-----------
( 1 ) قوله : حلق الذكر و هو بكسر الحاء و فتح اللام جمع حلقة كقصعة و قصع و هو الجماعة من الناس یستدیرون كحلقة الباب و غیره ، هكذا فى النهایة ، و قال الجوهرى : جمع الحلقة حلق بفتح الحاء ، منه .

[ 369 ]

الفرید المتقلّب فى فنون العلوم الدّائر فی أدوار الفروع و الاصول ، و السائر فی أطوار المعقول و المنقول ، الصّاعد مصاعد الدّقایق ، و العارج معارج الحقایق ، الموزع أوقاته فی اصلاح أمر المعاش و المعاد ، الموظف نهاره فی التّصنیف و التّألیف و التدریس و البحث و الاجتهاد ، و لیله فی الاحتطاب لقوت عیاله و الصّلاة و الدّعاء و مناجاة ربّ العباد ، من الصّوفیة الّذین لا یعرفون من الشریعة إلاّ الاسم ، و من الطریقة إلاّ الرّسم ، و بین مذاق المجتهدین و الصّوفیّین بون بعید بعد المشرقین .

فانّ مدار الأولین فی مقام العلم على الاستدلال و الاجتهاد و الاستنباط ، و الأخذ بظواهر المحكمات من الآیات و الرّوایات ، و فی مقام العمل على العبادات الموظفات و الأذكار المأثورات .

و مدار الآخرین فی مقام العلم على دعوى الكشف و الشهود و الأخذ بالمتشابهات فی ترویج بضاعتهم المزجاة ، و فی مقام العمل على بدعات العادات و الرّیاضات ،

و مخترعات الأذكار و العبادات .

و بالجملة فالمدار على الحقیقة دون الاسم ، و على المعنی دون اللفظ .

فمن كان سالكا مسالك الشریعة آخذا بحدودها و قوانینها المتقنة فی الاصول و الفروع ، مواظبا على الحلال و الحرام ، و التكالیف و الأحكام ، فنعم الرّجل هو .

و من كان بخلاف ذلك فبئس الرّجل ، فان كان المسمّى بلفظ الصوفی و المراد به حیثما یطلق هو الأوّل فلا مشاحة فی التّسمیة ، و إن أرادوا به الثانی فویل لمن حاله ذلك ، ثمّ ویل له من وقوعه فی المهاوى و المهالك .

و منهم عمدة العلماء المتّقین ، و نخبة الأتقیاء المرتقین محمّد تقیّ بن مقصود علیّ المشتهر بالمجلسیّ الأوّل أفاض اللّه على روحه من شابیب الرّحمة ، قال فی محكی كلامه من شرح الفقیه عند شرح ما رواه الصّدوق عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من قوله :

بادروا إلى ریاض الجنّة قالوا : یا رسول اللّه و ما ریاض الجنّة ؟ قال : حلق الذّكر :

قوله : حلق الذّكر ، أى المجامع الّتی یطلب فیها العلوم الدّینیّة ، فانّ الحلق الّتى وصلت إلینا من طرق الأصحاب إلى النّبىّ و الأئمّة صلوات اللّه علیهم هى

[ 370 ]

هذه أو مجامع الوعظ كما روى عنهم علیهم السّلام أنّهم كانوا یعظون .

و أمّا الّتى اشتهرت من الاجتماع للّذكر الجلى فلم یصل علینا عنهم صلوات اللّه علیهم و هذه بطرق العامّة أشبه ، كما رواه الكلینى فى القوى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : من ذكر اللّه فى السّر فقد ذكر اللّه كثیرا إنّ المنافقین كانوا یذكرون اللّه علانیة و لا یذكرونه فى السّر ، فقال عزّ و جلّ : یراؤن النّاس و لا یذكرون اللّه إلاّ قلیلا إلى آخر ما أورده رضى اللّه عنه فیه من الأحادیث الدّالة على نفاقهم و فساد طریقتهم و مناقضتها لطریقة أصحاب الأئمّة صلوات اللّه علیهم ، و اشوقاه إلى تلك الأشباح ،

سلام اللّه على تلك الأرواح ، رحل اولئك السّادة ، و بقى قرناء الوسادة ، انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : و هذا الرّجل كان أفضل أهل عصره فى فهم الحدیث ، و أحرسهم على إحیائه ، و أعلمهم برجاله ، و أعملهم بموجبه ، و أعدلهم فى الدّین ، و أقواهم فى النفس ،

و أجلّهم فى القدر ، و أزهدهم فى الدّنیا ، و أكملهم فى التّقوى ، و أوقفهم لدى الشّبهات ،

و أجهدهم فى العبادات .

و قد كتب حاشیة نافعة على الفقیه و شرحا جامعا على الخطبة المأة و الثّانیة و التسعین المسوقة لوصف حال المتّقین ، بل قیل : إنّه أوّل من نشر حدیث الشیعة بعد انتهاء السّلطنة إلى سلاطین الصّفویّة .

و مع ذلك كلّه فالعجب أنّه اشتهر بین الصّوفیة نسبته إلى التّصوف ، و ربّما ینسب إلیه كتاب صغیر مؤلّف على مذاق المتصوّفة ، و هو بعید منه غایة البعد ، بل الظّاهر أنّه افتراء فى حقّه .

و یشهد بذلك ما قاله ابنه المحدّث العلامة المجلسى الثانى قدّس اللّه رمسه فى آخر رسالة اعتقاداته ما صریح عبارته :

و ایّاك أن تظنّ بالوالد العلامة نور اللّه ضریحه أنّه كان من الصوفیّة و یعتقد مسالكهم و مذاهبهم ، حاشاه عن ذلك ، و كیف یكون كذلك ؟ و هو كان آنس أهل زمانه بأخبار أهل البیت ، و أعملهم و أعملهم بها ، بل كان مالك الزّهد و الورع ، و كان

[ 371 ]

فى بدو أمره یتسمّى باسم التصوّف لیرغب الیه هذه الطایفة و لا یستوحشوا منه فیردعهم عن تلك الاقاویل الفاسدة و الأعمال المبتدعة ، و قد هدى كثیرا منهم إلى الحقّ بهذه المجادلة الحسنة ، و لما رأى فى آخر عمره أنّ تلك المصلحة قد ضاعت و رفعت أعلام الضلال و الطغیان و غلبت أحزاب الشیطان و علم أنهم أعداء اللّه صریحا تبرّء منهم ،

و كان یكفرهم فى عقایدهم الباطلة ، و أنا أعرف بطریقته و عندى خطوطه فى ذلك ،

انتهى كلامه رفع اللّه مقامه .

و شهادة مثل العلامة المجلسى على براءة ساحة رجل أجنبى من دنس نسبة ردیة كافیة فى تزكیته و طهارته ، فكیف فى حقّ والده مع خبرویته بسرّه و علانیته ،

فانّ الولد سرّ أبیه ، و أهل البیت أدرى بما فیه .

و منهم غوّاص بحار أنوار الأخبار ، ناشر مآثر الأطهار الأخیار ، مروّج مذهب الشیعة فی الأصقاع و الأقطار ، محیى شریعة سید المرسلین ، راغم انوف المخالفین و المعتدین ، دامغ صولات أضالیل المبطلین ، و أباطیل المبدعین ، سیما الصوفیة المبتدعین محمّد باقر بن محمّد تقى المتقدّم الذكر المشهور بالعلامة المجلسى أفاض اللّه على روحه نور القدوسى .

فانّه قد بثّ فی تصانیه من مطاعن الصوفیّة ما هو فوق حدّ الاحصاء ، متجاوز عن طور الاستقصاء و لا بأس بالاشارة إلى بعضها ، فأقول :

منها ما ذكره فی رسالة اعتقاداته تصریحا و تلویحا بل یفهم من دیباجتها أنّ أصل غرضه من وضع تلك الرّسالة إبطال مذهب هذه الفئة الضالّة حیث قال بعد حمد اللّه و ثنائه و الصلاة عن رسول اللّه و آله :

أمّا بعد فیقول المفتاق إلى ربّه الغافر ابن محمّد تقی محمّد باقر اوتیا كتابهما یمینا و حوسبا حسابا یسیرا : إنّه قد سألنی بعض من هداه اللّه إلى طلب مسالك الحقّ و الرّشاد ، و أودع قلبه خوف المعاد أن ابیّن له ما هدانی اللّه الیه من طریق النّجاة فی هذا الزّمان الّذى اشتبه على النّاس الطرق ، و أظلم علیهم المسالك ، و استحوذ الشّیطان على أولیائه فأوردهم المهالك ، فنصب الشّیطان و أحزابه من الجنّ و الانس

[ 372 ]

على طریق السّالكین فخوخهم و مصائدهم یمینا و شمالا ، و مشوا لهم على مثال الحقّ بدعة و ضلالا ، فوجب علىّ أن ابیّن لهم مناهج الحقّ و النجاة بأعلام نیّرة و دلائل واضحة و إن كنت على وجل من فراعنة أهل البدع و طغاتهم .

فاعلموا یا اخوانی أنّی لا الوكم نصحا و لا أطوى عنكم كشحا فی بیان ما ظهر لی من الحقّ و ان ارغمت منه المراغم ، و لا أخاف فی اللّه لومة لائم .

و ساق الكلام فی فضل النّبی و أهل بیته سلام اللّه علیه و علیهم و كونهم المقصودین من ایجاد عالم الوجود و المخصوصین بالشفاعة الكبرى و المقام المحمود و انّهم وسایط الفیوضات النّازلة و النّعم الواصلة من اللّه سبحانه إلى عباده فی هذه النّشأة و النّشأة الآخرة ، إلى أن ذكر وجوب متابعة النّبی بنصّ قوله تعالى : و ما آتاكم الرّسول فخذوه و ما نهیكم عنه فانتهوا فی اصول الدّین و فروعه و امور المعاش و المعاد ثمّ ذكر أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أودع حكمه و معارفه و أحكامه و آثاره و ما نزل علیه من الآیات القرآنیة و المعجزات الرّبّانیّة فی أهل بیته ، ثمّ إنّهم تركوا بیننا أخبارهم فلیس لنا فی هذا الزّمان إلاّ التّمسك بأخبارهم و التّدبّر فی آثارهم ، فترك النّاس فی زماننا آثار أهل بیت نبیّهم و استبدّوا بآرائهم ، فمنهم من سلك مسلك الحكماء الّذین ضلّوا و أضلّوا و لم یقرّوا بنبیّ و لم یؤمنوا بكتاب ، و اعتمدوا على عقولهم الفاسدة و آرائهم الكاسدة فاتخذوهم أئمّة و قادة ، و معاذا اللّه أن یتكل النّاس على عقولهم فی اصول العقاید فیتحیّرون فی مراتع الحیوانات إلى أن قال :

و طائفة من أهل دهرنا اتّخذوا البدع دینا یعبدون اللّه به و سموه بالتصوّف فاتّخذوا الرّهبانیة عبادة مع أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد نهى عنها و أمر بالتزویج و معاشرة الخلق و الحضور فی الجماعات و الاجتماع من المؤمنین فی مجالسهم و هدایة بعضهم بعضا و تعلّم أحكامها و تعلیمها ، و عیادة المرضى و تشییع الجنایز و زیارة المؤمنین و السّعى فی حوائجهم و الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر و إقامة حدود اللّه و نشر

[ 373 ]

أحكامه ، و الرّهبانیّة الّتی ابتدعوها تستلزم ترك جمیع الفرایض و السّنن ثمّ انّهم فی تلك الرّهبانیة أحدثوا عبادات مخترعة .

