و هذا المجلس انموزج سایر مجالسهم و به عرف أنّ الغناء الّذى استحلّوه لأجل كونه مهیّجا للوجد و المكاشفات على زعمهم لم یكن مهیّجا له بل منتجا للأقوال و الأباطیل و الهزل و الهذیان ، و محصّلا لاعلان عداوة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عداوة خلیل الرّحمن ، حیث قیّداهم بقید الشریعة و لم یخلیّاهم و أنفسهم كالبهایم المرسلة و الانعام المهملة یرتعون ما یشتهون و یعملون ما یشاؤون تبعا لولیّهم الشیطان ،

و ذلك لأنّهم فی تحلیل الغناء به اقتدوا و من بحره استقوا ، و على منهاجه جروا .

كما یدلّ علیه ما عن العیاشی فی تفسیره عن جابر عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله قال :

كان إبلیس أوّل من ناح و أوّل من تغنّى و أوّل من حدا ، قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لمّا أكل آدم من الشّجرة تغنّى ، فلمّا اهبط حدا به ، فلمّا استقرّ على الأرض ناح فاذكره ما فی الجنّة الحدیث ، هذا .

و العجب كلّ العجب من متصوّفة الامامیّة أنّهم مع اذعانهم بأئمّة الدّین و اعتقادهم بولایة الحجج المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین قد أخذوا فی مقام العمل مسلك العامّة العمیا المنحرفین عن أئمة الهدى و التّاركین للحنیفیّة البیضاء ،

فاحتذوا حذوهم فی أصل التّصوف و تشیید بنیانه ، ثمّ فی الأخذ بفروعه و أغصانه ،

و أوردوا فی مؤلفاتهم نظما و نثرا ما هو مفید لحسن السّماع و الرّقص ، مع أنّه خلاف الاجماع و الكتاب و النّص ، حسبما تعرفه فی ضمن الأخبار الآتیة إنشاء اللّه قال بعض أقطابهم :

و حین یسمع ذكر اللّه سامعهم
فی لحن داود عهد اللّه یدّكر

طوبى لهم یا جبال أوّبی معهم
و الطیر عن ذكره للسمع یبتدر

و حین یسمع الأشعار منصتهم
من نظم امجاد أهل اللّه یبتدر

یتلو بنغمة حسن الصوت مطربهم
نظما بدیعا به یصّعّد الحجر

كلامهم من جنود اللّه یأخذ من
هو الأسیر لدى الدنیا و ینتصر

یكاد یندكّ من ألحانه طربا
شمّ الجبال و منها یخضع الخدر

هم كالمجانین عند الغافلین و هم
مسافرون و فی الرّجعى لهم سفر

[ 280 ]

و روى قطبهم الآخر فی كتابه أنّه أنشد بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شعر مشتمل على ذكر الحبیب فطفق صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یهتزّ و یهرول و یكرّر قول : یا حبیب یا حبیب ،

فقال معاویة : ما أحسن لعبك یا رسول اللّه ، فقال : مه یا معاویة لیس بكریم من لم یهتزّ بذكر الحبیب .

و لعلّه نقله من كتب العامّة و الاّ فلیس الاهتزاز و الهرولة و اللعب بسماع الشعر لایقا به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بمنصب النبوّة .

و قد روى مثله فی كتب العامّة قالوا : و قد انشد شخص بحضرته :

لسعت حیّة الهوى كبدى
فلا طبیب و لا راق

إلاّ الحبیب الذى كلفت به
فانّه منیتى و تریاقى

فتمایل علیه و سقط رداؤه من أعلاه فتقاطعوه تبركا فوا عجبا من ركون قوم على الافك و الأباطیل ، و عكوفهم على ترّهات الأقاویل ، و من اعتمادهم فی الاصول و الفروع على الاخبار الموضوعة المجعولة ، و إعراضهم عن الصحاح و موثقات المقبولة ، و اتّخاذهم ثقات العلماء و المحدّثین حربا ، و الأفّاكین من الشیاطین حزبا ، و من إقبالهم على النوافل و المندوبات ، و إدبارهم عن الواجبات و المفروضات ،

و عنایتهم بالعبادات المبتدعة ، و العادات المخترعة ، و توقّیهم عن المكروهات ، و تقحّمهم فی الشّبهات و المحرّمات ، إن سألت أحدهم عن أشعارهم الجاهلیّة و غزلیّات الصوفیّة ینبسط و یجیب بلا مهل ، و إذا سألت عن حدود الصلاة المفروضة من الأجزاء و الأركان و السهو و الشّك و الطمأنینة ینقبض و یرتطم ارتطام الحمار فی الوحل ،

یتركون الأدعیة المأثورة بالاسناد المعتبرة ، و یداومون بالأذكار الجلیّة و الخفیّة المتلقّاة من مشایخهم الفجرة ، و لو قرؤوا القرآن فی بعض الأحیان من باب التقیّة یتغنّون فی تلاوته بجمیع النّغمات الموسیقیّة .

فما أشبه حالهم بحال مولا جاریة حكاه الزّمخشرى فی ربیع الأبرار عن أبی العیناء قال : رأیت جاریة فی النّخاس تحلف لا ترجع إلى مولاها فقلت : لم ؟ قالت :

یواقعنى من قیام ، و یصلّى من قعود ، و یشتمنى باعراب ، و یلحن فی القرآن ،

[ 281 ]

و یصوم الاثنین و الخمیس و یفطر فی رمضان ، و یصلّى الضّحى و یترك الفجر ، هذا .

و أمّا ما ورد فی الأخبار العامیّة من قوله علیه السّلام : ما أذن اللّه لشی‏ء كاذنه لنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یتغنّى بالقرآن .

فالجواب عنه بعد الغضّ عن سنده ما أجاب به الشّریف الرّضى رضى اللّه عنه حیث قال فی محكىّ كلامه من كتابه الموسوم بمجازات الآثار النّبویة : و من ذلك قوله علیه السّلام ما اذن اللّه لشى‏ء كاذنه لنبیّ یتغنّى بالقرآن ، و هذا القول مجاز و المراد ما استمع اللّه لشی‏ء كاستماعه لنبیّ یدوام تلاوة القرآن فیجعله دأبه و دیدنه و هجیرانه و شغله كما یجعل غیره الغناء متروّح حزنه و مستفسح قلبه لیس هناك غناء به على الحقیقة ، و هذا كما یقول القائل : قد جعل فلان الصّوم لذّته و الصلاة طربه إذا أقامهما مقام شغل غیره باللّذّات و طربه إلى المستحسنات و قد قیل إنّ المراد بذلك تحزین القراءة لیكون أشجى للسّامع و آخذ بقلب العارف ، فسمّى هذه الطریقة غناء على الاتّساع لأنّها یقوّد زیّنوا أصواتكم بالقرآن فی حدیث آخر ، و لیس المراد بذلك تلحین القرآءة و تطریبها ، فانّ الأخبار قد وردت بذمّ هذه الطریقة حتّى ذكر علیه السّلام فی أشراط الساعة امورا عدّدها ثمّ قال :

و أن یتّخذ القرآن مزامیر .

و قال بعضهم : معنى یتغنّى بالقرآن إى یذكر القرآن ، من قولهم تغنّى فلان بفلان إذا ذكره فی شعره إمّا هجوا و إمّا مدحا .

فأمّا الحدیث الآخر و هو قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لیس منّا من لم یتغنّ بالقرآن ، فلیس المراد به هذا المعنى ، و إنّما أراد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیس منّا من لم یستغن بالقرآن عمّا سواه ، و تغنّى ههنا بمعنى استغنى و هو تفعّل من الاستغناء لا من الغناء ،

قال العجاج :

أرى الغوانى قد غنین عنّى
و قلن لى علیك بالتّغنّى

أى استغنین عنّى و قلن لى استغن عنّا كما استغنینا عنك ، و هذا عند موت الشّباب و انقضاء الاراب ، و یؤكّد ذلك الحدیث الآخر و هو قوله علیه السّلام : من قرء

[ 282 ]

القرآن فرأى أنّ أحدا اعطى أفضل ممّا اعطى فقد عظّم صغیرا و صغّر عظیما ، و لو كان المراد بالتغنّى فی هذا الخبر ترجیع الصوت بالقرآن لكان من لم یقصد هذه فی تلاوته و یعتمدها فی صلاته داخلا تحت الذّم و مقارفا للذنب ، لأنّه علیه السّلام قال :

لیس منّا من لم یثغنّ بالقرآن ، فبان أنّ المراد به الاستغناء لا الغناء ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و لبعض الأعلام كلام فی المقام لیس فوقه كلام فی ایضاح المرام فی ابطال دیدن الصوفیّة فی مسألة الغناء و كشف سایر سوآتهم و بیان نكتة سرایة التّصوف من العامّة إلى الخاصّة ، یعجبنى نقله تنبیها للمتصوّفة الخاصة من نومة الغفلة و الجهالة ، و ایقاظا لهم من رقدة الضلالة فأقول :

قال الشیخ علیّ بن الشیخ محمّد العاملى فی محكىّ كلامه من كتاب الدّر المنثور من المأثور و غیر المأثور عند شرحه الحدیث السابع فی الغناء نقلا من الكافی ما هذه عبارته :

و من ذلك ما روى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إیّاكم و لحون أهل الفسوق و أهل الكبایر فانّه سیجى‏ء من بعدى أقوام یرجّعون القرآن ترجیع الغناء و النّوح و الرّهبانیّة لا تجوز تراقیهم قلوبهم مقلوبة و قلوب من یعجبه شانهم .

أقول : هذا الحدیث یدلّ صریحا على أنّ الغناء یحصل بترجیع القرآن على النحو المتعارف فی هذا الزّمان ، و یدلّ على تفسیر الغناء بالتّرجیع المطرب و الطرب خفة تصیب الانسان لشدّة حزن أو سرور كما ذكره أهل اللّغة ، و فی كون فعلهم كفعل أهل الفسوق و الكبایر و عدم جوازه التراقی و قلب قلوبهم و قلوب من یعجبه ذلك ما هو ظاهر لمن عقله كیف لا ؟ و هو كلام سیّد البشر صلوات اللّه و سلامه علیه و آله ، و هل سمعت أو رأیت أحدا یقرء القرآن بالمثانى و الطنبور و الأوتار و نحوها حتّى تخصّ الغناء بمثل ذلك و یسهل طریق سماع ما صار متعارفا شایعا بعد ما ظهر أنّه عناء فی غیر القرآن أیضا لصدق الغناء علیه بما عرفته ، و سنوضحه

[ 283 ]

فیما بعد و هل لذلك وجه غیر إجابة الشیطان و میل الطبع .

و قد سرى ذلك من صوفیة المخالفین و ملاحدتهم میلا إلى طریقتهم و اعتقادهم و كراهة لما ورد من طرقنا من النّهى عن مثله .

و قد خصّ المحرّم منه مثل الغزالى و أحزابه بما یستعمل فی مجالس الشرب و أهل الفسوق ، فقلّده فی ذلك من أعجبه و أحسن الظّن به مع إساءة ظنّه بالأئمة علیهم السّلام و علماء شیعتهم ، و لم ینظر إلى نصبه و عداوته للأئمّة علیهم السّلام و علمائهم ،

فالغناء إن كان هو الترجیع الذى ذكره علماءنا فهو صادق على مثل ذلك ، و إن كان راجعا إلى العرف كما قیل كان صادقا أیضا فانّا لم نعرف فی عرف بلاد العرب إذا سمعوا من ینشد الشعر و غیره على الطریق المعهود إلاّ أنّهم یقولون هذا یغنّى و هذا مغنّ و قد ذكر الصوفیّة فی أسباب حصول الجذبة و الحالة الّتى تحصل للمرید أنّه یلازم سماع الغناء ، و تارة یقولون : إنّ من أسبابها سماع الغناء ، فهذا اعتراف منهم بأنّ مثل ما یفعلونه و یسمعونه غناء ، فان قلت بالعرف فقد اعترفوا به ، و ان رجعت إلى التّرجیع المطرب فكونه كذلك بدیهى ، و إذا ثبت ما یتحقّق معه الغناء كان حراما على مذهب الامامیّة للأدلة الواردة فی الكتاب و السنّة و اتّفاق علمائنا .

