ثمّ یرى النّاصبى یقول : رأیت رسول اللّه فى النّوم و معه أبو بكر و عمر و عثمان و هو یأمرنى بمحبّتهم و ینهانى عن بغضهم و یعلمنى أنّهم أحقّاء فى الدّنیا و الآخرة و أنّه معهم فی الجنّة و نحو ذلك ممّا یختصّ بمذهب النّاصبیّة .

فنعلم لا محالة أنّ أحد المنامین حقّ و الآخر باطل فأولى الأشیاء أن یكون الحقّ منهما ما ثبت الدّلیل فى الیقظة على صحّة ما تضمّنه ، و الباطل ما أوضحت الحجّة عن فساده و بطلانه ، و لیس یمكن الشّیعى أن یقول للناصبى : إنك كذبت فى قولك إنّك رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأنه یقدر أن یقول له مثل هذا بعینه .

و قد شاهدنا ناصبیّا تشیّع و أخبرنا فى حال تشیّعه بأنه یرى منامات بالضدّ مما كان یراه فى حال نصبه ، فبان بذلك أنّ أحد المنامین باطل و أنه من نتیجة حدیث النفس أو من وسوسة إبلیس و نحو ذلك ، و أنّ المنام الصحیح هو لطف من اللّه سبحانه لعبده على المعنى المتقدّم وصفه .

و قولنا فى المنام الصحیح : إنّ الانسان رأى فى نومه النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنما معناه انه كان قد رآه ، و لیس المراد به التحقیق فى اتصال شعاع بصره بجسد النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أىّ بصر یدرك به حال نومه ، و إنما هى معان تصوّرت فى نفسه تخیّل له فیها امر لطف اللّه تعالى له به قائم مقام العلم ، و لیس هذا بمناف للخبر الذى روى من قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

من رآنى فقد رآنى ، لأنّ معناه فكأنما رآنى و لیس یغلط فى هذا المكان إلاّ من لیس له من عقله اعتبار ، انتهى كلامه رفع اللّه تعالى فى أعلا علیّین مقامه .

و انما نقلناه بطوله لاشتماله على فواید جمة و فیه قلع أساس منامات الصوفیة حیث إنهم یستندون أكثر أباطیلهم إلى الرّؤیاء و المنام ، فان كانوا صادقین فى أصل الرّؤیاء فانّما هى من أضغاث الأحلام و عمل الشیطان .

و كفى بذلك شاهدا أنّ محیى الدّین حسبما نقلناه عنه سابقا نسب كتاب الفصوص الذى هو من كتب الضلال یقینا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ذكر فى أوّل الكتاب أنه رأى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى المنام بمحروسة دمشق و بیده كتاب فقال له : هذا كتاب فصوص الحكم خذه و اخرج به إلى الناس ینتفعون به ، و قد ذكر فی الكتاب المذكور

[ 315 ]

مضافة إلى سایر أباطیله منامات كلّها مخالفة لدین الاسلام و شریعة سید الأنام كما یعرفه من رجع إلیه من ذوى البصایر و الأفهام .

و منها منعهم من طلب الرّزق

زعما منهم أنه مناف للتوكل .

و قولهم بذلك إفراط حیث إنهم یحرّمون ما أحلّ اللّه كما أنّ تجویزهم للغناء و الرّقص و نحوهما تفریط و تحلیل لما حرّم اللّه .

قال آیة اللّه فی العالمین العلاّمة الحلّى قدّس اللّه روحه و جعل مقامه فى أعلا علیّین فى كتاب مناهج الیقین فى اصول الدّین :

منع الصوفیة من طلب الرّزق لأنّ الحلال قد اختلط بالحرام بحیث لا یمكن تمییزه فیجب اجتنابه ، و لأنّ فیه مساعدة الظالمین لطلب الخروج و الضمان ، و لأنه تعالى أمر بالتوكل و هو ینافى الطلب ، و هذا خیال ضعیف ، فانّ المكلف إذا عرف الشى‏ء المعیّن قد اختلط فیه الحلال بالحرام اجتنبه اما مع فقد العلم فلا ، و المساعدة لیست مقصودة بالذات ، و التوكل لا ینافى الطلب .

و قال الشیخ مقداد فى كتابه إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین عند شرح قول العلامة قدّس اللّه روحه : و یجوز طلبه ، یعنى الرّزق لأنه یندفع به الضرر و لقوله تعالى : فانتشروا فى الأرض و ابتغوا من فضل اللّه و غیر ذلك من الآیات ما لفظه :

اعلم أنّ الرّزق یجوز طلبه بل قد یجب كما إذا لم یكن ثمّ وجه غیره ،

و قد یستحبّ ، و قد یباح ، و قد یحرم كما إذا اشتمل على وجه نهى الشّارع عنه ،

و قد یكره كما إذا اشتمل على ما ینبغی التنزّه عنه .

ثمّ إنّ الرزق قد یكون تفضلا منه تعالى بأن لا یكون للمكلّف فیه لطف و قد یكون فیه لطف و ذلك فیما یجتهد فی تحصیله ، و وجه لطفیّته أن یحصل للطّالب عقیدة بأنّ المنافع الدّنیویّة إنّما تحصل بالتّعب و كذا الاخرویة ، و ذهبت الصّوفیة إلى أنّه لا یجوز السّعى فی طلبه

[ 316 ]

و الدّلیل على ما قلناه من وجوه :

الأوّل أنّ طلب الرّزق ممّا یدفع به الضّرر عن النّفس و دفع الضّرر عن النّفس واجب .

الثّانی قوله تعالى : فانتشروا فی الأرض و ابتغوا من فضل اللّه ، و قوله : لیس علیكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم و قال المفسّرون : الابتغاء التّكسّب و الفضل الرّزق و غیر ذلك من الآیات .

الثّالث قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : سافروا تغنموا ، و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الرّزق عشرة أجزاء تسعة منها فی التجارة ، و غیر ذلك من الأخبار .

و احتجّت الصوفیة بوجوه :

الأول أنّ الحلال مختلط بالحرام و لا یتمیّز فلا یجوز طلبه .

الثانی أنّ فی الطلب مساعدة للظالم باعطائه الطمغاء و غیرها و مساعدة الظالم حرام فكذا ما یؤدّى إلیها .

الثالث قوله تعالى : لو توكّلتم على اللّه حقّ توكّله لرزقكم كما یرزق الطیر تغد و خماصا و تروح بطانا ، و إذا كان التوكّل مأمورا به كان الطلب منهیا عنه .

و الجواب عن الأول إن أردتم أن كلّ الحلال مختلط فهو ممنوع ، و إن أردتم بعضه فمسلّم لكن التكلیف مشروط بالعلم فمع عدم العلم لا حرمة خصوصا و الید ظاهرة فی الملك ، و أورد علیهم شیخنا سالم بن محفوظ أنه یلزم من هذا أنه لا یجوز أكله كما لا یجوز طلبه ، و لهم أن یقولوا إنا نأكل قدر الضرورة لكن الواقع منهم بخلافه .

و عن الثانى أنّ المساعدة لیست مقصودة و لا مرادة بل تؤخذ قهرا .

و عن الثالث أنّ التوكّل لا ینافی الطلب و المكتسب فی حال طلبه متوكّل أیضا و لهذا أردفه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالغدوّ ، مع أنه لیس فی الحدیث نهى عن الطلب الذی هو مناط البحث بل بیّن فیه أنكم لو اشتغلتم بالطاعة عن الطلب لرزقكم ما یقیم به أبدانكم كما یرزق الطیر ما یقیم به أبدانها بتهیة الأسباب ، لكن أردفه بالغدوّ الذى

[ 317 ]

هو الطلب ، انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : و یرد على دلیلهم الأوّل أیضا أنّ قولهم : الحلال مختلط بالحرام ، إن أرادوا به الحلال و الحرام الواقعین ففیه أنا لسنا مكلّفین بتحصیل الحلال الواقعى و لا بترك الحرام الواقعى لعدم السبیل إلیهما ، و إن ارید بهما ما هو حلال و حرام فی ظاهر الشرع فالاختلاط إنما هو فی بعضها لا الجمیع و على ذلك فكلّ شی‏ء فیه حلال و حرام فهو لنا حلال حتى نعرف الحرام منه بعینه فندعه ، و لو كان جمیع الحلال مختلطا بالحرام لم یقل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : حلال بیّن و حرام بیّن و شبهات بین ذلك ، و لا قال أمیر المؤمنین علیه السّلام مثل ذلك ، فتقسیمهما الأشیاء إلى ثلاثة أقسام دلیل على وجودها جمیعا ، و قد حققه الأصحاب فی كتب اصول الفقه بما لا مزید علیه ، نعم لو كان المختلط شبهة محصورة لوجب الاجتناب أیضا و التفصیل فی محلّه .

