[ 199 ]

اللّه كذبا .

و قد علم بذلك كلّه أنّ التنزیه ینافی التشبیه و التشبیه ینافی التنزیه بل لیس الغرض من التنزیه إلاّ التنزیه من التشبیه .

فظهر به أنّ ما قاله ابن العربی من أنه لا یمكن أن یخلو تنزیه عن تشبیه و لا تشبیه عن تنزیه غلط صرف و خبط واضح .

و أفحش من ذلك غلطا و شططا كلامه الّذى حكاه القیصرى عن كتابه المسمّى بعنقاء المغرب .

فانّ قوله : إنّ تنزیه العبد لربّه راجع إلى تنزیهه لنفسه ، و انّ معنى سبحان اللّه سبحانی لأنّ اللّه سبحانه لم یكن متّصفا بصفات النّقص حتّى ینزّه عنها و لا متلبّسا بها حتّى تسلب عنه و یعرى منها ، و انّما المتّصف بها هو المنزّه بنفسه فهو المحتاج إلى التّنزیه دون ربّه فقول باطل و كلام فاسد و من الفساد بمكان .

أمّا أوّلا فلأنّ تنزیه الرّب من النّقایص لا یستلزم اتّصافه بها فی الواقع أولا ثمّ یسلب لأنّ القضیّة السلبیّة لا یستلزم الایجاب و إلاّ لم یصحّ قوله تعالى : و الحمد للّه الّذى لم یتّخذ ولدا و لم یكن له شریك فی الملك و لم یكن له ولیّ من الذّلّ ،

و بعد التّنزل نقول : إنّ المراد به تنزیهه عما وصفه به أهل الكفر و الضّلال و نسبه الیه السفهاء و الجهّال من المشبّهة و المجسّمة و الایصانیّة و المتصوّفة و غیرها من الجهال ، و لذلك قال تعالى فی كتابه : سبحانه : و تعالى عمّا یقول الظّالمون ، و قال :

فسبحان اللّه ربّ العرش عمّا یصفون ، و قد قال : قالوا اتّخذ اللّه ولدا سبحانه هو الغنیّ له ما فی السّموات و ما فی الأرض .

و أمّا ثانیا فلأن قوله : تنزیه الرّب راجع إلى تنزیه نفس المنزّه و تطهیر محلّه لا یقوله إلاّ سفیه أو مجنون لأنّ العیب و النقصان من لوازم ذات الممكن فكیف ینزّه المنزّه نفسه عنهما .

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بقیّة كلامه الّذى نقلناه عن الفصّ النوحی .

قال بعد جملة من ترّهاته : « فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الرّوح المدبّر

[ 200 ]

للصّورة فیؤخذ فی حدّ الانسان مثلا باطنه و ظاهره و كذلك كلّ محدود فالحقّ محدود بكلّ حدّ » .

قال القیصری : أی إذا كان العالم صورة الحقّ و هو روحه فنسبة الحقّ إلى كلّ ما ظهر من صور العالم نسبة الرّوح الجزئی المدبّر للصّورة المعیّنة إلیها فی كونه مدبّرا ، و لمّا كان ظاهر العالم ظاهر الحقّ و باطنه باطن الحقّ و الباطن و الظّاهر مأخوذ فی تعریف الانسان و تحدیده لأنّه معرف بالحیوان الناطق و النّاطق باطنه و الحیوان ظاهره و الهیئة الاجتماعیّة الحاصلة من الجنس و الفصل ظاهره الّذى به سرى الأحدیّة فیه و حقایقهما المشتركة و الممیّزة باطنه و الحقّ مأخوذ فی حدّه ،

و كذلك كلّ محدود إذ لا بّد فی كلّ من المحدودات من أمر عامّ مشترك و أمر خاصّ ممیّز و كلاهما ینتهیان إلى الحقّ الّذى هو باطن كلّ شی‏ء فالحقّ محدود بكلّ حدّ لأن كلّما هو محدود بحدّ مظهر من مظاهره ظاهره من اسمه الظاهر و باطنه من اسمه الباطن و المظهر عین الظاهر باعتبار الأحدیّة فالحقّ هو المحدود .

قال الماتن : « و صور العالم لا ینضبط و لا یحاط بها و لا یعلم حدود كلّ صورة منها إلاّ على قدر ما حصل لكلّ عالم من صورة فلذلك یجهل حدّ الحق فانّه لا یعلم حدّه إلاّ و یعلم حدّ كلّ صورة و هذا محال حصوله فحدّ الحقّ محال » .

قال الشّارح : أى صور العالم و جزئیاته مفصلا غیر منضبطة و لا منحصرة و الحدود لا تعلم إلاّ بعد الاحاطة بصور الأشیاء و حقایقها ، فالعلم بحدودها محال ، فحدّ الحقّ من حیث مظاهره أیضا محال .

قال الماتن : « و كذلك من شبّهه و ما نزّهه فقد قیّده و حدّده و ما عرّفه و من جمع فی معرفته بین التنزیه و التشبیه و وصفه بالوصفین على الاجمال لأنه یستحیل ذلك على التفصیل لعدم الاحاطة بما فی العالم من الصور فقد عرّفه مجملا لا على التفصیل » انتهى .

و محصله أنّ الحقّ محدود بحدود غیر متناهیة لا یمكن معرفتها تفصیلا بل اجمالا و ذلك لأنه باطن العالم و صور العالم الذى هو مظهره غیر متناهیة و لا منضبطة ،

و حدودها كذلك لأنّ كلّ صورة فلها حد معیّن فیعدّد الحدود بتعین الصّور و بتعدّد حدودها یتعدّد حدود الحقّ فلا یمكن معرفتها إلاّ إجمالا كما لا یمكن معرفة صور

[ 201 ]

العالم و حدود تلك الصور إلاّ كذلك .

و قوله : و كذلك من شبّهه آه عطف على ما سبق أى كما أنّ التنزیه بدون التشبیه عین التحدید و التقیید و مستلزم للجهل ، فكذلك العكس فمن شبّهه و لم ینزّهه فقد قیّده بما یقتضیه التشبیه و حدّده بحدود المظاهر ، فلم یعرّفه حقّ المعرفة لخلوّ معرفته من التنزیه ، فالعارف من جمع بین التنزیه و التشبیه و وصفه بهما على الاجمال لأنّ معرفة صور العالم التی نقیضها التشبیه غیر ممكنه تفصیلا حسبما عرفت ، هذا محصّل كلامه و قد عرفت فساده بما لا مزید علیه .

و قالا فی الفصّ الهودى و شرحه : « و ما رأینا قطّ من عند اللّه تعالى فی حقّه تعالى فی آیة أنزلها أو اخبار عنه أوصله إلینا فیما یرجع إلیه إلاّ بالتحدید تنزیها كان أو غیر تنزیه أوّلها العماء الذى ما فوقه هواء و لا تحته هواء و كان الحقّ فیه قبل أن یخلق الخلق » .

أى أول ذلك التحدید هو المرتبة العمائیة التی أشار الیها النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عند سؤال الأعرابی أین كان ربّنا قبل أن یخلق الخلق ؟ قال : كان فی عماء ما فوقه هواء و لا تحته هواء ، و انما كان العماء أول التحدیدات لأنه لغة عبارة عن الضباب و فی اصطلاح أهل اللّه عبارة عن أول تعین ظهر للحقّ بحسب اسمه الجامع الالهی ، و كلاهما محدودان ،

و هذه المرتبة هی مرتبة الانسان الكامل فانه أول ما تعیّن ظهر بالصورة المحمّدیة صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ فصّلها فخلق منها أعیان العالم علما و خارجا .

« ثمّ ذكر انه استوى على العرش فهذا تحدید أیضا » لأنّ الاستواء علیه ظهور الاسم الرّحمانی فی صورة العرشیّة و هو أیضا تحدید لأنّه یتعیّن فیظهر فیها .

« ثمّ ذكر انّه ینزل إلى السماء الدّنیا فهذا تحدید » أى ذكر الحقّ بلسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم انّ اللّه ینزل كلّ لیلة إلى السماء الدّنیا فیقول : هل من تائب فأتوب علیه هل من مستغفر . فأغفر له و النّزول إلى المقام المعیّن تحدید .

« ثمّ ذكر انّه فی السّماء و انّه فی الأرض » كما قال : و هو الّذى فی السّماء إله و فی الأرض إله ، و كونه فی السّماء و فی الأرض تحدید .

[ 202 ]

« و انّه معنا أینما كنّا » أى و ذكر أنّه معنا كما قال : و هو معكم أینما كنتم .

« إلى أن أخبرنا انّه عیننا » أى حدّد نفسه إلى أن جعله أعیننا كما قال : كنت سمه و بصره الحدیث .

« و نحن محدودون فما وصف نفسه إلاّ بالحدّ و قوله لیس كمثله شی‏ء حدّ أیضا إن أخذنا الكاف زائدة لغیر الصفة » أى لا تكون للتشبیه لیفید لیس مثل مثله شی‏ء .

« و من تمیّز عن المحدود فهو محدود بكونه لیس عین هذا المحدود فالاطلاق من التقیید تقیید و المطلق مقیّد بالاطلاق لمن فهم و إن جعلنا الكاف للصّفة فقد حدّدناه » أى على التقدیرین یلزم التحدید ، أمّا على الأوّل فلأنّ الممتاز عن المحدود لا یكون إلاّ محدودا بكونه ممتازا عنه كما أنّ الاطلاق المقابل للتقیید أیضا تقیید بعدم التقیید و المطلق مقیّد بالاطلاق ، و أمّا على الثانی فلأنّ نفی مثل المثل اثبات للمثل و هو محدود فما یماثله أیضا محدود .

« و ان أخذنا لیس كمثله شی‏ء على نفی المثل تحقّقنا بالمفهوم و بالاخبار الصحیح انّه عین الأشیاء و الأشیاء محدودة و ان اختلفت حدودها » أى و إن حملنا على نفی المثلیّة مطلقا سواء كان زایدا أو غیر زاید مع عدم القصد بوجود المثل بل المقصود المبالغة فی التّنزیه كما یقال : مثلك لا یغضب ، و الغرض نفی الغضب منه یلزم التحدید أیضا ، لأنّ ما یمتاز عن الشی‏ء محدود بامتیازه عنه فسلب المثلیّة تحدّده ،

و هو المراد بقوله : تحققنا بالمفهوم أى علمنا حقیقته بالمفهوم من الآیة أنه محدود و كذلك تحدیده بالخبر الصحیح و هو : كنت سمعه و بصره الحدیث ، لأنه صار عین الأشیاء و الأشیاء محدودة بحدود مختلفة و أن فی قوله : و إن اختلفت حدودها للمبالغة .

