[ 207 ] و من كلام له ع فی بعض أیام صفین و قد رأى الحسن ابنه ع یتسرع إلى الحرب

اِمْلِكُوا عَنِّی هَذَا اَلْغُلاَمَ لاَ یَهُدَّنِی فَإِنَّنِی أَنْفَسُ بِهَذَیْنِ یَعْنِی اَلْحَسَنَ وَ اَلْحُسَیْنَ ع عَلَى اَلْمَوْتِ لِئَلاَّ یَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اَللَّهِ ص قال السید الشریف قوله ع املكوا عنی هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه

و من كلام له علیه السّلام فى بعض ایام صفین و هو المأتان و السادس من المختار فى باب الخطب

و قد رأى الحسن علیه السّلام ابنه یتسرّع إلى الحرب :

أملكوا عنّی هذا الغلام لا یهدّنی ، فإنّی أنفس بهذین یعنی الحسن و الحسین علیهما السّلام على الموت ، لئلاّ ینقطع بهما نسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم . قال الرضى أبو الحسن « ره » : قوله : املكوا عنى هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه .

اللغة

( ملكه ) یملكه من باب ضرب ملكا بتثلیث المیم احتواه قادرا على الاستبداد به ، فهو مالك و ذاك مملوك و عبد مملكة مثلّثة اللام إذا سبى و ملك و لم یملك أبواه

[ 96 ]

و ملك على النّاس أمرهم إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام ، و أملكه الشی‏ء و ملّكه من باب الافعال و التفعیل بمعنى واحد ، و ملكت العجین ملكا من باب ضرب شددته و قوّیته و أنعمت عجنه ، و ملك نفسه منعها من السّقوط فی شهواتها و ما تمالك أن فعل أى لم یقدر على حبس نفسه .

و لفظ أملكوا فی أكثر النّسخ حسبما صرّح به العلامة المجلسی أیضا بفتح الألف من باب الافعال .

و ضبطه الشّارح المعتزلی بصیغة الثلاثی مجردا قال : الألف فی املكوا وصل لأنّ الماضی ثلاثی من ملكت الفرس و الدّار و العبد أملك بالكسر أى احجروا علیه كما یحجر المالك على مملوكه ، قال : و عن متعلّقة بمحذوف تقدیره استولوا علیه و أبعدوه ، و لمّا كان الملك سبب الهجر على مملوكه عبّر بالسّبب عن المسبّب ، انتهى .

و على النسخ المشهورة فلا بدّ من جعل المزید بمعنى المجرّد كما یستعمل المتعدّى مورد اللازم فی نحو كبّه فأكبّ .

و قال الرّاوندی فی محكی كلامه : املكوا أى أمسكوه لأجلى یقال ما تمالك أن قال ، أى ما تماسك و قیل : إنّه من ملكت العجین أى خذوه بالشدّة .

و قال البحرانی : أملكوه شدّوه و اضبطوه و ( الهدّ ) الهدم بشدّة و الكسر و ( نفس ) به من باب فرح ضنّ و بخل و ( انسل ) الولد و نسل نسلا من باب ضرب كثر نسله و تناسلوا توالدوا أى ولد بعضهم من بعض .

الاعراب

حرف عن فی قوله أملكوا عنّی على قول الشّارح المعتزلی و البحرانی بمعناها الأصلی أعنی المجاوزة ، أو بمعنى من كما فی قوله « هو الذى یقبل التّوبة عن عباده و على قول الرّاوندى فهى بمعنى اللام للتّعلیل كما فی قوله تعالى : و ما كان استغفار إبراهیم لأبیه إلاّ عن موعدة و الأظهر عندی أنّها بمعنى البدل و العوض

[ 97 ]

كما فى قوله تعالى و اتّقوا یوما لا تجزی نفس عن نفس شیئا .

و قوله لا یهدّنى فى بعض النّسخ بالنّصب على اضمار أن أى لئلاّ یهدّنى ،

و فى بعضها بالرّفع على الغاء ان المضمرة عن العمل كما فى قولهم : و تسمع بالمعیدى خیر من أن تراه على روایة الرّفع ، و قد روى بالوجهین أیضا قول طرفة :

ألا ایّهذا الزّاجرى احضر الوغى
و ان اشهد اللذات هل أنت مخلد

قال علماء الأدب : و انتصاب المضارع فى هذا الشّعر بأن شاذّ لعدم وقوعه فى جواب أحد الأشیاء الستّة .

و یحتمل أن یكون انتصاب یهدّنى بلفظة كى مضمرة إن جوّزنا إضمارها كما نصبت مظهرة فى قوله تعالى لكیلا یكون على المؤمنین حرج و قوله لكیلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم و قوله كیلا یكون دولة بین الأغنیاء و لكیلا یعلم بعد علم شیئا و نحوها .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام حسبما أشار إلیه الرّضى قد خاطب به أصحابه فى بعض أیّام صفین و قد رأى الامام الهمام أبا محمّد الحسن علیه السّلام ابنه یتسرّع أى یتعجّل إلى الحرب فقال لهم :

( أملكوا عنّى هذا الغلام ) أراد به منعهم له من التسرّع إلیه و حفظهم إیاه بدلا منه .

قال الشارح المعتزلى فى وجه علوّ هذا الكلام و فصاحته على ما أشار إلیه السّید : إنّه لمّا كان فى أملكوا معنى العبد أعقبه بعن ، و ذلك أنهم لا یملكونه دون أمیر المؤمنین علیه السّلام إلا و قد أبعدوه عنه ألا ترى أنك إذا حجرت علی زید دون عمرو فقد باعدت زیدا عن عمرو ، فلذلك قال : املكوا عنّى ، انتهى .

و لا بأس به إلاّ انه انما یحسن لو كان الحسن فى تسرّعه إلى الحرب متابعا لأبیه علیه السّلام معاقبا له فیستحسن حینئذ أن یقول علیه السّلام : ابعدوه عنى ، و لكن الرّوایة لا دلالة فیها على ذلك .

[ 98 ]

و الأوجه عندى انه علیه السّلام لما شاهد من ابنه مسارعته إلى الحرب و كان بنفسه غیر متمكن من حفظه و ممانعته لمكان اشتغاله بكریهة الحرب و القتل و القتال أمر أصحابه بمحافظته علیه السّلام بأحسن تعبیر و ألطف عبارة و قال لهم : أملكوا أى أملكوه من التسرّع ، فعدل عن التعبیر بلفظ المنع و الضبط و الحفظ و المراقبة و الامساك و ما ضاهاها إلى التعبیر بلفظ الملك ، لما فیه من الدلالة على التسلط و الاستیلاء و التمكّن من التصرف و القدرة على الممانعة و الحفظ بأىّ وجه أمكن و أىّ نحو شاء و أراد المالك ما لیس فى غیره من الألفاظ المذكورة ، یعنى امنعوه و احفظوه منع المالك لملكه و حفظه إیاه .

ثمّ أكّد ذلك بقوله عنّى یعنى أنى كما لو كان ممكنا لى لكنت أملكه و اراقبه غایة المراقبة ، فحیث إنه لا یمكن لى ذلك فكونوا مالكین له مراقبین علیه بدلا منّى و راقبوه مثل مراقبتى غیر متوانین و لا مقصّرین .

فقد علم بذلك أنّ فى هذه العبارة من الدّلالة على تأكید المنع و المحافظة ما لیس فی غیرها .

و علل علیه السّلام ذلك بقوله ( لا یهدّنى ) أى لئلا یكسرنى لأنّ التسرّع إلى الحرب مظنة القتل و الهلاك و موت الولد الصالح المعین خصوصا مثل أبى محمّد الحسن علیه السّلام موجب لانك « كذا » ظهر الوالد و ذهاب قوّة قلبه و نور بصره .

ثمّ علل علیه السّلام بعلة ثانیة و قال ( فانى أنفس ) أى أبخل ( بهذین یعنى الحسن و الحسین علیهما السّلام على الموت لئلا ینقطع بهما نسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) .