و الأخبار فی طلب الرّزق كثیرة :

منها ما رواه فی مجمع البیان عن عمرو بن زید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنه قال إنی لأركب فى الحاجة التى كفاها اللّه ما أركب فیها إلاّ التماس أن یرانى اللّه اضحى فی طلب الحلال أما تسمع قول اللّه عزّ اسمه : فاذا قضیت الصلاة فانتشروا فی الارض و ابتغوا من فضل اللّه أرأیت لو أنّ رجلا دخل بیتا و طین علیه بابه ثمّ قال :

رزقی ینزل علىّ كان یكون هذا ؟

و نقل عن كتاب نور الحقیقة و نور الحدیقة لوالد شیخنا البهائی قدّس سرّهما قال : ذكر جماعة عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رجلا بخیر فقالوا یا رسول اللّه خرج معنا حاجّا فاذا انزلنا منزلا لم یزل یصلّى حتّى نرحل فاذا ارتحلنا لم یزل یذكر اللّه تعالى حتّى ننزل ، فقال ، من كان یكفیه علف ناقته و صنع طعامه ؟ فقالوا : كلّنا ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كلّكم خیر منه .

و عن الكافی عن عدّة من أصحابنا عن البرقى عن محمّد بن علىّ عن هارون بن حمزة عن علىّ بن عبد العزیز قال : قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام ما فعل عمر بن مسلم ؟

قلت : جعلت فداك أقبل على العبادة و ترك التّجارة ، فقال : ویحه أما علم أنّ

[ 318 ]

تارك الطلب لا یستجاب له إنّ قوما من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما نزلت : و من یتّق اللّه یجعل له مخرجا و یرزقه من حیث لا یحتسب أغلقوا الأبواب و أقبلوا علی العبادة و قالوا : قد كفینا ، فبلغ ذلك النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأرسل إلیهم فقال : ما حملكم على ما صنعتم ؟ فقالوا : یا رسول اللّه تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة ، فقال :

إنّه من فعل ذلك لم یستجب له علیكم بالطلب .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة جدّا لا حاجة الیها ، و نعم ما قیل : الزّهد فی الدّنیا قصر الأمل لا لبس العبا ، و لیس الزّاهد من لا یملك شیئا و لكنّه الذى لا یملكه شی‏ء ، و إنّ الدّراهم مراهم لأنّها تداوى كلّ جریح و یشترى بها الآخرة كما یشترى بها الدّنیا .

إذا عرفت ذلك فاستمع لما نحكیه علیك من عجیب مزخرفات ابن العربی فی فتوحاته ، قال فی محكى كلامه من الباب التّاسع و العشرین من الفتوحات .

كلّ عبد إلهىّ توجّه لأحد علیه حقّ من المخلوقین فقد نقص من عبودیته للّه سبحانه بقدر ذلك الحقّ فان ذلك المخلوق یطلبه بحقّه و له علیه سلطان فلا یكون عبدا مخلصا للّه ، و هذا هو الّذى یرجّح عند المنقطعین إلى اللّه انقطاعهم عن الخلق و لزومهم السّیاحات و لزومهم البرارى و السّواحل و الفرار من النّاس و الخروج من ملك الحیوان ، فانّهم یریدون الحرّیّة من جمیع الأكوان و لقیت منهم جماعة كثیرة فى أیّام سیاحتى .

و من الزّمان الّذى حصل لى هذا المقام ما ملكت حیوانا أصلا و لا الثّوب الّذى ألبسه فانّى لا ألبسه إلاّ عاریة لشخص معیّن أذن لى فی التّصرف فیه ، و الزّمان الذى أتملّك الشی‏ء فیه أخرج عنه ذلك الوقت إمّا بالهبة أو بالعتق إن كان ممّا یعتق .

و هذا حصل لى لمّا أراد التحقّق بعبودیّة الاختصاص للّه .

قیل لى : لا یصحّ ذلك حتّى لا یقوم لأحد علیك حجّة .

قلت : لا و اللّه و لا للّه إنشاء اللّه .

قیل لى : و كیف یصحّ أن لا یقوم للّه علیك حجّة ؟

[ 319 ]

قلت : إنّما یقوم الحجج على المنكرین لا على المعترفین ، و على أهل الدّعاوى و أصحاب الحظوظ لا على من قال ما لی حقّ و لا حظّ ، انتهى كلامه هبط مقامه .

اقول : و یتوجّه على هذا الجاهل :

أوّلا أنّ المخلص للعبودیّة للّه سبحانه هو من یستنّ بسنّة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و یسلك مسلكه و یكون له فی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اسوة حسنة ، و الرّهبانیة و الانقطاع عن الخلق و السیاحة خلاف سنّته ، و قد قال علیه السّلام : إنّ سیاحة امّتى و رهبانیّتهم الجهاد و یأتى انشاء اللّه أخبار كثیرة فی هذا المعنى .

و ثانیا أنّ الخروج من ملك الحیوان و إرادة الحرّیة من جمیع الأكوان محال عادة ، و قد خلق اللّه سبحانه الانسان مدنیّا بالطبع و جعل كلّ فرد منه محتاجا إلى غیره و لو فی أقلّ ضروریات العیش ، فكلّ من قام بحاجة غیره و هیّأ أسباب معیشته و رفع عنه الضرورة و الحاجة و لو فی أقلّ مراتبها التی لا یمكن التّعیش و البقاء بدونه یكون له بقدر ما قام بمحاویجه حقّا علیه و إن كان الحقوق فی الحقیقة كلّها للّه سبحانه إلاّ أن من لم یشكر الخلایق لم یشكر الخالق .

و قد ورد فی الحدیث : من لم یشكر الناس لم یشكر اللّه ، فارادة الحرّیة من جمیع الأكوان و الخروج من ملك الحیوان لا یصدر إلاّ عن سفیه جاهل .

ثمّ الحقوق لیست منحصرة فی الحقوق المالیّة ، بل للوالد حقّ على الولد و للولد حقّ على الوالد ، و للأرحام حقّ و للجار حقّ و للمعلّم حقّ و للمتعلّم حقّ و للاخوان المؤمنین حقّ ، بل لكلّ من أعضائك و جوارحك من قرنك إلى قدمك علیك حقّ كما أشار إلیه الأئمة علیهم السّلام فی أبواب الحقوق ، فالانقطاع عن الخلق لا یبطل تلك الحقوق ، ثمّ القیام بها من أجل أمره سبحانه و تعالى به من جملة العبادات فلا ینافى العبودیّة و الاخلاص كما توهّم .

و ثالثا أنّ قوله : فانّى لا ألبس الثوب إلاّ عاریة لا ملكا عجیب جدّا .

إذ لو كان المراد به أنّ للثّوب المملوك حقّا على لابسه دون المستعار فهو

[ 320 ]

غلط بل یجب فی العاریة من الحفظ و المواظبة و عدم التّفریط ما لیس فی الثّوب الّذى هو له ، لأنّه مال الغیر و لا یجوز الخیانة فیه بخلاف ماله مع أنّ للعاریة حقا للمعیر على المستعیر حقّ الاسترداد و حقّ الضّمان لو فرّط ، و لیس فی الثوب المملوك له لأحد حقّ علیه .

و إن كان المراد به أنّه كان یلبس العاریة دون الملك لزهده و تركه ملاذ الدّنیا ففیه أنّ الملك و العاریة لا مدخلیّة لهما فی الزّهد و عدمه ، و قد كان أزهد الزّاهدین فی الدّنیا رسول اللّه و أمیر المؤمنین علیهما السّلام و لم نسمع منهما إلى الآن أنّهما یلبسان اللباس عاریة لا ملكا ، و قد كان علیه السّلام یشرى لباسا و یلبسه و یقول : الحمد للّه الّذى ألبسنى من الرّیاش ما أتجمّل به فى الناس و أواری به عورتى و رابعا أنّ ادّعاءه أن لیس للّه حجّة علیه لكونه من المعترفین لا من المنكرین فهو ناش من خبطه و سفهه و جهله و ضلاله و عجبه ، فما أعظم جرءته و أشدّ جسارته حیث لم یدّع هذا المقام أحد من الأنبیاء و المرسلین و الحجج المعصومین على عصمتهم و جدّهم فی مقام العمل و بلوغهم الغایة فی المعرفة .

و قد تقدّم فی شرح الخطبة المأة و الثانیة و التسعین عند شرح قوله علیه السّلام فی وصف المؤمنین : و لا یستكثرون الكثیر فهم لأنفسهم متّهمون و من أعمالهم مشفقون أخبار نافعة فی المقام .

منها قول أبى الحسن موسى علیه السّلام لبعض ولده : یا بنیّ علیك بالجدّ و لا تخرجنّ نفسك من حدّ التّقصیر فی عبادة اللّه عزّ و جلّ فانّ اللّه لا یعبد حقّ عبادته .

و قول أبی جعفر علیه السّلام ثلاث قاصمات الظهر : رجل استكثر عمله و نسى ذنوبه و أعجب برأیه .

و قول أبی عبد اللّه علیه السّلام قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حدیث : قال موسى بن عمران لابلیس : أخبرنى بالذّنب الذى إذا أذنبه ابن آدم استحوذت علیه ، قال : إذا أعجبته نفسه و استكثر عمله و صغر فی عینه ذنبه إلى غیر هذه ممّا لا نطیل باعادتها .