« فهو محدود بحدّ كلّ محدود فما یحدّ شی‏ء إلاّ و هو حدّ للحقّ » لما كان الحدّ عبارة عن التعیین و الحدّ الاصطلاحی انما یسمى بالحدّ لأنه أیضا یعیّن الشی‏ء و یمیّزه عن غیره نقل الكلام إلى الحدّ الاصطلاحی الموجب لتعیّن الأشیاء فی العقل و انما جعله محدودا بحدّ كلّ محدود لأنه عین لكلّ محدود فحدّه حدّ الحقّ و قوله و هو عاید إلى الحدّ الذى یدلّ علیه قوله فما یحدّ ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .

[ 203 ]

أقول : فیاللّه لهذا الرجل من سوء الاعتقاد و الزیغ عن نهج الرشاد و الاصرار فی ترویج الزندقة و الالحاد ، و صرف الآیات المحكمات عن ظواهرها إلى تصحیح عبادة الطاغوت و الاستناد إلى المتشابهات فی اثبات مذهب هو أوهن من بیت العنكبوت ،

و قد قال عزّ من قائل : فأما الذین فی قلوبهم زیغ فیتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأویله و ما یعلم تأویله إلاّ اللّه و الرّاسخون .

فهل یحكم العاقل بدلیل متشابه على أنّ الحقّ بكل حدّ محدود ؟ أم هل یسلّم القول بوحدة الوجود الذى هو فی معنی الكفر و الجحود بمجرّد الاستناد إلى كشف و شهود ؟ و قد عرفت بطلان التشبیه و التحدید ببرهان متین و بیان لا علیه مزید .

و الأدلّة التی استند الیها هنا فی اثبات تلك الدّعوة غیر خفیة الفساد على ذوى العقل و النهى .

أما الدلیل الأول و هو حدیث العماء ففیه أنه من مجعولات العامة و یدلّ علیه الأخبار النّافیة للزّمان و المكان عنه تعالى و قد تقدّم كثیر منها فی تضاعیف الشرح مضافا إلى قیام الدلیل العقلی أیضا على ذلك كما أشار الیه الأئمة علیهم السّلام فی أخبارهم .

مثل ما رواه المحدّث العلامة المجلسی « قد » فی البحار من كتاب روضة الواعظین قال : روى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام انّه قال له رجل : أین المعبود ؟ فقال : لا یقال له أین لأنه أیّن الأینیّة ، و لا یقال له كیف لأنّه كیّف الكیفیّة ، و لا یقال له ما هو لأنه خلق الماهیّة ، سبحانه من عظیم تاهت الفطن فی تیّار أمواج عظمته ، و حصرت الألباب عند ذكر أزلیّته ، و تحیّرت العقول فی أفلاك ملكوته .

و فیه من كتاب التوحید للصّدوق قال : و روى أنّه سئل أمیر المؤمنین علیه السّلام أین كان ربّنا قبل أن یخلق سماء و أرضا ؟ فقال : أین سؤال عن مكان كان اللّه و لا مكان .

و فیه منه باسناده عن المفضّل بن عمر عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : من زعم أنّ اللّه فی شی‏ء أو من شی‏ء أو على شی‏ء فقد أشرك ، لو كان عزّ و جلّ على شی‏ء لكان محمولا ،

و لو كان فی شی‏ء لكان محصورا ، و لو كان من شی‏ء لكان محدثا .

قال العلامة المجلسی : قوله : لكان محمولا أى محتاجا إلى ما یحمله ، و قوله :

[ 204 ]

محصورا أى عاجزا ممنوعا عن الخروج من المكان أو محصورا بذلك الشی‏ء و محویا به فیكون له انقطاع و انتهاء فیكون ذا حدود و أجزاء .

و فیه منه باسناده عن حمّاد بن عمرو عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : كذب من زعم أنّ اللّه عزّ و جلّ فى شى‏ء أو من شى‏ء أو على شى‏ء .

قال الصّدوق : الدّلیل على أنّ اللّه عزّ و جلّ لا فی مكان أنّ الأماكن كلّها حادثة و قد قام الدّلیل على أنّ اللّه قدیم سابق للأماكن ، و لیس یجوز أن یحتاج الغنیّ القدیم إلى ما كان غنیّا عنه ، و لا أن یتغیّر عمّا لم یزل موجودا علیه فصحّ الیوم أنّه لا فی مكان كما أنّه لم یزل كذلك .

و تصدیق ذلك ما حدّثنا به القطان عن ابن زكریّا القطّان عن ابن حبیب عن ابن بهلول عن أبیه عن سلیمان المروزى عن سلیمان بن مهران قال قلت لجعفر ابن محمّد علیهما السّلام : هل یجوز أن تقول إنّ اللّه عزّ و جلّ فی مكان ؟ فقال علیه السّلام : سبحان اللّه و تعالى عن ذلك انّه لو كان فی مكان لكان محدثا لأنّ الكائن فی مكان محتاج إلى المكان و الاحتیاج من صفات الحدیث لا القدیم .

و أمّا الدلیل الثانی فقد عرفت الجواب عنه فی شرح الفصل الخامس من الخطبة الاولى و قلنا هناك : إنّ المراد بالاستواء فی الآیة هو الاستیلاء و السّلطنة .

و قال أمیر المؤمنین فی روایة الاحتجاج عنه علیه السّلام فی جواب أسؤلة الزّندیق المنكر للقرآن : یعنی استوى أمره و علا تدبیره .

و أما الدّلیل الثالث فهو من مجعولات العامّة أیضا .

و یدل على ذلك صریحا ما رواه فی البحار من الأمالی و التوحید و العیون عن الدّقاق عن الصّوفی عن الرّویانی عن عبد العظیم الحسنی عن إبراهیم بن أبی محمود قال : قلت للرّضا علیه السّلام یا ابن رسول اللّه ما تقول فی الحدیث الّذى یروى النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم انّه قال : إن اللّه تبارك و تعالى ینزل كلّ لیلة إلى السّماء الدّنیا ؟

فقال علیه السّلام : لعن اللّه المحرّفین للكلم عن مواضعه ، و اللّه ما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كذلك إنّما قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ اللّه تبارك و تعالى ینزل ملكا إلى السّماء الدّنیا كلّ لیلة

[ 205 ]

فی الثّلث الأخیر و لیلة الجمعة فی أوّل اللیل فیأمره فینادى هل من سائل فأعطیه هل من تائب فأتوب علیه هل من مستغفر فأستغفر له ، یا طالب الخیر أقبل و یا طالب الشرّ اقصر ، فلا یزال ینادى هذا إلى أن یطلع الفجر ، فاذا طلع الفجر عاد إلى محلّه من ملكوت السّماء ، حدّثنی بذلك أبی عن جدّى عن آبائه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و فیه من الاحتجاج عن یعقوب بن جعفر الجعفرى عن أبی إبراهیم موسى علیه السّلام قال :

ذكر عنده قوم زعموا أنّ اللّه تبارك و تعالى ینزل إلى السّماء الدّنیا ، فقال علیه السّلام :

إنّ اللّه لا ینزل و لا یحتاج إلى أن ینزل إنّما منظره فی القرب و البعد سواء لم یبعد منه قریب و لم یقرب منه بعید ، و لم یحتج إلى شی‏ء بل یحتاج إلیه ، و هو ذو الطول لا إله إلاّ هو العزیز الحكیم ، أمّا قول الواصفین إنّه ینزل تبارك و تعالى عن ذلك فانّما یقول ذلك من ینسبه إلى نقص أو زیادة ، و كلّ متحرّك محتاج إلى من یحرّكه أو یحرّك به ، فمن ظنّ باللّه الظّنون فقد هلك و أهلك ، فاحذروا فی صفاته من أن تقفوا له على حدّ من نقص أو زیادة أو تحریك أو تحرّك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود ،

فانّ اللّه عزّ و جلّ عن صفة الواصفین و نعت النّاعتین ، و توهّم المتوهّمین .

فانظر إلى هذا الحدیث الشریف كیف أبطل ما یقوله الملاحدة بالدّلیل العقلی ،

فانّ قوله : فانّما یقول ذلك من ینسبه إلى نقص أو زیادة ، یرید به أنّ النّزول المكانی إنّما یتصوّر فی حقّ المتحیّز و كلّ متحیّز موصوف بالتقدّر و كلّ متقدّر متّصف بالنقص عمّا هو زاید منه و بالزّیادة على ما هو أنقص منه أو یكون فی نفسه قابلا للزّیادة و النّقصان ، و الوجوب الذّاتی ینافی ذلك لاستلزامه التجزّى و الانقسام المستلزمین للامكان .

و أیضا كلّ متحرّك یحتاج إلى من یحرّكه أو یتحرّك به لأنّ المتحرّك إما جسم أو متعلّق بالجسم و الجسم المتحرّك لا بدّ له من محرّك لأنّه لیس یتحرّك بجسمیّته ، و المتعلق بالجسم لا بدّ له فی تحرّكه من جسم یتحرّك به و هو سبحانه منزّه عن الاحتیاج إلى المتحرّك و عن التغیّر بمغیّر و عن التعلّق بجسم یتحرّك به .

[ 206 ]

و أما الدّلیل الرابع فانّ معنی الآیة الشریفة لیس ما توهّمه هذا الجاهل بسوء فهمه و اعتقاده ، بل معنی آخر .

كما نبه علیه الصّادق علیه السّلام فی الرّوایة المرویة فى البحار من التوحید عن أبیه عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبى عمیر عن هشام بن الحكم قال قال أبو شاكر الدیصانى : إنّ فى القرآن آیة هى قولنا ، قلت : و ما هى ؟ فقال : و هو الّذى فى السّماء إله و فى الأرض إله ، فلم أدر بما اجیبه فحجت فخبرت أبا عبد اللّه علیه السّلام فقال : هذا كلام زندیق خبیث إذا رجعت إلیه فقل له : ما اسمك بالكوفة ، فانّه یقول فلان ، فقل ما اسمك بالبصرة ، فانّه یقول فلان ، فقل كذلك ربّنا فى السّماء إله و فى الأرض إله و فى كلّ مكان إله ، قال : فقدمت فأتیت أبا شاكر فأخبرته فقال هذه نقلت من الحجاز .

و محصّل جوابه علیه السّلام أنّه تعالى مسمّى بهذا الاسم فى السّماء و فى الأرض ،

و قال اكثر المفسرین : إنّ الظرف متعلّق بالإله لكونه بمعنى المعبود ، و قال البیضاوى فى تفسیر قوله : هو اللّه فی السموات و فى الأرض : هو اللّه الضمیر للّه و اللّه خبره و فى السماوات و فى الأرض متعلّق باسم اللّه ، و المعنى هو المستحقّ للعبادة فیهما لا غیر كقوله : هو الّذى فى السماء إله و فى الأرض إله .