فمنها الذّكر الّذی هو عمل خاصّ على هیئة خاصّة لم یرد به نصّ و لا خبر و لم یوجد فی كتاب و لا أثر ، و مثل بدعة محرّمة بلا شكّ و لا ریب قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة سبیلها إلى النّار .

و منها الذّكر الجلیّ الّذى یتغنّون فیه بالاشعار و یشهقون شهیق الحمار ،

یعبدون اللّه تعالى بالمكاء و التّصدیة ، و یزعمون أن لیس عبادة إلاّ هذین الذّكرین المبتدعین ، و یتركون جمیع السّنن و النّوافل و یقنعون من الصّلاة الفریضة بنقرة كنقرة الغراب و لو لا خوف العلماء لكانوا یتركونها رأسا .

ثمّ إنّهم امّة لا یقنعون بالبدع ، بل یحرّفون اصول الدّین و یقولون بوحدة الوجود ، و المعنى المشهور فی هذا المسموع من مشایخهم كفر باللّه العظیم ،

و یقولون بالجبر و سقوط العبادات و غیرها من الاصول الفاسدة السخیفة .

فاحذروا یا اخوانی و احفظوا ایمانكم و أدیانكم من وساوس هؤلاء الشّیاطین و تسویلاتهم ، و ایّاكم أن تنخدعوا عن أطوارهم المتّصفة الّتی تعلّقت بقلوب الجاهلین .

فها أنا ذا احرّر مجملا ما تبیّن لی من الأخبار المتواترة من اصول المذهب لئلا تضلّوا بخدعهم و غرورهم ، و اتمّم حجّة ربكم علیكم و اؤدّى ما وصل إلىّ من موالیكم إلیكم لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حى عن بیّنة ، و أتلو علیكم ما أردت ایراده فی بابین :

الباب الأوّل فیما یتعلّق باصول العقاید ، و ساق الكلام فیه على اصول المتشرّعة ، و قال فی تضاعیفه و القول بحلوله تعالى فی غیره كما قال بعض الصوفیة و الغلاة أو اتّحاده مع غیره كما قاله بعض الصّوفیّة كفر إلى أن قال :

الباب الثّانی فیما یتعلّق بكیفیّة العمل ، قد علمت یا خلیلى ما أثبتناه أوّلا من لزوم متابعة أهل بیت العصمة سلام اللّه علیهم فی أقوالهم و أفعالهم و التّدبّر

[ 374 ]

فی أخبارهم و آثارهم .

فاعلم انّ الخیر كلّ الخیر وجدنا فی أخبارهم إذ ما من حكمة من الحكم الالهیّة إلاّ و هی فیها مصرحة مشروحة لمن أتاها بقلب سلیم و عقل مستقیم ، لم یعوج عقله بسلوك طریق الضّلال ، و لم یأنس فهمه بأطوار أهل الزّیغ و الرّدى .

و طریق الوصول إلى النّجاة و الفوز بالسّعادات ظاهرة بینة فیها لمن رفع غشاوة الهوى عن بصیرته ، و توسل إلى ربّه فی تصحیح نیته ، و قد قال اللّه تعالى :

و الذین جاهدوا فینا لنهدینّهم سبلنا و محال أن یخلف اللّه وعده إذا أتى اللّه من الأبواب التى أمر اللّه أن یؤتی منها .

فالذى یجب أوّلا للسالك إلى اللّه أن یصحّح نیته ، لأنّ مدار الأعمال فی قبولها و كمالها على مراتب النیات و لا یتأتی ذلك إلاّ بالتوسل التام بجنابه تعالى و الاستعاذة من شرّ الشیاطین و غلبة الأهواء إلى أن قال : فاذا توسل السالك بجنابه تعالى و صحّ نیته بقدر الجهد فی بدو الأمر یطلب ما یعلم أنّ خیر آخرته فیه و لا یبالی بأن یعدّه أهل الزّمان و جهلة الدّوران حشویا أو قشریا أو زاهدا خشكا أو ینسبونه إلى الجهل .

و إذا كان بهذه المنزلة یظهر له الحقّ عیانا فینبغی أن یبتغى بعد ذلك معلما مستأنسا بكلام أهل البیت و أخبارهم مصدّقة إلیها لا من یؤوّل الأخبار بالآراء بل من صحّ عقایده عن الأخبار و یشرع فى طلب العلم ابتغاء وجه اللّه و طلب مرضاته و یتدبر فی أخبار أهل البیت علیهم السّلام و یكون مقصده التحصیل ، فلا العمل ینفع بدون العلم كما ورد عن الصادق علیه السّلام أنّ العامل على غیر بصیرة كالسایر على غیر الطریق لا یزیده سرعة السیر إلاّ بعدا ، و لا العلم ینفع بدون العمل كما روى من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم یعلم .

ثمّ ساق الكلام فی المواظبة على العلم و العمل من الصلاة و الأدعیات المأثورات و المناجاة المعروفة بالانجیلیة و دعاء كمیل النخعی و غیرها و الصحیفة الكاملة جلّها بل كلّها إلى أن قال :

[ 375 ]

ثمّ انّ أعظم سعادات النفس الأخلال الحسنة الزكیة من المصافاة و الجود و السخاوة و الاخلاص و المسكنة و غیرها من الأخلاق الحسنة التی استحسنها الشرع و العقل .

و أقوى مهلكات النفس الأخلاق الذمیمة الردیة من البخل و الجبن و الكبر و العجب و الرّیاء و الغضب و الحقد و غیرها من الملكات الرّدیة التی استقبحها العقل و الشرع ، فیجب على الانسان التخلّى عن الأخلاق السیئة و التحلّى بالأطوار المرضیة .

و زعمت الصّوفیّة أنّها یحصلان بترك المألوفات ، و الاعتزال عن الخلق و ارتكاب المشاق ، و ملازمة الجوع المنهمك و السّهر الدّایم و سایر ما هو طورهم و دأبهم .

و إنّی وجدت من یقاس تلك الشّداید منهم تزید أخلاقها الرّدیة و تقل أخلاقها الحسنة إذ یغلب علیه السّوداء فلا یمكن لأحد أن یتكلّم معهم بكلمة لسوء خلقهم و یقوى تكبّرهم و عجبهم بحیث یظنّون أنّهم تجاوزوا عن درجة الأنبیاء و یبغضون جمیع الخلق و یستوحشون منهم و كذا سایر صفاتهم لكن لا یظهر ذلك للخلق لعدم معاشرتهم و معاملتهم معهم .

و منها ما قاله فی دیباجة مرآت العقول فی شرح أخبار آل الرّسول :

إنّی لمّا ألفیت أهل دهرنا على آراء مشتّتة و أهواء مختلفة قد طارت بهم الجهالات إلى أركانها ، و قاصت بهم الفتن فی غمارها ، و جذبتهم الدّواعى المتنوّعة إلى أقطارها و حیّرتهم الضّلالة فی فیافیها و قفارها .

فمنهم من سمّى جهالة أخذها من حثالة من أهل الكفر و الضّلالة لشرایع النّبوّة و قواعد الرّسالة حكمة ، و اتّخذ من سبقه فی تلك الحیرة و العمى أئمة یوالی من والاهم ، و یعادى من عاداهم ، و یفدى بنفسه من اقتفى آثارهم ، و یبذل نفسه فی إنكار من أنكر آراءهم و أفكارهم ، و یسعى بكلّ جهد فی إخفاء أخبار الأئمّة الهادیة صلوات اللّه علیهم و إطفاء أنوارهم ، و یأبى اللّه إلاّ أن یتمّ نوره و لو

[ 376 ]

كره المشركون .

و منهم من یسلك مسلك أهل البدع و الأهواء المنتهمین إلى الفقر و الفناء فلیس لهم فی دنیاهم و آخرتهم إلاّ الشّقاء و العناء ، فضحهم اللّه عند أهل الأرض كما خذلهم عند أهل السّماء ، فهم اتّخذوا الطعن على أهل الشرایع و الأدیان بضاعتهم و جعلوا تحریف العقاید الحقّة و صرف النّوامیس الشرعیّة من سماتها بضمّ البدع إلیها صناعتهم .

و منهم من تحیّر فی جهالته یخطفهم شیاطین الجنّ و الانس یمینا و شمالا ،

فهم فی ریبهم یتردّدون عمیانا و ضلالا فبصر اللّه نفسی بحمده تعالى هداها فألهمها فجورها و تقویها ، فاخترت طریق الحقّ إلى آخر ما قال .

و منها ما ذكره فی أواخر كتاب عین الحیاة الّذى ألّفه بالفارسیّة فی شرح قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأبی ذرّ رضی اللّه عنه : یا با ذر یكون فی آخر الزّمان قوم یلبسون الصّوف فی صیفهم و شتائهم یرون أنّ لهم الفضل بذلك على غیرهم اولئك یلعنهم ملائكة السّماوات و الأرض ، یا با ذر ألا اخبرك بأهل الجنّة ؟ قلت : بلى یا رسول اللّه قال : كلّ أشعث أغبر ذى طمرین لا یؤبه به 1 لو أقسم على اللّه لأبرّه قال ( ره ) ما ترجمته :

اعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا كان عالما بالوحى الالهی بجمیع العلوم ،

و مطلعا بالامور الغیبیّة فمدح الفقر و التواضع لعلمه بأنه یأتی بعده قوم من أهل البدعة و الضلالة یلبسون هذا اللّباس أى لباس الصوف مكرا و تذویرا لیخدعون الناس فذكر صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علامتهم و أنهم ملعونون لئلا یغترّ الناس بهم ، و هذه العلامة مخصوصة بالفرقة الضالة المبتدعة الصوفیة .

و هذا الكلام من جملة معجزاته حیث أخبر بهم قبل وجودهم فلا ریب فی حقیّة هذا الكلام المتضمّن للاعجاز فمن أنكره فعلیه لعنة اللّه تعالى و رسوله .

و لیس منشاء استحقاقهم للّعن هو لبس الصوف بل لما كان یعلم صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالوحى

-----------
( 1 ) أى لا یلتفت إلیه م

[ 377 ]

الالهى أنّ هذه الفرقة یبطلون شرعه و یهدمون أساس دینه و یعتقدون فی العقاید بالكفر و الزّندقة و یتركون فی مقام العمل الموظفات الشرعیة و یعملون البدعات و المخترعات و یصرفون الناس عن العبادات ، لعنهم لذلك و وصفهم بعلامتهم لیعرفهم الناس و یحذروا منهم .

فاكشف أیها العزیز عصابة العصبیّة من عینك ، و انظر بنظر الانصاف و الاعتبار إلى كلامه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فانّه كاف فی ظهور بطلان مذهب هذه الطّایفة فضلا عن الأحادیث الكثیرة الواردة تصریحا و تلویحا فی بطلان أطوارهم و أعمالهم ، و ذمّ مشایخهم و أكابرهم .

و قد ذمّهم أكثر علماء الشیعة من المتقدّمین منهم و المتأخرین و صنّف بعضهم كتابا فی الرّدّ علیهم .

مثل علیّ بن بابویه « قد » الّذى كان بینه و بین صاحب الأمر علیه السّلام مكاتبات ، و ولده الصّدوق محمّد بن بابویه رئیس المحدّثین الّذى كانت ولادته ببركة دعاء صاحب الأمر علیه السّلام و هذا الدّعاء متضمّن لمدحه أیضا .