تنبیه

قال الشارح المعتزلى :

فان قلت : یجوز أن یقال للحسن و الحسین و ولدهما أبناء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ولد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ذرّیة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و نسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟

قلت : نعم لأنّ اللّه تعالى سماهم ابناه فى قوله ندع أبنائنا و أبنائكم و انما عنى الحسن و الحسین و لو أوصى لولد فلان بمال دخل فیه أولاد البنات و سمّى اللّه تعالى

[ 99 ]

عیسى ذرّیة إبراهیم فى قوله تعالى و من ذرّیته داود و سلیمان إلى أن قال و یحیى و عیسى و لم یختلف أهل اللغة فى أنّ ولد البنات من نسل الرّجل .

فان قلت : فما تصنع بقوله تعالى ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ؟

قلت : أسألك عن ابوّته لابراهیم بن ماریة فكلّ ما تجیب به عن ذلك فهو جوابى عن الحسن و الحسین علیهما السّلام و الجواب الشامل للجمیع أنه عنى زید بن حارثة لأنّ العرب كانت تقول : زید بن محمّد على عادتهم فى تبنّى العبد ، فأبطل اللّه ذلك و نهى عن سنة الجاهلیة و قال : إنّ محمّدا لیس أبا لواحد من الرّجال الباغین المعروفین بینكم لیفترى إلیه بالنبوّة ، و ذلك لا ینفى كونه أبا لأطفال لم یطلق علیهم لفظة الرّجال كابراهیم و حسن و حسین علیهم السّلام .

فان قلت : أتقول إنّ ابن البنت ابن على الحقیقة الأصلیة أم على سبیل المجاز ؟

قلت : لذاهب أن یذهب إلى أنّه حقیقة أصلیة لأنّ الأصل فى الاستعمال الحقیقة ، و قد یكون اللفظ مشتركا بین مفهومین و هو فى أحدهما أشهر و لا یلزم من كونه أشهر فی أحدهما أن لا یكون حقیقة فی الآخر ، و لذاهب أن یذهب إلى أنّه حقیقة عرفیّة ، و لذاهب إلى كونه مجازا قد استعمله الشّارع ، فجاز إطلاقه فى كلّ حال و استعماله كسایر المجازات المستعملة .

قال : و ما یدلّ على اختصاص ولد فاطمة علیهما السّلام دون بنی هاشم كافة بالنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه ما كان یحلّ له علیه السّلام أن ینكح بنات الحسن و الحسین علیهما السّلام و لا بنات ذرّیتهما و إن بعدت و طال الزّمان ، و یحلّ له نكاح بنات غیرهم من بنی هاشم من الطالبیّین و غیرهم و هذا یدلّ على مزید الأقربیّة و هى كونهم أولاده فان قلت : فقد قال الشّاعر :

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا
بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

و قال حكیم العرب أكثم الصّیفی فی البنات یذّمهنّ : إنّهنّ یلدن الأعداء و یورّثن البعداء .

قلت : إنّما قال الشّاعر ما قاله على المفهوم الأشهر ، و لیس فی قول أكثم

[ 100 ]

ما یدلّ على نفى بنوّتهم و إنّما ذكر أنّهن یلدن الأعداء و قد یكون ولد الرّجل لصلبه عدوّا قال اللّه تعالى انّ من أزواجكم و أولادكم عدوّا لكم و لا ینفى كونه عدوّا كونه ابنا ، انتهى .

اقول : ما حقّقه الشّارح هو الحقّ الموافق للتحقیق ، و هو مأخوذ من أخبار أهل بیت العصمة و الطهارة حسبما نشیر إلى بعضها و ان شئت مزیدا على ذلك فأقول :

لا شكّ إنّ نسبة الابن و البنت إلى الأب و الامّ من حیث التّكوین و الخلقة نسبة واحدة لكونهما مخلوقین من نطفتهما قال تعالى انّا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج أى أخلاط لأنّ ماء الرّجل یختلط بماء المرأة و دمها یكون مشیجا أربعین لیلة ، و قال أیضا فلینظر الانسان ممّ خلق . خلق من ماء دافق . یخرج من بین الصّلب و الترائب أى صلب الرّجل و ترائب المرأة أى صدرها ، لأنّ منیّها یخرج منه و من أجل اتّحاد نسبتهما إلیهما فی التّكوّن صحّ إضافتهما إلى كلّ منهما فی مقام التلفّظ و التعبیر من دون تفاوت ، فیقال ابن فلان و ابنة فلان و ابن فلانة و ابنة فلانة ، و لم یخالف فی صحّة هذه الاضافة أحد من أهل العرف و اللغة أصلا و قد قال تعالى فی كتابه العزیز و آتینا عیسى بن مریم البیّنات و قال و مریم ابنة عمران الّتی أحصنت فرجها .

فاذا صحّ إضافة الابن إلى الامّ و الامّ إلى أبیها و هكذا إضافته إلى الأب و الأب إلى أبیه بلا خلاف فلتصحّ اضافته إلى أب الامّ كما تصحّ إلى أب الأب ، لعدم مانع یتصوّر إلاّ الشّعر المتقدّم أعنی قوله :

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا
بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

و هو لا یصلح للمانعیّة .

إما لما قاله الشّارح المعتزلی : من ابتنائه على كون اطلاق الأبن على ابن الابن أشهر و أغلب من اطلاقه على ابن البنت ، و الشّهرة فی الاطلاق لا تدلّ على كونه حقیقة فیه فقط و مجازا فی غیره كما برهن فی الاصول .

أو لابتنائه على مجرى عادة العرب من إسقاطهم البنات مع كونهنّ أولادا

[ 101 ]

حقیقة من درجة الأولاد من أجل الاستنكاف و الالفة و النّخوة العربیّة و حمیّة الجاهلیّة كما شرح اللّه حالهم فی قوله و إذا بشّر أحدهم بالانثى ظلّ وجهه مسوّدا و هو كظیم . یتوارى من القوم من سوء ما بشّر به أیمسكه على هون أم یدسّه فی التراب ألا ساء ما یحكمون و قد بلغوا فی الاستنكاف منهنّ إلى أن جرت عادتهم على الوئد و القتل حتّى نهاهم اللّه عن ذلك و عاتبهم علیه فی قوله و لا تقتلوا أولادكم من املاق و قوله و إذا الموؤدة سئلت . باىّ ذنب قتلت حسبما عرفت تفصیل ذلك فی شرح الفصل السّادس من الخطبة المأة و الحادیة و التّسعین المعروفة بالقاصعة .

أو لما قاله ابن إدریس فی محكى كلامه من السّرائر : من أنّ الشاعر انما أراد بقوله بنونا بنو أبنائنا آه الانتساب بمعنى أنّ أولاد البنت لا ینسبون إلى امّهم و انّما ینسبون إلى آبائهم و لیس كلامنا فیه بل فی الولادة و هی متحقّقة من جهة الامّ من غیر خلاف و الذكر و الانثى فیه سواء .

و قد وافقنا على ذلك غیر واحد من الأصحاب منهم المرتضى و ابن إدریس و صاحب الجواهر فی غیر موضع منه ، و قد بسط الكلام فی ذلك كلّ البسط فی كتاب الخمس منه ، و قال بعد اختیاره موافقة المرتضی فی كونه ابنه حقیقة : إنّه یظهر ذلك من جماعة من الأصحاب فی غیر المقام ، بل قد یظهر من المحكىّ عن ابن إدریس فی كتاب المواریث الاجماع علیه كما عن المرتضى فیه أیضا نفى الخلاف فیه ، بل و كذا المحكىّ عن خلاف الشیخ فی باب الوقف و المیراث ، بل ظاهره فیهما اجماع الامّة على ذلك .

ثمّ ساق الأدلة فی ذلك ، و أجاب عن الشّعر المتقدّم بأنّه مضافا إلى أنّه قول اعرابیّ جاهل لا یعارض الكتاب و السنّة محتمل لارادة المتعارف المعتاد فی جلب المنافع الدّنیویّة و المضار بالأولاد و أولادهم دون أولاد البنات ، فكانوا كالأباعد بالنّسبة إلى ذلك ، بل لعلّ ظهور ارادة هذا الشاعر المجاز و المبالغة فی النّفى

[ 102 ]

شاهدة على العكس ، اذ من البعید ارادته بیان الوضع و اللغة فتأمّل ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و الحاصل انا نرى أنهم یستعملون لفظ الابن و الولد فی ابن البنت و ولدها كاستعمالهم لهما فى ابن الابن و ولده مع عدم صحة السّلب ، فیكونان حقیقة فیهما و لا دلیل على المصیر إلى المجاز .

و إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد أطلق على الحسنین علیهما السّلام لفظ الابن فی غیر واحد من الأخبار فیكونان ابنیه حقیقة .

و من جملة هذه الأخبار الحدیث المشهور انّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال فیهما : هذان ابناى إمامان .

و فى البحار من المناقب عن فردوس الدّیلمی عن سلمان قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

سمّى هارون ابنیه شبرا و شبیرا ، و انّنی سمّیت ابنیّ الحسن و الحسین .

و عن الدّار قطنی بالاسناد عن ابن عمر قال : قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ابناى هذان سیدا شباب أهل الجنّة و أبوهما خیر منهما .

و عن الرّاغب عن أبی هریرة و بریدة رأیت النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یخطب على المنبر ینظر إلى الناس مرّة و إلى الحسن مرّة و قال : إنّ ابنی هذا سیصلح اللّه به بین فئتین من المسلمین .

و عن عبد الرّحمن بن أبی لیلى قال : كنّا جلوسا عند النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذ أقبل الحسین علیه السّلام فجعل ینزو على ظهر النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و على بطنه فبال و قال علیه السّلام دعوه ، قال أبو عبید فی غریب الحدیث إنّه قال : لا تزرموا ابنی أى لا تقطعوا علیه بوله ثمّ دعا بماء فصبّه على بوله .

و عن الطبری عن طاووس الیمانی عن ابن عبّاس قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : رأیت فی الجنّة قصرا من درّة بیضاء لا صدع فیها و لا وصل ، فقلت : حبیبی جبرئیل لمن هذا القصر ؟ قال : للحسین ابنك ، ثمّ تقدّمت أمامه فاذا أنا بتفّاح فأخذت تفّاحة ففلقتها فخرجت منها حوراء كان مقاریم النّسور أشفار عینیها فقلت : لمن أنت ؟ فبكت

[ 103 ]

ثمّ قالت : لابنك الحسین ، إلى غیر هذه ممّا لا نطیل بروایتها .

فقد ظهر ممّا ذكرنا و اتّضح كلّ الوضوح أنّه لا شكّ فی كونهما علیهما السّلام ابنیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حقیقة فلا یستریب فیه إلاّ جاهل متعنّت أو جاحد متعصّب ، و قد احتجّ على ذلك الأئمة علیهم السّلام و غیرهم أیضا فی مجالس المخالفین و غیرها بأحكم بیّنة و برهان .

فقد روى فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ظریف بن ناصح عن عبد الصمد بن بشیر عن أبى الجارود عن أبی جعفر علیه السّلام قال :

قال لی أبو جعفر علیه السّلام : یا أبا الجارود ما یقولون فی الحسن و الحسین علیهما السّلام قلت : ینكرون علینا أنّهما ابنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال علیه السّلام : فبأىّ شی‏ء احتججتم علیهم ؟ قلت : بقول اللّه عزّ و جلّ فی عیسى بن مریم و من ذرّیته داود و سلیمان إلى قوله و كذلك نجزى المحسنین فجعل عیسى من ذرّیة إبراهیم قال علیه السّلام :

فأیّ شی‏ء قالوا لكم ؟ قلت : قالوا : قد یكون ولد الابنة من الولد و لا یكون من الصّلب قال علیه السّلام : فأىّ شی‏ء احتججتم علیهم ؟ قلت : احتججنا علیهم بقول اللّه عزّ و جلّ قل تعالوا ندع أبنائنا و أبنائكم و نسائنا و نسائكم الآیة قال علیه السّلام : فأىّ شی‏ء قالوا لكم ؟ قلت : قالوا : قد یكون فی كلام العرب ابنی رجل واحد فیقول أبنائنا و انّما هما ابن واحد قال : فقال أبو جعفر علیه السّلام : و اللّه یا أبا الجارود لأعطینّكها من كتاب اللّه تسمّى بصلب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا یردّها إلاّ الكافر ، قال : قلت : جعلت فداك و أین ؟ قال : حیث قال اللّه تعالى حرّمت علیكم امّهاتكم و بناتكم إلى أن ینتهى إلى قوله تعالى و حلائل أبنائكم الّذین من أصلابكم فسلهم یا أبا الجارود هل حلّ لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نكاح حلیلتهما فان قالوا : نعم فكذبوا و اللّه و فجروا ، و إن قالوا : لا فهما و اللّه ابناه للصّلب و ما حرمتا علیه إلاّ للصلب .

قال المحدّث العلامة المجلسیّ : وجه الاحتجاج بالآیة الأخیرة هو اتّفاقهم على دخول ولد البنت فی هذه الآیة و الأصل فی الاستعمال الحقیقة أو أنّهم یستدلّون بهذه الآیة على حرمة حلیلة الولد و لا یتمّ إلاّ بكونه ولدا حقیقة للصّلب

[ 104 ]

و هنا قصة لطیفة

و فى البحار وجدت فی بعض كتب المناقب مرسلا عن عامر الشّعبی أنّه قال :

بعث إلىّ الحجّاج ذات لیلة فخشیت فقمت فتوضأت و أوصیت ثمّ دخلت علیه فنظرت فاذا نطع منشور و السّیف مسلول ، فسلّمت علیه فردّ علىّ السّلام فقال :

لا تخف فقد امنتك اللّیلة و غدا إلى الظهر ، و أجلسنی عنده .

ثمّ أشار فاتی برجل مقیّد بالكبول و الأغلال فوضعوه بین یدیه فقال : إنّ هذا الشّیخ یقول : إنّ الحسن و الحسین كانا ابنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیأتینىّ بحجّة من القرآن و إلاّ لأضربنّ عنقه ، فقلت : یجب أن تحلّ قیده فانّه إذا احتجّ فانّه لا محالة یذهب و ان لم یحتج فانّ السّیف لا یقطع هذا الحدید ، فخلّوا قیوده و كبوله فنظرت فاذا هو سعید بن جبیر فحزنت بذلك و قلت : كیف یجد حجّة على ذلك من القرآن ، فقال له الحجاج : ائتنى بحجّة من القرآن على ما ادّعیت و إلاّ أضرب عنقك ، فقال له : انتظر ، فسكت ساعة ثمّ قال له مثل ذلك ، فقال انتظر ، فسكت ساعة ثمّ قال له مثل ذلك ، فقال : أعوذ باللّه من الشّیطان الرّجیم بسم اللّه الرّحمن الرّحیم ثمّ قال و وهبنا له إسحق و یعقوب إلى قوله و كذلك نجزى المحسنین ثمّ سكت ، و قال للحجّاج اقرء ما بعده ، فقرء و زكریّا و یحیى و عیسى فقال سعید : كیف یلیق ههنا عیسى ؟ قال : إنّه كان من ذرّیته قال : إن كان عیسى من ذریّة إبراهیم و لم یكن له أب بل كان ابن ابنته فنسب إلیه مع بعده فالحسن و الحسین أولى أن ینسبا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مع قربهما منه ، فأمر له بعشرة آلاف دینار ،

و أمر بأن یحملوها معه إلى داره و أذن له فی الرّجوع .

قال الشّعبی : فلمّا أصبحت قلت فی نفسى قد وجب علىّ أن آتى هذا الشیخ فأتعلّم منه معانی القرآن لأنّی كنت أظنّ أنى أعرفها فأتیته فاذا هو فی المسجد و تلك الدّنانیر بین یدیه یفرّقها عشرا عشرا و یتصدّق بها ، ثمّ قال : هذا كلّه ببركة الحسن و الحسین علیهما السّلام لئن كنّا أغممنا واحدا لقد أفرحنا ألفا و أرضینّ

[ 105 ]

اللّه و رسوله .

