[ 146 ]

الصوفیّة بالمرتبة الأحدیة المستهلكة جمیع الأسماء و الصفات فیها ، و یسمّى جمع الجمع و حقیقة الحقایق و العماء أیضا ، و إذا اخذت بشرط شی‏ء ، فامّا أن یؤخذ بشرط جمیع الأشیاء اللازمة لها كلیّها و جزئیها المسمّاة بالأسماء و الصفات فهى المرتبة الالهیّة المسماة عندهم بالواحدیّة و مقام الجمع ، و هذه المرتبة باعتبار ایصال مظاهر الأسماء الّتی هى الأعیان و الحقایق إلى كمالاتها المناسبة لاستعداداتها فی الخارج تسمّى مرتبة الرّبوبیة ، و إذا اخذت لا بشرط شی‏ء آخر و لا بشرط لا شی‏ء فهى المسماة بالهویّة السّاریة فی جمیع الموجودات ، و إذا اخذت بشرط ثبوت الصور العلمیّة فیها فهى مرتبة الاسم الباطن المطلق و الأوّل و العلیم و ربّ الأعیان الثابتة إلى أن قال و اذا أخذت بشرط الصّور الحسّیة العینیّة فهى مرتبة الاسم المصوّر و ربّ العالم الخیال المطلق و المقیّد . و إذا أخذت بشرط الصور الحسیّة الشهادتیّة فهى مرتبة الاسم الظاهر المطلق و الاخر و ربّ عالم الملك ، و مرتبة الانسان الكامل عبارة عن جمیع المراتب الالهیّة و الكونیّة من العقول و النفوس الكلیّة و الجزئیة و مراتب الطبیعة إلی آخر تنزلات الوجود ، و یسمّى بالمرتبة العمائیة أیضا فهى المضاهیة للمرتبة الالهیّة ، و لا فرق بینهما إلاّ بالرّبوبیّة و المربوبیة ، و لذلك صار خلیفة اللّه ، و إذا علمت هذا علمت الفرق بین المراتب الالهیة و الرّبوبیة و الكونیة ، انتهى .

و قال صاحب الشوارق فی گوهر مراد فی الفصل الذى ساقه لبیان كیفیّة صدور المعلول من العلّة ما محصله :

إنّ الصوفیة قالوا إنّ صدور المعلول من العلّة عبارة عن تنزّل العلة بمرتبة وجود المعلول و تطورها بطور المعلول و من هنا تفطنوا بوحدة الوجود بمعنى أنّ الوجود حقیقة واحدة ساریة فی جمیع الموجودات ، و لیست مهیات الممكنات إلاّ امورا اعتباریة و الموجودات بأسرها مظاهر تلك الحقیقة الواحدة بحیث لا یلزم الاتّحاد و الحلول ، لأنهما فرع الاثنینیّة و لا موجود إلاّ واحد .

قال : و فهم هذا المعنى بغایة الاشكال لأنهم ادعوا أنّ فهم ذلك لا یتیسّر

[ 147 ]

بالعقول المتعارفة بل بالریاضة و المجاهدة و بطور وراء طور العقل ، و هو فناء السالك فی سلوكه من نفسه و عقله و من جمیع المعقولات و الموهومات فضلا عن المحسوسات و قصره همته فی التوجّه الى الحقّ و ذكره له بلسانه و قلبه بحیث لا یخطر بقلبه سواه و لا یبقى فی قلبه غیره حتى یغیب عن نفسه حال ملاحظته لجلال اللّه ، و إن لاحظها فمن حیث هى لاحظه لا من حیث هى مزّینة بزینة الحقّ ، بل لا یكون الذّكر أیضا ملحوظا فضلا عن الذّاكر .

قال : و إذا داوم السّالك على ذلك یفیض علیه نور من أنوار الالهیّة یشاهد به حقایق الأشیاء على ما هى علیها كما یشاهد المحسوسات بحسّ البصر .

قال : و نحن اعتقدنا بامكان صدق هذه الدّعوى بحسن ظنّنا بالسلف ، و لیس المراد بهذا النّور المذكور نور یفاض علیه من الخارج ، بل نور مودع فی نفس الانسان ذواته ، و الغرض من الرّیاضة و المجاهدة تصفیته و تجلیته من الأكدار الطبیعیة و الحسیّة و الخیالیة و الوهمیّة ، و إذا حصلت التصفیة و التّجلیة بالرّیاضات العلمیة و العملیة و الاعتقاد بالعقاید الحقّة صار هذا النّور من القوّة إلى الفعل ، و یرى به الأشیاء و یشاهدها بعین الیقین ، اللّهم بلّغنا إلى ذلك المقام العالى باخراجنا عن هذا المنزل الفانى البالى ، انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه .

و قد سلك هذا المسلك صدر المتألهین و صرّح به فی كتبه الكلامیّة و غیرها فی موارد كثیرة .

قال فی الفصل الأوّل من إلهیّات الأسفار الذى ساقه لاثبات وجود الواجب تعالى و الوصول إلى معرفة ذاته ما هذه عبارته :

اعلم أنّ الطرق إلى اللّه كثیرة لكن بعضها أوثق و أشرف و أنور من بعض ،

و أسدّ البراهین و أشرفها هو الذى لا یكون الوسط فی البرهان غیره بالحقیقة ،

فیكون الطریق إلى المقصود هو عین المقصود ، و هذه سبیل الصدیقین الذین یستشهدون بذاته على صفاته و بصفاته على أفعاله واحدا بعد واحد .

و ذلك لأنّ الرّبانیّین ینظرون إلى الوجود و یحقّقونه و یعلمون أنّه أصل

[ 148 ]

كلّ شی‏ء ثمّ یصلون بالنظر إلیه إلى أنّه بحسب حقیقته واجب الوجود ، و أمّا الامكان و الحاجة و المعلولیّة و غیر ذلك فانّما یلحقه لا لأجل حقیقته بل لأجل نقایص و اعدام خارجة عن أصل حقیقته ، ثمّ بالنظر فیما یلزم الوجوب و الامكان یصلون إلى توحید ذاته و صفاته و من صفاته إلى كیفیّة أفعاله .

و تقریره أنّ الوجود كما مرّ حقیقة عینیّة واحدة بسیطة لا اختلاف بین أفرادها لذاتها إلاّ بالكمال و النقص و الشدّة و الضّعف أو بامور زایدة كما فی أفراد ماهیّة نوعیّة و غایة كمالها ما لا أتمّ منه و هو الذی لا یكون متعلقا بغیره و لا یتصوّر ما هو أتمّ منه ، إذ كلّ ناقص متعلّق بغیره مفتقر إلى اتمامه .

فاذن الوجود إمّا مستغن عن غیره ، و إمّا مفتقر لذاته إلى غیره ، و الأوّل هو واجب الوجود و هو صرف الوجود الذى لا أتمّ منه و لا یشوبه عدم و لا نقص ،

و الثانی هو ما سواه من أفعاله و آثاره و لا قوام لما سواه إلاّ به لما مرّ أنّ حقیقة الوجود لا نقص لها و إنما یلحقه النقص لأجل المعلولیّة ، و قد مرّ أنّ الوجود إذا كان معلولا كان مجعولا بنفسه 1 جعلا بسیطا و كان بذاته مفتقرا إلى جاعل ، و هو متعلق الجوهر و الذّات بجاعله .

فإذن قد ثبت و اتّضح أنّ الوجود إمّا تام الحقیقة واجب الهویّة ، و إمّا مفتقر الذّات إلیه متعلق الجوهریة ، و على أىّ القسمین ثبت و تبیّن وجود واجب الوجود غنىّ الهویة عمّا سواه إلى أن قال بعد جملة من النقص و الابرام :

فاذن حقیقة الوجود فی كلّ موجود بحسبه و أمّا الوحدة الّتی تجمع الكل فهى لیست نوعیّة و لا جنسیة بل ضربا آخر من الوحدة لا یعرفها إلاّ الكاملون .

