و القیومیة و العلّیة فانّ المعلول لا یغیب عن علته .

و منه قوله علیه السّلام فى المختار الرابع و الستین :

لم یحلل فی الأشیاء فیقال هو فیها كائن ، و لم ینأ عنها فیقال هو منها بائن .

فانّ الفقرة الاولى صریحة فی أبطال الحلول و الاتّحاد كما هو مذهب قدماء الصوفیّة على ما حكینا عنهم سابقا ، و المراد بالفقرة الثانیة نفى المباینة المتصوّرة بین المتباینین المتباعد أحدهما عن الآخر ، فلا تنافی ما قدّمناه من بینونته لها لذاته من أجل تنزّهه عن الحدّ و كونها مشتملة على الحدود مع قربه لها بالعلم و الاحاطة و الافضال و الرّحمة .

و منه قوله علیه السّلام فی الفصل الثانی من المختار التّسعین :

كذب العادلون 1 بك إذ شبّهوك بأصنامهم و محلوك حلیة المخلوقین بأوهامهم « إلى ان قال » فاشهد أنّ من ساواك بشی‏ء من خلقك فقد عدل بك و العادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آیاتك و نطقت عنه شواهد حجج بیّناتك .

فانّه كسایر الأخبار المتواترة و الآیات القرآنیّة فی كفر من شبّهه عزّ و جلّ بالأصنام و زیّنه بزینة المخلوقات فكیف المتصوّفة الجاعلون إیّاه سبحانه عین الأصنام و المعتقدون أنّ هویّته ساریة فیها و انّ وجودها عین وجوده الظاهر فی صورة الصّنمیّة و أنّها مجالى و مظاهر له و أنّ العبادة لها عبادة له تعالى عمّا یقول الملحدون علوّا كبیرا .

و لعلك إذا سمعت نسبة هذا القول و الاعتقاد منّا إلى هذه الطایفة الضّالّة المضلّة نسبتنا إلى العصبیّة و العناد . و بادرت إلى تكذیبنا و قلت كیف یمكن أن یعتقد هؤلاء مع كونهم من المسلمین المؤمنین على خلاف ما هو من ضرورّیات الدّین بل ما هو أساس الدّین و أصله أعنى توحید الرّب و تفریده بالمعبودیة الذى لم یكن بعث الأنبیاء و الرّسل و انزال الكتب و الصّحف و تشریع الشرایع و الأدیان من لدن زمن آدم علیه السّلام إلى آخر الزّمن إلاّ لأجله .

-----------
( 1 ) اى الجاعلون لك عدیلا منه .

[ 172 ]

فان شئت أن تعرف صحّة هذه النّسبة و تعلم حقّیتها بعلم الیقین فاستمع لما یتلى علیك من كلام قطب أقطابهم الزّندیق اللّعین ابن العربى محیى الدّین فی الفصوص و من كلام القیصرى فی شرحه .

قالا فی الفصّ الهارونی بعد ما ذكرا غضب موسى علیه السّلام على أخیه هارون لمّا شاهد من قومه عبادة العجل ما صریح عبارتهما :

« ثمّ قال هارون لموسى إنی خشیت أن تقول فرّقت بین بنی إسرائیل فتجعلنى سببا فی تفریقهم فانّ عبادة العجل فرّقت بینهم فكان منهم من عبده اتباعا للسّامرى و تقلیدا له و منهم من توقّف عن عبادته حتى یرجع إلیهم موسى فیسألونه فی ذلك فخشى هارون أن ینسب ذلك الفرقان بینهم إلیه و كان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنّه علم ما عبده أصحاب العجل » أى علم موسى ما الّذى عبده أصحاب العجل فی الحقیقة « لعلمه بأنّ اللّه قضى ألاّ نعبد إلاّ إیّاه » كما قال تعالى : و قضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إیّاه .

« و ما حكم اللّه بشی‏ء إلاّ وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر فی إنكاره و عدم اتّساعه » أى كان عتب موسى أخاه هارون لأجل انكاره عبادة العجل و عدم اتّساعه قلبه لذلك .

« فانّ العارف من یرى الحق فی كلشی‏ء بل یراه عین كلّ شی‏ء فكان موسى یربّی هارون تربیة علم » .

و اعلم أنّ هذا الكلام و إن كان حقّا من حیث الباطن لكن لا یصحّ من حیث النّبوة و الظاهر ، فانّ النبیّ یجب علیه إنكار العبادة للأرباب الجزئیة كما یجب علیه إرشاد الامّة إلى الحقّ المطلق ، و لذلك أنكر جمیع الأنبیاء عبادة الأصنام و إن كانت مظاهر للهویة الالهیّة ، فانكار هارون عبادة العجل من حیث كونه نبیّا حقّ إلاّ أن یكون محمولا على أنّ موسى علم بالكشف أنّه ذهل عن شهود الحق الظاهر فی صورة العجل ، فأراد أن ینبّهه على ذلك و هو عین التّربیة و الارشاد منه علیه السّلام و انكاره على السامرى و عجله على بصیرة ، فانّ انكار الأنبیاء و الأولیاء لعبادة الأصنام الّتی هى المظاهر لیس كانكار المحجوبین فانّهم یرون الحقّ مع كلّشی‏ء بخلاف غیرهم

[ 173 ]

بل ذلك لتخلیصهم عن التقیّد بصورة خاصّة و تجلّی خاصّ إذ فیه إنكار باقی المجالى و هو عین الضّلال .

« و لذلك » أى و لأجل أنّه كان مرّبیا لهارون « لما قال له هارون ما قال رجع إلى السامرى فقال له فما خطبك یا سامرّى » أى ما شأنك و ما مرادك ، یعنى فیما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الاختصاص و صنعك هذا الشّبح من حلّى القوم و تركك الاله المطلق .

« فغلبت علیه الغیرة فحرّقه ثمّ نسف رماد تلك الصّورة فی الیمّ نسفا و قال له انظر إلى إلهك فسمّاه إلها بطریق التّنبیه للتّعلیم » أى نبّه أنّه مظهر من المظاهر و مجلى من مجالیه إلى أن قال :

« فكان عدم قوّة إرداع هارون بالفعل أن ینفذ فی أصحاب العجل بالتّسلیط على العجل كما سلط علیه موسى حكمة من اللّه ظاهرة فی الوجود لیعبد فی كلّ صورة و إن ذهبت تلك الصّورة بعد ذلك فما ذهبت إلاّ بعد ما تلبّست عند عابدها بالالوهیّة » أى عدم تأثیر هارون فی منعهم عن عبادة العجل أو عدم تسلّطه علیهم كما تسلّط علیهم موسى كان حكمة من اللّه ظاهرة فی الوجود الكونی فیكون معبودا فی صور الأكوان كلّها و ان كانت هذه الصورة ذاهبة فانیة لأنّ ذهابها و فنائها إنّما هو بعد التّلبّس بالعبودیة عند عابدها .

« و لهذا » أى و لأجل أنّه أراد أن یعبد فی كلّ صورة « ما بقی نوع من الأنواع إلاّ و عبد إمّا عبادة تألّه ، أو عبادة تسخیر فلا بدّ من ذلك لمن عقل » أمّا العبادة بالالهیّة كعبادة الأصنام و غیر ذلك من الشمس و القمر و الكواكب و العجل ، و أمّا العبادة بالتّسخیر فكما یعبدون الأموال و أصحاب الجاه و المناصب ، إلى أن قال بعد جملة من ترّهاته :

« و العارف المكمّل من رأى كلّ معبود مجلى للحقّ یعبد فیه و لذلك » أى و لأجل أنّ الحقّ هو الذى ظهر فی ذلك المجلى و عبد « سمّوه كلّهم إلها مع اسمه

[ 174 ]

الخاص بحجر أو حیوان أو شجر أو انسان أو كوكب أو ملك أو فلك هذا اسم الشخصیّة فیه و الالوهیة مرتبة تخیل العابد له » اى لمعبوده « انّها مرتبة معبوده الخاص و هی على الحقیقة مجلى للحق » انتهى كلامهما هبط مقامهما ببعض تلخیص منّا .

و محصّل كلامهما كما ترى أنّ الأصنام جمیعا مجالى الحقّ و مظاهره بل هی عین الحقّ بل الأشیاء جمیعا مظاهره و مجالیه و عبدة الأوثان و الأصنام و كذلك العابدون للشمس و القمر و الكواكب و الشجر و الحجر و النار و العجل ، و كذلك عبادة المدّعین للالوهیّة من فرعون و شداد ، و كذلك المنقادین للجبابرة و سایر الظلمة من أرباب الجاه و المناصب المسلطین على الرّعیة كلّهم جمیعا عابدون للّه تعالى لأنّ هذه المعبودات كلّها هو الحقّ ظهر فی هذه المظاهر و تصوّر بهذه الصور المختلفة فهى على كثرتها لیست فی الحقیقة إلاّ واحدا .

و منع الأنبیاء و الأولیاء من عبادة الأصنام لم یكن من حیث إنّها عبادة باطلة مبغوضة للّه تعالى بل من أجل حصر العابد للصّنم أو الشجر أو الحجر مثلا عبادته فی هذا المعبود الخاصّ ، فبعث اللّه الأنبیاء لیرشدوا امتهم و یعلّموهم أنّ اللّه شاء و قضى أن یعبد فی كلّ صورة و مجلى ، و أنّ المجالى كلّها إله فلیس لكم أن تقصروا عبادتكم بمعبود خاصّ و تخصّصوه به و تتّخذوه إلها دون غیره .