فظهر أنّ تقسیم الغناء إلى المحرّم و غیره لا یجامع مذهب الامامیّة بوجه ،

و قد استثنا أهل شرعنا من الغناء الحدى للابل بدلیل خاصّ ، فلیت شعرى كون الحدى من الغناء عرفا و ما یدّعى انّه لیس منه هل هو إلاّ من حبّك الشّی‏ء یعمى و یصمّ .

و ما ورد من لفظ الألحان كما فی هذا الحدیث و فهم المعنى المنهىّ عنه منه ناش من ضیق الفطن عن معرفة مواقع الألفاظ و مقامات استعمالها ، و ذلك لتألف طبیعة أهل الغناء بكون مثل النغمة و الألحان تنصرف إلى المعنى المتعارف بینهم ،

كما یحمل بعض الحكمة فی مثل قوله تعالى : و من یؤت الحكمة فقد اوتى خیرا

[ 284 ]

كثیرا ، على حكمتهم فیتوهّمون أنّه قد یفارق الغناء فیكون الحانا و لا یكون غناء و إلاّ فالألحان و النّغمات و الأصوات معان متقاربة تختلف معانیها باختلاف مقاماتها فتصدق من الغناء و غیره و الكلام فی لحن یصدق علیه الغناء او لا یصدق و ممّا یثبته من له قلب ما فی هذا الحدیث من التّعبیر بألحان العرب و لحون أهل الفسوق .

و بالجملة فمیل النفس إلى شی‏ء مع مساعدة الشیطان یزیّنان للانسان ارتكاب ما لا یحسن و لا یلیق ، و هذا شأن صاحب كلّ شیمة ركبت فی ذهنه و طبعه و كره النّزوع عنها ، فانّه یتشبث لاثباتها بمثل هذه التّمحلات لئلاّ یغلب هواه على ما استقرّ عنده و دعاه .

و لو فرض عدم تحقّق كون مثل هذا غناء فاحتماله راجح أو مساو و من یمیل إلى تقوى اللّه هل اللایق بحاله اجتناب مثله أم لا ، كیف و ما ذكر سابقا من الحدیث و غیره شاهد عدل على كون مثله غناء و قد سرى هذا و ما هو أعظم منه من معاشرة أهل الخلاف و من ضارعهم و مطالعة كتبهم و عدم تمیز الغثّ منها من السمین و المیل إلى طریقتهم لما فیها من التساهل و غیر ذلك ، نسأل اللّه الهدایة و نعوذ به من الخذلان و الاملاء و الغوایة إنّه جواد كریم .

و اعلم أنّ هذا الاسم و هو التصوّف كان مستعملا فی فرقة من الحكماء الزّائغین عن طریق الصواب ، ثمّ من بعدهم كان یستعمل فی جماعة من الزّنادقة و جماعة من أهل الخلاف بعد حصول الاسلام و كان أعداء آل محمّد كالحسن البصرى و سفیان الثورى و أبی هاشم الكوفی و نحوهم و من أعظم رؤسائهم حسین بن منصور الحلاج ، و له قصص منقولة فی كتب أصحابنا ككتاب الغیبة و الاقتصاد للشیخ الطوسى و غیرهما ، و ادّعى الالهیّة و ورد التوقیع من صاحب الأمر بلعنه كما فی كتاب الاحتجاج و غیره ، و صنّف الشیخ المفید كتابا فی الرّدّ علیه و على متابعیه .

و لم یستعمل هذا الاسم أحد من الامامیّة لا فی زمن الأئمة علیهم السّلام و لا بعد غیبة

[ 285 ]

صاحب الأمر علیه السّلام .

ثمّ لمّا انتهى الأمر إلى هذا الزمان و ما قاربه طالع بعض الامامیّة كتب الصّوفیّة فمنهم من أعجبه منها ما یلیق و لا منافاة له لقواعد الشّریعة فأعجبه ذلك لكن كان متمسّكا بقوانین الشّرع فلم یتجاوز ما هو موافق و لم یلتفت إلى ما سوى ذلك .

ثمّ سرى الأمر إلى تعلّق بعض بجمیع طریقتهم و رأوا أنّ من تبع بعض مسالكهم كان من هذه الفرقة فصار لهم كالمستند فی ذلك فانتهت الحال إلى جعل الرّقص و الصّفق و الغناء من العبادة ، بل صارت أفضلها و أكملها عندهم ، و نسوا أو تناسوا ما ورد ممّن ینتسبون إلیهم ظاهرا من النّهى عن ذلك ، و صار اعتقادهم فی النّواصب و الزّنادقة انّهم على الحقّ فتركوا امور الشّریعة و أظهروا لضعیفى العقول و العوام حسن هذه الطریقة ، و موّهوا علیهم أشیاء یدّعون أنّها من باب الكشف و الكرامات ، و استخفّوهم لذلك فأطاعوهم و ساعدهم على ذلك رفع المشاق التّكالیف الشّرعیة و میل الطبع إلى ما فیه لذّة النّفس حتّى النظر إلى صورة الذّكور الحسنة ، و ادّعوا انّهم تنكشف علیهم الامور من غیر واسطة بشر أو غیره ،

فتبعهم رعاء النّاس و غثاؤهم ، و أتعبوا أنفسهم فی الرّیاضات المنهیّ عن مثلها فى شرعنا لعلّ أذهانهم تصفو بذلك .

و لیت شعرى لو حصل من هذا شی‏ء ممّا یدّعون فأىّ فرق بین المؤمن و الكافر و المسلم و الزّندیق ، فانّه قد شاع و ذاع أنّ كفار الهند و غیرهم لكثرة ما یرتاضون ربّما أخبروا بمثل ما یدّعونه بل بما هو أبلغ ، و أهل التّسخیر و الشّعبدة و السحر ربّما ظهر منهم أشیاء فوق ما یدّعیه هؤلاء من غیر صحة لمن تفحّص و تحقّق ذلك .

و أهل الكرامات و المعجزات هم الذین كانت تظهر لهم هذه الامور من غیر الریاضة و لم یكونوا من أهل التّسخیر و الشّعبدة و السّحر و نحو ذلك ، و أهل التّقوى الّذین هم محلّ لأن تظهر منهم الكرامات لم یدّعوا و لا ادّعی لهم شی‏ء من ذلك ، و كانت

[ 286 ]

تریدهم الدّنیا فیفرّون منها فرارك من الاسد .

و ترى هؤلاء یضیّعون العمر فیما یلبّسونه لغایة انقیاد العوام إلیهم لیبلغ ذلك الأكابر و الحكام و یشیع خبرهم فیصلون بهم و بخدمتهم و یجعلون ذلك وسیلة إلى التقرّب إلیهم و جلبا لقلوبهم و سببا إلى التردّد إلیهم ، و مع ذلك یتوقّعون منهم و یأخذون منهم الأموال و ربّما تعزّز بعضهم بعدم قبول الیسیر شركا لوقوع الكثیر أو حبّا لثبات الجاه و بقاء المیل إلیهم .

و لو كان تركهم الدّنیا للّه و للآخرة لم یكن شی‏ء من ذلك و لعملوا :

بقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا یستكمل العبد الایمان حتّى یكون قلّة الشی‏ء أحب إلیه من كثرته و حتى یكون أن لا یعرف أحبّ إلیه من أن یعرف .

و بقول الباقر علیه السّلام فی وصیّته لجابر : اغتنم من أهل زمانك خمسا : إن حضرت لم تعرف ، و إن غبت لم تفتقد ، و إن شهدت لم تشاور ، و ان قلت لم یقبل قولك ، و إن خطبت لم تزوّج الحدیث و هو طویل و هذا و أمثاله هو الزّهد و التقوى كما قیل :

هذى المكارم لا قعبان من لبن
شیبا بماء فعادا بعد أبوالا

ثمّ وصل الأمر إلى أن صار التّصوف غیر مشروط بالعلم و لو بعلمهم الذی یدّعونه ، بل بمجرّد تغییر اللّباس المتعارف عند أكثر النّاس ، و تلبیس الظاهر بذلك و ترك الباطن إمّا فارغا ممّا ینبغی أو مملوا ممّا یعلمه اللّه و صار من زهده و صلاحه بطریق الشّریعة ممقوتا عندهم و ما ذاك الاّ أنّه لو سئل لقال قال رسول اللّه و قال أمیر المؤمنین و غیرهما ، و هم یدّعون أنّهم یقولون قال اللّه من غیر واسطة ،

و قد یقول بعضهم قال الرّسول و لكن بدعوى مشافهته له و ان كان بینهما ألف سنة فما زاد فیلبّس أنّه رآه فی صورة المثال و كذلك الأئمة علیهم السّلام و أنّهم یسألونهم عن كلّ ما یریدون و نحو ذلك من الخرافات الّتی لا تقبلها عقول المجانین .

نعم لا یبعد أنّ الشّیاطین تترائى لهم فی صور مختلفة أو أنّه یحصل لهم خبط و تغیّر مزاج بحیث یرون ما یوهم مثل ما یدّعون و قد ینضمّ إلى ذلك استعمال بعض المغیّرات للمزاج الباعثة على مثل ذلك

[ 287 ]

و انی لأعجب ممّن یدّعون ذلك على اختلاف مذاهبهم فكلّ یدّعى كشفا یوافق اعتقاده ، فالغزالی مع دعواه الوصول إلى هذه المرتبة انكشف له فضل أبی بكر على علیّ بن أبیطالب علیه السّلام بمراتب كما هو ظاهر على من طالع إحیاءه الذی هو إحیاء الباطل .

و كما انكشف له عدم جواز سبّ یزید لعنه اللّه لأنه رجل مسلم و لو كان قاتلا للحسین علیه السّلام لم یجز ذلك ، لأنّ غایة هذا أنّه فعل كبیره و ذلك لا یجوّز سبّه .

و انكشف له بطلان مذهب الامامیة بعد أن ترك التدریس و انقطع فى دمشق و مكّة المشرّفة نحو عشر سنین ملازما للخلوة فی آخر عمره ، فصنف كتابا سمّاه المنقذ من الضلال ، یتضمّن الرّد على من یدّعى العصمة و ابطال مذهبهم و سمّاهم أهل التعلیم ، و ضرب لهم مثلا بأخذهم عن المعصوم بمن تلوّث بجمیع النجاسات ثمّ طلب ماء یتطهر به منها و سعى فی ذلك ، فلما انتهى إلى ذلك الماء لم یجده ماء یطهّره و یزیل عنه الاخباث فبقى مرتكسا فی النجاسات طول عمره و تكرّر منه فی الاحیاء و غیره : قالت الرّوافض خذلهم اللّه .

و قال فیه : إنه لو جاء إلینا رافضیّ و ادّعى أنّ له طلب دم عند أحد قلنا له :

دمك هدر ، لأنّ استیفاءه مشروط بحضور إمامك فاحضره حتّى یستوفی لك ، و مثل ذلك كثیر و ما نقلته مضمون كلامه و معناه كان بخاطرى و لم یحضرنی عین ألفاظه و عباراته و إن لم تصدق فعلیك بالمراجعة .