و قال فی شرح الكافی فی شرح الحدیث الأوّل من باب جوامع التوحید :

« توحید عرشى » اعلم أنّ ذاته تعالى حقیقة الوجود بلا حدّ ، و حقیقة الوجود لا یشوبه عدم ، فلا بدّ أن یكون بها وجود كلّ الأشیاء و أن یكون هو وجود الأشیاء كلّها ، إذ لو كانت تلك الذّات وجود الشی‏ء بعینه أو الأشیاء بعینها و لم تكن لشى‏ء آخر أو لأشیاء اخرى لم یكن حقیقة الوجود

-----------
( 1 ) اى لا بالعرض و التبعیة للمهیة كما أنّ المهیة مجعولة بواسطة و تبعیّة ، منه .

[ 149 ]

و قد فرضناها حقیقة الوجود أو حقیقة الشی‏ء و صرفه لا یتعدّد كالانسان مثلا فانه لا یمكن أن یتعدّد من حیث هو انسان ، و لیس التعدّد فی زید و عمر إلاّ بأمر خارج عن حقیقة الانسانیة فحقیقة الوجود لا یتعدّد إلاّ بشی‏ء خارج ، و لكن الخارج لیس إلاّ العدم إذ المعانى و المهیّات تابعة للوجود و العدم لیس بشی‏ء ثابت فثبت أن لا تعدّد فی الوجود إلاّ من جهة الاعدام و النقایص .

فاذن لمّا كان واجب الوجود محض حقیقة الوجود الصرف الذی لا أتم منه فلا خارج عنه إلاّ النقایص العدمیّة و الاعدام فهو كلّ الذّوات و لا یشذّ عنه شی‏ء من الموجودات من حیث كونه موجودا بل من حیث كونه ناقصا أو معدوما .

و قال فی شرح الحدیث الأوّل من باب أدنى المعرفة :

اعلم أنّ للتوحید و سایر معارف الایمان أربع درجات كقشر الجوز ، و قشر قشره ، و لبّه ، و لبّ لبّه .

الدّرجة الاولى أن یقول باللسان : لا إله إلاّ اللّه و قلبه غافل عنه أو منكر له كتوحید المنافق و الثانیة أن یصدّق بمعنى اللفظ قلبه كما یصدّق به عموم المسلمین و هو اعتقاد و لیس بعرفان .

و الثالثة أن یعرف ذلك بطریق الكشف بالبرهان بواسطة نور الحقّ و هو مقام المقرّبین ، و ذلك بأن یرى أشیاء كثیرة و لكن یراها على كثرتها صادرة من الواحد القهار الرّابعة أن لا یرى فی الوجود إلاّ واحدا و هو مشاهدة الصدّیقین و تسمّیه الصوفیّة بالفناء فی التوحید .

فالأوّل موحّد باللسان و یعصم ذلك صاحبه عن السیف و السنان .

و الثانی موحّد بمعنى أنّه معتقد بقلبه .

و الثالث موحّد بمعنى أنّه لم یشاهد إلاّ مؤثّرا واحدا و یرى أنّه لا فاعل بالحقیقة إلاّ واحد ، و الوسایط مترتّبة فی القرب و البعد منه تعالى لصدورها منه

[ 150 ]

على التّرتیب الضرورى لا لكونها علل الایجاد بخلاف ما علیه الأشاعرة .

و الرّابع موحّد بمعنى أنّه لم یحضر فی شهوده غیر الواحد الحقّ فلا یرى الكلّ من حیث هو كثیر بل من حیث هو واحد ، لأنّ المهیّات المختلفة لا وجود لها إلاّ بالوجود ، و الوجود بذاته موجود و له حقیقة واحدة متفاوتة الدّرجات و المقامات و لكلّ مقام خواص و لوازم ینتزع منه و یصدق علیه و هى المسمّاة بالمهیّات و الأعیان الثابتة الّتى ما شمّت رائحة الوجود ، و لا هى مجعولة و كذا الأعدام و النقایص لا یتعلق بها جعل و تأثیر ، إذ لا وجود لها فالحقیقة على صرافة وحدتها الذّاتیّة الّتی لا مثل لها و لا شبه و لا ندّ و لا ضدّ ، إذ لیست هذه الوحدة وحدة عددیّة یحصل بتكرّرها العدد ، سواء كان فی العین أو فی الذّهن ، و لا جنسیّة و لا نوعیّة و لا مقداریّة و لا غیر ذلك من أقسام الوحدات .

فهذا هو الغایة القصوى فی التوحید و إن كانت الأذهان قاصرة عن إدراكها و لكن لا أقلّ من التسلیم و عدم التلقّى بالجحود و الانكار ، و اللّه ذو الفضل العظیم .

و قال فی شرح الحدیث الخامس من باب حدوث العالم :

إنّ مهیّته تعالى إنیّته بمعنى أن لا مهیّة له سوى الحقیقة المحضة و الانّیة البحتة و الوجود الصرف الذى لا یشوبه عدم و لا عموم و لا خصوص فالیه الاشارة بقوله علیه السّلام : شی‏ء بخلاف الأشیاء .

لأنّ كلّ ما سوى حقیقة الوجود له مهیّة خاصّة یعرضها عدم و قصور یلحقها كلیّة و جزئیة ، و كلّ منها یسلب عنها أشیاء كثیرة وجودیّة ، فهذا جسم و هذه صورة ، و هذا فلك و هذا انسان ، فما هو فلك لیس بانسان ، و ما هو جسم لیس بعقل و ما هى صورة لیست بمادّة .

و هذا بخلاف ذاته تعالى إذ هو كلّ الوجود و كلّه الوجود و ما من شی‏ء إلاّ و هو ذاته أو تبع و رشح لذاته ، و ما فی الوجود إلاّ ذاته و صفاته و أفعاله .

و قال فی شرح الحدیث الرّابع من باب اطلاق القول بأنّه شی‏ء :

و نسبة جمیع الأشیاء إلیه تعالى نسبة سایر الأضواء و ظلالها إلى ضوء

[ 151 ]

الشمس الّذی به یضی‏ء كلّ شی‏ء و هو مستغن عن غیره لو كان لضوئها قیام بنفسه و لكنّه یغایر الأوّل تعالى بأنّ الضوء فیها یحتاج إلى موضوع و هو محسوس ،

و الوجود الأوّل لا موضوع له و لا محسوس ، بل معقول لذاته و عاقل و عقل لذاته و لما سواه من الأنوار العقلیة القاهرة و المدبّرة و سایر الصّور و الأجرام و عوارضها و الوجودات الفایضة منه كالأنوار و المهیّات التابعة لها كالظلال و الأجسام كالظلمات ،

و للّه المثل الأعلى فی السماوات . إلى غیر ذلك ممّا لا نطیل بنقله .

و قال بعضهم :

كلّما فی الكون وهم أو خیال
أو عكوس فی المرایا أو ظلال

و قال عامر بن عامر البصرى و هو من صوفیّة الشیعة كما فی مجالس المؤمنین فی مفتتح قصیدته الّتی سماها ذات الأنوار فی معنى الوحدة الصرفة :

إنّ ذلك لیس بحلول كما ظنّه بعض المتوّهمین ، و ذلك لأنّ الحلول یقتضى وجود شیئین أحدهما حالّ و الثانی محلّ ، و لیس الأمر كذلك عند فحول المتوحّدین ، بل عندهم أنّ الواحد المطلق من كلّ الوجوه لا یبقى سواه ، و هو ظاهر بالكلّ للكلّ ، و لكلّ فرد من أفراد كثرته الدّاخلة فی حقیقة وحدته نصیب من عین تلك الوحدة ، و لا خروج له عنها و لا انعدام یطرى على شی‏ء ثمّ شرع فی القصیدة المسمّاة بذات الأنوار و قال فی مطلعها :

تجلّى لی المحبوب فی كلّ وجهة
فشاهدته فی كلّ معنى و صورة

و خاطبنى منى بكشف السرائر
تعالت عن الأغیار لطفا و جلّت

فقال أتدرى من أنا قلت أنت یا
مناى أنا إذ كنت أنت حقیقتى

فقال كذاك الأمر لكنّما إذا
تعیّنت الأشیاء بى كنت نسختى

فأوصلت ذاتى باتّحادى بذاته
بغیر حلول بل بتخصیص نسبة

فصرت فناء فی بقاء مؤبّد
لذات بدیمومیّة سرمدیّة

إذا رمت إثباتا لانیّتی محا
هواه وجودى محوة أىّ محوة

فیأخذنی منّى فأصبح سائلا
لنفسى عن نفسى حضورا لغیبة

[ 152 ]