و من هذا الباب كان غضب موسى على هارون فانّه علیه السّلام لما كان أعلم منه و كان یعلم أن اللّه شاء أن یعبد فی كلّ صورة حتّى صورة العجل و ما شاءه و قضاه عزّ و جلّ لا بدّ من وقوعه لا محالة و كان هارون لا یعلم ذلك و لذلك أنكر على قومه عبادته فعتب موسى علیه لأجله و نبّهه على عدم اتّساع قلبه و على غفلته و ذهوله عن حقیقة الأمر .

و الحاصل إنّ الأنبیاء إنّما بعثوا لیأمروا امّتهم بعبادة كلّشی‏ء من صنم أو غیره و لیردعوهم عن قصر عبادتهم بشی‏ء مخصوص معیّن فقط . و قد أوضح الرّجس الخبیث هذا الغرض فی بعض فقرات الفصّ النّوحى .

قال فی جملة ما نقل من كلام نوح و قومه : « و مكروا مكرا كبّارا » لأنّ الدّعوة إلى اللّه مكر بالمدعوّ لأنّه ما عدم من البدایة فیدعى إلى الغایة فهذا عین المكر على بصیرة فنبّه أنّ الأمر له كلّه فأجابوه مكرا كما دعاهم »

[ 175 ]

قال شارحه القیصرى : إى لمّا مكر نوح معهم مكروا مكرا كبّارا فی جوابه و ذلك لأنّ الدّعوة إلى اللّه مكر من الداعی بالمدعوّ ، لأنّ المدعوّ ما عدم الحقّ من البدایة حتى یدعى إلیه فی الغایة لأنّه مظهر هویته فی بعض مراتب وجوده فالحقّ معه بل هو عینه فالدّاعى إذا دعى مظهرا ما یمكر به فانه یرید إنّ الحق لیس معه أو هو غیره و هو عین المكر .

لكن مثل هذا المكر من الأنبیاء إنّما هو على بصیرة كما قال : أدعو إلى اللّه على بصیرة أنا و من اتّبعنى ، أى یعلم النبیّ أنه مظهر هویة الحقّ لكن یدعوه لیخلّصه عن القیود و ترتفع عنه الحجب الموجبة للضلالة فیرى ذاته مظهرا للهوّیة و یشاهد جمیع الموجودات مظاهر للحق و یعبده بجمیع أسمائه و صفاته كما عبده من حیث اسمه الخاص ، و فاعل نبه ضمیر یرجع إلى نوح أو إلى الحقّ أى نبّههم على أنّ الملك كله للّه لیس كما تخیلوا أنه لهم .

قال « فقالوا فی مكرهم لا تذرنّ آلهتكم و لا تذرّن ودّا و لا سواعا و لا یغوث و یعوق و نسرا فانهم إذا تركوهم جهلوا من الحقّ على قدر ما تركوا من هؤلاء فانّ للحقّ فی كلّ معبود وجها یعرفه من عرفه و یجهله من جهله فالعالم یعلم من عبد و فی أىّ صورة ظهر حتى عبد ، و أنّ التفریق و الكثرة كالاعضاء المحسوسة و كالقوى المعنویة فی الصورة الروحانیة » .

قال الشارح القیصرى : فالعالم باللّه و مظاهره یعلم أنّ المعبود هو الحقّ فی أىّ صورة كانت سواء كانت حسّیة كالأصنام أو خیالیة كالجنّ أو عقلیة كالملائكة و یعلم أنّ التفریق و الكثرة مظاهر لأسمائه و صفاته و هى كالأعضاء فی الصورة الانسانیة ، فانّ العین مظهر للابصار و الاذن للسمع و الانف للشمّ و الید للبطش ،

و كالقوى الروحانیة كالعقل و الوهم و الذاكرة و الحافظة و المفكرة و المتخیلة فانها كلّها مظاهر لصفات الرّوح ، انتهى .

و محصّل كلامهما أنّ قوم نوح فی عبادتهم للأصنام كانوا محقّین لكونها مظاهر الحقّ كما أن العابدین لها كذلك لأنهم أیضا كانوا مظهر الحقّ و كان

[ 176 ]

الحقّ معهم بل هو عینهم و كان نوح أیضا یعلم أنهم على الحقّ إلاّ أنه أراد على وجه المكر و الخدیعة أن یصرفهم عن عبادتها إلى عبادته .

و إنما كان هذا مكرا منه علیه السّلام لأنه كان یقول لهم ما لم یكن معتقدا به و یموّه خلاف ما أضمره و اعتقده إذ كان عالما و على بصیرة من ربّه بأنّ الأصنام مظاهر الحقّ و عبادتها عبادته إلاّ أنه علیه السّلام أراد أن یخلّصهم من القیود حتى لا یقصروا عبادتهم فیها فقط ، بل یعبدوه فی كلّ معنى و صورة .

و لما شاهد القوم منه ذلك المكر أنكروا علیه و أجابوه بما هو أعظم مكرا و أكبر من مكره فقالوا لا تتركوا آلهتكم إلى غیرها ، لأنّ فی تركها ترك عبادة الحقّ بقدر ما ظهر فیها و قصر عبادته فی سایر المجالی و هو جهل و غفلة لأنّ للحقّ فی كلّ معبود وجها یعرفها العارفون سواء كان ذلك المعبود فی صورة صنم أو حجر أو شجر أو بقر أو جن أو ملك أو غیرها .

هذا محصّل كلام هذین الرجسین النجسین النحسین و كم لهما فی الكتاب المذكور من هذا النمط و الاسلوب ، و سنشیر إلى بعضها فیما سیأتی ، فلینظر المؤمن الكیس البصیر إلى أنهما كیف موّها الباطل بصورة الحقّ و أوّلا كلام اللّه بآرائهم الفاسدة و أحلامهم الكاسدة على طبق عقایدهم الباطلة ، و قد قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المختار من فسّر القرآن برأیه فلیبوء مقعده من النار .

و لعمرى أنهما و من حذا حذوهما حزب الشیطان و أولیاء عبدة الطاغوت و الأوثان ، و لم یكن غرضهما إلاّ تكذیب الأنبیاء و الرّسل و ما جاؤا به من البیّنات و البرهان و هدم أساس الاسلام و الایمان و إبطال جمیع الشرایع و الأدیان ، و ترویج عبادة الأصنام و جعل كلمة الكفر العلیا و خفض كلمة الرحمن .

و اقسم باللّه الكریم و إنه لقسم لو تعلمون عظیم إنهم المصداق الحقیقی لقول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی المختار السابع : اتّخذوا الشیطان لأمرهم ملاكا و اتّخذهم له أشراكا فباض و فرخ فی صدورهم و دبّ و درج فی حجورهم فنظر بأعینهم و نطق

[ 177 ]

بألسنتهم فركّب بهم الزّلل و زیّن لهم الخظل فعل من شرّكه الشیطان فی سلطانه و نطق بالباطل على لسانه .

و مع ذلك فالعجب كلّ العجب أنهم یزعمون أنهم الموحّدون العارفون الكمّلون و أنّ غیرهم لمحجوبون و بالحقّ جاهلون ، بل یترقی بعضهم و یدّعى الولایة و القطبیة و یطغى آخرون فیدعون لأنفسهم الالوهیة و الرّبوبیة و یزعمون أن ربّهم تجلّى فیهم و ظهر فی صورهم المنحوسة .

فیقول ابن العربی فی فتوحاته : إنّ اللّه تجلّى لى مرارا و قال : انصح عبادی و یقول البسطامی : سبحانی و ما أعظم شأنی و لا إله إلاّ أنا ، و یقول الحلاج : لیس فی جبّتی سوى اللّه ، و یقول : أنا الحقّ و أنا اللّه .

و بعضهم یبلغ الغایة و یجاوز النهایة فیقول و یهجر ، و یتكلّم تكلّم المجنون الذى لا یشعر ، فیخاطب الرّبّ عزّ و جلّ و العیاذ باللّه مخاطبة الموالى للعبید و هو قطبهم أبو یزید .

فقد نقل عنه القیصرى فی شرح الفصّ النوحی أنّه قال فی مناجاته عند تجلّى الحقّ له : ملكى أعظم من ملكك لكونك لى و أنا لك فأنا ملكك و أنت ملكى و أنت العظیم الأعظم و ملكى أنت فأنت أعظم من ملكك و هو أنا .

فلینظر العاقل إلى مهملات هذا الجاهل ، ثمّ لینظر إلى سوء أدبه و قبح خطابه و مناجاته حیث لم یرفع یده عن الانانیّة فعبّر بلفظ أنا و أنت غیر مرّة فى مثل هذا المقام الذی هو مقام الفناء و التجلّى على زعمهم و كیف یجتمع ذلك مع قولهم السائر :

بینى و بینك اننى ینازعنى
فارفع بلطفك اننى من البین

و انّما أطنبنا الكلام فی المقام تنبیها على ضلالة هذه الجهلة الّذین زعموا أنّهم من أهل الكشف و الشّهود و الیقین و الموحّدین المخلصین مع أنّهم من الضّالین المكذّبین للأنبیاء و المرسلین ، و تعالى اللّه عمّا یقول الظالمون و الملحدون علوا كبیرا .