[ 321 ]

ثمّ أقول : لو لم یحتجّ اللّه علیه إلاّ بعدم معرفة إمام زمانه على ما اعترف به نفسه حسبما حكینا من فتوحاته فیما تقدّم و بادّعائه أنّه خاتم الولایة و أنه یتلقّى الوحى بدون واسطة من اللّه عزّ و جلّ فضلا عن قوله بوحدة الوجود و عن سایر أباطیله المتقدّمة حكایتها ، لكان فی ذلك الاحتجاج ما لا یقوم به السماوات و الأرض و لتدكدك من نكاله الجبال ، نعوذ باللّه من الضلال و سوء الخاتمة و المآل و عظیم العقوبة و النّكال ، و الحمد للّه الّذى هدانا إلى الصراط المستقیم و ما كنّا لنهتدى لو لا أن هدانا اللّه ، و نصلّى و نسلّم على محمّد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم و خلفائه الذین هم أولیاء اللّه .

المقام الرابع فى نبذ من صلائف‏الصوفیة

و واقعاتهم العجیبة و هذیاناتهم المفرطة التى تضحك منها الثكلى و تعجب لها الصّبیان ، و الظاهر أنّ منشئها إفراط الخبط و شدّة الأمراض الخیالیّة .

فمنها

ما عن شیخهم برهان الدّین المالیقى و هو من أعاظم مرتاضیهم و أكابر مشایخهم و مشاهیرهم لا سیّما فی بلاد الهند و نحن نذكر عنه من كتاب الواقعات له ثلاثا منها لتكون انموزجا لما طوینا عن ذكرها ، قال :

الواقعة الاولى

أمّا بعد حمد اللّه تعالى و الصلاة و السلام على حبیبه محمّد و آله :

لمّا برزت الاشارة المولویة الشیخیّة الرّبانیّة أنّ كلما حدث من الواقعات فی أثناء السّلوك ینبغى أن تقیّد بالكتابة امتثل هذا الحقیر أوامره الشریفة و كتب ما بقى منها فی خاطره بعد التّعوذ و الاستعانة باللّه تعالى .

-----------
( 1 ) الصلف التمدّح بما لیس عندك أو مجاوزة قدر الظرف و الادّعاء فوق ذلك تكبرا ، ق .

[ 322 ]

لما كان الیوم الثانی من أیام بعض الخلوات كنت فی الذّكر مستغرقا إذا رأیت كأنّى فی البرّ و شخص واقع كأنّه ملك و ستر معلّق من السّماء إلى الأرض و كأنّ شخصا یقول لى : إلى أین تذهب ؟ قلت : إلى الحقّ ، فقال : بین الحقّ و العبد سبعون ألف حجابا بحمایة من تذهب إلیه ؟ فقلت : بحمایة الشیخ نور الدین عبد الرّحمن ، فلمّا سمع كلام العبد لم یثن علیه القول و حضر الشیخ فی الحال .

فلمّا رأى هذا الحقیر أنّ أمر المرید لا یتیسّر بدون شیخ مرشد و الشّیخ المرشد لا بدّ له من ولایة الحمایة إذا توجّه إلیه المرید حضر فی الحال بالعنایة الرّبانیّة فلمّا توجّه العبد نحوه رآه حضر و بیده عصا و هو واقف .

و قد ظهر بهذا الحقیر أنواع من الصّور الشیطانیّة المختلفة و غیره یقصده و الشیخ یدفعها عنه بعصاه ، و فی أثناء ذلك حضر شخص بخارى یقال له النّور البیمارستانى و كان لهذا الحقیر به قدیما یسیر إرادة و قصد نحو هذا الحقیر فحمل الشیخ بعصاه فهرب ، ثمّ قصد هذا الحقیر ثانیا فحمل الشیخ علیه ثانیا بعصاه فهرب فلمّا قصد نحو هذا الحقیر ثالثا ضرب الشیخ بالعصا رأسه فكأنّه شجّه فرمى نفسه على أقدام الشیخ ثمّ هرب .

فلمّا رأى هذا الحقیر أنّ اللّه أظهر له ولایة الشیخ على هذه الصورة التجأ إلیه سبحانه و تعالى أن یلهم الشیخ القعود حیث طال قیامه ، فجلس الشیخ كمن جلس على صفة و ولىّ برجلیه الأرض مستنفذا ، فلم یطمئنّ القلب لذلك حتى التجأ إلیه سبحانه ثانیا و طلب سكون الشیخ و قراره بالقعود عنده ، فتربّع الشیخ بعد ذلك عنده فالتجأ إلیه سبحانه ثالثا أن یقرّ الشیخ عنده على صورة لا یهاب منها المخالفة فرأى كأن الشیخ دخل باطن هذا الحقیر دخول لابس ثوب و یدا هذا الحقیر كمّاه .

فلمّا لبس الشیخ هذا الحقیر صار الشیخ هو و فنى هو فی الشیخ بحیث لم یبق منه شی‏ء سوى العلم بوجود الشیخ و فناء نفسه فیه .

ثمّ هذا الحقیر سأل الشیخ بتوفیق اللّه إیّاه و قال : أیّها الشیخ ما سبب أن

[ 323 ]

صرت هذا الحقیر ؟ فأجاب و قال : لمّا لم یكن قوّة صیرورة نفسك إیّاى صیّرت نفسى إیّاك لتصیر إیّاى .

ثمّ بعد ذلك كان اللّه تعالى أظهر لهذا الحقیر أنّ الشیخ قد جلس فی باطن هذا الحقیر مرّبعا كما رأى ظاهرا أوّلا ، و كلّما ذكر اللّه تعالى ذكر الشیخ أیضا فی باطنه ، فاذا شرع فی ابتداء الذّكر یقول الشیخ فی باطنه : اذكر فانّك حسن الذّكر .

فلمّا استقرّ بفضل اللّه تعالى سرّ الشیخ فی باطن هذا الحقیر تواترت علیه الالهامات الرّبانیة الرّوحانیة ساعة فساعة ، فلو حصل اذن الحقّ سبحانه و تعالى إلهاما بذكر الالهامات كلّها و تحقیق كونها لیست من الالهامات الرّوحانیة و الملكیة و غیرها بل هى ربّانیّة حقّا لأمتثل انشاء اللّه تعالى .

الواقعة الثانیة

كان هذا الحقیر فی أثناء الذّكر لیلة و الشیخ فی باطنه متمكّن إذا رأى كأنّه تولّد من باطنه من جانبه الأیسر ممّا یلى القلب جرو 1 كلب أبیض اذناه سود و فی ظهره عند ذنبه سواد و كان تارة یقعد و تارة ینام و لا یقرّ قلقا من ذكر هذا الحقیر .

فحصل لهذا الحقیر من ذلك خوف فالتجأ إلى الحضرة الالهیة و استمدّ من باطن الشیخ خفارة 2 الالتجاء ، لأنّ كلّ دعاء و التجاء لا خفارة له لا وصول له إلى الحضرة ، و لذلك صار الاخلاص خفیر جمیع العبادات قال اللّه تعالى : و ما امروا إلاّ لیعبدوا اللّه مخلصین له الدین و لمّا لم یجد للالتجاء به اخلاصا استمدّ بالعنایة الالهیّة من باطن الشیخ خفارة ذلك الالتجاء ، فنظر فی الحال إذا الشیخ قد مدّ یده و أخذ ذلك الجرو من باطن هذا الحقیر و مضى ، فتبعه الحقیر فی اثره فرأى فی عنق الجرو حبلا أبیض و رأس

-----------
( 1 ) الجرو بتثلیث الجیم صغیر كلّ شى‏ء و غلب على ولد الكلب و الاسد ، و العجب أنّ النسخة فى جمیع المقامات بالدّال . المصحح .

-----------
( 2 ) الخفارة شدة الحیاء و خفره و به و علیه خفرا اجاره و منعه و آمنه و الخفر المجار و المجیر و تخفّر اشتدّ حیاؤه و به التجأ و سأله ان یكون له خفیرا ، ق .

[ 324 ]

الحبل بید الشیخ .

فلمّا مشینا قلیلا قتل الشیخ ذلك الجرو و مسح قدمه به و مع ذلك یخاف هذا الحقیر أن یعیش ثانیا ، فلمّا مسح الشیخ رجله به صار الجرو المقتول تحت رجله طینا ، فلمّا رجع رجله عنه عاش ثانیا فأخذه الشیخ ثانیا لیقتله فلم یمكّنه من نفسه و كان حقیرا فی العین قوّیا فی نفسه ، فوقع على هذا الحقیر منه خوف فرأى كأنّ الشیخ قلع رأسه من بدنه و رمى به و خرق بطنه بسكّین فرمى به أیضا إلى الأرض و وضع علیه حجرا ثقیلا و مع هذا كان مفتوح العین ینظر الى هذا الحقیر سرّا ، فوضع الشیخ قدمه إلیه فصار تحت قدمه طینا لكن الخوف غالب على هذا الحقیر أن یعیش ثالثا فما التفتّ إلاّ و قد رمى بالحجر عن نفسه و خرج من تحته فأخذه الشیخ ثالثا و قتله .

فقال هذا الحقیر : ینبغى أن یحرق ، فأخذ و جعل فی تنّور و كان كلّما احترق یعود كما كان حیّا ، فأخذه الشیخ و أحرقه مرّة بعد اخرى إلى أن احترق و صار رمادا .