و انظر فی مرآت ذاتی مشاهدا
لذاتی بذاتی و هو غایة غایتی

فاغدو و أمرى بین أمرین واحد
علومی تمحونی و وهمی مثلتی

إلى أن قال :

بدا ظاهرا بالكلّ للكلّ بیّنا
فشاهده العینان فی كلّ ذرّة

و أشرق منه مطلق قیّد الورى
عموما بوحدانیة صمدیّة

هو الواحد الفرد الكثیر بنفسه
و لیس سواه إن نظرت بدقّة

به كلّ حىّ و هو حىّ بذاته
و إن شئت أن تحیى به فله مت

له كلّ عین فی الوجود یرى بها
له كلّ اذن فی البرایا وعیّة

له كلّ كفّ فی الوارى باطشا بها
له كلّ علم من علوم الخلیقة

لذلك ما قال الاله لآدم
على صورتی كانت لخلقك خلقتى

فكثرته مخفیّة تحت وحدة
كما أنا فرد كثرتی تحت وحدتی

بقیت به لمّا فنیت له كما
وجدت حیاتی فیه من بعد موتتى

إلى أن قال :

نظرت فلم ابصر سوى محض وحدة
بغیر شریك قد تقسّط بكثرة

تكثّرت الأشیاء و الكلّ واحد
صفات و ذات ضمتا فی هویّة

یحجّب عنّا و اختفى بظهوره
فضلّل فیه كلّ قوم بحجّة

فسایر ذرّات الوجود مظاهر
له إن رآه باصر ببصیرة

محا ممكنات الوهم منه بواجب
حوى كثرة توحیدها بالضرورة

و ذاك لأن لا شی‏ء یوجد غیرها
و جملتها موجودة بالمعیّة

لك الكلّ یا من لا سواه فمن رأى
سواك فرؤیا ذاك من أحولیة 1

و محصّله كما ترى أنّ ذات الوجود المطلق و الممكنات لیست إلاّ مجالى

-----------
( 1 )

با من آمیزش او الفت موج است و كنار
دائما با من و پیوسته گریزان از من
مجموعه كون را بقانون سبق
كردیم تصفّح ورقا بعد ورق

حقا كه نخواندیم و ندیدیم در او
جز ذات حق و شئون ذاتیه حق

[ 153 ]

و مظاهر له .

و بعبارة اخرى الوجود إذا اعتبر لا بشرط التّعیّن و عدم التعیّن یكون حقیقة الواجب ، و اذا اعتبر بشرط التعیّن بالماهیة یكون عین حقیقة الممكنات فیكون حقیقة كلّ ممكن هو الوجود المتعیّن بالماهیة ، فاذا لم یعتبر فیه التعیّن كان عین حقیقة الواجب ، تعالى عمّا یقول الجاهلون علوّا كبیرا .

اذا عرفت ذلك فأقول :

إنّ بطلان هذا الاعتقاد الفاسد ممّا دلّ علیه العقل و النّقل ، و لكونه من مزالّ الأقدام یحتاج إلى بسط الكلام فی ذلك المقصود و المرام ، بعون اللّه المالك المهیمن السّلام ، و باللّه أستعین و أستمدّ و بمحمّد و آله الطاهرین سلام اللّه علیه و علیهم أجمعین أتوسّل فى كشف الحجاب عن وجه المرام .

اما الدلیل العقلى على بطلانه

فموقوف على تمهید مقدّمة متضمّنة للفرق بین الواجب تعالى شأنه و الممكن و هو بوجوه :

الاول الافتقار و عدم الافتقار

بیانه : أنّ الموجود إمّا موجود بنفسه غیر مفتقر فی وجوده إلى غیره أى العلّة الموجدة ، أو موجود لا بنفسه بل مفتقر إلى العلّة ، و الحصر بینهما عقلىّ دائر بین النفى و الاثبات ، فلا یتصوّر واسطة بین الافتقار و عدم الافتقار ، فلا موجود خارجا من القسمین و المتّصف بعدم الافتقار هو الواجب و بالافتقار هو الممكن .

أمّا الثّانی فلا بدّ أن ینتهى وجوده إلى علّة قائمة بذاتها موجودة بنفسها ،

إذ معنى افتقاره هو قبوله لأثر العلّة الذی هو الوجود ، فلو لم تكن العلة بنفسها موجودة لكانت فاقدة للأثر و الفاقد للشی‏ء كیف یكون معطیا ، و مجرّد وصول الأثر بواسطة إلى محلّ لا یرفع الافتقار فلا بدّ من الانتهاء إلى المؤثر القائم بذاته ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ عنى غیر المفتقر فی وجوده إلى غیره .

یكون وجوده علة لوجوده و هو غیر معقول لاستلزامه تقدّم الشى‏ء

[ 154 ]

على نفسه .

و إمّا بأن یكون نفسه عین الوجود أى لا یكون له ماهیّة و وجود كما فی الممكنات بل یكون ماهیته انیّته و هو المطلوب .

فان قلت : هل له تعالى ماهیّة ؟

قلت : الماهیّة لها معنیان :

أحدهما بازاء الوجود كما یقال وجود الممكن زاید على ماهیّته و الماهیّة بهذا المعنى یعرضها العموم و الاشتراك فلیست له تعالى ماهیّة بهذا المعنى .

و ثانیهما ما به الشی‏ء هو هو و هذا یصحّ له عزّ و جلّ و قد صرّح به الصّادق علیه السّلام فی جواب الزندیق فی حدیث طویل مرویّ فی الكافی قال : قال له السّائل : فله إنیّة و مائیّة ؟ قال علیه السّلام : نعم لا یثبت الشی‏ء إلاّ بانیّة و مائیّة .

الثانى أنّه تعالى منزّه عن الحدّ و الرّسم

و المثل و الشّبه و الضّدّ و النّد ، و التنزّه مقتضى ذاته و الممكن محدود ممثّل .

أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّه تعالى نفس الوجود و متعیّن الذّات بوجوب وجوده و لیس له ماهیّة و وجود فلیس بذى أجزاء و ما لا جزء له لا جنس له و لا فصل له و ما لا جنس له و لا فصل له لا حدّ له ، و إذ لیست له صفة لازمة و لا خاصّة فلا رسم له ، و ما لا حدّ له یمتنع إقامة البرهان علیه إلاّ أنّه من حیث كونه مبدءا لأفعاله و آثاره و بارئا لمخلوقاته ممّا یقام علیه البرهان كما یقال : العالم مصنوع مبنی یقتضی أنّ له صانعا بانیا ، فالعالم له صانع و إذا ثبت أنّ للعالم صانعا ثبت وجوده ضرورة .

و أما الثانی فلتركبه من الوجود و الماهیة یكون ذا أجزاء و الوجود للممكنات أمر عقلى متصوّر فی الذّهن مشترك بین الموجودات زاید فی التصوّر على المهیات و قد عرفت أنّ المهیة التی هى معروض الوجود أیضا مما یعرضه العموم و الاشتراك فافراد الممكنات بجمیعها مشتركة فی أمر جامع بینها به یشابه أحدها الآخر و یشاكله

[ 155 ]

و یتمیّز أحدهما عن الآخر بأمر بائن ، و لیس الحدّ إلاّ عبارة عن الجامع الفارق .

و أیضا كلّ متصف بالوجود الامكانى فله مهیّة و وجود .

أما المهیّة فلكونها غیر الوجود یحتاج فی موجودیّتها إلى جاعل یجعلها موجودا إذ المهیّة لا تقتضى نفسها وجودها و إلاّ لكان وجودها قبل وجودها و هو محال ضرورة تقدّم المقتضى على المقتضی .

و أما الوجود فلأنّ كلّ وجود غیر وجوده تعالى فهو یشوبه عدم و نقص فیحتاج إلى موجد و له حدّ معین من مراتب الوجود یحتاج إلى محدّد إذ لو كانت نفس طبیعة الوجود تقتضى ذلك الحدّ لكان الجمیع كذلك و لیس كذلك ، فاذن الوجود فی كلّ موجود نفس تعیّنه الخاصّ و وحدته الشخصیّة و تشخّصه المحدّد و المعین ، و كلّ ما له حدّ فله علة محدّدة تحدّده على ذلك الحدّ .

