ علیه السّلام و ذكروا فضله و سابقته و جهاده و قرابته ، فأجابهم النّاس إلیه فقام كلّ واحد منهم خطیبا بذكر فضل علیّ علیه السّلام ، فمنهم من فضّله على أهل عصره خاصّة ، و منهم من فضّله على المسلمین كلّهم كافة ، ثمّ بویع فصعد المنبر فی الیوم الثانی من یوم البیعة و هو یوم السّبت لاحدى عشر لیلة بقین من ذى الحجة ، فحمد اللّه و أثنى علیه و ذكر محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فصلّى علیه ، ثمّ ذكر نعمة اللّه على أهل الاسلام ، ثمّ ذكر الدّنیا فزهّدهم فیها و ذكر الآخرة فرغّبهم إلیها ثمّ قال :

أما بعد فانّه لمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم استخلف النّاس أبا بكر ، ثمّ استخلف أبو بكر عمر ، فعمل بطریقه ثمّ جعلها شورى بین ستّة فأفضى الأمر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم و عرفتم ثمّ حصر و قتل ، ثمّ جئتمونی فطلبتم إلىّ و إنّما أنا رجل منكم لی ما لكم و علیّ ما علیكم ، و قد فتح اللّه الباب بینكم و بین أهل القبلة ، و أقبلت الفتن كقطع اللّیل المظلم و لا یحمل هذا الأمر إلاّ أهل الصّبر و النصر و العلم بمواقع الأمر ، و إنی حاملكم على منهج نبیّكم ، و منفذ فیكم ما أمرت به ، إن استقمتم لی و باللّه المستعان ألا إنّ موضعى من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد وفاته كموضعی منه أیام حیاته ، فامضوا لما تؤمرون و قفوا عند ما تنهون عنه ، و لا تعجلوا فی أمر حتّى نبیّنه لكم ، فانّ لنا عن كلّ أمر تنكرونه عذرا ، ألا و إنّ اللّه عالم من فوق سمائه و عرشه أنی كنت كارها للولایة على امة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتى اجتمع رأیكم على ذلك لأنی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : أیّما وال ولی الامر من بعدی

[ 75 ]

اقیم على حدّ الصراط و نشرت الملائكة صحیفته ، فان كان عادلا أنجاه اللّه بعدله و إن كان جایرا انتقض به الصراط حتى تتزایل مفاصله ثمّ یهوى إلى النار ، فیكون أوّل ما یتّقیها به أنفه و حرّ وجهه ، و لكنی لما اجتمع رأیكم لم یسعنى ترككم .

ثمّ التفت یمینا و شمالا فقال :

ألا لا یقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتهم الدّنیا فاتّخذوا العقار و فجّروا الأنهار و ركبوا الخیول الفارهة و اتّخذوا الوصایف الرّدقة ، فصار ذلك علیهم عارا و شنارا إذا ما منعتهم ما كانوا یخوضون فیه و اصرتهم إلى حقوقهم التى یعلمون فینقمون ذلك و یستنكرون و یقولون : حرّمنا ابن أبیطالب حقوقنا ، ألا و أیّما رجل من المهاجرین و الأنصار من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یرى أنّ الفضل له على من سواه لصحبته فانّ له الفضل النیّر غدا عند اللّه و ثوابه و أجره على اللّه ، و أیما رجل استجاب للّه و للرسول فصدّق ملّتنا و دخل فى دیننا و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام و حدوده فأنتم عباد اللّه و المال مال اللّه یقسم بینكم بالسویة لا فضل فیه لأحد على أحد و للمتّقین غدا عند اللّه أحسن الجزاء و أفضل الثواب ، لم یجعل اللّه الدّنیا للمتقین أجرا و لا ثوابا ، و ما عند اللّه خیر للأبرار ، و إذا كان غدا إنشاء اللّه فاغدوا علینا فانّ عندنا مالا نقسمه فیكم و لا یتخلّفنّ أحد منكم عربیّ و لا عجمیّ كان من أهل العطاء أو لم یكن إذا كان مسلما حرّا ، أقول قولی هذا و أستغفر اللّه لی و لكم ، ثمّ نزل .

