أى یسمّى ذلك النّعیم الذی لأهل الشقاء عذابا لعذوبة طعمه بالنسبة إلیهم فانّ العذاب مأخوذ من العذب فی الأصل ، و ذاك أى لفظ العذاب له أى للعذب كالقشر و القشر صاین للّه من الآفات ، فلفظ العذاب یصون معناه عن إدراك المحجوبین الغافلین عن حقایق الأشیاء ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .

و محصّل ما استدلاّ به وجوه :

الأوّل إنّ اللّه سبحانه یحمد و یثنى بالعفو و الغفران لا بالتّعذیب و الانتقام ،

و هو طالب للحمد و الثّناء ، فیجب الصّدق فی الوعد بالثواب لا الوعید بالعقاب .

الثانی إنّ اللّه تعالى قال : فلا تحسبنَّ اللّه مخلف وعده رسله ، و لم یقل و وعیده فالخلف فی الوعید جایز .

الثالث إنّه تعالى قال : اولئك الذین نتقبّل عنهم أحسن ما عملوا و نتجاوز عن سیئآتهم فی أصحاب الجنّة وعد الصّدق الّذی كانوا یوعدون ، فلا بدّ من وقوع التّجاوز عن السیئآت لأنّه وعد الصدق ، و لیس بمخلف وعده .

الرّابع أنّه إذا كان التجاوز عن السّیئآت و الذنوب لازم الوقوع فلا یمكن وقوع الوعید لأنّ بقاء المعلول من دون علّته محال ، و قد كانت علّة الذنوب ارتفعت بالتجاوز .

أقول : و أنت خبیر بأنّ هذا كلّه ممّا نسجه عدوّ اللّه الشّیطان اللّعین على لسان ولیّه عدوّ رسول اللّه ماحى الدّین ، إغراء للكفّار على الكفر و العدوان ،

و للعصاة على التّمرد و العصیان كما قال تعالى : و كذلك جعلنا لكلّ نبیّ عدوا شیاطین الانس و الجنّ یوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا و لو شاء ربّك ما فعلوه فذرهم و ما یفترون . و لتصغى إلیه أفئدة الذین لا یؤمنون بالآخرة و لیرضوه و لیقترفوا ما هم مقترفون و یبطل ما ذكره كلّه قوله تعالى : إنّ اللّه لا یغفر أن یشرك به و یغفر ما دون ذلك لمن یشاء ، و قول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الخطبة المأة و الخامسة و السبعین : ألا و إنّ الظلم ثلاثة : فظلم لا یغفر ، و ظلم لا یترك ، و ظلم مغفور لا یطلب ، فأمّا الظلم الّذی لا یغفر فالشرك

[ 253 ]

باللّه قال اللّه سبحانه : إنّ اللّه لا یغفر أن یشرك به ، و أمّا الظلم الذی یغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ، و أمّا الظلم الذی لا یترك فظلم العباد بعضهم بعضا .

فانّ هذه الآیة و الحدیث یخصّان التجاوز عن السیئآت فی الآیة السّابقة بالمؤمنین و بغیر مظالم العباد ، فیبقی الوعیدات الواردة فی حقّ الكفّار و فی حقوق النّاس على حالها لعدم ارتفاع عللها .

و یستفاد هذا التّخصیص من صدر الآیة السابقة أیضا ، فانّ قوله تعالى :

نتقبّل عنهم أحسن ما عملوا ، یدلّ على أنّ المراد بالآیة المؤمنون خاصّة ، إذ الكافر لیس له عمل صالح حسن مقبول .

و أیضا لو أبقینا التجاوز عن السیئآت على عمومه لكان الوعیدات الالهیّة كلّها لغوا و عبثا ، لاستحالة وقوعها بعد ارتفاع عللها ، بل یلزم أن یكون اللّه سبحانه فی أخباره المتضمّنة للوعید كاذبا ، و من أصدق من اللّه قیلا ، فتعالى اللّه عمّا یقول الظالمون علوّا كبیرا .

ثمّ إنّ صدور أمثال هذه المقالات من هذه الطایفة و قبول أمثالهم تلك الخیالات منهم صار سببا لغلط أعظم من غلطهم المتقدّم ، و هو إثباتهم للمتصلّبین من الكفّار مزّیة و فضیلة بقدر تصلّبه و إصراره على الكفر و الجهالة حتّى أنّ بعضهم سمّى إبلیس رئیس الموحّدین ، مثل أحمد الغزالی فقد قال الشارح المعتزلی فی شرح الفصل الثانى عشر من الخطبة الاولى : و كان فی المسلمین ممّن یرمی بالزّندقة من ذهب إلى تصویب إبلیس فی الامتناع من السجود و یفضّله على آدم علیه السّلام و هو بشار بن برد المرغث و من الشعر المنسوب إلیه :

النّار مشرقة و الأرض مظلمة
و النّار معبودة مذ كانت النّار

و كان أبو الفتوح أحمد بن محمّد الغزالی الواعظ أخو أبی حامد الغزالی الفقیه الشّافعی قاصّا لطیفا و واعظا مفوّها ، و هو من خراسان من مدینة طوس و قدم إلى بغداد و وعظ بها و سلك فی وعظه مسلكا منكرا ، لأنّه كان یتعصّب لابلیس و یقول إنه سیّد الموحّدین .

[ 254 ]

و قال یوما على المنبر : من لم یتعلّم التوحید من إبلیس فهو زندیق أمر أن یسجد لغیر سیّده فأبی .

و لست بضارع إلاّ إلیكم
و أمّا غیركم حاشا و كلاّ

و قال مرّة اخرى لمّا قال له موسى علیه السّلام : أرنی ، فقال : لن ، قال : هذا شغلك تصطفى آدم ثمّ تسوّد وجهه و تخرجه من الجنّة و تدعونی إلى الطور ثمّ تشمت بی الأعداء هذا عملك بالأحباب فكیف تصنع بالأعداء .

و قال مرّة اخرى و قد ذكر إبلیس على المنبر لم یدر ذلك المسكین أنّ أظافیر القضاء إذا حكّت أدمت ، و أنّ قسىّ القدر إذا رمت أصمّت ، ثمّ قال لسان حال آدم علیه السّلام ینشد فی قصّته و قصّة إبلیس :

و كنت دلیلی فی صعود من الهوى
فلمّا توافینا ثبتّ و زلت

و قال مرّة اخرى : التقى موسى و ابلیس عند عقبة الطور فقال موسى : یا إبلیس لم لم تسجد لآدم علیه السّلام ؟ فقال : كلاّ ما كنت لأسجد لبشر كیف أوحّده ثمّ ألتفت إلى غیره ، و لكنّك أنت یا موسى سألت رؤیته ثمّ نظرت إلى الجبل فأنا أصدق منك فی التوحید .

و كان هذا النّمط من كلامه ینفق على أهل بغداد و صار له بینهم صیت مشهور و اسم كبیر و حكى ابن الجوزی فی التّاریخ أنّه قال على المنبر : معاشر المسلمین كنت دائما أدعوكم إلى اللّه و أنا الیوم أحذّركم منه ، و اللّه ما شدّت الزّنانیر إلاّ فی حبّه و لا ادّیت الجزیة إلاّ فی عشقه .

و قال أیضا إنّ رجلا یهودیّا أدخل علیه لیسلم على یده ، فقال له : لا تسلم فقال له الناس : كیف یمنعهم من الاسلام ، فقال : احملوه إلى أبی حامد یعنى أخاه لیعلمه ، لا إلى المنافقین ثمّ قال : ویحكم أتظنّون أنّ قوله لا إله إلاّ اللّه منشور ولایته ذا منشور عزله ، و هذا نوع یعرّفه الصوفیّة بالغلوّ و الشّطح .

و یروى عن أبی یزید البسطامى منه كثیر ، فممّا یتعلّق بقصّة ابلیس ما رووه

[ 255 ]

بعض من مردته عنه من قوله :

فمن آدم فی البین و من ابلیس لولاكا
فتنت الكلّ و الكلّ مع الفتنة یهواكا انتهى

و قال عبد الرزاق الكاشی فی شرح الفصّ النّوحى من الفصوص : كلّما كان المدعوّ أصلب فی دینه و أشدّ إباء للدّاعى إلى ضدّ مقامه كان أشدّ طاعة و قبولا لأمر ربّه و حكمه ، حتّى أنّ إباء ابلیس عن السجود و عصیانه و استكباره بحسب ظاهر الأمر عین سجوده و طاعته و خدمته و تواضع لرّبه باعتبار الارادة ، انتهى .