و هذا بخلاف الوجود الالهى الذی هو عین ذاته و تعیّنه بالوجوب فلا قاهر فوقه و لا محدّد له إذ لیس فیه إلاّ محض الحقیقة القدسیة و التنزّه .

بل قد قال بعض الأساطین : إنّ انفكاك المهیة من الوجود إنما هو فی تحلیل العقل ، و أما فى الواقع فهى عینه حیث قال :

إنّ الوجود لا بدّ له عما یخرجه عن الایهام ، فلا یتحقّق إلاّ بعد التعیّن التمام بالفصول المتنازلة إلى أن ینتهى إلى التشخّص . فبعد التعیّن التامّ یتحقّق و الترتب إنما هو فى المرتبة و التحلیل ، و هذا ما أشاروا إلیه بقولهم : إنّ الشى‏ء ما لم یتشخّص لم یوجد و ما لم یوجد لم یتشخّص ، و أنّ التشخّص یساوق الوجود ، فانه ذات الوجود و خلوّه عنه سلب الشى‏ء عن نفسه .

و بما حقّقنا ظهر أنّ الماهیة عین الوجود ، و انما ینفكان فى التحلیل ، فیحمل الوجود على الماهیة و یعرضها باعتبار كما أنّ الماهیة تعرض الوجود باعتبار آخر و فى الحقیقة لیس هناك إلاّ الوجود الخاصّ ، فالوجود الذى هو نقیض العدم بنفسه لا یتقوّم بل هو و الحدّ و التحدید مستند إلى أمر وراء ذلك ، فالمبدء تعالى لیس له ذات و وجود ، و إنما یعبر بعبارتین بالالجاء و ضیق المجال كما هو الحال فی جمیع

[ 156 ]

صفات الجمال ، و هذا متن بیان مقتبس من مشكاة النبوّة إلى أن قال :

ظهر من جمیع ما تقدّم أنّ إثبات المبدء تعالى لا ینفكّ عن التوحید ، ضرورة أنّ الحدّ ینافى الوجود و التعدّد لا یعقل إلاّ بالحدود و قال :

و كشف الحجاب أنّ الوجود عین هویّته و نفس الماهیة كما هو محصّل عروض الوجود للماهیة ، و التفكیك إنّما هو بالتحلیل و كذا الحمل و العروض ، فقبل التحقّق الذى هو عین الواقع و الخارج لا وجود و لا ماهیة ، و معه لا تمائز .

فللحیوانیّة مثلا نحو من الوجود لأنّ الحركة بالارادة و الحسّ وجود و المعدوم لا یعقل أن یكون حیوانا و حساسا ، و كذا النّطق و هو إدراك الكلّیات و ملكة اكتساب النظریّات نحو من الوجود و المعدوم لیس ناطقا بالضرورة .

و كذا الحال فی جمیع الأجناس و الفصول و الأنواع الملتئمة منها المترتّبة فانّه صرف الفرض و لیس كون الانسان قبل الوجود انسانا و كون الوجود وجودا قبل التحقّق إلاّ مجرّد الفرض ، فعدم كون الانسان و الوجود قبل التحقّق وجودا و انسانا مخالف للفرض لا أنّه سلب للشّی‏ء عن نفسه كیف و لیس هناك شی‏ء و لا نفس إلاّ بالفرض .

ألا ترى أنّ اجتماع النّقیضین لو كان اجتماعا تحقیقیا لكان محقّقا و إنّما هو مجرّد فرض و تقدیر ، فالانسانیّة التّحقیقیة و هو الحیوانیّة مع النطق لو كانت غیر الوجود فكیف یكون متحرّكا بالارادة و مدركا للمعقولات و هو لا وجود له .

و من خفى علیه هذا المعنى خبط خبطة عشواء فبین من ذهب إلى أنّ التقریر مرحلة سابقة على الوجود ، و من توهّم أنّ بین الوجود و العدم مرحلة تسمّى بالحال و لم یتفطنوا أنّ ارتفاع النّقیضین محال ، انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه دام عزّه و علاه .

و قد اتّضح منه كلّ الوضوح أنّ الممكن لا تحصل له إلاّ بالوجود و الماهیة و أنّ الماهیّة بحسب الخارج عین الوجود وحده ، و أنّ معنى عروض الوجود للماهیّة أنّ الملحوظ فی الوجود إنّما هو حدّه المعین لا أنّ هناك عارضا و معروضا

[ 157 ]

و عروضا .

فانقدح منه أنّ قول الصوفیّة بأنّ الماهیّة ماهیّة حال العدم و هى المعبّر عنها بالعین الثابت ، و قولهم بأنّ الأعیان الثابتة ما شمّت رایحة الوجود ممّا لا معنى له أو التفكیك بین الثّبوت و الوجود و القول باتّصاف الماهیّة بالأوّل دون الثانی سفسطة محضة .

الثالث أنّ الواجب تعالى وجوده تامّ فوق التّمام

و الممكن موصوف بالقصور و النّقصان ، و التمام مقتضى ذات الاوّل كما أنّ النّقصان لازم وجود الثانی .

و المراد بكونه تامّا كونه جامعا لجمیع صفات الكمال إذ قد قلنا إنّه عین الوجود و الكمالات كلّها وجود ، فتكون الكمالات جمیعا حاصلة له بالفعل بنفسه من دون افتقار إلى الاستكمال بالغیر ، و هذا من ضیق العبارة بل كما أنّ ذاته تعالى صرف الوجود كذلك صرف العلم و القدرة و الاختیار و الحیاة و غیرها من الصّفات الكمالیّة ، و هذه الصّفات عین ذاته كما قال أمیر المؤمنین : علم كلّه قدرة كلّه حیاة كلّه .

و المراد بفوق التمام كونه مع جامعیّته للكمالات و تمامیّتها له موجدا لوجود غیره و كمالاتهم جمیعا أیضا .

و أمّا الممكن فلا ینفك عن وصف الافتقار و الامكان و المهیّة و المعلولیّة و التركیب و غیرها من النقایص ، و ما یتصوّر فیه من وصف الكمال فامّا أن لا یكون حاصلا له بالفعل بل بالقوّة كالانسان مثلا ، أو یكون حاصلا بالفعل و لكن حصوله لیس بنفسه بل بالغیر ، فعلم من ذلك أنّ الواجب تامّ و الممكن ناقص . و اذا عرفت هذه المقدّمة الشریفة ظهر لك فساد القول بوحدة الوجود ، لأنه إذا كان الواجب علة و الممكن معلولا ، و الأوّل مستغنیا و الثانی مفتقرا ، و الأول منزّها عن الحدّ و التعیّن و الثانی محدودا متعیّنا بالماهیة ، و الأوّل بسیطا و الثانی مركّبا ، و الأول تامّا فوق التمام و الثانی مكتنفا بالعدم و النقصان حسبما عرفته

[ 158 ]

فی المقدّمة الّتی مهّدناها ، فكیف یعقل ترقّى الثانی إلى مرتبة الأوّل ، فانّ ذاتیّ الشّی‏ء لا ینفكّ عنه و المعلولیّة و المحدودیّة و الافتقار و النقصان من لوازم ذات الممكن فكیف یتصوّر أن یلقى الممكن إنیّته على اصطلاحهم و یصل إلى مرتبة الواجب .

مع أنّ إنیّته لیس إلاّ تعیّنه بماهیّته و بعد ارتفاع التّعین و التّحدّد لا یبقى ماهیّة و لا وجود ، فلا یكون هناك شی‏ء أصلا .

و كذلك إذا كان الواجب تعیّنه بذاته و بكنهه و منزّها عن الحدود لكونه صرف الوجود و كان تامّا فوق التمام كان مباینا للممكن غایة البینونة كما قال الرّضا علیه السّلام فی الحدیث المرویّ عنه فی الكافی : مباینته إیّاهم مفارقته إنیّتهم ، فكیف یتوّهم كونه ساریا فی الموجودات .

و هؤلاء الجهلة لمّا سمعوا أنّ الواجب وجود خال من جمیع الحدود و القیود ،

و أنّ الوجود مفهوم واحد نقیض العدم ، فتوهّموا أنّ الوجود الخالى من جمیع القیود هو الوجود المطلق لا بشرط التعیّن و عدم التعیّن ، فیجتمع مع جمیع التعیّنات الامكانیة ، و یكون عین حقیقة كلّ ممكن .