و مثل شیخ المفید عماد مذهب الشّیعة الّذى كان أكثر الفضلاء و المحدّثین من تلامذته و خرج التّوقیع من صاحب الأمر صلوات اللّه علیه و هذا التّوقیع أیضا متضمّن لمدحه .

و مثل الشیخ الطوسی « قد » الّذى هو شیخ الطایفة المحقّة و أكثر أحادیث الشیعة إلیه منسوبة .

و مثل العلامة الحلّی « قد » المشهور علما و فضلا فی الآفاق .

و مثل الشیخ الشهید ، و الشیخ على فی كتاب مطاعن المجرمیّة ، و ابنه الشیخ حسن فی كتاب عمدة المقام ، و الشیخ العالی القدر جعفر بن محمّد الدوریستی فی كتاب الاعتقاد ، و ابن حمزة فی كتب عدیدة ، و السیّد مرتضى الرازى فی كتب متعدّدة ،

و زبدة العلماء و المتورّعین مولینا المقدّس أحمد الأردبیلی قدّس اللّه أرواحهم و شكر اللّه مساعیهم و غیرهم من علماء الشّیعة رضوان اللّه علیهم

[ 378 ]

و نقل كلام هؤلاء الأفاضل و الأعیان و ما أوردوه من الأخبار فی ذلك الباب موجب لتطویل المقال ، و أكتب إنشاء اللّه كتابا مستقلا فی ذلك .

فان كنت معتقدا بیوم الدّین فأعد حجّتك لغدك حتّى یكون لك جواب صحیح و عذر مقبول إذا احتجّ اللّه سبحانه و تعالى علیك .

و ما أدرى بعد ورود الأخبار الصحیحة الصّریحة من أهل بیت الرّسالة علیهم السّلام و شهادة هؤلاء الأعاظم و الأجلّة من علماء الشیعة على بطلان طریقة هذه الطائفة بأىّ عذر تعتذر عند اللّه سبحانه فی متابعتهم .

أفتقول : كنت تابعا للحسن البصرى الّذى قد وردت أحادیث عدیدة فی لعنه ؟

أو تابعا لسفیان الثّورى المعلن بعداوة الصّادق علیه السّلام و المعارض له دائما ؟

أو تابعا لأبی حامد الغزالی النّاصب یقینا الّذى كان یقول فی كتبه بالمعنی الّذى كان علىّ إماما أنا أیضا إمام ؟ و یقول : اللاّعن على یزید لعنه اللّه مذنب ، و كتب كتبا فى اللّعن و الرّد على الشیعة مثل كتاب المنقذ من الضّلال و غیره .

أو تابعا لأخیه الملعون أحمد الغزالی الّذى كان یقول : إنّ الشّیطان من أكابر أولیاء اللّه ؟

أو متشفعا بالملا الرّومى الّذى یقول : إنّ أمیر المؤمنین یشفع لابن ملجم المرادى علیه اللعنة و العذاب و یدخله الجنّة و كان علیه السّلام یقول له : لم یكن لك ذنب و إنّما كان المقدّر ذلك و كنت مجبورا فى هذا العمل یعنى قتله علیه السّلام ، و لیست صفحة من صفحات المثنوى إلاّ مشعرة بالجبر أو وحدة الوجود أو سقوط العبادات أو غیرها من العقاید الفاسدة ، و كما هو المشهور بین أتباعه و تلقوه منه بالقبول : أنّ الدّفّ و الطنبور و المزمار من جملة العبادات .

أو كنت ملتجئا بمحیى الدّین الملعون الّذى سمعت سابقا خرافاته و فضایحه و كان یقول : إنّ جماعة من أولیاء اللّه یرون الرّفضة على صورة الخنزیر ، و یقول :

رأیت فی المعراج درجة علىّ أسفل من درجة أبى بكر و عمر و عثمان ، و رأیت أبا بكر فى العرش ، فلمّا رجعت قلت لعلىّ كیف كنت تدّعى فى الدّنیا أنّك أفضل من

[ 379 ]

هؤلاء و قد رایت انّك أسفل درجة منهم ؟ و هذا الملعون و غیره كم لهم من هذه الكلمات الزّیفة ذكرها موجب للاطناب ، فلو خدعت من دعاویهم العظیمة فلم لا تفكّر فى أنّ منشآتها لعلّه حبّ الدنیا الدّنیّة .

و إن شئت اختبار من ادّعى أنّه یعلم جمیع الأسرار الغیبیّة بالكشف و أنّه یعرج كلّ لیلة عشر مرّات إلى العرش فاسأل عنه مسألة من شكوك الصلاة أو من المواریث أو حدیثا مشكلا من الأحادیث فان كان صادقا فیما ادّعاه فیجیبك عن هذه المسائل أیضا .

و قد روى عن الصّادق علیه السّلام بسند صحیح أنّه قال : علامة الكذّاب أنّه یخبرك بأخبار السّماء و الأرض و المشرق و المغرب ، و لئن سألته عن الحلال و الحرام لا یعلم .

و العجب أنّ هذا الرّجل الّذى یدّعى أنّه یعرف وحدة الوجود على غموضها مع قصور عقول جمیع الفضلاء الأذكیاء من فهمها كیف لا یعرف معنى سهلا و لو لقن علیه خمسین مرّة ، و كیف لا یفهم اولوا الأفهام الثّاقبة ما ادّعى ذلك الرّجل فهمه .

و أیضا فانّهم مع اعترافهم باجتماع الكشف مع الكفر كما فی كفّار الهند فعلی فرض صحّة ما ادّعوه من الكشف و أنّ له حقیقة فأىّ منقبة فی هذا الكشف و أىّ دلالة فیه على فضل صاحبه و كماله .

و لمّا كان مجال الكلام فی هذا المرام واسعا اقتصرت فی هذا المقام على ذلك و اوردت فی أوّل الكتاب و فی مواضع عدیدة منه ما فیه كفایة لطالب الهدایة .

ثمّ ختم المقام « قد » بذكر أحادیث متضمّنة للطّعن و الازراء علیهم و سنشیر إلى بعضها إنشاء اللّه فی المقام الآتی فانتظر .

و ذكر قدّس اللّه روحه أیضا فی هذا الكتاب فی شرح قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا با ذر جعل اللّه جلّ ثناؤه قرّة عینی فی الصلاة آه لمعات عشر متضمّنة للطعن و الملام على هذه الطائفة ، و قال فی اللّمعة العاشرة المتضمّنة لبیان معنى الذكر بعد جملة من الكلام ما ترجمته :

[ 380 ]

و اعلم أنه قد شاع بین الصّوفیّة نوعان من الذّكر و كلاهما بدعة و هم یزعمون أنّهما من أفضل العبادات و یصرفون أوقاتهم فیهما و یضلّون النّاس بالمداومة علیهما الاول الذّكر الجلیّ و هو مشتمل على امور .

الأوّل أنّ هذا النوع من العبادة لم یتلقّ من الشّارع بل الأدلّة من الآیات و الأخبار فی كیفیّة الذّكر الجلیّ قائمة على خلافه قال سبحانه : ادعوا ربّكم تضرّعا و خفیة إنّه لا یحبّ المعتدین و قال : و اذكر ربّك فی نفسك تضرّعا و خیفة و دون الجهر من القول بالغدوّ و الآصال و لا تكن من الغافلین و نقل جملة من الأخبار ثمّ قال :

الثانی أنّهم یتغنّون فیه و یترنّمون فی خلاله بالأشعار و الغزلیّات العشقیّة بالنغمات الموسیقیّة و هو حرام باجماعنا فضلا عن أعمالهم الشّنیعة الّتی یظهرونها فی أثناء الذّكر من التّصفیق و الرّقص و نحوهما ، و قد ذمّ اللّه كفار المشركین على ذلك .

الثالث أنّهم یأتون بذلك فى المساجد مع أنّ إنشاد الأشعار فی المساجد مذموم شرعا و قد روى بسند معتبر عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، أنّه قال : من سمعتموه ینشد الشعر فى المساجد فقولوا له فضّ اللّه فاك إنّما نصبت المساجد للقرآن و قد ورد النّهى أیضا من رفع الصّوت فیها و هم یعملون غالب تلك الأعمال فى لیلة الجمعة و یومها مع أنّ إنشاد الشّعر فیهما مكروهة .

و لو قیل لهم : إنّ هذه الأعمال تشریع و بدعة یقولون : یحصل لنا منها قرب معنوى و یسمّونه بالحال ، و ساق الكلام فیه إلى أن قال :

و لا دلیل أعظم و أحكم على كون ذلك كلّه بدعة أنّه لم ینقل أحد من الشیعى و السّنى و الصّوفى و غیر الصّوفى أنّ رسول اللّه و الأئمّة علیهم السّلام أو أصحابهم أو روات أخبارهم و علماء ملّتهم كان لهم مطرب یطربهم و یترنّم لهم أو كان لهم حلق الذّكر عقدوها ، أو أمروا أصحابهم بعقدها ، و لو كانت هذه عبادة لها وقع فلم لم یأمروا أصحابهم بها .

[ 381 ]

نعم البدعات أحلى و ألذّ و العبادات ثقیلة على النّفس .

ألا ترى أنّه لو قال لهم خمسون من العلماء العدول : إنّه قد تواتر عن الصادق علیه السّلام أنّه قال : من صلّى لیلة الجمعة صلاة جعفر غفر اللّه له ذنوبه مضافا إلى ما فیها من الفضایل الغیر المتناهیة لم یرغب إلیها واحد من عشرة آلاف من النّاس ؟

و أمّا إذا مرّوا ببقعة اجتمع فیها جماعة من الأجلاف و یصیحون یا ربّی یا ربّى ،

فیدخلون فى حلقتهم بتمام المیل و الرّغبة و یثبون و ثوبهم من أوّل اللیل إلى الصباح .

فهلا تفكّر فى أنّه أىّ یوم كانت لك هذه الرّغبة و الاقبال على الخیرات ؟ و لم لا تهتمّ بسایر الخیرات مثل اهتمامك بها ؟

فعلیك بالانصاف إذا كان قد ورد من أهل بیت النّبوة علیهم السّلام زهاء ألف حدیث فى أعمال لیلة الجمعة و یومها و علّموك فیها الوفا من طرق العبودیّة و القربى فلا تعبأ بشى‏ء منها أصلا بل تصرّف تمام تلك اللیلة و الیوم فى عمل یحكمون جمیع علماء زمانك بحرمته مضافا إلى اعترافك بأنّه لم یرد به نصّ .

فأىّ عذر لك فی ذلك عند اللّه تعالى ؟ و بأىّ جهة ترجو الثواب من اللّه ؟ و أنت إذا أردت تعقیب صلاة مندوب شرعا تضمّ إلیه بدعات عدیدة أبهذا تستحقّ الثواب أم بتركك الأوراد و الأذكار و الأدعیات و المناجاة المأثورة من أهل بیت الرّسالة سلام اللّه علیهم البالغة إلى مأة ألف بیت ؟ و باقبالك على قراءة الأوراد الفتحیة الّتى جمعها جماعة من أهل السنة على معان غیر مرتّبة و ألفاظ مغلوطة خالیة من قواعد الأدبیّة .