و قد صرّح فی كتابه المنقذ أنّه كان یستفید من الأنبیاء و الملائكة مع مشاهدتهم على وجه القطع كلّما یرید .

نعم ینسب إلیه كتاب یسمّى سرّ العالمین فیه مقالة 1 یظهر منها میله إلى الحقّ أو نطقه به لیكون حجّة علیه ، فان كان سابقا فقد ضلّ بعده عن الحقّ ،

-----------
( 1 ) و قد تقدّم لك المقالة فى أواخر المقدّمة الثانیة من مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقیة فلیراجع هناك ( منه )

[ 288 ]

و ظاهر المنقذ انّه كتب فی أواخر عمره حتّى أنّ بعضهم ینكر كون سرّ العالمین له أو أنّ المقالة المذكورة تلحقه من غیره ، فانّ بقیّة الكتاب لیس فیها شی‏ء من هذا القبیل .

و لو فرض كونه له و أنّه كتبه آخر جمیع ما كتب صار یستحقّ بذلك جمیع ما یذكر فی شأنه ، و كان ممّن قد صرفوا أعمارهم فی حفظ شریعة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أهل بیته علیهم السّلام و خاطروا بأنفسهم حتّى بلغت لذلك أمرهم على غیر الحقّ بسبب سلوكهم غیر هذا الطریق المظلم الّذی لا یستضاء فیه بمصابیح الدّنیا .

و حكى الشّیخ محیى الدّین فی فتوحاته : أنّه أسرى به مرارا أظنّها سبعا أو تسعا فی كلام طویل یتضمّن صورة الاسراء و ذكر فی هذا المقام أو ما یناسبه أنّه رأى أبا بكر الصّدّیق لمّا وصل إلى العرش بعد أن كان یرى فی كلّ سماء واحدا من الأنبیاء مثل نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و موسى و عیسى و إبراهیم صلوات اللّه علیهم ، فكانت مرتبته أعلى من مرتبتهم و مساویة لمرتبته تعالى أو مقاربة لها .

و ادّعى فی أوّل الفصوص انّه من إملاء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أمره له بعین ما كتبه ، و سمّى نفسه خاتم الولایة لمنام رآه و غیر ذلك له و لغیره مما یتعجّب منه .

فیا للّه العجب من مكاشفات یظهر منها للناصبى أنه على الحقّ و للملحد أنه على الحقّ و لعابد الوثن ، أنه على الحقّ ، و للامامی أنه على الحقّ و كذا غیرهم فما أدرى أىّ حق و أىّ دین هذا ؟ و أىّ مكاشفة هذه ؟ و ما وجه الجمع و التوفیق فى ذلك ؟

فلو كانت هذه المكاشفات للغزالی و نحوه حقا كان للامامى أن یعتقد بطلان مذهب الامامیة إن قلّدهم و إن انكشف ذلك له كما انكشف لهم كان أظهر فی البطلان .

و من العجب الاعتقاد فی مثل هؤلاء و الشّهادة لهم بالتحقیق و التّكفیر أجلاّء علماء الامامیّة بل كلّهم بكنایات أبلغ من التّصریح كتسمیتهم : انّا وجدنا ، یكون إشارة إلى قوله تعالى : إنّا وجدنا آبائنا على امّة و إنّا على آثارهم مقتدون ، و مثل

[ 289 ]

یا بنیّ اركب معنا ، أى و لا تكن من الكافرین بعد التّشنیع علیهم بالخصوص كالسّید المرتضى و الشّیخ المفید و أمثالهما ، و بما یقتضى شمول الجمیع باستلزامه ذلك من حیث ثبوت ذلك لكلّ من خالف طریقته الّتی اخترعها ، و لم یوجد من الامامیّة عالم سلك هذا الطّریق و حاصل بعضه انّه سلك طریقا لا یفضى إلى الاختلاف فی شی‏ء كدعوى الغزالی فی كتابه المنقذ من الضّلال و الاختلاف جعله من أسباب التكفیر .

و قد جعل الراسخین فی العلم الّذین یعلمون تأویل القرآن فی قوله تعالى و ما یعلم تأویله إلاّ اللّه و الرّاسخون فی العلم ، الصّوفیّة و فی هذا ردّ على من خصّهم بالرّسول و الأئمة علیهم السّلام كما هو مذكور فی باب من الكافی و غیره مشتمل على أحادیث عنهم علیهم السّلام تدلّ على اختصاصهم بذلك .

و هذا سبیل من یدّعى العلم منهم و الكشف بسبب تحصیل هذا العلم و الرّیاضة فما ظنّك بأقوام منهم و هم أكثرهم فی هذا الزّمان فانّك لو فتّشت عن حالهم و اختبرت حقیقة مقالهم وجدتهم كالبهائم الهائمة لا یعرفون مسألة من دین اللّه و لا حراما و لا حلالا ، و لا یجدون لهم إلى حسن التكلّم مجالا ، و ترى النّاس یقبلون علیهم و یهرعون إلیهم و یكادون یسجدون لهم كفعل الكفّار بأصنامهم و مآل اعتقادهم فیهم إلى ما قیل فی أبی بكر انه أفضل الصحابة لأمر وقر فی نفسه ، و حاش البهایم أن یشبه بها مثل هؤلاء فانها لیست مكلّفة و تركت ما كلفت به بل منقادة لما سخّرت له مسبّحة بحمد ربها منزّهة عن مثل هذه الرّذایل .

و لقد شاهدت بعض هولاء و تفحّصت عمّن لم أره منهم فانكشف إلىّ من حالهم ما لیس من باب الكشف الذى یدّعونه أو یدّعی لهم ، و قلّ تعجّبی ممّن یعبد الخشب و الحجر و زاد یقینی فی هوان الدّنیا و سوء أحوالها .

و من تأمل أحوال الدّنیا و خسّتها قدیما و حدیثا رأى لهذا نظائر و أشباها ،

و لیس من أعطاه اللّه العقل مع ارسال الرّسل و انزال الكتب و الأمر باتّباعهم بمعذور فی ترك التأمل و المتابعة و المجاهدة ، فانّ كلا میسّر لما خلق له و لا تكلیف

[ 290 ]

لما لا یطاق .

و اعلم أنه لما سرت سیرة الصوفیة إلى الامامیة كان فی أوّل الأمر من یفرّق بین القشر و اللباب و الذّهب و التراب ، فكان من یمیل إلى طرف من مقالتهم یختار منه اللباب و یترك القشر إذا كان اللباب حسنا إما مأخوذا من كلام الأنبیاء و الأوصیاء أو من یحذو حذوهم من العلماء و الأتقیاء ، فانهم كانوا یدخلون مثل ذلك فی كتبهم و مؤلفاتهم لیحسن الظنّ بهم لكونه مثل كلام أمیر المؤمنین و نحوه .

ثمّ بعد ذلك یترقّون إلى تأویله تدریجا بما یوافق مطالبهم و یناسب مآربهم ، و كان من یختار و ینتخب ما ذكر بجعله وسیلة إلى تطهیر النفس و تزكیتها و ابعادها عن الرّذائل ، و مع ذلك فالمطلب الأسنى عنده و الخلّة الحسنى لدیه سلوك طریق الشرع و إنفاد العمر فیه كما یراه من عرف حال مثل جدّى الشهید الثانی و غیره من علماء الفرقة المحقة .

ثمّ تلاشی الأمر و وصل إلى ارتكاب ما سلكوه و الاعتماد على ما قالوه و لو بسماع بعضه من غیر تمیز و فرق إلى أن وصل الأمر إلى التنفّر من الشرع و أهله و دخل تحت هذا الاسم و هو الصوفیّة من یسمّى به ، و ینتسب إلیه فقط ، فاقتصر المدّعى على ذلك و اكتفى المرید به فصار الملحوظ محض الاسم فی الغالب و إلاّ فلا مشاحة فی التّسمیة إذا كان المسمّى مبنیا على أساس صحیح ثابت .

و هذا من مفاسد هذا الاسم المشتمل على ما ذكرناه ، و لو بقى ما هو متعارف سابقا من الزّهد و الصّلاح و التّقوى و الورع و أمثال ذلك و هو الّذى كان شایعا بین أهل الایمان و ورد به القرآن و الأخبار لم یتطرّق إلیه هذا الغشّ و لم یترتّب علیه هذه المفاسد الّتی ترتّبت على لفظ التّصوّف و معناه .

فدخل الغشّ فیهما و التبس على غیر الممیّز أمرهما بل على الممیّز أیضا إذا لم یعمل بعقله و تمیزه ، و محك الفرق و التّمیز المیل إلى جانب الشّرع و أهله و التّنفر منه و من أهله . و علامه التنفّر منه التنفّر من أهله و ربّما اظهروا التّنفر من أهله متعلّلین بتقصیر یدّعونه فیهم ، و هذه خدعة

[ 291 ]

إبلیس ، لأنّ التّنفر عن الشرع لیس لهم فیه مصلحة و لا صرفة فأبطنوه و أخّروه إلى وقت یمكنهم اظهاره ، و تعلّلوا بالقدح فی أهله فلو كان تقصیر من حاملی الشّرع لا یلزم منه القدح منه فی الشریعة و عدم متابعتها .

و كأن هذا الزّمان الّذى ذكره سیّد المرسلین صلوات اللّه و سلامه علیه و آله فی وصایا طویلة لأبی ذرّ رضى اللّه عنه حیث قال من جملتها :

یا أبا ذرّ یكون فی آخر الزّمان قوم یلبسون الصّوف فی صیفهم و شتائهم یرون الفضل بذلك لهم على غیرهم اولئك تلعنهم ملائكة السماء و الأرض نقل ذلك ورّام ابن أبی فراس و غیره بالسّند المذكور فی محلّه و هى مشهورة فی كتب أصحابنا .

و من مواعظ عیسى علیه السّلام و حكمه من الانجیل و غیره و هى مشهورة مكرّرة فی كتب أصحابنا أیضا :

بحقّ أقول لكم إنّ شرّ النّاس لرجل عالم آثر دنیاه على علمه فأحبّها و طلبها و جهد علیها حتّى لو استطاع أن یجعل الناس فی حیرة و ماذا یغنى عن الأعمى سعة نور الشّمس و هو لا یبصرها ، و كذلك لا یغنى من العالم علمه إذا هو لم یعمل به ، ما أكثر ثمار الشجر و لیس كلّها تنفع و لا یؤكل ، و ما أكثر العلماء و لیس كلّهم ینتفع بما علم ، و ما أوسع الأرض و لیس كلّها یسكن ، و ما أكثر المتكلّمین و لیس كلّ كلامهم یصدق ، فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذین علیهم ثیاب الصّوف منكسوا رؤوسهم إلى الأرض یزوّرون بها الخطایا ، یطرفون من تحت حواجبهم كما ترمق الذّئاب ، و قولهم یخالف فعلهم ، و هل یجتنی من العوسج العنب ؟ و من الحنظل التّین ؟ و كذلك لا یثمر قول العالم الكاذب إلاّ زورا و لیس كلّ من یقول یصدق ، انتهى المنقول من كلامه صلوات اللّه علیه .

فان قیل : كلام عیسى یدخل تحته كلّ عالم غیر عامل و ترى كثیرا من علماء الشرع من هذا القبیل .

