[ 209 ] و من كلام له ع بالبصرة و قد دخل على العلاء بن زیاد الحارثی و هو من أصحابه یعوده فلما رأى سعة داره قال

مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ اَلدَّارِ فِی اَلدُّنْیَا وَ أَنْتَ إِلَیْهَا فِی اَلْآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ وَ بَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا اَلْآخِرَةَ تَقْرِی فِیهَا اَلضَّیْفَ وَ تَصِلُ فِیهَا اَلرَّحِمَ وَ تُطْلِعُ مِنْهَا اَلْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا اَلْآخِرَةَ فَقَالَ لَهُ اَلْعَلاَءُ یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ أَشْكُو إِلَیْكَ أَخِی عَاصِمَ بْنَ زِیَادٍ قَالَ وَ مَا لَهُ قَالَ لَبِسَ اَلْعَبَاءَةَ وَ تَخَلَّى عَنِ اَلدُّنْیَا قَالَ عَلَیَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ یَا عُدَیَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اِسْتَهَامَ بِكَ اَلْخَبِیثُ أَ مَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَ وَلَدَكَ أَ تَرَى اَللَّهَ أَحَلَّ لَكَ اَلطَّیِّبَاتِ وَ هُوَ یَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ قَالَ یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ هَذَا أَنْتَ فِی خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَ جُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ قَالَ وَیْحَكَ إِنِّی لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ اَلْعَدْلِ أَنْ یُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ اَلنَّاسِ كَیْلاَ یَتَبَیَّغَ بِالْفَقِیرِ فَقْرُهُ

و من كلام له علیه السّلام بالبصرة و هو المأتان و الثامن من المختار فى باب الخطب

و هو مروىّ فی شرح المعتزلی باختلاف تعرفه إنشاء اللّه ، و روى بعض فقراته فی الكافی أیضا مسندا بسند نذكره فی التّكملة الآتیة .

قال الرضیّ رضی اللّه عنه : و قد دخل على العلاء بن زیاد الحارثی و هو من أصحابه یعوده فلمّا رأى سعة داره قال علیه السّلام :

ما كنت تصنع بسعة هذه الدّار فی الدّنیا ، أما أنت إلیها فی الاخرة

[ 121 ]

كنت أحوج ، و بلى إن شئت بلغت بها الاخرة تقری فیها الضّیف ،

و تصل فیها الرّحم ، و تطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الاخرة .

فقال له علیه السّلام العلاء یا أمیر المؤمنین أشكو إلیك أخی عاصم بن زیاد قال علیه السّلام : و ما له ؟ قال : لبس العباء و تخلّى من الدّنیا ، قال علیه السّلام : علیّ به فلمّا جآء قال :

یا عدیّ نفسه ، لقد استهام بك الخبیث ، أما رحمت أهلك و ولدك ،

أترى اللّه أحلّ لك الطّیّبات و هو یكره أن تأخذها ، أنت أهون على اللّه من ذلك ، قال : یا أمیر المؤمنین هذا أنت فی خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك ، قال علیه السّلام : ویحك إنّی لست كأنت ، إنّ اللّه تعالى فرض على أئمّة الحقّ أن یقدروا أنفسهم بضعفة النّاس كیلا یتبیّغ بالفقیر فقره .

اللغة

( وسع ) المكان القوم و وسع المكان یسع أى اتّسع یتعدّى و لا یتعدّى و المصدر سعة بفتح السّین و به قرء السبعة فی قوله تعالى و لم یوت سعة من المال و كسرها لغة و به قرء بعض التابعین قال الفیومی قیل : الأصل فی المضارع الكسر و لهذا حذفت الواو لوقوعها بین یاء مفتوحة و كسرة ثمّ فتحت بعد الحذف لمكان حرف الحلق ، و مثله یهب و یقع و یدع و یلغ و یطأ و یضع ، و الحذف فی یسع و یطأ ممّا ماضیه مكسور شاذّ لأنّهم قالوا : فعل بالكسر مضارعه یفعل بالفتح

[ 122 ]

و استثنوا أفعالا لیست هذه منها .

( و قریت ) الضّعیف أقریه من باب رمى و ( عدىّ نفسه ) تصغیر عدو و أصله عدیو و فحذفت إحدى الواوین و قلبت الثّانیة یاء تخفیفا ثمّ ادغمت یاء التصغیر فیها و ( هام ) یهیم خرج على وجهه لا یدرى أین یتوجّه فهو هائم و استهام بك أى جعلك هائما ، و قال الشارح البحرانی : اى أذهبك لوجهك و زیّن لك الهیام و هو الذّهاب فی التّیه .

و ( الملبس ) و ( المأكل ) مصدران بمعنى المفعول ، و طعام ( جشب ) و مجشوب غلیظ و قیل الّذى لا ادام معه و ( أئمّة الحقّ ) فی بعض النسخ أئمّة العدل بدله و ( یقدروا ) أنفسهم فی بعض النسخ بالتخفیف مضارع قدر من باب ضرب و فی بعضها بالتثقیل و المعنى واحد مأخوذان من القدر بمعنى التضییق قال تعالى اللّه یبسط الرّزق لمن یشاء و یقدر له أو بمعنى قیاس الشی‏ء بالشّی‏ء و یقال أیضا هذا قدر هذا و قدره أى مماثله و ( البیغ ) ثوران الدّم و تبیغ علیه الأمر اختلط و الدّم هاج و غلب .

الاعراب

قوله : ما كنت تصنع ، كان هنا زایدة كما فی قوله تعالى كیف نكلّم من كان فی المهد صبیّا و قوله : أما أنت اه أما حرف استفتاح یبدء بها الكلام و فایدتها المعنویّة توكید مضمون الجملة الّتی بعدها قال نجم الأئمّة : و كأنها مركبّة من همزة الانكار و حرف النّفى و الانكار نفى و نفى النّفى إثبات ركب الحرفان لافادة الاثبات و التّحقیق و فایدتها اللّفظیّة كون الكلام بعدها مبتدء به ، و فی بعض النّسخ ما أنت بدل أما أنت و علیه فتكون ما موصولة بدلا من الدّار أو من سعة و الأوّل أظهر .

و قوله إلیها متعلق بقوله أحوج ، و كذا قوله : فى الآخرة ، و قوله : و بلى استدراك عن الجملة السّابقة قال الفرّاء أصلها بل زیدت علیها الألف للوقف ، و قال نجم الأئمّة : لفظة بل التی تلیها الجمل للانتقال من جملة إلى اخرى أهمّ من الاولى ، قال : و تجى‏ء بعد الاستفهام أیضا كقوله : أتأتون الذكران إلى قوله بل أنتم قوم عادون .

[ 123 ]

أقول : و یكون بلى هنا بمعنى الاستدراك ادخلت علیها الواو كما تدخل على لكن ، و یجوز جعلها عاطفة للجملة على الجملة و لكن جعلها اعتراضیّة أظهر من حیث المعنى .

و جملة تقرى فیها الضّیف یجوز أن تكون حالا من قوله بها ، و یجوز أن تكون استینافا بیانیّا فانّه علیه السّلام لمّا قال له : إن شئت بلغت بها ، فكأنه سئل عن كیفیّة البلاغ فقال : تقرى فیها .

و قوله : علىّ به ، اسم فعل أى ایتونى به قال نجم الأئمة : یقال علیك زیدا أى خذه كأنّ الأصل علیك أخذه و أمّا علیّ بمعنى ادلّنى فهو مخالف للقیاس من وجه آخر إذ هو أمر لكن الضمیر المجرور به فی معنى المفعول یقال علیّ زیدا أى قرّ بنیه و القیاس أن یكون المجرور فاعلا ، و قوله : یا عدىّ نفسه یحتمل أن یكون التصغیر للتحقیر ، و أن یكون للتعظیم كما فى قول الشاعر :

و دیهیة تصفرّ منها الأنامل

و جملة : لقد استهام بك ، جواب قسم مقدّر و الباء زایدة ، و أما رحمت ، حرف تندیم و أترى اللّه استفهام توبیخی ، و قوله هذا أنت فی خشونة ملبسك الظرف حال من أنت لأنه فی المعنى مفعول لمدلول هذا أى اشیر إلیك حالكونك فی خشونة اه و مثل ذلك قوله تعالى هذا بعلی شیخا أى انبّه علیه أو اشیر إلیه شیخا .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام قاله بالبصرة و قد دخل على العلاء بن زیاد الحارثى و هو من أصحابه یعوده و یتفقّد حاله لمرضه فلمّا رأى علیه السّلام سعة داره قال :

( ما كنت تصنع بسعة هذه الدّار فی الدّنیا ) استفهام وارد معرض التوبیخ و الانكار لما صنعه لمنافاته الزّهد المطلوب و لمّا نبه على ذلك أردفه بقوله ( أما أنت إلیها فی الآخرة كنت أحوج ) تنبیها له على كون السعة محتاجا إلیها فی الآخرة مزید الاحتیاج ، و ذلك لكون الدنیا دار فناء و انقطاع و الآخرة دار قرار و بقاء ، و معلوم أنّ إصلاح المقرّ أولى من الممرّ ، و الحاجة إلیه فیه أزید و أشدّ .