قال أبو جعفر : و كان هذا أوّل ما أنكروه من كلامه علیه السّلام و أورثهم الضّغن علیه و كرهوا اعطاءه و قسمه بالسّویة فلمّا كان من الغد غدا و غدا النّاس لقبض المال ، فقال لعبید اللّه بن أبی رافع كاتبه : ابدء بالمهاجرین فنادهم و أعط كلّ رجل ممّن حضر ثلاثة دنانیر ثمّ ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك ، و من یحضر من الناس كلّهم الأحمر و الأسود فافعل به مثل ذلك .

فقال سهل بن حنیف : یا أمیر المؤمنین هذا غلامی و قد اعتقته الیوم .

فقال : نعطیه كما نعطیك فأعطى كلّ واحد منهم ثلاثة دنانیر ، و لم یفضّل أحدا على أحد ، و تخلّف عن هذا القسم یومئذ طلحة و الزبیر و عبد اللّه بن عمر و سعید ابن العاص و مروان بن الحكم و رجال من قریش و غیرها .

[ 76 ]

قال : و سمع عبید اللّه بن أبی رافع عبد اللّه بن الزبیر یقول لأبیه و طلحة و مروان و سعید ما خفى علینا أمس من كلام علیّ علیه السّلام ما یرید ، فقال سعید بن العاص و التفت إلى زید بن ثابت : إیّاك أعنی و اسمعی یا جارة .

فقال عبید اللّه بن أبی رافع لسعید و عبد اللّه بن الزبیر : إنّ اللّه یقول فى كتابه و لكن أكثرهم للحقّ كارهون .

ثمّ إنّ عبید اللّه بن أبى رافع أخبر علیا علیه السّلام بذلك فقال علیه السّلام إن بقیت و سلمت لهم لاقیمنّهم على المحجّة البیضاء و الطریق الواضح ، قاتل اللّه بنى العاص لقد عرف من كلامی و نظرى إلیه امس أنّی اریده و أصحابه ممّن هلك فیمن هلك .

قال : فبینا الناس فی المسجد بعد الصّبح إذ طلع الزبیر و طلحة فجلسا ناحیة عن علىّ علیه السّلام ثمّ طلع مروان و سعید و عبد اللّه بن الزبیر فجلسوا إلیهما ، ثمّ جاء قوم من قریش فانضمّوا إلیهم فتحدّثوا نجیا ساعة .

ثمّ قام الولید بن عقبة بن أبی معط فجاء إلى علیّ علیه السّلام فقال : یا أبا الحسن قد و ترتنا جمیعا أمّا أنا فقتلت أبی یوم بدر صبرا و خذلت أخى یوم الدار بالأمس ،

و أمّا سعید فقتلت أباه یوم بدر فى الحرب و كان ثور قریش ، و أما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمّه إلیه و نحن اخوتك و نظراؤك من بنى عبد مناف ، و نحن نبایعك الیوم على أن تضع عنّا ما أصبناه من المال فی أیّام عثمان ، و أن تقتل قتلته و أنا إن خفناك تركنا و التحقنا بالشام .

فقال علیه السّلام : أما ما ذكرتم من وترى إیاكم فالحقّ وتركم ، و أما وضعى عنكم ما أصبتم فلیس لى أن أضع حقّ اللّه عنكم و لا عن غیركم ، و أما قتلى قتلة عثمان فلو لزمنی قتلهم الیوم لقتلتهم أمس و لكن لكم علىّ إن خفتمونى أن اؤمنكم و إن خفتكم أن اسیركم فقام الولید إلى أصحابه فحدّثهم و افترقوا على إظهار العداوة و إشاعة الخلاف فلمّا ظهر ذلك من أمرهم قال عمار بن یاسر لأصحابه : قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم فانه قد بلغنا عنهم و رأینا منهم ما نكره من خلاف و طعن على إمامهم و قد دخل أهل الجفا بینهم و بین الزّبیر ، و الاعسر العاق یعنی طلحة .

