بقوله « بصنع اللّه یستدلّ علیه » إشارة إلى أنّ طریق معرفته هو الاستدلال علیه بآثاره و صنایعه فقط .

و قوله « بالفطرة تثبت حجّته » أى بأن فطرهم و خلقهم خلقة قابلة للتصدیق و الاذعان و المعرفة و الاستدلال ، أو بتعریفهم فی المیثاق و فطرهم على ذلك التّعریف .

و قوله « خلقة اللّه الخلق حجاب بینه و بینهم » أى كونه خالقا و أنّ الخالق لا یكون بصفة المخلوق و یكون مباینا له فی الصّفات صار سببا لاحتجا به عن الخلق فلا یدركونه بحواسّهم و عقولهم و الحاصل أنّ كماله و نقص مخلوقیة حجاب بینه و بینهم ، و بتقریر آخر لما خلق اللّه الخلق محدودا و كان سبحانه منزّها عن الحدّ حسبما عرفت سابقا أوجب تحدّدهم و تنزّهه الاحتجاب .

و الحاصل أنّ المخلوقیّة علّة تامّة للاحتجاب ، لأنّ الاشتمال على الحدّ من لوازم ذات المخلوق فیستحیل إلقاؤه للحدّ و وصوله إلى مرتبة الواجب أو اشتمال الواجب على الحدّ و تنزّله على مرتبة الممكن ، فیبطل ما قاله الصوفیّة من ترقّى المخلوق إلى مرتبة الخالق ، و تنزّل الخالق إلى مرتبة المخلوق فی قوس الصعود و النزول و احتجاب كلّ منهما بالآخر حسبما قدّمنا حكایته عن كلام محیى الدین فی الفصّ الابراهیمى و غیره .

و قوله « و مباینته إیّاهم مفارقته إینیّتهم » أى مباینته تعالى لیس بحسب المكان حتّى یكون فی مكان و غیره فی مكان آخر بل إنّما هى بأن فارق أینیّتهم فلیس له أین و مكان و هم محبوسون فی مطمورة المكان ، أو المعنى أنّ مباینته لمخلوقیه فی الصّفات صار سببا لأن لیس له مكان .

و رواه بعض مشایخنا المعاصرین : مفارقته إنیّتهم أى تحقّقهم و وجودهم یعنى أنّ مفارقة الخالق للمخلوقات لیس كافتراق المخلوقات بعضها عن بعض ، لأنّ مفارقتها إنّما هو بالحدود الممیّزة و إنما هو بمعنى أجلّ و أعلى و هو مفارقة وجوده

[ 231 ]

من حیث تنزّهه عن الحدّ لوجودها من حیث اشتمالها على الحدود ، و هذا أیضا مبطل لقولهم : بأنّ الخلق عین الحقّ و الحقّ عین الخلق كما عرفت سابقا .

قوله « و أدوه إیّاهم دلیل على أن لا أداة فیه » أى جعلهم ذوى أدوات یحتاجون إلیها فی الأعمال من الأعضاء و الجوارح و القوى دلیل على أنّه لیس فیه شی‏ء منها ، لشهادة الأدوات فیما یشاهد فی المادّین بفاقتهم و احتیاجهم إلیها ، و هو منزّه عن الاحتیاج ، أو المعنى أنّ الأدوات الّتی هی أجزاء للمادّین تشهد بفاقتهم إلى موجد لكون كلّ ذى جزء محتاجا ممكنا فكیف تكون فیه تعالى .

قوله « فأسماؤه تعبیر » أى لیست عین ذاته و صفاته حسبما یزعمه الصوفیة على ما عرفت بل هى معبّرات عنها « و أفعاله تفهیم » لیعرفوه و یستدلوا بها على وجوده و علمه و قدرته و حكمته و رحمته .

قوله « و ذاته حقیقة » أى حقیقة مكنونة عالیة لا تصل إلیها العقول ، بأن یكون التنوین للتفخیم أو جدیرة بأن تتّصف بالكمالات دون غیرها أو ثابتة واجبة لا یعتریها التغیّر و الزّوال .

قوله « و كنهه تفریق بینه و بین خلقه » لعلّ الغرض بیان أنه لا یشترك فى ذاتى مع الممكنات بأبلغ وجه ، أى كنهه یفرق بینه و بینهم لعدم اشتراكه معهم فى شى‏ء ،

هكذا قال فى البحار ، و الأظهر أنّ المراد به هو المراد بقوله المتقدّم : مباینته إیاهم مفارقته إنیّتهم أى انه سبحانه بذاته مفارق لهم لأن كنهه هو التنزّه من الحدّ و كنه المخلوق الاكتناف بالحدود .

و یؤیّد ذلك قوله « و غیوره تحدید لما سواه » أى مغایرته له أوجب التحدید ،

یعنی أنّ مغایرته لما سواه لیس كمغایرة ما سواه من المخلوقات بعضها ببعض ، فانّ مغایرتها بالحدود الذّاتیّة و مغایرة الحقّ لها إنّما هو بالتّنزّه من الحدّ لا غیر .

و قوله « من استوصفه » أى طلب وصف كنهه أو سأل عن الأوصاف و الكیفیّات الجسمانیّة فقد جهل عظمته .

و قوله « و قد تعدّاه من اشتمله » أى تجاوز عنه و لم یعرفه من توهّمه شاملا

[ 232 ]

لنفسه ، فیكون ردّا على القول بالحلول و الاتّحاد كما هو مذهب الصّوفیّة ، و فی بعض النسخ أشمله أى جعله شاملا أو مشمولا و على التقدیرین ففیه أیضا دلالة على بطلان مذهبهم .

قوله « و قد أخطأه من اكتنهه » أى من توهّم أنّه عرف كنهه فقد أخطأ خطاء عظیما .

قوله « و من قال كیف فقد شبّهه » أى من سأل عن الكیفیّات الجسمانیّة فقد شبّهه بخلقه فی التكیّف بالكیفیّة « و من قال لم فقد علّله » أى لم صار قادرا و عالما أو لم صار موجودا فقد علّل ذاته و صفاته ، و لیس لذاته و صفاته علّة و إنّما هو تعالى علّة العلل « و من قال متى فقد وقّته » لأنّ متی سؤال عن نسبة الشی‏ء إلى الزّمان فمن قال متى كان فقد وقّت أوّل وجوده و لیس له أوّل « و من قال فیم فقد ضمّنه » أی من سأل أنّه فی أیّ شی‏ء فقد جعله فی ضمن ذلك الشی‏ء و جعل ذلك الشی‏ء متضمّنا له و هو من خواص الأجسام و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك « و من قال إلى م فقد نهّاه » أی إلى أیّ شی‏ء ینتهى شخصه فقد جعله ذا نهایة و انقطاع « و من قال حتّى م » یكون وجوده « فقد غیّاه » أی جعل لبقائه غایة و نهایة « و من غیّاه فقد غایاه » أى من جعل له غایة فقد حكم باشتراكه مع المخلوقین فی الفناء فیصحّ أن یقال غایته قبل غایة فلان أو بعده « و من غایاه فقد جزّاه » أی من حكم باشتراكه مع المخلوقین و لو فی الجملة فقد جزّاه ،

لأنّ ما به الاشتراك غیر ما به الامتیاز ، فلا بدّ أن یكون ذا أجزاء بعضها جهة امتیاز و بعضها جهة اشتراك .