[ 124 ]

ثمّ استدرك بقوله ( و بلى إن شئت بلغت بها الآخرة ) یعنى أنّك بعد ما فرطت فی توسعتها و بنائها یمكن لك تدارك ذلك بأن تجعلها بلاغا و وصلة و وسیلة إلى اتّساع الدّار الآخرة بأن ( تقرى فیها الضّیف و تصل فیها الرّحم ) و القرابة ( و تطلع منها الحقوق مطالعها ) أى تخرج فیها الحقوق المالیّة الواجبة و المندوبة من الخمس و الزّكاة و الصّدقات و صنایع المعروف و الحقّ المعلوم للسائل و المحروم و سایر وجوه البرّ المقرّبة إلى اللّه سبحانه و تضعها فی مواضعها اللایقة و تصرفها فی مصارفها المستحقّة .

و قال الشارح البحرانی : مطالع الحقوق وجوهها الشرعیّة المتعلّقة به كالزّكاة و الصّدقة و غیرهما ، و الأظهر بل الأولى ما ذكرناه .

و كیف كان فالمراد أنّك إن أتیت فیها بالقربات و الحسنات و أقمت باخراج الحقوق المفروضات و المندوبات ( فاذا أنت قد بلغت بها الآخرة ) و احملت « جمعت ظ » بینها و بین الدّنیا ( فقال له العلاء یا أمیر المؤمنین أشكو إلیك أخی عاصم بن زیاد قال و ما له قال لبس العباء و تخلّى من الدّنیا ) .

قیل : المراد بلبس العباء جعلها شعارا أو ترك القطن و نحوه و الاكتفاء بلبسها فی الصّیف و الشّتاء و فی وصیّة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأبی ذر : یكون فی آخر الزّمان قوم یلبسون الصوف فی صیفهم و شتائهم یرون لهم بذلك الفضل على غیرهم اولئك یلعنهم ملائكة السماوات و الأرض ، انتهى .

أقول : و الأظهر أنّ المراد أنّه اقتصر بلبس العباء و ترك الدّنیا بالمرّة و لم یأخذ منها سواها .

( قال علیه السّلام علىّ به ) أى ائتونی به و احضروه لدىّ ( فلمّا جاء قال علیه السّلام یا عدّى نفسه ) .

قال الشارح البحرانی : صغّره استصغارا له باعتبار أنّ شیطانه لم یقده إلى كبیرة بل قاده إلى أمر و إن كان خارجا به عن الشریعة إلاّ أنّه قریب من السلامة و دخل علیه بالخدعة فی رأى الصّالحین ، و قیل : بل صغّره من جهة حقارة فعله ذلك

[ 125 ]

لكونه عن جهل منه ، انتهى .

و الأظهر أن یكون التصغیر للتّعظیم ، و الغرض منه استعظامه لعداوته لها باعتبار ظلمه علیها ، و ذلك لأن لنفسه و لكلّ من جوارحه علیه حقّا و قد روینا فی شرح الخطبة التّاسعة و الثمانین فی ضمن أخبار محاسبة النفس من الوسایل من الخصال و معانی الأخبار عن عطا عن أبی ذر عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حدیث قال : و على العاقل ما لم یكن مغلوبا أن تكون له ساعات : ساعة یناجی فیها ربّه ،

و ساعة یحاسب فیها نفسه ، و ساعة یتفكّر فیها صنع اللّه إلیه ، و ساعة یخلو فیها بحظ نفسه من الحلال فانّ هذه السّاعة معینة لتلك السّاعات ، و استجمام للقلوب و تفریغ لها .

و فى البحار من كتاب تنبیه الخاطر قیل : إنّ سلمان رضى اللّه عنه جاء زائرا لأبی الدّرداء فوجد امّ الدّرداء مبتذلة ، فقال : ما شأنك ؟ قالت : إنّ أخاك لیست له حاجة فی شی‏ء من أمر الدّنیا ، قال : فلمّا جاء أبو الدّرداء رحّب لسلمان و قرّب إلیه طعاما فقال لسلمان اطعم فقال : إنّى صائم ، قال : أقسمت علیك إلاّ ما اطعمت ، فقال : ما أنا بآكل حتّى تأكل ، قال : و بات عنده فلمّا جاء اللیل قام أبو الدّرداء فحبسه سلمان فقال : یا أبا الدّرداء إنّ لربّك علیك حقّا ، و لجسدك علیك حقّا ، و لأهلك علیك حقّا ، فصم و افطر و صلّ و نم و أعط كلّ ذى حقّ حقّه ، فأتى أبو الدّرداء النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأخبره بما قال سلمان فقال علیه السّلام مثل قول سلمان .

و قوله ( لقد استهام بك الخبیث ) أى جعلك هائما متحیّرا لا تدرى ما تفعل و أین تذهب ، و فیه تنبیه على أنّ تركه للدّنیا لم یكن عن خالص العقل ، بل كان بمداخلة الشیطان و شوب الهوى ، و ذلك بما كان فی فعله ذلك من الاخلال بجملة من الحقوق الواجبة شرعا علیه من حقّ الأهل و الأولاد كما أشار إلیه بقوله :

( أما رحمت أهلك و ولدك ) استفهام فی معرض التّوبیخ و الانكار ، لاعراضه عنهم و تركه لهم و عدم ترحّمه علیهم ، و قد جعل اللّه تعالى علیه حقّا .

كما یدلّ علیه ما رواه فی البحار من كتاب تحف العقول فی رسالة علیّ بن

[ 126 ]

الحسین علیه السّلام المعروفة برسالة الحقوق قال علیه السّلام :

و أمّا حقّ أهل بیتك عامّة ، فاضمار السلامة ، و نشر جناح الرّحمة ، و الرّفق بمسیئهم ، و شكر محسنهم إلى نفسه و إلیك فانّ إحسانه إلى نفسه إحسانه إلیك إذا كفّ عنك أذاه و كفاه مؤنته و حبس عنك نفسه . فعمّهم جمیعا بدعوتك و انصرهم جمیعا بنصرتك ، و أنزلهم جمیعا منك منازلهم ، كبیرهم بمنزلة الوالد ، و صغیرهم بمنزلة الولد ، و أوسطهم بمنزلة الأخ .

و فى هذه الرّسالة أیضا و أمّا حقّ ولدك فتعلم أنّه منك و مضاف إلیك فی عاجل الدّنیا بخیره و شرّه و انك مسئول عمّا ولّیته من حسن الأدب و الدلالة على ربّه و المعونة له على طاعته فیك و فی نفسه فمثاب على ذلك و معاقب فاعمل فی أمره عمل المتزّین بحسن أثره علیه فی عاجل الدّنیا المعذر إلى ربّه فیما بینك و بینه بحسن القیام علیه و الأخذ له منه و لا قوّة إلاّ باللّه .

و فى البحار من الفقه الرّضوى أروى عن العالم علیه السّلام ، أنّه قال لرجل :

ألك والدان ؟ فقال : لا ، فقال : أ لك ولد ؟ قال : نعم ، قال له : برّ ولدك یحسب لك برّ والدیك .

و روى أنّه قال : برّوا أولادكم و أحسنوا إلیهم فانّهم یظنّون أنكم ترزقونهم و فى الفقیه قال الصادق علیه السّلام برّ الرّجل بولده برّه بوالدیه .

و فى خبر آخر من كان عنده صبىّ فلیتصابّ له .

و فى الوسایل من الكافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ اللّه لیرحم العبد لشدّة حبّه بولده .

و عن كلیب الصیداوى قال قال لى أبو الحسن علیه السّلام : اذا وعدتم الصبیان ففوا لهم فانّهم یرون أنّكم الذین ترزقونهم ، إنّ اللّه عزّ و جلّ لیس یغضب لشی‏ء كغضبه للنساء و الصبیان .