فقام أبو الهیثم و عمّار و أبو أیّوب و سهل بن حنیف و جماعة معهم على علیّ

[ 77 ]

فقالوا یا أمیر المؤمنین انظر فی أمرك و عاتب قومك هذا الحىّ من قریش فانّهم قد نقضوا عهدك و أخلفوا وعدك و قد دعونا فی السرّ إلى رفضك هداك اللّه لرشدك ،

و ذاك لأنهم كرهوا الاسوة و فقدوا الاثرة و لمّا آسیت بینهم و بین الأعاجم أنكروا و استأثروا عدوّك و أعظموه و أظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة و تألّفا لأهل الضلالة فرأیك .

فخرج علیّ علیه السّلام فدخل المسجد و صعد المنبر مرتدیا بطاق مؤتزرا ببرد قطرى 1 متقلّدا سیفا متوكّئا على قوس فقال :

أمّا بعد فانّا نحمد اللّه ربّنا و إلهنا و ولیّنا و ولیّ النعم علینا الذی أصبحت نعمه علینا ظاهرة و باطنة امتنانا منه بغیر حول منّا و لا قوّة لیبلونا أنشكر أم نكفر فمن شكر زاده و من كفر عذّبه ، فأفضل النّاس عند اللّه منزلة و أقربهم من اللّه وسیلة أطوعهم لأمره و أحملهم « أعملهم خ » بطاعته و أتبعهم لسنّة رسوله و أحیاهم لكتابه ، لیس لأحد عندنا فضل إلاّ بطاعة اللّه و طاعة الرّسول ، هذا كتاب اللّه بین أظهرنا و عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سیرته فینا لا یجهل ذلك إلاّ جاهل عاند عن الحقّ منكر قال اللّه تعالى یا أیّها النّاس انّا خلقناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوبا و قبایل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقیكم ثمّ صاح بأعلى صوته : أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول فان تولّیتم فانّ اللّه لا یحبّ الكافرین ، ثمّ قال : یا معشر المهاجرین و الأنصار أتمنّون على اللّه و رسوله باسلامكم بل اللّه یمنّ علیكم أن هدیكم للایمان إن كنتم صادقین ثمّ قال : أنا أبو الحسن و كان یقولها إذا غضب .

ثمّ قال : ألا إنّ هذه الدّنیا الّتی أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فیها و أصبحت تغضبكم و ترضیكم لیست بداركم و لا منزلكم الّذی خلقتم له ، فلا تغرّنّكم فقد حذّرتموها و استتمّوا نعم اللّه علیكم بالصّبر لأنفسكم على طاعة اللّه و الذّلّ لحكمه جلّ ثناؤه ، فأمّا هذا الفی ، فلیس لأحد على أحد فیه اثرة ، فقد فرغ اللّه من قسمته فهو

-----------
( 1 ) الطاق ضرب من الثیاب و القطر ضرب من البرد و یقال لها القطریة ، منه

[ 78 ]

مال اللّه و أنتم عباد اللّه المسلمون ، و هذا كتاب اللّه به أقررنا و إلیه أسلمنا و عهد نبیّنا بین أظهرنا فمن لم یرض فلیتولّ كیف شاء ، فانّ العامل بطاعة اللّه و الحاكم بحكم اللّه لا وحشة علیه .

ثمّ نزل عن المنبر فصلّى ركعتین ثمّ بعث بعمّار بن یاسر و عبد اللّه بن خلّ القرشی إلى طلحة و الزبیر و هما فی ناحیة المسجد ، فأتیاهما فدعواهما فقاما حتى جلسا إلیه فقال لهما :

نشدتكما اللّه هل جئتما طائعین للبیعة و دعوتمانی إلیها و أنا كاره لها ؟

قالا : نعم .

فقال : غیر مجبرین و لا مقسورین فأسلمتما لی بیعتكما و أعطیتمانی عهدكما قالا : نعم .