و یحتمل أن یكون المراد أنّ السائل عنه تعالى بحتّام توهّم فی حقّه الغایة و النهایة و المتوهّم فى حقّه الغایة جعله ذا نهایة ینتهى إلیها و الجاعل له النهایة جعله مركبا من الأجزاء ، إذ النهایة من لوازم الكم المتصل و المنفصل و المتكمم المشتمل على الأجزاء ، و بعبارة اخرى الغایة و النهایة من عوارض الأجسام و ذات الأوضاع و المقادیر و الأجزاء .

« و من جزّاه » أى أثبت له الجزء « فقد وصفه » بصفة الامكان و أثبت له صفات

[ 233 ]

الممكنات المتجزّأة و من حكم بذلك فقد ألحد فی ذاته .

و قوله « لا یتغیّر اللّه بانغیار المخلوق كما لا ینحدّ بتحدید المحدود » أى لیس التغیّرات التی تكون فی مخلوقاته موجبة للتغیّر فى ذاته و صفاته الحقیقیة ، بل انما التغیّر فى الاضافات الاعتباریة كما أنّ خلقه للمحدودین حدودا لا یوجب كونه متحدّدا بحدود مثلهم .

و یحتمل أن یكون المراد أنه لا یتغیّر كتغیّر المخلوقین و لا ینحدّ كتحدّد المصنوعین المحدودین ، أی لا یتغیّر بمثل تغیّرهم و لا ینحدّ بمثل تحدّدهم ، و المعنى الأوّل أظهر و یؤیده ما فى روایة المجالس : لا یتغیّر اللّه بتغیّر المخلوق و لا یتحدّد بتحدّد المحدود .

و قال بعض مشایخنا المحقّقین دام تأییده من اللّه : إنّ المراد به أنّ مغایرة المخلوق للخالق و قبوله للغیریة و انفعاله بذلك لا یوجب التغیّر فیه أصلا إذ لم یحدث فیه جهة موجبة لمغایرته لمخلوقه ، بل كان كما كان و إنما حصلت الغیریة فى المخلوق و تمیز عن الخالق من أجل اتّصافه بالحدود و تحدّد كلّ نوع منه بحدّ مخصوص ،

و الواجب لم یخصّص بحدّ یوجب المغایرة و التمیّز به عن المخلوق و قوله كما لا ینحدّ آه بمنزلة الدّلیل على ذلك ، لأنّ التغیّر بانغیار المخلوق إنما ینتزع من الاختصاص بحدّ مخصوص فى قبال الحدّ الّذى فى المخلوق ، كما أنّ تغایر المخلوقات بعضها ببعض على ذلك الوجه أی من جهة أنّ لكلّ منها حدّا مخصوصا لیس فى الآخر ،

و اللّه سبحانه لمّا كان منزّها عن الحدّ لا یوجب انغیار المخلوق الحاصل له من الاكتناف بالحدود تغیّره البتّه .

و محصّله ما قاله أمیر المؤمنین فى الخطبة المأة و الخامسة و الثمانین : و خرج بسلطان الامتناع من یؤثّر فیه ما یؤثّر فى غیره .

و قوله « أحد لا بتأویل عدد » یعنى أنّه أحدىّ الّذات بسیط الحقیقة لا جزء له ذهنا و عقلا و خارجا ، أو أنه واحد لیس كمثله شى‏ء و لیست وحدته وحدة عددیّة لأنّ ما لا ثانى له لا یدخل فى باب الأعداد .

و قوله « ظاهر لا بتأویل المباشرة » أى لیس ظهوره بأن یباشره حاسّة من الحواسّ

[ 234 ]

أو لیس ظهوره بأن یكون فوق جسم یباشره كما یقال : ظهر على السّطح ، بل هو ظاهر بآثاره غالب على كلّ شى‏ء بقدرته .

و قوله « متجلّى لا باستهلال رؤیة » أی ظاهر لیس ظهوره من جهة الرؤیة .

و قوله « باطن لا بمزایلة » أی لیس بطونه بمفارقة مكان بأن انتقل من مكان إلى مكان فخفى عنهم ، أو بأن دخل فى بواطنهم حتّى عرفها بل لخفاء كنهه عن عقولهم و علمه ببواطنهم و أسرارهم .

و قوله « مباین لا بمسافة » أی لیس مباینته لبعده بحسب المسافة عنهم بل لغایة كماله و تمامه و نقصانهم و افتقارهم باینهم فى الذّات و الصّفات .

و قوله « قریب لا بمداناة » أى لیس قربه قربا مكانیا بالدّنوّ من الأشیاء ، بل بالعلم و الغلبة و التربیة و الرّحمة .

و قوله « لطیف لا بتجسم » أى لیس لطفه بكونه جسما له قوام رقیق أو حجم لطیف أو تركیب غریب و صنع عجیب ، بل لخلقه الأشیاء اللطیفة و علمه بها أو لتجرّد ذاته .

و قوله « فاعل لا باضطرار » أی هو فاعل مختار لیس بموجب .

قوله « مقدّر لا بجول فكرة » أی لیس فی تقدیره للأشیاء محتاجا إلى جولان الفكر .

قوله « مدبّر لا بحركة » أى لیس فى تدبیره محتاجا إلى حركة ذهنیة أو بدنیّة قوله « مرید لا بهمامة » أى بعزم و اهتمام .

قوله « شاء لا بهمة » أى ذو مشیة لا بهمة و قصد و عزم .

قوله « مدرك لا بمجسة » أى لیس إدراكه بحسّ الید و لمسها أو بالتجسّس و التفحّص .

قوله « لا تصحبه الأوقات » لكونه منزّها من الزّمان .

و قوله « لا تضمنه » بحذف إحدى التائین .

قوله « و لا تأخذه السّنات » كما قال تعالى لا تأخذه سنة و لا نوم ، لأنّهما من خواص الطبیعیة الحیوانیّة .

قوله « و لا تحدّه الصّفات » أی لا تحدّه صفات الواصفین كما قال أمیر المؤمنین علیه السّلام الحمد للّه الّذى لا یبلغ مدحته القائلون .

[ 235 ]

قوله « و لا تفیده الأدوات » أی لا ینتفع بها و لا یحتاج فی صنعه إلى الاستفادة منها كما هو شأن المخلوق .

و قوله « سبق الأوقات كونه » إلى قوله « لا مشعر له » قد مضى تحقیق ذلك كلّه فی شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانین فلیراجع ثمة .

و قوله « بتجهیره الجواهر عرف أن لا جوهر له » أی بتحقیق حقایقها و ایجاد مهیّاتها عرف أنّها ممكنة و كلّ ممكن محتاج إلى مبدء فمبدء المبادى لا یكون حقیقة من هذه الحقایق .

و قوله « و بمضادّته بین الأشیاء » إلى قوله « لا قرین له » قد تقدّم تحقیقه أیضا فی شرح الخطبة المذكورة و لا حاجة إلى الاعادة و كذا تقدّم هناك معنی قوله « ضادّ النّور بالظلّمة و الجلایة بالبهم » إلاّ أنّ هناك و الوضوح بالبهمة ، بدله .

و قوله « و الجسوء بالبلل » قال الفیروزآبادی : جسأ جسوء صلب و جسئت الأرض فهی مجسوءة من الجساء و هو الجلد الخشن و الماء الجامد و فی الخطبة المذكوة :

و الجمود بالبلل ، بدله .