فقال الشیخ : ماذا ینبغى أن یفعل بعد هذا ؟ فقال هذا الحقیر : ینبغى أن یرمى بالرّماد إلى الماء الجارى ، فلمّا رمى صار الرّماد كلّه على رأس الماء و أمطرت السّماء فقال هذا الحقیر : أیّها الشیخ ینبغى أن نتبع اثر هذا الماء كیلا یعیش هذا الجرو مرّة اخرى ، فتقدّم الشیخ و هذا الحقیر فی اثره فوصل ذلك الماء الجارى إلى بحر فقال الحقیر للشیخ : نخاف أن یعیش هذا الجرو فلینظر هذا البحر إلى أین ینتهى ، فنزل الشیخ إلى البحر و هذا الحقیر فی أثره فرأى كان ماء البحر یدخل فی شقّ فوقف الشیخ على رأس الشّق و هذا الحقیر فی خدمته إلى أن دخل جمیع ماء البحر ذلك الشّق ، فظهر فی قعر البرء حوض و فیه ماء فابتلعت الأرض ماء البحر فظهر فی أسفل الحوض سمكة صغیرة فقتلها الشیخ .

و قال : ماذا ینبغى أن یفعل بعد هذا ؟ فالتمس الحقیر من الشیخ أن یطلع الشّمس حتّى ییبس طین البحر ، فلما أن طلعت الشمس و یبس الطین .

[ 325 ]

قال الشیخ ماذا ینبغى أن یفعل ؟ فقال هذا الحقیر : یمكن أن ینبت من هذا نبات ینبغى أن نحرقه فالتفتّ فاذا بالحشیش قد نبت .

فقال الشیخ : ما ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : نحصد الحشیش و نحرقه فحصدناه و تركناه فی الشمس حتّى یبس ثمّ أحرقناه ثمّ قال الشیخ ماذا ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : ینبغى أن یرمى برماد الحشیش إلى شقّ الجبل ثمّ قال الشیخ ماذا ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : ینبغى أن نملأ الحوض بالحجارة لیعتدل من الأرض و نسدّ باب الشقّ بالحجارة فلمّا فعل الشیخ ذلك كلّه .

قال الشیخ : ماذا ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : لو امطرت السّماء بماء یغتسل فیه هذا الحقیر و ابتلعت الأرض ذلك الماء كان حسنا كلّ ذلك من غلبة الخوف من ظهور آثار ذلك الجرو ، فالتفتّ فاذا بالغیث قد نزل و سال و دخل جمیعه فی ثقب قد لا یسع انسانا من ضیقه فلمّا اغتسل الحقیر و اذا به قد حضر عنده من العنایة الالهیّة ثوب أبیض فلبسه .

فقال الشیخ أیضا ما ینبغى أن یفعل ؟ و فی تكرار قول الشیخ ما ینبغى أن یفعل سرّ یعرفه الشیخ ، فقال الحقیر : نقصد الكعبة المعظمة ، فتقدّم الشیخ و الحقیر فی أثره إلى أن وصلنا الكعبة و دخلنا الحرم الشریف ، فاغتسل الحقیر بماء زمزم و حضر ثوب أبیض فلبس الحقیر بین یدى الشیخ و دخلنا الكعبة و صلّینا فیه .

ثمّ قال الشیخ : ما ذا ینبغى أن یفعل ؟ فقال هذا الحقیر بالعنایة الالهیّة ینبغى أن نذهب إلى التّنور الّذى أحرقنا فیه الجرو و الحجر الّذى وضعناه على رأسه و الموضع الّذى قتلناه فیه و نأخذ الجمیع و نلقى فی الثّقب الّذى كان الماء یدخله كیلا یبقى فى هذا الموضع للجرو أثر ، فتقدّم الشیخ و الحقیر فی أثره و جئنا و جمعنا كلّ ذلك فأراد الحقیر أن یحمله فاذا بحبشىّ قد ظهر فی الحال و جعلنا الكلّ فی وعاء و حملناه إیّاه فلمّا دخلنا إلى الثّقب الّذى دخله تلك الماء العظیمة

[ 326 ]

ألقیناه فیه ثمّ قتل هذا الحقیر بالعنایة الالهیّة ذلك الحبشیّ ، و ألقیته فی الثّقب أیضا .

ثمّ قال الشیخ : ما ینبغی أن یفعل ؟ فقال الحقیر : نرجع إلى الكعبة المعظمة ،

فتقدّم الشیخ و الحقیر فی أثره قد دخلنا الحرم الشّریف و اغتسل الحقیر ثانیا بماء زمزم و كان الشیخ یغسله ثمّ بعد الغسل حضر ثوب صوف أخضر فلبسه الحقیر و صلّینا فی مقام إبراهیم علیه السّلام ثمّ دخلنا الكعبة فلمّا أن صلّینا فیه .

قال الشیخ : ما ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : ینبغى أن نشدّ رأس الثقب الّذى ألقینا فیه الحبشیّ المقتول و التّنور و الحجر كیلا یظهر منه أثر ، فتقدّم الشیخ و الحقیر فی أثره فجئنا و شددنا رأس الثّقب .

ثمّ قال الشیخ : ما ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : نرجع إلى الكعبة المعظمة فتقدّم الشیخ و الحقیر فی أثره فدخلنا الحرم الشّریف و جئنا إلى بئر زمزم فخلع الحقیر ثوبه و وضعه على میزاب الكعبة و اغتسل بماء زمزم و كان الشیخ یغسله .

ثمّ قال الحقیر بالعنایة الالهیّة للشیخ : اقطع بطن الحقیر و اغسل بهذا الماء قلبه و كبده و باطنه كیلا یكون قد بقى فی باطن هذا الحقیر شی‏ء من أثر الجرو ،

فقطع الشیخ بطن هذا الحقیر بالسّكین و غسل باطنه بالماء .

فبینا الشیخ كذلك إذ ألقى اللّه سبحانه فی نفسى منّى نفرة عظیمة فضربت عنقى بالعنایة الالهیّة و أخذت باحدى یدى شعر رأسى و بیدى الاخرى رجلى و رمیت به خارج الحرم و لم أزل أضرب برأسى الّذى بیدى عتبة الحرم إلى أن نفیت و رمیت به خارج الحرم و دخلت الحرم و اغتسلت بماء زمزم بحضور الشیخ و حضر ثوب ازرق و عمامة بیضاء فلبستهما .

ثمّ قال : ما ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : نصعد سطح الكعبة ، فتقدّم الشیخ و الحقیر فی أثره فصعدنا سطح الكعبة .

فقال الشیخ : ما ینبغى أن یفعل ؟ فقال الحقیر : ینبغى أن نصعد السماء ، ففى أثناء هذا الكلام حضر فرسان بسرجیهما فركب الشّیخ أحدهما و الحقیر الآخر ، فلما وصلنا

[ 327 ]


إلى السّماء الاولى فاذا ملكان جالسان ، فدخل الشّیخ بلا اذن و الحقیر فی أثره فسأل أحد الملكین صاحبه من هذا ؟ فقال له : الشّیخ عبد الرّحمن و مریده ، و كان الشّیخ أماما یخرق السّماء و یصعد و الحقیر فی أثره ینظر فرآه كیلا یصل بنا أثر الجرو فیرى مواضع عروجنا یعود كما كان مسدودا فاطمئنّ لذلك باطنه .

فلمّا وصلنا إلى السّماء الثّالثة كان الملائكة كانوا یمنعون الحقیر و یأمرونه بالتّجرید ، و یعدهم الحقیر بذلك ، و كان الشّیخ قد أخذ بعناق فرس الحقیر و یمدّه ، فلم یبق لهم إمكان منع الحقیر .

و كان الشّیخ كلّما عرج إلى السّماء یقول : أین تذهب ؟ فیقول الحقیر إلى الجنّة ، و لون السّماء و كیفیّاتها كما ذكرها العلماء فی كتبهم فلا حاجة إلى ذكرها .

و كان الشّیخ كلّما جاء إلى باب السّماء یدخل بلا اذن الملائكة و لا یلتفت إلیهم و إن حصل فی بعض أبواب السّماوات تمانع یأخذ بعنان هذا الحقیر و یمدّه و یدخل و كان سبعة و كلّ باب من أبواب السّماوات أضیق من الذی قبله ، و كان فی اثناء العروج فی السّماوات السّبع یأتی خیول مختلفة الألوان بسروجها غیر الّتی قبلها .

فلمّا عرجنا إلى السّماء السّابعة و وصلنا إلى الجنّة الاولى و دخلناها جائتنا خیول غیر تلك الخیول بسروجها ، و كانت الحور العین یتعلّق بالشیخ و فرسه و لم یلتفت الیهنّ أصلا ، و كان كلّما وصل إلى باب جنّة من الجنّات یستقبلنا خزنتها و یدخل الشیخ الجنّة بلا التفات إلى أحد منهم .