قال : فما دعاكما إلى ما أرى ؟

قالا : أعطیناك بیعتنا على أن لا تقضى الامور و لا تقطعها دوننا ، و أن تستشیرنا فی كلّ أمر و لا تستبدّ بذلك علینا و لنا من الفضل على غیرنا ما قد علمت ، فأنت تقسم القسم و تقطع الأمر و تمضى الحكم بغیر مشاورتنا و لا علمنا .

فقال علیه السّلام : لقد نقمتما یسیرا و أرجاتما كثیرا فاستغفرا اللّه یغفر كما ألا تخبراننى أدفعتكما عن حقّ وجب لكما فظلمتكما إیّاه ؟ قالا : معاذ اللّه .

قال : فهل استأثرت من هذا المال لنفسی بشی ؟ قالا : معاذ اللّه .

قال : فوقع حكم أو حقّ لأحد من المسلمین فجهلته أو ضعفت عنه ؟ قالا :

معاذ اللّه .

قال : فما الذی كرهتما من أمری حتّى رأیتما خلافی ؟

قالا ، خلافك عمر بن الخطاب فی القسم إنّك جعلت حقنا فى القسم كحقّ غیرنا و سوّیت بیننا و بین من لا یماثلنا فیما أفاءه اللّه تعالى علینا بأسیافنا و رماحنا و أو جفنا علیه بخیلنا و ظهرت علیه دعوتنا و أخذناه قسرا قهرا ممن لا یرى الاسلام إلاّ كرها فقال : أما ما ذكرتماه من أمر الاستشارة فو اللّه ما كانت لی فی الولایة رغبة ،

[ 79 ]

و لكنّكم دعوتمونی إلیها و جعلتمونی علیها فخفت أن أردّكم فتختلف الامّة فلمّا افضت إلیّ نظرت فی كتاب اللّه و سنّة رسوله فأمضیت ما ولاّنی علیه و اتّبعته و لم احتج إلى رأیكما فیه و لا رأى غیركما ، و لو وقع حكم لیس فی كتاب اللّه بیانه و لا فی السنة برهانه و احتیج إلى المشاورة فیه لشاورتكما فیه .

و أمّا القسم و الاسوة فانّ ذلك أمر لم أحكم فیه بادى‏ء بدء ، قد وجدت أنا و أنتما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یحكم بذلك و كتاب اللّه ناطق به و هو الكتاب الّذی لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حكیم حمید .

و أمّا قولكما جعلت فیئنا و ما أفاءه سیوفنا و رماحنا سواء بیننا و بین غیرنا فقدیما سبق إلى الاسلام قوم و نصروه بسیوفهم و رماحهم فلا فضّلهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی القسم و لا آثرهم بالسّبق و اللّه سبحانه موفّ السّابق و المجاهد یوم القیامة أعمالهم و لیس لكما و اللّه عندی و لا لغیركما إلاّ هذا ، أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ و ألهمنا و ایّاكم الصّبر ثمّ قال رحم اللّه امرء رأى حقّا فأعان علیه و رأى جورا فردّه و كان عونا للحقّ على من خالفه .

قال أبو جعفر : و قد روى أنّهما قالا له علیه السّلام وقت البیعة : نبایعك على أنّا شركاؤك فی هذا الأمر .

فقال : و لكنّكما شریكاى فی الفی‏ء لا أستأثر علیكما و لا على عبد حبشی مجدّع بدرهم فما دونه ، لا أنا و لا ولداى هذان ، فان أبیتم إلاّ لفظ الشّركة فأنتما عونان لی عند العجز و الفاقة لا عند القوّة و الاستقامة .

قال أبو جعفر : فاشترطا ما لا یجوز فی عقد الامامة و شرط علیه السّلام لهما ما یجب فی الدّین و الشریعة .

قال الشّارح المعتزلی بعد نقله هذا الكلام من الاسكافی :

فان قلت : فانّ أبا بكر قسّم بالسویّة كما قسّمه أمیر المؤمنین و لم ینكروا ذلك كما أنكروه أیام أمیر المؤمنین فما الفرق بین الحالتین ؟

قلت : إنّ أبا بكر قسّم محتذیا لقسم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلمّا ولی عمر الخلافة

[ 80 ]

و فضّل قوما على قوم ألفوا ذلك و نسوا تلك القسمة الاولى و طالت أیّام عمر و اشربت قلوبهم كثرة العطاء و حبّ المال ، و أمّا الذین اهتضموا فقنعوا و مرّنوا على القناعة و لم یخطر لأحد من الفریقین أنّ هذه الحال تنتقض أو تتغیّر بوجه ما .