و قوله « و الصّرد بالحرور » الصّرد بفتح الرّاء و سكونها البرد فارسیّ معرّب و الحرور بضمّ الحاء الحرارة و بفتحها الرّیح الحارّة .

و قوله « مؤلّف بین متعادیاتها » إلى قوله « على مؤلّفها » قد تقدّم تحقیقه أیضا فی شرح الخطبة المذكورة .

و قوله : « ذلك قوله عزّ و جلّ : و من كلّ شی‏ء خلقنا زوجین لعلّكم تذكّرون استشهاد لكون التّألیف و التّفریق ، دالّین على الصّانع بالتّقریب الّذى قدّمناه فی شرح الخطبة المذكورة و قال بعض المفسّرین : المراد بالشی‏ء الجنس و أقلّ ما یكون تحت الجنس نوعان ، فمن كلّ جنس نوعان كالجوهر فمنه المادّى و المجرّد ، و من المادّى الجماد و النّامی و من النّامى النّبات و المدرك الصّامت و النّاطق ، و كلّ ذلك دلیل على أنّه واحد لا كثرة فیه و قیل : كلّ موجود دون اللّه ففیه زوجان اثنان :

كالمهیّة و الوجود ، و الوجوب و الامكان ، و المادّة و الصورة ، و الجنس و الفصل ،

[ 236 ]

و أیضا كلّ ما عداه یوصف بالمتضایفین كالعلیّة و المعلولیّة و القرب و البعد و المقارنة و المباینة و التألّف و التّفرّق و المعاداة و الموافقة و غیرها من الامور الاضافیّة فقوله :

لعلّكم تذكّرون أی تعرفون من اتّصاف كلّ مخلوق بصفة التركیب و الزّوجیّة و التّضایف أنّ خالقها واحد أحد لا یوصف بصفاتها .

و قوله « لیعلم ان لا قبل له و لا بعد » یدلّ على عدم كونه تعالى زمانیّا ، و یحتمل أن یكون المعنى عرفهم معنى القبلیة و البعدیّة لیحكموا أن لیس شی‏ء قبله و لا بعده .

و قوله « شاهدة بغرائزها أن لا غریزة لمغرّزها » أى شاهدة بطبایعها على أن لا طبیعة لموجد طبایعها و مفیضها علیها ، و یمكن حملها و أمثالها على الجعل البسیط « و المفاوت » بصیغة الفاعل من جعلها بینها التّفاوت « و توقیتها » تخصیص حدوث كلّ منها بوقت معیّن و بقائها إلى وقت معیّن .

و قوله « حجب بعضها عن بعض » أى بالحجب الجسمانیّة أو الأعمّ لیعلم أنّ ذلك نقص و عجز و هو منزّه عن ذلك ، بل لیس لهم حجاب عن الرّب إلاّ أنفسهم لامكانهم و نقصهم و قال بعض المحقّقین : المراد أنّه قد قرّر لكلّ واحد من الممكنات حدا معیّنا لا یتعدّاه ، فلا یمكن أن یكون أحدها عین الآخر ، و بذلك یعلم أن لا حجاب بین المخلوق و بین الخالق إلاّ نفس المخلوق ، لأنّ المخلوق محدود و الخالق منزّه عن الحدّ فالحجاب فی جهة المخلوق لا فی جهة الخالق .

قوله « له معنى الرّبوبیّة » إلى قوله « معنى البرّائیّة » قد تقدّم معناها قریبا فی أواخر ذكر الأدلة النّقلیّة .

و قوله « كیف و لا تغیّبه مذ » أى كیف لا یكون مستحقّا لهذه الأوصاف و الأسماء فی الأزل و الحال أنّه لا یصیر كلمة مذ الموضوعة لأوّل الزّمان سببا لأن یغیب عنه شی‏ء ، فانّ الممكن إذا كان قبل ذلك المبدء أو بعده یغیب هذا عنه ، و اللّه تعالى جمیع الأشیاء مع أزمنتها حاضرة فی علمه فی الأزل ، أو أنّه لیس لوجوده زمان حتّى یغیب عن غیره فیقال مذ كان موجودا كان كذا .

« و » لمّا لم یكن زمانیّا « لا تدنیه كلمة قد » الّتی هى لتقریب الماضى إلى الحال

[ 237 ]

أو لیس فی علمه شدّة و ضعف حتّى تقر به كلمة قد الّتی للتّحقیق الى العلم بحصول شی‏ء « و لا تحجبه كلمة لعلّ » الّتی هى لترّجى أمر فی المستقبل ، أى لا یخفى علیه الامور المستقبلة « و لیس له أوّل » وقت « حتّى یقال له متى » وجد أو متى علم أو متى قدر و هكذا « و لا یشتمله حین و لا زمان » لأنّه خالق الحین و الزّمان فكیف یكونان شاملین له و محیطین به « و لا تقارنه مع » أى لا یوجب كلمة مع المفیدة للمصاحبة اقترانه بالأشیاء زمانا أو مكانا ، و لذلك قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : فی الخطبة الاولى :

مع كلّ شى‏ء لا بمقارنة ، أى معیّته للأشیاء لیست بعنوان المقارنة الّتی فی المخلوقات بل بالعلم و الاحاطة و القیومیّة و التّربیة .

و قوله « إنّما تحدّ الأدوات أنفسها » إلى قوله « لو لا التّكملة » قد تقدّم شرح هذه الفقرات و تحقیقها فی شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثّمانین بما لا مزید علیه .

و قوله « افترقت فدّلت على مفرّقها » أى افترقت الأدوات و الآلات باختصاص إدراك كلّ منها بنوع خاصّ من المدركات ، او اختصاص كلّ منها بحدّ مخصوص ،

فدلّت على مفرّق فرّقها و خصّصها بحدّ مخصوص .

و قوله « و تباینت فاعربت عن مباینها » أى تباینت بعضها مع بعض لاختصاص كلّ منها بوضع خاصّ فأظهرت عن صانعها الموجد للمباینة بینها أو عن صانعها المباین لها فی الصّفات و فی التّنزه عن الحدّ كما قال تعالى : و من آیاته اختلاف ألسنتكم و ألوانكم .

و قوله « بها تجلّی صانعها للعقول و بها احتجب عن الرّؤیة » قد تقدّم معناهما أیضا فی شرح الخطبة المذكورة ، و قال العلامة المجلسىّ : أى بالعقول احتجب عن الرّؤیة لأنّ الحاكم بامتناع رؤیته هو العقل ، و إلى العقل تتحاكم الأوهام عند اختلافها .

قوله « و فیها أثبت غیره » أى كلّما یثبت و یرتسم فی العقول أو فی المشاعر فهو غیره ، و یحتمل أن یكون غیره مصدرا بمعنى المغایرة أى بالعقول یثبت مغایرته

[ 238 ]

تعالى للممكنات ، و یمكن إرجاع الضّمیر إلى الأوهام أى القول بالشریك له تعالى فعل الوهم لا العقل لكن فیه تفكیك .

و قوله « و منها انیط الدّلیل » أى من العقول یستنبط الدلیل على الخالق « و بها عرّفها الاقرار » أى بالعقول عرّف اللّه العقول أو ذویها الاقرار به عزّ و جلّ .

و قوله « لا دیانة إلاّ بعد معرفة » مثل قول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الخطبة الاولى : أوّل الدّین معرفته ، أى لا تدیّن بدین للّه إلاّ بعد معرفة اللّه « و لا معرفة إلاّ باخلاص » أى باخلاص الحقّ مما لا یلیق بذاته المقدّسة من نقایص الامكان « و لا إخلاص مع التّشبیه » له بمخلوقاته فی الذّات و الصّفات « و لا نفى » للتّشبیه « مع إثبات الصّفات » الزایدة على الذّات .