و نقل بعضهم عن سهل بن عبد اللّه التّسترى من مشاهیر مشایخهم أنّه رأى إبلیس فتكلّم معه و وبّخه على عدم إطاعته فی سجدة آدم و ابعاد نفسه عن تناول الرّحمة ، فقال له إبلیس : كیف تبعدنی عن رحمته هلاّ قرأت فی القرآن : و رحمتى وسعت كلّ شی‏ء ؟ و أنا داخل فی كلّ شى‏ء فرحمته تسعنى بمقتضى وعده ، فافحم الشیخ بذلك فسكت و فارقه ثمّ رجع إلى القرآن فوجد الآیة مقیّدة بقوله : فسأكتبها للّذین یتّقون ، فدخلت الحسرة علیه بعدم تذكّر هذا القید حتّى یجیبه و یلزمه به ، و كان یتمنّى أن یراه مرّة اخرى فاتّفق ذلك و استبشر برؤیته فقال له : إنّ الآیة التى تمسّكت به مقیّدة بقید ، فقرء تمام الآیة و ظنّ أنّه غلب علیه و أفحمه بالحجّة من أجل خروجه بالقید ، فضحك إبلیس و نظر إلیه نظر تعجّب من عقله و عرفانه و قال له : إنّ ثقتى بعرفانك كانت أكثر من ذلك ، قال الشّیخ : و كیف ؟ قال ابلیس اللّعین : إنّى كنت معتقدا بمعرفتك بأنّه لیس فی طرف الحقّ قید بل هناك الاطلاق كلّه و إنّما التّقیید من جهتك فتبیّن لى خلاف اعتقادى فی حقّك ، فاعترف الشیخ بغلطه و اعتذر منه لمّا رأى أنّه یتكلّم على اصطلاحهم و یستعمل الألفاظ الدائرة بینهم و علم أنه أعرف بمقاصدهم و مطالبهم منه .

و نقل عن المتصوّف الجامى فی بعض حواشیه على كتاب نقد النصوص فی شرح نقش الفصوص نقل هذه القصّة بوجه إجمالی .

قال : إنّ سهلا التسترى رأى إبلیس فقال له : هل ترجو رحمة من عند اللّه ؟

قال : نعم لأنّ رحمته وسعت كلّ شی‏ء ، فقال سهل : لكنّه قیّدها بقوله : فسأكتبها

[ 256 ]

للّذین یتّقون ، الآیة فقال ابلیس : مه یا سهل فانّ التقیید صفتك لا صفته ، انتهى .

و أعجب من هذه أنّ الجامى قد نظم فی مبحثه مباحثة بین موسى علیه السّلام و بین إبلیس من هذا القبیل و هذه منظومته :

پور عمران بدل آن غرقه نور
میشد از بهر مناجات بطور

دید در راه سر دوران را
قائد لشكر مهجوران را

گفت گز سجده آدم بچه روى
تافتى روی رضا راست بگوى

گفت عاشق كه بود كامل سیر
پیش جانان نبرد سجده غیر

گفت موسى كه بفرموده دوست
سر نهد هر كه بجان بنده اوست

گفت مقصود از آن گفت و شنود
امتحان است محب را نه سجود

گفت موسى كه اگر حال اینست
لعن و طعن تو چراش آیین است

بر تو چون از غضب سلطانى
شد لباس ملكى شیطانى

گفت كاین هر دو صفت عاریتند
مانده از ذات بیك ناحیتند

گر بیاید صد از این یا برود
حال ذاتم متغیّر نشود

ذات من بر صفت خویشتن است
عشق او لازمه ذات منست

تا كنون عشق من آمیخته بود
در غرضهاى من آویخته بود

داشت بخت سیه و روز سفید
هر دمم دست خوش بیم امید

ایندم از كشمكش آن رستم
پس زانوى وفا بنشستم

لطف و قهرم همه یگرنك شده
كوه و كاهم همه همسنك شده

عشق شست از دل من نقش هوس
عشق با عشق همى بازم و بس

و ترجمة ما نظمه : إنّ موسى بن عمران ذهب إلى الطور للمناجاة فرإی له إبلیس اللّعین فی أثناء الطریق فقال علیه السّلام له : لم أبیت عن السّجدة لآدم أجبنى صدقا ، قال إبلیس : العاشق الكامل فی السّیر و السلوك لا یسجد غیر معشوقه ، فقال علیه السّلام : نعم و لكن العاشق الصّادق یطیع معشوقه فی كلّ ما یأمر و یرید ، قال إبلیس :

لم یكن المطلوب بالذّات من الأمر إلاّ الامتحان لا السّجود ، فقال علیه السّلام : لو كان

[ 257 ]

الأمر على ما زعمت لم صرت رجیما و استوجبت اللّعن و الطرد و الابعاد و لم انتزعت منك كسوة الملكیة و تلبست بلباس الشیطنة ؟ قال إبلیس : كلّ من هذین الوصفین لباس العاریة لا مدخلیّة لهما فی اتّحاد الذّات و التغیّر فی الصّفات بالغة ما بلغت لا یوجب التّغیّر فی الذات و الذّات باقیة بحالها فی جمیع الصّور المتبدّلة و عشقه لازم لذاتى و كان عشقى غیر ممحّض و أمرى دائرا بین الخوف و الرّجا حتّى إذ أبیت السّجود تمحّضت فی مقام التوحید و عبودیّة المعبود ، فلم یبق فرق بالنّسبة إلىّ بین القهر و الرّحمة و لا بین الجحیم و الجنّة .

أقول : الظاهر أنّ راوى هذه المناظرة هو نفس إبلیس اللّعین رواها لأولیائه المتصوّفین و أثبت فیه غلبته على موسى علیه السّلام و تسلیم موسى علیه السّلام له كما قال تعالى :

و كذلك جعلنا لكلّ نبیّ عدوّاً شیاطین الانس و الجنّ یوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا و لتصغى إلیه أفئدة الذین لا یؤمنون بالآخرة و لیقترفوا ما هم مقترفون .

و یظهر من ولعهم بروایته و نظمهم له فی أشعارهم ابتهاجهم بتلك المحاجّة و امتنانهم من إبلیس ، لكونه صوفیّ المذاق ، بل یظهر من ذلك أنّ أصل المؤسس لمذهبهم هو إبلیس حیث أسّس الأصل فی مسألة وحدة الوجود فأوحى بذلك إلى أولیائه الملحدین فأطاعوه و اتّخذوه لهم دینا و جعلوا أنفسهم للشیطان قرینا فساء قرینا ، لعن اللّه الضّالین و المضلّین و الهادین و المهدیّین و المرادین و المریدین و عذّبهم عذابا ألیما .

و منها قولهم بالجبر

كالأشاعرة :

و هو لازم القول بوحدة الوجود ، فانّ الخلق إذا كان عین الحقّ و كان سمعه و بصره و لسانه و یده و رجله و جمیع جوارحه على زعمهم حسبما عرفت فیما تقدّم فیكون جمیع ما یصدر منه مستندا إلیه تعالى كما تقدّم التّصریح بذلك

[ 258 ]

فیما حكیناه عن فصوص ابن العربى من الفصّ العیسوى ، حیث قال هناك فی تأویل قوله تعالى حكایة عن عیسى علیه السّلام : إنّ كنت قلته فقد علمته ، لأنّك أنت القائل فی صورتی و من قال أمرا فقد علم ما قال ، و أنت اللّسان الّذى أتكلّم به كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن ربّه فی الخبر الالهى ، فقال : كنت لسانه الّذی یتكلّم به فجعل هویته عین لسان المتكلّم ، و نسب الكلام إلى عبده ، و قد صرّح بمثل ذلك فی غیر موضع من الفصوص ، و تكرّر فی كلامه و كلام غیره أن لا فاعل إلاّ هو .

و قال شیخهم الشّیخ محمود الشّبسترى فی كتاب كلشن راز :

هر آنكس را كه مذهب غیر جبر است
نبى فرمود كو مانند گبر است

أقول : لمّا كان مذهبه الجبر فسّر الخبر المروىّ عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : القدریّة مجوس هذه الامة ، بما فسّر و لا یخفى أنّ الجبریّة یقولون إنّ القدریّة هم المفوّضة لانكارهم قضاء اللّه و قدره فی أفعال العباد ، و المفوّضة یقولون إنّ القدریّة هم الجبریة لقولهم بالقضاء الحتم و القدر اللاّزم فی أفعال العباد و الذى یستفاد من عدّة أحادیث أنّهم المفوّضة ، و یستفاد من بعض الأخبار أنّهم الجبریة ، و هو المستفاد من كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام الذى یأتی ذكره فی شرح أوایل باب الحكم عند شرح قوله و من كلام له علیه السّلام لما سأله سائل : أكان مسیرنا إلى الشام بقضاء من اللّه و قدره آه ، فانّا إن ساعدنا التّوفیق انشاء اللّه نروى هناك من الكافی و غیره عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قال بعد إبطال الجبر : تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان و خصماء الرّحمن و حزب الشیطان و قدریّة هذه الامة و مجوسها .