أفهولاء الجهّال من العامّة العمیاء كانوا أعرف بمناجاة الرّب المتعال و ذكره من قادة الدّین و أصفیاء ربّ العالمین و أفصح فصحاء أهل الأرضین . ؟

و قد كان الأنبیاء و الرّسل یتمنّون متابعتهم و الدّخول فی زمرة شیعتهم و أنت تستنكف عن اتباعهم و تقبل على تلك الأذكار المخترعة و تترنّم بقراءتها ، و تضیف معصیة الغناء إلى معصیة البدعة .

و قد روى انّه جاء رجل إلى الصادق علیه السّلام فقال له : اخترعت دعاء ، فقال علیه السّلام

[ 382 ]

دع ما اخترعت و اقرء ما نقول .

الثانى الذّكر الخفى ، و هو بالمعنى الّذى قدّمناه سابقا من أفضل العبادات ، و هو أن یكون متذكر اللّه سبحانه دائما فی مقام المصیبة فیصبر عنها ،

و فى مقام الطاعة فیقوى على مشاقها ، و فی مقام المعصیة فیكفّ نفسه عنها .

و أمّا بالوجه الّذى اخترعه هذه الطائفة على هیئة مخصوصة فممّا لم یثبت له سند صحیح من الشّارع ، فالاتیان بهذه الهیئة بقصد العبادة بدعة محرّمة كما علمت فی تعریف البدعة ، و لم یرد تلك الهیئة فی حدیث من أحادیث الشیعة بل لم أجده فی كتب أخبار العامّة أیضا .

و هؤلاء یقولون : رواه المعروف الكرخى عن الرّضا علیه السّلام ، و هو باطل من وجوه :

الأوّل أنّه لم یثبت وصول المعروف الكرخى إلى خدمة الرّضا علیه السّلام و ما یقولون من أنّه كان بوّابا له علیه السّلام غلط البتّة لضبط أصحابنا علماء الرّجال فی كتبهم جمیع خدّامه علیه السّلام و ملازمی حضرته شیعیّا كان أم سنیّا حتّى ذكروا فی تلك الكتب المتردّدین إلى حضرته من متعصّبى العامّة الّذین رووا عنه الحدیث ، فلو كان هذا الرّجل بوّابا له لنقلوه البتّة .

الثانی أنّ داود الطائى قد ذكر فی تذكراته مشایخ طریقته ، و المعلوم من أحواله أنّه كان من متعصبة العامة و لم یكن له أصلا توسل بالأئمة علیهم السّلام .

الثالث أنّ السّند الّذى یسندون باعتقادهم إلیه فیه جماعة لا یعجبنى ذكر قبایح اعتقاداتهم و أعمالهم ، مثل السّید محمّد نور بخش و هو كما فی الكتب الصوفیّة قال :

إنّى المهدىّ صاحب الزّمان ، و قال : اتّفق اولو الألباب على ذلك ، و كغیره ممّن هو معروف بالعصبیّة و البدعة .

الرّابع أنا قد سمعنا من مشایخهم أنّ الذّكر الخفىّ أنواع مختلفة أخذه أهل كلّ طریقة بنحو مخصوص من مشایخهم یغایر ما أخذه أهل الطریقة الاخرى من شیخهم ، فلو كانت صحیحة النّقل عن الأئمة علیهم السّلام لكان المنقول واحدا لا متعدّدا .

[ 383 ]

الخامس أنّه إذا كان هذه الاذكار من أفضل العبادات على ما یزعمون و یقولون إنّه یحصل بها مزید قرب لیس فی الصلاة فكیف یمكن أن یضنّ بها الأئمة علیهم السّلام و یخصّون المعروف الكرخى فقط بها و لا یعلّمونها لغیره ؟

فان قلتم : غیره لم یكن قابلا بذلك و إنّما كان المعروف بین جمیع أصحاب الرّضا علیه السّلام قابلا لذلك المقام لعلوّ درجته .

قلت : إذا كان كذلك فلم تعلّمونها أنتم كلّ بلید أحمق ؟

السادس لو كان معروف قابلا لهذا السرّ و لم یكن سلمان و لا أبو ذر رضى اللّه عنهما قابلین له ، لزم أن یردّ من الأحادیث الكثیرة البالغة إلى خمسمأة بل إلى ألف حدیث وارد فی شأن سلمان و أبی ذرّ حدیث أو حدیثان فی شأن ذلك الرّجل ، و لزم أن یعده واحد من العلماء من خواصّ أصحاب الرّضا علیه السّلام و لیس فلیس .

السابع أنّه على فرض تسلیم وروده فهو حدیث مجهول ، و لیس وظیفة الحزم و الاحتیاط فی الدّین أن یرفع الید من الأعمال المتواترة الثبوت من الأئمة علیهم السّلام و یواظب على عمل رواه رجال مجهولة الحال فنقتصر فی المقام على ذلك لأنّ التّطویل موجب للملال . انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه زاد اللّه فی إكرامه و قد ذكر فی أوایل الكتاب المذكور أیضا فصلا وافیا فی هذا الباب طوینا عن نقله حذرا من الاطناب ، و فیما نقلناه كفایة لمن اهتدى و ابتغى الرّشد و الصواب ، ثبّتنا اللّه و إیّاكم على الصلاح و السداد ، فی القول و الاعتقاد بمحمد و آله الأمجاد .

و منهم وحید العصر فی الزّهد و الورع و الأمانة ، و فرید الدّهر فی الفضل و التقدّس و الدّیانة ، صاحب الملكات القدسیّة و الصّفات الملكیّة ، و مظهر المقامات الزّاهرة و الكرامات الباهرة ، الواصل إلى حضرة ولىّ الرّحمن سیّد الانس و الجان إمام العصر و الزّمان سلام اللّه علیه و على آبائه ، العالم العلم الفقیه المتكلّم الأوحد مولینا أحمد بن محمّد المعروف بالمقدّس الأردبیلی أفاض اللّه على تربته أنوار رحمته فقد ذكر فصلا مفصّلا فی المجلّد الثانی من كتاب حدیقة الشیعة عند ذكر أحوال

[ 384 ]

الصادق علیه السّلام فی مطاعن الصوفیّة و شرح أحوالهم و تفصیل فرقهم المختلفة من أراد الاطلاع علیها فلیراجع إلیه ، و لا باس بالاشارة إلى بعض ما أورده « قد » هناك بغایة تلخیص و اختصار منّا فأقول :

إنّه ذكر أنّ أصل مذهب الصوفیّة من مخترعات العامّة و إنّ أوّل من تسمّى بهذا الاسم أی بالصوفى هو أبو هاشم الكوفی ، من أجل لبسه بالصوف و كان قائلا بالحلول و الاتّحاد مثل النصارى لكن النصارى قالوا بالحلول فی عیسى علیه السّلام و هذا الملعون ادّعى الحلول فی حقّ نفسه ، و كان فی الظاهر امویّا جبریّا و فی الباطن ملحدا دهریّا و كان غرضه من وضع هذا المذهب هدم مذهب الاسلام و قد ورد من الأئمة علیهم السّلام أحادیث عدیدة فی الطعن علیه فنسب إلیه التّابعون له و قیل لهم صوفیة ثمّ ساق الكلام فی سایر اسمائهم حسبما حكینا عنه « ره » فی المقام الثانى إلى أن قال :

و أكثر هذه الطایفة فی الظاهر على مذهب أحمد بن حنبل و مالك یعملون فی الفروع بعملهم ، و كان الشبلى مالكیا و ذو النون تلمیذا لمالك و كثیر منهم فی الباطن كافر ملحد إلى أن قال :

و قد ورد من الأئمة علیهم السّلام أحادیث كثیرة فی الردّ على هذه الطائفة المبتدعة .

و أكثرها من الصادق علیه السّلام ، و قد ورد اللّعن علیهم فی أخبار كثیرة مرویّة عن الأئمة علیهم السّلام بل عن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أیضا ، و قد أخبروا بأنّ اللّه سبحانه یلعنهم و الملائكة أیضا یلعنون ثمّ نقل بعض الأخبار ثمّ عقد بابا فی بیان مذاهبهم و قال فیه :

اعلم أنّ مذاهب الصوفیّة كثیرة فقیل : إنّ أصل تلك المذاهب أربعة و الباقیة متفرّعة علیها اول تلك الأربعة مذهب الحلولیة و الثانى مذهب الاتّحادیة و الثالث مذهب الواصلیّة و الرابع مذهب العشّاقیّة .

[ 385 ]

و قیل : إنّ اصول مذهبهم ستّة و أضافوا إلى الأربعة التلقیة و الزراقیة و قیل : سبعة و أضافوا إلیها الوحدتیة المأخوذة من القول بوحدة الوجود ثمّ قال :

و الحقّ أنّ أصل مذهبهم اثنان : القول بالحلول ، و القول بالاتّحاد ،

و البواقى متفرّعة علیهما فالكلام فی فصلین الفصل الأوّل فی بیان المذهبین .

الأوّل فی مذهب الحلولیّة ، فانّهم یقولون : إنّ اللّه سبحانه قد حلّ فینا و حلّ أیضا فی أبدان جمیع العارفین ، و بطلان مذهبهم ظاهر لأنّ كلّ عاقل یعلم علما قطعیّا بأنّ الحالّ محتاج إلى المحلّ ، و الضّرورة قاضیة بأنّ كلّ محتاج ممكن فلو كان سبحانه حالاّ فی غیره لزم أن یكون ممكنا لا واجبا نعوذ باللّه من هذا الاعتقاد .

الثانی مذهب الاتّحادیة ، و هم یقولون : إنّا قد اتّحدنا مع اللّه سبحانه و كذا اتّحد اللّه تعالى بنا ، و العقل أیضا قاض ببطلان هذا المذهب ، و هم یشبهون اللّه سبحانه بالنّار و أنفسهم بالحدیدة المحماة بملاقاة النّار .

و هذا محض الكفر و الزّندقة إذ من له أدنى مسكة من العقل یعلم قطعا أنّ تبدّل طبیعة ممكن بممكن آخر أو صورته بصورته لا یستلزم تبدّل الوجوب بالامكان و الامكان بالوجوب و كون الواجب ممكنا و الممكن واجبا ، و كیف یقاس الواجب بالممكن و الممكن بالواجب ؟ و صاحب هذا الاعتقاد كالمعتقد بالحلول كافر خارج من الدّین ، ملحد زندیق لعین ، و على اعتقاد كلتا الطائفتین یلزم تعدّد الاله و تكثّره ، لجواز أن یكون فی كلّ عصر ألف عارف و زیادة .

و قال صاحب كتاب بیان الأدیان : إنّ القول بالحلول و الاتّحاد بعد الجرمانیّة من الصائبة قد نشأ من النصارى فأخذه منهم غلاة الشیعة یعنى الذین یقولون فی الأئمة الاثنى عشر بالالوهیّة ، و غلاة أهل السنة یعنى الصوفیّة الّذین یقولون فی مشایخهم بالالوهیّة ، و لیس مذهب من المذاهب أقرب إلى مذهب النصارى من هذین المذهبین ، انتهى كلام صاحب بیان الأدیان .

[ 386 ]

و اعلم أنّ متقدّمى الصوفیّة كأبی یزید البسطامى و حسین بن منصور الحلاج كانوا على أحد هذین المذهبین ، و لاعتقادهم هذا الاعتقاد الفاسد یعنى الغلوّ عدّهم أكثر علماء الشیعة كالمفید و ابن قولویه و ابن بابویه قدّس سرّهم من الغلاة ، سواء قالوا بالحلول أو بالاتّحاد ، و هم غلاة النّواصب و أكثر طوایف الغلاة .