قلت : قد ورد فی شأن العالم بغیر عمل فی كلام غیر عیسى أیضا من كلام الأنبیاء و الأئمّة و الحدیث القدسی ما یقصم الظهور كما هو معلوم لمن تتبّع ،

[ 292 ]

و لكن علماء الشرع إن تساهلوا فی العمل و مالوا إلى حبّ الدّنیا و هم الأقلّون قبل هذا الزّمان فانّهم مع تساهلهم فی العمل طریقهم و اعتقادهم فی العلم غیر مستودع و إن كانوا ملومین غیر معذورین بالنّسبة إلى العمل .

و هذا بخلاف ترك ما هو طریق العمل فانّه مع عدم العلم أو مع عدم اعتقاد العلم یكون العمل مبنیّا على غیر أساس إن حصل ما یسمّى عملا فی الجملة أو لم یكن عمل ، على أنّ ما لا طریق له من العمل لا یستحقّ صدق اسم العمل علیه فالّذى یفنى عمره فی مثل ذلك لا أرضا قطع ، و لا ظهرا أتى و الأوّل یكون تاركا لأقبح القبیحین و الآخر تابع له و إن كان العلم مقرونا إلى العمل فان أجابه و الاّ ارتحل عنه .

و احتجاج أبی عبد اللّه علیه السّلام على الصوفیّة لمّا دخلوا إلیه فیما ینهون عنه من طلب الرّزق بما یتعلّق بسفیان الثورى و غیره مشهور فی الكافی و غیره ، انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول هذا كلام جیّد فی توضیح المقام و رفع الحجاب عن وجه المرام لكنّه ینبغی أن نفصّل بعض ما أجمله و ننبّه على ما أهمله من خبط الغزالی و ابن العربی و غلطهما ، فأقول :

تذییل

أمّا محیی الدین فقد نقلنا فی إبطال القول بوحدة الوجود فصلا وافیا من كلامه و أردفناه بالتّنبیه على هفواته و آثامه ، و أمّا دعویه الاسراء به إلى السماء فهو من ثمرات ریاضاته و نتایج مجاهداته الّتی حصلت له مرض الخیالات الّتی نشئت منه أمثال تلك الخرافات ، و یشهد بصحّة ما ادّعاه رؤیته أبا بكر فی أعلى الطبقات و الأنبیاء فی أدناها ، كدعوى الثعلب و الشاهد علیه ذنبها .

و أمّا الغزالی فما أشار إلیه من أغالیطه و أباطیله و ترّهاته و هذیاناته امور

الاول عدم تجویز اللّعن على یزید

[ 293 ]

و أنا أتقرّب إلى اللّه و إلى رسوله بلعنهما كلیهما و أقول : علیهما لعاین اللّه و الملائكة و النّاس أجمعین بما لا مزید و على من حذا حذوهما من كلّ كفّار عنید و شیطان مرید .

و تفصیل ما قاله فی ذلك العنوان ما ذكره فی إحیاء العلوم فی باب آفات اللّسان حیث قال :

الآفة الثّامنة اللّعن و اللّعن عبارة عن الطرد و الابعاد من اللّه تعالى ، و ذلك غیر جائز إلاّ على ما یتّصف بصفة تبعده من اللّه تعالى و الصّفات المقتضیة ثلاثة :

الكفر ، و البدعة ، و الفسق . و اللّعن فی كلّ واحدة منها ثلاث مراتب .

الاولى اللّعن بالوصف الأعمّ كقولك : لعنة اللّه على الكافرین و المبتدعین و الفسقة .

الثّانیة اللّعن بأوصاف أخصّ منه كقولك : لعنة اللّه على الیهود و النّصارى و المجوس و على القدریة و الخوارج و الرّوافض .

الثّالثة اللّعن للشّخص المعیّن ، و هذا فیه خطر كقولك : زید لعنه اللّه و هو كافر أو فاسق أو مبتدع .

و التّفصیل فیه أنّ كلّ شخص ثبتت لعنته شرعا فیجوز لعنته كقولك :

فرعون لعنه اللّه و أبو جهل لعنه اللّه ، لأنّه ثبت أنّ هؤلاء ماتوا على الكفر و عرف ذلك شرعا أمّا شخص بعینه فی زماننا كقولك : زید لعنه اللّه و هو یهودىّ مثلا فهذا فیه خطر لأنّه ربّما یسلم فیموت مقرّبا عند اللّه فكیف یحكم بكونه ملعونا .

فان قلت : یلعن لكونه كافرا فی الحال كما یقال للمسلم : رحمه اللّه لكونه مسلما فی الحال و إن كان یتصوّر أن یرتدّ .

فاعلم أنّ معنا قولنا : رحمه اللّه أى ثبّته اللّه على الاسلام الّذى هو سبب الرّحمة و على الطاعة ، و لا یمكن أن یقال : ثبت اللّه الكافر على ما هو سبب اللّعنة ، فانّ هذا سؤال الكفر و هى فی نفسه كفر بل الجایز أن یقال : لعنه اللّه إن مات على الكفر و لا لعنه اللّه إن مات على الاسلام ، و ذلك غیب لا یدرى ، و المطلق تردّد بین الجهتین .

[ 294 ]

ففیه خطر .

و إذا عرفت هذا فی الكافر ففى زید الفاسق أو زید المبتدع أولى إلى أن قال :

فلا خطر فی السّكوت عن لعن إبلیس مثلا فضلا عن غیره .

فان قیل : هل یجوز لعنة یزید لكونه قاتل الحسین أو آمرا به ؟

قلنا : هذا لم یثبت أصلا فلا یجوز أن یقال إنّه قتله أو أمر به ما لم یثبت فضلا عن اللعنة ، لأنّه لا یجوز نسبة مسلم إلى كبیرة من غیر تحقیق .

فان قیل : فهل یجوز أن یقال قاتل الحسین لعنه اللّه أو الآمر بقتله لعنه اللّه قلنا : الصّواب أن یقال قاتل الحسین إن مات قبل التّوبة لعنه اللّه ، لأنّه یحتمل أن یموت بعد التّوبة ، فانّ وحشیا قاتل الحمزة قتله و هو كافر ثمّ تاب عن الكفر و القتل جمیعا و لا یجوز أن یلعن و القتل كبیرة و لا تنتهى إلى رتبة الكفر فاذا لم یقیّد بالتّوبة و اطلق كان فیه خطر و لیس فی السكوت خطر و هو أولى انتهى كلامه لعنه اللّه تعالى و خذله و ضاعف فی عذابه .

أقول : لمّا صادف نقل كلام هذا النّاصب اللّعین فی لیلة القدر و هى اللیله الثالثة و العشرون من شهر الصّیام كما یستفاد من أكثر أخبار الأئمة علیهم السّلام و كان النّاس مشتغلین وقتئذ فی المساجد الجامعة و المشاهد المشرّفة بالعبادات و الطاعات ،

متقرّبین إلیه تعالى بالتلاوة و التّسبیح و التّقدیس و الدّعوات ، مبتهلین متضرّعین إلیه عزّ و جلّ فی غفران الذّنوب و الزّلات ، فرأیت اشتغالى بما یلوح من المطاعن على هذا النّاصب الملعون أهمّ و أحرى ، و أحتسب بذلك الأجر و الزّلفى لدیه تعالى و أتقرّب به إلى أئمة الهدى تعصّبا لخامس آل العباء سلام اللّه علیه و علیهم تترى ، و أستشفع بهم إلى اللّه سبحانه أن یثبت ما أكتبه هنا فی صحایف حسناتى ، و یجعله ممحاة سیئآتى ، و یحشرنى فی زمرة موالى و ساداتى إنّه مجیب الدّعوات ، و ولىّ الخیرات و الحسنات ، و هو الغفور الرّحیم و الشّكور الكریم .

فأقول : یتوجّه على هذا النّاصب وجوه من الكلام و ضروب من المثالب و الملام :

الاول أنّ اللعن فی اللغة هو الطرد و الابعاد من اللّه و رحمته ، و من الخلق طلب الطرد و الدعاء بالعذاب ، فمعنى قولنا : لعن اللّه الكافرین و الظالمین و المبتدعة

[ 295 ]


و النّواصب و منهم الغزالی باعدهم اللّه من رحمته و ضاعف علیهم العذاب لاستحقاقهم له بما صدر عنهم من الكفر و الظلم و النصب و البدعة ، و الكتاب و السنة مشحونة بلعن هؤلاء و قد ثبت الاذن و التّرخیص لنا قولا و فعلا و تقریرا فی لعنهم ، و لا فرق فیه بین الأنواع و الأشخاص .

و التّفرقة بین النّوع و الشخص بتجویزه فی الأوّل دون الثانی كما توهّمه النّاصب شطط من الكلام و غلط .

أمّا اوّلا فلأنّ احتمال توبة الشّخص الكافر و جواز رجوعه إلى الاسلام لا یوجب رفع الید عن لعنه المترتّب على كفره المحقّق كسایر الأحكام المترتّبة على كفره ، لأنّ الیقین لا تنقض إلاّ بیقین مثله ، و لو كان مجرّد الاحتمال كافیا لجاز الصّلاة علیه و دفنه فی مقابر المسلمین و تجهیزه و تكفینه مثل سایر المسلمین و لیس فلیس .

و أمّا ثانیا فلأنّ معنى لعن أشخاص الكفّار طلب العذاب فی حقّهم لاستحقاقهم بالفعل له ، و تجویز توبتهم لا یمتنع من جواز الدّعاء علیهم ، لتبدّل الأحكام بتبدّل الموضوعات ، ألا ترى أنّ اللّه یكره الفاسق و یبغضه حال فسقه و یحبّه حال توبته مع أنّه عالم بما یؤل أمره .

و أمّا ثالثا فلأنّ قوله : معنى قولنا رحمه اللّه أی ثبّته اللّه على الاسلام الّذى هو سبب الرّحمة و لا یمكن أن یقال ثبّت اللّه الكافر على ما هو سبب اللّعنة فیه أنّه لم یفهم معنى الرّحمة و اللعنة إذ لیس معناهما طلب التثبیت على الاسلام و الكفر ، بل طلب الثواب لمن كان ثابتا على اسلامه ، و طلب العقاب على من كان ثابتا على كفره .

و أمّا رابعا فلأنّه لا فرق بین جواز اللعن على الیهود عموما و بین جوازه على أشخاصهم ، لأنّه إن كان معناه طلب الثبات و الاستمرار على الكفر على ما توهّمه فلا یجوز مطلقا ، و إن كان المراد منه الابعاد عن رحمة اللّه فالكلّ بعید منها حالة الیهودیّة الأشخاص و الانواع ، و جواز التّوبة كما یمكن فی حقّ الشخص یمكن

[ 296 ]

فی حقّ النوع ، و القرب و البعد لا یتفاوت فیه أحكام الشریعة ، و بالجملة النّوع لیس إلاّ عبارة عن الأشخاص المجتمعة ، و التفرقة بینهما سفسطة .

الثانى أنّ قوله : فلا خطر فی السّكوت عن لعن إبلیس فضلا عن غیره ،

یظهر منه أنّ بینه و بین إبلیس محابّة و اخوّة لا یرضى بلعنه ، و لا غرو فی ذلك لأنّه قائد الضّلال بوسوسته و هذا قائد الضلال بسفسطته ، و هو كافر باللّه ، و هذا كافر بولایة ولىّ الاله ، فلهما اشتراك فی المذهب ، و مشاركة فی المذاق و المشرب ، و إلاّ فلم لا یرضى بلعنه مع أنّ استحقاق الكفّار و الظالمین للعن و الطرد و الابعاد إنّما هو لأجل الكفر و الظلم و هذا الملعون أوّل كافر باللّه كما یدلّ علیه قوله تعالى :

أبى و استكبر و كان من الكافرین .