قال بعض الأفاضل : و الجمع بین الأحادیث یقتضى أن یكون الجبریة و المفوضة كلّهم قدریة و مجوس هذه الامة ، و المؤمن المحقّ من قال بالأمر بین الأمرین .

و الحاصل أنّ الصوفیة متّحدون مع الأشاعرة فی القول بالجبر إلاّ أنّ مشربهم فیه مختلف ، فانّ مسلك كلّ من الطائفتین یخالف مسلك الآخر فی ذلك .


[ 259 ]

قال السید حیدر بن علىّ العبیدى الحسینی و هو من صوفیة الشیعة كما فی مجالس المؤمنین فی محكىّ كلامه من كتابه المسمّی بجامع الأسرار و من شرحه على الفصوص :

إنّ بعض الناس توهم أنّ الأشاعرة الذین نسبوا أفعال العباد حسنا و قبحا إلى اللّه و القائلین بأنه لا فاعل إلاّ هو موافقون فی توحید الأفعال مع أهل الكشف و الحال ، مع أنّ ما قاله الأشاعرة خطاء محض ، و ذلك لأنهم و إن كان بحسب ظاهر كلامهم و عبارتهم یقولون : لا فاعل إلاّ هو ، كما یقوله أهل الكشف و لكن بحسب الباطن و المعنى بینهما بون بعید ، لأنّ الأشاعرة مختفیة فى الظلمات محجوبة بالحجاب مشركة بالشرك الخفىّ ، لأنهم لم یخلصوا بعد من رؤیة الغیر ، و لم یصلوا إلى مرتبة التوحید الوجودى الذی هو مشاهدة وجود الحقّ من دون ملاحظة وجود الغیر ، و أما أهل الكشف و الحال فانهم قد تكلّموا بهذا الكلام و قالوا هذا القول بعد الفناء فی الحقّ و الفراغ عن رؤیة الخلق قال شاعرهم :

قومى نه ز ظاهر نه ز باطن آگاه
و آنگه ز جهالت بضلالت گمراه

مستغرق شر كند حقیقت گویند
لا فاعل أصلا أبدا غیر اللّه

هذا و أنت بعد ما عرفت بطلان القول بوحدة الوجود من أصله تعرف بطلان القول بالجبر الذى یقوله الصوفیة ، لكون هذه المسألة من فروعات تلك المسألة ، و مثل كلمة خبیثة كشجرة خبیثة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار .

و أما بطلانه على ما یقوله الأشاعرة فستعرفه بما لا مزید علیه إنشاء اللّه تعالى فى باب المختار من الحكم إن ساعدنا التوفیق و المجال ، و وفقنا اللّه العزیز المتعال و اللّه هو الموفق و المعین على كلّ حال .

و منها اعتقادهم بأنّ السالك إذا عبد اللّه و بلغ إلى مرتبة الوصول و الیقین سقطت عنه العبادات

و لا یبقى له حاجة إلیها لقوله تعالى : فاعبد ربك حتى یأتیك الیقین ،

[ 260 ]

و الیقین عندهم هو العلم و العرفان و عند أهل البیت علیهم السّلام الیقین هو الموت و یشهد بأنّ اعتقادهم ذلك ما قاله العلامة الحلّی قدّس اللّه روحه فی كتاب نهج الحقّ حیث قال :

شاهدت جماعة من الصوفیة فی حضرة مولینا الحسین علیه السّلام و قد صلّوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالسا و لم یصلّ ، ثم صلّوا بعد ساعة العشاء سوى ذلك الشخص ، فسألت بعضهم عن ترك ذلك الشخص لصلاته فقال : و ما حاجته هذا إلى الصلاة و قد وصل أیجوز أن یجعل بینه و بین اللّه حاجبا ، فقلت : لا فقال : الصلاة حاجب بین العبد و الربّ .

قال « قد » : فانظر أیها العاقل إلى هؤلاء و عقایدهم فی اللّه تعالى كما تقدّم و عبادتهم كما سبق و اعتذارهم فی ترك الصلاة كما مرّ ، و مع هذا فانهم عندهم الأبدال ، فهؤلاء اسم أجهل الجهال ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و روى بعض أصحابنا عن ابن أبی جمهور الاحسائى فی كتابه الموسوم : مجلى مرآة المنجى قال : قال فی أواسط الكتاب المذكور :

من هذا التقریر علم أنّ التكلیف البدنى لا یتمّ بدون التكلیف العقلى ، و أنه متى خلا منه كان غیر صحیح فالتوجّه و الاقبال و دوام الفكر شرط فی صحة العبادة البدنیة ، و لا یكفى حصولها من البدن من دون ذلك التوجّه و الاقبال المستلزمین لدوام الفكر و الحضور المعنوى عند المعبود على ما تحقّق عند أهل هذه الطریقة ردّا على أهل الظاهر .

و علم أیضا أنّ التوجّه و الاقبال و الحضور المعنوى من دون الأعمال الصّوریة الظّاهرة بالقوى البدنی غیر كاف ، و لا مخرج من عهدة التّكلیف العقلی ، خلافا للاباحیّة القائلین بأنّ العارف الواصل لا یحتاج إلى هذه الصّورة الظاهرة لانقطاعه عنها و وصوله إلى ما ورائها ، فتكون حاجبة له ، و هو عند التّحقیق و أهل اللّه من الأوهام الشّیطانیّة ، فانّ ملاحظة الصّور كما لا یتمّ بدون المعانی كذا لا یتمّ المعانی بدون الصّور ، و الأعمال مظاهر هذه المعانی ، فلا یتمّ حصولها بدون مظاهرها ،

[ 261 ]

و المقصود من الوصول ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل فتدبّره فانّه به تمّ هذا الموضع ، و ما أحسنه من سرّ لا یطّلع علیه إلاّ بفكرة صادقة .

و به ینحلّ ما یرد من الشّكوك من جماعة الاباحیّة كما قد وقع لی مع بعض الاباحیّة من المباحثة فأجبته بهذا الجواب فانقطع .

و ذلك انّه قد ذكر لی و أنا یومئذ مقیم بأرض نجد ببلاد یقال لها الدّرعیة إنّ فی جبل بها رجلا منقطعا عن النّاس معتزلا بنفسه عن مخالطة أحد من بنی نوعه و أنّه فی الأصل رجل من أهل الیمن ورد غریبا و انقطع إلى هذا الجبل .

فجئت إلى موضعه و سلّمت علیه فردّ السّلام فرأیت رجلا نبیلا حسن المنطق علیه أثر الصلاح ، فحادثته فی فنون العلم فرأیت له ذوقا جیّدا .

فقلت له : ما أحسن ما أنت فیه من هذا الانقطاع إلاّ أنّى سمعت أنّك لا تصلّى الصّلاة الشّرعیة بالصّورة الظاهرة الّتی جاء بها الشرع المحمّدی ، أفلست على ملّته ؟

فقال : بلى و لكن ما أعمل بهذه الصّورة الظاهرة أنّها حجاب للواصل مرتبة الحضور المنقطع عن هذه الصّور المشاهد الحقّانی الذى لم یفارق باب الملك ،

أو لا تعلم أنّ الصّلاة مشتقّة من الصّلة و بها یتوصّل المحجوب بالصّور إذ لاحظ بها القرب المعنوى ؟

قلت : بلى فقال : فما احتیاج الواصل إلى ما به یتوصّل إنّه قد استغنى بالوصول عن الموصل و ما یعمل الحاجّ بالرّاحلة إذا وصل إلى مكّة و تمّ نسكه و قصده المجاورة فانّه حینئذ لغنیّ عنها فقلت : و أنت من أهل الوصول و الاتصال بحضرة ذى الجلال ؟

فقال : نعم .

فقلت : على تقدیر تسلیم وصولك فهل وصولك أتمّ من وصول نبیّك محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟

و هل اتّصالك أعلى من اتّصاله ؟

[ 262 ]

فقال : حاشا و كلاّ بل الواصل الحقیقی هو لا غیره و به یتّصل الكلّ و جمیع الخاصّة و خاصّة الخاصّة عنه أخذوا مراتبهم و مقاماتهم فی النشأتین .

فقلت : فكیف هو مع ذلك الوصول التام و الاتصال الكامل لم یترك هذه الصور الظاهرة و لا العبادات الشرعیة ، بل كان دایم المواظبة علیها شدید العنایة بها .