و فى الكافی فی كتاب المعیشة فی باب الحثّ على الطلب و التعرّض للرّزق عن معلّى بن خنیس قال : سأل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن رجل و أنا عنده ، فقیل : أصابته الحاجة

[ 127 ]

فقال : ما یصنع الیوم ؟ قیل : فی البیت یعبد ربّه قال : فمن أین قوته ؟ قیل : من عند بعض إخوانه فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : و اللّه الذی یقوته أشدّ عبادة منه .

و فیه عن أبی حمزة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : من طلب الدنیا استعفافا عن الناس و سعیا على أهله و تعطفا على جاره لقى اللّه عزّ و جلّ یوم القیامة و وجهه مثل القمر لیلة البدر .

ثمّ أنكر علیه ثانیا بقوله ( أترى اللّه أحلّ لك الطیّبات ) من الرزق و الفاخرات من اللّباس ( و هو یكره أن تأخذها ) و نبّه بهذه الجملة الانكاریّة على أنّ التخلیة من الدّنیا بالكلیّة لیست مطلوبة للشّارع ، لأنّها توجب اختلال نظام العالم ، و فیه نقض لغرض الشّارع و مقصوده الذى هو عمارة الأرض و بقاء النّوع الانسانی حینا من الدّهر و مدّة من الزّمان الّتی اقتضت الحكمة الالهیّة و المشیّة الرّبانیة بقائه إلى تلك المدّة لیعبدوه و یوحّدوه سبحانه فیها ، لأنّ التّعمیر و التمدّن و بقاء النوع لا یحصل و لا یتمّ إلاّ بتعاون أبناء النّوع و تشاركهم على القیام بمصالح البقاء و لوازمه و ترك الدّنیا و الاعراض عنها مناف لذلك الغرض البتّة ، هذا .

و فی قوله علیه السّلام : أترى اللّه أحلّ لك الطیّبات ، تلمیح إلى قوله عزّ و جلّ قل من حرّم زینة اللّه الّتی أخرج لعباده و الطیبات من الرّزق قل هی للذین آمنوا فی الحیوة الدنیا خالصة یوم القیامة أى من حرّم الثّیاب الّتی تتزّین بها الناس و سایر ما یتجمّل به مما أخرجها اللّه من الأرض لعباده من القطن و الكتان و الابریشم و الصّوف و الجواهر و المستلذّات من المآكل و المشارب روى فی الصافی من الكافی عن الصّادق علیه السّلام بعث أمیر المؤمنین عبد اللّه بن عباس إلى ابن الكوّا و أصحابه و علیه قمیص رقیق و حلّة ، فلمّا نظروا إلیه قالوا :

یا ابن عباس أنت خیرنا فی أنفسنا و أنت تلبس هذا اللّباس ؟ قال : و هذا أوّل ما اخاصمكم فیه قل من حرّم زینة اللّه الّتی اخرج لعباده و الطیّبات من الرّزق و قال اللّه خذوا زینتكم عند كلّ مسجد .

و عن الصادق علیه السّلام أنّه كان متكئا على بعض أصحابه فلقیه عباد بن كثیر

[ 128 ]

و علیه علیه السّلام ثیاب مرویة 1 فقال یا أبا عبد اللّه إنّك من أهل بیت النّبوة و كان أبوك 2 و كان 3 فما لهذه الثیاب المرویة علیك ؟ فلو لبست دون هذه الثیاب فقال له : ویلك یا عبّاد من حرّم زینة اللّه الّتی أخرج لعباده و الطیبات من الرّزق إنّ اللّه عزّ و جلّ إذا أنعم على عبده نعمة أحبّ أن یراها علیه لیس بها بأس ، ویلك یا عباد إنّما أنا بضعة من رسول اللّه فلا تؤذونی و كان عباد یلبس ثوبین من قطن و فى شرح المعتزلی روى انّ قوما من المتصوّفة دخلوا بخراسان على علیّ ابن موسى الرّضا علیهما السّلام فقالوا له إنّ أمیر المؤمنین 4 فكّر فیما ولاّه اللّه من الامور فرآكم أهل البیت أولى الناس أن تؤمّوا الناس و نظر فیكم أهل البیت فرآك أولى النّاس بالناس فرأى أن یردّ هذا الأمر إلیك و الامامة تحتاج إلى من یأكل الجشب و یلبس الخشن و یركب الحمار و یعود المریض ، فقال علیه السّلام لهم : إنّ یوسف كان نبیّا یلبس أقبیة الدّیباج المزرورة بالذهب ، و یجلس على متكئات آل فرعون ، و یحكم إنّما یراد من الامام قسطه و عدله إذا قال صدق و إذا حكم عدل و إذا وعد أنجز إنّ اللّه لم یحرّم لبوسا و لا مطعما ، ثمّ قرء قل من حرّم زینة اللّه الّتی أخرج لعباده الآیة .

و قال ابن عباس فی قوله قل هی للذین آمنوا فی الحیوة الدّنیا خالصة یوم القیامة یعنى أنّ المؤمنین یشاركون المشركین فی الطیبات فی الدّنیا فأكلوا من طیّبات طعامهم ، و لبسوا من جیاد ثیابهم ، و نكحوا من صالح نسائهم ، ثمّ یخلص اللّه الطیبات فی الآخرة للذین آمنوا و لیس للمشركین فیها شی‏ء .

و فی الصّافی من الامالی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حدیث : و اعلموا یا عباد اللّه إنّ المتقین حازوا عاجل الخیر و آجله ، شاركوا أهل الدّنیا فی دنیاهم ، و لم

-----------
( 1 ) الرواء بضم الراء و المد حسن المنظر ، منه .

-----------
( 2 ) یعنى أمیر المؤمنین ( ع ) منه .

-----------
( 3 ) أى زاهدا .

-----------
( 4 ) أى المأمون الملعون ، منه .

[ 129 ]

یشاركهم أهل الدّنیا فی آخرتهم ، أباحهم اللّه الدّنیا ما كفاهم و أغناهم قال اللّه عزّ و جلّ قل من حرّم زینة اللّه الآیة سكنوا الدّنیا بأفضل ما سكنت ، و أكلوها بأفضل ما اكلت ، شاركوا أهل الدّنیا فی دنیاهم فأكلوا معهم من طیّبات ما یأكلون ،

و شربوا من طیّبات ما یشربون ، و لبسوا من أفضل ما یلبسون ، و سكنوا من أفضل ما یسكنون ، و تزوّجوا من أفضل ما یتزوّجون ، و ركبوا من أفضل ما یركبون ،

و أصابوا لذّة الدّنیا مع أهل الدّنیا ، و هم غدا جیران اللّه یتمنّون علیه فیعطیهم ما یتمنّون ، لا تردّ لهم دعوة ، و لا ینقص لهم نصیب من اللذة ، فالى هذا یا عباد اللّه یشتاق إلیه من كان له عقل ، هذا .

و قوله علیه السّلام ( أنت أهون على اللّه من ذلك ) یعنى أنّ أفعال اللّه سبحانه و أحكامه لیست كأفعال خلقه و أحكامهم ، فربّما یعطى الواحد منّا مالا لآخر مع عدم طیب نفسه به بل على كره منه له أو یأذن له أن یسكن فی منزله باقتضاء مصلحة لاحظها فیه من مداراة معه و نحوها مع كراهة له باطنا و أمّا اللّه القادر القاهر العزیز ذوا السلطان فأجلّ و أعلى من أن یكون ما أعطاه و أحلّه لعباده من باب المصانعة و المجاملة ، لأنّهم أهون عنده تعالى من ذلك ، و أىّ ملاحظة للخالق من مخلوقه الذّلیل ، و مداهنة للقاهر من مقهوره الضّعیف المقیّد بقید الرّقیة و العبودیّة .

( قال یا أمیر المؤمنین هذا أنت ) إمامنا و قد وتنا حالكونك ( فی خشونة ملبسك ) حیث قنعت من اللّباس بطمریه 1 ( و جشوبة مأكلك ) حیث اقتصرت من الطعام بقرصیه فینبغی لنا أن نتأسّی و نأتمّ بك و نحذ و حذوك .

( قال علیه السّلام ویحك ) كلمة رحمة قالها شفقة و عطوفة ( إنّى لست كأنت ) یعنى أنّ تكلیفى الشرعی غیر تكلیفك ، و أشار إلى وجه المغایرة بقوله :

( إن اللّه تعالى فرض على أئمّة الحقّ أن یقدروا أنفسهم بضعفة الناس ) أى یضیّقوا على أنفسهم فی المعاش بضیق الفقراء و الضعفاء أو یقیسوا أنفسهم بهؤلاء و یكونوا شبیها بهم

( 1 ) الطمر الثوب الخلق و الكساء البالى ، م .