و أیضا فلنا برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اسوة حسنة ، و كلّما جرى على لسانه الشّریف ذكر هذا الملعون أردفه بالطعن و اللعن فیجب لنا اتّباعه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی أقواله و أفعاله ،

و لو كان السّكوت عن لعنه حسنا لم یتّخذه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، سنّة .

مع أنّ التّبرى من أولیاء الضلال ظاهرا و باطنا بأىّ نحو كان واجب ،

و اللعن من جملة أنحاء التبرّى كالاهانة و الاذلال و التّوهین و السبّ و الازراء و نحوها .

الثالث ما قاله فی حقّ یزید اللّعین ابن اللّعین من أنّه لم یثبت كونه آمرا بقتل الحسین علیه السّلام دلیل على جهله بكتب التّواریخ و السّیر الّتی صنفها علماؤهم فضلا عن علمائنا ، إذ لم ینكر أحد منهم ذلك و لا خلاف بینهم فی أنّ یزید ولّى ابن زیاد علیه اللعنة و العذاب على العراقین لهذا الغرض ، و أنّه أنهض العساكر و عبّأ الجیوش و الكتائب لقتاله سلام اللّه علیه و أمره بالقتل أو البیعة فآل الأمر إلى ما آل .

و قد قیل لبعض القضاة : كیف یستحقّ یزید اللعن على قتل الحسین بن علىّ و كان فی الشام و قتل هو بالعراق ؟ فأنشد :

سهم أصاب و رامیه بذى سلّم
من بالعراق لقد أبعدت مرماك

[ 297 ]

فاذا ثبت أمره بقتله ثبت وجوب لعنه ، لأنّ فرط محبّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للحسین و لأخیه الحسن علیهما السّلام و مزید اختصاصهما به غنىّ عن البیان ، مستغن عن البیّنة و البرهان .

و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیهما : من أبغضهما أبغضته و من أبغضته أبغضه اللّه أصلاه جهنّم و سائت مصیرا ، رواه المحدّثون فأوجب النّار فی بغضهما فكیف لقتلهما .

و قد روت الخاصّة و العامّة حتّى الغزالی قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیهما : هما ودیعتی فی امّتی .

و رووا أیضا قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اللّهم إنّی استودعكهما و صالح المؤمنین .

و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنا من حسین و حسین منّی إلى غیر ذلك ممّا لا حاجة إلى ذكرها .

و یدلّ ذلك كلّه على أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یؤذیه ما یوذى الحسین علیه السّلام فضلا عن قتله و الّذین یؤذون رسول اللّه لهم عذاب ألیم كما فی آیة التّوبة ، و فی آیة الأحزاب إنّ الّذین یؤذون اللّه و رسوله لعنهم اللّه فی الدّنیا و الآخرة و أعدّ لهم عذابا مهینا الرابع قوله : لا یجوز نسبة المسلم إلى كبیرة من غیر تحقیق .

أقول : هذا مسلّم و لكن كفر یزید و ظلمه و ارتكابه ما لم یرتكبه أحد من الكفّار بلغت مبلغ اشتهار الشّمس فی رابعة النّهار ، لأنّ زمان ذلك الملعون كان كلّه ظلما و فتنة ، فانّه بعد قتل الحسین علیه السّلام و قتل من قتل معه جهّز الجیوش إلى ابن الزّبیر و بعث بها إلیه مع عقبة بن مسلم إلى مدینة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هى حرمه الّذى حرّمه كما أنّ إبراهیم حرّم مكّة و لعن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من أحدث فی المدینة حدثا فقتل أهلها ، و أباح قتلهم ثلاثة أیّام یقتل فیها الرّجال و یسبى النّساء و تنتهب الأموال ، ثمّ سار إلى مكّة فمات فی طریق مكّة لعنه اللّه تعالى فولى یزید ابن الحصین مكانه ، فانتهى إلى مكّة فأباحها و أضرم النّار فی أستار الكعبة فاحترقت و أحرق سقفها و سقط جدارها و هى حرم اللّه الّذی حرّمه و عظّمه غایة التعظیم و قال فی حقّه : و من یرد فیه بالحاد بظلم نذقه من عذاب ألیم .

[ 298 ]

و لم یقدم المشركون مع شركهم و لا أهل الجهالة على جهالتهم على أدنى شی‏ء مما فعل تعظیما له و رعایة لحرمته ، و من هذا شأنه فكیف یكون مسلما .

نعم هذا الملعون كأبیه و جدّه معاویة و أبی سفیان الملعونین أظهر الاسلام توسلا به إلى ارابه و أبطن الكفر و قد نقل أنه ذكر عنده رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوما فقال الملعون :

تلاعب بالبریّة هاشمیّ
بلا وحى أتاه و لا كتاب

و هذا منه قدح قدیح فی النبوّة و سنذكر مثله منه فى الأشعار الآتیة .

الخامس أنّ قوله : الصواب أن یقال قاتل الحسین إن مات قبل التوبة لعنه اللّه لأنه یحتمل أن یموت بعد التوبة فیه : أنّ مجرّد الاحتمال غیر كاف فی ارتفاع اللعن و الطعن و الویل و النكال .

و كیف یكون تائبا و قد صدر منه بعد قتله سلام اللّه علیه ما هو أعظم خزیا من الحركات الشنیعة فی حقّ العترة الهاشمیة من سبى الحریم و النساء و أمره بأن یسار بهم فی سكك الشام على أقتاب بغیر وطاء سوق السبایا و الاماء ثمّ إحضارهم إلى مجلسه مكرّرا ابتهاجا به و فخرا و سرورا .

و یكشف عن عدم ندمه مضافا إلى هذا وضعه الرّأس الشریف بین یدیه و تمثله بقول ابن الزّبعری :

لیت أشیاخی ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الاسل

لأهلّوا و استهلّوا فرحا
ثمّ قالوا یا یزید لا تشل

لست من حندف إن لم انتقم
من بنی أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء و لا وحى نزل

أ فی حقّ من بتلك الأشعار یتمثّل یجوز الندم و یحتمل و لنعم ما قال ابن هانی المغربی :

بأسیاف ذاك البغى أوّل سلّها
أصیب علیّ لا بسیف ابن ملجم

و بالحقد حقد الجاهلیة أنه
إلى الآن لم یذهب و لم یتصرّم

فلعن اللّه تعالى على یزید بن معاویة عدد الحجر و المدر و النبات و الشجر

[ 299 ]

و على المتعصّبین له من أمثال الغزالی اللعین ذوى الأنفس الخبیثة ، و العقول المختلّة ، و العقاید الفاسدة ، و الهمم الساقطة ، و الأدیان المدخولة ، و الأحلام الطایشة ، و الأقوال الواهیة ، و القلوب التی لا تهتدى إلى رشاد ، و العیون التى لا تنظر إلى سداد ، و قد غطى علیها الغین ، و فیهم یقال : أعمى القلب و العین ، و من كان فی هذه أعمى فهو فی الآخرة أعمى و أضلّ سبیلا .

الثانى من اغلاط الغزالى دعویه أنه یستفید من الملائكة و الأنبیاء و مشاهدته لهم على وجه القطع كلما یرید .

و على ذلك الغلط جرت سیرة الصوفیة فانك ترى كثیرا منهم یستندون ما یأفكون إلى الأنبیاء و الرسل ، و یدّعون رؤیتهم إما بالكشف و الشهود ، و إما فی المنام ، بل ربما یترقّی بعضهم و یدّعى رؤیة اللّه تعالى ظاهرا بحسّ البصر ، و لا بأس بنقل بعض خرافاتهم .

فأقول : من أعظم مشایخ هذه الفرقة محیى الدّین الملحد و الغزالی الناصب و قد نقلنا من كلام الأوّل فیما سبق كثیرا .

و أعظم مما مرّ كلّه ما نقله أبو الفتح محمّد بن مظفر الدّین المعروف بالشیخ المكی فی كتابه المسمى بالجانب الغربی فی حلّ مشكلات ابن العربى قال فى محكىّ كلامه من خاتمة الكتاب المذكور عند ذكر كراماته .

و منها أنّ الشیخ یعنى محیى الدّین قال : كان محبوبى یتجسّد لى كما أنّ جبرئیل یكون مجسّدا لرسول اللّه و أنا لا أقدر على النظر إلیه ، و كان یتكلّم بى و أنا أسمع كلامه و أفهمه ، و كان مشاهدته یمنعنى من الغذاء عدّة أیام ، و كلما احضرت المائدة كان یقف فى جانب منها و یقول بلسان أسمعه : تأكل و أنت تشاهدنى ، و كان ذلك مانعا لى من الطعام ، و ما كنت أجد ما كان بى من الجوع و كان النظر إلیه عوضا عن الغذاء و الماء ، و هكذا كان حالى فى أكثر الأیام لا أذوق فیها شیئا و لا یكون محبوبى غایبا عن نظرى ، و كان یقوم لقیامى و یقعد

[ 300 ]

لقعودى ، انتهى .

و هذه منه دعوى مشاهدة الرّب تعالى و تقدّس بالصورة الجسمیة بعین الكشف و لا یبعد أنّ شیطانه تجسّد له لیحكّم إغواءه و یشدّد إضلاله حسبما نشیر الى تفصیله تحقیقا إنشاء اللّه .

و أما رؤیته للنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقد ادّعاه فی دیباجة الفصوص حیث قال :

أما بعد فانى رأیت رسول اللّه فى مبشرة 1 اریتها فى العشر الآخر من المحرّم لسنة سبع و عشرین و ستّمأة بمحروسة دمشق و بیده كتاب فقال لى : هذا كتاب فصوص الحكم خذه و اخرج به إلى الناس ینتفعون به ، فقلت : السمع و الطاعة للّه و لرسوله و اولى الأمر منّا . 2 و ادّعى أیضا رؤیته و رؤیة سایر الأنبیاء جمیعا فى الفصّ الهودى قال هناك :

و اعلم أنه لما اطلعنى الحقّ و أشهدنی أعیان رسله و أنبیائه كلّهم البشریین من آدم إلى محمّد صلوات اللّه علیهم أجمعین فى مشهد 3 أقمت فیه بقرطبة 4 سنة ستّ و ثمانین و خمسمأة ما كلّمنى أحد من تلك الطایفة إلاّ هود علیه السّلام فانه أخبرنى بسبب جمعیتهم و رأیته رجلا ضخما فى الرّجال حسن الصورة لطیف المحاورة عارفا بالامور كاشفا لها .

قال القیصرى : قیل : كان سبب جمعیتهم إنزاله مقام القطبیّة لیكون قطب الأقطاب فى زمانه و كلام هود علیه السّلام بشارته انه خاتم الولایة المحمدیة و وارث الأنبیاء و المرسلین كما ذكره من نفسه فى مواضع من فتوحاته تصریحا و تلویحا .

و أما رؤیة الغزالى للرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقد نقل عن شرح المثنوى انه قال :

إنّ الامام أبا حامد الغزالى المشهور قال لأخیه أحمد الغزالى یوما : نعم الفقیه أنت لو اجتهدت فى الشریعة أكثر من هذا ، فقال له الشیخ أحمد : و نعم

-----------
( 1 ) أى رویا مبشرة .

-----------
( 2 ) أى من جنسنا و أهل دیننا ، شرح الفصوص

-----------
( 3 ) أى مقام حصل هذا الشهود فیه ، قیصرى .