فقال : إنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وصل و ردّ و أنا وصلت و ما رددت .

فعجبت من كلامه و فهمت منه ظاهره و خفى علىّ فى بادى الحال باطنه ،

فقلت : إذا یلزمك أن تكون أفضل منه إذ لا یشكّ كل عاقل أنّ غیر المردود أفضل من المردود .

فضحك عن تهافت فهمى عن إدراك ما أراد من معنى الرّد .

فقال لی : و هذا منك ضمّ جهل إلى جهل .

فقلت له : أبن لی عن مقصودك و افهمنی مرادك لأقوم لك بالعذر .

فقال : إنه ردّ إلى تكمیل الخلق و ایصالهم إلى بارئهم و منشئهم على الطریقة المرضیة لما علم اللّه فیه من القوّة الملكیة و النفس القدسیة البالغة فی حدّ الكمال إلى مرتبة القدرة على التكمیل و الارشاد لهذا الخلق و الجمع بین الجانبین ، فلا یمنعها الاشتغال بتكمیل الخلق عن الحضور بین یدیه فی أغلب أوقاته و أخذ ما یحتاج إلیه الخلق منه ، و لا یمنعها الحضور بین یدیه و الاشتغال بخدمته عن هدایة الأنام و تكمیلهم لما فیه من القوّة الجامعة بین الأمرین ، و أنا المسكین لما لم أكن فی هذه المرتبة بل و لا قریبا من بعض البعض منها لم أكن من أهل الردّ و لا من المستحقین له ، بل شأنى و منتهى ما تقتضیه قوّتی لزوم باب الملك و الحضور بین یدیه و التلقی لنفحات و ارداته ، فأنا فی مرتبة قولهم : لو نطق العارف هلك ، فهذا معنى قولى : إنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وصل و ردّ و أنا وصلت و ما رددت ، لا كما ذهب إلیه وهمك الرّدى و فهمك القاصر .

ثمّ قال : فاذا علمت أنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من المردودین لتكمیل الخلق و ایصالهم إلیه بطریق الشریعة و الطریقة و الحقیقة على مراتبهم لم یحسن منه بل و لم یجز له ترك

[ 263 ]

الصورة الظاهرة و لا رفض الأعمال البدنیة لأنه المقتدى به و المتبوع اثره فصلاته و عباداته لا للتوصّل و التقرّب بها ، لأنه فى الحقیقة و اصل قریب بل هو الأقرب الذى لیس وراء قربه قرب و لا بعد وصوله وصول ، بل لتقتدى به العامة و یتوصّل بآثاره و أطواره الخاصة ، و أما أنا فلا حاجة لی إلى هذه الصورة لانقطاعی عنها بمشاهدة الحقایق .

فسحرنى بكلامه و بهر عقلى بزخارف تقریراته حتى غلب علیّ الوهم أنه محقّ أو قریب من التحقیق ، ثمّ أیّدنى اللّه بمنّه فرجعت إلى نفسى و ثاب إلیّ عقلى و قلت له فى الحال بلا إمهال : لیس بالوصول ینقطع العمل ، و لا لأجله یترك الأوامر الشرعیة ، فانّ ذلك وهم شیطانىّ مهلك ، و خیال إبلیسىّ مرد ، بل الوصول عند أهل الوصول ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل .

فسكت و انقطع عن الجواب و بقى ساعة متفكرا ثمّ قال : یا هذا قد أشغلتنى عمّا أنا فیه فلا تكثر علىّ الكلام و لا تعاودنى بشی‏ء من الخطاب . فقم عنّى عجلا و دعنى و شغلی فما انقطعت فی هذه المفازة إلاّ خوفا من أمثالك .

فخرجت عنه و انقطعت حجّته و بان عجزه و علمت أنّ الوهم المردى هو الّذی أهلكه ، فعلم أنّ انقطاع حجج الاباحیة إنّما یكون بملاحظة هذا السّر فلا تغفل عن تدبّره ، انتهى .

أقول یا أهل البصیرة و البصر و اولى الاربة و الفكر انظروا بنظر الدّقة و العبر إلى عقیدة هذا الصوفی الذى عن الخلق اعتزل ، و بزعمه إلى مقام الزّلفى وصل ، و الحال أنّه تاه و ضلّ ، و هو بمعزل عن الحقّ عزّ و جلّ ، فلیكفك من العیان السّماع ، و من الغیب الخبر ، فقس على اعتقاده عقیدة من مضى منهم و من غبر ،

تعرف بذلك أنّ من دان بهذه العقیدة كالأنعام ، بل أضلّ سبیلا ، فلعن اللّه المتدیّن بها بكرة و أصیلا ، و عذّبهم عذابا ألیما و بیلا .

و العجب من ابن أبی الجمهور كیف سلّم لهذا الجاهل هذه التّرهات ، و لم یردعه من تلك السقطات ، و لم یكفّره فی أوّل الأمر و لم یقل إنّ دعواك الوصول

[ 264 ]

نفخ بغیر ضرم ، و مشى بلا قدم . كنت تدعى أنك من المسلمین مع أنّك من المشركین ، و تزعم أنك على ملّة سید المرسلین و أنت فی تلك الدعوى من المبطلین .

لأنّ الواجب على المتدیّن بدین الاسلام ، و المستنّ بسنة سیّد الأنام أن یطیع اللّه و رسوله و أولیاء أمره الكرام ، فی جمیع ما جاء به الكتاب و السنة من التكالیف و الأحكام .

و أعظم تلك التكالیف الصلاة التی هى عمود الدین ، و معراج المؤمنین ،

و كم من آیة متضمنة لخطاب أقیموا الصلاة ، و كأیّن من روایة قائمة على وجوب إقامتها فی الأوقات الموظفات ، بل ضرورة الدین قاضیة بعدم جواز تركها فی شی‏ء من الحالات ، حتى حالة الاشراف على الموت و الایاس من الحیاة ، فما هذا شأنها كیف یمكن سقوطها فی حالة الوصول ، مع أنّ الوصول بالمعنى الّذى تقول غلط غیر مقبول .

و بالجملة فاللازم على ابن أبی الجمهور أن یجیب هذا الجاهل السّفیه المعتوه بمجرّد اعترافه بأنّه من المسلمین بأنّ وجوب الصّلاة فی جمیع الحالات من ضروریّات الدّین ، فأىّ دلیل دلّ على سقوطها من الواصلین ، بل لما جعلها سیّد المرسلین بمنزلة عمود الفسطاط كان تاركها هادما لفسطاط دینه متردّیا فی أسفل السّافلین .

و لكنّه لمّا كان صوفیّ المذاق و لذلك سلك فی كتبه مسلك الملاحدة اللّئام و المتصوّفة العوام أصغى إلى طول مقال هذا الجاهل ، و أطال فی سؤاله و جوابه بلا طائل ، ثمّ أجاب بمصطلحات الصّوفیّة على مقتضى مذاقه و سلیقته ، و لم یجبه بالأصول الشّرعیة الممهّدة حسبما أجبناه ، لأنّ الأرواح جنود مجنّدة ، و إنّما الفیل یألف الفیلا .

فو اللّه العظیم جلّ جلاله إنّ الاباحیة من الصوفیة بل جمیع المدّعین للوصول لناكبون عن طریق السداد ، و زایغون عن نهج الرشاد ، مستحقّون اللعن و الطرد و الابعاد ، محجوبون عن حضرة ربّ العباد ، و من أضلّ اللّه فما له من هاد ،

[ 265 ]

و لنكتف من ذكر عقایدهم الفاسدة بما أوردناه و نعطف عنان القلم إلى ما سواه فأقول و باللّه التوفیق :

و أما الافعال و الاعمال

التی انحرفوا فیها عن النهج المقرّرة فی الشریعة و استبدّوا فیها بآرائهم الفاسدة و عقولهم السخیفة فأكثر من أن تحصى و لنشر إلى بعضها فأقول :

منها اعتمادهم على الأحادیث المجهولة و تأویلهم على الأخبار المجعولة

كما یظهر ذلك لمن راجع إلى كتبهم ، بل یجوّز بعضهم وضع الأحادیث الكاذبة مع ما سمعوه من قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الحدیث المتّفق علیه بین الفریقین : من كذب علىّ متعمدا فلیتبوأ مقعده من النار حسبما یأتی فی المختار الآتی .