و تجاوز بعض متأخّرى الاتّحادیة كمحیى الدّین الأعرابى و الشیخ عزیز النسفى و عبد الرّزاق الكاشى عن الحدّ فی الكفر و الالحاد ، و قالوا بوحدة الوجود و أنّ كلّ موجود هو اللّه ، تعالى اللّه عمّا یقول الملحدون علوّا كبیرا .

و علة تمادى هذه الطایفة فی الكفر و الطغیان أنّهم لمّا طالعوا كتب الفلاسفة و اطلعوا على قول أفلاطن القبطى و أتباعه فاختاروا بغایة الضّلال مقالهم ، وكیلا یتفطّن أحد بأنّهم لصوص مقالات الفلاسفة و اعتقاداتهم الفاضحة الفاسدة غیّروا لباس ما قالوا ، و لبّسوه بلباس آخر و سمّوه بوحدة الوجود ، و لمّا سئلوا عن معنی هذه الكلمة قالوا تلبیسا و خدیعة إنّ هذا المعنی لا یمكن الافصاح عنه بالبیان ، و لا یحوم حوم تقریره اللّسان ، و إنّما یدرك بالرّیاضات و المجاهدات الكاملة و خدمة الكملین من مشایخ الطریقة ، فحیّروا بذلك الحمقاء من النّاس ، و ضیّع السفهاء منهم أوقاتهم فی فهمه و تأویله و أوّلوا هذا الكفر العظیم بتأویلات مختلفة .

ثمّ أشار إلى سایر سرقات الصّوفیّة من مزخرفات الفلاسفة إلى أن قال :

و أمّا ما قاله افلاطن القبطی و متابعوه و تصرّف فیه هذه الطّایفة و سمّوه بوحدة الوجود ، فهو أنّهم قالوا إنّ العلة الأوّل خلق الخلق من نفسه فكلّ موجود خالق و مخلوق خذلهم اللّه تعالى .

الفصل الثّانی فی ذكر بعض فروع مذهبى الصّوفیّة یعنی مذهب الحلول و مذهب الاتحاد و بیان قلیل من عقایدهم .

فاعلم أنّ فروع المذهبین كثیرة فلنقتصر بذكر قلیل من عقاید فرقهم البالغة إلى إحدى و عشرین ، ثمّ ساق الكلام فیها .

أقول : و لا حاجة بنا إلى نقل تمام ما قاله فیها و إنّما ینبغی نقل ما ذكره « قد » فی

[ 387 ]

عقاید الفرق الخمس الّتی تقدّمت إلیه الاشارة .

الفرقة الاولى الوحدتیّة .

و هم قالوا بوحدة الوجود و اعتقادهم أنّ كلّ إنسان بل كلّ شی‏ء هو اللّه تعالى شأنه كما اشیر الیه ، و هم أشدّ كفرا و أعظم خزیا من نمرود و شدّاد و فرعون لاعتقادهم بالهیة جمیع الأشیاء الغیر الطاهرة فضلا عن غیرها ، فلو سمّیت تلك الفرقة بالكثرتیة كان أبلغ لمبالغتهم فی كثرة الطاهرة فضلا عن غیرها ، فلو سمیّت تلك الفرقة بالكثرتیة كان أبلغ لمبالغتهم فی كثرة الاله بحیث لا یبقى شى‏ء مما سوى اللّه تعالى إلاّ و یقولون إنه اللّه و ان زعموا أنّ الجمیع واحد .

و قد ذكر محیى الدّین فى كتبه من ذلك كثیرا لا سیما فى الفصوص فقال فى الفصّ اللقمانی منه : إنّ الاختلاف بیننا و بین الأشاعرة فى العبارة ، و قال فى الفصوص :

إنّ اللّه لطیف فمن لطافته و لطفه أنه فى الشى‏ء المسمّى بكذا المحدود بكذا عین ذلك الشى‏ء حتى لا یقال فیه إلاّ ما یدلّ علیه اسمه بالتواطوء و الاصطلاح فیقال هذا سماء و هذا أرض و صخرة و شجرة و حیوان و ملك و رزق و طعام و الحال أنّ العین واحدة من كلّ شى‏ء كما تقول الأشاعرة إنّ العالم كلّه متماثل بالجوهر فهو جوهر واحد فهو عین قولنا العین واحدة ، ثمّ قالت أى الاشاعرة و یختلف بالأعراض و هو قولنا و یختلف و یكثر بالصور و النسب ، انتهى .

و قال فى الفصّ الموسوى : إنّ فرعون عین الحق قد ظهر بهذه الصورة و صریح عبارته هكذا : فصحّ قوله أنا ربّكم الأعلى و إن كان عین الحقّ فالصّورة لفرعون ،

و قد عرف العطّار فى كتاب الجوهر الذّات و قال أنت أیضا قل مثل أنا الحقّ و ادعى صریحا الالهیّة فى الكتاب المذكور .

و قال محیى الدّین فى أوّل الفتوحات : سبحان من أظهر الأشیاء و هو عینها ،

و طعن علیه علاء الدّولة السّمنانى و هو من مشایخ هذه الطایفة بهذا القول .

أقول : أراد « قد » به ما كتبه علاء الدّولة فى حاشیة الفتوحات فى قوله سبحان من أظهراه ما لفظه : انّ اللّه لا یستحى من الحقّ أیّها الشیخ لو سمعت من أحد أنّه یقول :

فضلة الشیخ هو عین وجود الشیخ لا تسامحه البتة بل تغضب علیه فكیف یسوغ لك أن تنسب هذا الهذیان إلى الملك الدّیان ؟ تب إلى اللّه توبة نصوحا لتنجو من هذه

[ 388 ]

الورطة الوعرة التى یستنكف منها الدّهریون و الطبیعیون و الیونانیون ، و السلام على من اتبع الهدى ، انتهى .

قال ره : و استحسن محیى الدّین و الشیخ عزیز النسفى و عبد الرّزاق الكاشى و العطار و ملا الرّومى و جمع كثیر من متأخرى الصوفیة و صرّحوا به فی كلامهم نظما و نثرا ، و قد شبه هؤلاء الحقّ سبحانه و تعالى بالبحر و الخلق بأمواجه و یقولون : إنّ موج البحر عین البحر ، و هم یحبون كلّ من ادّعى الالوهیة كنایة كالقائلین بالحلول و الاتحاد و وحدة الوجود ، أو صراحتا كفرعون و شدّاد و نمرود ، و ما أدرى من الذى اشتبه من متأخرى الشیعة فى حقّ هولاء حتى اعتقد فیهم الخیر و الصلاح فقلده غیره من متصوّفى الشیعة ؟

نعم اعلم أنّ متقدّمى علماء الامامیة قد ذموهم كثیرا و ألفوا كتبا فى مطاعنهم و رووا أحادیث كثیرة من الأئمة علیهم السّلام فى كفرهم و الحادهم و بطلان مذهبهم و الرّد علیهم مع أنه لم یكن فى زمانهم قائل بوحدة الوجود أصلا .

و العاقل المنصف إن راجع الكافى و لاحظ فیه باب دخول الصوفیة على أبیعبد اللّه علیه السّلام و احتجاجهم علیه یعرف البتة أنّ هذه الطایفة من المخالفین .

و إن لاحظ كتاب الاعتقادات للصّدوق و قوله : إنّ تدیّنهم بترك الصلاة و جمیع الفرایض ، و لاحظ قول المفید دینهم ترك الفرایض و المستحبّات و ارتكاب المناهی و المحرّمات ، یعلم أنّهم من الزّنادقة و الملحدین .

و الدّلیل على أنّهم من المخالفین وجوه كثیرة .

الأوّل أنّ علماء الشیعة الّذین صنّفوا الكتب فی بیان الفرق الاسلامیّة عدّوهم من المخالفین .

و الثانی أنّ قدماء علماء الشیعة لم یوجد من أحدهم تصنیف فى التّصوف ،

بخلاف قدماء علماء العامّة فانّ لهم فیه تصانیف كثیرة إلى غیر ذلك من الوجوه .

و مع الغضّ عنها نقول : إنّ المعصومین علیهم السّلام لمّا حكموا ببطلان مذهبهم كما یعلم ذلك بالرّجوع إلى روایاتهم المرویّة فی كتب الثقات ، لزم أن یتبرّى

[ 389 ]

الشیعة من هذا القوم الزّائغین عن الحقّ و یتجنّب من عقایدهم .

فان قال قائل : إنی ما عثرت بعد على تلك الكتب و تلك الأخبار .

فالجواب إنّ شرط الاحتیاط فی الدّین و وظیفة العبودیّة و التقوى هو التوقّف فی محبّة تلك الطائفة و التّسمیة باسمهم و الامساك عن تأویل كلماتهم الكفریّة حتّى یظهر له الأمر الواضح .

و الظاهر أنّ جمعا من غفلة الشیعة لمّا رأوا مدح أمیر المؤمنین علیه السّلام فی كلامهم انخدعوا من أجل ذلك و لم یعلموا أنّ مذهبهم لو لم یكن الالحاد هو الجبر .

و لازم القول به استحسان كلّشی‏ء و إظهارهم لمحبّته علیه السّلام و مدحهم له من جهة أنّه لما قال : من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، و أدلة هؤلاء الملاحدة على وفق مدّعاهم كما قال محیى الدّین فى الفصّ الشعیبى : من عرف نفسه بهذه المعرفة فقد عرف ربّه فانّه على صورته خلقه بل هو عین هویّته و حقیقته فأحبّوه علیه السّلام لذلك و أكثروا من مدحه و ربّما یكون مدحهم من أجل تفتین الشیعة و قد ورد فى الحدیث أن لا تفتروا « لا تغتروا ظ » بمدحهم كما هو ظاهر لمن تتبّع الأخبار ، و لم یعلم الغافلون المفترون « المغترون ظ » أنّ شرایط محبته علیه السّلام كثیرة و لیس طایفة من النصارى و الیهود و سایر أهل الملل الباطلة إلاّ و لهم مع فساد مذهبهم كلمات حسنة ، و لم یفهموا أنّ هذه الطائفة الضالة لهم مع الطایفة المحقة مخالفة كثیرة فى الاصول الخمسة كما هو غیر خفىّ على المنصف البعید عن الهوى و العصبیة .

و لو فرضنا اعتقادهم بأنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام خلیفة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بلا فصل و أنّه امام مفترض الطاعة ، و لكن قولهم بالهیّة الحسین بن منصور الحلاج السّاحر الكافر ، بل الهیّة جمیع الموجودات له كمال المنافاة و المباینة بالایمان و الاسلام .

و أیضا فانّهم لمّا كانوا أهل مكر و خدیعة یخدعون النّاس عن أدیانهم و تقرّب جمع منهم إلى كلّ طائفة باظهار ما هوى تلك الطائفة فیه ، كما أنّ الحلاج قبل الافتضاح كان یتقرّب إلى أهل السنّة باظهار السّنیة ، و إلى الشیعة باظهار النیابة من

[ 390 ]

صاحب الزّمان علیه صلوات اللّه الملك المنّان ، و إلى السفهاء من النّاس بادّعاء الالوهیّة ، و سمّى بعض المفتونین به بأسماء الأنبیاء و فرّقهم فی البلدان یدعون النّاس إلى عبودیّته إلى أن قال :

و من جملة مطاعنهم تأویلهم للأخبار و الآیات مثل الملاحدة على مذاهبهم الباطلة و قولهم بالجبر و التشبیه و التجسیم و الرّؤیة و الصّورة .