[ 130 ]

( كیلا یتبیّغ ) و یغلب ( بالفقیر فقره ) فیقلّ صبره فیعطب ، و ذلك فانّ الفقیر إذا رأى إمامه و مقتداه بزىّ الفقراء و معاشه مثل معاش المساكین كان له تسلیة عمّا یتجرّعه من غصص الفقر و نغص المسكنة هذا .

و یؤیّد ما ذكره علیه السّلام من أنّ الفرض على أئمّة الحقّ أن یقدروا أنفسهم بالضّعفاء :

ما رواه فی الصافی عن الصادق علیه السّلام أنّه قیل له : أصلحك اللّه ذكرت أنّ علیّ بن أبیطالب كان یلبس الخشن یلبس القمیص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك و نرى علیك اللّباس الجیّد ، فقال علیه السّلام له : إنّ علیّ بن أبیطالب كان یلبس ذلك فی زمان لا ینكر ، و لو لبس مثل ذلك الیوم لشهر به ، فخیر لباس كلّ زمان لباس أهله غیر أنّ قائمنا علیه السّلام إذا قام لبس ثیاب علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و سار بسیرته فانّه یستفاد منه أنّ القائم عند ظهوره یسیر سیرة أمیر المؤمنین علیه السّلام ، و یسلك مسلكه فی اللباس و غیره ، لكونه مطمح نظر العموم كأمیر المؤمنین ، و أما سایر الأئمّة فلا ، و ما أجاب الصادق علیه السّلام به للسائل فجواب إقناعى لاسكاته و الجواب الحقیقی ما قاله علیه السّلام فی المتن من أن لا یتبیّغ بالفقیر فقره .

تكملة

قال الشّارح المعتزلی : و اعلم أنّ الّذی رویته عن الشیوخ و رأیته بخطّ أحمد بن عبد اللّه بن الخشاب :

أنّ الرّبیع بن زیاد الحارثی أصابه نشّابة فی جبینه فكانت تنتقض علیه فی كلّ عام ، فأتاه علیّ علیه السّلام عائدا فقال : كیف تجدك أبا عبد اللّه ؟ قال : أجدنی یا أمیر المؤمنین لو كان لا یذهب ما بى إلاّ بذهاب بصرى لتمنیت ذهابه ، قال : و ما قیمة بصرك عندك ؟ قال لو كانت الدّنیا لفدیته بها ، قال : لا جرم لیعطینك اللّه على قدر ذلك إنّ اللّه یعطى على قدر الألم و المصیبة و عنده تضعیف كثیر ، قال الرّبیع : یا أمیر المؤمنین ألا أشكو الیك عاصم بن زیاد أخى ؟ قال علیه السّلام : و ماله ؟ قال : لبس العباء و ترك الملاء و غمّ أهله و حزن ولده ، فقال علیه السّلام : ادعوا لى عاصما ، فلمّا

[ 131 ]

أتاه عبس وجهه و قال : ویحك یا عاصم أترى اللّه أباح لك اللذات و هو یكره ما أخذت منها ، لأنت أهون على اللّه من ذلك ، أو ما سمعته یقول مرج البحرین یلتقیان ثمّ قال یخرج منهما اللؤلؤ و المرجان و قال و من كلّ تأكلون لحما طریّا و تستخرجون حلیة تلبسونها أما و اللّه ابتذال نعم اللّه بالفعال 1 أحبّ إلیه من ابتذالها بالمقال ، و قد سمعتم اللّه یقول و أمّا بنعمة ربك فحدّث و قوله من حرّم زینة اللّه الّتی أخرج لعباده و الطیبات من الرّزق إنّ اللّه خاطب المؤمنین بما خاطب به المرسلین فقال یا أیّها الذین آمنوا كلوا من طیّبات ما رزقناكم و قال یا أیّها الرّسل كلوا من الطیبات و اعملوا صالحا و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لبعض نسائه :

مالی أراك شعثاء مرهاء سلتاء 2 قال عاصم : فلم اقتصرت یا أمیر المؤمنین على لبس الخشن و أكل الجشب ؟ قال علیه السّلام : إنّ اللّه افترض على أئمّة العدل أن یقدر ما لأنفسهم بالقوام كیلا یتبیّغ بالفقیر فقره ، فما قام علیّ علیه السّلام حتّى نزع عاصم العباء و لبس ملائة .

قال الشّارح : و الرّبیع بن زیاد هو الذی افتتح بعض خراسان ، و أمّا العلاء ابن زیاد الّذى ذكره الرّضیّ رحمه اللّه فلا أعرفه لعلّ غیرى یعرفه .

أقول : و یؤیّد ما ذكره الشّارح روایة الكلینی فانّه روى فی الكافی فی باب سیرة الامام عن علیّ بن محمّد عن صالح بن أبی حمّاد و عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد و غیرهما بأسانید مختلفة فی احتجاج أمیر المؤمنین على عاصم بن زیاد حین لبس العباء و ترك الملاء و شكاه أخوه الرّبیع بن الزّیاد إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قد غمّ أهله و أحزن ولده بذلك فقال أمیر المؤمنین : علیّ بعاصم بن زیاد ، فجى‏ء به فلمّا رآه

-----------
( 1 ) اى استعمالها و اظهارها و تشهیرها ، بالفعال و هو الشكر الفعلى أحب إلى اللّه من ابتذالها بالمقال و هو الشكر القولى و قد صرّح بعض المحققین إن الشكر الفعلى أقوى دلالة على تعظیم المنعم من الشكر القولى هكذا فى شرح ملا صالح على الكافى م .

-----------
( 2 ) فیه انه لعن السلتاء و المرهاء ، السلتاء التى لا تختضب و المرهاء التى لا تكتحل نهایة .

[ 132 ]

عبس فی وجهه فقال له : أما استحییت من أهلك أما رحمت ولدك أترى اللّه أحلّ لك الطیبات و هو یكره أخذك منها أنت أهون على اللّه من ذلك أو لیس اللّه یقول و الارض وضعها للأنام . فیها فاكهة و النّخل ذات الاكمام أو لیس اللّه یقول مرج البحرین یلتقیان .

بینهما برزخ لا یبغیان إلى قوله یخرج منهما اللّؤلؤ و المرجان فیا للّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إلیه من ابتذالها بالمقال ، و قد قال اللّه عزّ و جلّ و أمّا بنعمة ربّك فحدّث فقال عاصم : یا أمیر المؤمنین فعلى ما اقتصرت فی مطعمك علی الجشوبة و فی ملبسك على الخشونة ؟ فقال : ویحك إنّ اللّه فرض على أئمّة العدل أن یقدروا أنفسهم بضعفة النّاس كیلا یتبیّغ بالفقیر فقره ، فألقى عاصم بن زیاد العباء و لبس الملاء اللّهمّ وفّقنا لطاعتك بمحمّد و آله .

تنبیه على مذهب الصوفیة و هدایة

اعلم أنّه قد ظهر لك اجمالا من هذا الكلام لأمیر المؤمنین علیه السّلام الّذى نحن فی شرحه أنّ سلوك نهج العبودیّة بغیر ما قرّره صاحب الشّریعة زیغ و ضلال ،

و وزر على سالكه و وبال ، و أنّه من استهامة الشیطان اللّعین و تسویله و تمویه النّفس و تدلیسه ، فأحببت باقتضاء المقام و مناسبته بسط المقال فی هذا المرام و التّنبیه على ضلال أقوام زاغوا عن نهج الرّشاد و نكبوا عن طریق السّداد ، و نبذوا أمر اللّه وراء ظهورهم و اشتغلوا بالمجادلات الكلامیّة و الهذیانات الفلسفیّة و أبدعوا عبادات مخترعة ، و أعرضوا عن حقایق علوم الدّین و الملّة ، و دقایق أسرار الكتاب و السّنّة ، و سمّوا أنفسهم بالمتصوّفة و الصّوفیّة .

و قبل الشّروع فی المقصود لا بدّ من تمهید مقدّمة شریفة و هی :

إنّه لا شكّ أنّ الغرض الأصلی و المقصود بالذّات من خلق الانسان هو العبودیّة و العرفان ، كما شهد به الكتاب المكنون فی قوله و ما خلقت الجنّ و الانس الاّ لیعبدون كما لا شكّ أیضا أنّ المقصود من بعث الأنبیاء و الرّسل و إنزال

[ 133 ]

الصّحف و الكتب لم یكن إلاّ ذلك أعنى جذب الخلق إلى الحقّ الأوّل عزّ و جلّ و أنّهم علیهم السّلام على كثرتهم و اختلاف شرایعهم لم یكن غرضهم إلاّ شیئا واحدا و هو التّنفیر عن الدّنیا و الترغیب إلى العقبى و القطع عن الخلق و الوصل إلى الحقّ و الارشاد و الدّلالة على الصراط المستقیم المؤدّى إلیه و المحصّل للقرب و الزّلفى لدیه .