و روى فى البحار من التوحید باسناده عن مثنّى الحناط عن أبیجعفر أظنّه محمّد بن النعمان قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ : و هو اللّه فى السموات و الأرض ، قال : كذلك هو فى كلّ مكان ، قلت : بذاته ؟ قال : ویحك إنّ الأماكن أقدار فاذا قلت فى مكان بذاته لزمك أن تقول فى أقدار و غیر ذلك و لكن هو باین من خلقه محیط بما خلق علما و قدرة و احاطة و سلطانا ، و لیس علمه بما فى الأرض بأقلّ ممّا فى السّماء لا یبعد منه شى‏ء ، و الأشیاء له سواء علما و قدرة و سلطانا و ملكا و احاطة .

و أمّا الدّلیل الخامس فالجواب عنه بمثل الجواب عن سابقه ، فانّ المراد به كونه معنا بالعلم و الاحاطة و القیّومیّة .

و أجاب عنها أمیر المؤمنین علیه السّلام بجواب آخر رواه فی البحار من الاحتجاج

[ 207 ]

فى جواب أسؤلة الزّندیق المنكر للقرآن قال علیه السّلام : و قوله : و هو الّذى فى السماء إله و فى الأرض إله ، و قوله : و هو معكم أینما كنتم ، و قوله : و ما یكون من نجوى ثلثة إلاّ هو رابعهم ، فانّما أراد بذلك استیلاء امنائه بالقدرة الّتى ركّبها فیهم على جمیع خلقه و أنّ فعلهم فعله الحدیث .

و أمّا الدّلیل السادس فقد مرّ جوابه بما لا مزید علیه قبل أوراق .

و أمّا الدّلیل السابع فأوهن من الجمیع ، لأنّ المراد بالآیة هو التّنزیه فقط و نفى المثل من جمیع الجهات ، إمّا بجعل الكاف زایدة أو بمعناها الأصلى قصدا للمبالغة فى نفى المثل على حدّ قولهم : مثلك لا یبخل .

روى فى الصّافى من مصباح المتهجّد فى خطبة لأمیر المؤمنین علیه السّلام لیس كمثله شى‏ء إذ كان شى‏ء الشى‏ء من مشیّته فكان لا یشبه مكوّنه .

و روى فى البحار من روضة الواعظین عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أیضا انّه قال :

اتّقوا أن تمثّلوا بالربّ الذى لا مثل له أو تشبّهوه من خلقه أو تلقوا إلیه الأوهام أو تعلموا « تعملوا ظ » فیه الفكر و تضربوا له الأمثال أو تنعتوه بنعوت المخلوقین ، فانّ لمن فعل ذلك نارا .

و أما ما قاله من استلزام التنزیه للتقیید و التحدید معللا بأنّ الاطلاق من التقیید تقیید و المطلق بالاطلاق مقیّد ، فقد عرفت فیما سبق ضعفه و أنه غیر مستلزم له .

و نزید توضیحا و نقول : محصّل مراده إنّ الآیة محتملة لوجوه ثلاثة .

احدها كون الكاف زایدة و المراد بها نفى المثل .

و الثانى كونها للتشبیه و المراد بها نفى مثل المثل .

و الثالث كونها للتشبیه أیضا لكن المراد نفى المثل مبالغة و على جمیع الوجوه فهى مفیدة للتحدید .

أما على الوجه الأوّل فلأنّ المعنى أنه لیس شى‏ء من الأشیاء مثله و شبهه ،

و الأشیاء كلّها محدودة بالحدود فاذا نفیت مشابهته بها و میّزته عنها فقد أثبتّ له الحدّ

[ 208 ]

بتنزیهك إذ المتمیز عن المحدود محدود بأنه غیره و المغایرة لا تكون إلاّ بالحدود فیكون محدودا بتمایزه عن المحدودات و هو معنى قوله : فالاطلاق من التقیید تقیید آه .

و أما على الوجه الثانى فلأنّه یفید اثبات المثل حیث إنّ المنفى مثل المثل لا نفس المثل و المثل محدود فمثله و هو اللّه تعالى عن ذلك أیضا محدود .

و أما على الوجه الثالث فلأنه كالوجه الأوّل یفید التحدید بتمیّزه عن المحدود فعلى جمیع الوجوه یثبت كونه محدودا ، و أنت خبیر بأنّ هذا كلّه ناش من قلّة الفهم إذ قد عرفت أنّ المراد بالآیة هو نفى المثل على الوجه الأول أو على الوجه الثالث و المقصود بها التنزیه من التشبیه .

و ما توهّمه من استلزام التّنزیه للتّقیید و التّحدید ، فهو ظاهر فی أنّه لم یفهم معنى التّنزیه و التّمییز و لم یمیّز بین تمایز الموجودات بعضها عن بعض و بین تمایز الواجب تعالى عنها و افتراقه لها .

فنقول : إنّ التمیّز على قسمین :

أحدهما التمیّز بالحدّ و هو الّذی بین الموجودات فانّها جمیعا لكونها محدودة مركّبة من الأجناس و الفصول و مشتملة على الأقدار و النهابات یكون تمیّز كلّ منها عن الآخر بالحدّ المخصوص به .

و ثانیهما التمیّز عن المحدود و هو تمیّز الواجب عن غیره كائنا ما كان ، فانّ الممكنات بأسرها لمّا كانت محدودة یكون تمیّز الواجب عنها بتنزّهه عن الحدّ و هو عبارة اخرى عن وجوب الوجود ، فانّه سبحانه لكونه صرف الوجود و كون وجوده عین ذاته و كون تعیّنه بذاته یكون متمایزا عمّا تعیّنه و تحصّله بالحدود فافهم و اغتنم و على الصّراط المستقیم فاستقم .

و منها قوله علیه السّلام فی الخطبة المذكورة أیضا : لا تقدّره الأوهام بالحدود و الحركات و لا بالجوارح و الأدوات .

فانّ الفقرة الاولى تدلّ على تنزّهه من الحدود حسبما عرفت آنفا و على

[ 209 ]

تنزّهه من التّحوّل فی الصّور كما قال فی الفصّ الالیاسی « یتجلّی فی القیامة بصورة فیعرف ثمّ یتحوّل فی صورة فینكر ثمّ یتحوّل عنها فى صورة فیعرف و هو هو المتجلّی فی كلّ صورة لیس غیره » انتهى .

و تدّل أیضا على تنزّهه من النّزول إلى السّماء الدّنیا و من التّنزّل إلى مرتبة الممكنات و سرایة هویّته فیها حسبما قدّمنا حكایة ذلك كلّه عن هذه الطّایفة الضّالّة .

و الفقرة الثّانیة تدلّ على تنزّهه من الجوارح و الأعضاء فتدلّ على بطلان اتّصافه بها و كون أعضاء الانسان أعضاء له كما قال محیی الدّین فی غیر موضع من الفصوص .

و صرّح به فی الفصّ الهودى اجمالا بقوله « فالغیر یقول : السّمع سمع زید و العارف یقول : السّمع عین الحقّ و هكذا ما بقى من القوى و الأعضاء فما كلّ أحد عرف الحقّ فتفاضل النّاس و تمیّزت المراتب » أى تفاضل النّاس فی العلم بالحقّ و تمیّزت مراتبهم فبان الفاضل و المفضول فی الخلایق .

و فی الفصّ السّلیمانی تفصیلا بقوله « و العمل ینقسم على ثمانیة أعضاء من الانسان » .

قال القیصرى : و هی الیدان و الرّجلان و السّمع و البصر و الجبهة و اللّسان إذ بالیدین یتمكّن من التّوضّى و التّطهر ، و على الرّجلین یقوم فی الصّلاة و یسعى و یحجّ ، و بالسّمع یتمكّن من سماع كلام اللّه و كلام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و بالبصر یتمكّن من المشاهدة فی جمیع أعماله ، و باللّسان یثنى على اللّه تعالى و یسبّحه و یقرء كلامه ، و بالجبهة یسجد فی صلاته .

« و قد أخبر الحقّ تعالى أنّه هویّة كلّ عضو منها فلم یكن العامل فیها غیر الحقّ و الصّورة للعبد و الهویّة مندرجة فیه أى فی اسمه لا غیر » .

قال القیصرى : أى أخبر الحقّ بأنّه عین كلّ عضو بقوله : كنت سمعه الّذى یسمع به و بصره الذى یبصر به و یده الّتی ببطش بها و رجله الّتی یمشی بها ، و العامل بحسب الظّاهر

[ 210 ]

الشّخص و أعضاؤه ، و الحقّ عینها فلا یكون العامل غیر الحقّ غیر أنّ الصّورة صورة العبد و الهویّة الالهیّة مندرجة فی العبد ، و لمّا كانت الهویّة إنّما تندرج فی أسمائه فسّر بقوله : أى فی اسمه ، لیعلم أنّ عین العبد هو أیضا اسم من أسمائه لا غیر لیلزم اندراج الحقّ فی غیره مطلقا فیتوّهم منه الحلول ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .

و قد عرفت فیما تقدّم أنّ المراد بحدیث كنت سمعه و بصره معنی آخر لا ما توهّما ، فیبطل جمیع ما فرّعا علیه .

و منها قوله علیه السّلام فی الخطبة المذكورة أیضا : الظّاهر لا یقال ممّا و الباطن لا یقال فیما ، لا شبح فیتقضّی و لا محجوب فیحوى .

فانّه یدلّ على أنّ اتّصافه بالظهور و البطون لیس بالمعنى المتبادر منهما فی غیره ، و على أنّه لا یتشخّص بتشخّص الممكنات و صور الموجودات كما هو مذهب هذه الفرقة الضّالّة حسبما عرفت تفصیلا ، و على أنّه لا یكون محجوبا بالحجاب فیدلّ على بطلان ما ذهبوا إلیه أیضا من كونه محتجبا بالخلق على ما عرفت تفصیلا و أشار علیه السّلام إلى دلیل بطلان الاحتجاب بقوله : فیحوى ، یعنی أنّه لو كان محجوبا لكان محویّا و كان حجابه حاویا له محیطا به فیكون له انقطاع و انتهاء و یكون ذا حدود و أجزاء و هو باطل .