فلمّا وصلنا إلى جنّة الفردوس استقبلنا خزنتها بالاطباق أو بالطّباق المغطاة الرّؤوس و كان فی طبق منها الفاكهة مكتوب فیها : اللّه ، و فی طبق منها فاكهة أیضا مكتوب فیها : الحقّ ، فأكل هذا الحقیر جمیعها .

فلمّا قربنا من جنّة الفردوس دخل الشّیخ و الحقیر فی اثره فلمّا أراد الشّیخ أن یدخل جنّة الفردوس و كانت طبقتین ردّوا باب طبقة منها ، فأخذ الشیخ

[ 328 ]

بید الحقیر و أدخله الیها و هكذا إلى أن عبرنا ثمانی جنّات كلّما حصل تمانع من واحد منها إمّا أن یأخذ الشیخ بید الحقیر و إمّا أن یأخذ بعنان فرسه و یدخله و ادخلنا إلى أربع جنات منها ركبانا و الى أربع منها مشاة .

و كان فی أثناء عروجنا من هذه الجنات الثمانیة تأتینا خیول مختلفة الألوان خضر و صفر و زرق بسروجها .

فلما عبرنا من الجنات الثمانیة كلّها قال الشیخ : أین تذهب ؟ قال الحقیر إلى العرش و الكرسی ، و كنا نرى فی أثناء ذلك الملائكة علیهم السلام بعضهم فی القیام و بعضهم فی الرّكوع و بعضهم فى السجود و الشیخ و الحقیر راكبان یعبران .

و كلما حصل تمانع من الملائكة لهذا الحقیر كان أكثره من قبل التجرید و كان الحقیر یتقبل لهم به و الشیخ یدفعهم عنه بالعنایة الالهیة ، حتى وصلنا إلى العرش .

فقال الشیخ : ما ینبغی أن یفعل ؟ فقال الحقیر نصعد فوق العرش ، فحضر طیران على شكل النعامة و علیها سرجان فركب الشیخ أحدهما و ركب الحقیر الآخر و كأنه كان كلما حركنا جناحهما قطعنا مسافة الشرقیة أقلّ و أكثر إلى أن عییا ، و حضر طیران آخران على شكل الطاووس و علیهما سرجان و كان الخطاب یصل ساعة فساعة من الحقّ : تجرّد لتصیر محفوظا بتجلّیاتی و اجلسك على العرش فتجرّد الحقیر بالعنایة الالهیة و رمى بالمحقر الذى كان معه من جیفة الدّنیا و مع حقارته و قلّته كان حجابا عظیما ، سبحان من هذا بعض مقدوراته تارة یجعل التجرید حجابا ، و تارة یجعل عدم التجرید حجابا أعوذ باللّه من اللّه فی جمیع الأحوال .

ثمّ بعد ذلك رقاه الحقّ الى العرش الشیخ أمامه و الحقیر فى أثره فلما صعدنا العرش طلب من الحقّ سبحانه موضع نعلى الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاشیر إلى موضع معین و كان الحقیر یقبّل الموضع و یعفّر خدّه فیه ، ثمّ صلینا ركعتین فیه كان الشیخ إماما و الحقیر مأموما ، و قرء فی الرّكعة الاولى إنا فتحنا و فى الثانیة الم نشرح و اذا جاء نصر اللّه ، فان وقعت الاشارة من الحقّ سبحانه أن یذكر عبور بحر النارى

[ 329 ]

و سیر دركات الجحیم طبقة بعد طبقة امتثلت بالتوفیق الالهى بالسمع و الطاعة انشاء اللّه تعالى .

الواقعة الثالثة

و هذه الواقعة انما كتبت باشارة الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و فی أثناء الاشارة استخار الحقیر من النبیّ صلوات اللّه و سلامه علیه فى أنه یلقب نفسه المسكین أو الحقیر فاختار لى الحقیر و أشار به .

رأى هذا الحقیر مرّة كأنه یأكل الكعبة المعظمة زادها اللّه شرفا و كان الكعبة تمطر من هذا الحقیر و فی أثناء ذلك صار الحقیر الكعبة و بمقتضى الحكمة الربانیة ظهر هذا الحقیر على سطحها و ظهر عند ذلك أیضا روح النبیّ صلى اللّه علیه و على آله و سلم مع أرواح جمیع الأنبیاء صلوات اللّه علیهم على سطح الكعبة المعظمة ثمّ إن الأرواح الشریفة النبویة نزلت كلّها من السطح باذن اللّه تعالى سوى روح نبینا محمّد صلّى اللّه علیه و على آله و سلم ، ثمّ بعد ذلك أوحى اللّه تعالى إلى الأنبیاء علیهم السّلام أن هذه كعبتی طوفوا حول كعبتی ، فطاف الأنبیاء كلّهم علیهم السلام ، ثمّ أوحى اللّه إلیهم أن آمنوا به و اسجدوا فقالوا كلّهم : آمنا باللّه و سجدوا حول الكعبة و الكعبة فی الوسط .

ثمّ بعد ذلك رأی كأنّ الحقّ سبحانه و تعالى من التشبیه و التعطیل بیده عصا ضرب بها سطح الكعبة المعظمة ، فصارت شجرة كأنها تمطر منها كلمة لا إله إلاّ اللّه .

ثمّ ظهر من حیطان الكعبة أید لا یعلم عددها إلاّ اللّه تعالى و قد التزم بكلّ ید منها نبیّ من الأنبیاء و یقول : أنا النبیّ الفلانی حتّى أن نوحا علیه السّلام ملتزم بید منها یقول : أنا النوح النبىّ ، و كلّ منهم یقول مشیرا نحوى یا برهان قد جعلك اللّه مشیرا فاعمل أعمال الأنبیاء و الأولیاء ، و كذا الأولیاء رحمهم اللّه على ما ذكرنا و هذه الأیدى باذن اللّه تعالى یجذب بعضها المتعلق بها إلیها و بعضها یقطع رأس المتعلق بها و یرمیه ثمّ بعد ذلك خرج هذا الحقیر من تلك الصورة و ظهر باذن اللّه تعالى و هو سبحانه فوق رأسه كرحمته تعالى عن التكیّف و التمثیل ، و روح النبىّ صلّى اللّه علیه و على

[ 330 ]

آله جالس متمكن ، انتهى كلامه هبط مقامه .

أقول : یا أهل المعرفة و الایمان و العلم و الأیقان و ذوى الفطن الثاقبة ، انظروا إلى مقالات هذه الطایفة و عقاید اخوان عبدة الأوثان و الصائبة كیف زیّن لهم أعمالهم الشیطان و صدّهم عن السبیل .

ثمّ انظروا إلى هذیانات هذا الجاهل السفیه النجس المرتكس فی أحداثه و الملحد المغتذى من أرواثه ، كیف ارتقی مرتقى صعبا دحضا ، و ادّعى تارة رفعا و اخرى خفضا ، و خبط خبطة عشواء ، و ركب ركاب الجاهلیة الجهلاء .

فوا عجبا عجبا من تلبیسات ابلیس و تدلیسات النفس و طول باع الشیطان فى فنون الاغواء و الاضلال ، و قوّة تصرّفه فى أوهام الجهال ، و من شدّة تصاریف قوّة المتخیّلة و سعة مجال القوّة المتوهّمة كیف نسجت على ألسنتهم نسیجات العنكبوت و حیّرتهم فى ظلمات الجهل و الغیاهب ، و اغرقتهم فى بحر لجىّ یغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض و من لم یجعل اللّه له نورا فما له من نور ، نعوذ باللّه من فساد الاعتقاد و الانحراف عن السّداد و الالحاد فى المبدء و المعاد بمحمّد و آله الأمجاد .

المقام الخامس فى كرامات الصوفیة و حماقاتهم

و ما نسبوه الیهم من الأفعال و الأحوال الخارقة للعادة و الكرامات التسلم « كذا » یتّفق مثلها لاولى العزم من الرّسل ، و فیما ادّعاه بعض متصلّفیهم و احموقیهم من الصّلف و الرّعونة و الشّطح الّذى لیس منشأه الاّ الحمق و الجنون و السّفاهة .

قال القیصرى فى شرح الفصّ الهودى من الفصوص :

قال : اى محیى الدّین فى فتوحاته إنّ اللّه تجلّى لی مرارا و قال : انصح عبادى ، و قال :

[ 331 ]

قال فى آخر الباب الثانى عشر من الفتوحات : و قد ورد أنّ المؤذّن یشهد له مدى صوته من رطب و یابس ، و الشرایع و النّبوات من هذا القبیل مشحونة و نحن زدنا مع الایمان بالأخبار الكشف ، فقد سمعنا « رأینا خ ل » الأحجار تذكر اللّه رؤیة عین بلسان نطق تسمعه آذاننا منها و تخاطبنا مخاطبة العارفین بجلال اللّه ممّا لیس یدركه كلّ انسان .