فبعثهم اللّه إلى الناس بما شرع لهم من الدّین لیدلّوهم علیه و یعلّموهم كیفیّة السّلوك إلیه و لم یخل سبحانه خلقه من نبیّ مرسل أو كتاب منزل أو حجّة لازمة أو محجّة قائمة .

فهم علیهم السّلام أدلاّء سبل الحقّ ، و الهادون إلیها ، و المعلّمون لكیفیّة سلوكها بما أتوا به من الشرایع و الأدیان الّتی شرعها اللّه تعالى لطفا منه فی حقّ عباده ، و لم یتركهم سبحانه و آراءهم و لم یكلهم فی سلوك سبیله إلى عقولهم الناقصة و أهوائهم المختلفة و آرائهم المتشتّتة ، فلیس لهم أن یسلكوا طریق عبودیّته بما یستحسنه العقول .

و قد ورد فی أخبار كثیرة أنّ دین اللّه لا یصاب بالعقول ، و أنه لا شی‏ء أبعد عن دین اللّه من عقول الرجال .

و لو كانت العقول كافیة فی سلوك سبیل العبودیّة لم تكن إلى بعث الأنبیاء و الحجج حاجة ، كما أنه لو كان ما یرتضیه العقول و یخترعه من العبادات مرضیا عند الربّ مطلوبا له تعالى لم یكن داع إلى جعل الأدیان و الشرایع التی شرعها و بعث بها الأنبیاء علیهم السّلام كما قال تعالى و لكلّ جعلنا منكم شرعة و منهاجا و قال و شرع لكم من الدّین ما وصّى به نوحا فقد علم بذلك أنّ اللازم على العبد إذا أراد أن یعبد اللّه و یتقرّب إلیه أن یعبده بالعبادات المجعولة فی الشریعة الموظفة المشروحة فیها ماهیّة و هیئة و كما و كیفا و وقتا و عددا بآدابها الموظفة و شرایطها المقرّرة و أركانها و أجزائها المختصّة و سنّتها المعیّنة و غیرهما مما جعله صاحب الشرع و شرعه .

لأنّ المطلوب للحقّ و المقرّب إلیه لیس إلاّ و لا یقبل عزّ و جلّ من العبادات إلاّ

[ 134 ]

ما أرسل به حججه و أنطق به ألسنتهم .

و من ذلك أنّ الشیطان اللعین لما أبى من السجود لآدم علیه السّلام الذى كان مأمورا به و مطلوبا له تعالى مع أنه قال : یا ربّ اعفنى من السجود لآدم و أنا أعبدك عبادة لم یعبدكها ملك مقرّب و لا نبیّ مرسل ، صار مستحقّا للطرد و الابعاد حیث أراد أن یعبد اللّه من غیر الوجه الذی كان مأمورا به ، و قد قال اللّه له : لا حاجة لی فی عبادتك إنما ارید أن اعبد من حیث ارید لا من حیث ترید ، على ما مرّ فى روایة علىّ بن إبراهیم عن الصادق علیه السّلام فی أوّل تنبیهات شرح الفصل الحادیعشر من الخطبة الاولى و قد قال تعالى لیس البرّ بأن تأتوا البیوت من ظهورها و لكن البرّ من اتّقى و أتوا البیوت من أبوابها .

و اتیان البیوت من الأبواب هو الأخذ بقول الحجج و الرجوع فی سلوك نهج الحقّ إلیهم ، كما یدلّ علیه روایة الصافى عن أمیر المؤمنین المتقدّم فى شرح الفصل الرابع من الخطبة الاولى .

و مرّ هنا روایة علیّ بن إبراهیم عن أبیجعفر علیه السّلام أنه قال : ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشیاء و رضى الرحمن الطاعة للامام بعد معرفته أما لو أنّ رجلا قام لیله و صام نهاره و تصدّق بجمیع ماله و حجّ جمیع دهره و لم یعرف ولایة ولىّ اللّه فیوالیه و یكون جمیع أعماله بدلالته ما كان له على اللّه حقّ فى ثوابه .

فحاصل الكلام و ملخّص المرام أنّ العبادة المحصّلة للقرب و الزّلفی هى العبادة المتلقّاة من بیت النبوّة و الولایة ، و المعلومة الثبوت فی الكتاب و السّنة فما لم یعلم ثبوتها فیهما مثل ما علم عدم ثبوتها بدعة و ضلالة موجبة لسخط الرّحمن و رضى الشّیطان ، مؤدّیة إلى العذاب الألیم و الخزى العظیم .

إلاّ أنّ جماعة من العامّة و الجهّال الخاصّة غفلوا عمّا قرّرناه فی هذه المقدّمة و استبدّوا بعقولهم الفاسدة و آرائهم الكاسدة ، و سلكوا السّبیل من غیر دلیل و أضلّهم الشّیطان و ضلّوا عن سواء السّبیل ، و مع ذلك یزعمون أنّهم أهل السّلوك و المعرفة و الزّهد و القشف و الرّیاضة

[ 135 ]

و هم قوم یسمّون بأهل الذّكر و التّصوّف ، یدّعون البراءة من التّصنع و التّكلّف ، یلبسون خرقا ، و یجلسون حلقا ، یخترعون الأذكار ، و یتغنّون بالأشعار و یغلبون بالتّهلیل ، و لیس لهم إلى العلم و المعرفة دلیل ، ابتدعوا شهیقا و نهیقا ،

و اخترعوا رقصا و تصفیقا ، قد خاضوا فی الفتن ، و أخذوا بالبدع دون السّنن ،

رفعوا أصواتا بالنداء ، و صاحوا صیحة الشّقاء ، أمن الضّرب یتألّمون ؟ أم من الطّعن یتظلّمون ؟ أم مع أكفائهم یتكلّمون ؟ إنّ اللّه لا یسمع بالصّماخ ، و لا یحتاج فی سماعه إلى الصّراخ ، أتنادون باعدا ؟ أم توقظون راقدا ؟ تعالى اللّه لا تأخذه السّنة ، و لا تحیط به الألسنة ، سبّحوه تسبیح الحیتان فی البحر ، و ادعوه تضرّعا و خیفة دون الجهر ، إنّه لیس منكم ببعید ، بل هو أقرب إلیكم من حبل الورید .

و أنت إذا عرفت ما مهّدناه فی هذه المقدّمة فاستمع لما یتلى علیك من شرح حال هذه الطایفة و بیان عقایدهم و مذاهبهم و وجه تسمیتهم ، و ما ورد من العلماء و العترة الطاهرة سلام اللّه علیهم فی طعنهم و الازراء علیهم و تفصیل ذلك فی مقامات .

المقام الاول فى وجه تسمیتهم بالصوفیة

و ذكروا فیه أقوالا :

الاول و هو الأشهر أنّ اشتقاقها من الصّوف سمّوا بها للبسهم الصّوف فی الصیف و الشتاء ، و هذا الوجه هو المستفاد من الأخبار الآتیة .

و رووا عن أنس بن مالك أنه قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یجیب دعوة العبید تواضعا ، و یركب الحمار غیر مستنكف ، و یلبس الصوف غیر متكلّف .

و قال الحسن البصرى : لقد ادركت سبعین بدریا كان لباسهم الصوف و الشعر و فی روایة الجمهور أیضا عن امامهم البیهقی المشهور نقلا عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : كانت الأنبیاء یركبون الحمار ، و یلبسون الصوف ، و یحلبون الشاة .

و فى البحار من اكمال الدّین باسناده عن الحسین بن مصعب عن الصادق عن آبائه علیهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : خمس لا أدعهنّ حتى الممات : الأكل

[ 136 ]

على الحضیض مع العبید ، و ركوبی الحمار موكفا ، و حلب العنز بیدى ، و لبس الصوف ، و التسلیم على الصبیان لتكون سنة من بعدى .

و فى بعض كتب أصحابنا و لقد روى عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بطریق أهل البیت علیهم السّلام أنّ عیسى بن مریم كان یلبس الصوف و الشعر ، و یأكل من الشجر ، و یبیت حیث أمسى .

و عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یوم كلّم اللّه موسى كان علیه جبّة من صوف ، و سراویل من صوف ، و قلنسوة مدوّرة من صوف ، و نعلاه من جلد و یستفاد من هذه الأخبار و غیرها مما لا حاجة إلى ایرادها أنّ لبس الصوف مندوب شرعا و أنه لباس الأنبیاء و الأئمة و الصلحاء .

و لكن هذه الطائفة لما كان لبسهم له تكلّفا و تصیّدا و قصدا للاشتهار و اظهارا للفضل كما قال علیه السّلام فی الخطبة الثانیة و الثلاثین فی تعدید أصناف الناس : و منهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه فتحلّى باسم القناعة و تزیّن بلباس أهل الزّهادة و لیس من ذلك فی مراح و لا مغدى لا جرم كان ذلك موجبا للازراء علیهم .

و یشهد بما ذكرته النبوّى المتقدّم فی شرح قوله علیه السّلام فی المتن : لبس العباء و تخلّى من الدّنیا حیث قال لأبى ذرّ : قوم یلبسون الصوف فی الصیف و الشتاء یرون لهم بذلك الفضل على غیرهم ، الحدیث .

الثانى أنّه مأخوذ من الصّوف لا بالمعنى المتقدّم بل بمعنى آخر نقلوه عن جنیدهم البغدادی أنه قال : الصوفی مشتقّ من الصوف و الصوف ثلاثة أحرف : صاد و واو وفاء ، و الصاد صبر ، و صدق ، و صفاء ، و الواو ودّ ، و ورد ، و وفاء ، و الفاء فرد ، و فقر و فناء .

الثالث أنهم سمّوا صوفیة نسبة إلى الصفة التى كانت فی مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان یسكنها فقراء المهاجرین ، و كانت مسقّفة بجرید النخل و كانوا أربعمأة رجل لم یكن لهم بالمدینة مساكن و لا عشایر یدرسون القرآن باللّیل و یرضحون النوى بالنهار ، و یحتطبون على ظهورهم ، و یغزون مع كلّ سریّة ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 137 ]

و أكثر أصحابه یوانسونهم و یأكلون معهم ، و یتعاهدونهم بالمبرّات .

و قد وصل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوما إلیهم و شاهد منهم فقرهم و طیب نفوسهم بالشدّة فقال : ابشروا یا أهل الصّفة إنّ من امتی من كان على حالكم و وصفكم و نعتكم التی أنتم علیها انكم و انهم رفقائى فی الجنّة .

و قد رتّبهم أبو نعیم الحافظ فی حلیته على ترتیب حروف المعجم ذكر من مشاهیرهم سلمان و أبا ذر و عمار و صهیب و بلال و أبا هریرة و خباب بن الارت و حذیفة ابن الیمان و أبا سعید الخدری و بشر بن الخصاصیة و أبا مویهبة مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان هؤلاء أزهدهم و أعملهم بالكتاب و السنة فی عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، لأنهم یلبسون الصوف و یخیطون ثیابهم بالأغصان الدّقیقة من الشجر .

و نقل فی وصفهم : أنهم كانوا أضیاف الاسلام إلاّ أنّ بعضهم زلت قدمه بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ركن إلى الدّنیا و مال إلى حطامها كأبی هریرة و صهیب ،

و الذین ثبتت قدمهم فی الفقر و الزّهد سلمان و أبو ذر و حذیفة و بلال و أبو سعید ،

فانهم كانوا من السابقین الرّاجعین إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و كانوا یسمّون بالشیعة قال أمین الاسلام الطبرسىّ فی قوله تعالى و اصبر نفسك مع الذین یدعون ربّهم بالغداة و العشىّ یریدون وجهه و لا تعد عیناك عنهم ترید زینة الحیوة الدنیا و لا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتّبع هواه و كان أمره فرطا إنّ الآیة نزلت فی سلمان و أبی ذر و صهیب و غیرهم من فقراء أصحاب النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و ذلك إنّ المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عینیة بن الحصین و الأقرع ابن حابس و ذووهم فقالوا : یا رسول اللّه إن جلست فی صدر المجلس و نحّیت عنّا هؤلاء و أرواح ضئنانهم 1 و كانت علیهم جبات الصوف جلسنا نحن إلیك و أخذنا عنك فلا یمنعنا من الدخول إلاّ هؤلاء ، فلما نزلت الآیة قام النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یلتمسهم فأصابهم فى مؤخر المسجد یذكرون اللّه عزّ و جلّ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الحمد للّه الذی لم یمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجال من امتى معكم المحیا و الممات ، انتهى .

-----------
( 1 ) فانّ بعضهم یعرق فى ثوبه فیوجد منه ریح الضأن ، منه

[ 138 ]

و الحاصل أنّ الصوفیة على زعمهم و ادّعائهم لما شاكلت حالهم حال أهل الصفة لكونهم مجتمعین متألّفین مصاحبین للّه و فی اللّه قدیما و حدیثا فی الرّبط و الزّوایا قیل لهم : صوفیّة ، و هذا و إن كان لا یستقیم من حیث الاشتقاق اللّغوى إلاّ أن یراعى فیه الخفّة على اللّسان ، و لا بأس به من حیث المعنى .

الرابع أنّ هذه النسبة إلى صوفة كما یقال : الكوفی للمنتسب إلى كوفة ،

و بنی صوفة جماعة من العرب كانوا یتزهّدون و یتقلّلون من الدّنیا ، فنسب هذه الطایفة إلیهم ، و فی القاموس صوفة أبو حىّ من مضر ، و هو الغوث بن مرّ بن ارّ بن طابخة كانوا یخدمون الكعبة و یجیزون الحاجّ فی الجاهلیة أى یفیضون بهم من عرفات ،

أوهم قوم من أفناء القبائل تجمّعوا فتشبّكوا كتشبّك الصّوفة ، و كذا فی الصحاح و غیره من كتب اللّغة .

المقام الثانى فى ابتداء ظهور هذه الطایفة على اختلاف الاقوال و الروایات

فأقول : قال المحدّث الجزایرىّ : إنّ هذا الاسم و هو التّصوّف كان مستعملا فی فرقة من الحكماء الزّایغین عن طریق الحق ، ثمّ قد استعمل بعدهم فی جماعة من الزنادقة أى من الهنود و البراهمة ، و بعد مجى‏ء الاسلام استعمل فی جماعة من أهل الخلاف كالحسن البصرى و سفیان الثّورى و أبی هاشم الكوفی و نحوهم ، و قد كانوا فی طرف من الخلاف مع الأئمة علیهم السّلام ، فانّ هؤلاء المذكورین قد عارضوا الأئمة و باحثوهم و أرادوا إطفاء نور اللّه بأفواههم و اللّه متمّ نوره و لو كره الكافرون إلى أن قال : و قد استمرّ الحال إلى هذه الأعصار و ما قاربها .

ثمّ إنّ جماعة من علماء الشّیعة طالعوا كتبهم و اطلعوا على مذاهبهم فرأوا فیها بعض الرّخص و المسامحات مثل قولهم ، بأنّ الغناء المحرّم هو الذی یستعمل فی مجالس أهل الشرب و أهل الفسوق ، فأباحوا أفراد الغناء و أنواعه لمتابعیهم و كانوا

[ 139 ]

من أهل العلم و الناس یمیلون إلى من یسهل إلیهم مثل هذه الامور التی كان للنفس منها التذاذ ، و كتركهم التزویج و إقبالهم على الغلمان الحسان ، و العجب من بعض الشّیعة كیف مال إلى هذه الطریقة مع اطلاعه على أنّها مخالفة لطریقة أهل البیت اعتقادا و أعمالا .

و قال أیضا : و الدّواعی لهم على اختراع هذا المذهب امور :

الأوّل ما نقل أنّ خلفاء بنی امیّة و بنى العبّاس لعنهم اللّه كانوا یحبّون أن یحصّلوا رجالا من أهل العبادة و الزّهادة و التكلّم ببعض المغیبات و إن لم یقع ،

لأجل معارضات الأئمة الطاهرین علیهم السّلام و علمهم و زهدهم و كمالاتهم حتى یصغروا أهل البیت و أطوارهم فی أعین النّاس ، فلم یجدوا أحدا یقدم على هذا سوى هذه الفرقة الضّالّة ، فمن هذا مال إلیهم سلاطین الجور لعنهم اللّه و بنوا لهم البقاع و حملوا الیهم الأموال و طلبوا منهم الدّعاء فی مطالب دنیاهم و قاسوهم بأهل البیت علیهم السّلام ،

و أین الثّریا من ید المتناول .