و هذا التوهّم من الفساد بمكان لأنّ معنى خلوّ الواجب من القیود ، هو خلوّه من التعیّنات الامكانیة لا من مطلق التعیّن و لو بذاته ، فتعیّنه سبحانه بوجوب وجوده الذی هو عین ذاته فعلى هذا یكون طرد الحدود و التعیّنات الامكانیة محالا ،

و لیس معنى خلوّه منها كونه مبهما ساریا فى التعیّنات مثل سریان الكلّیات فی مصادیقها الخارجیّة المتعینة .

و بعبارة أوضح أنّ الواجب مع قطع النظر عن الحدود و التعیّنات إمّا مبهم أو متعیّن .

أمّا الأوّل فتحقّقه محال بالضّرورة ، لأنّ الشی‏ء ما لم یتشخّص لم یوجد و من هنا قالوا إنّ الكلیّ الطبیعی أمر مبهم لا یمكن تحقّقه فی الخارج إلاّ بضمّ التعیّنات و تشخّصات الأفراد .

[ 159 ]

و أما الثانی فامّا أن یكون سرایته فی المخلوقات مع تعیّنه الذى هو له فهو محال ، لأنّه جمع بین النقیضین إذ التعیّن الوجوبى مناف للتعیّن الامكانى و مناقض له ، أو مع إلقائه لتعیّنه الذّاتى و تعیّنه بالتعیّن الامكانى و هو فرع أن یكون متحرّك غیر واجب و ممكن یكون فی تلك المراتب و یكون واجبا تارة و ممكنا اخرى و هو باطل .

و الحاصل أنّ الواجب إمّا مبهم محض و جامع بین جمیع الموجودات كما هو شأن الجامعة الساریة ، و هو مستلزم لنفى وجود الصانع تعالى عن ذلك علوّا كبیرا ، و إما أنّه متعیّن بحب ذاته فیستحیل سریانه فی الامور المتعیّنة بالحدود و القیود .

و الى ذلك أشار المحقّق الطوسی فی شرح الاشارات حیث قال :

حقیقة الواجب لیست هى الوجود العام بل هى مجرّد وجوده الخاص به المخالف لسایر الموجودات لقیامه بالذّات .

و قال أیضا : الوجود داخل فی مفهوم ذات واجب الوجود لا الوجود المشترك الذی لا یوجد إلاّ فی العقل بل الوجود الخاص الذى هو المبدء الأول لجمیع الموجودات و إذ لیس له جزء فهو نفس ذاته و هو المراد من قولهم : مهیّته هى إنیّته انتهى .

و قال المعلّم الثانی فی محكیّ كلامه من كتاب الجمع بین الرّایین :

إنّه لما كان البارى جلّ جلاله بانیّة ذاته مباینا لجمیع ما سواه و ذلك له بمعنى أشرف و أفضل و أعلى بحیث لا یناسبه فی إنیتّه شی‏ء و لا یشاكله و لا یشبهه حقیقة و لا مجازا ، ثمّ مع ذلك لم یكن بدّ من وصفه و اطلاق كلّ لفظة كمالیّة من هذه الألفاظ المتواطئة علیه ، فانّ من الواجب الضّرورى أن نعلم أنّ مع كلّ لفظة نقولها فی شی‏ء من أوصافه معنى بذاته بعیدا من المعنى الّذی نتصوّره من تلك اللّفظة و ذلك كما قلناه بمعنى أشرف و أعلى حتّى إذا قلنا إنّه موجود علمنا مع ذلك أنّ وجوده لا كوجود سایر ما دونه ، و إذا قلنا إنّه حىّ علمنا أنّه بمعنى أشرف من الحىّ الذى هو دونه و كذلك الأمر فی سایرها ، انتهى .

[ 160 ]

و هو كما ترى نصّ صریح مثل الاخبار الآتیة الواردة من معادن القدس و الطهارة فی أنّ مباینته لغیره بنفس ذاته . فلا یتّصف بالماهیّة و لا بالوجود بالمعنى المتصوّر فی الممكن ، بل إذا قلنا إنّه موجود و وصفناه بالوجود فهو بمعنى اعلا ممّا یتصوّره العقل ، و هكذا إذا وصفناه بالعلم و الحیاة و سایر الصفات الثبوتیّة و هو معنى ما ورد فی غیر واحد من الأخبار الكثیرة من أنّه سبحانه شی‏ء لا كالأشیاء فوصفه بأنّه شی‏ء من ضیق المجال و الخروج من حدّ التعطیل ، و بأنّه لا كالأشیاء للتّنزیه و التقدیس و نفى التشبیه و الاشارة إلى كونه باینا من الأشیاء و كونها باینة منه بنفس ذاته المقدّسة .

و الحاصل أنّه تعالى ممتاز عمّا سواه بذاته ، و الوجود عین ذاته ، و الوجود الّذى له عزّ و جلّ لیس بالمعنى الذى لها كیف و الوجود الذى لغیره أمر بدیهىّ یعرفه الكلّ كسایر البدیهیّات ، و الوجود المخصّص به لا یدركه بعد الهمم و لا یناله غوص الفطن ، و غایة معرفتنا بذاته أنّا لا نعرف ذاته بیان ذلك أنّ كلّ مدرك باحدى القوى و الحواسّ ظاهریّة كانت أو باطنیّة و كلّ ما تدركه المشاعر صورة كانت أو معنى فهو محدود متمثّل تحدّه الحواسّ و تمثّله الأفكار ، و كلّ ما هو كذلك فهو مخلوق مثلنا مصنوع بفكرنا ، و خالق الأشیاء منزّه عنه فنعرف ذاته بأنّا لا نعرف ذاته إذ غایة ما یحصل لنا من الآثار و الأفعال كونه مبدء لتلك الآثار و الأفعال صانعا لها ، و من ذلك یحصل الجزم بوجوده تعالى .

إذ لو لم یكن موجودا ثابتا لكان معدوما منفیّا اذ لا مخرج منهما و لا واسطة بین النّفى و الاثبات و الوجود و العدم .

و یلزم من عدمه أن لا یكون فی الوجود شی‏ء أصلا و اللاّزم باطل بالبدیهة فكذا الملزوم و وجه الملازمة أنّ الكلّ مفتقر فی وجوده إلیه فما هو معدوم فی نفسه كیف یكون مفیضا للوجود فثبت بذلك أنّه موجود ممتاز بذاته عمّا عداه ، هذا .

[ 161 ]

و الصوفیّة أولیاء الشیطان لمّا ضاق بهم الخناق فی إقامة البرهان على مذهبهم الفاسد و اعتقادهم الكاسد استندوا إلى الكشف و العیان .

قال بعض من له خوض فى التّصوف :

إنّ مستند الصوفیّة فیما ذهبوا إلیه هو الكشف و العیان لا النظر و البرهان ،

فانّهم لمّا توجّهوا إلى جناب الحقّ سبحانه بالتّعریة الكاملة و تفریغ القلب بالكلیّة عن جمیع التّعلّقات الكونیّة و القوانین العلمیّة مع توحید العزیمة و دوام الجمعیّة و المواظبة على هذه الطریقة بدون فترة و لا تقسیم خاطر و لا تشتّت عزیمة منّ اللّه سبحانه علیهم بنور كاشف یریهم الأشیاء كما هی .

و هذا النور یظهر فی الباطن عند ظهور طور وراء طور العقل ، و لا تستبعدن وجود ذلك ، فوراء العقل أطوار كثیرة یكاد لا یعرف عددها إلاّ اللّه .

و نسبة العقل إلى ذلك النور كنسبة الوهم إلى العقل ، فكما یمكن أن یحكم العقل بصحّة ما لا یدركه الوهم كوجود موجود مثلا لا خارج العالم و لا داخله ، فكذلك یمكن أن یحكم ذلك النّور الكاشف بصحّة بعض ما لا یدركه العقل ، كوجود حقیقة مطلقة محیطة لا یحصرها التقیید و لا یقیّدها التعیین .