فقد تحصّل ممّا ذكرنا أنّه حصل لهما علیهما السّلام من النّسب ما لم یحصل لغیرهما فانّهما ابنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سبطاه و ولداه و ذرّیتاه و سیّدا شباب أهل الجنّة ،

فجدّهما رسول ربّ العالمین ، و أبوهما أمیر المؤمنین ، و امّهما سیّدة نساء العالمین و هذا هو النّسب الذی تتضائل عنده الأنساب ، و الشّرف الذى اسجل بصحّته الاثر و الكتاب .

نسب كأنّ علیه من شمس الضحى
نورا و من فلق الصباح عمودا

فهما علیهما السّلام دوحتا النّبوة التّی طابت فرعا و أصلا ، و شعبتا الفتوّة التى سمت رفعة و نبلا ، و إنسانا عینی السّیادة و الفخار ، و سلیلا الشّرف الذى أظهر الخیلاء فی مضر و نزار ، قد اكتنفهما العزّ و الشّرف ، فما له عنهما منصرف ، و أحاط بهما المجد من طرفیهما ، و تصوّرا من الجلالة فكادت أن تقطر من عطفیهما ، و تكوّنا من الاریحیة فهى تلوح على شمائلهما ، تبدو كما یبدو النّهار على مخائلهما ، وفاقا فی طیب الاعراق و طهارة الاخلاق رتبة الأواخر و الأوائل ، فعلت سماء فضلهما حتّى قیل : أین الثریا من ید المتناول ، نسبهما یتّصل بمحمد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من قبل الامّ بغیر فصل ، و من قبل الأب یجتمع فی عبد المطلب فأعجب لطیب فرع و ذكاء أصل .

أنتم ذوو النسب القصیر و طولكم
باد على الكبراء و الأشراف

الخمر إن قیل ابنة العنب اكتفت
بأب من الألقاب و الأوصاف

تكمیل

قد تقدّم فی شرح الخطبة المأة و السادسة و التسعین و بعض الخطب المتضمّنة لذكر النبیّ جملة من مناقبه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و تقدّم فی غیر موضع من تضاعیف الشرح فصل واف من مناقب أمیر المؤمنین علیه السّلام و كراماته و فضائله ، و فی شرح المختار الواحد و المأتین جملة من مناقب الصدّیقة الكبرى سیدة النساء سلام اللّه علیها فأحببت أن أذكر هنا شطرا من مناقب الامامین الهمامین السبطین الزّكیین أبی محمّد الحسن و أبی عبد اللّه الحسین علیهما السلام تیمّنا بذكر فضایل جمیع الخمسة من آل العباء علیهم التحیة و الثناء ، راجیا بذلك مزید الأجر و الذخر یوم الجزاء ،

[ 106 ]

و إن كان مناقبهم الجمیلة لا تعدّ و لا تحصى ، و مآثرهم الجلیلة لا تحدّ و لا تستقصى ، إلاّ أن المیسور لا یسقط بالمعسور ، و عسى أن یدرك المرجوّ بالمقدور .

رویدك إن أحببت نیل المطالب
فلا تعد عن ترتیل آى المناقب

مناقب أصحاب الكساء قدوة الورى
بهم یبتغى مطلوبه كلّ طالب

مناقب تجلى سافرات وجوهها
و یجلو سناها مدلهما الغیاهب

علیك بها سرّا وجهرا فانها
تحلّل عند اللّه أعلى المراتب

وجد عند ما یتلو لسانك آینا
بدعوة قلب حاضر غیر غائب

لمن قام فی تألیفها و اعتنی به
لیقضى من مفروضهم كلّ واجب

عسى دعوة تزكو بها حسناته
فیحظى من الحسنى بأسنى المواهب

فأقول : روى فى كشف الغمة من كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذی عن بریدة قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یخطب فأقبل الحسن و الحسین علیهما السلام و علیهما قمیصان أحمران یعثران و یقومان ، فلما رآهما فنزل فأخذهما ثمّ صعد فوضعهما فی حجره ثمّ قال : صدق اللّه إنّما أموالكم و أولادكم فتنة رأیت هذین فلم أصبر حتى أخذتهما .

و عن فاطمة علیهما السلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنها أتت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و معها الحسن و الحسین علیهما السّلام فى مرضه الذی توفّى فیه قالت : یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ هذین لم تورّثهما شیئا قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أمّا الحسن فله هیبتى و أمّا الحسین فله جرأتى و جودى .

و عن عبد اللّه بن عباس قال : بینما نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذ أقبلت فاطمة تبكى ، فقال لها النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم . ما یبكیك ؟ قالت : یا رسول اللّه إنّ الحسن و الحسین خرجا فو اللّه ما أدرى أین سلكا .

فقال النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا تبكین فداك أبوك فانّ اللّه عزّ و جلّ خلقهما و هو أرحم بهما اللهمّ إن كانا قد أخذا فى برّ فاحفظهما ، و إن كانا قد أخذا فى بحر فسلّمهما فهبط جبرئیل علیه السّلام فقال : یا أحمد لا تغتم و لا تحزن هما فاضلان فى الدّنیا

[ 107 ]

فاضلان فى الآخرة و أبوهما خیر منهما و هما فى حظیرة بنى النجار نائمین ، و قد وكّل اللّه بهما ملكا یحفظهما .

قال ابن عباس : فقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قمنا معه حتى أتینا معه حظیرة بنى النجار فاذا الحسن معانق الحسین و إذا الملك قد غطاهما بأحد جناحیه .

قال : فحمل النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الحسن و أخذ الحسین الملك و الناس یرون أنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حاملهما فقال أبو بكر و أبو أیوب الأنصارى : یا رسول اللّه ألا نخفّف عنك بأحد الصبیّین فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : دعاهما فانهما فاضلان فى الدّنیا فاضلان فى الآخرة و أبوهما خیر منهما ثمّ قال و اللّه لاشرّفنهما الیوم بما شرّفهما اللّه فخطب فقال :

یا أیها الناس ألا اخبركم بخیر الناس جدّا و جدّة ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه ،

قال : الحسن و الحسین جدّهما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و جدّتهما خدیجه بنت خویلد .

ألا اخبركم بخیر الناس أبا و أما ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه قال : الحسن و الحسین أبوهما علىّ بن أبى طالب علیه السّلام و امّهما فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ألا اخبركم أیها الناس بخیر الناس عما و عمة ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه : قال :

الحسن و الحسین عمّهما جعفر بن أبیطالب و عمّتهما امّ هانى بنت أبیطالب .

أیها الناس ألا اخبركم بخیر الناس خالا و خالة ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه قال : الحسن و الحسین خالهما القاسم بن محمّد و خالتهما زینب بنت محمّد ألا إنّ أباهما فی الجنّة و امهما فى الجنّة و جدّهما فى الجنّة و جدّتهما فى الجنّة و خالهما فى الجنّة و خالتهما فى الجنّة و عمّهما فى الجنّة و عمّتهما فى الجنّة و هما فى الجنّة و من أحبّهما فى الجنّة و من أحبّ من أحبّهما فى الجنّة .

و فى البحار من بعض كتب المناقب القدیمة عن محمّد بن أحمد بن علىّ بن شاذان باسناده عن ابن عباس قال :

كنت جالسا بین یدى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذات یوم و بین یدیه علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السّلام إذ هبط جبرئیل و معه تفّاحة ، فحیّا بها النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و حیّا بها علیّ بن أبیطالب علیه السّلام فتحیّا بها علىّ و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه ، فتحیّا بها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 108 ]

و حیّا بها الحسن و تحیّا بها الحسن و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فتحیّا بها رسول اللّه و حیّا بها الحسین و تحیّا بها الحسین و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه فتحیّا بها و حیّا بها فاطمة فتحیّت بها و قبّلتها و ردّتها إلى النبیّ ، فتحیّا بها الرابعة و حیّا بها علیّ بن أبیطالب فلما همّ أن یردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سقطت التفاحة من بین أنامله فانفلقت بنصفین فسطع منها نور حتى بلغ إلى السماء الدّنیا فاذا علیها سطران مكتوبان : بسم اللّه الرّحمن الرّحیم تحیّة من اللّه إلى محمّد المصطفى و علیّ المرتضى و فاطمة الزّهراء و الحسن و الحسین سبطى رسول اللّه و أمان لمحبّیهما یوم القیامة من النار .