و منه قوله علیه السّلام فی الخطبة المأة و الثانیة و الخمسین :

[ 178 ]

الحمد للّه الدّالّ على وجوده بخلقه و بمحدث خلقه على أزلیّته و باشتباههم على أن لا شبه له ، لا تستلمه المشاعر و لا تحجبه السّواتر ، لافتراق الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود ، و الرّب و المربوب « إلى أن قال » و البائن لا بتراخی مسافة ، و الظاهر لا برؤیة ، و الباطن لا بلطافة ، بان من الأشیاء بالقهر لها و القدرة علیها ، و بانت الأشیاء منه بالخضوع له و الرّجوع إلیه ، من وصفه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه ، و من عدّه فقد أبطل أزله .

و قد مضى شرح هذه الفقرات فی محلّها و أقول هنا إنّ فیها وجوها من الدّلالة على بطلان مذهب هذه الملاحدة .

أولها قوله : لا تحجبه السواتر اه .

فانّ هذه الطّائفة زعمت أنّه سبحانه و تعالى احتجب فی مخلوقاته و سرت هویّته فیها و صارت صور الموجودات حجابا ساترا له .

و یوضح ذلك ما قاله ابن الأعرابی فی الفصّ الابراهیمى من الفصوص « انّما سمّى الخلیل علیه السّلام خلیلا لتخلّله و حصره جمیع ما اتصفت به الذّات قال الشّاعر .

قد تخلّلت مسلك الرّوح منّی
و به سمّى الخلیل خلیلا

كما یتخلّل اللون و المتلوّن و لتخلّل الحقّ وجود صورة إبراهیم و كلّ حكم یصحّ من ذلك » قال القیصری : أى سمّى الخلیل خلیلا لتخلّله كما سمّى الخمر خمرا لتخمیره العقل و تخلّله علیه السّلام عبارة عن سریانه فی المظاهر الالهیّة و الصّفات الرّبوبیة كسریان هویّة الحقّ فیها من حیث اسمه اللطیف و لكون اسم التخلّل هنا مجازا عطف علیه قوله و حصره جمیع ما اتّصفت به الذات الالهیّة و هو الصّفات الثّبوتیّة الحقیقیّة .

و المراد بالرّوح فی البیت المستشهد الرّوح الحیوانی أى سریت فی ذاتی و قلبی كسریان الرّوح الحیوانی فی مسالكه فأورد مثالین أحدهما عقلی كقول الشّاعر لأنّ تخلّل عشق المحبوب مسالك الرّوح من المحبّ العاشق عقلیّ ،

[ 179 ]

و الآخر حسّی كقوله كما یتخلّل اللون المتلوّن أى تخلّل الخلیل الذات الالهیّة بالاختفاء فیها و الاتّصاف بصفاتها كما یتخلّل اللون المتلوّن بسریانه فی جمیع اجزاء المتلوّن بحیث یكون هو هو فی الحسّ بحیث لا یفرق بینهما بالاشارة الحسّیة فیكون مكانه عین مكان المتلوّن و لا یكون بینهما امتیاز فی الحسّ .

و قوله : و لتخلّل الحقّ عطف على قوله و لتخلّله و حصره أى سمّى الخلیل خلیلا لتخلّله و لتخلّل الحقّ بظهور الهویّة و سریانها فی وجود إبراهیم فی الخارج و عینه فی العلم ، و فی كلّ حكم یصحّ من ذلك الوجود من الصّفات و الكمالات اللازمة لتعیّنه و المراد بالصورة عینه الخارجی .

ثمّ قال فی المتن و الشرح « اعلم انّه ما تخلّل شی‏ء شیئا إلاّ كان محمولا فیه » لأنّ المتخلّل هو الذی ینفذ فی الشی‏ء و یدخل فی جوهره فالدّاخل محمول و مستور فیه و المدخول فیه حامل له و ظاهره .

« فالمتخلّل اسم فاعل محجوب بالمتخلّل اسم مفعول فاسم المفعول هو الظاهر و اسم الفاعل هو الباطن المستور و هو غذاء له كالماء یتخلّل الصّوفیة فتربو به و تتسع فان كان الحقّ هو الظاهر فالخلق مستور فیه فیكون الخلق جمیع اسماء الحقّ سمعه و بصره و جمیع نسبه و ادراكاته و إن كان الخلق هو الظاهر فالحقّ مستور باطن فیه فالحقّ سمع الخلق و بصره و یده و رجله و جمیع قواه كما ورد فى الخبر الصّحیح » .

قال القیصرى أى ما دخل شی‏ء فی شی‏ء إلاّ كان الداخل مستورا فی المدخول فیه ، فالمتخلّل الذی هو اسم الفاعل أى الداخل محجوب مستور فی المتخلّل الذی هو اسم المفعول أى المدخول فیه فالمدخول فیه هو الظاهر و الداخل هو الباطن ،

و الظّاهر إنّما یغتذی من الباطن لأنّ الفیض علیه لا یحصل إلاّ منه فالباطن غذاء الظاهر إذ به قوامه و وجوده .

و إذا كان الأمر كذلك لا یخلو إمّا أن یكون الحقّ ظاهرا و الخلق باطنا أو بالعكس ، فان كان الحقّ ظاهرا أى محسوسا بتجلّیه فی مرتبة من مراتب الاسم الظاهر فالخلق مستور فیه و باطنه فیكون الخلق جمیع أسماء الحقّ و صفاته من

[ 180 ]

السّمع و البصر و الارادة و غیرها و جمیع النّسب الّتی هی تلحقه بالحقّ شرعا و إن كان الخلق هو الظاهر فی مرآت الحقّ فالحقّ مستور فیه و باطنه فالحقّ سمع الخلق و بصره و جمیع قواه الباطنة ، و هذا نتیجة قرب النوافل ، و الأوّل نتیجة قرب الفرایض و إنّما جاء بالید و الرّجلین اللّذین من الظّاهر مع أنّ كلامه فی الباطن لورود الخبر الصّحیح كذلك و فی الحدیث دلیل على أنّ الحقّ عین باطن العبد و عین ظاهره ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .

و محصّل ما قالاه كما ترى : كون الخلق حجابا للخالق و الخالق حجابا للخلق ، و كون كلّ منهما عین الآخر و محجوبا به ، قد أبطله أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله : لا تحجبه السّواتر ، معلّلا بافتراق الصّانع و المصنوع و الحادّ و المحدود و الرّب و المربوب ، و المفترقان كیف یكون أحدهما عین الآخر على ما توهّمه هؤلاء الجهلة .

و العجب أنّ الكتاب و السّنة بل جمیع الأنبیاء و المرسلین ینادون بأعلى أصواتهم و جهورىّ أقوالهم بتوحید الخالق و التّفریق بینه و بین خلقه ، و هؤلاء الملاحدة وقفوا فی قبالهم و بالغوا فی مقام الانكار و المكابرة و المعارضة ، و أصرّوا فی جعله عینه زاعمین أنّ ذلك عین التوحید مع أنّه عین الالحاد و الجحود و التّشریك ، هذا .

مع ما یتوجّه على ما قالاه من وجوه الكلام و ضروب الملام .

أمّا أوّلا فلأنّ نسبة إبراهیم علیه السّلام لیس من أجل تخلّله فی وجود الحقّ و تخلّل الحقّ فیه ، بل لأجل كماله فی مقام الخلّة و هی المودّة و الصّداقة ، و الخلّ و الخلیل الصّدیق المختص ، فلأجل مزید اختصاصه به و كرامته لدیه سمّى خلیلا ،

و لو كان تسمیة الخلیل بهذا الاسم من أجل التخلل فی الوجود لما صحّ إطلاقه على سایر الأخلاّء إلاّ بالمجاز ، لأنّ المعنى الحقیقی أعنی تخلّل كلّ من الخلیلین فی وجود الآخر غیر متصوّر ، فلا بدّ من ارتكاب المجاز و المصیر إلى أنّ مودّة كلّ منهما بلغت الغایة بحیث تخلّلت القلب و صارت خلاله و باطنه ، و بعد البناء على المجاز

[ 181 ]

ففیما نحن فیه أیضا كذلك ، فیراد به مزید الاختصاص لاستلزام كمال المودّة ذلك و أمّا ثانیا فلأنّ البیت لا شاهد فیه على ما ادّعاه ، إذ المراد به المبالغة فی تخلّل محبّة محبوبه فی قلبه بتشبیهها بتخلّل الرّوح ، و لیس المراد تخلّل نفس المحبوب فی ذاته كما قال : و بذلك السبب سمّی الخلیل خلیلا لكون محبّته داخلة فی قلب خلیله ، مضافا إلى أنّه لا دلالة فی البیت على أنّه أراد بالخلیل إبراهیم حتّى یستشهد به على المدّعا .

و أمّا ثالثا فلأنّ وجه التسمیة لو كان ما زعم لما اختصّ الخلیل علیه السّلام بالخلّة إذ على أصله الفاسد جمیع المخلوقات متخلّلة فیه و هو متخلّل فیها لكونها جمیعا مجالیه و مظاهره ، و قد صرّح بذلك أیضا أخیرا بقوله : فالمتخلّل محجوب بالمتخلّل إلى آخر كلامه ، و على ذلك فیكون اللّه سبحانه و تعالى خلیل جمیع الموجودات من الانسان و الحیوان و غیرهما بجمیع أنواعها و أصنافها ، و كذلك جمیع الموجودات حتّى الكلاب و الخنازیر و العیاذ باللّه ثمّ العیاذ باللّه خلیلا له ، أفیرضى السّفیه بهذا الاعتقاد فضلا عن العاقل ؟ و قد صرّح بالعموم أیضا فی الفصّ الاسماعیلى بقوله :

« فلا تنظر إلى الحقّ فتعریه عن الخلق
و لا تنظر إلى الخلق و تكسوه سوى الحق »

قال القیصری : أى لا تنظر إلى الحقّ بأن تجعله موجودا خارجیا مجرّدا عن الأكوان منزّها عن المظاهر الخلقیة عاریا عنها و عن صفاتها ، و لا تنظر إلى الخلق بأن تجعله مجرّدا عن الحقّ مغایرا له من كلّ الوجوه و تكسوه لباس الغیریة و قد قال تعالى : و هو معكم أینما كنتم ، بل انظر إلى الحقّ فی الخلق لترى الوحدة الذاتیّة فی الكثرة الخلقیّة و ترى الكثرة الخلقیّة فی الوحدة الذاتیّة .