الثانی سهولة هذا المسلك و صعوبة طریق العلم ، فانّ العامى منهم قد یجلس فی بیت ضیق مظلم أربعین یوما ، و ربّما ترائی له إخوانه من الجنّ و الشّیاطین فاذا خرج صار من رؤسائهم و حصل له درجة العالم الذى یحصّلها فی خمسین سنة و أكثر ، بل ربما كان اعتبار هذا بین رعاع النّاس أزید من اعتبار ذلك العالم .

الثالث أنّ هذا المذهب شرك لصید الأولاد و جمع الأموال و الجاه و الاعتبار و نحو ذلك .

و قال أبو القاسم القشرىّ الصّوفی العامی فی محكىّ كلامه من رسالته المعروفة بالقشریة :

اعلموا رحمكم اللّه أنّ المسلمین بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم یتسمّ أفاضلهم فی عصرهم بتسمیة علم سوى صحبة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذ لا فضیلة فوقها فقیل لهم : الصحابة و لمّا ادرك أهل العصر الثانی سمّى من صحب الصّحابة التّابعین و رأوا ذلك أشرف سمة ، ثمّ قیل لمن بعدهم أتباع التّابعین ، ثمّ اختلف الناس و تباینت المراتب

[ 140 ]

فقیل لخواصّ الناس ممّن لهم شدّة عنایة بأمر الدّین : الزهاد و العبّاد ، ثمّ ظهرت البدع و حصل التّداعی بین الفرق فكلّ فریق ادّعى أنّ فیهم زهادا فانفردوا خواصّ أهل الشّریعة المراعون أنفسهم مع اللّه الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التّصوّف ، و اشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المأتین من الهجرة ، انتهى .

و من كتاب نفحات الانس انّ أوّل من اخترع له هذا الاسم أبو هاشم الكوفی الشّامی الصّوفی المعاصر مع السّفیان الثّوری .

و فى كتاب حدیقة الشّیعة أنّه كان یلبس ثیابا خشنة من الصوف كالرّهبان و یقول بالحلول و الاتّحاد لنفسه كالنّصارى فی عیسى علیه السّلام ، و كان فی الظّاهر أمویّا جبریّا ، و فی الباطن ملحدا دهریا ، و الطائفة التی ینتسب إلیه باعتبار لباسه تسمى صوفیة سواء لبست الصوف أو لم تلبس ، و بهشمیّة و أبو هاشمیّة باعتبار كنیته و عثمانیّة و شریكیّة لأنّ اسمه و اسم أبیه عثمان بن شریك .

قال فی حدیقة الشیعة : و كان غرض هذا الملعون من وضع مذهب التصوّف هدم مذهب الاسلام ، و قد ورد من الأئمة علیهم السّلام أحادیث فی طعنه .

و لمّا رأى سفیان الثوری طریقته استحسنه و أضاف إلیه الرّؤیة و الصورة و التشبیه و التجسیم و وسّع دایرة التصوّف ، فنسبت هذه الفرقة إلیه ، فقالوا : ثوریة و سفیانیة ثمّ نسبت إلى أبی یزید البسطامى فسمّیت بالیزیدیّة و البسطامیّة ، ثمّ بملاحظة قولهم بالحلول و الاتحاد سمّیت حلولیّة و اتّحادیّة ، ثمّ لمّا بالغ بعضهم فی الاتّحاد و قال بوحدة الوجود سمّیت وحدتیة ، و نسبت إلى حسین بن منصور الحلاّج فقیل منصوریّة و حلاجیة ، و بملاحظة غلوّهم فی المشایخ و زعمهم حلول الحقّ فیهم قیل لهم : غالیة و غاویة ، و لمكرهم و خدیعتهم و تفتینهم للنّاس قیل لهم : زرّاقیّة و خدّاعیّة .

و لمّا اخترعوا مذهبا متضمّنا للرّهبانیة و النصرانیة و الكفر و الاسلام سمّاهم الأئمة علیهم السّلام مبتدعة ، و لكونهم من أهل الرّیاء سمّوا مرائیة ، و لوضعهم التصوّف سماهم العلماء بالمتصوّفة ، و لكثرة صلفهم سمّوا بالمتصلّفة ، و لهم أسماء اخر و اشهر

[ 141 ]

ألقابهم و أسمائهم الصوفیة و المتصوّفة و المتصلّفة و المبتدعة و الزرّاقیة و الغلات و الغالیة و الحلاجیة انتهى كلامه رفع اللّه مقامه فی أعلى علیّین مع الذّین أنعم علیهم بنعمة الایمان و ألبسهم لباس الكرامة و الشرف .

المقام الثالث فى عقایدهم الفاسدة و اعمالهم الباطلة .

و قد حقّقنا عقایدهم الفاسدة و بیّنا أعمالهم الباطلة إنشاء اللّه و ثبّتنا أنّ عقایدهم مخالفة للشریعة الطاهرة بالدّلائل العقلیة و النقلیة بعون اللّه الملك المتعال .

أما العقاید

فمنها اعتقادهم بالحلول و الاتّحاد

و قد نسب أكثر المتكلّمین من الفریقین و غیرهم فی مبحثى الحلول و الاتّحاد من كتبهم الكلامیة هاتین النسبتین إلى هذه الفرقة الضالة خذلهم اللّه تعالى .

قال المحقّق الطوسى فی رسالته الموسومة بقواعد العقاید :

و منها أی من الصفات السلبیّة أنه تعالى لا یمكن أن یكون فی جهة أو حین أو محلّ لاحتیاج ما یكون كذلك إلى الحیّز و المحلّ ، و كذلك لا یمكن أن یشار إلیه اشارة حسّیة ، و خالفت المشبّهة و المجسّمة فی ذلك إذ قالوا فی جهة فوق أو جسم لا كغیره من الأجسام ، و ذهب بعض الصوفیة إلى جواز حلوله فی قلوب أولیائه و لعلّ مرادهم غیر ما یعنى به من حلول الأعراض فی محلّها ، انتهى .

و قال العلامة فی شرح هذه الرسالة الموسوم بكشف الفواید :

ذهب المحقّقون إلى أنه تعالى لا یمكن أن یكون فی جهة أو محاذاة و لا فی حیّز و مكان و لا فی محلّ یحلّ فیه حلول العرض فی محلّه ، لأنّ كلّ ما كان كذلك كان مفتقرا إلى الجهة و الحیّز و المحلّ بالضرورة لاستحالة حلول الغنیّ عن المحلّ فیه و الاحتیاج ینافی الوجوب ، و هذا المعنى لا یمكن أن یشار إلیه إشارة حسّیة

[ 142 ]

بأنه هنا أو هناك ، لتوقف ذلك على الحصول فی الحیّز و الجهة و المحلّ ، و خالفت المجسّمة و المشبّهة فی ذلك فقالوا : إنّ اللّه فی جهة فوق و انه جسم لا كالأجسام و قد تقدّم بطلانه و قال بعض الصوفیّة : بأنّه تعالى حالّ فی قلوب العارفین ، فان عنوا به حلول العرض فی المحلّ فهو باطل بما تقدّم ، و إن عنوا به شیئا آخر فلا بدّ من بیانه .

و قال المحقّق الطوسی فی تلك الرّسالة :

و لا یجوز علیه الاتّحاد و هو صیرورة الشّیئین شیئا واحدا ، بأن ینتفى أحدهما و یبقى الآخر أو ینتفیا معا و یحدث شی‏ء آخر ، فانّ ذلك محال عقلا ، و قال قوم من القدماء : كلّ من تعقل شیئا تعقّلا تاما اتّحد بمعقوله ذلك ، و إلیه ذهب جمع من الصوفیّة ، و ذلك بالمعنى الذى ذكرناه غیر معقول .

و قال العلامة فی الشرح :

الاتّحاد یطلق على صیرورة شیئین شیئا آخر ، بأن یعدم عن الأوّل شی‏ء و یحدث فیه آخر كما یقال : صار الماء هواء ، فانّ الصورة المائیّة زالت و اتّصفت بالصورة الهوائیة أو بأن یمتزج شیئآن و یحدث صورة ثالثة مغایرة للأوّل كما یقال صار الخشب سریرا ، و هذان ممكنان لكن اطلاق الاتّحاد علیهما بنوع من المجاز ، و هذا المعنى و إن كان ممكنا فی حقّ غیره تعالى إلاّ أنّه یستحیل فی حقّه أیضا لاستحالة انفعاله عن الغیر و صیرورته جزءا من غیره .

و أمّا الاتّحاد الحقیقی و هو صیرورة الشیئین شیئا واحدا لا بأحد المعنیین بل بأن ینتفى الذّاتان و یتّحد إحداهما بالاخرى فهذا ضرورىّ البطلان .