و قال فى شرح الفصّ النوحى : ظواهر العالم من الانسان و الحیوان و النبات و الجماد و غیرهم یثنى بألسنتهم و ألسنة قویهم الرّوحانیة و الجسمانیّة على روحه الحقیقى الذی هو الحقّ و تسبّحه و تنزّهه عن النقایص اللاّزمة لهم اللاّحقة بهم ، و لكن لا یقصد هذا التّسبیح و التّنزیه إلاّ من تنور باطنه بنور الایمان أوّلا ، ثمّ الأیقان ثانیا ،

ثمّ العیان ثالثا ثمّ یوجدان نفسه و روحه ساریا فی عین كلّ مرتبة و حقیقة كلّ موجود حالا و علما و شهودا فقط كسریان الحقّ فیها : فیدرك تسبیح الموجودات بذلك النّور و یسمعه إلى أن قال :

قال الشیخ فی آخر الباب الثانی عشر من الفتوحات : فانّ المسمّا بالجماد و النّبات عندنا لهم أرواح بطنت عن إدراك غیر أهل الكشف إیّاها فی العادة ، فلا یحسّ بها مثل ما یحسّ بها من الحیوان ، فالكلّ عند أهل الكشف حیوان ناطق غیر أنّ هذا المزاج الخاص یسمّى إنسانا لا غیر ، و نحن زدنا مع الایمان بالأخبار الكشف ، فقد سمعنا الأحجار تذكر اللّه رؤیة عین بلسان نطق تسمعه آذاننا منها و تخاطبنا مخاطبة العارفین بجلال اللّه ممّا لیس یدركه كلّ إنسان قال :

و قال فی موضع آخر منه : و لیس هذا التّسبیح بلسان الحال كما یقوله أهل النّظر ممّن لا كشف له ، هذا شأن من تحقّق بالمراتب الثلاث الاول . و أمّا صاحب المقام الرّابع فهو مسبّح لرّبه بلسان تلك الحقایق و حامد له فی تلك المراتب ، فهو العبد التّام للّه یعبده فی كلّ موطن و مقام عبادة جمیع العالم ،

و یحمده حمدهم و یرى جمیع ما یراه بالبصر و بالبصیرة عند تحقّقه بمقام الجمادیة و یسمع ما كان یسمع . و یعقل ما كان یعقل من غیر خلل و نقصان ، و فی هذا المقام

[ 332 ]

یطوى الزّمان و المكان ، و یتصرّف فی جمیع الأكوان تصرّف النّفوس فی الأبدان و یظهر فی الحالة الواحدة فی مراتب الأرواح النّورانیة و النفوس القدسیة الروحانیة و الأجسام الكثیفة الظلمانیّة ، و لهذه المراتب أسرار غامضة جدّا یحرم كشفها ،

انتهى كلامه قاتله اللّه .

و هو كما ترى صریح فی أنّ هؤلاء الزّنادقة فضلا عن دعویهم سریان هویة الحقّ فی حقایق الأشیاء ادّعوا سریان هویة المكاشفین منهم أیضا فی حقایقها .

فلم یبق بینهم و بینه سبحانه على زعمهم فصل و لا له علیهم فضل ، قاتلهم اللّه فأنّى یؤفكون .

و قد صرّح بذلك القیصرى فی الفصل الثامن من دیباجة شرح الفصل حیث قال فی تحقیق أن حقایق العالم فی العلم و العین كلّها مظاهر للحقیقة الانسانیة الّتی هى مظهر لاسم اللّه بعد جملة من الكلام ما لفظه :

و لذلك قیل : الانسان الكامل لا بدّ أن یسرى فی جمیع الموجودات كسریان الحقّ فیها ، و ذلك فی السفر الثالث من الحقّ إلى الخلق بالحقّ ، و عند هذا السّفر یتمّ كماله و به یحصل حقّ الیقین من المراتب الثلاث و قال الجامى فى رسالته الّتی كتبها فی تحقیق مذهب الصوفیّة و المتكلمین و الحكماء المتقدّمین ، یروى عن قضیب البان الموصلى أنّه كان یرى فی زمان واحد فی مجالس متعدّدة مشتغلا فی كلّ بأمر غیر ما فی الآخر ، و لمّا لم یسع هذا الحدیث أوهام المتوغّلین فی الزّمان و المكان تلقّوه بالرّد و العناد و حكموا علیه بالبطلان و الفساد ، و أمّا الّذین منحوا التّوفیق للنّجاة من هذا المضیق فلمّا رأوه متعالیا عن الزّمان و المكان علموا أنّ نسبة جمیع الأزمنة و الأمكنة إلیه نسبة واحدة متساویة ، فجوّزوا ظهوره فی كلّ زمان و مكان بأىّ شأن شاء و بأىّ صورة أراد ، انتهى كلامه خذله اللّه تعالى سبحانه و قال محیى الدین فی الفصّ العیسوى : إنّ أبا یزید نفخ فی النّملة الّتی قتلها فحییت ، فكان عیسوى المشهد .

[ 333 ]

و قال الغزالى فی احیاء العلوم : قیل لبعض العارفین بلغنا انّك ترى الخضر علیه السّلام ؟ فتبسّم و قال : لیس العجب ممّن یرى الخضر و لكن العجب ممّن یرید الخضر أن یراه فیحتجب عنه .

قال : و قیل لأبی یزید البسطامى مرّة : حدّثنا عن مشاهدتك من اللّه تعالى ،

فصاح ثمّ قال : ویلكم لا یصلح لكم أن تعلموا ذلك ، قیل : فحدّثنا بأشدّ مجاهدتك لنفسك فی اللّه تعالى فقال : هذا أیضا لا یجوز أن اطلعكم علیه ، قیل : فحدّثنا عن ریاضة نفسك فی بدایتك ، فقال : نعم دعوت نفسى إلى اللّه فجمحت علیّ فعزمت علیها أن لا أشرب الماء سنة و لا أذوق النّوم سنة فوفت لى بذلك .

قال : و یحكى عن یحیى بن معاذ أنّه رأى أبا یزید فی بعض مشاهداته من بعد صلاة العشاء الى طلوع الفجر مستوفزا على صدور قدمیه ، رافعا أخمصیه مع عقبیه عن الأرض ، ضاربا بذقنه على صدره ، شاخصة بعینیه لا یطرف .

قال : ثمّ سجد عند السّحر فأطاله ، ثمّ قعد فقال : اللّهم إنّ قوما طلبوك فأعطیتهم طىّ الأرض فرضوا بذلك و إنّى أعوذ بك من ذلك ، و إنّ قوما طلبوك فأعطیتهم المشی فی الماء و المشى فی الهواء فرضوا بذلك و إنى أعوذ بك من ذلك و انّ قوما طلبوك فأعطیتهم كنوز الأرض فرضوا بذلك و انّى أعوذ من ذلك حتّى عدّ نیفا و عشرین مقاما من كرامات الأولیاء ، ثمّ . التفت فرآنى فقال :

یحیى ؟ فقلت : نعم یا سیّدى ، فقال : مذ متى أنت ههنا ؟ قلت : منذ حین ، فسكت فقلت : یا سیّدى حدّثنی بشی‏ء فقال : أحدّثك بما یصلح لك .

أدخلنى فى الفلك الأسفل فدوّرنى فی الملكوت السّفلى و أرانى الأرضین و ما تحتها إلى الثرى ثمّ أدخلنى فی الفلك العلوى فطوف بی فی السماوات و أرانى ما فیها من الجنان إلى العرش ، ثمّ أوقفنى بین یدیه فقال : سلنى أىّ شی‏ء رأیت حتّى أهبه لك ، فقلت : یا سیدى ما رأیت شیئا أستحسنه فأسألك ایّاه ، فقال : أنت عبدى حقّا تعبدنى لأجلى صدقا لأفعلنّ بك و لأفعلنّ ، فذكر أشیاء .

قال یحیى : فهالنی ذلك و امتلأت به و عجبت منه فقلت : یا سیّدى لم لا سألته

[ 334 ]

المعرفة به و قد قال لك ملك الملوك : سلنى ما شئت ، قال : فصاح بی صیحة و قال : اسكت ویلك غرت علیه منّى حتّى لا احبّ أن یعرفه سواه .

قال الغزالی : و حكى أنّ أبا تراب الخشبی كان معجبا ببعض المریدین فكان یدنیه و یقوم بمصالحه و المرید مشغول بعبادته و مواجدته ، فقال له أبو تراب یوما :

لو رأیت أبا یزید فقال : إنّى عنه مشغول ، فلمّا أكثر علیه أبو تراب من قوله لو رأیت أبا یزید هاج و جد المرید . فقال : ویحك ما أصنع بأبی یزید قد رأیت اللّه فأغنانی عن أبى یزید .

قال أبو تراب : فهاج طبعى و لم أملك نفسى فقلت ویلك تغترّ باللّه عزّ و جلّ لو رأیت أبا یزید مرّة واحدة كان أنفع لك من أن ترى اللّه سبعین مرّة قال : فبهت الفتى من قوله و أنكره فقال : و كیف ذلك ؟ قال له : ویلك أما ترى اللّه عندك فیظهر لك على مقدارك و ترى أبا یزید عند اللّه قد ظهر له على مقداره ، فعرف ما قلت فقال :

احملنى إلیه فذكر قصّة قال فی آخرها فقال :

فوقفناه على تلّ نتظره لیخرج الینا من الغیضة و كان یأوى إلى غیضة فیها سباع ، قال : فمرّ بنا و قد قلب فروة على ظهره . فقلت للفتى : هذا أبو یزید فانظر إلیه ، فنظر إلیه الفتى ، فصعق فحرّكناه فاذا هو میّت ، فتعاونا على دفنه فقلت لأبی یزید : یا سیّدى نظره إلیك قتله ، قال : لا و لكن صاحبكم صادقا و استكنّ فی قلبه سرّ لم ینكشف له بوصفه ، فلمّا رآنا انكشف له سرّ قلبه فضاق عن حمله لأنّه فی مقام الضّعفاء المریدین فقتله ذلك .