و مثله ما رواه عنه علیه السّلام فی البحار من الارشاد و الاحتجاج عن الشّعبی روى أنّه سمع أمیر المؤمنین علیه السّلام رجلا یقول : و الّذى احتجب بسبع طباق ، فعلاه علیه السّلام بالدّرة ثمّ قال : یا ویلك إنّ اللّه أجلّ من أن یحتجب من شی‏ء أو یحتجب عنه شی‏ء ، سبحان الّذى لا یحویه مكان و لا یخفى علیه شی‏ء فی الأرض و لا فی السّماء فقال الرّجلّ : أفاكفّر عن یمینى یا أمیر المؤمنین ؟ قال علیه السّلام : لا لم تحلف باللّه فیلزمك الكفّارة و إنّما حلفت بغیره .

و منه قوله علیه السّلام فی المختار المأة و الثّامن و السّبعین

حین سأله ذعلب الیمانی فقال : هل رأیت ربّك یا أمیر المؤمنین ؟ فقال علیه السّلام : أفأعبد ما لا أرى ؟ قال : و كیف

[ 211 ]

تراه ؟ قال : لا تدركه العیون بمشاهدة العیان و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان فانّ قوله علیه السّلام : لا تدركه العیون بمشاهدة العیان یبطل القول بالكشف و الشهود و أنّ الحقّ بكلّ صورة مشهود كما قال محیی الدّین فی الفصّ الهودى :

« و ما خلق تراه العین إلاّ عینه حقّ
و لكن مودع فیه لهذا صورة حقّ »

قال القیصرى : أى لیس خلق فی الوجود تشاهده العین إلاّ و عینه و ذاته عین الحقّ الظاهر فی تلك الصورة ، فالحقّ هو المشهود و الخلق موهوم ، و لذلك یسمّى به ، فانّ الخلق فی اللغة الافك و التقدیر و قال تعالى : إن هذا إلاّ اختلاق ، أى إفك و تقدیر من عندكم ما أنزل اللّه بها من سلطان ، و قوله : و لكن مودع آه أى صور الخلق حقّ له بضمّ الحاء و هو جمع كالحقاق شبه صور الخلایق بالحقاق 1 و الحق بما فیها و الصور جمع صورة سكن الواو لضرورة .

و قال فی ذلك الفصّ أیضا « فالقرب الالهى من العبد لا خفاء به فی الاخبار الالهى فلا قرب أقرب من أن تكون هویته عین أعضاء العبد و قواه و لیس العبد سوى هذه الأعضاء و القوى فهو أى العبد حقّ مشهود فی خلق متوهّم » .

قال الشارح القیصرى : أى ظاهر فی صورة خلق متوهّم و هی الصورة الظلیة ،

و قد مرّ غیر مرّة أنّ كلّ ما یدرك و یشهد فهو حقّ و الخلق متوهّم لأنّ الحقّ هو الذى تجلّى فی مرایا الأعیان فظهر بحسبها فی هذه الصورة فالظاهر هو الحقّ لا غیر .

« فالخلق معقول و الحقّ محسوس مشهود عند المؤمنین و أهل الكشف و الوجود و ما عدا هذین الصنفین فالحقّ عندهم معقول و الخلق مشهود » و هم المحجوبون كالحكماء و المتكلّمین و الفقهاء و عامة الخلایق سوى المؤمنین بالأولیاء و أهل الكشف لأنهم أیضا یجدون فی بواطنهم حقیقة ما ذهب إلیه الأولیاء و إلاّ ما آمن .

و قال فیه أیضا « فلا تنظر العین إلاّ إلیه و لا یقع الحكم إلاّ علیه » قال

-----------

( 1 ) الحق و الحقاق جمع حقة وعاء من خشب ، ق

[ 212 ]

الشارح : إذ لا موجود سواه لیكون مشاهدا إیاه بل هو الشاهد و المشهود و الحاكم و المحكوم علیه إلى أن قال « فمن رأى الحقّ منه فیه بعینه فذلك العارف » أى فمن رأى الحقّ الظاهر على صورته من الحقّ المطلق فی عین الحقّ بعین الحقّ فهو العارف أو من رأى الحقّ من نفسه فی نفسه بعین الحقّ فهو العارف « و من رأى الحقّ منه فیه بعین نفسه فذلك غیر العارف » أى من رأى الحقّ من نفسه بنفسه بعین نفسه فذلك غیر العارف مع أنه صاحب الشهود لعدم اطلاعه على أنه لا یمكن ادراك الحقّ بعین غیره « و من لم یر الحقّ منه و لا فیه و انتظر أن یراه بعین نفسه فذلك الجاهل » أى من لم یر الحقّ من نفسه و لا فى نفسه و انتظر أن یراه فى الآخرة بعین نفسه فهو الجاهل ، لأنه من كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى و أضلّ سبیلا .

إلى غیر هذه من ترّهاتهم و مزخرفاتهم التى لا طائل فیها و كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فى هذا المختار و غیره مما مرّ و سیأتى دلیل على بطلانها جمیعا .

و اصرح من كلماته علیه السّلام كلّها ما رواه فى البحار من التوحید و العیون عن الرّضا علیه السّلام فى خطبة طویلة له خطب بها فى مجلس المأمون فى توحید اللّه سبحانه و تمجیده و تنزیهه قال علیه السّلام فیها : ظاهر لا بتأویل المباشرة متجلّى لا باستهلال رؤیة .

التجلّى الانكشاف و الظهور یقال : استهلّ الهلال بصیغة المعلوم و المجهول أى ظهر و تبیّن أى ظاهر لیس ظهوره بأن یباشره حاسة من الحواس بل ظاهر بأمارة غالب على كلّ شى‏ء بقدرته و ظاهر أیضا لا بظهور من جهة الرؤیة كما هو زعم هذه الجهلة .

و منه قوله علیه السّلام فى المختار المأة و الرابع و الثمانین :

الحمد للّه الذى لا تدركه الشواهد و لا تحویه المشاهد و لا تراه النواظر و لا تحجبه السواتر الدال على قدمه بحدوث خلقه و بحدوث خلقه على وجوده و باشتباههم على أن لا شبه له .

فانّ كلا من هذه الفقرات دلیل على بطلان مقالاتهم الزیفة المتقدّمة كما لا یخفى على من أحاط خبرا بما قدّمناه من ذوى الفطن الثاقبة .

[ 213 ]

و قال علیه السّلام فی هذا المختار أیضا : تلقاه الاذهان لا بمشاعرة ، و تشهد له المرائی لا بمحاضرة .

و قد عرفت معناهما فی مقامهما و أقول هنا : إنّ الفقرة الثانیة دلیل على بطلان قولهم بأنّ أعیان الممكنات مرایا للحقّ لظهوره فیها كما أنّ الحقّ مرآة لها باعتبار آخر و یستفاد من تقریراتهم أن مرآتیّتها بعنوان المحاضرة بل العینیّة و أشار إلى ذلك محیى الدین فى الفص الیوسفى اجمالا و شرحه القیصرى تفصیلا قالا :

« فكلّ ما تدركه فهو وجود الحقّ الظاهر فى مرایا أعیان الممكنات » أى كلّ ما تدركه بالمدركات العقلیّة و القوى الحسیّة فهو عین وجود الحقّ الظاهر فى مرایا أعیان الممكنات ، و قد علمت أنّ الأعیان مرایا للحقّ و أسمائه كما أنّ وجود الحقّ مرآة للأعیان ، فبالاعتبار الأول جمیع الموجودات عین ذات الحقّ و الأعیان على حالها فى العدم لأنّ حامل صور الأعیان هو النفس الرّحمانی ، و النفس الرّحمانی إشارة الى ما قالاه فی الفصّ الهودى و شرحه .

قال الماتن « و لهذا الكرب تنفس فنسب النفس إلى الرّحمن » قال الشّارح أى لكون الحقّ ذواته مشتملا على حقایق العالم و صورها و طلب ملك الحقایق ظهورها حصل الكرب فی الباطن و لهذا الكرب تنفّس الحقّ أى تجلّی لاظهار ما فی الباطن من أعیان العالم فی الخارج فنسب أى الحقّ النّفس الى الرّحمن أى إلى الاسم الرّحمانی بلسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی قوله : إنّی أجد نفس الرّحمان من قبل الیمن ، و النّفس عبارة عن الوجود المنبسط على الأعیان عینا و عن الهیولی الحامل لصور الموجودات و الأوّل مرتّب على الثّانی .

« لأنّه رحم ما طلبته النسب الالهیّة من ایجاد صور العالم الّتی قلنا هی ظاهر الحقّ » أى نسب النفس إلى الرّحمن لأنّ الحقّ بالنّفس الرحمانی رحم الأعیان فاعطی ما طلبته النّسب الالهیة الّتی هی الأسماء و الصّفات من وجود صور العالم الّتی هى ظاهر الحقّ انتهى .

و هو أى النفس الرّحمانی عین وجود الحقّ و الوجود الاضافی الفایض علیها

[ 214 ]

أیضا عین الحقّ فلیس المدرك و الموجود إلاّ عین الحقّ و الأعیان على حالها فی العلم ، و هذا مشرب الموحّد ، و بالاعتبار الثانى الأعیان هى الظاهرة الموجودة فى مرایا الوجود و الوجود معقول محض ، و هذا مشرب المحجوبین عن الحقّ و مشرب المحققّ الجامع بین المراتب العالم بهما فى هذا المقام الجمع بین الحقّ و الخلق بحیث شهود أحدهما لا تحجبه عن شهود الآخر ، و ذلك لجمعه بین المرآتین ، لأنّ المرایا إذا تقابلت تظهر منها عكس جامع لما فیها ، فیتّحد ما فى المرایا المتعدّدة بحكم اتحاد انعكاس أشعّتها و إلى هذا الاعتبار أشار بقوله :

« فمن حیث هویة الحقّ هو وجوده » أى فكلّ ما تدركه من حیث هویّة الحقّ الظاهرة فیه هو عین وجوده « و من حیث اختلاف الصور فیه » أى فى كلّ ما تدركه « هو أعیان الممكنات » انتهى كلامهما هبط مقامهما .

و أنت قد عرفت فساد ذلك كلّه مضافا إلى قوله علیه السّلام هنا بما حققناه سابقا من أنّ وجود الحقّ بذاته مباین لمخلوقاته فكیف یكون أحدهما مرآتا للآخر على أنّ مرآتیّة الأعیان تستلزم التحدید و الحوایة للحقّ و عرفت منافاتهما لوجوب الوجود .

و منه أكثر فقرات الخطبة المأة و الخامسة و الثمانین

الّتى تجمع من اصول علم التوحید ما لا تجمعه خطبة حسبما یعرفه المتدبّر الخبیر

فمن جملة هذه الفقرات قوله علیه السّلام : و لا حقیقته أصاب من مثله و لا ایّاه عنى من شبهه .