مع أنّ وجود حقیقة كذلك لیس من هذا القبیل فانّ كثیرا من الحكماء و المتكلّمین ذهبوا إلى وجود الكلّی الطبیعی فی الخارج .

و المقصود هنا رفع الاستحالة العقلیة و الاستبعادات العادیة عن هذه المسألة لا إثباتها بالبراهین و الأدلة ، انتهى .

و هو سخیف جدّا لامتناع أن یكون طور وراء العقل إلاّ النّبوة ، و لو جوّز ذلك لبطلت الشرایع و الأدیان و الأحكام النقلیّة و العقلیة و ارتفع الأمان و انسدّ باب الایمان .

و لیس نتیجة ما ذكر من الرّیاضة و المجاهدة إلاّ تلطیف السّر و تهذیب الباطن و تصفیة القلب لیسهل النظر و یسرع الفكر و یصفو الذّهن من الكدر ، فیتجرّد المعقولات النظریّة عن الغواشی الوهمیّة و یتمیّز المعقول عن الموهوم ، و ذلك

[ 162 ]

هو معنى الكشف و نور اللّه الكاشف لا ما توهّموه .

و مثله فی السخافة استناد بعضهم فی ذلك إلى الأدلة السمعیّة حیث قال :

إذا علمت أنّ الوجود هو الحقّ علمت سرّ قوله و هو معكم أینما كنتم و نحن أقرب إلیه من حبل الورید و فی أنفسكم افلا تبصرون و هو الذى فى السماء إله و قوله اللّه نور السّموات و الأرض و اللّه بكلّ شی‏ء محیط و كنت سمعه و بصره ، و سرّ قوله : و لو دلیتم بحبل لهبط على اللّه ، و أمثال ذلك من الأسرار المنبهة للتوحید بلسان الاشارة ، انتهى .

و لا دلالة فیها على ما زعموه بوجه .

أمّا الآیة الاولى فدلالتها على بطلان ما زعموه و فساده أظهر ، بل مكذبة لدعواهم ، لأنّ وجود الأشیاء عینها فی الخارج لا معها ، و قد عرفت أنّ التغایر فی طرف التّحلیل ، و المراد بكونه تعالى معنا فی جمیع الأمكنة ما حقّقناه فی شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى فی شرح قوله علیه السّلام : مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة و أمّا الآیة الثانیة فهى أیضا مكذبة لهم لأنّ الاقربیّة مستلزمة للمغایرة و المنافیة للعینیّة ، و المراد بها القرب بالعلم و الاحاطة أو باعتبار كون ذاته و وجوده منه تعالى حدوثا و بقاء بحیث لو قطع النظر عنه آنا ما هلك و صار عدما محضا لاستحالة بقاء المعلول من غیر علّة و أمّا الآیة الثالثة فهی أیضا دلیل على البینونة و المغایرة ، لافادته كون نفس الشخص آیة على صانعه و هو استدلال إنّى و أین ذلك من الاتّحاد .

و أمّا الآیة الرّابعة فالمراد بها انحصار الالوهیة فی جمیع العوالم فیه تعالى و هو أیضا مكذب للعینیّة لمنافاة الالوهیّة لها .

و أمّا الآیة الخامسة فالمراد بها أنّه هاد لأهل السماوات بلا واسطة و لأهل الأرض بواسطة الأنبیاء و الرّسل و الأئمة علیهم السّلام ، و قد ورد تفسیره بهذا المعنى فی أخبار أهل البیت سلام اللّه علیهم .

و أمّا الآیة السادسة فهى أیضا مكذبة لدعواهم لأنّ وجود الشی‏ء لیس محیطا

[ 163 ]

به بل هو فی الخارج و فی التحلیل عارض له .

و أما الحدیث القدسى فلا دلالة فیه أیضا على الاتّحاد ، بل المراد به معنى آخر أشار به فی البحار .

فانه بعد ما روى من المحاسن عن عبد الرّحمن بن حماد عن حنان بن سدیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قال اللّه تعالى : ما تحبّب إلیّ عبدی بشی‏ء أحبّ إلىّ ممّا افترضته إلیه ، و أنّ عبدى لیتحبّب إلیّ بالنافلة حتى احبّه فاذا أحببته كنت سمعه الذى یسمع به و بصره الذى یبصر به و لسانه الذى ینطق به و یده التی یبطش بها و رجله التی یمشى بها إذا دعانى أجبته و إذا سألنى أعطیته .

قال : هذا الخبر یحتمل وجوها :

الأوّل أنه لكثرة تخلّقه بأخلاق ربّه و وفور حبّه لجناب قدسه تخلّى عن شهوته و إرادته ، و لا ینظر إلاّ إلى ما یحبّه سبحانه و لا یبطش إلاّ إلى ما یوصله إلى قربه تعالى و هكذا الثانی أن یكون المراد أنّه تعالى أحبّ إلیه من سمعه و بصره و لسانه و یده و یبذل هذه الأعضاء الشّریفة فیما یوجب رضاه فالمراد بكونه سمعه أنّه فی حبّه و اكرامه بمنزلة سمعه بل أعزّ منه لأنّه یبذل سمعه فی رضاه و كذا البواقی .

الثالث أن یكون المعنى كنت نور سمعه و بصره و قوّة یده و رجله و لسانه و الحاصل أنّه لمّا استعمل نور بصره فیما یرضى ربّه أعطاه بمقتضى وعده سبحانه لإن شكرتم لأزیدّنكم نورا من أنواره به یمیّز بین الحقّ و الباطل ، و به یعرف المؤمن و المنافق كما قال اللّه تعالى إنّ فی ذلك لآیات للمتوسّمین و قال علیه السّلام : المؤمن ینظر بنور اللّه ، و كذا لما بذل قوّته فی طاعته أعطاه قوّة فوق طاقة البشر كما قال مولانا الأطهر : ما قلعت باب الخیبر بقوّة جسمانیة بل بقوّة ربانیة و هكذا .

الرّابع أنه لما خرج عن سلطان الهوى و آثر على جمیع إراداته و مراداته و شهواته لرضى المولى صار الرّب تعالى متصرّفا فى نفسه و بدنه ، مدبّرا لقلبه

[ 164 ]

و عقله و جوارحه فبه یسمع و به یبصر و به ینطق و به یمشی و به یبطش كما ورد فی تأویل قوله و ما یشاؤن إلاّ أن یشاء اللّه و هذا معنى دقیق لا یفهمه إلاّ العارفون و لیس المراد به المعنى الذی باح به المبتدعون فانّه الكفر الصریح و الشّرك القبیح انتهى كلامه رفع مقامه .

و أما الروایة الأخیرة فعلى تسلیم صحّة سندها و عدم كونها من موضوعات العامّة فمعناها إحاطته تعالى بجمیع العوالم و عدم خلوّ مكان منه عزّ و جلّ بهذا المعنى ، و أین هذا ممّا زعمه حزب الشیطان من أنّ الوجود هو اللّه ، تعالى عمّا یقول الظالمون علوّا كبیرا .

فقد وضح و اتّضح من هذا كلّه أنّ ما ذهب إلیه الزّندیق اللّعین محیى الدّین و أتباعه الذین هم أولیاء الشیطان و هادمو أساس الشرع المبین من أنّ الوجود هو الحقّ الأوّل و أنّه سار فی الموجودات و أنّها على كثرتها مجالى و مظاهر له ،

و أنّ الواجب إذا اشتمل على الحدّ و التّعین صار ممكنا ، و انّ الممكن إذا ارتفع عنه الحدّ و التّعیّن صار واجبا ففی قوس النزول یكون الواجب ممكنا ، و فی قوس الصّعود یكون الممكن واجبا ، غلط بیّن و كفر و زندقة و إلحاد .

و العجب من صدر المتألهین أنّه مع ذكائه و براعته فی فنّ الكلام و إذعانه بأكثر ما أوردناه فی المقدّمة الشّریفة ، غفل عن نتیجتها و قلّد الصّوفیة فیما هم علیه زعما منه أنّ ما ذهبوا إلیه من وحدة الوجود هو نتیجة كلمات الأساطین من الحكماء و المتكلّمین ، و لم یتعقّل المباینة ، ثمّ ذهب إلى كونه مشتركا مقولا على ما تحته بالتشكیك حسبما نقلناه .