و أمّا رابعا فلأنّ قوله : فاسم المفعول هو الظاهر و اسم الفاعل هو الباطن المستور و هو غذاء له ، فیه إنّا لم نر إلى الآن فى آیة و لا روایة و لا فى كلام حكیم أو متكلم أو محدّث أو فقیه و لا عاقل و لا سفیه غیر هذا المعتوه اطلاق أنّ اللّه غذاء للخلق و الخلق غذاء اللّه ، مضافا إلى فساده فى نفسه لأنّ الغذاء بالمعنى الحقیقى

[ 182 ]

مستحیل ارادته ، و إن ارید به المجاز على وجه الاستعارة حسبما تمحله القیصرى و أشار إلیه فی قوله : و الظّاهر انّما یغتذى من الباطن لأنّ الفیض علیه لا یحصل إلاّ منه فالباطن غذاء الظاهر إذ به قوامه و وجوده ، فبعد تسلیم صحّة هذا التّجوّز و الغضّ عن استكراه الذوق السّلیم له و استهجانه عنده ، فیه أنّه إنّما یستقیم إذا كان الباطن المستور هو الحقّ لا الخلق ، و إلاّ فیلزم افتقار الحقّ سبحانه و تعالى إلى الخلق فى قوامه و وجوده و هو محال كما هو ظاهر .

و قد فصّلا غذائیة كلّ منهما للآخر فى الفصّ اللقمانى قال فى المتن :

« إذا شاء الاله یرید رزقا
له فالكون أجمعه غذاء »

« و إن شاء الاله یرید رزقا
لنا فهو الغذاء كما یشاء »

قال الشّارح : أى إذا تعلقت مشیّته بأن یرید له رزقا فالكون بأجمعه غذاء له ، و قد تقدّم أنّ الحقّ من حیث أسمائه و صفاته لا یظهر فى الشهادة إلاّ بأعیان الأكوان ، و إن كان من حیث ذاته مع قطع النظر عن الظهور و البطون و الأسماء و الصّفات غنیّا عن العالمین ، فالأعیان غذاء له من حیث إظهارها إیّاه و من حیث فنائها و اختفائها فیه لیظهر بوحدته الحقیقیّة كفناء الغذاء و انعدامها و اختفائها فی المغتذی و إن كان باعتبار آخر هو غذاء للأعیان .

و إلیه أشار بالبیت الثانی و ذلك لأنّ الغذاء هو ما یغتذی فی عین المغتذی و یظهر على صورته لیقوم به و الهویّة الالهیة هی الّتی تختفى فی أعیان الخلایق و تصیر ظاهرة بصورتها مقوّمة لها ، فهى غذاء للأعیان و نسبة الاغتذاء و الرّزق إلیه مع أنّه یطعم و لا یطعم و نسبة كونه غذاء لنا بعینها كنسبة بعض الصّفات الكونیّة إلیه بقوله : من ذا الّذى یقرض اللّه قرضا حسنا ، و مرضت فلم تعدنى ، و أمثال ذلك ممّا جاء فی الشّرع .

و هذه النسبة أیضا من باطن الشّرع فانّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أعطى الكتاب و أمر باخراجه إلى الخلق فلا ینبغی أن یسى‏ء أحد ظنّه من المؤمنین فی حقّ الأولیاء و الكاملین فی أمثال هذه الأشیاء ، انتهى .

[ 183 ]

و مقتضى ما ذكراه من كون الكون بأجمعه غذاء له و بالعكس أنّ الكلاب و الخنازیر و المیتة و نحوها غذاء له سبحانه و هو غذاء لها إن هو إلاّ كفر صریح و إلحاد صحیح .

و ما اعتذر به الشّارح من ورود أمثال ذلك فی الشّرع فیه إنّا تابعون للشرع فاذا ورد فی الشّرع وصفه ببعض الصّفات الكونیّة فنحن أیضا نصفه به لثبوت الاذن فیه من الشّارع و نؤوّله على وفق الاصول الشّرعیة ، و أمّا ما لم یثبت الاذن فیه فنضربه على الجدار فضلا عمّا علم بطلانه و فساده من العقل و الشّرع .

و أمّا قوله : و هذه النسبة أیضا من باطن الشّرع فانّ النّبیّ اعطى الكتاب و امر باخراجه إلى الخلق ، فأشار به إلى ما ذكره فی دیباجة الفصوص بقوله :

فانّی رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مبشرة اریتها فی العشر الآخر من المحرّم لسنة سبع و عشرین و ستّمأة بمحروسة دمشق و بیده كتاب فقال لی : هذا كتاب فصوص الحكم خذه و اخرج به إلى النّاس ینتفعون به ، انتهى .

و لعمرى إنّ هذه الرّؤیا إمّا إفك و افتراء لا أصل لها أصلا و إنّما نسجتها من تلقاء نفسه لتفتین مردته الحمقاء و ترویج كتاب ضلاله ، أو أضغاث أحلام نفثها الشّیطان فی روعه و ألقاها فی امنیّته و كیف یمكن أن یؤتیه النّبیّ كتابا فیه هدم أساس دینه و تخریب بنیان مذهبه و ملّته .

و أما خامسا فلأنّ قوله : فالحقّ سمع الخلق و بصره و یده و رجله و جمیع قواء كما ورد فی الخبر الصّحیح فیه إنّ هذا الخبر الذى استند إلیه هنا و جعله سند مذهبه الفاسد فی مقامات كثیرة من كتابه قد قدّمنا روایته فی ذیل الدلیل العقلی و أوردنا فی تأویله وجوها عدیدة موافقة لأصول المذهب و نقلنا عن المحدّث العلامة المجلسی هناك أنّ حمله على ظاهره كما ذهب إلیه هذه الطّایفة المبتدعة كفر صریح و شرك قبیح .

و أقول هنا : إنّ أظهر الوجوه المحتملة فی معناه هو الوجه الأخیر المتقدّم ثمة و محصّلة أنّ العبد إذا تقرّب إلى ربّه بالفرایض و النّوافل صار مقرّبا له

[ 184 ]

و محبوبا إلیه ، فیفاض علیه التّوفیقات الرّبانیّة و یحیط به الألطاف الالهیّة فلا یشاء إلاّ أن یشاء اللّه ، و لا یصرف حواسه و مشاعره إلاّ بما فیه رضا مولاه ، و بازاء ذلك من انهمك فی الشّهوات و غمر فی بحر السّیئآت و الخطیئآت فیحیط به الخذلان و یكون قلبه عشّ الشّیطان فلا یصرف مشاعره و قواه إلاّ بما فیه رضاه فیشركه فی سلطانه و ینطق بالباطل على لسانه .

و الحاصل أنّ مساق هذه الرّوایة فی حقّ عباد اللّه المقرّبین مساق قول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حقّ عبید الشّیطان المبعدین حیث قال فى المختار السّابع :

اتّخذوا الشّیطان لأمرهم ملاكأ و اتّخذهم له أشراكا فباض و فرّخ فى صدورهم و دبّ و درج فى حجورهم فنظر بأعینهم و نطق بألسنتهم فركّب بهم الزّلل و زیّن لهم الخطل فعل من قد شرّكه الشیطان فى سلطانه و نطق بالباطل على لسانه .

فكما أنّ المراد بهذا الكلام المجاز و الاستعارة قطعا لا الحقیقة ، فكذلك الحدیث المذكور كما هو غیر خفىّ على ذوى البصائر إلاّ أنّ من لم یجعل اللّه له نورا فما له من نور ، هذا .

و ممّا وقع التصریح فیه أیضا فی كلام ابن العربى بأنّ الحقّ مستور فى الخلق و الخلق ساتر له ما صریح عبارته فى الفصّ العیسوى ، فانّه بعد ما ذكر كیفیة إحیاء عیسى علیه السّلام للموتى و مشاهدة القوم ذلك منه و تحیّرهم فیه فى إحیائه لكونه من الخصایص الالهیّة قال :

« فأدّى بعضهم إلى القول بالحلول و انه هو اللّه بما أحیى به من الموتى و لذلك نسبوا إلى الكفر و هو السّتر لأنّهم ستروا اللّه الّذى أحیى الموتى بصورة بشریّة عیسى » قال القیصرى : أى فأدّى نظر بعضهم فیه إلى القول بالحلول فقال : إنّ اللّه حلّ فى صورة عیسى فأحیى الموتى ، و قال بعضهم : إنّ المسیح هو اللّه ، و لمّا ستروا اللّه بالصورة العیسویة المقیّدة فقط نسبوا إلى الكفر .

« فقال اللّه تعالى لقد كفر الذین قالوا إنّ اللّه هو المسیح بن مریم فجمعوا بین الخطاء و بین الكفر فى تمام الكلام كلّه » أى جمعوا بین الكفر و هو ستر الحقّ بالصورة

[ 185 ]

العیسویة و بین الخطاء و هو حصر هویة اللّه فى كلمة العیسویة ، و المراد بقوله فى تمام الكلام أى بمجموع قولهم إنّ اللّه هو المسیح بن مریم ، جمعوا بین الكفر و الخطاء .