و یشهد بتجویزهم للوضع ما قاله قاضی القضاة أحمد بن علیّ بن حجر العسقلانی القاهرى الشافعى فی شرح رسالة كتبها فی علم الدّرایة و سمّاها بنخبة فی مصطلح أهل الأثر بعد ما ذكر بعضا من القراین التی یدرك بها الوضع :

و الحامل للواضع على الوضع إما عدم الدّین كالزنادقة أو غلبة الجهل كبعض المتعبّدین ، أو فرط العصبیّة كبعض المقلّدین ، أو اتّباع هوى بعض الرّؤساء أو الأحزاب بقصد الاشتهار و كلّ ذلك حرام باجماع من یعتدّ به .

إلاّ أنّ بعض الكرامیة و بعض الصوفیة نقل عنهم إباحة الوضع فی الترغیب و الترهیب ، و هو خطاء من فاعله نشأ من جهل ، لأنّ الترغیب و الترهیب من جملة الأحكام الشرعیة و اتّفقوا على أنّ تعمد الكذب على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الكبایر .

و بالغ أبو محمّد الجوینی فكفّر من تعمّد الكذب على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و اتّفقوا على تحریم روایة الموضوع إلاّ مقرونا ببیانه لقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من حدّث عنّی بحدیث یرى أنه كذب فهو أحد الكذّابین ، أخرجه مسلم ، انتهى .

[ 266 ]

و قال السید نظام الدّین أحمد بن إسحاق من كتاب الأربعین المسمّى بنظم اللّئالی الملاح فی الأحادیث العوالی الصّحاح :

لا فرق فی تحریم الكذب علیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بین ما كان فی الأحكام و فیما لا حكم فیه كالترغیب و الترهیب و المواعظ و غیر ذلك ، فكلّه حرام من أكبر الكبائر و أقبح القبایح باجماع المسلمین الذین یعتدّ بهم .

خلافا للكرامیة المبتدعة فی زعمهم الباطل أنه یجوز وضع الحدیث فی الترغیب و الترهیب ، و تابعهم على هذا كثیر من الجهلة المنتسبین إلى الزهد ، و شبهة زعمهم الباطل أنه جاء فی روایة من كذب علىّ متعمدا لیضلّ به الناس فلیتبوّأ مقعده من النار .

و قد أجاب العلماء عنه بأجوبة أحسنها و أخصرها أنّ قوله : لیضلّ به الناس زیادة باطلة باتّفاق الحفاظ على إبطالها و أنها لا تعرف صحیحة بحال .

الثانی جواب أبی جعفر الطحاوى أنها لو صحّت لكانت للتأكید كقوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على اللّه كذبا لیضلّ الناس .

الثالث أنّ اللام فی لیضلّ لیست لام التعلیل بل هى لام الصیرورة و العاقبة معناه أنّ عاقبة كذبه و مصیره إلى الاضلال كما فی قوله تعالى : فالتقطه آل فرعون لیكون لهم عدوّا و حزنا ، و نظائره فی القرآن و كلام العرب أكثر من أن تحصى و على هذا یكون معناه فقد یصیر أمر كذبه إضلالا .

و نقل الجامی فی شرحه على منتخب الفصوص : إنّ سلطان العارفین أبا یزید البسطامی قال لبعض علماء الرسوم و نقلة الأحكام و الآثار و الأخبار : أخذتم علمكم میّتا عن میّت و أخذنا علمنا من الحىّ الّذى لا یموت .

أقول : و هذا تعریض منه على المحدّثین و رواة أحادیث المعصومین علیهم السّلام بل هو تصریح بنقصهم و انحطاط درجتهم سلام اللّه علیهم .

و نقل مثل ذلك الجزایرى فی الأنوار النعمانیة قال : و قد كان فی زماننا رجل من الصوفیّة یزعم أنّه من علماء الشّیعة و كان یخطب أصحابه یوما فقال و هو على

[ 267 ]

المنبر : إنّی كتبت الاصول الأربعة یعنی الكافی و التهذیب و الاستبصار و الفقیه و قرأتها و صحّحتها و لمّا رأیتها عدیم الفایدة بعتها بدرهم واحد و رمیت ذلك الدّرهم بالماء ،

فانظر إلى ایمان هذا الرّجل علیه لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعین .

فقد علم بذلك أنّ الصّوفیة سنیّا كانت أو شیعیا لا جریحة لهم فی أمر الدّین ،

و لا مبالاة فی ملاحظة مدارك الشّرع المبین ، فتارة یجوّزون وضع الأحادیث ، و تارة یعتمدون على الأخبار المرسلة و المجهولة ، بل على الموضوعة و المجعولة فى إثبات مطالبهم الفاسدة ، و ثالثة یستخفون الأخبار المعتبرة و یستحقرون رواتها و یستهزؤون لنقلة الأحادیث و الأخبار ، و ذلك كلّه لبعدهم عن قوانین الشّریعة ، و مع ذلك یزعمون أنّهم وصلوا الحقیقة ، و الحال أنّهم لم یعرفوا الشّریعة فضلا عن الطریقة و الحقیقة .

و منها التزامهم بكون ورودهم و صدورهم فى مقام السیر و السلوك بدلالة المرشد

زعما منهم أنه أعرف بطرق السیر و متابعته أسرع فى الایصال و الوصول ، و ذكروا فى آداب السالك انه :

یجب أن یكون كامل الاعتقاد فى حقّ الشیخ بحیث لا یرى أكمل منه فى عصره من حیث الارشاد و التربیة و التهذیب و التأدیب ، إذ لو كان ضعیف الاعتقاد لم یكن له وقع عنده فلا یؤثر فیه أقواله و افعاله ، و كلما كان اعتقاده به أشدّ كان تاثیر أقواله و أفعاله فیه آكد .

و یجب أیضا أن یقوم فى مقام التسلیم و الاذعان حتى لو رأى منه منكرا لا ینكره و لا یطعن به علیه و یذكر فى ذلك قصة موسى و الخضر علیهما السّلام .

و یجب أیضا أن یسلب عن نفسه بكلّیته الاختیار و یكون مطیعا له فی كلّ ما یأمر و ینهى من الأمور الدّنیویّة كالأكل و الشّرب و النّوم و اللّباس و القیام و القعود و الحركة و السّكون و غیرها ، أو الأمور الدّینیّة حتّى العبادات المندوبة

[ 268 ]

من الصّوم و الافطار و الاكثار من النّوافل و الاقتصار على الفرایض و الذّكر و التلاوة و المراقبة و غیرها ، فلا یقدم على شی‏ء منها إلاّ باذنه و لو رأى أنّه یكرهها لا یجوز إقدامه علیها .

و یجب أیضا أن ینتظر و یترصّد ما یصدر عن لسان الشّیخ فیتبعه لكونه واسطة كلام الحقّ إلى غیر ذلك ممّا ذكروه فی آداب السّالك و محصّل ذلك كلّه أن یشرب المرید قلبه حبّ الشّیخ و یكون راسخ الاعتقاد فی حقّه و یأخذ معالم دینه عنه ، لأنّه صاحب الولایة الجزئیة ، و من مجالی الولایة الكلیّة و للولىّ أن یكون نافذ التّصرف فی حقّ المولّی علیه .

و أوّل من أسّس هذا الأصل الفاسد و ادّعى لنفسه الولایة و تلقّاه أتباعه منه بالقبول هو الرّجس الخبیث ابن العربی ، فانّه لكونه سنیّا ضالاّ منحرفا عن أولیاء الدّین و الحجج المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین ادّعى أنّه خاتم الأولیاء ثمّ سرى ذلك الوهم الباطل و الغلط الفضیح منه إلى الأعقاب حتّى جهّال الشیعة المتصوّفة فسمّوا مرشدیهم بالأولیاء .

و ینبغی إشباع الكلام فی المقام لأنّه ممّا زلّت فیه أقدام أقوام من العوام فأقول :

زعم ابن العربی ما حى الدّین و هادم أساس الشّرع المبین أنّه خاتم الولایة المحمّدیّة ، و قد أشار إلى ذلك فی مواضع من الفصوص و الفتوحات و لنشر إلى موضع واحد .

قال فی الفصوص فى الفصّ الشّیثى « و لما مثل النّبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم النّبوّة بالحائط من اللّبن و قد كمل سوى موضع لبنة واحدة فكان صلّى اللّه علیه و آله و سلّم تلك اللّبنة غیر أنّه لا یراها إلاّ كما قال لبنة واحدة و أمّا خاتم الأولیاء فلابدّ له من هذه الرّؤیا فیری ما مثّله به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و یرى فى الحایط موضع لبنتین و اللبنتان من ذهب و فضّة فیرى اللبنتین اللتین ینقص الحایط عنهما و یكمل الحایط بهما لبنة ذهب و لبنة فضّة فلابد أن یرى نفسه تنطبع فى موضع تینك اللبنتین فیكمل الحایط »

[ 269 ]

قال القیصرى : أى لمّا مثل خاتم الرّسل النّبوّة بالحایط و رأى نفسه تنطبع فیه لا بدّ أن یرى خاتم الولایة نفسه كذلك لما بینهما من المناسبة و الاشتراك فى مقام الولایة .