-----------
( 4 ) مدینة ببلاد المغرب

[ 301 ]

العالم أنت لو اهتممت فی الحقیقة أكثر من هذا ، فقال الامام : ازعم أنّ لی السّبق فی مضمار الحقیقة ، فقال الشّیخ : متاع التّصوّر و الحسبان لیس كثیر رواج فی سوق الاسرار ، فقال : و لیكن بیننا حكم ، فقال الشیخ : و حكم هذا الطریق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال الامام : و كیف لنا به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى نرى مكانه و نسمع بیانه ،

قال : و لما یجد حظّا من الحقیقة من لم یره حیث أراد و لم یسمع من أسراره و حقایقه فاشتعل من أثر هذا الملام نائرة الغیرة فی باطن الامام .

ثمّ إنّهما جعلا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حكما لأنفسهما و افترقا ، حتّى إذا جاء اللّیل أخذ كلّ منهما طریق تعبّده .

فبالغ الامام فی التّضرّع و البكاء و التّوسّل إلى أن سخنت عیناه ، فرأى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دخل علیه مع رجل من أصحابه و بشّره بشرف المعرفة بهذا الأمر و كان على یدى ذلك الصحابی طبق من الرّطب ، ففتح عن طرف منه و أعطاه من ذلك تمیرات ، فلما أفاق الامام رأى تلك التّمیرات موجودة فی یده على خلاف سایر مناماته ، فقام مبتهجا مسرورا إلى حجرة أخیه ، و جعل یدقّ الباب بقوّته فاذا هو یقول من وراء الباب : لا ینبغی مثل هذا العجب و الّدلال على تمیرات معدودة .

فزاد تحیّر الامام من دهشة هذا القول : فلمّا دخل على أخیه فقال : و كیف علمت ما لحقنی من التشریف ؟ فقال الشّیخ : و لم یعطك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما أعطاك حتّى لم یعرضه علىّ سبع مرّات ، و إن لم تصدّقنی فی ذلك فقم إلى رفّ الحجرة و انظر ماذا ترى .

فلمّا قام الامام رأى ذلك الطّبق الّذی كان على یدى الصّحابی هناك و قد نقص من طرف منه بمقدار تلك التّمیرات ، فعلم أنّ ما بلغه منه أیضا كان من بركات أنفاس الشّیخ .

ثمّ إنّه أخذ فی طریقة السّیر و السّلوك و استكشاف أسرار الحقایق إلى أن صار مقتدى أصحاب الطریقة بلا كلام ، انتهى .

[ 302 ]

أقول : هذه القصة إمّا مجعولة من ناقلها ، أو من المنامات الشّیطانیة و إلاّ فكیف یتصوّر من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عنایته و موادّته لمن حادّ اللّه و رسوله ؟

و قد منع اللّه سبحانه المؤمنین من موادّتهم و قال : لا تجد قوما یؤمنون باللّه و الیوم الآخر یوادّون من حادّ اللّه و رسوله و لو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشیرتهم .

و من أعظم محادّة للّه تعالى و لرسوله من النّاصب المتعنّت ؟ و قد علمت نصب أبی حامد الغزالی بما لا مزید علیه و نصب أخیه أحمد یعلم ممّا ذكره القاضی نور اللّه فی مجالس المؤمنین عند ترجمة أخیه أبی حامد ، بل قد علمت سابقا كفره و الحاده حیث حكینا عنه تعصّبه لابلیس علیه اللّعنة و تسمیته له : بسیّد الموحّدین و غیر ذلك من ترّهاته .

و كم للصّوفیة من دعوى أمثال تلك المكاشفات و ادّعاء مشاهدة النّبیّ و الأئمة علیهم السّلام إما بالرّؤیة أو بالرّؤیاء .

و أعظم من ذلك دعوى رؤساء كلّ طبقة و الكملین منهم على زعمهم تجلّى الرّب تقدّس و تعالى فیهم و معاینتهم له سبحانه بالكشف و الشهود ، مع أنّ بعضهم مؤمن و بعضهم ملحد و بعضهم شیعی و بعضهم سنّى و الشیعی أیضا بعضهم إمامی و بعضهم غیر إمامی ، و السنّی بعضهم ناصبی و بعضهم غیر ناصبی .

على أنّ كلاّ من هذه الفرق على اختلاف مذاهبهم و لعن بعضهم بعضا و تبرّى بعضهم من بعض مشاربهم فی السیر و السلوك و الرّیاضات و الأوراد و الأذكار و العبادات المبتدعة أیضا مختلفة .

فبعضهم جلالیّ ، و بعضهم خاكساریّ ، و بعضهم نقشبندیّ ، و بعضهم طیفوریّ و بعضهم نعمة اللهیّ ، و بعضهم ذهبی ، و بعضهم سفاریّ إلى غیر هذه من سلاسلهم الكثیرة ، و كلّ سلسلة یخطى‏ء السلسلة الاخرى ، فلو كانت هذه المكاشفات التی یدّعیها الكلّ صحیحة صادقة لصحّت مذاهب هذه الفرق كلّها و لم تكن الناجیة

 

[ 303 ]

منحصرة فی واحدة .

مع ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال فی الحدیث الذى رواه الكلّ : إنّ امة موسى افترقت بعده على احدى و سبعین فرقة فرقة منها ناجیة و سبعون فی النار ، و افترقت امة عیسى بعده على اثنتین و سبعین فرقة فرقة منها ناجیة و احدى و سبعون فی النار و انّ امتی ستفترق بعدى على ثلاث و سبعین فرقة فرقة منها ناجیة و اثنتان و سبعون فی النار .

فعلم بذلك كلّه أنّ ما یدّعون كلّه تدلیس و تلبیس و تمویه و تخریق و تزویق 1 كسراب بقیعة یحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم یجده شیئا و وجد اللّه عنده فوفّاه حسابه و اللّه سریع الحساب .

فان قیل : سلّمنا هذا كلّه و لكن یستبعد جدا اتّفاق هؤلاء على كثرتهم على الكذب فی دعوى المعاینة .

قلت : هو كذلك و لكن مرجع تلك الدّعوى إلى أحد أمور :

الاول أنهم بما اعتادوه من تحمل المشاقّ و الریاضات المبتدعة و الجلوس فی بیت مظلم أربعین یوما و التزام ترك الحیوانى و نحو ذلك ربما یحصل لهم خبط و تغیر مزاج مضافا إلى شرب بعضهم للبنج و نحوه من الأدویة المسبتة ، فیوجب ذلك الاختراعات الخیالیة فیتوهّم المتخیّل محسوسا مع أنه لا أصل له كالسراب الذى یراه الناظر من بعد ماءا .

و قد أشار الى ذلك النفیسى فى شرح الأسباب حیث قال : و قد یبلغ الفساد فى بعضهم إلى حدّ یظنّ أنه یعلم الغیب و كثیرا ما یخبر بما سیكون قبل كونه ، و قد یبلغ الفساد فی بعضهم إلى حدّ یظنّ أنه صار ملكا ، و قد یبلغ فى بعضهم إلى أعلا من ذلك فیظنّ أنه الحقّ تعالى عن ذلك ، و اكثرهم یرون انهم یلزمون التقوى و حسن السیرة بتوحّشهم و انصرافهم عن الناس ، و قال بعد شطر من كلامه :

-----------
( 1 ) موه الشى‏ء طلاه بذهب أو فضة و تحته نحاس أو حدید ، و التخریق كثرة الكذب و التزویق التحسین و التزیین ( منه ) .

[ 304 ]

قد عرض هذا المرض لكثیر من الفلاسفة كأفلاطون و نظرائه .

و قال الطبرى : قد رأیت جماعة من الأفاضل تفرّدوا بأنفسهم و تركوا الاشتغال بغیر العلوم و لزموا مجانبة الناس فاحترقت أخلاطهم و حدث بهم المالیخولیا ، منهم الفارابى فانه كان لا یختلط بالناس و یتجنبّهم و اذا عاب إنسانا عابه بأنه یجالس العامة و السوقة ، فحدث به ضرب من المالیخولیا كان یخرج إلى السوق و یقعد و یهذی بالمنطقیات و یلعب به الصبیان و السوقة ، انتهى مجملا .

الثانى أنهم لانحرافهم عن النهج القویم و عدولهم عن الصراط المستقیم و أخذهم بالبدعات و ركوبهم للضلالات ، شملهم من اللّه الخذلان ، و ترى لهم الشیطان و تجسّم فى نظرهم و حضر فى مجلسهم و تكلّم معهم و خاطبهم ، فأسمعهم و تلاطف بهم تثبیتا لما أسّسوه من بنیان الزّیغ و الضلال ، و تشییدا لما أقاموه من أركان الوزر و الوبال و قد أشار إلى ذلك الشیخ على سبط الشهید الثانى قدّس اللّه روحهما فى محكى كلامه من كتابه المسمّى بالسهام المارقة من أغراض الزّنادقة حیث قال : نعم لا یبعد أنّ الشیّاطین تترائى لهم فی صور مختلفة فربّما یغویهم الشیطان و یقول لهم : أنا امامكم بل أنا إلهكم ، و حضور الجنّ و الشّیاطین عند أهل الرّیاضیات و التسخیر و غیرهم شایع مشهور و لا بعد فیه من جهة العقل و النّقل .

و فى الأحادیث تكرّرت تشكّل الجنّ بأشكال بنی آدم فاستبعاد هذا أو نفیه نفی و استبعاد لكمال قدرته تعالى و ردّ لأحادیث أهل بیت العصمة علیهم السّلام .

قال : و حكى فى بلادنا جماعة عن رجل قریب من هذا العصر أنّ أباه كان یخبر بأخبار البلاد المتباعدة و ما یقع بها و یرسل كتابات یصل من مثل الشّام إلى مكّة فی أوقات یسیرة یعلم ذلك من تاریخها ، و كان الناس یتعجّبون من ذلك و نحوه ، فلمّا توفّی الأب أخبر الولد أنّ بعد وفات أبیه جاء شخص بصورة عبد أسود طویل فقال له : أنا كنت خادما لأبیك فى حیاته فان أردت أن أكون لك كما كنت لأبیك فعلت

[ 305 ]

إن تقوم بشرط كان بینی و بینه ، و هو أنّی شرطت علیه أن یسجد لی دون اللّه فقبل و فعل ، فامتنع الولد من ذلك فانصرف و لم یره بعده نقل جماعة و أظنّ أنّ بعضهم حكى أنّه أدرك ذلك الولد .

قال « ره » و لا بعد أیضا فی أنّه یحصل لهم خبط و تغیّر مزاج بحیث یرون ما یوهم مثل ما یدّعون ، و قد ینضمّ إلى ذلك تناول كثیر من التّراكیب المغیّرة للمزاج الباعثة على مثل ذلك و نحوها من المغیّرات ، انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : ما قاله قدّس سرّه من ترائی الشّیاطین لهم فی صور مختلفة فهو نصّ الكتاب الكریم و الأخبار الكثیرة الدّالّة على ظهورهم و ترائیهم لأولیاء الضّلال قال سبحانه : هل انبئكم على من تنزّل الشّیاطین . تنزّل على كلّ أفّاك أثیم .

یلقون السمع و أكثرهم كاذبون أى تنزّل الشّیاطین على كلّ كذّاب فاجر كثیر الاثم .

قال الطبرسی : یلقون السّمع معناه أنّ الشّیاطین یلقون ما یسمعونه إلى الكهنة و الكذابین و یخلطون به كثیرا من الأكاذیب و یوحونه إلیهم .