فقوله « للتّشبیه » متعلّق بالنّفی أى لم ینف التّشبیه من أثبت له الصّفات الزّایدة ، و فی بعض النسخ بالتّشبیه بدل قوله للتّشبیه أى بنفى التّشبیه المستفاد من قوله : و لا إخلاص مع التّشبیه ، فالمراد أن لا نفى له مطلقا بنفى التّشبیه أى لا یلزم النّفى المطلق مع إثبات الصّفات الكمالیّة له على وجه لا یستلزم النّقص بنفى تشبیه لغیره كما نقول : شی‏ء لا كالأشیاء و عالم لا كعلم المخلوق و قادر لا كقدرتنا و هكذا ، فیكون إشارة إلى وجوب إخراجه عن حدّ النّفى و حدّ التشبیه .

و قوله « فكلّما فی الخلق لا یوجد فی خالقه و كلّما یمكن فیه یمتنع فی صانعه » تفریع على ما سبق و تصریح بتنزّهه عن مشابهة مخلوقاته و نصّ فی ابطال مقال الصوفیّة القائلین بأنّ جمیع ما للمخلوقات من الصّفات فهى صفات الخالق ،

لأنّهم مظاهر الحقّ و مجالیه حسبما عرفت فیما سبق .

و قوله « و لا یجرى علیه الحركة و السكون » إلى قوله « لزمه النقصان » قد تقدّم تحقیق معانى هذه الفقرات فی شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانین أیضا .

و قوله « كیف یستحقّ الأزل من لا یمتنع من الحدث » استفهام فی معرض الانكار أى لو التمس التّمام و الاستكمال بالغیر لزم اتّصافه بالكمالات الحادثة و عدم امتناعه من أن یحدث فیه تلك الحوادث ، و من كان كذلك و كان محلاّ للحوادث

[ 239 ]

لا یكون أزلیّا واجب الوجود .

و قوله « و كیف ینشى‏ء الأشیاء من لا یمتنع من الانشاء » و هو أیضا فی معرض الانكار ، أى لو التمس التّمام لاحتاج فی تمامیّته إلى غیره لینشی‏ء له صفات الكمال الموجبة لتمامه و كماله ، و من كان كذلك كان ممكنا فلا یمكن أن یكون منشئا للأشیاء أى الممكنات جمیعا لأنّ إنشاءها من شأن الواجب .

ثمّ استدلّ علیه السّلام على جمیع ما تقدّم بقوله « إذا لقامت فیه آیة المصنوع و لتحول دلیلا بعد ما كان مدلولا علیه » أى لو كانت فیه تلك الحوادث و التغیّرات و إمكان الحدوث لقامت فیه علامة المصنوع و لكان دلیلا على وجود صانع آخر غیره كسایر الممكنات لاشتراكه معهم فی صفات الامكان و ما یوجب الحاجة إلى العلّة لا مدلولا علیه بأنّه صانع .

و قوله « لیس فی محال القول حجّة » أى لیس فی إثبات هذا القول المحال أى إثبات الحوادث و الصّفات الزّایدة له حجّة « و لا فی المسألة عنه » أى فی السّؤال عن هذا القول لظهور خطائه و بطلانه « جواب و لا فی معناه له تعظیم » أى فی إثبات معنى هذا القول له تعالى و توصیفه بصفات الممكنات تعظیم له بل هو نقص فی حقّه حسبما عرفت « و لا فی ابانته من الخلق » و تنزیهه من صفاتهم « ضیم » أى نقص و ظلم فی حقّه تعالى شأنه « إلاّ بامتناع الأزلى أن یثنى و ما لا بدء له أن یبدء 1 » أى لا نقص له فی ابانته من خلقه إلاّ بأنّ الأزلى یمتنع من الاثنینیّة و بأنّ ما لا بدء أى لا مبدء له یمتنع من أن یبدء و یكون له مبدء ، و ما نسبوه إلیه تعالى ممّا مرّ مستلزم لكونه تعالى ذا مبدء و علّة .

و الحاصل أنّه لا یتصوّر فی تفریقه تعالى من خلقه و من صفاتهم ظلم و نقص له تعالى إلاّ بهذا الوجه و الحال أنّه لیس بظلم أصلا و لا نقص ، بل هو عین الكمال ،

و الاستثناء فی قوله علیه السّلام كما فی قول الشاعر :

-----------
( 1 ) عطف على الأزلى ، منه .

[ 240 ]

و لا عیب فیهم غیر أنّ سیوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب

و هو من قبیل إخراج المدح بما یشبه الذّم و قوله « كذب العادلون باللّه » أى الجاعلون له عدیلا و شبیها و تعالى اللّه سبحانه عمّا یقول الظالمون علوّا كبیرا .

و أقول : یا اولى الألباب و الضمایر و ذوى الأبصار و البصایر إن تدبّرتم فی معانى هذه الخطبة الشّریفة حقّ التّدبّر وجدتموها كنزا مشحونا بأنواع الدّر و الجواهر ، و بحرا موّاجا فی علم التّوحید لیس له ساحل ، و لو استقصیتم فیها النّظر و بذلتم عمیقات الفكر عرفتم أنّ كلّ فقرة من فقراتها دلیل مستقلّ فی بطلان مقالات أولیاء الشیطان و اخوان عبدة الأوثان الزّاعمین أنهم أهل الیقین و العرفان ، و الخلّصون فی التّوحید و المعرفة و الایمان لقولهم بوحدة الوجود ،

و أن لیس غیره فی الحقیقة بموجود ، و ذلك ظنّ الّذین كفروا فویل للّذین كفروا من النّار .

ثمّ أقول : أنت إذا أحطت خبرا بما قدّمنا علمت فساد القول بوحدة الوجود و سخافة ما یترتب على تلك الشّجرة الملعونة من الثّمرات الخبیثة ، و عرفت أنّ وجوده سبحانه وجود خاصّ به قائم بذاته ممتاز عن سایر الموجودات بنفس ذاته و بكونه مبدء للكلّ و هو أیضا نفس ذاته و ممتاز عن المهیّات بكونه وجودا خاصّا بخلاف شی‏ء من المهیّات ، فانّه لیس وجودا أصلا لا خاصا و لا مطلقا ، فلیس له تعالى مهیّة و حقیقة یشارك بها شیئا من الممكنات ، فلا یحتاج إلى ممیّز ذاتىّ یمیّزه عمّا به المشاركة الذّاتیّة مع غیره ، فحقیقته هویّة بسیطة و وجود خاصّ ممتاز عن كلّ ما سواه بتجرّده و تنزّهه من الحدود ، و یكون كلّ ما سواه محدودا ،

و لنقتصر فی هذه المسألة على ذلك و لنعد إنشاء اللّه تعالى إلى ذكر سایر عقایدهم الفاسدة ، فأقول و باللّه التوفیق و الاعتماد .

[ 241 ]

و منها

قولهم : بأنّ الكفّار غیر مخلّدین فی النّار .

و هو خلاف اجماع المسلمین ، و خلاف ما دلّت علیه آیات الكتاب المبین و أخبار الحجج المعصومین .