« و السبب الموجب لكونه رآها لبنتین انه تابع لشرع خاتم الرّسل فى الظاهر و هو » أى كونه تابعا « موضع اللبنة الفضیّة و هو ظاهر و ما یتبعه فیه من الأحكام » أى موضع اللبنة الفضیّة صورة متابعة خاتم الأولیاء لخاتم الرّسل عن الأحكام و صورة ما یتبعه فیه و انطباعه موضع اللبنة یكمل المتابعة و لا یبقى بعده متابع آخر كما لا یبقى بعده ولىّ آخر .

« كما هو آخذ عن اللّه فى السرّ ما هو بصورة الظاهرة متّبع فیه » أى خاتم الولایة تابع للشرع ظاهرا كما أنه آخذ عن اللّه باطنا لما هو متّبع فیه للصورة الظاهرة « لأنه یرى الأمر على ما هو علیه فلابدّ أن یراها هكذا » أى لأنه مطلع على ما فى العلم من الأحكام الالهیة و مشاهد له و إلاّ لم یكن خاتما « و هو موضع اللبنة الذّهبیة فى الباطن » أى كونه رائیا للأمر الالهى على ما هو علیه فی الغیب هو موضع اللّبنة الذّهبیّة « فانّه یأخذ من المعدن الّذی یأخذ منه الملك الّذی یوحى به إلى الرّسول » و هو الحق تعالى ، هذا .

و نقل القیصرى عنه فی شرح هذا الفص انّه قال فی فتوحاته :

أنّه رأى حائطا من ذهب و فضّة و قد كمل إلاّ موضع لبنتین إحداهما من فضّة و الاخرى من ذهب ، فانطبع موضع تلك اللّبنتین و قال فیه و أنا لا اشكّ انّى أنا الرّائى و لا أشكّ انّی أنا المنطبع موضعهما و بی كمّل الحائط ، ثمّ عبّرت الرّؤیا بانختام الولایة بی و ذكرت المنام للمشایخ الّذین كنت فی عصرهم و ما قلت من الرّائی فعبّروا بما عبّرت به .

و الظّاهر ممّا وجدت فی كلامه فی هذا المعنى أنّه خاتم الولایة المقیّدة المحمّدیة لا الولایة المطلقة الّتی لرتبته الكلّیة .

[ 270 ]

 


و لذلك قال فی أوّل الفتوحات فی المشاهدة : فرآنی أى رسول اللّه و رأى الختم لاشتراك بینی و بینه فی الحكم فقال له السّید هذا عدیلك و ابنك و خلیلك و العدیل هو المساوى .

قال فی الفصل الثالث عشر من أجوبة الامام محمّد بن علیّ التّرمدى : الختم ختمان ختم یختم اللّه به الولایة مطلقا ، و ختم یختم اللّه به الولایة المحمّدیّة .

فأمّا ختم الولایة على الاطلاق فهو عیسى علیه السّلام فهو الولیّ بالنبوّة المطلقة فی زمان هذه الامّة و قد حیل بینه و بین نبوّة التشریع و الرّسالة فینزل فی آخر الزمان وارثا خاتما لاولىّ بعده فكان أوّل هذا الأمر نبیّ و هو آدم علیه السّلام و آخره نبیّ و هو عیسى علیه السّلام أعنی نبوّة الاختصاص فیكون له حشران حشر معنا و حشر مع الأنبیاء و الرّسل .

و أمّا ختم الولایة المحمّدیة فهو لرجل من العرب أكرمها أصلا و بدءا و هو فی زماننا الیوم موجود عرفت به سنة خمس و تسعین و خمسمأة و رأیت العلامة التی قد أخفاها الحقّ فیه عن عیون عباده و كشفها لی بمدینة فامن حتّى رأیت خاتم الولایة منه و هى الولایة الخاصّة لا یعلمه كثیر من النّاس و قد ابتلاه اللّه بأهل الانكار علیه فیما تحقّق به من الحقّ فی سرّه .

و كما أنّ اللّه ختم بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نبوّة التّشریع كذلك ختم اللّه بالختم المحمدى الولایة التی تحصل من الوارث المحمّدى لا الّتى تحصل من سایر الأنبیاء فانّ من الأولیاء من یرث إبراهیم و موسى و عیسى و هؤلاء یوجدون بعد هذا الختم المحمّدى ، هذا ختم الولایة المحمدیّة و أمّا ختم الولایة العامّة الذى لا یوجد بعده ولىّ فهو عیسى .

و قال فی الفصل الخامس عشر منها : فانزل فی الدّنیا من مقام اختصاصه استحقّ أن یكون لولایته الخاصّة ختم یواطى 1 اسمه اسمه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و یجوز خلقه و ما هو بالمهدى المسمّى المعروف المنتظر فهو ذلك من عترته و سلالته الحسّیة و الختم لیس من سلالته الحسّیة و لكن من سلالة أعرافه و أخلاقه و الكلّ إشارة إلى

-------
( 1 ) یشیر إلى نفسه لأنّ اسمه محمد بن على العربى الاندلسى ( منه )

[ 271 ]

نفسه ، انتهى ما نقله القیصرى .

فقد علم بذلك كلّه أنّ هذا الخبیث الملحد قد ادّعى دعوى أعظم من فیه حیث إنّه ادّعى تارة أنّه خاتم الولایة ، و اخرى أنّه عدیل النّبوّة و مساو له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الرّتبة ، و ثالثة أنّه أفضل من الأنبیاء و الرّسل لتلقّیه الوحى بلا واسطة من الحقّ و تلقّى الرّسل له بواسطة الملك كما قال فی آخر كلامه : فانّه یأخذ من المعدن الذى یأخذ منه الملك الّذى یوحى به إلى الرّسل و هو الحقّ تعالى و لمّا سمع أصحابه منه هذه الهذیانات سلموا له ذلك لما استحوذ علیهم الشیطان اللّعین و أضلّهم عن السّبیل و سرى ذلك الفساد و الضّلال إلى الأعقاب و إلى أتباع كلّ ناعق من متصوّفة العامة فسمّوا مرشدهم بالشیخ و الولی و وصفوهم بالولایة .

ثمّ تعدّى عنهم إلى جهّال الخاصّة المتصوّفة فاحتذوا حذوهم و اتّخذ كلّ سلسلة منهم مرشدا مخصوصا و وصفوه بالولایة و فوّضوا علیه زمام امورهم الدّنیویّة و الدّینیة و عنه أخذوا الاذكار المخترعة و الأوراد المبتدعة ، و وقّروه و عظمّوه و مجّدوه و زاروه ، بل ربما ینقشون صورته المنحوسة فى قرطاس أو لوح و یجعلونه فى مصلاهم یزورن تلك الصورة و یقبّلونها و یضعونها على رؤوسهم فى الغدوّ و الرّواح یلتمسون بذلك الخیر و البركة و التقرّب إلى اللّه تعالى ، زعما منهم أنّ تقرّبه موجب لتقرّبه عزّ و جلّ كما قال عبدة الأصنام : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه .

و لم یدروا أنّ ذلك كلّه بدعة و ضلالة لكونه مخالفا للأصول الشرعیّة و لقواعد مذهب الامامیة .

و ذلك لأنّ الولایة الكلّیة و السلطنة الالهیة و وجوب الاطاعة بنصّ آیة : إنما ولیكم اللّه و آیة : أطیعوا اللّه الآیة و غیرها من آیات الكتاب و أحادیث الأئمة الأطیاب منحصرة فى اللّه سبحانه و فى رسوله و اولى الأمر من ذرّیته أعنى الأئمة الهداة و القادة الدّعاة و السادة الولاة سلام اللّه علیهم أجمعین ، فیجب طاعتهم و الرّجوع إلیهم و أخذ معالم الدّین عنهم فی زمان حضورهم .

و أما فى زمان الغیبة الكبرى و الطامة العظمى فیجب الرّجوع إلى من

[ 272 ]

أرجعنا أولیاء الأمر علیهم السّلام إلیه و فرضوا علینا أخذ التكالیف الشرعیة منه و أوجبوا علینا متابعته و طاعته ، و هم المجتهدون الجامعون لشرایط الافتاء و القابلون لنیابة الامام فقط .

فلقد قال صاحب الأمر عجّل اللّه فرجه فی حقّهم : و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فیها إلى رواة أحادیثنا فانهم حجّتی علیكم و أنا حجّة اللّه .