فانه صریح فى التنزیه من التمثیل و التشبیه ، و قد عرفت أنّ هؤلاء یقولون بالجمع بین التنزیه و التشبیه كما قال فى الفصّ النوحى :

« فان قلت بالتنزیه كنت مقیدا
و ان قلت بالتشبیه كنت محددا »

« و ان قلت بالأمرین كنت مسددا
و كنت إماما فى المعارف سیدا »

و عرفت فساده بما لا مزید علیه .

و منها قوله علیه السّلام : كلّ معروف بنفسه مصنوع و كلّ قائم فى سواه معلول .

[ 215 ]

فانه مبطل لقولهم بتجلى وجود الحق فى العالم و ظهوره فى مرایا الأعیان كما قال فى الفصّ الابراهیمى « و یعطیك الكشف انّ العالم لیس إلاّ تجلّیه فى صور اعیانهم الثابتة التى یستحیل وجودها بدونه و انه یتنوّع و یتصوّر بحسب حقایق هذه الأعیان و أحوالها » .

قال القیصرى : أى یعطیك الكشف أنّ الحقّ هو الذى ظهر فى صور العالم و تنوّع بحسب أنواع الأعیان و تصوّر بصور هذه الحقایق و أحوالها ، فالأعیان باقیة على عدمها و المشهود هو الوجود الحقّ لا غیر ، انتهى .

و هو عبارة اخرى عن قولهم بأنّ وجود الحقّ سار فى المخلوقات و أنه متخلّل فیها مثل تخلل اللون المتلوّن حسبما قدّمنا حكایته عنهما من الفصّ الابراهیمى و بینّا فساده هناك .

و منها قوله علیه السّلام : غنیّ لا باستفادة .

یعنی أنّ غناه بذاته لاتّصافه بالوجوب لا كسایر الأغنیاء مستفیدا للغنی من الغیر ، و إلاّ لزم أن یكون ناقصا بذاته مستكملا لغیره و هو محال ، و هذا دلیل على بطلان قولهم بأنّ الحقّ سبحانه من حیث ذاته الأحدیّة غنیّ عن العالمین ، و لكن من حیث الالهیّة و الربّوبیّة و القادریّة و غیرها من الأسماء و الصّفات محتاج الیها و قد صرّحا بذلك فی مواضع من الفصوص و شرحه .

قال القیصرى فی شرح الفصّ العیسوى : قد مرّ فی أوّل الكتاب أنّ الذّات الالهیّة من حیث أحدیتها موصوفة بالغنی عن العالمین و من حیث إلهیّتها و أسمائها موصوفة بالافتقار حیث قال : فالكلّ مفتقر ما لكل مستغن .

و قال محیى الدّین فی الفصّ الابراهیمی « ثمّ انّ الذّات لو تعرّت عن هذه النّسب لم تكن إلها » .

قال القیصرى : و اعلم أنّ الاله اسم الذّات من حیث هى هى مع قطع النّظر عن الأسماء و الصّفات باعتبار ، و اسم الذّات مع جمیع الأسماء و الصّفات باعتبار آخر ، و المراد هنا الاعتبار الثانی ، و الالهیّة اسم مرتبة حضرة الأسماء و الصّفات الّتی

[ 216 ]

هی النّسب المتكثّرة باعتبارات و وجوه تحصل للذّات بالنظر إلى الأعیان الثابتة المتكثّرة الثابتة فی أنفسها و استعداداتها ، لأنّ المرتبة كما یستدعی من یقوم بها كذلك یستدعی من یجرى علیها أحكامها كالسّلطنة و القضاء ، فلو لم یعتبر هذه النّسب لم یبق إلاّ الذّات الالهیّة لا یشار الیها بوجه من الوجوه و لا یوصف بنعت من النّعوت ،

و هو مقام الهویّة الأحدیّة الّتی تستهلك النّسب كلّها فیه فیكون الحقّ تعالى إلها أى فی مرتبة حضرة الأسماء و النّسب الالهیّة باعتبار أعیاننا كما أنّ السّلطان سلطان بالنظر إلى الرّعیّة و القاضی قاض بالنّظر إلى أهل المدینة فتلحق هذه النّسب إلیه بنا .

« و هذه النّسب أحدثتها أعیاننا فنحن جعلناه بمألوهیّتنا إلها » .

قال القیصرى أى هذه الصّفات إنّما ظهرت بأعیانها إذ لو لم یكن لما كان یظهر الخالق و الرّازق و القادر و لا السمیع و البصیر و غیر ذلك من الأسماء و الصّفات الاضافیّة ،

و لیس المراد بالجعل الاحداث و الایجاد لأنّا مجعولون و موجودون فبجعل الحقّ و ایجاده إیّانا تظهر تلك الصّفات ، و المراد بالمألوهیّة عند هذه الطایفة مرتبة العبودیّة و بالمألوه العبد لا المعبود لا كما یقول المفسّرون من أنّ الاله بمعنی المألوه و هو المعبود كالكتاب بمعنی المكتوب ، و معناه نحن أظهرنا بعبودیّتنا معبودیّته و بأعیاننا إلهیّته إذ لو لم یوجد موجود قطّ ما كان یظهر أنه تعالى إله كما نطق به : كنت كنزا مخفیا ، الحدیث فالجعل لیس على معناه الحقیقی بل على معناه المجازى و هذا لیس بلسان أهل الصّحو و فیه نوع من الشطح لما فیه من الرّعونة الغیر اللایقة للمتأوبین بین یدى الرّحمن و نظیره كما یقول لسان الرّعیّة و المرید و التلمیذ : إنّ السّلطان بوجودى صار سلطانا و بإرادتی و قراءتی علیه صار الشیخ شیخا و الاستاد استادا .

و قالا فى الفصّ الشعیبی و شرحه : « و أمّا الاشارة من لسان الخصوص فانّ اللّه وصف نفسه بالنفس بفتح الفاء و هو من باب التنفیس » أى وصف بلسان نبیّه فی قوله إنّی أجد نفس الرّحمان من قبل الیمن نفسه بأنّ له النّفس و هو مأخوذ من التنفّس لانّه إرسال الهواء الحارّ من الباطن و ایراد الهواء البارد لترویح المتنفّس عن

[ 217 ]

الكرب ، فالمتنفس انّما یتنفّس دفعا للكرب فنسبة النفس الالهی بالنفس الانسانی و أضاف الكرب الیه لا من حیث إنّه غنیّ عن العالمین بل من حیث إنه ربّ لهم و كربه طلب الأسماء الالهیة الباقیة فی الذات الأحدیة بالقوّة ظهورها و أعیانها فتنفس و اوجد أعیان تلك الأسماء فظهرت الالهیة .

« و انّ أسماء الالهیة عین المسمّى » أى من حیث الوجود واحدیة الذّات و ان كانت غیرا باعتبار كثرتها « و لیس إلاّ هو » أى و لیس المسمى إلاّ عین هویة الحقّ « و انها طالبة ما تعطیه الحقایق » اى و أن الأسماء طالبة وجود ما تعطى الحقایق الكونیة للحقّ من الأحكام و الصفات الكونیة « و لیست الحقایق التی یطلبها الأسماء إلاّ العالم فالالوهیة تطلب المألوه » و الربوبیة تطلب المربوب لأنّ كلّ واحد من أسماء الصفات و الأفعال یقتضی محلّ ولایته لیظهر به ، كالقادر للمقدور و الخالق للمخلوق و الرازق للمرزوق و هكذا غیرها ، و الفرق بین الالوهیة و الربوبیة أنّ الالهیة حضرة الأسماء كلّها اسم الذات و الصفات و الأفعال ، و الربوبیة حضرة أسماء الصفات و الأفعال ، و لذا تأخرت عن المرتبة الالهیة قال تعالى : الحمد للّه ربّ العالمین .

« و الاّ » اى و إن لم یكن الالوهیة و الربوبیة طالبة للمألوه و المربوب لا یكون شی‏ء منها متحققا كما لا یتحقّق الابوّة إلاّ بالابن و البنوّة إلاّ بالأب لانهما من قبیل المتضایفین « فلا عین لها إلاّ به وجودا و تقدیرا فلا عین للالوهیة و الربوبیة إلاّ بالعالم » سواء كان موجودا بالوجود الحقیقی أو مقدرا « و الحقّ من حیث ذاته غنیّ عن العالمین و الربوبیة ما لها هذا الحكم » إذ لا غناء لها عن المربوب « فبقی الأمر بین ما تطلبه الربوبیّة ما لها هذا الحكم » إذ لا غناء لها عن المربوب « فبقی الأمر بین ما تطلبه الربوبیّة و ما یستحقّه الذّات من الغنیّ عن العالم » أى بقی الشأن بین الغنیّ الذّاتی و الافتقار الأسمائی فیجب أن ینزل كل منهما على مقامه فنقول : الغنى من حیث الذات لأنّ العالم كان أو لم یكن لا یحصل التغیّر فى الذات أصلا بل هى على حالها أزلا و أبدا عند وجود العالم و عدمه ، و الافتقار من حیث الربوبیة و الالوهیة .

و لمّا كانت الربّوبیّة صفة الذات الغنیة و الصّفة عین الموصوف فى الأحدیّة قال :

« و لیست الربّوبیّة على الحقیقة و الاتّصاف إلاّ عین هذه الذات » فللذات الغنى عن

[ 218 ]

العالمین من وجه و هو وجه الأحدیّة المتعالیة عن النّسب و الاضافات و لها الافتقار إلیهم من وجه و هو وجه الواحدیة الطالبة للنّسب و مظاهرها ، انتهى كلامهما هبط مقامهما و هو كما ترى صریح فى افتقاره تعالى فى صفاته المضافة إلیه سبحانه سواء كانت صفة ذات كالعلم و الالوهیّة و القدرة و الربوبیّة و غیرها أو صفة فعل كالخلق و الرّزق و الارادة و الاماتة و الاحیاء و نحوها ممّا هو معانى أسمائه الحسنى إلى غیره و إن كان غنیّا من حیث ذاته الأحدیة العاریة عن النسب و الاضافات .

و هذا زعم فاسد و وهم باطل لما قدّمنا فى المقدّمة التى مهّدناها سابقا للدلیل العقلی من أنّ الواجب تعالى تامّ فوق التّمام ، و قلنا إنّ المراد بتمامیّته كونه جامعا للصّفات الكمالیّة كلّها و كونها جمیعا حاصلة له بالفعل بنفسه من دون حاجة إلى الغیر ، لأنّ الكمالات كلّها وجود و هو تعالى عین الوجود فكیف یكون ناقصا فی ذاته مستكملا بغیره و مفتقرا بذاته مستغنیا بمخلوقاته .