« لا بقولهم هو اللّه و لا بقولهم ابن مریم » لأنّ قولهم هو اللّه أو اللّه هو صادق من حیث إنّ هویّة الحقّ هی الّتی تعیّنت و ظهرت بالصورة العیسویّة كما ظهرت بصورة العالم كلّه و قولهم : المسیح بن مریم أیضا صادق ، لأنّه ابن مریم بلا شك لكن تمام الكلام و مجموعه غیر صحیح لأنّه یفید حسر الحقّ فی صورة عیسى فقط و هو الباطل لأنّ العالم كلّه غیبا و شهادة صورته لا عیسى فقط ، انتهى .

و محصّل كلامهما أنّ النّصارى القائلین بالحلول إنّما أرادوا بذلك أنّ لاهوتیّة الاله تغیّبت بناسوتیّة عیسى فاستتر الحقّ بالصّورة العیسویّة كما حكى اللّه تعالى عنهم ذلك بقوله : لقد كفر الّذین قالوا إنّ اللّه هو المسیح ، فانّ المراد بالكفر هنا معناه اللّغوى و هو السّتر لا الاصطلاحی ، فیكون معنی الآیة : إنّ الّذین قالوا إنّ اللّه هو المسیح قد ستروه به و هم كانوا مصیبین فی ذلك القول و الاعتقاد لكون الهویّة الالهیّة مختفیة فیه و ظهورها بصورته كاختفائها فی أعیان الخلایق كلّها و ظهورها بصورها ، لكنّهم أخطأوا فی حصرهم الحقّ فی صورة عیسى فقط و جعله مظهرا له دون غیره مع أنّ العالم كلّه مظهره لا عیسى فقط .

و الحاصل أنّ النصارى انّما أخطأوا حیث قالوا : انّ اللّه هو المسیح بن مریم و لم یقولوا إنّ اللّه هو العالم كله ، فلو قالوا كذلك ارتفع عنهم الخطاء و العایبة بالمرّة .

أقول : هذا ملخّص مراد هذا الملحد الضّلیل الّذى أضلّ كثیرا و ضلّ عن سواء السبیل ، فانظر الى أنّه كیف یبدّل كلمة الكفر بالاسلام و كلمة الاسلام بالكفر و یؤوّل كلام اللّه الظاهر بل النّص فی تكفیر النصارى إلى معنی یشمئزّ منه الطباع و تنفرّ عنه الأسماع .

فیا عجبا عجبا و مالی لا أعجب من أنّ اللّه سبحانه و تعالى إنّما حكم بكفر النصارى و لعنهم و طردهم و ابعادهم من أجل قولهم بحلوله فی عیسى فقط فكیف بمن یقول بحلوله

[ 186 ]

فی جمیع الأعیان و الأكوان حتّى الكلاب و الخنازیر نعوذ باللّه ثمّ نعوذ باللّه من هذا الاعتقاد الفاسد و لعن اللّه المعتقدین به و عذّبهم عذابا ألیما لا یعذّبه أحدا من العالمین .

الوجه الثانى من وجوه الدّلالة قوله علیه السّلام : الظاهر لا برؤیة و الباطن لا بلطافة .

یعنی انّه ظاهر بلا اقتراب و باطن بلا حجاب و بعبارة اخرى أنّه عزّ و جلّ ظاهر بآیاته و محتجب بذاته و لیس ظهوره كظهور سایر الأشیاء بأن یكون مرئیّا بحاسّة البصر ، و لا بطونه بلطافة قوامه كالهواء و الرّوح و نحوهما حسبما عرفت تفصیلا فی مقامه و الیه أشار سبحانه بقوله : لا تدركه الأبصار و هو یدرك الأبصار و هو اللطیف الخبیر .

و قال الرّضا علیه التحیّة و الثنا فی الحدیث الّذى رواه فی البحار من التوحید و العیون عن الحسین بن خالد عنه علیه السّلام فی تفسیر أسمائه سبحانه و تعالى و بیان أنّ اطلاقها علیه عزّ و جلّ لیس على الوجه الّذى یطلق على غیره و أنّ المعنی الّذى یراد عند إطلاق اسم علیه سبحانه مخالف للمعنی المراد عند إطلاقه على غیره قال علیه السّلام :

و أمّا الظاهر فلیس من أجل أنّه على الأشیاء بركوب فوقها و قعود علیها و تسنّم لذراها ، و لكن ذلك لقهره و لغلبته الأشیاء و قدرته علیها « الى أن قال : » و وجه آخر أنّه الظاهر لمن أراده لا یخفى علیه شی‏ء و أنّه مدبّر لكلّ ما یرى فأىّ ظاهر أظهر و أوضح أمرا من اللّه تبارك و تعالى فانك لا تعدم صنعته حیثما توّجهت و فیك من آثاره ما یغنیك و الظاهر منّا البارز بنفسه و المعلوم بحدّه فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى .

و أمّا الباطن فلیس على معنی الاستبطان للأشیاء بأن یغور فیها و لكن ذلك منه على استبطانه للأشیاء علما و حفظا و تدبیرا كقول القائل : بطنته أى خبّرته و علمت مكتوم سرّه ، و الباطن منّا بمعنی الغائر فی الشی‏ء المستتر فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنی ، الحدیث .

فقد علم بذلك كلّه بطلان ما زعمه الصّوفیّة ، فانّهم یقولون : إنّ ظهوره عبارة عن ظهوره بصور الموجودات كما حكینا عن القیصرى فیما سبق من قوله : إنّ حقیقة

[ 187 ]

الوجود إذا اخذت بشرط الصّور الحسیّة الشهادتیّة فهی مرتبة الاسم الظّاهر المطلق ،

و أنّ بطونه عبارة عن تخلّله و احتجابه بالخلق حسبما عرفت قریبا ، و على قولهم فیكون ظهوره برؤیة البصر له فی مجالیه و مظاهره و بطونه للطافته و سرایة هویّته فی الموجودات و اختفائه فیها .

و قد أشار إلى تفصیل ذلك ابن العربی فی الفصّ الهودى حیث قال :

« فالعالم صورته و هو روح العالم المدبّر له ، فالعالم هو الانسان الكبیر ، فالعالم من حیث إنّه عالم صورة الحقّ و الحقّ روحه المدبّر له ، فالعالم هو الانسان الكبیر فهو الكون كلّه و هو الواحد الّذى قام كونی بكونه و لذا قلت یغتذى فوجودى غذاؤه و به نحن نغتذى » قال القیصرى : أى الحقّ هو الوجود كلّه و هو الواحد بحسب الذّات و الحقیقة و القیّوم الّذى قام وجودى و وجود العالم كلّه بوجوده و ذاته ، و قوله : و لذا إشارة إلى قوله قام كونی بكونه أى و لأجل أنّ وجودى قائم بوجوده و وجوده ظاهر بوجودى نسبت الغذاء الیه فغذاؤه وجود العالم و غذاء العالم وجوده و أسماؤه لأنّ الغذاء عبارة عمّا به بقاء المغتذى فی الخارج و ذلك باختفائه و ظهوره على صورة من یغتذى ، و لا شكّ أنّ وجودنا یحصل باختفاء هویّته فینا و ظهوره بصورنا و بقائنا أیضا یحصل بایصال الفیض الدّائم الینا كذلك أعیان العالم یختفى فى ذاته و یظهر وجوده و أسماؤه و أحكامها فی الخارج .

إلى أن قالا بعد جملة من ترّهاتهما :

« إذ هو الظاهر و هو باطنها إذ هو الباطن » لأنّ الحقّ هو الظّاهر و ظاهریّته بصور العالم و الحقّ باطنها ، لأنّه هو الباطن كما أنه هو الظّاهر « و هو الأوّل اذ كان و لا هی » أى الحقّ هو الأوّل لأنّه كان و لیس صور العالم موجودة كما قال علیه السّلام كان و لا شی‏ء معه « و هو الآخر اذ كان عینها عند ظهورها » أى هو الآخر لأنّه عین أعیان العالم و صورها عند ظهورها فی الخارج « فالآخر عین الظاهر و الباطن عین الأوّل » .

قال القیصرى : الآخر یطلق على معنیین :

[ 188 ]


أحدهما ما ذكره هنا و هو كون الحقّ عین الأعیان الخارجیّة الموجودة فی الخارج لأنّه آخر المراتب .

و ثانیهما كون الأعیان مستهلكة فی الحقّ بالفناء فیه ، فعلی الأول الآخر عین الظاهر و الباطن عین الأوّل لكون الحقّ باطنا أوّلا و لا ظهور للأشیاء إلى أن قالا :

« و إذا كان الحقّ وقایة للعبد بوجه » و هو كون الحق ظاهر العبد « و العبد وقایة للحقّ بوجه » و هو كون العبد ظاهر الحقّ « فقل فی الكون ما شئت إن شئت قلت هو الخلق » كما یقول المحجوبون باعتبار صفات النقص « و إن شئت قلت هو الحقّ » كما یقول الموحّدون باعتبار صفات الكمال « و إن شئت قلت هو الحقّ و الخلق » باعتبار الجمع بین الكمال و النقصان « و إن شئت قلت لا حقّ من كلّ وجه و لا خلق من كلّ وجه » كما یقول المحقّقون الجامعون بین المراتب الالهیّة و العبودیة « و إن شئت قلت بالحیرة فی ذلك » كما قیل : العجز عن درك الادراك إدراك .