و قال الصادق علیه السّلام فی مقبولة عمر بن حنظلة الطویلة الواردة فی حقّ المتخاصمین :

ینظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حدیثنا و نظر فی حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فلیرضوا به حكما فانی قد جعلته علیكم حاكما فاذا حكم بحكم فلم یقبل منه فانما استخفّ بحكم اللّه و علینا ردّ و الرّاد علینا كافر رادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه .

و نحوهما أخبار لا حاجة إلیها فبمقتضى هذه الأخبار و سایر الأدلّة التى ذكرها أصحابنا رضى اللّه عنهم فی كتب الاصول لا یجوز التعویل و الاعتماد على غیر هؤلاء .

فالصوفیة الذین یتّخذون لهم مرشدا و دلیلا و یسمّونه شیخا و ولیا و یأخذون آداب السیر و السلوك إلى اللّه منه مع كونه جاهلا ضالاّ عن طریق الهدى إلى سمت الرّدى مثلهم إنما مثلهم كمثل العنكبوت اتّخذت بیتا و إنّ أوهن البیوت لبیت العنكبوت لو كانوا یعلمون ، بل مثل من أسّس بنیانه على شفا جرف هارفا نهار به فی نار جهنم .

و ذلك لأنهم قد سلكوا الطریق بغیر دلالة الدّلیل الواجب الاتباع و هو المجتهد الجامع لشرایط الافتاء ، بل قلّدوا جاهلا لا یعرف الباطل و الحقّ و لا یفرّق بین النعق و النهق ، و لئن قلت لهم : أنتم قلّدتم هذا الجاهل فیستوحشون منه و ینكرون غایة الانكار مع أنّ التقلید لیس عبارة إلاّ عن أخذ قول الغیر من غیر مطالبة الدلیل و هذا حالهم مع هذا الضلیل .

و قد أشیر إلى بطلان مثل هذه المتابعة و التقلید و إلى النهى عنها فی آیات

[ 273 ]

و أخبار كثیرة .

مثل ما رواه فی الوسایل عن الكلینی باسناده عن محمّد بن عبید قال : قال لى أبو الحسن علیه السّلام : یا محمّد أنتم أشدّ تقلیدا أم المرجئة ؟ 1 قال : قلت : قلّدنا و قلّدوا فقال علیه السّلام : لم أسألك عن هذا ، فلم یكن عندى جواب أكثر من الجواب الأوّل فقال أبو الحسن علیه السّلام : إنّ المرجئة نصبت رجلا لم تفترض طاعته و قلّدوه و أنتم نصبتم رجلا و فرضتم طاعته ثمّ لم تقلّدوه فهم أشدّ منكم تقلیدا .

و باسناده عن أبی بصیر 2 عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه ، فقال علیه السّلام : أما و اللّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم و لو دعوهم ما أجابوهم و لكن أحلّوا لهم حراما و حرّموا علیهم حلالا فعبدوهم من حیث لا یشعرون .

و باسناده عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ : اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه فقال علیه السّلام : و اللّه ما صاموا لهم و لا صلّوا لهم و لكن أحلّوا لهم حراما و حرّموا علیهم حلالا فاتّبعوهم .

و باسناده عن عبد اللّه بن مسكان قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : ایّاكم و هؤلاء الرّؤساء الذین یتراسون فو اللّه ما خفقت النّعال خلف رجل إلاّ هلك و أهلك .

و باسناده عن أبی حمزة الثّمالی قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام إیّاك و الرّیاسة و إیاك أن تطاء أعقاب الرّجال ، قلت : جعلت فداك أمّا الرّیاسة فقد عرفتها و أمّا أن أطاء أعقاب الرّجال فما نلت ما فی یدی إلاّ ممّا وطئت أعقاب الرّجال ، فقال علیه السّلام

-----------
( 1 ) و فى الأحادیث المرجى‏ء یقول من لم یصل و لم یصم و لم یغتسل من الجنابة و هدم الكعبة و نكح امه فهو على ایمان جبرئیل و میكائیل قال بعض أهل المعرفة بالملل : المرجئة هم الجبریة سمّیت مرجئة لانهم یؤخّرون أمر اللّه و یرتكبون الكبائر ، و ذكر فى مجمع البحرین له معانى اخر . منه .

-----------
( 2 ) یعنى المرادى

[ 274 ]

لی : لیس حیث تذهب ایّاك أن تنصب رجلا دون الحجّة فتصدّقه فی كل ما قال .

و فى الوسائل من الاحتجاج فى حدیث طویل عن الحسن العسكری علیه السّلام قال : و كذلك عوامنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر و العصبیة الشّدیدة و التكالب على الدّنیا و حرامها فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل الیهود الّذین ذمّهم اللّه بالتقلید لفسقة علمائهم ، فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدینه مخالفا على هواه مطیعا لمولاه فللعوام أن یقلّدوه ، و ذلك لا یكون إلاّ بعض فقهاء الشّیعة لا كلّهم ، فانّ من ركب من القبایح و الفواحش مراكب علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنّا شیئا و لا كرامة ، و إنّما كثر التّخلیط فیما یتحمّل عنا أهل البیت لذلك لأنّ الفسقة یتحمّلون عنّا فیحرّفونه بأسره لجهلهم و یضعون الأشیاء على غیر وجهها لقلّة معرفتهم ، و آخرون یتعمّدون الكذب علینا ، إلى غیر هذه ممّا لا نطیل بروایتها .

و الحدیث الأخیر و إن كان فی حقّ العلماء السّوء و مقلّدیهم إلاّ أنه یشمل كلّ من یأخذ أمر دینه ممن لیس له قابلیة لأن یؤخذ منه مثل ذلك إما لجهله أو لفسقه كالصوفیة و مشایخهم الفسقة الجهال .

و أیّ فسق أعظم من تجویز التصفیق و الرّقص و الغناء و اختراع الأذكار و الأوراد المبتدعة بكیفیات خاصة و شرایط مقرّرة عندهم من حیث العدد و الوقت و الزّمان و المكان و غیرها مما لیس منها فی الكتاب و السنة عین و لا أثر .

ثمّ العجب أنّ أتباع هؤلاء الفسقة یقصدون بالتقرّب إلیهم و بتوقیرهم و تمجیدهم و تعظیمهم التقرّب إلى اللّه ، و هكذا كانت حال عبدة الأصنام كما قال اللّه تعالى فی وصفهم : و الذین اتخذوا من دونه أولیاء ما نعبدهم إلاّ لیقرّبونا إلى اللّه زلفى إنّ اللّه یحكم بینهم فیما هم فیه یختلفون إنّ اللّه لا یهدی من هو كاذب كفّار .

و الضمیر فی یختلفون للكفرة و مقابلیهم أولهم و لمعبودیهم ، فانهم یرجون شفاعتهم و هم یلعنونهم .

و أعجب من ذلك تبرّكهم بتمثال المرشد و تعظیمهم و تقبیلهم و زیارتهم له

[ 275 ]

و قد قال إبراهیم علیه السّلام لعبدة الأصنام : ما هذه التماثیل التی أنتم لها عاكفون . قالوا . وجدنا آبائنا لها عابدین . قال لقد كنتم أنتم و آبائكم فی ضلال مبین .

و منها الغناء و الرّقص و التصفیق

و هو أعظم عباداتهم یقومون بها فی الأوقات الشریفة المخصوصة و قد عاتب اللّه أهل الجاهلیة الكفار بذلك فقال : و ما كان صلوتهم عند البیت إلاّ مكاء و تصدیة ، أى یقیمون الصفیر و التصفیق مكان الصلاة .

قال الصوفیة فی أسباب حصول الجذبة و الحالة التی تحصل للمرید یلازم سماع الغنا .

قال الغزالی : اعلم أنّ السماع أوّل الأمر و یثمر السماع حالة فی القلب تسمّى الوجد و یثمر الوجد تحریك الأطراف إما بحركة غیر موزونة فتسمّى الاضطراب و إما موزونة فتسمّى التصفیق و الرّقص .

قال أبو طالب المكّی : لم یزل الحجازیّون عندنا بمكة یسمعون السماع فی أفضل أیام السنة و هی الأیام المعدودات التی أمر اللّه عباده فیها بذكره كأیام التشریق ،

و لم یزل أهل المدینة مواظبین كأهل المكة على السماع إلى زماننا ، فأدركنا أبا مروان القاضی و له جوار یسمعن الناس التلحین و قد أعدّهنّ للصوفیّة .