و هو معنی قول أمیر المؤمنین علیه السّلام : غنیّ لا باستفادة ، و قول الحكماء الالهیّین :

واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جمیع الجهات .

و الحاصل إنّا نقول : إنّه عزّ و جلّ إله و معبود عالم قادر قاهر غالب ربّ رحیم سمیع بصیر خالق رازق غیر مفتقر فی اتّصافه بهذه الصّفات إلى مألوه و عابد و معلوم و مقدور و هكذا بل كان هذه الصّفات ثابته له فی الأزل قبل وجود المخلوقات .

و یدلّ على ذلك صریحا قول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الخطبة الّتی رویناها عنه من الكافی فی شرح المختار المأة و الثامن و السبعین حیث قال فیها : كان ربّا إذ لا مربوب ، و إلها إذ لا مألوه و عالما إذ لا معلوم و سمیعا إذ لا مسموع .

و مثله بل أصرح منه قول الرّضا فی الحدیث الآتی روایته تماما المروىّ عنه علیه السّلام فى البحار من التوحید و العیون حیث قال فیه : له معنى الربوبیّة إذ لا مربوب و حقیقة الالهیّة إذ لا مألوه و معنى العالم إذ لا معلوم و معنى الخالق إذ لا مخلوق و تأویل السمع و لا مسموع لیس مذ خلق استحقّ معنى الخالق و لا باحداثه البرایا استفاد

[ 219 ]

معنى البرّائیّة .

قال المحدّث العلامة المجلسیّ : قوله علیه السّلام : له معنى الرّبوبیّة أى القدرة على التربیة إذ هی الكمال ، و قوله : إذ لا مألوه ، أى من له الا له أى كان مستحقّا للمعبودیّة إذ لا عابد ، و انّما قال و تأویل السمع ، لأنّه لیس فیه تعالى حقیقة بل یؤوّل بعلمه بالمسموعات ، و قوله : لیس مذ خلق استحقّ معنى الخالق ، إذ الخالقیّة الّتى هى كماله هى القدرة على خلق كلّ ما علم أنه أصلح ، و نفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالیة و لا یتوقف كماله علیه و البرّائیة ، بالتشدید الخلاّقیة .

فقد علم بذلك أنّ قول محیى الدّین : إنّ الذات لو تعرّت عن هذه النسب لم تكن إلها ، و قوله : هذه النسب هى التى أحدثتها أعیاننا ، باطل جدا ، و ما أعظم جسارته و أقبح هجره فى قوله : و نحن جعلناه بمألوهیّتنا إلها ، و الشارح القیصرى لما رأى فرط شناعته و فظاعته أراد إصلاحه بصرفه عن ظاهره و لن یصلح العطار ما أفسد الدّهر .

و بالجملة فالقول بافتقار اللّه سبحانه فى ذاته أو صفاته أو أفعاله إلى مصنوعاته و نقصانه بذاته و التماسه التمام بمخلوقاته إلحاد و جحود و إنكار لوجوب الوجود .

فان قلت : لعلّ غرض هؤلاء إنّ الحقّ سبحانه كان متّصفا بتلك الصفات فى الأزل من دون حاجة إلى غیره ، و لكن ظهور اتّصافه بها كان موقوفا على وجود المخلوق و محتاجا الیه ، و بعبارة اخرى انه مستغن فى ذاته و صفاته عن غیره و لكن فى اظهار هذه الصّفات و تلك النّسب و الاضافات كان مفتقرا إلى ایجاد الموجودات .

قلت : نسبة الافتقار إلى اللّه تعالى شأنه بأىّ اعتبار كان غلط بیّن ، نعم إن قلنا إنّه عزّ و جلّ كان متّصفا بصفات العظمة و الكمال غنیّا فی ذاته و صفاته عن غیره ، ثمّ اقتضى العلم الأصلح و الحكمة البالغة ابداع الموجودات و ایجاد الممكنات فخلقهم و أبدعهم على ما شاء و أراد ، و لمّا أفاض الوجود علینا و صرنا موجودین ظهر لنا بما أرانا فی الآفاق و الأنفس من عجایب قدرته و بدایع صنعته وجوده و علمه و قدرته و حكمته و ارادته و سایر صفاته الكمالیّة و علمنا علما یقینا جامعیّته لجمیع الكمالات الّتی هی

[ 220 ]

معنی إلهیّته ، كان قولا حقّا دلّنا علیه الكتاب المبین ، و أدلاّء الحقّ من الأنبیاء و المرسلین ، و الحجج المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین ، و هذا هو الاعتقاد الصواب الّذى نطق به السّنة و الكتاب فیجب أن یدان به و یرفض غیره و اللّه الهادى الى سواء السبیل الحقّ .

و منها قوله علیه السّلام : یخبر لا بلسان و لهوات ، و یسمع لا بخروق و أدوات ، یقول و لا یلفظ .

و هو مبطل لقولهم بأنّ الربّ یتكلّم و ینطق بلسان العبد و یسمع بسمعه لتجلّیه فیه و فی جوارحه عموما ، و قد مرّ بیان ذلك تفصیلا .

و صرّح محیى الدّین بذلك أى بأنّ كلامه كلامه خصوصا فی الفصّ العیسوى حیث قال فی تأویل قوله تعالى على رأیه الفاسد خطابا لعیسى : ءأنت قلت للناس اتّخذونى و امّی إلهین من دون اللّه ، ما نصّ عبارته :

« فقال و قدم التّنزیه سبحانك فحدّد بالكاف الّتی تقتضی المواجهة و الخطاب » .

قال القیصرى : أى نزّه الحقّ أولا عن مقام فیه و هو العبودیة المنعوتیة بالامكان و نقایصه اللازمة له ، و میّز بین مقام الالوهیّة و العبودیّة بكاف الخطاب و المواجهة كما خاطبه الحقّ بضمیر الخطاب ، و ذلك التّنزیه و التّمیز هو التحدید كما مر فی الفصّ النّوحی .

لذلك قال فحدّد بالكاف « ما یكون لی من حیث أنا لنفسی دونك أن أقول ما لیس لی بحقّ أى ما یقتضیه هویّتی و لا ذاتی » قد مرّ مرارا أنّ لكلّ موجود جهتین : جهة الربّوبیّة و جهة العبودیة ، و الثانی متحقّق بالأوّل فقوله : ما یكون لی أی لنفسی من جهة العبودیّة و الانانیّة مجرّدة من جهة الربّوبیّة و الهویّة الالهیّة ، أن أقول ما لیس لی بحقّ ثابت فی نفس الأمر ، و قوله : أی ما یقتضیه هویّتی و لا ذاتی تفسیر لقوله : ما یكون لی ، و معناه ما یقتضیه عینی و هویّتی أن یظهر بدعوى الالوهیّة من حیث نفسها المتعیّنة كالفراعنة و إلاّ ما كنت نبیّا و لا من المرسلین .

« ان كنت قلته فقد علمته لأنّك أنت القائل فی صورتی و من قال أمرا فقد علم

[ 221 ]

ما قال و أنت اللّسان الّذى أ تكلّم به » أی أنت القائل فی صورتى و أنت اللّسان الّذى أتكلّم به بحكم انّك متجلّى فى هویّتى و عینى ، و محلّ لها بتلك الكمالات « الكلمات ظ » ،

فهى لك فى الحقیقة و مالى إلاّ العدم ، فان قلت ذلك تكون أنت القائل و القائل لا بدّ أن یعلم القول الّذى صدر منه .

فان قلت : قوله : لأنّك أنت القائل ، یدلّ على أنّ الحقّ هو المتكلّم ، و قوله :

و أنت اللّسان الّذى أتكلّم به ، یدلّ على أنّ العبد هو المتكلّم لا الحقّ فبینهما منافاة .

قلت : الأوّل إشارة الى نتیجة قرب الفرایض ، و الثانى إلى نتیجة قرب النوافل و فى الأوّل المتكلّم هو الحقّ بلسان العبد ، و فى الثانى المتكلّم هو العبد بلسان الحقّ ،

فتغایرت الجهتان .

و لمّا فسّره بما هو مناسب الحدیث الرّبّانى قال « كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن ربّه فى الخبر الالهى فقال : كنت لسانه الّذى یتكلّم به فجعل هویّته عین لسان المتكلّم و نسب الكلام الى عبده » أى قال اللّه فى حقّ عبده ، فاذا أحببته كنت سمعه و بصره و لسانه فبى ینطق و بى یبصر و بى یسمع فالمتكلم و السّمیع و البصیر هو العبد لكن بالحقّ و ذلك لأنّ هذا المقام أى مقام الفناء فى الصّفات مقام نتیجة النوافل لا مقام الفناء فى الذّات مقام نتیجة الفرایض .

« ثمّ تمم العبد الصالح الجواب بقوله : تعلم ما فى نفسى » أى تعلم ما فى نفسى من هویتك و كمالاتك المتستّرة فى هویتى و ما یخطر فى خاطرى « و المتكلم الحقّ » أى و الحال أنّ المتكلم بهذا الكلم هو الحق من مقام تفصیله بلسان عیسى ، و التاء للخطاب إلى مقام جمعه فهو السامع كما أنه هو المتكلم « و لا أعلم ما فیها فنفى العلم عن هویة عیسى من هویته لا من حیث هو قائل و ذو أثر » أى نفى الحقّ المتكلم بلسان عیسى العلم عن هویة عیسى حتى لا یكون العلم بها ، و ذلك النفى من حیث هویته العدمیة لا من حیث قائل أو قادر فانه من هذه الحیثیة حق لا غیر ، و إنما قال و لا أعلم ما فیها و لم

[ 222 ]

یقل ما فى نفسك كما فى القرآن تنبیها على أنّ نفسه عین نفس الحقّ فى الحقیقة و إن كان غیره بالتعیّن ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .

أقول : فیا للّه و لهذین الجاهلین الضلیلین كیف یحرفون كلام اللّه و كلام رسوله عن مواضعه ثمّ یقولون هذا من عند اللّه و ما هو من عند اللّه ، و یؤوّلون آیات الكتاب المجید الواردة فى التوحید و التمجید و التنزیه من التشبیه و التحدید إلى كلمة الكفر و الشّرك و الضّلال زعما منهم أنّ هذا عین الاخلاص و التّوحید الذى غاب عن غیرهم ، و اختصّوا بعرفانه بالكشف و الشهود مع أنّه عین الشّرك و الالحاد و الجحود ، و ویل لمن كفّره نمرود .