و عن ابن شاذان عن زاذان عن سلمان قال :

أتیت النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسلّمت علیه ثمّ دخلت على فاطمة علیهما السّلام فقال یا عبد اللّه هذان الحسن و الحسین جائعان یبكیان فخذ بأیدیهما فاخرج بهما إلى جدّهما فأخذت بأیدیهما و حملتهما حتى أتیت بهما إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : ما لكما یا حسناى ؟

قالا : نشتهى طعاما یا رسول اللّه ، فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اللّهم أطعمهما ثلاثا قال :

فنظرت فاذا سفرجلة فى ید رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شبیهة بقلّة من حجر أشد بیاضا من الثلج و أحلى من العسل و ألین من الزبد ، فعركها بابهامه فصیرها نصفین ثمّ دفع إلى الحسن نصفها و إلى الحسین نصفها ، فجعلت أنظر إلى النصفین فى أیدیهما و أنا أشتهیها قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا سلمان هذا طعام من الجنّة لا یأكله أحد حتّى ینجو من الحساب .

و باسناده عن الطبرانى باسناده عن سلمان قال :

كنا حول النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فجائت أم أیمن فقالت : یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لقد ضلّ الحسن و الحسین و ذلك عند ارتفاع النهار ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قوموا فاطلبوا ابنىّ ،

فأخذ كل رجل تجاه وجهه و أخذت نحو النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلم یزل حتى أتى صفح الجبل و إذا الحسن و الحسین علیهما السّلام ملتزق كلّ واحد منهما بصاحبه ، و إذا شجاع قائم على ذنبه یخرج من فیه شبه النار فأسرع لى « إلیه » رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فالتفت مخاطبا لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، ثم انساب فدخل بعض الأجحرة ، ثمّ أتاهما فافرق بینهما و مسح

[ 109 ]

وجوههما و قال بأبى و امّى أنتما ما أكرمكما على اللّه ، ثمّ حمل أحدهما على عاتقه الأیمن و الآخر على عاتقة الأیسر فقلت : طوبى كما نعم المطیة مطیتكما فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : و نعم الراكبان هما و أبوهما خیر منهما .

و روى فى المراسیل :

أنّ الحسن و الحسین علیهما السّلام كانا یبكیان ، فقال الحسن للحسین علیه السّلام : خطّی أحسن ، و قال الحسین : لا بل خطّى أحسن من خطّك ، فقال لفاطمة علیهما السّلام حكمى بیننا فكرهت فاطمة علیها السّلام أن تؤذى أحدهما ، فقالت لهما : سلا أباكما ، فسألاه فكره أن یؤذى أحدهما فقال : سلاجدّ كما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا أحكم بینكما حتّى أسأل جبرئیل فلما جاء جبرئیل قال : لا أحكم بینهما و لكن اسرافیل یحكم بینهما فقال اسرافیل : لا أحكم بینهما و لكن اسأل اللّه أن یحكم بینهما ، فسأل اللّه ذلك فقال تعالى : لا أحكم بینهما و لكن امّهما فاطمة تحكم بینهما ، فقالت فاطمة :

احكم بینهما یا ربّ و كانت لها قلادة فقالت : أنا أنثر بینكما جواهر هذه القلادة فمن أخذ منها أكثر فخطّه أحسن ، فنثرها و كان جبرئیل وقتئذ عند قائمة العرش ،

فأمره اللّه تعالى أن یهبط إلى الأرض و ینصف الجواهر بینهما كیلا یتأذّى أحدهما ففعل ذلك جبرئیل إكراما لهما و تعظیما .

و روى ركن الأئمة عبد الحمید بن میكائیل عن یوسف بن منصور السّاوى عن عبد اللّه بن محمّد الأزدى عن سهل بن عثمان عن منصور بن محمّد النسفی عن عبد اللّه ابن عمرو عن الحسن موسى عن صعدان عن مالك بن سلیمان عن ابن جریح عن عطا عن عایشة قالت :

كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جایعا لا یقدر على ما یأكل ، فقال لی : هاتى ردائى ، فقلت أین ترید ؟ قال : إلى ابنتى فأنظر إلى الحسن و الحسین فیذهب بعض ما بى من الجوع ، فخرج حتّى دخل على فاطمة علیها السّلام فقال : یا فاطمة أین ابناى ؟ فقالت :

[ 110 ]

یا رسول اللّه خرجا من الجوع و هما یبكیان ، فخرج النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی طلبهما فرأى أبا الدّرداء فقال : یا عویمر هل رأیت ابنیّ ؟ قال : نعم یا رسول اللّه هما نائمان فى ظلّ حائلى بنى جذعان ، فانطلق النبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فضمّهما و هما یبكیان و هو یمسح الدّموع عنهما ، فقال له أبو الدّرداء : دعنى أحملهما فقال یا أبا الدّرداء دعنى أمسح الدّموع عنهما فو الذى بعثنى بالحقّ نبیا لو قطرت قطرة فی الأرض لبقیت المجاعة فى امتى إلى یوم القیامة ثمّ حملهما و هما یبكیان و هو یبكى فجاء جبرئیل علیه السّلام فقال : السلام علیك یا محمّد ربّ العزّة جلّ جلاله یقرؤك السلام و یقول : ما هذا الجزع ؟ فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا جبرئیل ما أبكى جزعا بل أبكى من ذلّ الدّنیا ، فقال جبرئیل :

إنّ اللّه تعالى یقول : أیسرّك أن أحوّل لك احدا ذهبا و لا ینقص مما عندى شی‏ء ؟

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا ، قال : لم ؟ قال : لأنّ اللّه تعالى لم یحبّ الدّنیا و لو أحبّها لما جعلها للكافر أكملها فقال جبرئیل : ادع بالجفنة المنكوبة التی فی ناحیة البیت ، قال : فدعا بها ، فلما حملت فاذا فیها ثرید و لحم كثیر ، فقال : كل یا محمّد و أطعم ابنیك و أهل بیتك ،

قال : فأكلوا و شبعوا قال : ثمّ أرسل بها إلىّ فأكلوا و شبعوا و هو على حالها ، قال ما رأیت جفنة أعظم بركة منها فرفعت عنهم فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : و الذى بعثنی بالحقّ لو سكتّ لتداولها فقراء امتی إلى یوم القیامة .

و فى البحار وجدت فی بعض مؤلفات أصحابنا أنه روى مرسلا من جماعة من الصحابة قالوا :

دخل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دار فاطمة فقال : یا فاطمة إنّ أباك الیوم ضیفك ، فقالت یا أبت إن الحسن و الحسین یطالبانی بشی‏ء من الزاد فلم أجد لهما شیئا یقتاتان به ثمّ إنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دخل و جلس مع علیّ و الحسن و الحسین و فاطمة علیهم السّلام و فاطمة علیها السّلام متحیّرة ما تدرى كیف تصنع ، ثمّ إنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نظر إلى السماء ساعة و اذا بجبرئیل قد نزل و قال : یا محمّد العلیّ الأعلى یقرؤك السلام و یخصّك بالتحیّة و الاكرام و یقول لك : قل لعلیّ و فاطمة و الحسن و الحسین أىّ شی‏ء یشتهون من

[ 111 ]

فواكه الجنّة ؟ فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا علیّ و یا فاطمة و یا حسن و یا حسین إنّ ربّ العزّة علم أنّكم جیاع فأىّ شی‏ء تشتهون من فواكه الجنّة ؟ فأمسكوا عن الكلام و لم یردّوا جوابا حیاء من النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فقال الحسین : عن إذنك یا أبتا یا أمیر المؤمنین و عن إذنك یا أماه یا سیّدة نساء العالمین و عن إذنك یا أخاه الحسن الزّكی أختار لكم شیئا من فواكه الجنّة .