« فقد بانت تبعیّتك المراتب و لو لا التحدید ما أخبرت الرسل بتحوّل الحقّ فی الصّور و لا وصفته بخلع الصّور عن نفسه فلا تنظر العین إلاّ إلیه و لا یقع الحكم إلاّ علیه » .

قال القیصرى : لما كان كون الحقّ عین الأشیاء یوجب التحدید قال : و لو لا التحدید واقعا فی نفس الأمر ما أخبرت الرّسل بأنّ الحقّ یتحوّل فی الصّور كما جاء فی الحدیث الصحیح : إنّ الحقّ یتجلّی یوم القیامة للخلق فی صورة منكرة فیقول :

أنا ربّكم الأعلى فیقولون : نعوذ باللّه منك ، فیتجلّی فی صورة عقایدهم فیسجدون له و الصّور كلّها محدودة ، فاذ كان الحقّ یظهر بالصّور المحدودة و نطق الكتاب بأنّه هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكلّ شی‏ء علیم ، حصل العلم للعارف أنّ الظاهر بهذه الصّورة أیضا لیس إلاّ هو فلا تنظر العین إلاّ إلیه و لا یقع الحكم إلاّ علیه إذ لا موجود سواه لیكون مشاهدا إیّاه بل هو الشاهد و المشهود علیه و الحاكم و المحكوم علیه ، انتهى .

و یتوجّه علیهما أوّلا أنّ البراهین المحكمة من العقل و النقل قد قامت على

[ 189 ]

استحالة رؤیته سبحانه بحسّ البصر ، و قد تقدّم ذكرها مكرّرا فی تضاعیف الكتاب و قد قال تعالى صریحا : لا تدركه الأبصار و هو یدرك الأبصار و هو اللطیف الخبیر ،

فنصّ كلام الحقّ سبحانه و تعالى ناطق بأنّ ما قالاه إفك و بهت و افتراء .

و أمّا ثانیا فقد عرفت سابقا و ستعرف أیضا مباینة الحقّ للخلق و مفارقة الصّانع و المصنوع و الربّ و المربوب و الحادّ و المحدود ، و مع ذلك فكیف یمكن أن یكون الحقّ وقایة للعبد و العبد وقایة للحقّ و یتفرّع على ذلك بطلان الوجوه الأربعة جمیعا لكونها كلّها خلاف ما قاله الأنبیاء و الرّسل و الحجج المعصومون سلام اللّه علیهم أجمعین ، نعم الحیرة فی ادراك ذاته حقّ من جهة تنزّهه عن التحدید لا بالمعنى الّذى توهّمه هذا الجاهل ، فانّ حجج اللّه المعصومین مع كونهم عالمین بحقایق الأشیاء على ما هی علیها بالعلم اللدنّی قد اعترفوا بالعجز عن إدراك ذاته و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ما عرفناك حقّ معرفتك ، فعلم أنّ عجزهم لیس من جهة استتاره فى الخلق و استتار الخلق فیه كما زعمه هذا الضلیل .

و أمّا ثالثا فانّ ما نسبه إلى الرّسل كذب فاحش و الحدیث الذى استدلّ به من أنّ الحقّ یتجلّى للعبد یوم القیامة اه موضوع مجعول لكونه مخالفا للعقل و النّقل و الضّرورة .

و مثله فی الجعل ما رواه الغزالی فی آخر كتاب احیاء العلوم عن جریر بن عبد اللّه البجلّی قال : كنّا جلوسا عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فرأى القمر لیلة البدر فقال : إنّكم ترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فی رؤیته .

و روى عن صحیح مسلم عن صهیب قال : قرء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قوله تعالى :

للذین أحسنوا الحسنى و زیادة ، قال : إذا دخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار نادى مناد یا أهل الجنّة إنّ لكم عند اللّه موعدا یرید أن ینجزكموه ، قالوا :

ما هذا الموعد ألم یثقّل موازیننا و یبیّض وجوهنا و یدخلنا الجنّة و یجرنا من النار ؟ قال : فیرفع الحجاب و ینظرون إلى وجه اللّه عزّ و جلّ فما اعطوا شیئا أحبّ إلیهم من النظر إلى وجه اللّه .

[ 190 ]

قال الغزالی : و قد روى حدیث الرّؤیة جماعة من الصّحابة .

أقول : و لو روى ألف صحابة حدیثا مفیدا لرؤیته سبحانه بحاسة البصر لطرحناه لكونه مخالفا لنصّ الكتاب فضلا عن البراهین الساطعة ، نعم لو كان حدیثا معتبرا قابلا للتّأویل أوّلناه كما نؤوّل قوله تعالى : وجوه یومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة ،

و قوله : فلمّا تجلّى ربّه للجبل ، و نحوهما بما لا یخالف اصول المذهب و اللّه هو الهادی .

الوجه الثالث من وجوه الدلالة قوله علیه السّلام : بان من الأشیاء بالقهر لها و القدرة علیها و بانت الأشیاء منه بالخضوع له و الرّجوع إلیه .

فانّه صریح فی مباینته للأشیاء بغلبته و استیلائه علیها و قدرته على ایجادها و إعدامها كما هو شأن الواجب تعالى و بخضوع الأشیاء و ذلّها فی قید الامكان و رجوعها و افتقارها فى وجودها و كمالاتها إلیه عزّ و جلّ كما هو مقتضى حال الممكن و مع ذلك فكیف یمكن جعل أحدهما عین الآخر على ما ذهب إلیه المتصوّفة .

الوجه الرابع قوله علیه السّلام : من وصفه فقد حدّه إلى قوله : فقد أبطل أزله .

و هو صریح فی تنزّهه سبحانه عن الأوصاف و الحدود الامكانیّة فیبطل القول بظهوره فی صور الموجودات و اتّصافه بأوصافها و حدودها و تشكله بأشكال المختلفة كما هو مذهب الصوفیّة خذلهم اللّه تعالى .

و منه أكثر فقرات الخطبة المأة و الثانیة و الستّین :

فمنها قوله علیه السّلام فیها : حدّ الأشیاء عند خلقه لها إبانة له من شبهها .

أى انّه تعالى جعل للأشیاء عند ایجاده إیّاها أجزاء و ذاتیات إن كان الحدّ بمعناه المنطقی أو حدودا و نهایات إن كان بمعناه اللّغوى و محصّله أنّه تعالى جعلها محدودة مشخصة بحدود معیّنة تقف عندها و لا یتجاوز عنها إلى غیرها .

و إنّما جعلها كذلك لیتمیّز بعضها عن بعض و یفترق أحدها عن الآخر ،

لأنّ الشخص ما لم یتشخّص لم یوجد ، و الوقوف إلی حدّ معیّن لا بدّ له من علّة محدّدة إذ ماهیة الشی‏ء لو كانت مقتضیة للانتهاء إلى ذلك الحدّ المخصوص لكان

[ 191 ]

جمیع افراد تلك الماهیّة كذلك و لیس فلیس و العلة المحدّدة لابد أن یكون منزّها عن الحدّ و الاّ فیحتاج إلى علّة اخرى فیتسلسل .

و بعبارة اخرى الأشیاء لكونها ذى ماهیة مركّبة من الجنس و الفصل محدودة بالحدّ المنطقی و لكونها منتهیة إلى حدّ معیّن و مقدار مشخّص محدودة بالحدّ اللغوى . و هو من لواحق الكمّ المتصل و المنفصل اللذین هما من أقسام العرض ،

و الواجب تعالى لكونه منزّها عن التّركیب المستلزم للافتقار لا یكون محدودا بالحدّ المنطقی ، و لعدم كونه عرضا امتنع أن یكون محدودا بالحدّ اللغوى فیكون مباینا لمخلوقاته منزّها عن مشابهتها بنفس ذاته .

و قال علیه السّلام فی هذه الخطبة أیضا بعد جملة كلام له :

تعالى عما ینحله المتحدّدون من صفات الأقدار و نهایات الأقطار و تأثّل المساكن و تمكّن الأماكن فالحدّ لخلقه مضروب و إلى غیره منسوب .

و اوضح منهما ما فی البحار من التّوحید للصدوق باسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبی عبد اللّه عن أمیر المؤمنین فی خطبة طویلة له علیه السّلام قال : لمّا شبّهه العادلون بالخلق المبعض فی صفاته ذوى الأقطار و النواحى المختلفة فی طبقاته و كان عزّ و جلّ الموجود بنفسه لا بأداته انتفى أن یكون قدّروه حقّ قدره فقال تنزیها لنفسه عن مشاركة الأنداد و ارتفاعا عن قیاس المقدّرین له بالحدود من كفرة العباد : و ما قدروا اللّه حقّ قدره و الأرض جمیعا قبضته یوم القیامة و السموات مطویّات بیمینه سبحانه و تعالى عما یشركون و مثل هذه فی الدّلالة على تنزّهه سبحانه من التحدید و التّشبیه أخبار كثیرة قریبة من التواتر بل متواترة .

مثل ما رواه فی البحار من توحید الصدوق عن إبراهیم بن محمّد الهمدانی قال :

كتبت إلى الرّجل یعنى أبا الحسن علیه السّلام إنّ من قبلنا من موالیك قد اختلفوا فی التّوحید : فمنهم من یقول : جسم ، و منهم من یقول : صورة ، فكتب علیه السّلام بخطه :

سبحان من لا یحدّ و لا یوصف لیس كمثله شى‏ء و هو السمیع العلیم أو قال البصیر .