قال ابن العربی فی الفصّ الیونسى من الفصوص « و أمّا أهل النّار فمآلهم إلى النعیم و لكن فی النّار إذ لا بدّ لصورة النّار بعد انتهاء مدّة العقاب أن یكون بردا و سلاما على من فیها و هذا نعیمهم فنعیم أهل النّار بعد استیفاء الحقوق نعیم خلیل اللّه حین القى فی النّار » .

قال القیصری : أى و مآل أهل النّار إلى النعیم المناسب لأهل الجحیم إمّا بالخلاص من العذاب أو الالتذاذ به بالتعوّد أو تجلّى الحقّ فی صورة اللطف فی عین النّار كما جعل النّار بردا و سلاما على إبراهیم ، و لكن ذلك بعد انتهاء مدّة العقاب كما جاء ینبت فی قعر جهنّم الجرجیر 1 و ما جاء نصّ بخلود العذاب بل جاء الخلود فی النّار و لا یلزم منه خلود العذاب .

و قال القیصری أیضا فی شرح الفصّ الهودى : و اعلم أنّ كلّ من اكتحلت عینه بنور الحق یعلم أنّ العالم بأسره عباد اللّه و لیس لهم وجود و صفة و فعل إلاّ باللّه و حوله و قوّته ، و كلّهم محتاجون إلى رحمته و هو الرّحمن الرّحیم و من شأن من هو موصوف بهذه الصّفات أن لا یعذّب أحدا عذابا أبدا و لیس ذلك المقدار من العذاب أیضا إلاّ لأجل ایصالهم إلى كمالاتهم المقدّرة لهم كما یذهب الذّهب و الفضة فی النّار لأجل الخلاص ممّا یكدّره و ینقّص عیاره ، فهو متضمّن لعین اللطف و الرّحمة كما قیل :

و تعذیبكم عدل و سخطكم رضى
و قطعكم وصل و جوركم عدل

أقول : فلینظر العاقل إلى هذین الضّلیلین كیف یخالفان اجماع المسلمین و ینبذان آیات الكتاب المبین وراء ظهورهما بآرائهم الفاسدة و الاستحسانات الكاسدة

-----------
( 1 ) و الجر یجیر و الجر جیر بكسرهما بقلة معروفة ، ق .

[ 242 ]

و یعتمدان فی ذلك على أخبارهم المجعولة و أحادیثهم الموضوعة .

و قد تبعهما فی حدیثهم المرسل المجعول المتصوّف الجامی فی شرح منتخب الفصوص حیث نقل عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّ بعض أهل النار یتلاعبون بالنّار ، و نقل عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أیضا انّه قال : سیأتی على جهنّم زمان ینبت من قعرها أو من قفرها الجرجیر .

و هذه الأحادیث مضافا إلى مخالفتها لصریح الآیات و روایات المتواترة قد نصّ فی أخبارنا بأنّها مجعولة كاذبة كما نصّ على ردّ ما توهّموه من انقطاع العذاب و إنفاد العقاب .

فقد روى عن الكلینی فی الكافی باسناده عن أبی بصیر مولى أبی عبد اللّه علیه السّلام عن موفق مولى أبی الحسن علیه السّلام قال : كان مولاى أبو الحسن علیه السّلام إذا أمر بشراء البقل یأمر بالاكثار منه و من الجرجیر فیشرى له و كان یقول علیه السّلام : ما أحمق بعض الناس یقولون : إنّه ینبت فی وادى جهنّم ، و اللّه عزّ و جلّ یقول : وقودها النّاس و الحجارة ، فكیف ینبت البقل .

و روى عن البرقی فی المحاسن عن العبیدی عن الأهوازی عن النّضر بن سوید عن درست عن الأحول عن حمران قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : إنّه بلغنا أنّه یأتی على جهنّم حین یصطفق 1 أبوابها فقال : لا و اللّه إنه الخلود قلت :

خالدین فیها ما دامت السموات و الأرض إلاّ ما شاء ربّك ، فقال علیه السّلام هذه فی الذین یخرجون من النار .

و أما ما قاله القیصرى : من أنه ما جاء نصّ بخلود العذاب بل جاء الخلود فی النار و لا یلزم منه خلود العذاب فناش من جهله بآیات الكتاب فقد قال تعالى : كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غیرها لیذوقوا العذاب ، و أمثال هذه الآیة كثیرة فی القرآن غیر عزبزة .

و هل هذه الدّعوى الباطلة و المقالة الفاسدة فی مقابلة النصوص الصریحة

-----------
( 1 ) اصطفقت الاشجار اهتزت بالریح و هو كنایة عن الخلو من الناس ( منه )

[ 243 ]


المستفیضة بل المتواترة إلاّ الملاعبة بالدّین و التكذیب للأنبیاء و المرسلین .

و أعظم من ذلك جرئتهم على تأویل الآیات الواردة فی النقمة و العقاب للكفار و أهل العذاب بالرّحمة و الثواب ، مثل ما تمحّله ابن العربی فی الفصّ الهودى فى الآیات الواردة فی عاد قوم هود و هی قوله تعالى : فلما رأوه عارضا مستقبل أودیتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ریح فیها عذاب ألیم . تدمّر كلّ شى‏ء بأمر ربها فأصبحوا لا یرى إلاّ مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمین ، قال ما لفظه « ألا ترى عادا قوم هود كیف قالوا هذا عارض ممطرنا فظنّوا خیرا باللّه » قال القیصرى : أى ألا ترى أن قوم هود كیف قالوا لما تجلّى علیهم الحقّ فی صورة السحاب ان هذا عارض أى سحاب ممطرنا و ینفعنا فظنوا أنّ اللّه تجلّى لهم بالحقّ و الرّحمة « و هو عند ظنّ عبده به فاضرب لهم الحقّ عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتمّ و أعلى فی القرب » أى أضرب بقوله بل هو ما استعجلتم به أى هو مطلوبكم الّذى یوصلكم إلى كمالكم و یعطیكم الخلاص من انیّاتكم و یخرجكم من عالم التّضاد و الظّلمة إلى عالم الوفاق و الرّحمة .

و انّما كان هذا المعنى أتمّ و أعلى « فانّه إذا أمطرهم فذلك حظّ الأرض و سقى الحبّة » المزروعة فیها « فما یصلون إلى نتیجة ذلك المطر إلاّ عن بعد لأنّ المطر إذا سقى الحبّة المزروعة لا بدّ ان یمضى علیها زمان طویل و مدّة كثیرة حتّى تحصل نتیجته و یحصل منها الغذاء الجسمانی و هو من حظوظ أنفسهم المبعّدة لهم عن الحقّ و هذا الاهلاك یوصلهم فی الحال إلى ربّهم و یقرّبهم منه فقال لهم بل هو ما استعجلتم به ریح فیها عذاب » و انّما كان استعجالهم فی وصولهم إلى كمالهم و قربهم من غایة مرتبتهم .