فقالوا جمیعا : قل یا حسین ما شئت فقد رضینا بما تختاره لنا ، فقال : یا رسول اللّه قل لجبرئیل : إنّا نشتهى رطبا جنیّا فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قد علم اللّه ذلك ثمّ قال :

یا فاطمة قومی و ادخلى البیت و احضرى إلینا ما فیه ، فدخلت فرأت فیه طبقا من البلّور مغطى بمندیل من السندس الأخضر و فیه رطب جنیّ فی غیر أوانه فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا فاطمة أنّى لك هذا قالت : هو من عند اللّه إنّ اللّه یرزق من یشاء بغیر حساب كما قالت مریم بنت عمران .

فقام النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تناوله و قدّمه بین أیدیهم ثمّ قال : بسم اللّه الرّحمن الرّحیم ثمّ أخذ رطبة واحدة فوضعها فی فم الحسین علیه السّلام فقال هنیئا مریئا لك یا حسین ،

ثمّ أخذ رطبة فوضعها فی فم الحسن علیه السّلام و قال هنیئا مریئا لك یا حسن ، ثمّ أخذ رطبة ثالثة فوضعها فی فم فاطمة الزّهراء علیها السّلام و قال هنیئا مرئیا لك یا فاطمة الزهراء ،

ثمّ أخذ رطبة رابعة فوضعها فى فم علىّ علیه السّلام و قال هنیئا مریئا لك یا علیّ ، ثمّ ناول علیّا رطبة اخرى ثمّ رطبة اخرى و النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول له هنیئا مریئا لك ، ثمّ وثب النبیّ قائما ثمّ جلس ثمّ أكلوا جمیعا عن ذلك الرّطب .

فلمّا اكتفوا و اشبعوا ارتفعت المائدة إلى السّماء باذن اللّه تعالى .

فقالت فاطمة : یا أبت لقد رأیت الیوم منك عجبا .

فقال : یا فاطمة أمّا الرّطبة الاولى الّتی وضعتها فی فم الحسین و قلت له هنیئا یا حسین فانّی سمعت میكائیل و اسرافیل یقولان هنیئا یا حسین فقلت أیضا موافقا لهما فی القول ، ثمّ أخذت الثانیة فوضعتها فی فم الحسن فسمعت جبرئیل و میكائیل یقولان هنیئا لك یا حسن فقلت أنا موافقا لهما فی القول ، ثمّ أخذت الثالثة فوضعتها

[ 112 ]

فی فمك یا فاطمة فسمعت الحور العین مسرورین مشرفین علینا من الجنان یقلن هنیئا لك یا فاطمة فقلت موافقا لهنّ بالقول ، و لمّا أخذت الرّابعة فوضعتها فی فم علیّ علیه السّلام سمعت النّداء من قبل الحقّ یقول هنیئا مریئا لك یا علیّ فقلت موافقا لقول اللّه عزّ و جلّ ، ثمّ ناولت علیّا رطبة اخرى ثمّ اخرى و أنا أسمع صوت الحقّ سبحانه یقول هنیئا مریئا لك یا علیّ فقلت موافقا لقول اللّه ، ثمّ قمت إجلالا لربّ العزّة جلّ جلاله فسمعته یقول یا محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عزّتی و جلالى لو ناولت علیّا من هذه الساعة إلى یوم القیامة رطبة رطبة لقلت هنیئا مریئا بعد بلا انقطاع و روى فی بعض الأخبار :

أنّ أعرابیا أتى الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال له : یا رسول اللّه لقد صدت خشفة غزالة و أتیت بها إلیك هدیة لولدیك الحسن و الحسین ، فقبلها النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و دعا له بالخیر فاذا الحسن واقف عند جدّه فرغب إلیها فأعطاه إیّاها ، فما مضى ساعة إلاّ و الحسین قد أقبل فرأى الخشفة عند أخیه یلعب بها فقال : یا أخى من أین لك هذه الخشفة ؟

فقال الحسن : أعطانیها جدّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فسار الحسین مسرعا إلى جدّه فقال : یا جدّاه أعطیت أخى خشفة و لم تعطنی مثلها و جعل یكرّر القول على جدّه و هو ساكت لكنّه یسلّى خواطره و یلاطفه بشى‏ء من الكلام حتّى أفضى من أمر الحسین علیه السّلام إلى أن همّ یبكى .

فبینما هو كذلك إذ نحن بصیاح قد ارتفع من باب المسجد ، فنظرنا فاذا ظبیة و معها خشفها و من خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تضربها بأحد أطرافها حتّى أتت بها النبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ثمّ نطقت الغزالة بلسان فصیح فقالت : یا رسول اللّه قد كانت لی خشفتان إحداهما صادها الصیاد و أتى بها إلیك ، و بقیت لی هذه الاخرى و أنا بها مسرورة و إنّی كنت الآن ارضعها فسمعت قائلا یقول : اسرعى اسرعى یا غزالة بخشفك إلى النبیّ محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اوصلیه سریعا لأنّ الحسین واقف بین یدی جدّه و قد همّ أن یبكى

[ 113 ]

و الملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة ، و لو بكى الحسین لبكت الملائكة المقرّبون لبكائه ، و سمعت أیضا قائلا یقول : اسرعى یا غزالة قبل جریان الدموع على خدّ الحسین فان لم تفعلى سلّطت علیك هذه الذئبة تأكلك مع خشفك فأتیت بخشفى إلیك یا رسول اللّه و قطعت مسافة بعیدة و لكن طویت لى الأرض حتّى أتیتك سریعة و أنا أحمد اللّه ربّى على أن جئتك قبل جریان دموع الحسین على خدّه ، فارتفع التّهلیل و التكبیر من الأصحاب و دعا النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الغزالة بالخیر و البركة و أخذ الحسین الخشفة و أتى بها إلى امه الزّهراء فسرّت بذلك سرورا عظیما و روى عن سلمان الفارسی قال :

اهدى إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قطف من العنب فی غیر أوانه فقال لی : یا سلمان ایتنی بولدىّ الحسن و الحسین لیأكلا معى من هذا العنب ، قال سلمان الفارسی : فذهبت أطرق علیهما منزل امّهما فلم أرهما ، فأتیت منزل اختهما امّ كلثوم فلم أرهما .

فخبّرت النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بذلك فاضطرب و وثب قائما و هو یقول : وا ولداه و اقرّة عیناه من یرشدنى علیهما فله على اللّه الجنّة ، فنزل جبرئیل من السماء و قال : یا محمّد على م هذا الانزعاج ؟ فقال : على ولدیّ الحسن و الحسین فانى خائف علیهما من كید الیهود ، فقال جبرئیل : یا محمّد بل خف علیهما من كید المنافقین ، فانّ كیدهم أشدّ من كید الیهود اعلم یا محمّد أنّ ابنیك الحسن و الحسین نائمان فی حدیقة أبی الدّحداح .

فسار النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من وقته و ساعته إلى الحدیقة و أنا معه حتّى دخلنا الحدیقة و إذا هما نائمان و قد اعتنق أحدهما الآخر و ثعبان فی فیه طاقة ریحان یروّح بها وجهیهما .

فلّما رأى الثّعبان النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ألقى ما كان فی فیه فقال : السّلام علیك یا رسول اللّه لست أنا ثعبانا و لكنّى ملك من ملائكة الكرّ و بیّین غفلت عن ذكر ربّی طرفة عین فغضب علىّ ربّى و مسخنى ثعبانا كما ترى و طردنى من السماء إلى

[ 114 ]

الأرض ولى منذ سنین كثیرة أقصد كریما إلى اللّه فأسأله أن یشفع لى عند ربّى عسى أن یرحمنى و یعیدنى ملكا كما كنت أوّلا إنّه على كلّ شی‏ء قدیر قال : فجاء النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقبّلهما حتّى استیقظا فجلسا على ركبتى النّبی .