قال الغزالی : و لمّا دخل الزّنج البصرة فقتلوا الأنفس و نهبوا الأموال اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا : لو سألت اللّه دفعهم ، فسكت ثمّ قال : إنّ للّه عبادا فی هذه البلدة لو دعوا على الظالمین لم یصبح على وجه الأرض ظالم إلاّ مات فی لیلة واحدة و لكن لا یفعلون ، قیل : لم ؟ قال : لأنّهم لا یحبّون ما لا یحبّ ، ثمّ ذكر من إجابة اللّه أشیاء لا یستطاع ذكرها حتّى قال و لو سألوه أن لا یقیم السّاعة لم یقمها ، و هذه امور ممكنة فی أنفسها فمن لم یحظ بشی‏ء منها فلا ینبغی أن یخلو

[ 335 ]

عن التّصدیق و الایمان بامكانها ، فانّ القدرة واسطة و الفضل عمیم ، و عجایب الملك و الملكوت كثیرة ، و مقدورات اللّه تعالى لا نهایة لها ، و فضله على عباده الّذین اصطفى لا غایة له .

و لذلك كان أبو یزید یقول : إن أعطاك مناجاة موسى و روحانیة عیسى و خلّة إبراهیم فاطلب ما وراء ذلك أضعافا مضاعفة فان سكنت إلى ذلك حجبت به ، و هذا بلاء مثلهم و من هو فی مثل حالهم لأنّهم الأمثل فالأمثل .

و قد قال بعض العارفین : كوشفت بأربعین حوراء رأیتهنّ یتساعین فی الهواء علیهنّ ثیاب من ذهب و فضّة و جوهر یتخشخش و ینثنى معهنّ ، فنظرت إلیهنّ نظرة فعوقبت أربعین یوما ، ثمّ كوشفت بعد ذلك بثمانین حوراء فوقهنّ فی الحسن و الجمال ، و قیل لی : انظر إلیهنّ قال فسجدت و غمضت عینى فی سجودى لئلاّ أنظر إلیهنّ و قلت : أعوذ بك ممّا سواك لا حاجة لی بهذا ، فلم أزل حتّى صرفهنّ اللّه عنّى .

و فی كتاب قوائم الأنوار تألیف قطب السّلسلة الذّهبیّة المسمّی بمیرزا أبو القاسم الشّهیر میرزا بابا الذّهبی ألّفه بالفارسیّة قال فی الشّطر الثالث فی بیان حقیقة العشق الالهی ما ترجمته مخاطبا لابنه محمّد و هو رئیس السّلسلة الّذهبیّة و قطبهم فی زماننا هذا :

یا بنیّ إن شئت أن تطّلع على سیر السّلاّك و المجذوبین و العشاق الالهیّین فاستمع قصّة سلطان العارفین الشیخ أبی یزید البسطامى فی سیر معراجه قال الشیخ : إنّى بعد ما خدمت مأة و ثلاثین شیخا من المشایخ الكملین ، و لازمت الرّیاضة و المجاهدة ثمانین عاما آتانى اللّه تعالى عینا من نور وحدانیته و جناحین من آثار قدرته ، فطرت ثلاثین ألف عام فی عالم الواحدانیّة ، و ثلاثین ألف عام فی مرتبة الفردانیّة ، و ثلاثین ألف عام فی مرتبة الصّمدیّة ، فشاهدت قد بقیت بقیّة من الانیّة فاهتزنی غیرة شوق الوحدة فطرت أربعین ألف عام آخر فی الوحدة فبلغت غایة ما یمكننی من السّیر فشاهدت أنّ وجودى المتوّهم لم ینعدم بعد ، فعجزت و قلت : إلهی أعلم أنّ

[ 336 ]

وجودى بوجودك شرك و أنا لا أقدر الوصول الیك بوجودى فكیف لی فی فناء وجودى قال سبحانه : ضع رأسك على عتبة باب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

قال أبو یزید : فغلبنی شوقه فقلت أحالنی سبحانه إلى بابه فطرت بجناحی الهمة و العشق حتّى وصلت أرواح الأنبیاء علیهم السّلام فسلّمت على كلّ واحد منهم و سلّموا علىّ حتى جاوزت من الأنبیاء و سعیت فی الطّیران إلى أن وصلت فناء حضرت محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فرأیت مأة آلاف ألف بحر من نار لا بدّ من العبور منها ، ثمّ نظرت فرأیت آلاف ألف حجاب من حجب النور و علمت أنّه ما لم أعبر من بحار النار لا یمكن لی الوصول إلى حجب النّور ، و لو أضع قدمی على أوّل بحر منها لاحترقت و هلكت ، ثمّ أمعنت النظر فرأیت أطناب سرادق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مضروبة فی منتهى حجب النّور ، فقلت : هذا هو الّذى قاله رؤسا الدّین : إنّ الوصول إلى اللّه سهل و إلى الرّسول صعب فلمّا یئست من الوصول إلى حضرته ، فقلت : باب الرّسول فی هذا العصر هو ابنه جعفر الصّادق علیه السّلام ، فقدمت إلى حضرته فقلت : یا مولاى جعلت فداك إنّ اللّه تعالى بعد ثمانین عاما من المجاهدات و الرّیاضات فی سلوك طریقه و خدمة مأة و ثلاثین من الأولیاء أحالنی إلى بابك و إنّی بعد طول الرّیاضة فی هذه المدّة و المواظبة على العبادة و الانقطاع من الخلق و العزلة و التفرید و التجرید جئت إلى بابك غیر معجب بشی‏ء من ذلك ، فهب أنّی مجوسیّ أو یهودیّ أو نصرانیّ جئت إلى حضرتك لطلب دین الحقّ فأدخلنی فى الاسلام ، فقال علیه السّلام : قل لا إله إلاّ اللّه .

قال أبو یزید : فلمّا قلت لا إله كلمة النّفی فشاهدت المحو و الفناء فی جمیع العالم حتّى فی وجودی ، فلمّا قلت : إلاّ اللّه كلمة الاثبات فظهرت صورة الصّادق علیه السّلام فقلت : سبحان اللّه الفناء و البقاء و المحو و الاثبات الّذى كنت أطلبه فی تسعین عاما مع طول الرّیاضات و المجاهدات و خدمة مأة و ثلاثین من الأولیاء و سیر مأة و ثلاثین ألف عام فی الوحدة قد حصل لی فی دقیقة واحدة بتلقینه علیه السّلام كلمة لا إله إلاّ اللّه .

فلزمت حضرة الصادق علیه السّلام و سألت أن یفوّض إلىّ بعض خدماته ففوّض سقایة

[ 337 ]

بیته الشریف إلىّ فكنت سقاء فی بیته سبع سنین ، فقال الصّادق علیه السّلام لی یوما من الأیام :

یا طیفور هات الكتاب من الرّف ، فقلت : جعلت فداك و أین الرّف ؟ فقال : فوق رأسك و قد كنت منذ سنین عندنا فی هذه الدّار و البیت و ما رأیت الرّف فوق رأسك ؟

فقلت : باللّه الّذى أجلسك فی مسند الخلافة شغلی بك و بأنوارك منعتنی عن هذا ،

فقال علیه السّلام : قد تمّ لك الأمر امض إلى بسطام و ادع النّاس إلى اللّه سبحانه و إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أولیائه ، و أرسل معه بعض ولده فقدما متّفقین إلى بسطام و دعى أهله إلى الصّادق علیه السّلام ، و كان یوم الجمعة مشغولا بارشاد الخلق و هدایتهم إلى السّیر و السلوك و سایر أیّام الاسبوع مشغولا بالفتاوى و الأحكام ، انتهى ما نقله بطوله .

أقول : هذه القصّة لم أجدها فی مؤلّفات أحد من المتصدّین لنقل كرامات الصّوفیّة حتّى فی كتاب تذكرة الأولیاء لهم أیضا مع أنّ أصل مقصود صاحب التذكرة من تألیفه لیس إلاّ ذكر أمثال ذلك ، و العهدة فی ذلك على ناقله ، نعم كون أبى یزید سقاء فی دار الصادق علیه السّلام قد ذكره صاحب التذكرة و غیره .