و فی الصّافی أی الأفّاكون یلقون السّمع إلى الشّیاطین فیتلقون منهم ظنونا و امارات لنقصان علمهم فیضمون الیها على حسب تخیّلاتهم أشیاء لا یطابق أكثرها ، انتهى .

و لعمرى أنّ الصّوفیّة هم أظهر مصادیق هذه الآیة ، و كذا الآیة الاخرى فی سورة الجاثیة و هو قوله تعالى ویل لكلّ أفّاك اثیم . یسمع آیات اللّه تتلى علیه . ثمّ یصرّ مستكبرا كأن لم یسمعها فبشّره بعذاب الیم . و إذا علم من آیاتنا شیئا . اتّخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهین . و من ورائهم جهنّم و لا یغنی عنهم ما كسبوا شیئا و لا ما اتّخذوا من دون اللّه أولیاء و لهم عذاب عظیم .

و من أحاط خبرا بما قدّمناه من افك ابن العربى و أباطیله الكثیرة كدعویه رؤیة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تجلّی الحقّ فیه و إسرائه الى السّماء و تلقّیه الأحكام من المعدن الّذى یأخذ منه الملك الّذى یوحى به إلى الرّسل ، و ادّعائه أنّه خاتم الولایة

[ 306 ]

و استهزائه بآیات اللّه و تأویله لها على المعانی الباطلة و تصحیحه لعبادة من دون اللّه من الأصنام و الأوثان إلى غیر ذلك ممّا قدمناه نقله منه ، عرف أنّ ذلك الملحد أظهر أظهر مصادیق تلك الآیة .

و أما الاخبار فمنها ما رواه فی الكافی عن أبی جعفر الباقر علیه السّلام فی حدیث طویل قال : لیس من یوم و لیلة إلاّ و جمیع الجنّ و الشیاطین تزور أئمة الضّلال و یزور امام الهدى عددهم من الملائكة حتّى إذا أتت لیلة القدر فیهبط فیها من الملائكة إلى ولیّ الأمر خلق اللّه أو قال قیض اللّه عزّ و جلّ من الشّیاطین بعددهم ، ثمّ زاروا اولى الضّلالة فأتوه بالافك و الكذب حتّى لعلّه یصبح فیقول : رأیت كذا و كذا فلو سئل ولىّ الأمر عن ذلك لقال رأیت شیطانا اخبرك بكذا و كذا حتّى یفسّر له تفسیرا و یعلمه الضّلالة .

و منها أنّ الحسن البصرى و هو رئیسهم مرّ به أمیر المؤمنین بعد حرب الجمل و هو یتوضّأ فقال علیه السّلام : یا حسن اسبغ الوضوء ، فقال یا أمیر المؤمنین لقد قتلت بالأمس اناسا یشهدون أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله و یصلّون الخمس و یسبغون الوضوء ، فقال له أمیر المؤمنین علیه السّلام : قد كان ما رأیت فما منعك أن تعین علینا عدوّنا ؟ فقال : و اللّه صدّقنّك یا أمیر المؤمنین لقد خرجت فی أوّل یوم فاغتسلت و تحنّطت و صببت علیّ سلاحی و أنا لا أشّك فی أنّ التخلّف عن امّ المؤمنین كفر فلمّا انتهیت إلى موضع من الخریبة نادا منادیا حسن إلى أین ارجع فانّ القاتل و المقتول فی النّار ، قال علیّ علیه السّلام : صدقت ، أفتدرى من ذلك المنادى ؟ قال :

لا ، قال علیه السّلام : أخوك ابلیس و صدقك أنّ القاتل و المقتول منهم فی النّار .

و قد مرّ روایة ذلك الحدیث بتمامه من الاحتجاج عن ابن عبّاس فی شرح المختار الثالث عشر فلیراجع هناك .

و یفهم منه أنّ الشیاطین ربّما ینادون أولیاءهم و یخاطبونهم من غیر أن یظهروا لهم .

و یدل على ذلك ما قدّمنا روایته فی التّذییل الثانی من شرح الفصل الثانی

[ 307 ]

من فصول المختار المأة و الحادى و الثمانین عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی قصّة أصحاب الرّس بعد ما ذكر أنّه كانت لهم اثنتی عشرة قریة و فی كلّ منها صنوبرة یعبدونها .

قال علیه السّلام و قد جعلوا فی كلّ شهر من السّنة فی كلّ قریة عیدا یجتمع الیه أهلها فیضربون على الشّجرة الّتی فیها كلّة من حریر فیها أنواع الصّور ، ثمّ یأتون بشاة و بقر یذبحونها قربانا للشجرة و یشعلون فیها النّیران بالحطب ، فاذا سطع دخان تلك الذّبایح و قتارها فی الهواء و حال بینهم و بین النّظر إلى السّماء خرّوا سجّدا یبكون و یتضرّعون إلیها أن ترضی عنهم ، فكان الشیاطین یجى‏ء فیحرّك أغصانها و یصیح من ساقها صیاح الصّبى أن قد رضیت عنكم فطیبوا نفسا فیرفعون رؤوسهم عند ذلك إلى أن قال علیه السّلام : حتّى إذا كان عید قریتهم العظمى اجتمع الیه صغیرهم و كبیرهم فضربوا عند الصنوبرة و العین سرادقا من دیباج علیه من أنواع الصّور و جعلوا له اثنى عشر بابا كلّ باب لأهل قریة منهم و یسجدون للصّنوبرة خارجا من السّرادق و یقرّبون لها الذبایح أضعاف ما قرّبوا للشجرة فی قربتهم ، فیجی‏ء ابلیس عند ذلك فیحرّك الصّنوبرة تحریكا شدیدا و یتكلّم من جوفها كلاما جهوریّا ،

و یعدهم و یمنّیهم بأكثر ما وعدتهم و منّتهم الشیاطین كلّها ، فیرفعون رؤوسهم عن السجود و لهم من الفرح و النشاط ما لا یفیقون و لا یتكلّمون الحدیث ، و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة و لا حاجة إلى الاطالة .

الثالث تعمّد بعضهم فی الكذب و الافك و ادّعائه ما لیس له أصل أصلا .

فانهم لانحرافهم عن جادّة الشریعة و ضلالهم عن الحقّ و اضلالهم كثیرا من العوام كالأنعام و الرّعاع الدین یصغون إلى كلّ ناعق بما أظهروه من خوارق العادات التی نشیر إلى منشئها إنشاء اللّه ، نسبوا إلى أنفسهم ما لا أصل له من رؤیة الأنبیاء و الأئمة علیهم السّلام ، تثبیتا لمتابعیهم المفتتن بهم على ما اعتقدوه فی حقّهم من مقام القطبیة و الولایة .

و نظیر ذلك ما نقل من أنّ أبا الطیب المتنبی الشاعر المعروف ادّعى لنفسه النّبوة بحبسه للمطر ، فافتتن به كثیر من أهل أطراف الشّام .

[ 308 ]

نقل عن الخطیب التبریزى أنّه قال فی شرح دیوان أبی الطّیب ، قال أبو عبد اللّه معاذ بن إسماعیل اللاذقی ، قدم المتنبّی اللاذقیّة فی سنة نیّف و عشرین و ثلاثمأة ،

وضوى 1 إلىّ فأكرمته و عظمته لما رأیت من فصاحته و حسن سمته ، فلما تمكّن الانس بینی و بینه و خلوت معه فى المنزل اغتناما لمشاهدته و اقتباسا من أدبه و أعجبنی ما رأیت ، قلت و اللّه إنك لشابّ خطر تصلح لمنادمة ملك كبیر ، فقال لی : ویحك أتدرى ما نقول ؟ أنا نبیّ مرسل ، فظننت أنه یهزل ، ثم ذكرت أنی لم احصل علیه كلمة هزل منذ عرفته ، فقلت له : ما تقول ؟ فقال : أنا نبیّ مرسل ، فقلت له :

مرسل إلى من ؟ قال : إلى هذه الامّة الضّالّة المضلّة ، فقلت تفعل ماذا ؟ قال :

املئها عدلا كما قد ملئت جورا ، فقلت : بماذا ؟ قال : بإدرار الأرزاق و الثواب العاجل و الآجل لمن أطاع و أتى ، و ضرب الأعناق و قطع الأرزاق لمن عصى و أبى فقلت : إنّ هذا أمر عظیم أخاف منه علیك و عذلته على قوله ، فقال بدیها :

أیا عبد الاله معاذ أنّى
خفیّ عنك فی الهیجا مقامی

القطعة ، فقلت له : ذكرت أنّك نبیّ مرسل إلى هذه الامّة أفبوحی یوحى إلیك ؟ قال : نعم قلت : فاتل علىّ شیئا من الوحى إلیك ، فأتى بكلام ما مرّ بسمعی أحسن منه ، فقلت : و كم اوحى علیك من هذا ؟ فقال : مأة عبرة و أربع عشر عبرة ،

فقلت : و كم العبرة ؟ فأتى بمقدار أكبر الآى من كتاب اللّه تعالى ، فقلت : ففی كم مدّة اوحى الیك ؟ قال : جملة واحدة ، قلت : فاسمع فی هذه العبرات كلّ طاعة فی السّماء فما هی قال : حبس المدرار لقطع أرزاق العصاة و الفجار قلت : أتحبس من السماء قطرها ؟ قال : أى و الّذى فطرها أفما هی معجزة ؟ فقلت : بلی و اللّه ، قال : فان حبست ذلك عن مكان تنظر الیه و لا تشكّ فیه هل تؤمن بی و تصدّقنی على ما أتیت به من ربّی ؟ قلت : اى و اللّه ، قال : سأفعل فلا تسألنی عن شی‏ء بعدها حتّى آتیك بهذه المعجزة و لا نظهر شیئا من هذا الأمر حتّى یظهر ، و انتظرت ما وعدنیه من غیر أن أسأله .

فقال لی بعد أیّام : أتحبّ أن تنظر الى المعجزة الّتی جرى ذكرها ؟ فقلت :

-----------
( 1 ) أى أتى لیلا . م .

[ 309 ]

بلى و اللّه ، فقال لی : إذا أرسلت احد العبید فاركب معه و لا تؤخّر و لا یخرج معك أحد قلت : نعم .

فلما كان بعد أیام تغیّمت السماء فی یوم من أیّام الشتاء و إذا عبده قد أقبل فقال : یقول اركب للوعد ، فبادرت بالرّكوب معه و قلت أین ركب مولاك ؟ قال :

إلى الصحراء ، و لم یخرج معه أحد غیرى و اشتدّ وقع المطر فقال : بادربنا حتّى نستكنّ معه من هذا المطر فانّه ینتظرنا بأعلى تلّ لا یصیبه فیه المطر ، قلت : و كیف عمل قال : أقبل ینظر إلى السماء أوّل ما بدء السحاب الأسود و هو یتكلّم بما لا أفهم ثمّ أخذ السّوط فأدار به فی موضع ستنظر الیه من التّل و هو یهمهم و المطر ممّا یلیه و لا قطرة منه علیه .

فبادرت معه حتّى نظرت الیه و اذا هو على تلّ على نصف فرسخ من البلد فأتیته و إذا هو قائم ما علیه من ذلك المطر قطرة واحدة و قد خضت فی الماء إلى ركبتی الدّابّة و المطر فى أشدّ ما یكون ، و نظرت إلى مأتى ذراع فی مثلها من ذلك التّل یابس ما فیه ندى و لا قطرة مطر ، فسلمت علیه فردّ علىّ فقال لی : أترى ؟ قلت :

ابسط یدك فانی اشهد أنّك رسول اللّه ، فبسط یده فبایعته بیعة الاقرار بنبوّته .