فقال لهما النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : انظرا یا ولدّى هذا ملك من ملائكة اللّه الكرّوبیین قد غفل عن ذكر ربّه طرفة عین فجعله اللّه هكذا و أنا مستشفع بكما إلى اللّه فاشفعا له فوثب الحسن و الحسین علیهما السّلام فأسبغا الوضوء و صلّیا ركعتین و قالا : اللّهمّ بحقّ جدّنا الجلیل الحبیب محمّد المصطفى ، و بأبینا علىّ المرتضى ، و بامّنا فاطمة الزّهراء إلاّ ما رددته إلى حالته الأولى .

قال فما استتمّ دعاؤهما فاذا بجبرئیل نزل من السماء فی رهط من الملائكة و بشّر ذلك الملك برضى اللّه عنه و بردّه إلى سیرته الأولى ثمّ ارتفعوا إلى السماء و هم یسبّحون اللّه تعالى .

ثمّ رجع جبرئیل إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو متبسّم ، و قال یا رسول اللّه إنّ ذلك الملك یفتخر على الملائكة السّبع السماوات و یقول لهم : من مثلى و أنا فی شفاعة السیدین السّبطین الحسن و الحسین علیهما السّلام .

و قال حكى عن عروة البارقی قال :

حججت فی بعض السّنین فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فوجدت رسول اللّه جالسا و حوله غلامان یافعان و هو یقبّل هذا مرّة و هذا اخرى ، فاذا رآه النّاس یفعل ذلك أمسكوا عن كلامه حتّى یقضى منهما و ما یعرفون لأىّ سبب حبّه ایّاهما .

فجئته و هو یفعل ذلك بهما فقلت : یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هذان ابناك ؟ فقال :

انّهما ابنا ابنتی و ابنا أخى و ابن عمّى و أحبّ الرّجال إلىّ و من هو سمعى و بصرى و من نفسه نفسى و نفسى نفسه و من أحزن لحزنه و یحزن لحزنی .

فقلت له : قد عجبت یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من فعلك بهما و حبّك لهما .

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له : أحدّثك أیّها الرّجل إنّى لمّا عرج بی إلى السماء و دخلت

[ 115 ]

الجنّة انتهیت إلى شجرة فی ریاض الجنّة فعجبت من طیب رایحتها فقال لى جبرئیل :

یا محمّد تعجب من هذه الشجرة فثمرها أطیب من ریحها ، فجعل جبرئیل یتحفنی من ثمرها و یطعمنی من فاكهتها و أنا لا أملّ منها ، ثمّ مررنا بشجرة اخرى فقال لی جبرئیل : یا محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كل من هذه الشجرة فانّها تشبه الشجرة الّتی أكلت منها الثمر فهى أطیب طعما و أزكا رایحة .

قال : فجعل جبرئیل یتحفنی بثمرها و یشمّنی من رایحتها و أنا لا أملّ منها ، فقلت : یا أخى جبرئیل ما رأیت فی الأشجار أطیب و لا أحسن من هاتین الشّجرتین ، فقال لى : یا محمّد أتدرى ما اسم هاتین الشّجرتین ؟ فقلت : لا أدرى ،

فقال : إحداهما الحسن و الاخرى الحسین ، فاذا هبطت یا محمّد إلى الأرض من فورك فأت زوجتك خدیجة و واقعها من وقتك و ساعتك فانّه یخرج منك طیب رایحة الثمر الّذى أكلته من هاتین الشّجرتین فتلد لك فاطمة الزّهراء ، ثمّ زوّجها أخاك علیّا فتلد له ابنین فسمّ أحدهما الحسن و الآخر الحسین .

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ففعلت ما أمرنی أخى جبرئیل فكان الأمر ما كان ، فنزل إلىّ جبرئیل بعد ما ولد الحسن و الحسین فقلت له : یا جبرئیل ما أشوقنى إلى تینك الشّجرتین فقال لی : یا محمّد إذا اشتقت إلى الأكل من ثمرة تینك الشّجرتین فشمّ الحسن و الحسین .

قال : فجعل النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كلّما اشتاق إلى الشّجرتین یشمّ الحسن و الحسین علیهما الصلاة و السّلام و یلثمهما و هو یقول : صدق أخى جبرئیل ، ثمّ یقبّل الحسن و الحسین علیهما السّلام و یقول : یا أصحابى انّى أودّ أنّى اقاسمهما حیاتی لحبّی لهما و هما ریحانتاى من الدّنیا ، فتعجّب الرّجل وصف النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للحسن و الحسین علیهما السّلام .

و فى كشف الغمّة قال البغوى یرفعه إلى یعلی قال :

جاء الحسن و الحسین یسعیان إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأخذ أحدهما فضمّه إلى ابطه و أخذ الآخر فضّمه إلى ابطه الاخرى فقال : هذان ریحانتاى من الدّنیا من أحبّنی فلیحبّهما .

[ 116 ]

و فیه عن أبی هریرة قال :

خرج علینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و معه حسن و حسین علیهما السّلام هذا على عاتقة و هذا على عاتقة و هو یلثم هذا مرّة و هذا مرّة حتّى انتهى إلینا ، فقال له رجل : یا رسول اللّه إنّك تحبّهما فقال : من أحبّهما فقد أحبّنی و من أبغضهما فقد أبغضنی .

أقول : هذه الأخبار انموزج من مناقب أخبار السّبطین سلام اللّه علیهما و على جدّهما و أبیهما و امّهما و ظهر منها كیفیّة عنایة اللّه تعالى و عنایة رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إكرامهما فى حقّهما كما ظهر فرط محبّة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و محبّة أمیر المؤمنین إیّاهما إلى مرتبة یودّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أن یقاسمهما حیاته كما مرّ فی آخر روایات البحار و یرضى أمیر المؤمنین علیه السّلام بأن یخوض بنفسه الشّریف فی غمرات الحرب و یضنّ بهما ذلك حذرا من انقطاع نسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حسبما مرّ فی هذا الكلام الّذی نحن فی شرحه .

فلعن اللّه امة بلغوا الغایة فی العصیان ، و وصلوا إلى النّهایة فی إرضاء الشیطان و أقدموا على أمر عظیم من إسخاط الرّحمن ، كیف سعوا فی إطفاء نور اللّه و جدّوا فی قطع نسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و بدّلوا ما وصّاهم اللّه به من مودّة القربی بالعداوة و البغضاء ، و ما أوصاهم به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من محبّة العترة بالشقاوة و الشقاء .

فشوها لتلك الوجوه الّتی شوّهها الكفر و الفسوق و العصیان ، و سوأة لهذه الامّة الّتی لم تبق شیئا من مراتب العداوة و العناد و الطغیان ، فكیف لو شاهدهم النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مع ما أقدموا علیه فی حقّ الآل من سفك الدّماء و قتل الرجال و سبی الحریم و ذبح الأطفال ، اولئك علیهم لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعین و سیعلم الذین ظلموا أىّ منقلب ینقلبون .

الترجمة

از جمله كلام آن حضرتست در بعض أیّام جنگ صفین در حالتی كه دید پسرش امام حسن علیه السّلام را می‏شتابد بسوى جنگ فرمود بأصحاب خود :

مالك شوید و ممانعت نمائید بعوض من این جوان را تا آنكه نشكند بنیه

[ 117 ]

بدن مرا ، پس بدرستی كه من بخیل ترم باین دو جوان كه حسن و حسین علیهما السّلام باشند بر مرگ ، مبادا بریده شود بجهت موت ایشان نسل بر گزیده پیغمبر آن رسول خدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

سیّد رضى رحمة اللّه علیه گفته كه : فرمایش آن حضرت كه فرموده مالك شوید بعوض من از جمله كلام عالى مقام او و متضمّن غایت فصاحتست .

[ 208 ] و من كلام له ع قاله لما اضطرب علیه أصحابه فی أمر الحكومة

أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ لَمْ یَزَلْ أَمْرِی مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ حَتَّى نَهِكَتْكُمُ اَلْحَرْبُ وَ قَدْ وَ اَللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ وَ هِیَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِیراً فَأَصْبَحْتُ اَلْیَوْمَ مَأْمُوراً وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِیاً فَأَصْبَحْتُ اَلْیَوْمَ مَنْهِیّاً وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ اَلْبَقَاءَ وَ لَیْسَ لِی أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و السابع من المختار فى باب الخطب

و قد رویناه فی شرح الخطبة الخامسة و الثلاثین من كتاب صفین لنصر بن مزاحم باختلاف یسیر عرفته . قاله لمّا اضطرب علیه علیه السّلام أصحابه فی أمر الحكومة .