و من جملة مطاعنهم دعویهم علم الغیب و تسمیتهم له بالكشف ، و تمادى بعضهم و نسب العلم به إلى براهمة الهند أیضا إلى أن قال :

و ینبغی أن یعلم أنّ هذه الملاحدة و المعتقدین بهم كما ورد فی الحدیث ثلاث طوایف : الضّالّون ، و الخادعون ، و الغافلون ، و فی روایة بدل الغافلون : الأحمقون ،

و فی روایة اخرى بدله : الجاهلون .

و ذلك لأنّ من كان عارفا بعقایدهم الباطلة و كان مع ذلك معتقدا أیضا بعقیدتهم فهو ضالّ كافر بالأدلة العقلیّة و النقلیّة ، و من كان عارفا ببطلان عقایدهم غیر معتقد به باطنا إلاّ أنّه یتجاهل ظاهرا و یتسمّى بسمتهم صورة و یسلك مسلكهم تزویرا فهو الخادع المحتال ، و غرضه أن یخدع السّفهاء و الجهّال فیخدعوا به و یكونوا مریدا لهم ، و من سلك مسلكهم و أخذ بطریقتهم و مال الیهم سفها و حمقا و غفلة و جهالة فهو الجاهل الأحمق الغافل فغیر العارف ببطلان عقایدهم و المعترف بحقیّة مذهبهم وقع بسبب جهالته فی الضّلالة ، فلو ادّعى مع وجود هذا الجهل للعلم كان جاهلا مركبّا تاه فی متاه الضّلال ، و ربّما یغترّ به العوام و یزیغ عن طریق الحقّ و یتیه فی وادى الخذلان .

و العارف بسوء اعتقادهم ، و المعتقد على بطلان مذهبهم ، و المطلع على سوء سریرتهم ، و المذعن بفساده باطنا إن مدح مشایخهم ظاهرا لخداع الخلق و باطنا و وصفهم بالزّهد و الصّلاح و المعرفة و الكمال توسّلا بذلك إلى ملاذ الدّنیا ، فقد باع دینه بدنیاه ، و باء بسخط من اللّه حیث أضلّ الخلق بالدّنیا الدّنیّة و فوّت على نفسه السعادات الأبدیّة .

[ 391 ]

و ان كان العارف بسوء اعتقاداتهم مظهرا لحقیّة مذهبهم و طریقتهم فقد زاغ عن طریق الحق و أعرض عن دین الامامیّة و هو أسوء حالا من السابقین .

فلو ادّعى الصوفى التشیع مع التصوّف لا بدّ أن لا تقبله الشیعة منه و أن لا یعدّوه منهم ، لأنّه مضطرّ بسبب القول بالحلول و الاتّحاد و وحدة الوجود من القول بالجبر و الحبّ للیهود و النصارى و المجوس و التّولى لأبى بكر و عمر و عثمان و لیزید و معاویة و أبی سفیان لعنهم اللّه جمیعا ، بل حبّ جمیع الفساق و الفجار و المشركین و الكفار لأنهم جمیعا مجالى الحقّ ، بل إن أعلن بعداوة هؤلاء فلا بدّ أن لا یغترّ به الشیعة ،

بل إن لعنهم أیضا ، لأنّ اللعنة عندهم عین الرّحمة ، فلعنة اللّه علیهم و على مشایخهم الزّندیقین .

الفرقة الثانیة الواصلیة .

و هم یقولون : إنا وصلنا إلى اللّه تعالى و اتّصلنا به ، قیل إنّ هذا المذهب أیضا من اصول مذاهب الصوفیة كما تقدّمت إلیه الاشارة ، و الحقّ أنه من فروع مذهب الاتحادیة لكنهم اختصّوا بأقوال شنیعة و أفعال قبیحة امتازوا بها عن سایر الاتحادیة .

فمن جملتها أنهم یقولون : إنّ الصوم و الصلاة و الحجّ و سایر التكالیف إنما وضعها الشارع لتهذیب الأخلاق و تكمیل النفوس ، و الوصول إلى الحقّ ، و نحن قد هذّبنا الأخلاق و حصل لنا العلم بالأشیاء و المعرفة بالحقّ و الوصول الیه فسقط عنا التكالیف الشرعیة ، فلیس شى‏ء بواجب علینا ، و جمیع المحرّمات حلال فی حقنا .

و منها قولهم : بأنّ من وصل إلى هذا المقام العالى فكلّ ما یصدر منه من شرب الخمر و الزّنا و اللواط و السرقة و غیرها فلیس لأحد الاعتراض علیه ، و لا یجوز ردعه عن شى‏ء من ذلك ، لأنه مستحسن منه ، و لو أراد الزّنا بامه و اخته و بنته و اللواط بابنه كان حلالا له ، و لو وطى بنات غیره و أبنائهم و أزواجهم وصل منه الفیض إلیهم ، و لو كان ملوطا لغیره كان جایزا .

نعم إذا كان المفتى لهم ملا میرزا جان الشیرازى القائل بأنّ ذلك لا یضرّ

[ 392 ]

بالنفس الناطقة یصدر عنهم هذه الأقوال و الأفعال الشنیعة .

قال ملاّ الرّومى فى خطبة من خطب المثنوى : إذا حصلت الحقیقة بطلت الشریعة ، و قصة ملاقاته للشمس التبریزى و عرضه لابنه و بنته علیه و شرائه للشراب له و حمله الشراب على عاتقه كما ذكره الجامى فى كتاب نفحات الانس من القصص المشهورة .

و أورد الخواجه نصیر الدّین عبد اللّه بن حمزة الطوسى ره فی كتاب نهج الحق ما رآه بعینه و سمعه باذنه فى باب تركهم للصلاة و اعتذارهم منه من أراد الاطلاع فلیراجع الیه و ینبغی أن یعلم أنّ ترك الصلاة و سایر الفرایض و استحلال جمیع المعاصى مذهب جمیع فرق الصوفیة كما صرّح به المفید و غیره من علماء الشیعة و ورد به النصّ أیضا إلاّ أنّ بعض الفرق یظهرون ذلك و بعضها یخفونه و أكثرهم یخدعون السفهاء و الجهال باقامة الصلاة و مواظبة الفرایض و السنن و اظهار العبادة و الزّهادة ، و بعضهم یستحسنون التظاهر بالمحرّمات و بعضهم یستقبحونه .

و منها قولهم : بانه إذا غلب الشهوة على واحد منا و أراد المجامعة بالغیر فامتنع هو منه فلم یبلغ الممتنع بعد إلى مقام الوصول بل هو كافر ، و من مكّن المجامع له من نفسه و أجابه إلى ما یرید سواء كان ذكرا أو انثى فاز بدرجة الولایة و صار من الأولیاء الكمّلین .

قالوا : إنّ رابعة و جمع من النسوة وصلن إلى مرتبة الولایة لقضاء أوطار النّاس ، و مزخرفات هذه الفرقة كثیرة و دلائل كفرهم و الحادهم خارجة عن حدّ الاحصاء ،

و ذكرها موجب للملال و تطویل المقال .

الفرقة الثالثة العشاقیة .

و هم جماعة یسمّون أنفسهم بالعشاق و محبّة اللّه سبحانه عشقا و فى هذا المعنی قال بعضهم :

العشق نور الّذى بالفقر یفتخر
و كلّ نور بتلك الشمس ینسفر

العشق شدّة حبّ اللّه لیس سوى
معناه مقصدنا و القصد معتبر

و شدّة الحبّ فی القرآن واردة
و فی الحدیث بلفظ العشق تذّكر

[ 393 ]

طاعات أعداء أهل العشق احتبطت
و لو بزمزم بل بالكوثر اطّهروا

لأنّها من لباب الحبّ خاویة
و هی القشور له و اللّب یدّخروا

طوبى لقوم علت فى الكون همّتهم
فأولجوا فى طریق العشق و ابتكروا

أما تغیّر حالات یهیّجهم
عند السماع فلسنا عنه نعتذر

لأنّ احوال أهل العشق عارضة
بلا اختیاراتهم و العشق یعتذر

و هم غافلون من أنّ العشق اسم مرض من الامراض الدّماغیّة ، و یقولون :

إنّ الاشتغال بغیر الحقّ قصور فی معرفته تعالى و مع هذا الحال و تلك الدّعوى یتعشقون أبناء النّاس و بناتهم و یقولون : إنّ المجاز قنطرة الحقیقة ، و أكثرهم من غایة عدم المبالات فی الدّین و الخوف من ربّ العالمین یتعمّدون الكذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و یأفكون و یقولون : إنّ ذلك حدیث مأثور عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نعوذ باللّه من ذلك .

و لأكثرهم مبالغة عظیمة فی تكلّف العشق بالمرد الحسان و ذوات الحسن من النّسوان زعما منهم أنّ ذلك عشق مجازىّ و العشق المجازى موصل إلى الحقیقة الّتى هو حبّ اللّه تعالى .

و هذه الفرقة لهم عداوة عظیمة مع الأنبیاء یقولون : إنّ الأنبیاء قد قیّدونا بقید التكالیف الشرعیّة فحجبونا من الوصول إلى الحقّ فلا ینبغى للمرء أن یعبأ بقولهم علیهم السّلام ، و مع هذا الحال یظهرون المحبّة لأبى بكر و عمر و عثمان ، و یمدحونهم تطیبا لنفوس أهل السنة و ترضیة لخواطرهم ، و إذا لقوا الشیعة یظهرون ولایة الأئمة و محبّتهم و لا یبرزون عداوة الأنبیاء و الأوصیاء عند العموم ملاحظة للتقیّة ،

و مزخرفاتهم كثیرة و نقلها موجب للاطناب .

الفرقة الرّابعة التلقیّة .

و یقال لهم النظریّة أیضا ، و مذهبهم أنّ النظر فى الكتب العلمیّة حرام إلاّ الكتب المدوّنة فی علم التّصوف بشرط قراءتها عند الشیخ الكامل ، و زعموا أنّ المعرفة لا تحصل إلاّ بتلقین الشیخ و أنّ قراءة العلوم الشرعیّة مطلقا حرام

[ 394 ]

و أنّ ما یحصل للعلماء بالتعلم و التحصیل و المطالعة و التدریس فی مدّة سبعین سنة و أزید یحصل بارشاد المرشد و تلقینه فى ساعة واحدة ، و أنّ ما وجده السالكون للطریقة الكاملون فى المعرفة فانّما وجدوه بارشاد الشیخ الكامل الّذى هو من علماء الباطن لا بالتعلّم من العلماء الظاهریة .

و زعموا أیضا أنّ ما اشتغل به علماء الشریعة علم رسمىّ ظاهرى و لیس لهم حظّ من علم الباطن ، و إنّما العلم فی الحقیقة هو علم الباطن و أمّا علم الظاهر فلا خیر فیه و لا منفعة و العارف الكامل المحقّق من علم علم الباطن .

ثمّ انّهم یزعمون أنّ الایمان لیس بمخلوق و أنّ الولایة أمر كسبىّ یحصل بالرّیاضة و أكثرهم یزعمون أنّ النّبوة أیضا كسبیّة ، و عادة هذا الفرقة كأكثر فرقهم على إعطاء الشیخ الخرقة و البرنس للمرید و أمره له بالجلوس فى الخلوة أربعین یوما و بترك أكل الحیوانى و یسمّونه بالچلّة ، و هؤلاء أعداء الدّین قد وضعوا ذلك فی قبال الاعتكاف خرّب اللّه بنیانهم و دفع شرّهم و طغیانهم .