و لمّا كان هذا المطلوب لا یمكن إلاّ بفنائهم فی الحقّ أهلكهم اللّه عن أنفسهم و أفناهم عن هیاكلهم و هى أبدانهم الجسمانیة الحاجبة لهم عن إدراك الحقایق « فجعل » أى الحقّ « الرّیح إشارة إلى ما فیها من الرّاحة فانّ بهذا الرّیح أراحهم من هذه الهیاكل المظلمة و المسالك الوعرة و فی هذه الرّیح عذاب أى أمر یستعذبونه

[ 244 ]

إذا ذا قوه إلاّ أنّه یوجعهم لفرقة المألوفات » أى الرّیح المهلكة و إن كانت فی الظاهر مولمة موجعة لهم لاخراجهم عن العالم الجسمانی المتألّفة قلوبهم به لكن فیها لطف مستور ، لأنّ فی كلّ قهر للّه تعالى ألطافا خفیّة یستعذبونه إذا وصلوا إلیه عقیب الوجع « فباشرهم العذاب » أى اهلكهم « فكان الأمر إلیهم أقرب ممّا تخیّلوه » أى الأمر الذی كان مطلوبهم بالحقیقة كان أقرب إلیهم من المطلوب المتخیّل لهم و هو ما یحصل من المزروعات « فدمّرت كلّ شی‏ء بأمر ربّها فأصبحوا لا یرى إلاّ مساكنهم أى جثثهم الّتى عمرتها أرواحهم الحقیة » .

و محصل كلامهما أنّ قوم هود علیه السّلام مع العتوّ و الكفر و الانكار لم یكونوا من المعذّبین بل صاروا بذلك من المقرّبین المنعمین و أوصلهم الكفر و الضّلال إلى درجة الفضل و الكمال ، و استحقّوا بالجحود عظیم الزّلفی و حسن المآل .

و الآیات و إن كانت ظاهرة فی الاهلاك و التعذیب لكن الظّواهر غیر مرادة بل المراد معنى آخر یعرفه أهل الكشف و الشّهود لا أهل الحجاب .

و هو أنّ الرّیح فی الآیة مأخوذة من الرّوح و الرّاحة و العذاب من العذوبة و الحلاوة و الغرض من إهلاكهم بالرّیح التعجیل فی إراحتهم من العلایق البدنیة و إخراجهم من الهیاكل الجسمانیة و ایصالهم إلى مرتبة القرب و الزلفی و البقاء بالفناء ، و قد أعطاهم اللّه خیرا ممّا یرجون و أفضل ممّا یأملون ، فانّهم لمّا رأوه عارضا ممطرا حسبوا أنّه ینزل منه المطر ینتفع به و یسقى به الحرث و الزّرع فقال تعالى : بل هو ما استعجلتم ، أى لیس هذا ما ذهبت إلیه ظنونكم بل هو خیر منه ،

فانّ العارض الممطر فیه منفعة مؤجّلة دنیویّة ، و فی الرّیح منفعة معجّلة أخرویة و الاولى قلیلة فانیة و الاخرى كثیرة باقیة هذا حاصل مراد هذین الملحدین .

أقول یا أهل المروّة و الانصاف المجانبین للهوى و الاعتساف انشدكم باللّه العظیم هل یرتضى ذو شعور أن یكون مراده تعالى من تلك الآیات ما قاله هذا الجاهل الزّنیم .

[ 245 ]

ثم أقول : یا قائد الجهّال و قطب أهل الضّلال هب أنّك خالفت اجماع المسلمین بل اتفاق جمیع الملیّین و نابذت آیات الكتاب المبین فی مسألة تخلید الكفّار و المشركین ، و زعمت عدم كونهم فی النّار مخلّدین معذّبین ، فهلاّ استحییت من اللّه ربّ العالمین أن جعلت آیات كتابه لعبة اللاّعبین و مسخرة المستهزئین ؟ فما أقلّ حیاؤك فی هتك ناموس الاسلام ، و أعظم جرءتك فی هدم أساس ملّة سیّد الأنام .

أفیجوّز الجاهل السّفیه فضلا عن العاقل النّبیه أنّ مراد الحقّ من هذه الآیات الشّریفة هذه التأویلات السّخیفة ؟ أم یتوهّم أنّ هذه الألفاظ و الكلمات قوالب تلك المعانى الترّهات ؟ أفیبقى بعد البناء على أمثال هذه المزخرفات اعتماد بالكتاب عند الضّرورة و الاحتیاج ؟ أو یمكن به الاستدلال فی الاصول و الفروع فی مقام الاحتجاج ؟

ثمّ كیف یزعم من دان بكلمة الاسلام أن قوم عاد و ثمود و قوم نوح و لوط أقرب إلى اللّه من المؤمنین الموحّدین ، حیث عجل فی إفناء الأولین ایصالا لهم إلى مراتب الزلفی و حبس الآخرین فی سجن الدنیا ، و حرمهم من تلك النعمة العظمى حاشا ثمّ حاشا .

و العجب مع هذا كلّه أنه اشتبه فی حقّ نفسه و زعم أنه محیی الدّین و خاتم ولایة المحمدیّین ، و لعمرى أنه ما حى الدّین بل مبطل أساس جمیع شرایع النبیّین .

ثمّ العجب من القیصرى فانّه بعد ذكر ما قدّمناه قال : و الشیخ یعنی ابن العربی إنّما یشیر فی أمثال هذه المواضع إلى ما فیها من الرّحمة الحقّانیّة ، و هی من المطلعات المدركة بالكشف ، لا أنّه ینكر وجود العذاب و ما جاء به الرّسل من أحوال جهنّم فانّ من یبصر بعینه أنواع التعذیب فی النشأة الدّنیاویّة بسبب الأعمال القبیحة كیف ینكره فی النّشأة الأخراویّة و هو من أكبر ورثة الرّسل صلوات اللّه علیهم أجمعین ، فلا ینبغی أن یسی‏ء أحد ظنّه فی الأولیاء الكاشفین لأسرار الحقّ بأمره ، انتهى .

أقول : هذا مقام أن یقال :

[ 246 ]

یا ناعی الاسلام قم فانعه
قد مات عرف و بدا المنكر

فانّك خبیر بأنّه مع هذا الاصرار المؤكّد كلّه من الشیخ فی نشر كلمات الضّلال ، لم یبق للحمل على الصّحة مجال ، فهذا لیس موضع سوء الظنّ بل مقام علم الیقین ، و كیف یكون المكذّب للأنبیاء و المرسلین من أكبر ورثة النّبیّین ؟

أم كیف یكون حامى الكفّار و المشركین من الأولیاء الكاشفین ؟ لعن اللّه المضلّین و المبطلین ، و عذّبهم عذابا لا یعذّبه أحدا من العالمین .

و أعظم من ذلك ما قالاه فی حقّ أشقی الأولین و الآخرین المعارض الصّریح فی سلطان ربّ العالمین ، المعلن بقول أنا ربّكم الأعلى فی قبال دیّان الدّین أعنی فرعون المتمرّد عن طاعة الرّحمن المتمادى فی العتوّ و الكفر و الطغیان ، حیث قالا :

إنه تاب فطاب و ندم و أناب و طهر و صار من أهل الایمان مع أنّ كونه من المخلّدین نصّ آیات الكتاب المبین ، و كونه من أهل التابوت و أشدّ الناس عذابا صریح أخبار سید المرسلین ، و سقوط ایمانه من درجة الاعتبار مفاد : الآن و قد عصیت قبل و كنت من المفسدین .

فیا للّه ما أجرء هذین الضالّین على اللّه ، و كاین لهما من ید طولى فی تغییر معانی كتاب اللّه و تأویل الآیات البیّنات على المذاهب الفاسدة ، و تطبیق النّصوص المحكمات بالمقالات الباطلة .