فانّ الشیئین إن بقیا بعد الاتّحاد بحالهما فهما اثنان ، و إن عدم أحدهما فلا اتّحاد لاستحالة اتّحاد المعدوم بالموجود ، و إن عدما معا و وجد ثالث فلا اتّحاد بل اعدام شی‏ء و ایجاد آخر و ذهب فرفوریوس بعد المعلّم الأوّل إلى أنّ من عقل شیئا اتّحدت ذاته بذلك المعقول ، و إلیه ذهب الرئیس فی المبدء و المعاد ، لأنّ الصورة العقلیّة اذا حلت الجوهر العاقل بالقوّة صیّرته عقلا بالفعل و إنّما یكون كذلك مع الاتّحاد و إلاّ

[ 143 ]

لكان ما هو بالقوّة بعد بالقوّة و الملازمة ممنوعة .

ثمّ لو اتّحد العاقل بمعقوله لزم أن لا یعقل إلاّ شیئا واحدا أو یتّحد الذوات المعقولة فى أنفسها أیضا و قوم من الصّوفیّة إنّ اللّه تعالى یتّحد بأبدان العارفین و الكلّ غیر معقول بالمعنى الذى ذكرناه .

و قال الفاضل المقداد فی شرحه على الباب الحادیعشر :

قال : أى العلاّمة « قد » : و لا یجوز أن یكون فى محلّ و الاّ افتقر إلیه و لا فی جهة و إلاّ لافتقر إلیها .

أقول : هذان وصفان سلبیّان ، الأوّل إنّه لیس فی محلّ خلافا للنّصارى و جمع من المتصوّفة و المعقول من الحلول هو قیام موجود بموجود على سبیل التّبعیّة ،

فان أرادوا هذا المعنى فهو باطل ، و الاّ لزم افتقار الواجب و هو محال ،

و ان أرادوا غیره فلابدّ من تصوّره أوّلا ثمّ الحكم علیه بالنّفى و الاثبات ، انتهى ما أهمّنا نقله .

و قال أیضا فی شرح قول العلاّمة « قد » و لا یتّحد بغیره لامتناع الاتّحاد مطلقا .

أقول : الاتّحاد یقال على معنیین : مجازىّ و حقیقیّ ، أمّا المجازى فهو صیرورة الشی‏ء شیئا آخر بالكون و الفساد ، إمّا من غیر إضافة شی‏ء آخر كقولهم صار الماء هواء و صار الهواء ماء ، أو مع إضافة شی‏ء آخر كما یقال صار التّراب طینا بانضیاف الماء إلیه ، و أمّا الحقیقى فهو صیرورة الشیئین الموجودین شیئا واحدا موجودا .

إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الأوّل مستحیل علیه تعالى قطعا لاستحالة الكون و الفساد علیه ، و أمّا الثانی فقد قال بعض النّصارى إنّه اتّحد بالمسیح فانّهم قالوا اتّحدت 1 لاهوتیّة البارى مع ناسوتیّة عیسى ، و قال النّصیریّة : إنّه اتّحد بعلی علیه السّلام و قال بعض المتصوّفة : انّه اتّحد بالعارفین ، فان عنوا غیر ما ذكرناه فلا بدّ من تصوّره أوّلا ثمّ یحكم علیه ، و إن عنوا ما ذكرناه فهو باطل قطعا لأنّ

-----------
( 1 ) و الیه ذهب أیضا محى الدین الملحد حسبما تعرفه فیما یأتى انشاء اللّه ، منه .

[ 144 ]

الاتّحاد مستحیل فی نفسه فیستحیل اثباته لغیره ، و أمّا استحالته فهو انّ المتحدین بعد اتّحادهما إن بقیا موجودین فلا اتّحاد ، لأنّهما اثنان لا واحد ، و إن عدما معا فلا اتّحاد بل وجد ثالث ، و إن عدم أحدهما بقى الآخر فلا اتّحاد أیضا لأنّ المعدوم لا یتّحد بالموجود .

و قال الشیخ المفید « قد » فی شرح عقاید الصدوق :

الحلاجیّة حزب من أصحاب التّصوّف و هم أصحاب الاباحة و القول بالحلول ،

و لم یكن الحلاج یتخصّص باظهار التّشیع و إن كان ظاهر أمره التصوّف ، و هم قوم ملحدة زنادقة یموّهون بمظاهرة كلّ فرقة بدینهم و یدعون للحلاج الأباطیل و یجرون فی ذلك مجرى المجوس و دعویهم لذردشت المعجزات و مجرى النصارى فی دعویهم لرهبانهم الآیات البیّنات ، و النصارى و المجوس أقرب إلى العبادات منهم و هم أبعد من الشرایع و العمل بها من النّصارى و المجوس .

و قال الشارح القوشجی فی شرح الهیّات التجرید :

ذهب بعض المتصوّفة إلى أنّه تعالى یحلّ فی العارفین و النصارى إلى حلوله فی عیسى ، فان أرادوا بالحلول هذا المعنى فباطل ، و إن أرادوا أنّه غیر ذلك فلا یمكن نفیه أو إثباته إلاّ بعد تصوّر ما هو المراد .

و قال الشارح البحرانی فى كتاب قواعد العقاید له :

انّه تعالى لا یتّحد بغیره ، خلافا للنّصارى و بعض الحكماء السابقین و بعض المتصوّفة .

لنا أنّ المراد من الاتّحاد إن كان صیرورة الشیئین شیئا واحدا كما هو المفهوم من لفظه فهو باطل ، لأنّ المتّحدین إن بقیا موجودین فلا اتّحاد ، و إن عدما معا فالموجود غیرهما فلا اتّحاد أیضا ، و إن عدم أحدهما دون الآخر فلا اتّحاد إذ المعدوم لا یتّحد بالموجود ، و إن أرادوا به معنى آخر فلا بدّ من إفادة تصوّره لننظر فیه .

و قال شارح الطوالع :

[ 145 ]

حكى القول بالاتّحاد و الحلول عن النصارى و جمع من المتصوّفة ، فانّه حكى عن النصارى أنّهم قالوا : اتّحدت الأقانیم الأب و الابن و روح القدس و اتّحدت ناسوت المسیح و اللاّهوت و حلّ البارى فی عیسى ، و حكى عن جمع من المتصوّفة أنّهم قالوا : إذا انتهى العارف نهایة مراتبه انتهى هویّته و صار الموجود هو اللّه سبحانه ، و هذه المرتبة هی الفناء فی التّوحید ، و قالوا : إنّ اللّه تعالى یحلّ فی العارفین ، فان أرادوا بالاتّحاد و الحلول ما ذكرناه فقد بان فساده ، و إن أرادوا به غیره لا بدّ من تصوّره أوّلا لیتأتی التصدیق به نفیا أو اثباتا ، فانّه لا یمكن نفیه و اثباته إلاّ بعد تصوّر ما هو المراد .

و قال المحدّث العلامة المجلسیّ فی عقایده :

و القول بحلوله تعالى فی غیره كما قال بعض الصوفیّة و الغلاة ، أو اتّحاده مع غیره كما قاله بعض الصّوفیّة ، أو انّ له تعالى صاحبة أو ولدا أو شریكا كما قاله النصارى ، أو أنّه تعالى جسم أو أنّ له مكانا كالعرش و غیره ، أو جزءا أو عضوا فكلّ ذلك كفر إلى غیر ذلك ممّا حكوه عنهم و شنّعوا علیهم .

ثمّ لمّا رأى المتأخّرون منهم فساد ما قاله متقدّموهم و بطلانه و شناعته وجّهوا كلامهم بأنّ مرادهم به وحدة الوجود لا الاتّحاد و الحلول ، و هو من قبیل دفع الفاسد بالأفسد و توجیه الشنیع بالأشنع .

و قال صاحب الشوارق فیه :

قد اشتهر من مشایخ الصوفیّة القول بوحدة الوجود و أنّ الوجودات بل الموجودات لیست بمتكثّرة فی الحقیقة بل هناك موجود واحد قد تعدّدت شؤونه و تكثرت أطواره ثمّ قال : و لمّا كان ذلك بحسب الظاهر و بالمعنى المتبادر مخالفا لما یحكم به بدیهة العقل من تكثّر الموجودات بالحقیقة لا بمجرّد الاعتبار تصدّى كثیر من المحقّقین لتوجیه كلامهم ، انتهى .

و قال القیصرى فی شرح الفصوص لمحیی الدین :

حقیقة الوجود إذا اخذت بشرط أن لا یكون معها شی‏ء فهى المسمّاة عند