قال فی الأسفار :

« فصل » فی أنّ مفهوم الوجود مشترك محمول على ما تحته حمل التّشكیك لا حمل التّواطی .

أمّا كونه مشتركا بین الماهیّات فهو قریب من الأوّلیّات ، فانّ العقل یجد بین موجود و موجود من المناسبة و المشابهة ما لا یجد مثلهما بین الموجود

[ 165 ]

و المعدوم و أطال فی إثبات الاشتراك بما لا طائل تحته إلى أن قال :

و أمّا كونه محمولا على ما تحته بالتّشكیك أعنی الأوّلیّة و الأقدمیّة و الأشدّیة ، فلأنّ الوجود فی بعض الموجودات بمقتضى ذاته كما سیجى‏ء دون بعض و فی بعضها أقدم بحسب الطّبع من بعض ، و فی بعضها أتمّ و أقوى .

فالوجود الذی لا سبب له أولى بالموجودیّة من غیره ، و هو متقدّم على جمیع الموجودات بالطّبع ، و كذا وجود كلّ واحد من العقول الفعّالة متقدّم على تالیه ، و وجود الجوهر متقدّم على وجود العرض .

و أیضا فانّ الوجود المفارقی أقوى من الوجود المادّى ، و خصوصا وجود نفس المادّة القابلة ، فانّها فی غایة الضعف حتّى كأنّه یشبه العدم و المتقدّم و المتأخّر و كذا الأقوى و الأضعف كالمقوّمین للموجودات و إن لم یكن كذلك للماهیّات .

فالوجود الواقع فی كلّ مرتبة من المراتب لا یتصوّر وقوعه فی مرتبة اخرى لا سابقة و لا لاحقة و لا وقوع وجود آخر فی مرتبته لا سابق و لا لاحق ، انتهى .

و اعترض علیه بعض أساطین مشایخنا المعاصرین أطال اللّه بقاه بقوله :

إنّ هذا الكلام یكشف عن أنّه لم یتعقّل معنى الوجود و الماهیّة ، ضرورة أنّ المتصف بالكلّیة و الجزئیة و التواطی و التشكیك إنّما هو الكلّی الطبیعیّ ،

فموضوع هذه الأحكام إنّما هو الماهیة ، و أمّا الوجود المنسلخ عنها فی التّحلیل فهو كالعدم ، و مع عدم لحاظ الانسلاخ فیه لا تعدّد و لا تغایر و لا ماهیّة و لا وجود ،

بل هو حینئذ عینها و هى عینه كما لا یخفى و لا یصلح لأن یتّصف بشى‏ء من هذه الصّفات إلاّ تبعا للذات .

بل التحقیق أنّ الاعراض بأسرها على هذا المنوال فانّها جهات تحلیلیّة لا انیّة لها و لا ماهیّة و انّما هی شئون المعروض ، فانّ العروض بلحاظ ارتباطه مع الغیر فهو غیر متأصّل لا محالة كالفوقیّة و الابوّة و كذا ما یلزم من وجوده

[ 166 ]

التكرّر كالوجود .

و أمّا اللون و ما شاكله فهو متأصّل لا كما توهّموه من أنّ له ماهیّة و وجودا إلاّ أنّه فی وجوده یحتاج إلى موضوع بخلاف الجوهر ، و إلاّ لكان المعروض من مقولة الأین بالنسبة إلى العرض مع أنّ وجود العرض لنفسه عین وجوده للغیر لا أنّ هناك وجودین و هذا معنى الحلول و هو عبارة اخرى عمّا اشرنا إلیه من أنّه نحو وجود المعروض ، فالموجود له ذات و وجود و لوجوده شئون و خصوصیّات تسمّى بالاعراض و أمّا الماهیة فلا یعرضها إلاّ الوجود ، و أما الزّوجیة فی الأربعة و ما یشابهها فلیست عرضا لماهیة ، ضرورة أنّ الأربعة كم منفصل لا ماهیّة من الماهیّات بل هو تحلیل فی تحلیل فی خصوصیّات الوجود و لو على سبیل التقدیر .

و أمّا ما توهّمه من أنّ الوجود فی بعض الموجودات بمقتضى ذاته فمرجعه إلى كون الشی‏ء علة لنفسه و أمّا الواجب تعالى فهذا التعبیر بالنّسبة الیه جلّ ذكره كسایر التّعابیر لیس على ما توهّمه بل مرجعه إلى أنّه تعالى مقدّس عن الوجود الّذى هو نقیض العدم و نسبة الوجود إلیه تعالى سلب نقص العدم عنه لا إثبات الوجود . 1 و بالجملة فكون الوجود معلولا للذّات ضرورىّ الاستحالة ، فانّ الفاقد لا یكون معطیا مع أنّ تقدّم الشی‏ء على نفسه أیضا ضرورى الفساد .

و أمّا الأقدمیّة بحسب الطّبع فهو أیضا من الأغلاط لما عرفت من أنّه تعالى منزّه عن الطّبع .

-----------
( 1 ) یعنى أنّ وجوده لیس على حدّ وجود سائر الموجودات الممكنة لانّ الممكنات جمیعها تنحل فى طرف العقل إلى ماهیة و وجود عارض لها و من هنا قالوا كلّ ممكن زوج تركیبى بل وجوده عزّ و جلّ نحو آخر من الوجود و هو عین ذاته و لیس له ذات غیره بل ماهیّته انیّته .

و الحاصل أنه تعالى كما أنه منزّه عن الماهیة المعروضة للوجود فكذلك منزّه عن الوجود العارض علیها لانّ الوجود بهذا المعنى مسبوق بالعدم و قد قال أمیر المؤمنین ( ع ) فى بعض الخطب المتقدّمة : سبق الاوقات كونه و العدم وجوده فوجوده بمعنى آخر فتأمل جیّدا من الشارح عفى عنه

[ 167 ]

و أمّا العقول فعلى القول بها فلا تقدّم لشی‏ء منها على تالیه إلاّ بالعلیّة .

و أمّا الجوهر فهو تقدّم الموضوع على العرض و هو نحو آخر من السّبق التحلیلی و هو عین العروض .

و أمّا اختلاف حال المجرّد و المادّى فلیس مستندا إلى اختلاف أنحاء الوجود بل انّما الاختلاف بین الجواهر بالمادیّة و التجرّد بالذّات و إن لم تكن موجودة ،

و الهیولی مع قطع النّظر عن الوجود متمیّز عن العقل و غیره من أقسام الجواهر كتمیّز سایر الماهیّات ، و ضعف المادّة عبارة اخرى عن كونها مادّة محضة فی الانفعال ، و هذه جهة ذاتیّة لا ربط لها بالوجود و أمّا ما توهّمه من أنّ الوجود الواقع فى كلّ مرتبة من المراتب لا یتصوّر وقوعه فی مرتبة اخرى آه فقد أخذه من أهل العلم من حیث لا یشعر ، ضرورة أنّ مقتضی مذهب أئمّته من أنّ الوجود حقیقة واحدة أنّه لا تمیّز بین الوجودات إلاّ بالاعتبار ، فالمراتب انّما ترتّبت باعتبار التّنزلات ، ففی قوسی النّزول و الصّعود تتحرّك العین فی الوجود ، و هذا ما ذهبوا الیه من الحركة الجوهریّة .

مع أنّ هذا مناف لهذا الكلام الّذى تقدّم منه من الاختلاف بین العقل و الهیولی مثلا فی شدّة الوجود و ضعفه ، فانّ هذا إنّما ینطبق على ما ذهبوا إلیه من أنّ الأعیان الثّابتة ما شمّت رایحة الوجود و إنّما هی اضافات إشراقیّة تختلف قوّة و ضعفا باختلاف النّزول و الصعود و البعد و القرب ، و لهذا كان النّاسوت أضعف الدّرجات ،

لأنّها منتهى قوس النّزول و اللاّهوت أقوى حیث انّه مبدء لهذه الدّرجات المتدرّجة .