فقد قالا فی الفصّ الموسوى و شرحه « فقالت لفرعون فى حقّ موسى انّه قرّة عین لى و لك فیه » اى فى موسى « قرّة عینها بالكمال الّذى حصل لها و كان قرّة عین لفرعون بالایمان الّذى أعطاه اللّه عند الغرق » و ذلك لأنّ الحقّ تكلّم بلسانها من غیر اختیارها و أخبر بأنّه قرّة عین لها و لفرعون فوجب أن یكون كذلك فى نفس الأمر « فقبضه » أی الحق « طاهرا مطهّرا لیس فیه شی‏ء من الخبث لأنّه قبضه عند ایمانه قبل أن یكتسب شیئا من الآثام و الاسلام یجبّ ما قبله و جعله آیة على عنایته سبحانه بمن شاء حتى لا ییأس أحد من رحمة اللّه فانه لا ییأس من رحمة اللّه إلاّ القوم الكافرون فلو كان فرعون ممن ییأس ما بادر إلى الایمان » .

[ 247 ]

قال الشارح : لما كان ایمان فرعون فى البحر حیث رأى طریقا واضحا عبر علیه بنو اسرائیل قبل التغرغر و قبل ظهور أحكام الدّار الآخرة مما یشاهدونه عند الغرغرة ، جعل ایمانه صحیحا معتدّا به ، فانه ایمان بالغیب لأنه كان قبل الغرغرة و هو بعینه كایمان من یؤمن عند القتل من الكفار ، و هو صحیح من غیر خلاف و انما كان ایمان المتغرغر غیر صحیح لظهور أحكام الدار الآخرة له من النعیم و الجحیم و الثواب و العقاب ، و جعله طاهرا مطهرا من الخبث الاعتقادى أى من الشرك و دعوى الربوبیة لأن الاسلام یجبّ ما قبله كما ورد فى الخبر الصحیح ، و لم یكتسب بعد الایمان شیئا من الآثام و العصیان ، و قوله تعالى : الآن و قد عصیت قبل و كنت من المفسدین ، نوع من العتاب عند التوجه إلى الحق و الایمان به ، و هو لا ینافى صحة ایمانه ، إلى ان قال بعد تأویل جملة من الآیات الدالة على خلوده و تعذیبه على 1 زعمه الفاسد :

و فایدة ایمانه على تقدیر التعذیب عدم الخلود فى النار ، و التعذیب بالمظالم و حقوق العباد مما لا یرتفع بالاسلام لا ینافى أیضا الاسلام و الطهارة من الشرك و خبث العقیدة ، فلا ینكر على الشیخ ما قاله مع أنه مامور بهذا القول إذ جمیع ما فى الكتاب مسطور بأمر الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فهو معذور كما أنّ المنكر المغرور معذور ، و قوله :

و جعله آیة على عنایته ، إشارة إلى قوله تعالى : فالیوم ننجّیك ببدنك لتكون لمن خلفك آیة ، و هذا أیضا صریح فى نجاته لأنّ الكاف خطاب له أى ننجیك مع بدنك من العذاب لوجود الایمان الصادر منك بعد العصیان ، و اللّه أعلم بالسرایر من كل مؤمن و كافر ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .

و یتوجه علیهما وجوه من الكلام و ضروب من الملام .

الأول أنّ قوله تعالى : و قالت امرأة فرعون قرّة عین لى و لك لا تقتلوه عسى أن ینفعنا أو نتّخذه ولدا ، لا دلالة فیه على المدّعى ، لأنها إنما قالت ذلك من جهة أنه لم یكن له ولد فأطمعته فی الولد بهذا الكلام ، مع أنّ المروىّ عن ابن عباس فى تفسیر الآیة نقض صریح لقول ابن العربى .

-----------
( 1 ) متعلّق بالتاویل ، منه

[ 248 ]

فقد روى فى مجمع البیان و غیره إنّ أصحاب فرعون لما علموا بموسى جاؤوا لیقتلوه فمنعتهم ، و قالت لفرعون : قرّة عین لى و لك لا تقتلوه ، قال فرعون : قرّة عین لك ، فأما لى فلا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : و الذى یحلف به لو أقرّ فرعون بأن یكون له قرّة عین كما أقرّت امرأته لهداه به كما هداها ، و لكنّه أبی للشّقاء الّذی كتبه اللّه علیه .

الثانی إنّ كفر فرعون محقّق و إیمانه لم یقم علیه دلیل بل الدّلیل إنّما قام على عدمه ، و ذلك لأنّه إنّما آمن حیث لم ینفعه الایمان لكونه ایمان إلجاء لا یستحقّ به الثواب و لا ینجیه من العقاب لوقوعه حال الغرق و عند الایاس من الحیاة و الیقین بالهلاك كما یشهد به قوله تعالى : حتّى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله الاّ الّذى آمنت به بنو اسرائیل و أنا من المسلمین ، فأنكره عزّ و جلّ علیه و قال :

الآن و قد عصیت قبل و كنت من المفسدین ، أى أ تؤمن الآن حین لا ینفع الایمان و لا یقبل ،

لأنّه حال الالجاء و قد عصیت بترك الایمان فی حال ینفعك فهلا آمنت قبل ذلك ،

فلو كان ایمانه صحیحا مقبولا لما استحقّ التوبیخ و التقریع و الانكار .

و یشهد بذلك صریحا أى بعدم منفعة الایمان فی تلك الحال قوله تعالى : فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنّا باللّه وحده و كفرنا بما كنّا به مشركین . فلم یك ینفعهم ایمانهم لمّا رأوا بأسنا سنّة اللّه الّتی قد خلت فی عباده و خسر هنالك الكافرون .

روى فی الصّافی من العیون عن الرّضا علیه السّلام أنّه سئل لأىّ علّة غرق اللّه فرعون و قد آمن به و أقرّ بتوحیده ؟ قال علیه السّلام : لأنّه آمن عند رؤیة البأس ،

و الایمان عند رؤیة البأس غیر مقبول ، و ذلك حكم اللّه تعالى ذكره فی السّلف و الخلف قال اللّه تعالى : فلمّا رأوا بأسنا ، الآیتین .

و فیه من الكافی قدّم إلى المتوكّل رجل نصرانیّ فجر بامرأة مسلمة فأراد أن یقیم علیه الحد فأسلم ، فقیل : قد هدم ایمانه شركه و فعله ، و قیل : یضرب ثلاثة حدود ، و قیل غیر ذلك ، فأرسل المتوكّل إلى الهادى علیه السّلام و سأله عن ذلك ، فكتب علیه السّلام : یضرب حتّى یموت ، فأنكروا ذلك و قالوا : هذا شی‏ء لم ینطق به كتاب و لم

[ 249 ]

تجى‏ء به سنّة ، فسألوه ثانیا البیان فكتب هاتین الآیتین بعد البسملة ، فأمر المتوكّل فضرب حتّى مات .

و بهذا الحدیث علم أیضا أنّ ایمان الكافر حین القتل لیس بصحیح مطلقا كما قاله القیصرى ، و إنّما یصحّ ایمان من ارید قتله لأجل كفره مثل الكافر الحربی فانّه لو آمن حین القتل قبل ایمانه و یدرء عنه القتل بسبب الایمان .