أیّها النّاس إنّه لم یزل أمری معكم على ما أحبّ ، حتّى نهكتكم الحرب ، و قد و اللّه أخذت منكم و تركت ، و هی لعدوّكم أنهك ،

لقد كنت أمس أمیرا ، فأصبحت الیوم مأمورا ، و كنت أمس ناهیا ،

فأصبحت الیوم منهیّا ، و قد أحببتم البقآء ، و لیس لی أن أحملكم على ما تكرهون .

اللغة

( نهكته ) الحمّى نهكأ من باب منع و تعب هزلته ، و نهكه السلطان عقوبة بالغ فیه ، و نهكت الثّوب لبسته حتّى خلق و بلى ( و الحرب ) مؤنّث سماعیّ و قد تذكر ذهابا إلى معنى القتال فیقال حرب شدید

[ 118 ]

الاعراب

قوله علیه السّلام : و قد و اللّه أخذت ، جملة القسم معترضة بین قد و مدخولها جیئت بها لتأكید الكلام .

المعنى

اعلم أنّه قد تقدّم فی شرح الخطبة الخامسة و الثلاثین تفصیل قصّة الحكومة و عرفت هناك أنّ أهل الشام لمّا ضعفوا عن مقاومة أهل العراق و عجزوا عن مقاتلتهم و رأوا علوّ كلمة الحقّ و أیقنوا بالهلاك و العطب ، عدلوا عن القراع إلى الخداع فرفعوا المصاحف على الرّماح بتدبیر ابن النابغة عمرو بن العاص اللّعین على وجه الخدیعة و المكیدة .

و لمّا رأى أهل العراق منهم ذلك كفّوا أیدیهم عن القتال و اجتمعوا علیه علیه السّلام و طالبوه بالكفّ عنهم و كانوا فی ذلك على أقسام .

فمنهم من دخلت علیه الشّبهة برفع المصاحف و اعتقدوا أنّهم لم یرفعوها خدیعة و حیلة بل حقا و عملا بموجب الكتاب و تسلیما للدّین الحقّ فرأى أنّ الاستسلام للحجّة أولى من الاصرار على الحرب .

و منهم من قد كان ملّ من الحرب بطول المدّة ، فلمّا رأى شبهة ما یسوغ التعلّق بها فى رفض المحاربة و حبّ العافیة أخلد إلیها .

و منهم من كان یبغض أمیر المؤمنین علیه السّلام بالباطن و یطیعه بالظاهر كما یطیع كثیر من النّاس السلطان ظاهرا أو یبغضه باطنا فلمّا وجد طریقا إلى خذلانه و ترك نصرته أسرع إلیها .

فاجتمع جمهور عسكره إلیه علیه السّلام و طالبوه الكفّ فامتنع امتناع عالم بالمكیدة و عرّفهم أنّها خدعة و حیلة و قال لهم : إنّى أعرف بالقوم منكم و أعلم أنّهم لیسوا بأهل دین و لا قرآن فلا تغترّوا برفعهم للمصاحف و انهدوا إلیهم و لم یبق منهم إلاّ آخر نفسهم ، فأبوا علیه و لجّوا و أصرّوا على القعود و الخذلان و طلبوا أن ینفذ إلى الأشتر و سایر المحاربین أن یكفّوا عن الحرب و یرجعوا .

فأرسل إلى الأشتر و أمره بالرّجوع ، فقال الأشتر : و كیف أرجع و قد لاحت

[ 119 ]

أمارات الظفر و قال له : لیمهلنی ساعة واحدة و لم یكن عالما بصورة الحال ، فلمّا عاد إلیه الرّسول بذلك غضبوا و شغبوا و قالوا : أنفذت إلى الأشتر سرّا تأمره بالجدّ و تنهاه عن الكفّ و إن لم یعد قتلناك كما قتلنا عثمان .

فرجعت الرّسل إلى الاشتر فقالوا له : أتحبّ أن تظفر بالعدوّ و أمیر المؤمنین قد سلّت علیه خمسون ألف سیف ، فقال : ما الخبر ؟ قالوا : إنّ الجیش بأسره قد أحدقوا به و هو جالس بینهم على الأرض تحته نطع و هو مطرق و البارقة تلمع على رأسه یقولون : لئن لم یرجع الأشتر قتلناك .

فرجع فوجد أمیر المؤمنین تحت الخطر قد ردّوه أصحابه بین الأمرین إن لم یكفّ عن الحرب إمّا أن یسلّموه إلى معاویة أو یقتلوه و لا ناصر له منهم إلاّ ولداه و ابن عمّه و نفر قلیل لا یبلغ عشرة .

فلمّا رآهم الأشتر شتمهم و شتموه و أبوا و قالوا : المصاحف المصاحف و الرّجوع إلیها لا نرى غیر ذلك ، فأجابهم أمیر المؤمنین إلى ذلك كرها دفعا للأفسد بالفاسد و قال لهم :

( أیّها الناس إنه لم یزل أمرى معكم على ما احبّ ) من قتال أهل البغی و العدوان و استیصال القاسطین من حزب الشّیطان ( حتّى ) عاد طاعتكم لی إلى المخالفة و نصرتكم إلى الخذلان و المنابذة فأبیتم إباء المخالفین الجفاة و المنابذین العصاة بما ( نهكتكم ) و هزلتكم ( الحرب ) بطول مدّتها و ثقل أوزارها .

و نبّه على خطائهم فی القعود عنها بقوله ( و قد و اللّه أخذت منكم ) طائفة ( و تركت ) طائفة فلم تستأصلكم بالمرّة بل بقیت منكم بقیّة ( و هی لعدوّكم ) أنكى و ( أنهك ) إذ لم یبق منهم إلاّ حشاشة ضعیفة فانّ القتل فی أهل الشام كان أشدّ استحرارا و الوهن فیهم أظهر ، و لو لا فساد أهل العراق لاستوصل الشّام و خلص إلى معاویة فأخذه بعنقه ، و لم یكن قد بقی من قوّة أهل الشام إلاّ حركة المذبوح و مثل حركة ذنب الوزغة عند قتلها یضطرب یمینا و شمالا .

ثمّ أخذ فی التّشكّی منهم بسوء فعلهم فقال ( لقد كنت أمس أمیرا فأصبحت

[ 120 ]

الیوم مأمورا ) لا یخفى حسن المقابلة بین القرینتین و هو من مقابلة الثلاثة بالثلاثة .

و كذا فی قوله ( و كنت أمس ناهیا فأصبحت الیوم منهیّا ) ثمّ ساق الكلام مساق التّعریض و التقریع فقال ( و قد أحببتم البقاء و لیس لی أن أحملكم على ما تكرهون ) من القتال و القتل ، و عدم حمله لهم على ذلك إمّا لعدم القدرة أو لعدم اقتضاء المصلحة لیقضی اللّه أمرا كان مفعولا .

الترجمة

از جمله كلام معجز نظام آن امام أنام علیه الصلاة و السلام است كه فرموده آن را هنگامى كه مضطرب شدند و اغتشاش نمودند أصحاب او بر او در أمر حكومت حكمین پس فرمود آن بزرگوار بایشان :

اى مردمان بدرستی كه ثابت بود أمر من و شما بر چیزیكه دوست می‏داشتم تا اینكه لاغر و ضعیف نمود شما را حرب و كارزار و حال آنكه قسم بخدا آن حرب بعض شما را فرا گرفت و بعضى را فرو گذاشت ، و از براى دشمن زیادتر موجب لاغرى آنها شد ، بتحقیق بودم دیروز أمیر شما پس گردیدم امروز مأمور ، و بودم دیروز نهى كننده و گردیم امروز نهی شده ، و بتحقیق دوست داشتید زندگانی را و نیست مرا كه الزام نمایم شما را بر چیزیكه مكروه طبع شماست .