و بالجملة فاستحالة تبدّل الوجودات إنّما تتمّ على مذهب غیر الصوفیّة ، فانّ العرض لا ینتقل ، و إنّما یتمّ هذا فیما لم یكن وجود فی طول الآخر ، و أمّا فی السّلسلة الطّولیّة فهو غلط صرف ، فشی‏ء من الشخصین لا یتبدّل بالآخر كما أنّ الحمار أیضا لا یتبدّل بالانسان ، و أمّا النطفة فتكون علقة و مضغة و حیوانا و انسانا و لیس هذا من تبدّل الصّورة مع بقاء الهیولى ، و كذا الحال فی تبدّل العناصر بعضها ببعض على

[ 168 ]

ما هو التحقیق ، فانّه من تبدّل وجود بآخر بمعنى التّرقی و الصّعود كما أنّ مراتب الفناء دركات النّزول ، و لتحقیق هذه المسائل مقام آخر ، انتهى كلامه رفع اللّه مقامه .

و قال السیّد محمّد قطب السلسلة الذّهبیّة فی نظمه :

زعموا الوجود مشكّكا سبحانه
عن اشتراك وضیعها و شریفها

فی الاشتراكین التزام ضلالة
قد ضاع فی نهج الهدى تقطیعها ، هذا .


و ربّما اعترض على القول بالتّشكیك بامتناعه فی الذّاتیّات ، و أجاب عنه القیصرى فی شرح الفصوص بما لا طائل تحته و لا بأس بنقل كلامه و تعقیبه بما یتوجّه علیه من النّظر .

قال : و ما یقال إنّ الوجود تقطع على أفراده لا على التّساوى ، فانّه یقع على العلّة و معلولها بالتقدّم و التأخّر ، و على وجود الجوهر و العرض بالأولویّة و عدمها ، و على وجود القارّ و غیر القارّ بالشدّة و الضعف ، فیكون مقولا علیها بالتشكیك و ما هو مقول بالتشكیك لا یكون عین ماهیّة شی‏ء و لا جزئه .

إن أرادوا به أنّ التقدّم و التّأخر و الأولویّة و عدمها و الشدّة و الضعف باعتبار الوجود من حیث هو هو ، فهو ممنوع لكونها من الامور الاضافیّة الّتی لا یتصوّر إلاّ بنسبة بعضها إلى بعض ، و لأنّ المقول على سبیل التشكیك باعتبار العموم و الكلّیّة و الوجود من حیث هو هو لا عامّ و لا خاصّ .

و إن أرادوا به أنّها یلحق الوجود بالقیاس إلى الماهیّات ، فهو صحیح لكن لا یلزم أن یكون الوجود من حیث هو مقولا علیها بالتشكیك إذ اعتبار المعروضات غیر اعتبار الوجود .

و ذلك بعینه كلام أهل اللّه لأنّهم ذهبوا إلى أنّ الوجود باعتبار تنزّله فى مراتب الامكان و ظهوره فى خطائر الامكان و كثرة الوسائط یشتدّ خفاؤه ، فیضعف ظهوره و كمالاته و باعتبار قلّتها یشتدّ نوریّته و یقوى ظهوره ، فیظهر كمالاته و صفاته فیكون إطلاقه على القوى أولى من اطلاقه على الضّعیف ، انتهى .

و فیه انّ الماهیّة مع قطع النّظر عن الوجود و كذا الوجود مع قطع النّظر

[ 169 ]

عن الماهیّة لا یحكم علیهما بحكم لما عرفت من أنّهما تحلیلیّان لا أمران متغایران ،

فالشدّة و الضّعف إنّما تعرضان الوجود التحقیقی الواجد للماهیّة ، لا المتسلخ عنها فالماهیّة یشتدّ وجودها المنظّم الیها و ما نسجته هذه الطایفة من أنّ الوجود هو الحقّ و أنّ الماهیات مظاهر و مجالى و أنّ الاختلاف إنّما هو فی الدّرجات التجلّی بحسب القرب و البعد و قلّة الوسایط و كثرتها ، ممّا لیس له معنی محصّل .

و بالجملة فقد تحصّل ممّا ذكرنا كلّه أنّ وجوده تعالى مغایر لوجود غیره مباین له ، و اتّصافه بالوجود لیس كاتّصاف غیره به إذ الوجود الّذى له تامّ فوق التّمام و اتّصافه به بمعنی أجلّ و أشرف و أعلى من أن یبلغه العقول و الأوهام كما قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الفصل الثانی من الخطبة الاولى : الّذى لا یدركه بعد الهمم و لا یناله غوص الفطن .

بل قد قال بعض المحقّقین : إنّ وصفه تعالى بالوجود من ضیق العبارة ، و إنّ معنى قولنا إنّه موجود إنّه لیس بعدم و لا معدوم فیكون مرجع اتّصافه به إلى سلب العدم عنه لا اثبات الوجود الّذى هو نقیض العدم له ، فانّه تعالى منزّه عن ذلك ،

لأنّ الوجود الذى هو نقیضه حدّ له واقع فی طرفه و قباله .

كما یتّضح ذلك بقولنا مثلا خرج الشی‏ء من العدم إلى الوجود و من الوجود إلى العدم ، فانّ الوجود و العدم متناقضان متقابلان صار كلّ منهما حدّا للآخر و فی قباله و طرفه ، و اللّه سبحانه لما كان منزّها عن الحدود لا یمكن اتّصافه بالوجود الذى هو حدّ العدم و طرفه .

و یوضح ذلك قوله علیه السّلام فی المختار المأة و الخامس و الثمانین : سبق الأوقات كونه و العدم وجوده ، و أیضا الوجود الذى هو نقیض العدم إنما یتصوّر فیما یتصوّر فیه العدم كالماهیات و اللّه عزّ و جلّ منزّه عن الماهیّة و عن عوارضها .

و الحاصل أنّ وصفه بالوجود كوصفه بسایر أوصاف الجمال مثل قولنا : إنه عالم أى لیس بجاهل ، و قادر أى لیس بعاجز ، و هكذا .

[ 170 ]

و أما غیره تعالى من الموجودات الممكنة فانما یتصف بالوجود المقابل للعدم المناقض له لكونه ذى ماهیة مشخّصة لوجوده كما أنّ وجوده كان مشخّصا له فانّ الشی‏ء ما لم یتشخّص لم یوجد و ما لم یوجد لم یتشخّص .

و بعد هذا كلّه فكیف یزعم العاقل اتّحاد وجود المخلوقات الذى هو من البدیهیات الأوّلیّة على ما قیل مع وجود الخالق الذى إذا حاول الفكر المبرّء من خطرات الوساوس أن یقع علیه فی عمیقات غیوب ملكوته و تولهت القلوب إلیه لتجرى فی كیفیة صفاته و غمضت مداخل العقول فی حیث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته رجعت إذا جبهت معترفة بأنه لا ینال بجور الاعتساف كنه معرفته ، و لا یخطر ببال اولى الرّویات خاطرة من تقدیر جلال عزّته ، فتعالى اللّه عما یقول الملحدون علوا كبیرا .

و أما الدلیل النقلى

فهو جمیع الأخبار و الأحادیث الدّالة على تقدیسه و تنزیهه عن التشبیه و التحدید ، و المفیدة لمغایرته لمخلوقاته و مباینته إیاهم بنفس ذاته الأقدس و وجوده الأجلّ الأشرف الأعلى .

و أكثرها احتواء لذلك خطب أمیر المؤمنین الواردة فی مقام التوحید المتقدّمة فی تضاعیف الكتاب ، و لا بأس بالاشارة إلى بعض ما تقدّم منه علیه السّلام فی هذا الباب تذكرة و ذكرى و ما یذكّر إلاّ اولو الألباب .

فمنه قوله علیه السّلام : فى الفصل السادس من المختار الأوّل :

كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة ، و غیر كلّ شى‏ء لا بمزایلة .

فانّ قوله علیه السّلام : موجود لا عن عدم نصّ صریح فى أنّ وجوده لیس مثل وجود سایر موجودات المسبوق بالعدم المناقض له كما أنّ اثبات مغایرته لكلّ شی‏ء و نفی مقارنته له صریحان فی عدم الاتّحاد و الوحدة بل قوله : مع كلّ شى‏ء أیضا لا یخلو عن الدّلالة ، لأنّ المعیة مقتضیة للاثنینیة المنافیة للوحدة و العینیة كما لا یخفى .

و محصّل الجمیع مباینة الحقّ للخلق بذاته و كونه معهم بالعلم و الاحاطة

[ 171 ]