الثالث أنّ قوله : حتّى لا ییأس أحد من رحمة اللّه فانّه لا ییأس أحد من رحمة اللّه إلاّ القوم الكافرون ، فیه إنّ الفرعون داخل فى المستثنى أعنى الكافرون الآیسین ، لا فی المستثنى منه كما یدلّ علیه صریح قوله تعالى : فأخذناه و جنوده فنبذناهم فی الیمّ فانظر كیف كان عاقبة الظالمین و جعلناهم أئمة یدعون إلى النّار و یوم القیامة لا ینصرون . و اتبعناهم فی هذه الدّنیا لعنة و یوم القیامة هم من المقبوحین ، أى أردفناهم لعنة بعد لعنة و هى البعد عن الرّحمة و الخیرات .

و بالجملة رحمة اللّه سبحانه قریب من المحسنین دون الكافرین ، و هو سبحانه أرحم الرّاحمین فی موضع العفو و الرّحمة ، و أشدّ المعاقبین فی موضع النّكال و النّقمة ، و أعظم المتجبّرین فی موضع الكبریاء و العظمة .

الرّابع أنّ قوله تعالى : فالیوم ننجّیك ببدنك لتكون لمن خلفك آیة ،

لیس المراد بالنّجاة فیه النّجاة من العذاب كما زعمه القیصرى ، و لا من كونه آیة أنّه آیة عنایته كما توهّمه ابن العربی ، بل معناه نلقیك على نجوة من الأرض و هی المكان المرتفع لیراك بنو إسرائیل لتكون لمن وراءك و هم بنو إسرائیل آیة أى علامة یظهر لهم عبودیّتك و مهانتك و أنّ ما كنت تدّعیه من الرّبوبیّة محال و كان فی أنفسهم أنّ فرعون أجلّ شأنا من أن یغرق .

و عن تفسیر علیّ بن إبراهیم انّ موسى أخبر بنی إسرائیل انّ اللّه قد أغرق فرعون ، فلم یصدّقوه فأمر اللّه عزّ و جلّ البحر فلفظه به على ساحل البحر حتّى رأوه میّتا .

و فى الصافى من العیون عن الرّضا علیه السّلام فی حدیث غرقه و قد كان فرعون من

[ 250 ]

قرنه إلى قدمه فی الحدید و قد لبسه على بدنه ، فلمّا غرق ألقاه اللّه تعالى على نجوة على الأرض ببدنه لیكون لمن بعده علامة فیرونه مع تثقّله بالحدید على مرتفع من الأرض ، و سبیل الثقیل أن یرسب و لا یرتفع فكان ذلك آیة و علامة إلى أن قال و لئلا یشكّ أحد فی إهلاكه انّهم كانوا قوما اتّخذوه ربّا فأراهم اللّه عزّ و جلّ إیاه جیفة ملقاة بالسّاحلّ لیكون لمن خلفه عبرة و عظة ، هذا .

و العجب من القیصرى ، فانّه بعد مشاهدته لهذا الخبط العظیم كلّه من ابن العربی لم یرفع یده عن العصبیة له و یقول إنه مأمور بهذا القول من جانب الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كما أنه مأمور من جانبه بجمیع ما یقوله فی الفصوص فهو معذور .

أقول : و لقائل أن یقول له : یا أحمق الرّجال و مفتّن الجهّال أیأمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بنشر الافك و الضّلال ؟ أفهذا من أسرار الرّب المتعال ؟ أم یأذن بتحریف آیات القرآن و العصبیة فی حقّ فرعون و هامان أهذا من مقتضیات رحمة الرّحمن ؟

لا و اللّه بل هو من امنیّات الشّیطان ، و كیف یسوغ عبادة یغوث و یعوق و اللاّة و العزّى بزعم أنّ عبادتها عین عبادة العلیّ الأعلى و إنّ الحقّ تعالى فیها تجلّى إن هذا الاّ اختلاق و افتراء ، و قد نطق الكتاب المبین على رغم ابن العربى ما حى الدّین و رغم سایر الصوفیّین القائلین بوحدة الوجود و بأنّ عبادته یحصل لعبادة كلّ معبود :

قل یا أیّها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون . و لا أنتم عابدون ما أعبد . و لا أنا عابد . ما عبدتم . و لا أنتم عابدون ما أعبد . لكم دینكم و لى دین .

أبقى بعد هذا التفكیك الصّریح ، و البیان الفصیح ، و التّبیان النّصیح ریب فی بطلان القول بالوحدة و الاتّحاد أو معتذر للقائلین به فی عتبى ربّ العباد أم لا ؟ فأنّى یؤفكون أم أین یصرفون تعالى اللّه عمّا یقول الظالمون ، فمن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبا لیضلّ النّاس بغیر علم إنّ اللّه لا یهدى القوم الظالمین هذا .

و لنعد إلى ما كنّا فیه من مسألة تعذیب الكفّار و خلودهم فی النار فأقول :

إنّ ما ذهب إلیه ابن العربى من نفیه العذاب فی حقّ قوم عاد و فرعون ذى الأوتاد و سایر الكفّار و المشركین مبنىّ على أصل فاسد أسّسه فی الفصّ الاسماعیلی ،

[ 251 ]

و هو أنّ خلف الوعد من اللّه غیر جایز بخلاف خلف الوعید قال :

« الثّناء بصدق الوعد لا بصدق الوعید و الحضرة الالهیة تطلب الثناء بالذّات المحمودة فیثنى علیها بصدق الوعد لا بصدق الوعید بل التّجاوز فلا تحسبنّ اللّه مخلف وعده رسله و لم یقل و وعیده بل قال و یتجاوز عن سیئآتهم مع أنّه توعد على ذلك فأثنى على إسماعیل بأنه كان صادق الوعد و قد زال الامكان فی حقّ الحقّ لما فیه من طلب المرجّح » .

قال القیصری : أى قد زال فی حقّ الحقّ إمكان وقوع الوعید إذ لا شكّ أنّ الحقّ تعالى وعد بالتجاوز فقال : و یتجاوز عن سیئآتهم ، و قال : إنّ اللّه یغفر الذنوب جمیعا ، و قال : و یعفو عن كثیر من السیئآت و أمثال ذلك ، و وقوع وعده واجب و هو التجاوز و العفو و الغفران ، فزال امكان وقوع الوعید ، لأنّ وقوع أحد طرفى الممكن لا یمكن إلاّ بمرجّح ، و ما ثم ما یطلب الوعید إلاّ الذنب ، و هو یرتفع بالتجاوز فزال سبب وقوع الوعید و عدم العلّة موجب لعدم المعلول :

فلم یبق إلاّ صادق الوعد وعده
و ما لوعید الحقّ عین تعاین

أى إذا زال سبب الوعید فلم یبق إلاّ تحقّق وعده وحده ، لأنّه صادق فی وعده و ما بقى لوعید الحقّ عین تعاین على البناء للمفعول لزوالها بالمغفرة و العفو فی حقّ العاصین ، و أمّا فی حق الكافرین و المنافقین لانقلاب عذابهم بنعیم یناسبهم كما قال :

و إن دخلوا دار الشقاء فانّهم
على لذّة فیها نعیم مباین

نعیم جنان الخلد فالأمر واحد
و بینهما عند التجلّی تباین

أى مباین لنعیم جنّات الخلد ، قوله : فالأمر واحد ، إشارة إلى أنّ التجلّى الالهى على السّعداء و الأشقیاء لیس إلاّ واحدا . و التباین إنّما یقع بحسب القوابل ،

و كلّ منها یأخذ بحسب استعداده و قابلیّته كماء واحد نزل من السماء فصار فی موضع سكرا و فی موضع حنظلا .

یسمّى عذابا من عذوبة طعمه
و ذاك له كالقشر و القشر صائن

[ 252 ]