الفرقة الخامسة الزّراقیّة .

و هم طایفة متّصفة بالخسة و الدّناءة یعاشرون النّاس بالمكر و الحیلة ،

و یأتونهم من باب الخدیعة لتحصیل الدّنیا و امتلاء البطون من الغذاء ، و یمیلون إلى السّماع و الرّقص ، و أكثرهم یخلطون مذاهب أكثر فرق الصوفیّة و یجعلونه مذهبا واحدا و یدینون به .

و من عادتهم ترویج مشایخهم و تشهیرهم بین الناس تحبیبا للجهال إلیهم و انكار العلماء و السادات و معاداتهم لا سیما من كان منهم غیر مداهن للصوفیّة .

نعم من كان له حظّ من العلم و داهنهم و مدح مشایخهم إمّا حبّا للدّنیا أو غفلة و جهلا عن إلحادهم و انحرافهم عن نهج الهدى فهم یهدون الیه و یحبونه و یبالغون فى تعظیمه و یسطرون مدحه و كما أنه یثنى علیهم و یروّج مذهبهم الفاسد فهم أیضا یثنون علیه و یروجون متاعه الكاسد .

و قد شاهدت مرارا جلالیس له نصیب من العلوم الشرعیة بل من مطلق العلم

[ 395 ]

إلاّ أنه یترجم معانى أشعار كتاب كلشن راز لشیخهم الشبسترى و هم یقولون : إنه أعلم العلماء و أفضلهم إلى أن قال :

فاللازم على من تابع النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و آله علیهم السّلام أنه إذا رأى أحدا یدّعى التصوّف سواء كان عالما أو جاهلا أن یعرض عنه و لا یعتقد علیه ، و إذا رأى من سلك مسلك الزّراقیة فیجب علیه انكاره ، و إن ظهر منه القول بالحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود فهو خارج من دائرة الاسلام و الحال أنه لا یخلو أحد من الصوفیة من القول بأحدها و من القول بالجبر إلاّ أن ینتحل التصوّف و یسمّى نفسه بهذا الاسم من أجل الحمق و الجهالة أو من باب المكر و الخدیعة انتهى ما أهمنا نقله من كلامه زاد اللّه فى اكرامه بغایة تلخیص منا . و طوینا عن نقل باقى ما أورده فی هذا الباب حذرا من الاطناب ، و ربّما كان ما طوینا عنه یزید على ما حكیناه أضعافا مضاعفة كما یظهر على من راجع إلیه ، و مع ذلك فما اقتصرنا بنقله أیضا غیر خال من الاطناب .

كما أنّ ما نقلنا قبله من كلام المحدّث العلامة المجلسى روح اللّه روحه أیضا كذلك ، و إنّما أطنبت بنقل كلامیهما تنبیها لسفهاء الشّیعة من نومة الغفلة و الجهالة و انفاذا لهم من ورطة الضلالة .

فانّ شهادة مثل هذین الوحیدین الفریدین العادلین الأعدلین العالمین العلمین الأعلمین الخبیرین بالأخبار و آثار الأئمة الأطهار مع كونهما من أساطین الشیعة و أركان الشّریعة على فساد هذه الطریقة طریقة الصّوفیّة و كشفهما عن سوآتها و فضایحها و قبایحها و شنایعها كافیة فی رداءتها و شناعتها ، و كفى بهما شهیدا فضلا عن غیرهما ممّن تقدّم حكایة كلامه و نذكره بعد ذلك إنشاء اللّه .

فهلكا لمن دان بمذهب و سلك مسلكا یكون مروّجه ماحى الدّین الاندلسى و مزیفه العلامة المجلسى ، و مادحه الرّجس الغزالى و قادحه المقدّس الأردبیلى ،

و مزكّیه أبو یزید و جارحه الشیخ المفید ، و المتدّینون به الملاحدة اللئام و أتباعهم من سفهاء الأحلام ، و الطاعنون علیه أئمّة الأنام و حجج الملك العلام .

[ 396 ]

و بعد ذلك فلا یجوز للعاقل أن یشتبه و یغترّ بما یذكرونه فی مطاوى مقالاتهم من الكلمات المزخرفة و الأقوال المستطرفة و المواعظ الحسنة و النّصایح المستحسنة و الكمالات المرغوبة الغیر المخالفة للاصول الشّرعیّة بل الموافقة لموظّفات الشّریعة .

لأنّ هذه كلّها من حبائلهم و حیلهم و فخوخهم و مصائدهم إنّما نصبوها لتصید العوام و صید الجهلة كالأنعام و أكثر كلامهم الّذی من هذا النّمط فانّما هو مقتبس من كلام الأنبیاء و الحجج علیهم السّلام انتحلوه و نسبوه إلى أنفسهم و على فرض كونه منهم أیضا فلا یجوز الاغترار و الافتتان به ، لأنّ جمیع الفرق من الكفار و المشركین الملاحدة و المعاندین مع ما هم علیه من الكفر و الالحاد و الزّیغ عن نهج الرّشاد ترى فی ضمن كلماتهم الكفریّة كلامات مقبولة عند ذوى العقول من مدح العدل و الاحسان و الصدق و الامانة و قلّة الأكل و قلّة النّوم و ذمّ الحرص و الحسد و البخل و الخیانة إلى غیر ذلك .

و الحاصل انّهم قد خلطوا الجیّد بالرّدى و الطیب بالخبیث و مزجوا الحقّ بالباطل لاصطیاد العوام .

و الى ذلك ینظر كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو الخمسون من المختار فی باب الخطب : إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع و أحكام تبتدع یخالف فیها كتاب اللّه و یتولی علیها رجال رجالا على غیر دین ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم یخف على المرتادین ، و لو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندین ، و لكن یؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فیمزجان فهنالك یستولى الشیطان على أولیائه و ینجو الّذین سبقت لهم من اللّه الحسنى .

و منهم السّید السّند و المتبحّر المعتمد السّید نعمة اللّه المحدّث الجزائری قدّس سرّه ، فقد أورد فی الأنوار النّعمانیّة فصلا مبسوطا فی ذكر عقایدهم الفاسدة و أعمالهم الباطلة و قال فی جملة كلامه هنا ما نقلناه سابقا فی المقام الثانی و هو قوله :

[ 397 ]

و أمّا الدّواعى لهم على اختراع هذا المذهب و شهرته فامور :

الأوّل أنّ خلفاء بنی امیّة و بنی العباس لعنهم اللّه كانوا یحبّون أن یحصّلوا رجالا من أهل العبادة و الزّهادة و التّكلّم ببعض المغیبات و ان لم یقع لأجل معارضات الأئمة الطاهرین علیهم السّلام و علمهم و زهدهم و كمالاتهم حتّى یصغر فی أعین الناس أهل البیت و أطوارهم ، فلم یجدوا أحدا یقدم على هذا سوى هذه الفرقة الضّالة ، فمن هذا مال إلیهم سلاطین الجور لعنهم اللّه و بنوا لهم البقاع و حملوا إلیهم الأموال و طلبوا منهم الدّعاء فی مطالب دنیاهم و قاسوهم بأهل البیت علیهم صلوات اللّه الملك الحىّ المتعال و أین الثریّا من ید المتناول .

الثانی سهولة هذا المسلك و صعوبة طریقة العلم ، فانّ العامى منهم قد یجلس فی بیت ضیق مظلم أربعین یوما و ربّما ترائى له إخوانه من الجنّ و الشیاطین ،

فاذا خرج صار من رؤسائهم و حصّل درجة العالم الّذی یحصّلها فی خمسین سنة و أكثر ، بل ربّما كان اعتبار هذا بین رعاع الناس أزید من اعتبار ذلك العالم الثالث أنّ هذا المذهب شرك لصید الأولاد و جمع الأموال و الجاه و الاعتبار و نحو ذلك .

و قال أیضا : و العجب من بعض الشیعة كیف مال إلى هذه الطریقة مع اطلاعه على أنّها مخالفة لطریقة أهل البیت علیهم السّلام اعتقادا و عملا .

أمّا الاعتقاد فقد قالوا بالحلول و هو أنّ اللّه سبحانه قد حلّ بكلّ مخلوقاته حتّى بالقاذورات ، تعالى اللّه عمّا یقول الكافرون علوّا كبیرا ، و قد مثّلوا حلول اللّه بهذه المخلوقات بالبحر وقت اضطراب أمواجه ، فانّ الأمواج و إن كان متعدّدا إلاّ أنّ كلّه ماء واحد فی بحر واحد قد كثره التّموّج ، فهى واحدة بالحقیقة متعدّدة بالاعتبار ، و المخلوقات كلّها عین اللّه سبحانه و هو عینها و التّعدّد إنّما جاء من هذه العوارض الخارجیّة و التشخصات العارضة للمادّة .

و كان من أعظم مشایخهم عندهم الشیخ العطار ، لمّا سمع سلطان ذلك الزّمان بكفره و إغوائه المسلمین أرسل إلیه جلادا یأخذ رأسه ، فلمّا أتى إلیه

[ 398 ]

الجلاد و أخبره بما أتى به فقال له الشیخ العطار : أنت ربّى بأىّ صورة شئت فتصوّر فان أردت قتلى فأنا هذا ثمّ قتله .

و قال : و من اعتقاداتهم الباطلة و أعمالهم الفاسدة أنّهم تركوا العبادات المأثورة عن أهل البیت علیهم السّلام و دوّنها الشیعة فی كتبهم ، و أقبلوا على اختراع عبادات و أذكار لم تذكر فی الشریعة ، و لیس هذا إلاّ لقصد الخلاف على علماء أهل البیت حتّى یكونوا فی طرف النّقیض فلا یقال لهم إنّهم مقلّدو العلماء فیزدا دون بذلك اعتبارا من عوام النّاس و غثائهم .

و ما علموا أنّ اللّه سبحانه لا یقبل من العبادات إلاّ ما أرسل حججه و قاله على ألسنتهم ، و إلاّ فقد مرّ سابقا أنّ الشیطان لم یتكبّر على السّجود للّه تعالى لكنّه قال : أنا أسجد لك یا ربّ و لا أسجد لآدم و ذلك أنّ اللّه سبحانه یجب أن یطاع من حیث أمركما قال : و أتوا البیوت من أبوابها و قد كان فی زماننا رجل من الصّوفیّة و یزعم أنّه من علماء الشیعة و كان یخطب أصحابه یوما فقال و هو على المنبر : إنى كتبت الاصول الأربعة یعنى الكافی و التهذیب و الاستبصار و الفقیه و قرأتها و صحّحتها ، و لمّا رأیتها عدیم الفایدة بعتها بدرهم واحد و رمیت ذلك الدّرهم بالماء .

فانظر إلى إیمان ذلك الرّجل علیه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعین ، و قد كان مع أصحابه فی حضرة مولینا الرّضا علیه السّلام مشغولین بذكرهم الجلى و هو ما اشتمل على الغناء و الرّقص و الترنّم و الوجد ، فهوى بعضهم على محجر القبر الشریف فشجّ رأسه و سال دمه و بلغ إلى المحجر ، فاحتال الخدمة إلى إزالة تلك الدّم فقال شیخ الصوفیّة : لا تحتالوا بهذه الحیل لازالة هذا الدّم لأنّ هذا من دم العشّاق و دم العشّاق طاهر .