قال قطب الدّین بن محیی الدّین الكوشكتارى و هو من أجلّ مشایخ الصّوفیة أیّما رجل من أهل الكشف وجدنا اسلوبه فی عبارته عن مكاشفاته یغایر اسلوب صاحب الوحی علمنا أنّه مدخول و كشفه معلول ، و أنّ الحرص و العجلة دعتاه إلى تركیب ما قذف فی قلبه من النّور البسیط و التصرّف فیه و التخلیط ، ثمّ إنّ هذا الاسلوب الذى انتشر فی الأرض من صاحبى الفصوص و النّصوص اسلوب هو عن المناسبة و المشابهة باسلوب صاحب الوحى بمعزل بالكلّیة ، فیحصل لنا بمقتضى ذلك القانون العلم بأنّهما معلولان و فى كشفهما مدخولان ، فیكون سبیلنا مع كلامهما و كتبهما الهجران ، انتهى .

و لنعم ما قال الفاضل الفیض ملاّ محسن القاسانی فی أواخر كتابه المسمّى بشارات الشّیعة ما عبارته :

هذا شیخهم الاكبر محیی الدّین ابن العربی و هو من أئمّة صوفیتهم و من رؤساء أهل معرفتهم یقول فی فتوحاته : إنّی لم أسأل اللّه أن یعرّفنی امام زمانی ، و لو كنت سألته لعرّفنی ، فاعتبروا یا اولى الأبصار .

فانه لما استغنى عن هذه المعرفة مع سماعه حدیث من لا یعرف امام زمانه مات میتة جاهلیة المشهور بین العلماء كافة كیف خذله اللّه و تركه و نفسه ، فاستهوته الشّیاطین فی أرض العلوم حیران ، فصار مع وفور علمه و دقّة نظره و سیره فى أرض

[ 223 ]

الحقایق و فهمه للأسرار و الدّقایق لم یستقم فى علم من علوم الشرایع ، و لم یعرض على حدودها بضرس قاطع ، و فی كلامه من مخالفات الشرع الفاضحة و مناقضات العقل الواضحة ما یضحك منه الصّبیان و تستهزء به النسوان كما لا یخفى على من تتبّع تصانیفه و لا سیّما الفتوحات خصوصا ما ذكره فى أبواب أسرار العبادات .

ثمّ مع دعاویه الطویلة العریضة فى معرفة اللّه و مشاهدته المعبود و ملازمته فى عین الشهود و تطوافه بالعرش المجید و فنائه فى التوحید تراه ذا شطح و طامات ،

و صلف و رعونات فى تخلیط و تناقضات تجمع الأضداد ، و فى حیرة محیّرة تقطع الأكباد ، یأتی تارة بكلام ذى ثبات و ثبوت ، و اخرى بما هو أوهن من بیت العنكبوت و فى كتبه و تصانیفه من سوء أدبه مع اللّه فى الأقوال ما لا یرضى به مسلم بحال ، فى جملة كلمات مزخرفة مخبّطة تشوّش القلوب و تدهش العقول و تحیّر الأذهان ، و كأنه كان یرى فى نفسه من الصور المجرّدة ما یظهر للمتخلّى فى العزلة فیظنّ أنّ لها حقیقة و هى له ، فكان یتلقّیها بالقبول و یزعم أنها حقیقة الوصول ، و لعله ربما یختلّ عقله لشدّة الریاضة و الجوع ، فیكتب ما یأتى بقلمه مما یخطر بباله من غیر رجوع ، انتهى .

و لعمرى أنه كلام فى شرح حال ابن العربى لیس فوقه كلام ، و هذا أیضا حال من حذا حذوه من تلامذته و متابعیه ، و مع هذا كله فالعجب كلّ العجب من ادّعائهم أنهم العارفون باللّه و أنّ غیرهم لمحجوبون مع أنهم الجاهلون الضالون المكذّبون للأنبیاء و المرسلین ، فویل لهم ثمّ ویل لهم مما كتبت أیدیهم و ویل لهم مما یكسبون .

و لو أردت البسط من مزخرفاتهم لخرجنا عن وضع الكتاب ، و فیما أوردناه من أحادیث الأئمة الأطهار و الأطیاب و نقلنا من خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام الواردة فى هذا الباب كفایة فى تسفیه أحلامهم ، و ابطال مقالهم لاولى الألباب .

و أكثر الخطب تضمنا لهذا الغرض الخطبة المأة و الخامسة و الثمانون التى نقلنا منها هنا أخیرا عدّة فقرات ، و من أراد زیادة البصیرة فلیراجع أصل الخطبة .

[ 224 ]

و تتلوها خطبة اخرى لأبى الحسن الرضا علیه السّلام و أكثر فقراتها و مضامینها مطابقة لخطبة جدّه سلام اللّه علیه و آله ، و لمّا كانت خطبته علیه السّلام متضمنة لزیادات نفیسة و نكات بدیعة خلت عنها خطبة أمیر المؤمنین علیه السّلام أحببت روایتها .

و النّاقد المتوقّد الخبیر المحیط خبرا بما قدّمناه من الأدلّة النّقلیة فی ابطال مقال هؤلاء الجهّال من أهل الضّلال إن لاحظ هذه الخطبة بنظر الدّقّة و الاعتبار ، و وصل إلى فحویها و عمق فی معناها عرف أنّها فی الحقیقة فذلكة تلك الأدلّة ، و أنّها قالعة لأساس بنیان مذهب الصّوفیّة أصابهم حاصب و لا بقى منهم آبر حتّى لا یذكر من هذا المذهب ذاكر ، و لا یسمر فیه سامر ، فأقول و باللّه التّوفیق :

روى المحدّث العلامة المجلسى فی البحار من التّوحید و العیون قال :

حدّثنا محمّدث بن الحسن بن الولید رضی اللّه عنه ، قال : حدّثنا محمّد بن عمرو الكاتب عن محمّد بن أبی زیاد القلزمی عن محمّد بن أبی زیاد الجدّى صاحب الصّلاة بجدّة ،

قال : حدّثنی محمّد بن یحیى بن عمر بن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام قال : سمعت أبا الحسن الرّضا علیه السّلام یتكلّم بهذا الكلام عند المأمون فی التّوحید .

قال ابن أبی زیاد : و رواه لى أیضا أحمد بن عبد اللّه العلویّ مولى لهم و خالا لبعضهم ، عن القاسم بن أیّوب العلوىّ أنّ المأمون لمّا أراد أن یستعمل الرّضا علیه السّلام جمع بنی هاشم فقال : إنّی ارید أن أستعمل الرّضا على هذا الأمر من بعدی فحسده بنو هاشم و قالوا تولّی رجلا جاهلا لیس له بصر بتدبیر الخلافة فابعث إلیه یأتنا فترى من جهله ما تستدلّ به علیه ، فبعث إلیه فأتاه فقال له بنو هاشم : یا أبا الحسن اصعد المنبر و انصب لنا نعبد اللّه علیه .

فصعد علیه السّلام المنبر فقعد ملیّا لا یتكلّم مطرقا ثمّ انتقض انتفاضة و استوى قائما و حمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على نبیّه و أهل بیته ثمّ قال :

أوّل عبادة اللّه معرفته ، و أصل معرفة اللّه توحیده ، و نظام توحید اللّه نفى الصّفات عنه ، لشهادة العقول أنّ كلّ صفة و موصوف مخلوق ، و شهادة كلّ موصوف

[ 225 ]

أنّ له خالقا لیس بصفة و لا موصوف ، و شهادة كلّ صفة و موصوف بالاقتران ،

و شهادة الاقتران بالحدث ، و شهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث فلیس اللّه من عرّف بالتشبیه ذاته ، و لا إیّاه و حدّ من اكتنهه ، و لا حقیقته أصاب من مثّله ، و لا به صدّق من نهّاه ، و لا صمد صمده من أشار إلیه ، و لا إیّاه عنى من شبّهه ، و لا له تذلّل من بعّضه ، و لا ایّاه أراد من توهّمه ، كلّ معروف بنفسه مصنوع ، و كلّ قائم فی سواه معلول ، بصنع اللّه یستدلّ علیه ، و بالعقول تعتقد معرفته و بالفطرة تثبت حجّته ، خلقة اللّه الخلق حجاب بینه و بینهم ، و مباینته إیّاهم مفارقته أینیتهم « انیّتهم » و ابتداؤه إیّاهم دلیلهم على أن لا ابتداء له ، لعجز كلّ مبتدء عن ابتداء غیره ، و أروه إیّاهم دلیلهم على أن لا أداة فیه ، لشهادة الأدوات بفاقة المادّین ، فأسماؤه تعبیر ، و أفعاله تفهیم ، و ذاته حقیقة ، و كنهه تفریق بینه و بین خلقه ، و غیوره تحدید لما سواه ، فقد جهل اللّه من استوصفه ، و قد تعدّاه من اشتمله ، و قد اخطأه من اكتنهه ، و من قال كیف فقد شبّهه ، و من قال لم فقد علّله ،

و من قال متى فقد وقّته ، و من قال فیم فقد ضمنه ، و من قال إلى م فقد نهّاه ، و من قال حتّى م فقد غیّاه ، و من غیّاه فقد غایاه ، و من غایاه فقد جزّاه ، و من جزّاه فقد وصفه ،

و من وصفه فقد الحد فیه ، لا یتغیّر اللّه بانغیار المخلوق كما لا یتحدّ بتحدید المحدود أحد لا بتأویل عدد ، و ظاهر لا بتأویل المباشرة ، متجلّى لا باستهلال رؤیة ، باطن لا بمزایلة ، مباین لا بمسافة ، قریب لا بمداناة ، لطیف لا بتجسّم ، موجود لا بعد عدم فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بجول فكرة ، مدبّر لا بحركة ، مرید لا بهمامة ، شاء لا بهمة ، مدرك لا بمجسّة ، سمیع لا بآلة ، بصیر لا بأداة ، لا تصحبه الأوقات ، و لا تضمنه الأماكن ، و لا تأخذه السنات ، و لا تحدّه الصفات ، و لا تفیده الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، و العدم وجوده ، و الابتداء أزله ، بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، و بتجهیره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، و بمضادّته بین الأشیاء عرف أن لا ضدّ له ، و بمقارنته بین الامور عرف أن لا قرین له ، ضادّ النور بالظلمة ، و الجلایة بالبهم ، و الجسوء بالبلل ، و الصرد بالحرور ، مؤلّف بین متعادیاتها ، مفرّق بین متدانیاتها ، دالّة بتفریقها

[ 226 ]