لكن ردّه الشیخ نور الدین المحدّث كما حكاه القاضی نور اللّه فی مجالس المؤمنین عنه ، فانّه بعد ما حكى كونه سقّاء فی داره عن جماعة قال :

و قال الشیخ نور الدین أبو الفتوح المحدّث إنّه صحّ عن علماء التاریخ أنّ وفاة مولینا الصّادق علیه السّلام كانت فی سنة ثمان و أربعین و مأة و أنّ وفاة السلطان أبى یزید المذكور فى سنة احدى و ستّین و مأتین ، و لم یختلف أحد من العلماء فى هذین التاریخین مع أنّ التفاوت ما بینهما مأة و ثلاثة عشر سنة ، و لم یذكروا أیضا عمر أبى یزید أكثر من الثمانین ، فاحتمل أن یكون ملازمته فى الخدمة لباب مولینا علىّ بن موسى بن جعفر الرّضا علیهم السّلام و وافقه على ذلك المحقّق الشریف فى شرح المواقف حیث قال : و أما أبو یزید فلم یدرك جعفرا علیه السّلام بل هو متأخّر ، و لكنّه استفاض من روحانیّة جعفر و لذا اشتهر انتسابه الیه انتهى .

و كیف كان فقد نسبت إلى أبى یزید ذلك كرامات كثیرة و قد أطروا فى حقّه

[ 338 ]

حتّى قال جنیدهم البغدادى : إنّه كان بین الأولیاء كجبرئیل بین الملائكة .

و لكن هذا كلّه ینافى ما رواه غیر واحد من العامّة و الخاصّة منه من قوله :

سبحانى ما أعظم شانى فانّه تنزیه یلیق بالخالق و یختصّ به دون المخلوق .

و أعظم من ذلك ما رواه بعضهم عنه من قوله : لیس فى جبّتى سوى اللّه ، و روى بعضهم ذلك من حسین بن منصور الحلاج ، و الظاهر صدور هذا الهذیان من خبیث لسان كلا الرّجلین بلا اختصاص له بأحدهما ، لأنّه مقتضى القول بوحدة الوجود و من لوازمه ، و العجب من بعض المتصوّفة أنّه بعد نقل هذه الخرافات عن الرّجلین الجلفین جاء إلى مقام الاعتذار .

قال أبو حامد الغزالى فى محكىّ كلامه من كتاب مشكاة الأنوار بعد ما ذكر فصلا طویلا فى حال الحلاج : إنّ قوله : أنا الحق و ما فى الجبّة إلاّ اللّه من فرط المحبّة و شدّة الوجد ، و هذا مثل قول القائل :

أنا من أهوى و من أهوى أنا
فاذا أبصرتنى أبصرتنا

و تبعه على ذلك قطب الذّهبیّة فی كتابه قوائم الأنوار ، قال فى ذكر الشرط الخامس من شرایط السلوك بعد جملة كلام له ما ترجمته : إنّ السالك بعد ترقّیه إلى غایة مقام القرب من الحضرة الأحدیّة لا یبقى له طریق التّرقی إلى ما فوق ذلك و هو باب الولایة الالهیّة ، و لا یمكن له دخول ذلك الباب بالرّیاضات و المجاهدات إلاّ بجذبة عنایة إلهیّة تفوح من مكمن الغیب الّذى هو باطن باب الولایة و تجذب السالك حتّى تدخله فى ذلك الباب و تجعله عارفا بأسرار الولایة العلویّة روح العالمین فداه ، و هذه الأسرار هى الّتى برزت من أولیاء أهل العصمة كما أنّ السلطان با یزید البسطامى الّذى كان سقاء الصّادق علیه السّلام قال فى خلساته و عند استغراقه فى نور الولایة من غیر اختیار منه : لیس فى جبّتى سوى اللّه ، و كان الحسین بن منصور الحلاج یسجد تراب عتبته علیه السّلام و یقول من غیر شعور : أنا الحقّ ، و بعد ما قتلوه و أحرقوا جسده و صار رمادا ألقوا رماده فى دجلة فكانت حبا باب الدّجلة متشكل بشكل : اللّه اللّه ، و كانت دماؤه المتقاطرة على وجه الأرض تنقّش بنقش : أنا الحقّ

[ 339 ]

و ذلك لأنّهم لمّا لم یسمعوا كلام موالیهم المعصومین علیهم السّلام فی عدم إذاعة أسرارهم فأذاعوها من غیر اختیار منهم فی الاذاعة ذاقوا ألم الحدید و نالوا بالشهادة و لا یعلم أسرار ولایتهم علیهم السّلام الّتى هى ولایة اللّه إلاّ اللّه سبحانه و الّذین تنصّوا فمن جرى على لسانه اختیارا هذه كلمات الكفر فهو كافر بلا ریب ، و أمّا هؤلاء فقد جرى على لسانهم من غیر اختیار ، و الدّلیل على عدم الاختیار انتقاش الدّم و الرّماد بنقش أنا الحقّ و اللّه اللّه و قد رأى بعضهم الحلاّج فى المنام فسأل عنه كیف عومل معك ؟ قال :

عاتبنى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قال لى : لم ثلمت ثلمة فى شریعتى ؟ فقلت : جعلت فداك و إن ثلمت و لكن جعلت رأسى موضع الثلمة حتّى لا یجترى على ذلك أحد من بعدى فعفا عنّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم انتهى كلامه .

أقول : و یتوجّه على المعتذرین لا سیّما على الثّانی منهما وجوه من الكلام و ضروب من الملام .

أمّا أوّلا فلأنّ كون هذه الكلمات من كلمات الكفر كما اعترفا به أیضا لیس علیه غبار ، و الاعتذار بأنّ صدورها من الرّجلین لم یكن بالاختیار باطل لمنع عدم الاختیار ، و على تقدیر تسلیمه فأقول :

افّ و تفّ على مذهب و طریقة یكون أعلى أعلى مقام ترقّیاتها و غایة غایات جذباتها و وجدها أن یخرج سالكها عن حدّ التمیز و العقل و الشعور و الاختیار و یتكلّم بالهجر و الهذیان ، أبهذا أمرهم صاحب الشریعة ؟ معاذ اللّه ثمّ معاذ اللّه من الضّلال و الخذلان و إغواء الشیطان .

ثمّ العجب كلّ العجب ممّا ذكره الثانى فى تعلیل عدم الاختیار من انتقاش الدّم و الرّماد ، و قد ذكره غیره أیضا من أولیاء هذا المقتول الملحد المرتدّ و أتباعه تعالى اللّه عمّا یقول الظالمون علوا كبیرا و كیف یذهب و هم العاقل إلى صدق ذلك فضلا عن الاعتقاد به .

و الذى یدلّ على بطلانه ضرورة و أنه افك محض أنّ ثانى سیدى شباب أهل الجنة و درّة صدف الطهارة و العصمة و سبط رسول الامة الموصوف و المخصوص بالكرامة

[ 340 ]

صاحب الولایة المطلقة سابق مضمار المعرفة و المحبة القائل فى مناجاته :

تركت الخلق طرّا فى هواكا
و أیتمت العیال لكى أراكا

فلو قطّعتنى فى الحبّ إربا
لما حنّ الفؤاد إلى سواكا

سلام اللّه علیه و على جدّه و أبیه و امّه و أخیه و ذریّته و بنیه مع كونه مجاهدا فی دین اللّه مقتولا فی سبیل اللّه و كون دمه الطاهر المطهّر ثار اللّه و كون ثائره هو اللّه عزّ و جلّ ، لم یر و لم یرو احد فی دمه الانتقاش ، و لو جاز فی حقّ أحد ذلك لكان هو أحرى بذلك بمقتضى معرفته الكاملة و محبّته التّامة البالغة لا الدّم النجس للرّجس السّاحر الكافر الملحد المشعبد حسبما تعرف كفره و الحاده و شعبدته تفصیلا إنشاء اللّه .

و أمّا ثانیا فلأنّ ارتكاب التأویل فی كلمات هذه الكفرة قد ورد فیه النهی الصریح من الأئمّة علیهم السلام .

مثل ما رواه مولینا الأردبیلی فی كتاب حدیقة الشیعة عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر البزنطی قال : قال رجل للصّادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام : قد ظهر فی هذا الزّمان قوم یقال لهم الصّوفیّة فما تقول فیهم ؟ قال علیه السّلام إنّهم أعداؤنا فمن مال الیهم فهو منهم و یحشر معهم و سیكون أقوام یدّعون حبّنا و یمیلون إلیهم و یتشبّهون بهم و یلقّبون أنفسهم بلقبهم و یؤوّلون أقوالهم ألا فمن مال إلیهم فلیس منّا و إنّا منهم برءآء ، و من أنكرهم و ردّ علیهم كان كمن جاهد الكفّار بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، هذا .

مضافا إلى أنّ فتح باب التّأویل كما قیل أوّل مراتب الالحاد و بدء الضّلال عن السّداد ، إذ بانفتاح تلك الأبواب و قبول الاحتمالات السخیفة فی التكلّم و الخطاب و مقام السّؤال و الجواب ینهدم أساس الدّین و ینثلم أحكام الشرع المبین و یبطل إقامة التعزیرات و الحدود على المستحقّین لها من أهل الفسق و الارتداد و الجحود كما یبطل تكفیر المتشرّعین لسائر الكفّار إذا تكلّموا بكلمات الكفر ثمّ اعتذروا بعدم الاختیار أو ادّعوا الخذف و الاضمار .

و ظاهر أنّ بناء علماء الاسلام بل سایر الملیّین على خلاف ذلك فی جمیع الأعصار