فلمّا ولی عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر یجریه ، فازداد وثوق القوم بذلك و من ألف أمرا شقّ علیه فراقه و ترك العادة فیه .

فلمّا ولی أمیر المؤمنین أراد أن یردّ الأمر إلى ما كان فی أیّام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أبی بكر و قد نسی ذلك و رفض و تخلل بین الزّمانین اثنتان و عشرون سنة فشقّ ذلك علیهم و أكبروه حتّى حدث ما حدث من نقض البیعة و مفارقة الطّاعة ، و للّه أمر هو بالغه .

الترجمة

از جمله كلام نصیحت انجام آن امام است كه خطاب فرموده طلحة و زبیر را بعد از آنكه بیعت كردند با او بخلافت او و عتاب كردند مر او را بجهت ترك نمودن آن بزرگوار مشاوره ایشان را و نخواستن اعانت از ایشان را در امور خلافت مى‏فرماید :

بتحقیق ایراد نمودید چیز مختصریرا و تأخیر انداختید چیز زیاد را ، چرا خبر نمى‏دهید بمن كدام چیزى كه شما را در آن حق بوده است من مانع از حقّ شما شده‏ام ؟ و كدام سهم و حصّه از بیت المال من علاوه از شما برداشته و بشما نداده‏ام یا كدام حقّى كه یك نفر مسلمان نزد من آورده از اجراء آن ضعیف بوده‏ام یا بحكم آن جاهل شده یا در دلیل آن خطا نموده ؟

قسم بخداى تعالى نبود مرا در خلافت هیچ رغبت و نه در ولایت هیچ حاجتی و لیكن شما خواندید مرا بسوی آن و الزام نمودید مرا بر آن ، پس هنگامى كه رسید بمن نظر نمودم در كتاب عزیز خداوند و بچیزیكه واجب فرموده بما و أمر نموده ما را بحكم كردن آن ، پس تبعیت نمودم بآن و نظر نمودم بچیزى

[ 81 ]

كه پیغمبر خدا صلوات اللّه و سلامه علیه و آله سنّت خود قرار داده ، پس متابعت كردم آن را پس محتاج نبودم در این خصوص برأى و تدبیر شما ، و نه برأى و تدبیر غیر شما ، و اتفاق نیفتاده حكمى كه جاهل باشم بآن تا مشاوره نمایم با شما ، یا با سایر برادران خود از مسلمانان ، و أگر همچنین حكمى اتفاق مى‏افتاد إعراض نمى‏كردم از شما و نه از غیر شما .

و أمّا آن چیزی كه اظهار نمودید آن را از أمر اسوة یعنى برابرى شما با سایرین در قسمت ، پس بدرستى كه این چیزیست من خود سر با رأى خود در آن حكم ننموده و با هواى نفس خود مباشر آن نبوده ، بلكه یافتم من و شما چیزى را كه آورد آن را حضرت رسالت مآب صلوات اللّه و سلامه علیه و آله از قسمت بالسّویّة در حالتى كه فارع شده بود از آن ، پس احتیاج نداشتم من بشما در چیزى كه خدا از قسمت آن فارغ بوده و امضاى حكم خود را در آن فرموده ، پس نیست شما را بحق خدا در نزد من و نه غیر شما را اینكه ترضیه خواطر و ازاله شكایت شما را نمایم ، برگرداند خداوند قلبهاى ما و قلبهاى شما را بسوى حق ،

و الهام فرماید بما و شما صبر را .

پس از آن فرمود : رحمت كند خدا مردى را كه بیند حق را پس اعانت نماید بآن ،

یا بیند ظلم و ستم را پس رفع نماید آن را ، و باشد معین بحق بر ضرر صاحب جور و ظلم .