على مفرّقها ، و بتألیفها على مؤلّفها ذلك قوله عزّ و جلّ و من كلّ شی‏ء خلقنا زوجین لعلكم تذكّرون ففرّق بها بین قبل و بعد لیعلم أن لا قبل له و لا بعد ، شاهدة بغرایزها أن لا غریزة لمغرزها ، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها ، مخبرة بتوقیتها أن لا وقت لموقّتها ، حجب بعضها عن بعض لیعلم أن لا حجاب بینه و بینها غیرها ، له معنى الرّبوبیة إذ لا مربوب ، و حقیقة الالهیة إذ لا مألوه ، و معنى العالم و لا معلوم ، و معنى الخالق و لا مخلوق و تأویل السمع و لا مسموع ، و لیس مذ خلق استحقّ معنى الخالق ، و لا باحداثه البرایا استفاد معنى البرّائیّة ، كیف و لا تغیّبه مذ ، و لا تدنیه قد ، و لا یحجبه لعلّ ، و لا یوقّته متى ، و لا یشتمله حین ، و لا تقارنه مع ، إنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، و تشیر الآلة إلى نظایرها و فی الأشیاء یوجد فعالها ، منعتها مذ القدمة ، و حمتها قد الازلیة ، و جنبتها لو لا التّكملة ، افترقت فدلّت على مفرّقها ، و تباینت فاعربت عن مباینها ، بها تجلّى صانعها للعقول ، و بها احتجب عن الرّؤیة ، و إلیها تتحاكم الأوهام ، و فیها اثبت غیره ، و منها انیط الدّلیل ، و بها عرّفها الاقرار ، بالعقول یعتقد التّصدیق باللّه ، و بالاقرار یكمل الایمان به ، لا دیانة إلاّ بعد معرفة ، و لا معرفة إلاّ باخلاص . و لا إخلاص مع التّشبیه ،

و لا نفى مع إثبات الصّفات للتّشبیه « بالتشبیه خ ل » فكلّما فی الخلق لا یوجد فی خالقه ، و كلّما یمكن فیه یمتنع فی صانعه ، لا تجرى علیه الحركة و السكون ،

و كیف یجرى علیه ما هو أجراه ، و یعود فیه ما هو ابتداه ، إذا لتفاوتت ذاته ،

و لتجزّء كهنه ، و لامتنع من الأزل معناه ، و لما كان للبارى معنى غیر المبرء ،

و لو حدّ له وراء إذا حدّ له أمام ، و لو التمس له التّمام إذا لزمه النقصان ، كیف یستحقّ الأزل من لا یمتنع من الحدث ، و كیف ینشی‏ء الأشیاء من لا یمتنع من الانشاء ، إذا لقامت فیه آیة المصنوع ، و لتحول دلیلا بعد أن كان مدلولا علیه ،

لیس فی محال القول حجّة ، و لا فی المسألة عنه جواب ، و لا فی معناه له تعظیم ،

و لا فی إبانته من الخلق ضیم إلاّ بامتناع الأزلیّ ان یثنى ، و ما لا بدء له أن یبدء ،

لا إله إلاّ اللّه العلىّ العظیم ، كذب العادلون باللّه و ضلّوا ضلالا بعیدا ، و خسروا خسرانا مبینا ، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرین .

[ 227 ]

و رواه فى البحار أیضا من الاحتجاج مرسلا من قوله علیه السّلام : و كان المأمون لمّا أراد أن یستعمل الرّضا علیه السّلام إلى آخر الخبر .

و من أمالى الشّیخ عن المفید عن الحسن بن حمزة العلوى عن محمّد الحمیری عن أبیه عن ابن عیسى عن مروك بن عبید عن محمّد بن زید الطوسى الطبری قال : سمعت الرّضا علیه السّلام یتكلّم فی توحید اللّه فقال : أوّل عبادة اللّه معرفته إلى آخر الخطبة .

و من المجالس عن الحسن بن حمزة مثله بتغییر ما .

بیان

قال المحدّث العلامة المجلسیّ قد « ملیّا » أى طویلا و « الانتفاض » شبه الارتعاد و الاقشعرار .

قوله « أوّل عبادة اللّه معرفته » نظیر قول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الخطبة الاولى : أوّل الدّین معرفته ، أى أشرف عبادته و أقدمها زمانا و رتبة ، لأنّ طاعة المعبود بعد معرفة نفس المعبود ، و قال بعض المحقّقین : المراد بالعبادة هنا العبودیة أن كون العبد عبدا ، فانّه موقوف على معرفة المولى ، و أصل المعرفة التوحید إذ مع اثبات الشریك أو القول بتركّب الذّات ، أو زیادة الصّفات یلزم القول بالامكان المنافى للوجوب ، فالمشرك القائل بالتّعدد لم یعرف الواجب .

قوله « و نظام توحید اللّه نفی الصّفات عنه » قد عرفت معناه فی شرح الخطبة الاولى و نقول هنا إنّه علیه السّلام استدلّ على نفى الصّفات الزایدة بقوله « لشهادة العقول » إلى قوله « من الحدث » .

قال فی البحار : و یمكن تقریره بوجوه :

الأوّل أن یكون إشارة إلى دلیلین :

الأوّل أن كلّ صفة و موصوف لا بدّ أن یكونا مخلوقین لأنّ الصفة محتاجة إلى الموصوف لقیامها به و هو ظاهر ، و الموصوف محتاج إلى الصفة فی كماله و الصفة غیره و كلّ محتاج إلى الغیر ممكن ، فلا یكون شی‏ء منهما واجبا و لا المركب منهما ، فثبت احتیاجهما إلى علّة ثالثة لیس بموصوف و لا صفة و إلاّ

[ 228 ]

لعاد المحذور .

الثانی أنّ الصانع لا بدّ أن یكون كاملا أزلا و أبدا ، لشهادة جمیع العقول به ، فلا بدّ أن تكون الصّفات الزایدة مقارنة له غیر منفكة عنه ، و لا یجوز قدم الجمیع لبطلان تعدّد القدماء ، فیلزم حدوث الذّات و الصّفات معا ، فلا یكون شی‏ء منهما واجبا ، فالمراد بقوله : شهادة كلّ صفة و موصوف شهادة كلّ موصوف فرض صانعا و صفته أو الصّفات اللازمة للذّوات .

الوجه الثانی أن یكون إشارة إلى دلیلین على وجه آخر :

الأوّل أنّه لو كانت له صفات زایدة لكانت ممكنة لامتناع تعدّد الواجب ، و لا یجوز أن یكون الواجب موجدا لها إمّا لامتناع كون الشی‏ء قابلا و فاعلا لشى‏ء واحد ، أو لأنّ تأثیر الواجب فیها یتوقّف على اتّصافه بتلك الصّفات إذ لو لم یتوقف التّأثیر فی تلك الصّفات الّتى هى منشأ صدور جمیع الممكنات علیها لم یتوقّف التّأثیر فی شی علیها ، فلا یثبت له تعالى شی‏ء من الصّفات ، فیكون معلولة لغیره تعالى ، و من كانت جمیع صفاته الكمالیّة من غیره لا یكون واجبا صانعا لجمیع الموجودات بالضّرورة الثانی أنّ التّوصیف اقتران خاصّ یوجب الاحتیاج من الجانبین كما مرّ ،

و الاحتیاج موجب للحدوث المنافی للأزلیّة .

الوجه الثالث أن یكون راجعا إلى دلیل واحد .

و تقریره أنّه لو كانت الصّفات زایدة لكانت الذّات و الصّفات مخلوقة ، و هذا خلف ، و بین الملازمة بقوله : و شهادة كلّ صفة و موصوف بالاقتران بنحو ما مرّ من الاحتیاج المستلزم للامكان .

و قد یقرّر بوجه آخر و هو أنّ العقل مستقل بأنّ الموصوف و الصفة مخلوقان ،

لأنّ الذّات لو كانت عین الوجود و لم تكن محدودة بحدّ معیّن لم تكن فاقدة لجهة من جهات الكمال الطاریة علیها ، و لم یتمیّز الموصوف عن الصّفة حینئذ ،

و كلّ محدود محتاج إلى محدّد غیره ، و ذلك الغیر لا بدّ أن یكون أحدىّ

[ 229 ]

الذّات منزّها عن الحدّ .

قوله علیه السّلام « فلیس اللّه من عرّف بالتّشبیه ذاته » أى لیس من عرّف ذاته بالتّشبیه بالممكنات واجبا ، لأنّه یكون ممكنا مثلها .

قوله « و لا إیّاه عنى من اكتنهه » أى من بین كنه ذاته أو أراد الوصول إلى كنهه ، إذ لو كان یعرف كنهه لكان شریكا مع الممكنات فی التّركیب و الصفات الامكانیّة و هو ینافی التّوحید ، و بعبارة اخرى معرفة الكنه إنّما تحصل بالاحاطة بالحدود من الأجناس و الفصول ، و قد عرفت أنّه سبحانه منزّه عن الحدّ ، فغایة معرفته تعالى أنّا لا نعرفه بل نقول : إنّ الاحاطة بأنواع الممكنات على كثرتها و الاطلاع على شؤناتها الغیر المتناهیة غیر ممكنة ، مع أنّها محدودة فكیف بالذات المنزّهة عن الحدّ .

قوله « و لا حقیقته أصاب من مثّله » أى جعل له شخصا و مثالا قال الفیروز آبادى : مثّله تمثیلا صوّره له حتّى كأنّه ینظر إلیه ، أو المراد من مثّله فی ذهنه و جعل الصّورة الذهنیّة مثالا له ، أو المراد أثبت له مثلا و شبّهه بغیره ، و قد تقدّم فی شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثّمانین تحقیق تنزّهه من الشّبه و المثل .

قوله « من نهّاه » بالتّشدید أى جعل له حدّا و نهایة ، و من جعله كذلك لم یصدّق بوجوده بل بممكن غیره .

قوله « و لا صمد صمده » أى قصد نحوه « من أشار إلیه » و قد مرّ تحقیق ذلك أیضا فی شرح الخطبة المذكورة .

قوله « و لا له تذلل من بعّضه » أى من أثبت أجزاء و أبعاضا فهو فی عبادته و عبودیّته لم یتذلّل للحقّ المنزّه عن ذلك ، بل عرفه و هو غیره .

و قوله « و لا إیّاه أراد من توهّمه » أى من تخیّل له فی نفسه صورة أو هیئة و شكلا ، فانّ ما میّزه بوهمه مخلوق له مصنوع مثله .

و قوله « كلّ معروف بنفسه مصنوع و كلّ قائم فی سواه معلول » قد تقدّم تحقیقه فی شرح الخطبة المذكورة ، و لما ذكر عدم إمكان معرفته بنفسه اتبعه

[ 230 ]