ثمّ لمّا لم یسمع الناس هذا منه موّه على الناس كلاما آخر و قال : إنّ الشمس ذكروا أنّها من المطهرات فكیف لا یكون شمس الرّضا مطهرة لهذا الدّم ،

فقبل منه هذا الكلام بعض البهایم من أتباعه ثمّ بعد زمان قلیل خذله اللّه سبحانه

[ 399 ]

و سقط عن درجة و اعتبار و سیعلم الّذین ظلموا أىّ منقلب ینقلبون .

و رأیت فی شیراز رجلا صوفیّا علیه لعنة اللّه ، و كان صاحب ذكر و حلقة و أتباع ، و كان كلّ لیلة جمعة یأتی إلى قبّة السّید الأجلّ السّید أحمد بن الامام موسى الكاظم علیه السّلام فیصنع الذّكر المعهود و قد كان عزبا لم یتزوّج نعم كان عنده ولد مقبول من أولاد شیراز و كان ذلك الرّجل صاحب تحصیل لحطام الدنیا ، و كلّما یحصل فی نهاره یعطیه لذلك الولد و یبقى لنفسه شیئا یسع قوت الشّعیر ، و كان إذا خرج من البلاد ثمّ دخل إلیها یسأله بعض خواصّه أین كنت ؟ فیقول : كنت أذرع الآدمیین .

و قد استمرّ على هذا الحال برهة من الزّمان فظهر علیه و على أصحابه أنّهم أرادوا الخروج و ادّعى واحد منهم أنّه الرّب ، و آخر أنّه النّبی ، و ثالث أنّه الامام إلى غیر ذلك ، فأخذهم حاكم تلك البلاد و أمر بقتلهم و كنت مع الحاضرین فی ذلك الوقت .

فلمّا أتوا لشیخهم إلى المیدان لیقتلوه كانت اخته فوق سطح جدار تنتظر إلى ما یصنع بأخیها و تضحك ، فقیل لها : لم تضحكین ؟ فقالت : إنّ أخى هذا رجل شائب فاذا قتلوه یجى‏ء بعد أربعین یوما بصورة شاب حسن الوجه قوىّ البدن ، فظهر أنّهم كانوا قائلین بالتّناسخ أیضا ، و قد رأینا منهم فی شیراز وقایع غریبة و أطوار عجیبة لا توافق إلاّ مذهب الملاحدة و الزّنادقة .

و منهم المحدّث الفاضل ملا محسن الفیض القاسانى فی محكى كلامه من المجلّد الخامس من الوافى فی صدر أبواب صفة الصّلاة و أذكارها و تعقیبها و آدابها و عللها بعد ذكر الآیات الواردة فیها من قوله تعالى : إنّ المساجد للّه الآیة ، و قوله : ادعوا ربّكم تضرّعا و خفیة إلى آخره ، و قوله : و اذكر ربّك فی نفسك تضرّعا و خیفة و دون الجهر من القول الآیة قال :

المساجد فسّرت تارة بالأعضاء السّبعة ، و أخرى بالمساجد المعروفة ،

و أخرى ببقاع الأرض كلّها ، و على التقدیرات أنّها خلقت لأن یعبد اللّه بها أو فیها ، فلا تشركوا معه غیره فی سجودكم و عبادتكم ، و الأمر بالدّعاء و الذّكر

[ 400 ]

تضرّعا و خفیة و خیفة یشمل سایر أذكار الصّلاة و غیر الصلاة ، و دون الجهر من القول یدلّ على لزوم الاقتصاد فیها جمیعا و كراهة الاعتداء ، فما یفعله المتصوّفة فی حلقهم من الجهر بالذكر و الاعتداء بالنداء ممنوع منه بمقتضى هذه الآیات ،

و یأتى تمام الكلام فیه فی صدر أبواب الذّكر إنشاء اللّه تعالى .

و قال فی أبواب الذّكر و الدّعاء و فضایلهما من المجلد المذكور بعد ذكر الآیات الّتی وردت فیها كقوله تعالى : ادعوا ربّكم تضرّعا و خفیة إنّه لا یحبّ المعتدین . و لا تفسدوا فی الأرض بعد إصلاحها و ادعوه خوفا و طمعا إنّ رحمة اللّه قریب من المحسنین .

فی هذه الآیة دلالة على كراهة ما یفعله المتصوّفة من رفعهم الأصوات بكلمة التوحید و إظهارهم المواجید ، فانّه اعتداء و مجاوزة عن حدّ ما و سمه الشرع فی الذّكر و العبادة ، هذا إن اقتصروا على الاجهار بالذّكر ، و أمّا سایر ما یفعلونه من التّغنّى بالأشعار فی أثناء الأذكار و التواجد بالسّماع و استمالة الأبصار و الأسماع بالشهیق و النهیق و الرّقص و التصفیق و الهبوط و السقوط فلا شكّ أنّه بدع فی الدّین ، بل كاد یكون استهزاء بالشرع المبین ، أعاذنا اللّه من شرّ الشیاطین .

و قال فی كتابه المسمّى بمنهاج النّجاة : لا تحضر فی الجامع الحلق و لا مجالس القصّاص ، بل مجلس العلم النافع ، و هو الّذی یزید فی خوفك من اللّه و ینقص من رغبتك فی الدّنیا .

و قال فی المقالة الرابعة و السّتین من الكلمات الطریفة :

« داهیة » و من الناس من یدّعى علم المعرفة و مشاهدة المعبود ، و مجاوزة المقام المحمود ، و الملازمة فى عین الشهود ، و لا یعرف من هذه الامور إلاّ الأسماء و لكنّه تلقّف من المطامات كلّما یردّدها لدى الأغنیاء كأنّه یتكلّم عن الوحى و یخبر عن السّماء ، ینظر إلى أصناف العباد و العلماء بعین الازدراء یقول فی العباد :

إنّهم اجراء متعبون ، و فی العلماء : إنّهم بالحدیث عن اللّه محجوبون ، و یدّعى

[ 401 ]

لنفسه من الكرامات ما لا یدّعیه نبیّ مقرّب ، و لا علما أحكم و لا عملا هذّب ، یأتى إلیه الرّعاع الهمج من كلّ فجّ أكثر من إتیانهم مكّة للحجّ ، یزدحم علیه الجمع و یلقون إلیه السّمع و ربّما یخرّون له سجدا كأنّهم اتّخذوه معبودا ، یقبلون یدیه و یتهافتون على قدمیه ، یأذن لهم فی الشهوات ، و یرخّص لهم فی الشبهات ، یأكل و یأكلون كما تأكل الأنعام ، و لا یبالون أمن حلال أصابوا أم حرام ، و هو لحلوائهم هاضم و لدینه و أدیانهم حاطم لیحملوا أوزارهم كاملة یوم القیمة و من أوزار الذین یضلّونهم بغیر علم ألا سآء ما یزرون . و لیحملنّ أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم و لیسئلنّ . یوم القیمة عمّا كانوا یفترون . و جعلناهم أئمّة یدعون إلى النار و یوم القیمة . لا ینصرون . و اتبعناهم فی هذه الدّنیا لعنة و یوم القیمة هم من المقبوحین .

اولئك الّذین اشتروا الضّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدین .

و قال فی المقالة الخامسة و الستّین منها :

و من هؤلاء من طوى بساط الأحكام ، و رفض الفضل بین الحلال و الحرام ،

و حلّ قیود الشرع من عنقه و أطلق ، لا یحرّمون ما حرّم اللّه و رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لا یدینون دین الحقّ ، متعلّلین تارة بأنّ اللّه غنىّ عن الأعمال ، و اخرى بأنّ التكلیف إنّما هو لتطهیر القلب من الشهوات و هو أمر محال ، و اخرى بأنّ أعمال الجوارح لا وزن لها عند اللّه و إنّما النظر إلى القلوب و قلوبنا والهة إلى حبّ اللّه ، واصلة إلى معرفة اللّه ، و إنّما نخوض فی الدنیا بأبداننا ، فلا یصدّنا عن سبیل اللّه عصیاننا ، كلاّ سیعلمون ثمّ كلاّ سیعلمون ، إنّ أعمالك لنفسك احتسبت ، لها ما كسبت و علیها ما اكتسبت ، و لیس التكلیف بقلع الشهوات ، بل بانقیادها لحكم العقل و الشرع بالرّیاضات ، و الأبدان تابعة للقلوب ، و الشهادات شایعة للغیوب ، أیّها المغرور .

فاذهب فمن تبعك منهمْ فانّ جهنّم جزاؤكم جزآء موفورا . و استفزز من استطعت منهم بصوتك و اجلب علیهم بخیلك و رجلك و شاركهم فی الأموال و الأولاد و عدهم و ما یعدهم الشیطان إلاّ غرورا .

و قال فی المقالة الثانیة و السّتین :

[ 402 ]

و من الناس من یزعم أنّه بلغ فی التصوّف و التأله حدّا یقدر معه أن یفعل ما یرید بالتوجّه ، و أنّه یسمع دعاؤه فی الملكوت ، و یستجاب نداؤه فی الجبروت تسمّى بالشیخ و الدرویش ، و أوقع الناس بذلك فی التشویش ، فیفرطون فیه أو یفرّطون فمنهم من یتجاوز به حدّ البشر ، و آخر یقع فیه بالسوء و الشرّ ، یحكى من وقایعه و مناماته ما یوقع الناس فی الرّیب ، و یأتی فی اخباره بما ینزل منزلة الغیب ،

و ربّما تسمعه یقول : قتلت البارحة ملك الروم ، و نصرت فئة العراق ، و هزمت سلطان الهند ، و قلبت عسكر النّفاق ، أو صرعت فلانا یعنى به شیخا آخر نظیره ،

أو أفنیت بهمانا یرید به من لا یعتقد فیه إنّه لكبیره ، و ربّما تراه یقعد فی بیت مظلم یسرج فیه أربعین یوما ، یزعم أنّه یصوم صوما ، و لا یأكل فیه حیوانا و لا ینام نوما ، و قد یلازم مقاما ، یردّد فیه تلاوة سورة أیّاما ، یحسب أنّه یؤدّى بذلك دین أحد من معتقدیه ، أو یقضى حاجة من حوائج أخیه ، و ربّما یدّعى أنه سخر طایفة من الجنّة ، و وقى نفسه أو غیره بهذه الجنّة أفترى على اللّه كذبا أم به جنّة انتهى كلامه .

أقول : هذه الكلمات كما ترى تنادى بأعلا صوتها على طهارة ذیل هذا الفاضل البارع من دنس التصنّع و التصوّف ، و براءة ساحته من الانحراف و التصلّف ، و مثلها كلمات له اخرى تركنا حكایتها حذرا من الاطناب .

إلاّ أنّه فی أكثر كتبه سلك مسلك الصوفیة و جرى على قواعدهم لا سیّما فی كتابه المسمّى باللّئالى ، و ذكر فیه تفصیل الحضرات الخمسة الّتی هى من مصطلحات الصوفیّة و مخترعاتهم ، و أوّل بعض الأخبار و الأدعیة إلى ما أوردها هناك ، و لا حاجة بنا إلى ایرادها .

و من أجل كون كلامه و حدیثه ذا فنون و شجون اختلف العلماء المعاصرون له و المتأخّرون عنه فی مدحه و قدحه و تعدیله و جرحه ، حتّى أفرط بعضهم فنسبه إلى الكفر أو ما یشارف الكفر .

منهم الشیخ علىّ المعاصر له سبط الشهید الثانی « قد » فقد نسب إلیه فی ذیل