و فیه أیضا عن الصادق علیه السّلام أنّه قال لهشام : إن اللّه تعالى لا یشبه شیئا و لا

[ 192 ]

یشبهه شی‏ء و كلّما وقع فی الوهم فهو بخلافه .

قال و روى عنه علیه السّلام أیضا أنّه قال : سبحان من لا یعلم أحد كیف هو إلاّ هو لیس كمثله شی‏ء و هو السمیع البصیر لا یحدّ و لا یحسّ و لا یدركه الأبصار و لا یحیط به شی‏ء و لا هو جسم و لا صورة و لا بذى تخطیط و لا تحدید .

و فیه من التوحید عن هشام بن إبراهیم العباسی قال : قلت له یعنى أبا الحسن علیه السّلام : جعلت فداك أمرنی بعض موالیك أن أسألك عن مسألة قال علیه السّلام : و من هو ؟ قلت : الحسن بن سهل ، قال : و فی أىّ شی‏ء المسألة ؟ قال : قلت : فی التوحید قال : و أىّ شی‏ء من التوحید ؟ قال : یسألك عن اللّه جسم أولا جسم ، فقال علیه السّلام لی : إنّ للنّاس فی التوحید ثلاثة مذاهب : إثبات بتشبیه ، و مذهب النفى ، و مذهب إثبات بلا تشبیه ، فمذهب الاثبات بتشبیه لا یجوز ، و مذهب النفى لا یجوز ، و الطریق فی المذهب الثالث إثبات بلا تشبیه .

و فیه من التوحید عن المفضّل بن عمر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك إنّ اللّه تبارك و تعالى لا یشبه شیئا و لا یشبهه شی‏ء و كلّما وقع فی الوهم فهو بخلافه .

و فیه من العقاید باسناده عن محمّد بن زیاد قال : سمعت یونس بن ظبیان یقول :

دخلت على أبی عبد اللّه علیه السّلام فقلت له : إنّ هشام بن الحكم یقول قولا عظیما إلاّ انّی أختصر لك منه أحرفا یزعم أنّ اللّه جسم لأنّ الأشیاء شیئان ، جسم و فعل الجسم ،

فلا یجوز أن یكون الصّانع بمعنى الفعل و یجوز أن یكون بمعنى الفاعل ، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : ویله أما علم أنّ الجسم محدود متناه و الصورة محدودة متناهیة فاذا احتمل الحدّ احتمل الزّیادة و النقصان و إذا احتمل الزّیادة و النقصان كان مخلوقا ،

قال : قلت : فما أقول ؟ قال : لا جسم و لا صورة و هو مجسّم الأجسام و مصوّر الصور ،

و لم یتجزّأ و لم یتناه و لم یتزاید و لم یتناقص لو كان كما یقول لم یكن بین الخالق و المخلوق فرق ، و لا بین المنشی‏ء و المنشأ ، لكن هو المنشى‏ء فرّق بین من جسّمه

[ 193 ]

و صوّره و أنشأه إذا كان لا یشبهه شی‏ء و لا یشبه هو شیئا .

قال المحدّث العلامة المجلسی بعد روایته ذلك :

استدلّ علیه السّلام على نفی جسمیّته تعالى بأنّه لو كان جسما لكان محدودا بحدود متناهیا إلیها لاستحالة لا تناهی الابعاد ، و كلّ محتمل للحدّ قابل للانقسام باجزاء متشاركة فی الاسم و الحدّ ، فله حقیقة كلیّة غیر متشخّصة بذاتها و لا موجودة بذاتها إذ هو مركّب من أجزاء حال كلّ واحد منها ما ذكر فیكون مخلوقا ، أو بأنّ كل قابل للحدّ و النّهایة قابل للزّیادة و النقصان لا یتأبّى عنهما فی حدّ ذاته و إن استقرّ على حدّ معیّن فانّما استقرّ علیه من جهة جاعل .

ثمّ استدلّ علیه السّلام بوجه آخر و هو ما یحكم به الوجدان من كون الموجد أعلى شأنا و أرفع قدرا من الموجد ، و عدم المشابهة و المشاركة بینهما و إلاّ فكیف یحتاج أحدهما إلى العلّة دون الآخر ، و كیف صار هذا موجدا بدون العكس ، و یحتمل أن یكون عدم المشاركة و المشابهة فیما یحتاج إلى العلّة فیحتاج إلى علّة اخرى ، انتهى .

فقد علم بذلك كلّه كونه سبحانه منزّها عن الحدّ و الشّبه و أنّه یجب تنزیهه عن التحدید و التشبیه ، و أنّ القائل بهما كافر مشرك .

و ذهب محیی الدّین على أصله الفاسد إلى أنّ القول بهما عین التّوحید .

و القائل بهما مؤمن موحّد كامل ، و النافی لهما عنه تعالى جاهل ، و تبعه على ذلك القیصرى .

قال فی الفصوص فی الفصّ النّوحی :

« اعلم أنّ التّنزیه عند أهل الحقایق فی الجناب الالهی عین التحدید و التّقیید و المنزّه إمّا جاهل و إمّا صاحب سوء أدب » .

قال القیصری : اعلم أنّ التّنزیه إمّا أن یكون عن النقایص الامكانیّة فقط أو منها و من الكمالات الانسانیة أیضا و كلّ منهما عند أهل الكشف و الشهود تحدید للجناب الالهی و تقیید له ، لأنّه یمیّز الحقّ عن جمیع الموجودات و یجعل ظهوره فی بعض

[ 194 ]

مراتبه و هو ما یقتضی التّنزیه دون البعض و هو ما یقتضی التشبیه كالحیاة و العلم و القدرة و الارادة و السمع و البصر و غیر ذلك ، و لیس الأمر كذلك فانّ الموجودات بذواتهم و وجوداتهم و كمالاتهم كلّها مظاهر للحقّ و هو ظاهر فیهم و متجلّی لهم و هو معهم أینما كانوا فیه ذواتهم و وجودهم و بقاؤهم و جمیع صفاتهم ، بل هو الذی ظهر بهذه الصور كلّها فهی للحقّ بالأصالة و للخلق بالتّبعیّة ، فالمنزّه إما جاهل بالأمر على ما هو علیه أو عالم بأنّ العالم كلّه مظهره ، فان كان جاهلا و حكم بجهله على اللّه و قیده فی بعض مراتبه فهو جاهل و صاحب سوء أدب ، و إن كان عالما به فقد أساء الأدب مع اللّه تعالى و رسله بنفیه عنه ما أثبته هو لنفسه فی مقامی جمعه و تفصیله .

هذا فی مقام الالهیّة ، و أما فی مقام الأحدیّة الذاتیّة فلا تشبیه و لا تنزیه إذ لا تعدّد فیه بوجه أصلا قال الشیخ یعنى محیی الدین فی عنقاء المغرب مخاطبا للمنزّه و غایة معرفتك به أن تسلب عنه نقایص الكون و سلب العبد عن ربّه ما لا یجوز علیه راجع إلیه ، و فی هذا المقام قال من قال : سبحانی دون التّوانی هیهات و هل یعرى من شی‏ء إلاّ من لبسه أو یؤخذ شی‏ء إلاّ من حبسه و متى لبس الحقّ صفات النقص حتّى تسلبها عنه أو تعریه و اللّه ما هذه حالة التّنزیه فالتّنزیه راجع إلى تطهیر محلك لا إلى ذاته و هو من جملة منحه لك و هباته و البارى منزّه عن التّنزیه فكیف عن التّشبیه .

قال الماتن « و لكن إذا اطلقاه و قالا به فالقائل بالشّرایع المؤمن إذا نزّه و وقف عند التّنزیه و لم یر غیر ذلك فقد أساء الأدب و أكذب الحقّ و الرسل صلوات اللّه علیهم و هو لا یشعر و یتخیّل أنّه فی الحاصل و هو فی الفایت و هو كمن آمن ببعض و كفر ببعض » .

قال الشارح : أى الجاهل و صاحب سوء الأدب إذا اطلقا التّنزیه و قالا به كلّ منهما إمّا أن یكون مؤمنا بالشرایع و الكتب الالهیّة أو غیر مؤمن ، فالمؤمن إذا نزّه الحقّ و وقف عنده و لم یشبّه فی مقام التّشبیه و لم یثبت تلك الصفات الّتی هی

[ 195 ]

كمالات فی العالم فقد أساء الأدب و كذّب الرسل و الكتب الالهیّة فیما أخبر به عن نفسه بأنّه الحیّ القیوم السمیع البصیر و لا یشعر بهذا التكذیب الصادر منه و یتخیّل أنّ له حاصلا من العلوم و المعارف و أنّه مؤمن و موّحد و ما یعلم أنّه فائت منه و هو كمن آمن ببعض و هو مقام التّنزیه و كفر ببعض و هو مقام التّشبیه ، و غیر المؤمن سواء كان قائلا بعقله كالفلاسفة أو لم یكن كمقلّدیهم المتفلسفة فقد ضلّ و أضلّ ، لأنّه ما علم الأمر على ما هو علیه و ما اهتدى بنور الایمان الرّافع للحجب و إنّما ترك هذا القسم لظهور بطلانه ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .

و محصّله أنّ اللازم على المؤمن الموحّد أن یكون جامعا بین مرتبتى التّنزیه و التّشبیه ، بأن ینزّهه فی مقام التنزیه من النّقایص الامكانیّة ، و یشبّهه فی مقام التشبیه بأن یثبت له صفات الكمال الّتی فی المخلوقات من السمع و البصر و الارادة و الحیاة و نحوها ، لأنّ المخلوقات كلّها مظاهر له و كمالها كماله بل لیس فی الوجود خلق تشاهده العین إلاّ و عینه و ذاته عین الحقّ الظاهر فی تلك الصّورة .