قال : و قال الجنید : ینزل الرّحمة على هذه الطایفة فى ثلاثة مواضع : عند الأكل لأنهم لا یأكلون إلاّ عن فاقة ، و عند المذاكرة لأنهم لا یتحاورون إلاّ فی مقامات الصدیقین ، و عند السماع لأنهم یسمعون بوجد و یشهدون حقا .

قال بعد الاستدلال على حلّیته بالقیاس و الاستحسانات العقلیة الفاسدة و بالأخبار الموضوعة و بعد تفصیل الموارد الّتی یتغنیّ فیها مثل الغناء لتهیّج الحجیج و تشویقهم إلى الحجّ و لتحریض الغزاة على الجهاد و فی أیّام السّرور و العید و نحوها و استقصاها إلى سبعة ما لفظه :

السّابع سماع من أحبّ اللّه و عشقه و اشتاق إلى لقائه ، فلا ینظر إلى شی‏ء

[ 276 ]

إلاّ رآه فیه سبحانه و لا یقرع سمعه قارع إلاّ سمعه منه أو فیه ، فالسماع فی حقّه مهیّج لشوقه و مؤكد لعشقه و مور زناد قلبه ، و مستخرج منه أحوالا من المكاشفات و الملاطفات لا یحیط بها الوصف یعرفها من ذاقها و ینكرها من كلّ حسّه عن ذوقها و تسمّى تلك الأحوال بلسان الصّوفیّة و جدا مأخوذ من الوجود و المصادفة أى صادف من نفسه أحوالا لم یكن یصادفها قبل السماع ، ثمّ تكون تلك الأحوال أسبابا لروادف و تتابع لها تحرق القلب بنیرانها و تنقیه من الكدورات كما تنقى النّار الجواهر المعروضة علیها من الخبث ، ثمّ یتبع الصّفاء الحاصل به مكاشفات و مشاهدات و هى غایة مطالب المحبّین للّه فالمفضى إلیها من جملة القربات لا من جملة المعاصی و المباحات .

ثمّ ذكر آداب مجلس السّماع للغناء إلى أن قال :

الأدب الرّابع أن لا یقوم و لا یرفع صوته بالبكاء و هو یقدر على ضبط نفسه و لكن إن رقص و تباكی فهو مباح إذا لم یقصد به المراآة لأنّ التباكی استجلاب للحزن و الرّقص سبب فی تحریك السّرور و النّشاط فكلّ سرور مباح فیجوز تحریكه إلى أن قال :

و الأدب الخامس موافقة القوم فى القیام إذا قام واحد منهم فی وجد صادق من غیر ریاء و تكلّف أو قام باختیار من غیر إظهار و جد و قامت له الجماعة ، فلابدّ من الموافقة فذلك من آداب الصّحبة و كذلك إن جرت عادة طائفة بتنحیة العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع الثیاب إذا سقط عنه ثوبه بالتمزیق فالموافقة فی هذه الامور من حسن الصحبة و العشرة إذ المخالفة موحشة و لكلّ قوم رسم و لا بدّ من مخالقة النّاس بأخلاقهم ، و قول القائل : إنّ ذلك بدعة لم یكن فی الصحابة ، فلیس كلّ ما یحكم باباحته منقولا من الصحابة و إنما المحذورات ارتكاب بدعة تراغم سنة مأثورة إلى أن قال :

و من الأدب أن لا یقوم للرّقص مع القوم إن كان یستثقل رقصه و لا یشوّش علیهم أحوالهم إذ الرّقص من غیر إظهار التواجد مباح و المتواجد هو الذی یلوح

[ 277 ]

للجمع منه أثر التكلف و من یقوم عن صدق لا تستثقله الطباع فقلوب الحاضرین اذا كان من أرباب القلوب محك للصدق إلى أن قال :

فقد خرج من جملة التفصیل السابق أنّ السماع قد یكون حراما محضا ،

و قد یكون مباحا ، و قد یكون مكروها ، و قد یكون مستحبا .

أما الحرام فهو لأكثر الناس من الشّبان و من غلبت علیهم شهوة الدّنیا ،

فلا یحرّك السماع منهم إلاّ ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة .

و أما المكروه فهو لمن لا ینزله على صورة المخلوقین و لكن یتّخذه عادة له فی اكثر الأوقات على سبیل اللهو .

و أما المباح فهو لمن لا حظّ له منه إلاّ التلذّذ بالصوت الحسن .

و أمّا المستحبّ فهو لمن غلب علیه حبّ اللّه و لم یحرّك السماع منه إلاّ الصّفات المحمودة ، انتهى ما أهمّنا نقله من لغویّات كلامه .

و إنّما أطنبنا بنقله تنبیها لك على سوء أعمالهم و أفعالهم و استباحتهم لما تثبت حرمته بالكتاب و السّنة بل حكمهم باستحبابه بمقتضا قیاساتهم الفاسدة و الاستحسانات السّاقطة عن درجة الاعتبار ، و كفانا مؤنة أدلّة التّحریم ذكر أصحابنا رضوان اللّه علیهم لها فی كتاب المكاسب من الفقه و فی كتب الأخلاق و غیرها ، و لنعم ما قیل فی حقّ هؤلاء :

أیا جیل التّصوّف شرّ جیل
لقد جئتم بشی‏ء مستحیل

أ فی القرآن قال لكم إلهی
كلوا مثل البهایم و ارقصوا لی

و إذا عرفت أقوالهم فی جواز التّغنّى و السّماع و الرّقص فلنذكر مواظبتهم بأعمالها فی مجالس ذكرهم لأنّ إلحاق ذكر الفعل بالقول و إقران العمل بالعلم أكمل و أبلغ فی ایضاح مذاق هؤلاء الفسّاق فأقول :

قال هبة اللّه بن محمّد فی شرح الحدیث الخامس من رسالة المسمّاة بالأحادیث الخمسین المروّیة عن آل یس : سمعت من قطب الأولیاء و السّالكین ظهیر الملّة و الدّین حكایة أبیه الشیخ الرّبانى نجیب الدّین علیّ بن یزعش الفارسی أنّه قد حضر

[ 278 ]

سماعا فی دار شیخ مشایخ الاسلام شهاب الملّة و الدین السّهروردى و كان الشیخ على أعلى السطح ، فلمّا شرع المطرب القول و الضّرب اقتصر الاصحاب على السّماع المجرّد و هو بلا حركة مبرّد ، فصاح الشیخ من فوق و قال یا أصحابی :

السّماع بلا كشكش كبستان بلا مشمش .

فتواجد القوم كلّهم و أنشد مطربهم هذا :

أیا جبلی نعمان باللّه خلّیا
نسیم الصّبا یخلص إلىّ نسیمها

فانّ الصباریح إذا ما تنسّمت
على قلب محزون تجلّت همومها

أجد بردها او تشف منى حرارة
على كبد لم یبق إلاّ صمیمها

ألا إنّ أو دائى بلیلى قدیمة
و أقتل داء العاشقین قدیمها

و كان هناك فقیر قاعد فی الحاشیة عند مواقف الحاشیة إذ اقرء المطرب هذه الأبیات وقع فی الاضطراب على أعجب الحالات و تلالا منه نور و حرقة بحیث أدهش جماعة الفرقة ، فأخذوا فی الذّوق و البكاء و الجزع و الغلق إلى آخر المجلس فما أفاقوا .

قال ذلك الفقیر : أتدرون یا صحبى ما معنى جبلى نعمان و أىّ شی‏ء وقع فی خاطرى من المناسبة و ما المراد للفقراء عند إطلاق هذا اللّفظ ؟ فقال بعضهم الخوف و الأمل ، و قال بعضهم : النّفس الحیوانیّة و الطبیعیّة ، و قال : بعضهم الملك و الشیطان ، و قال بعضهم : الامّارة و اللّوامة ، و هو ما التفت إلى هذه الأجوبة فقالوا قد رضینا بجوابك و سیرك فمرنا بأمرك فقال : ما أقول إلاّ بحضور الشیخ ، فاستحضروا خدمة شیخهم و جلس و قال : أجب لهم یستفیدون منك فقال : إنّهما محمّد و إبراهیم صلوات اللّه علیهما و شرایعهما ما یخلیان أن یهب نسیم الرّوح إلى العشاق و قد سدّ طرق الانبساط و الأذواق و وضعا سلاسل الأحكام على أیدى الخواص و العوام ،

و رسما مراتب العبادات و وسما كلّ شخص بسمة فی الدّرجات و الدّركات ،

فاستحسنه الشیخ و أصحابه ، و فتحوا للعیش أبوابه ، و اشتغلوا بالسّماع إلى الصباح من المصباح ، و أمر الشیخ بأنّ السّماع عند من له قلب و سمع من أشرف الطاعات بعیدا عن أرباب العادات انتهى .

[ 279 ]