ثمّ قال لی : ما قال هذا الخبیث لما دعى بك یعنی عبده فشرحت له ما قال لی فی الطریق لما استخبرته ، فقتل العبد و قال و قد جاوز حدّ الاساءة :

أیّ محلّ ارتقی أیّ عظیم اتّقى .

و كلّ ما قد خلق اللّه و ما لم یخلق
محتقر فی همّتی كشعرة فی مفرقی

و أخذت بیعته لأهلی ، ثمّ صحّ بعد ذلك أنّ البیعة قد عمّت كلّ مدینة بالشّام ، و ذلك بأصغر حیلة تعلّمها من بعض العرب و هی صدحة المطر یصرفه بها عن أیّ مكان أحبّ بعد أن یحوى علیه بعصا و ینفث بالصّدقة الّتی لهم و رأیت لهم كثیرا منهم بالسّكون و حضرموت و السّاسك من الیمن یفعلون هذا و لا یتعاظمونه حتّى أنّ أحدهم یصدح عن غنمه و ابله و بقره و عن القریة من القرى ،

فلا یصیبها من المطر قطرة و یكون المطر ممّا یلی الصّدقة ، و هو ضرب من السحر ،

[ 310 ]

و رأیت لهم من السّحر ما هو أعظم من هذا و سألت المتنبّی بعد ذلك هل دخلت السّكون ؟

فقال : نعم و والدى منها أما سمعت قولی ؟

أمنسی السّكون و حضرموتا
و والدتی و كندة و السبیعا

فقلت : و من ثمّ استفاد ما جوّزه على طغام أهل الشّام ، و جرت له أشیاء بعد ذلك من الحروب و الحبس و الانتقال من موضع إلى موضع حتّى حصل عند سیف الدّولة ، انتهى .

أقول : و إلى مثل ذلك یرجع خرافات أكثر رؤساء الفرق الثلاث الضالّة المضلّة :

الصّوفیّة ، و الشیخیّة ، و البابیّة خذلهم اللّه جمیعا هذا كلّه تحقیق ما یتعلّق بالمكاشفة بعنوان الشهود و الرّؤیة و العیان .

و أمّا الكشف بالرّؤیا و المنام و علیه مدار أكثر دعاوى المتصوّفة و أباطیلها حیث إنّ أعظم بضاعتهم : اریت البارحة و قد جرت عادتهم على أنّهم ینقلون ما یرون فی المنام إلى مرشدیهم فیعبّره على ما هو مناسب لمذاق التّصوّف .

فتحقیق الكلام فیه ما أفاده المفید قدّس اللّه سرّه .

فقد روى فی البحار من كنز الفواید للكراجكی قال : وجدت لشیخنا المفید رضی اللّه عنه فی بعض كتبه أنّ الكلام فی باب رؤیا المنامات غزیر ، و تهاون أهل النّظر به شدید ، و البلیّة بذلك عظیمة ، و صدق القول فیه أصل جلیل .

و الرّؤیا فی المنام تكون من أربع جهات :

إحداها حدیث النفس بالشی‏ء و الفكر فیه حتّى یحصل كالمنطبع فی النفس فیخیّل إلى النّائم ذلك بعینه و أشكاله و نتایجه ، و هذا معروف بالاعتبار .

و الجهة الثانیة من الطباع و ما یكون من قهر بعضها لبعض ، فیضطرب له المزاج و یتخیّل لصاحبه ما یلایم ذلك الطبع الغالب من مأكول و مشروب و مرئی و منكوح و ملبوس و مبهج و مزعج ، و قد ترى تأثیر الطبع الغالب فی الیقظة و المشاهد حتّى أنّ من غلبت علیه الصفراء و یصعب علیه الصعود إلى المكان العالى یتخیّل إلیه وقوعه منه و یناله من الهلع و الزّمع ما لا ینال غیره ، و من غلبت علیه السوداء یتخیّل به أنّه

[ 311 ]

قد صعد فی الهواء و ناجته الملائكة و یظنّ صحّة ذلك حتّى أنّه ربما اعتقد فی نفسه النّبوّة و أنّ الوحی یأتیه من السّماء و ما أشبه ذلك .

و الجهة الثالثة ألطاف من اللّه عزّ و جلّ لبعض خلقه من تنبیه و تبشیر و اعذار و انذار ، فیلقی فی روعه ما ینتج له تخیلات امور تدعوه إلى الطاعة و الشكر على النعمة و تزجره عن المعصیة و تخوّفه الآخرة و یحصل له بها مصلحة و زیادة فایدة و فكر یحدث له معرفة .

و الجهة الرّابعة أسباب تأتی من الشیطان و وسوسته یفعلها الانسان یذكّره بها امورا تحزنه و أسبابا تغمّه و تطمعه فیما لا یناله أو تدعوه على ارتكاب محظور یكون فیه عطبه ، أو تخیّل شبهة فی دینه یكون منها هلاكه ، و ذلك مختصّ بمن عدم التوفیق لعصیانه و كثرة تفریطه فی طاعات اللّه ، و لن ینجو من باطل المنامات و أحلامها إلاّ الأنبیاء و الأئمة صلوات اللّه علیهم و من رسخ فی العلم من الصالحین .

و قد كان شیخی رضی اللّه عنه قال لی : كلّ من كثر علمه و اتّسع قلّة مناماته فان رأى مع ذلك منامات و كان جسمه من العوارض سلیما فلا یكون منامه إلاّ حقّا ،

و یرید بسلامة الجسم عدم الامراض المهیّجة للطّباع و غلبة بعضها على ما تقدّم به البیان ، و السّكران أیضا لا یصحّ له منام و كذلك الممتلی من الطعام لأنّه كالسّكران .

و لذلك قیل : إنّ المنامات قلّ ما یصحّ فی لیالی شهر رمضان ، فأمّا منامات الأنبیاء فلا یكون إلاّ صادقة و هى وحى فى الحقیقة و منامات الأئمة جاریة مجرى الوحى و إن لم تسمّ وحیا و لا تكون قطّ إلاّ حقّا و صدقا و إذا صحّ منام المؤمن لأنّه من قبل اللّه كما ذكرناه .

و قد جاء فی الحدیث عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم انّه قال : رؤیاء المؤمن جزء من سبعة و سبعین جزء من النّبوة .

و روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : رؤیا المؤمن تجرى مجرى كلام تكلّم به الرّب عنده فأمّا وسوسة شیاطین الجنّ فقد ورد السّمع بذكرها ، قال اللّه تعالى : من شرّ الوسواس الخنّاس الّذى یوسوس فى صدور النّاس من الجنّة و النّاس و قال : و انّ الشیاطین

[ 312 ]

لیوحون إلى أولیائهم لیجادلوكم و قال : شیاطین الجنّ و الانس یوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا و ما ورد به السّمع فلا طریق إلى دفعه .

فأمّا كیفیّة وسوسة الجنّى للانسى فهو إنّ الجنّ أجسام رقاق لطاف فیصحّ أن یتوصّل أحدهم برقّة جسمه و لطافته إلى غایة سمع الانسان و نهایته فیوقّر فیه كلاما یلبّس علیه إذا سمعه و یشبّه علیه بخواطره ، لأنه لا یرد علیه ورود المحسوسات من ظاهر جوارحه و یصحّ أن یفعل هذا بالنائم و الیقظان جمیعا و لیس هو فى العقل مستحیلا .

و روى جابر بن عبد اللّه أنه قال : بینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یخطب إذ قام الیه رجل فقال : یا رسول اللّه إنى رأیت كأنّ رأسى قد قطع و هو متدحرج ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

لا تحدث بلعب الشیطان بك . ثمّ قال : إذا لعب الشیطان بأحدكم فى منامه فلا یحدّثنّ به أحدا .

و أما رؤیة الانسان للنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو أحد الأئمة علیهم السّلام فی المنام ، فانّ ذلك عندى على ثلاثة أقسام :

قسم أقطع على صحّته ، و قسم أقطع على بطلانه ، و قسم أجوّز فیه الصحّة و البطلان فلا أقطع فیه على حال .

فأما الذى أقطع على صحّته فهو كلّ منام رأى فیه النبیّ أو أحد الأئمة علیهم السّلام و هو فاعل لطاعة أو آمر بها و ناه عن معصیة أو مبیّن بقبحها ، و قائل لحقّ أو داع الیه ، و زاجر على باطل أو ذامّ لمن هو علیه .

و أما الذى أقطع على بطلانه فهو كلّما كان ضدّ ذلك لعلمنا أنّ النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الامام صاحبا حقّ و صاحب الحقّ بعید عن الباطل .

و أما الذى اجوّز فیه الصحّة و البطلان فهو المنام الذى یرى فیه النبىّ و الامام و لیس هو آمرا و لا ناهیا ، و لا على حال یختصّ بالدّیانات مثل أن یراه راكبا أو ماشیا أو جالسا و نحو ذلك .

فاما الخبر الذى یروى عن النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من قوله : من رآنى فقد رآنى فانّ

[ 313 ]

الشیطان لا یتشبّه بى ، فانه إذا كان المراد به المنام یحمل على التخصیص دون أن یكون فی كلّ حال ، و یكون المراد به القسم الاوّل من الأقسام الثلاثة لأنّ الشیطان لا یتشبّه بالنبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى شى‏ء من الحقّ و الطاعات .

و أما ما روى عنه من رآنى نائما فكأنما رآنى یقظانا ، فانّه یحتمل الوجهین .

أحدهما أن یكون المراد به رویاء المنام ، و یكون خاصّا كالخبر الأوّل على القسم الأوّل الّذی قدّمناه .

و الثانی أن یكون أراد رؤیة الیقظة دون المنام ، و یكون قوله : نائما حالا للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لیست حالا لمن رآه ، فكأنّه قال : من رآنی و أنا نائم فكأنّما رآنی و أنا منتبه ، و الفائدة فی هذا المقام أن یعلّمهم بأنّه یدرك فی الحالتین إدراكا واحدا فیمنعهم ذلك إذا حضروا عنده و هو نائم أن یغیظوا فیما لا یحسن أن یذكروه بحضرته و هو منتبه .

و قد روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه غفى ثمّ قام یصلّى من غیر تجدید وضوء ، فسئل عن ذلك فقال : إنّى لست كأحدكم تنام عیناى و لا ینام قلبى ، و جمیع هذه الرّوایات اخبار آحاد ، فان سلمت فعلى هذا المنهاج .

و قد كان شیخى رضى اللّه عنه یقول : إذا جاز من بشر أن یدّعى فی الیقظة أنّه إله كفرعون و من جرى مجراه مع قلّه حیلة البشر و زوال اللبس فی الیقظة فما المانع أن یدّعى ابلیس عند النّائم بوسوسته له انّه نبیّ مع تمكّن ابلیس بما لا یتمكّن عنه البشر و كثرة اللّبس المعترض فی المنام .

و ممّا یوضح لك أنّ من المنامات الّتی یتخیّل للانسان أنّه قد رأى فیها رسول اللّه و الأئمة صلوات اللّه علیهم ما هو حقّ و منها ما هو باطل :

أنّك ترى الشّیعى یقول : رأیت فی المنام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و معه أمیر المؤمنین علىّ بن أبیطالب علیه السّلام یأمرنى بالاقتداء به دون غیره و یعلمنى أنّه خلیفة من بعده و أنّ أبا بكر و عمر و عثمان ظالموه و أعداؤه ، و ینهانى من موالاتهم و یأمرنى بالبراءة منهم و نحو ذلك ممّا یختصّ بمذهب الشیعة .

[ 314 ]