كما قال فی الفصّ الهودى « و ما خلق تراه العین إلاّ عینه حقّ » و قال فی الفصّ الاسماعیلى ما هذه عبارته :

« فلا تنظر إلى الحقّ فتعریه عن الخلق
و لا تنظر إلى الخلق و تكسوه سوى الحقّ

و نزّهه و شبّهه و قم فی مقعد الصدق »

قال القیصرى : أى لا تنظر إلى الحقّ فتجعله موجودا خارجیّا مجرّدا عن الأكوان منزّها عن المظاهر الخلقیّة عاریا عنها و عن صفاتها ، و لا تنظر إلى الخلق بأن تجعل الخلق مجرّدا عن الحقّ مغایرا له من كلّ الوجوه و تكسوه لباس الغیریّة ، بل انظر الى الحقّ فی الخلق لترى الوحدة الذاتیّة فی الكثرة الخلقیة و ترى الكثرة الخلقیة فی الوحدة الذّاتیة ، و نزّه الحق الّذی فی الخلق بحسب مقام أحدیّته عن كلّ ما فیه شایبة الكثرة و الامكانیّة و النقصان ، و شبّهه أیضا بكلّ صفات كمالیّة كالسمع و البصر و الارادة و القدرة ، فانّك إذا جمعت بین التّشبیه

[ 196 ]

و التنزیه كما هو عادة الكاملین فقد قمت مقام الصدق و هو مقام الجمع بین الكمالین .

و أوضح ذلك فی الفصّ الالیاسى و شرحه بقوله :

« و إذا أعطاه اللّه المعرفة بالتجلّى كملت معرفته باللّه فنزّه فی موضع و شبّه فی موضع » أى نزّه فی موضع التّنزیه تنزیها حقانیا و شبّه فی موضع التّشبیه تشبیها عیانیا فیكون تنزیهه تنزیه الحقّ و تشبیهه تشبیه الحقّ « و راى سریان الحقّ بالوجود فی الصّور الطبیعیّة و العنصریة فما بقیت له صورة إلاّ و یرى عین الحقّ عینها و هذه المعرفة التّامة فلا یمكن أن یخلو تنزیه عن تشبیه و لا تشبیه عن تنزیه » .

و ذلك لأنّ كلّ ما نزّهته عنه من النقایص فهو ثابت له عند ظهوره فی المراتب الكونیّة و هو التشبیه ، و كلّ ما شبّهته به و أثبتّ له من الكمالات فهو منفىّ عنه فی مرتبة أحدیّته و هو التنزیه ، و على ذلك فلا یجوز للمؤمن أن یقتصر فی مقام التوحید على التّنزیه فقط .

أمّا أوّلا فلأنّ التنزیه عن التحدید و التّشبیه عین التحدید لأنّ التّمیز عن كلّ شی‏ء محدود بتمایزه عنها .

و أمّا ثانیا فلأنّه جهل باللّه الكریم حیث إنّه قیّده فی بعض مراتبه و میّزه عن سایر مجالیه و مظاهره .

و أمّا ثالثا فلأنّه أساء الأدب مع اللّه و مع رسوله حیث لم یثبت له صفات الكمال الّتی له فی مجالیه .

و أمّا رابعا فلأنّه كذّب اللّه و رسوله فیما أخبرا به من اتّصافه بصفات الكمال ، هذا .

و أنت خبیر بتدلیس هذا الجاهل الضّلیل و تلبیسه الباطل بصورة الحقّ و الحقّ بصورة الباطل غیر خفىّ على الفطن العارف لأنّ العقل و النقل و الأنبیاء و الرسل جمیعا متّفقون على تنزّهه سبحانه عن النقایص الامكانیة و عن اتّصافه بصفات المحدثات و عن مشابهة المخلوقات و قد نزّه ذاته و هو أعلم به من غیره فى كتابه

[ 197 ]

الكریم بقوله : و ما امروا إلاّ لیعبدوا إلها واحدا لا إله إلاّ هو سبحانه و تعالى عمّا یشركون و قال أیضا : سبحانه و تعالى عمّا یقولون علوا كبیرا ، و قال : فسبحان اللّه ربّ العرش عما یصفون ، و قال : سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا یصفون ، و قال : أم لهم إله غیر اللّه سبحان اللّه عمّا یشركون إلى غیر هذه من الآیات البیّنات .

و أمّا الوجوه الّتی استند إلیها فی عدم جواز الاقتصار على التّنزیه فكلّها فاسدة .

أمّا الوجه الأوّل فلمنع كون التنزیه موجبا للتحدید إذ معنى التنزیه هو ابداء المغایرة بین الحقّ و الخلق من أجل اتّصاف الخلق بصفات النقصان و عوارض الامكان ، و كون الحقّ بریئا منها من حیث وجوب وجوده و كونه تامّا فوق التمام .

و بعبارة اخرى جعله سبحانه خلوّا من خلقه و خلقه خلوّا منه من أجل كون الخلق محدودا و الحقّ منزّها عن الحدّ ، فحقیقة التّنزیه هو إظهار كونه مباینا لمخلوقاته مفارقا لها بنفس ذاته الأقدس الأعلى من أجل اتّصافها بالحدود و النهایات ، و ذلك لا یوجب كونه محدودا بوجه أصلا لا بالحدّ الاصطلاحى و لا بالحدّ اللّغوى .

و إن أراد بقوله إنّه عین التحدید إنّ فیه تمیز الحقّ عن كلّ ما سواه لما فیها من القصور و النقصان و المحدودیة بحدود الامكان ، فهذا هو محض الایمان المطلوب عقلا و شرعا فلا معنى للاستناد إلیه فی عدم الجواز .

بل أقول : إنّ عمدة الغرض من التّنزیهات الواردة فی الكتاب المبین و الصادرة عن ألسنة الأنبیاء و المرسلین و الملائكة المقرّبین و الحجج المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین لیس إلاّ تنزیهه سبحانه و تقدیسه تعالى عمّا نسبته إلیه عزّ و جلّ هذه الطایفة المضلّة الضّالة من ظهوره فی صور الموجودات و اتّصافه بصفات المحدثات فتعالى اللّه عما یقول الظالمون و سبحان اللّه ربّ العرش عمّا یصفون .

و أمّا الوجه الثانی فلمنع كونه جهلا بل هو محض العلم و العرفان و التوحید

[ 198 ]

و الایمان ، و إنّما الجاهل من قال بتجلّیه فی مخلوقاته و بظهوره فی صور مصنوعاته .

و أمّا الوجه الثالث فلأن سیّ‏ء الأدب من قال : سبحانى ما أعظم شانى ، لا من قال سبحان اللّه و سبحان ربّى ، و من قال : إنّى أنا اللّه و لیس فی جبّتى سوى اللّه لا من قال : لا إله إلاّ اللّه .

و أمّا الوجه الرّابع فلأنّ المكذّب للأنبیاء و الرّسل أمثال هذا الجاهل القائل بتجلّیه فی مخلوقاته و اتّصافه بصفات محدثاته لا القائل بتنزّهه عن مجانسة مخلوقاته و اتّصافه بنعوت العظمة و الجلال و صفات العزّة و الجمال بذاته ، و بعبارة اخرى المكذّب للرسل و الأنبیاء من نزّه و شبه و قال : إنه كلّ الأشیاء لا من قدّس و نزّه و قال : إنه لیس كمثله شی‏ء و إنه شى‏ء لا كالأشیاء .

و الحاصل أنا ننزّهه من مشابهة غیره فی ذاته و صفاته و نصفه بصفات الكمال بذاته و نقول : إنه حىّ قیّوم عالم سمیع بصیر قادر خبیر بمعنى أجلّ و أعلى على ما نبّه علیه الحجج المعصومون فی شرح الأسماء الحسنى ، و نقدّسه من صفات المخلوق مطلقا سواء كانت صفة نقصان كالعجز و الحاجة و الافتقار أو صفة كمال كالعلم و الارادة و القدرة و الاختیار ، فانّ هذه الصفات و ان كانت كمالات للمخلوق إلاّ أنّ اثباتها للخالق بالاعتبار الثابت للمخلوق موجب لاتّصافه بصفات المحدثات فتكون بالنسبة إلیه تعالى نقصا لا كمالا .

و هذا هو الّذى دلّ علیه السنّة و الكتاب ، و صرّح به الأئمة الأطیاب ، و حقّقه العلماء الراسخون و اولو الألباب .

و أما ما قاله هؤلاء الجهال : من أنّ صفات كماله هو عین صفات الكمال فی مخلوقاته لكونها مجالیه و مظاهره ، فمما لم یرد به كتاب و لا سنة ، بل هو افك و فریة بیّنة ، و قد قال سبحانه : ء أرباب متفرّقون خیر أم اللّه الواحد القهار . ما تعبدون من دونه إلاّ أسماء سمّیتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان إن الحكم إلاّ للّه أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إیاه ذلك الدّین القیّم و لكنّ اكثر الناس لا یعلمون .

و بالجملة فحالنا و حال هؤلاء كمال قال تعالى فی كتابه ، فنحن نقول :

ربّنا ربّ السموات و الأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا . و هؤلاء قومنا اتّخذوا من دونه آلهة لو لا یأتون علیهم بسلطان بیّن فمن أظلم ممن افترى على