[ 210 ] و من كلام له ع و قد سأله سائل عن أحادیث البدع و عما فی أیدی الناس من اختلاف الخبر فقال ع

إِنَّ فِی أَیْدِی اَلنَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلاً وَ صِدْقاً وَ كَذِباً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً وَ عَامّاً وَ خَاصّاً وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً وَ حِفْظاً وَ وَهْماً وَ لَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ص عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِیباً فَقَالَ مَنْ كَذَبَ عَلَیَّ مُتَعَمِّداً فَلْیَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ اَلنَّارِ وَ إِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِیثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَیْسَ لَهُمْ خَامِسٌ المنافقون رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِیمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلاَمِ لاَ یَتَأَثَّمُ وَ لاَ یَتَحَرَّجُ یَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ص مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ اَلنَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ یَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ یُصَدِّقُوا قَوْلَهُ وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اَللَّهِ ص رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ لَقِفَ عَنْهُ فَیَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ وَ قَدْ أَخْبَرَكَ اَللَّهُ عَنِ اَلْمُنَافِقِینَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ اَلضَّلاَلَةِ وَ اَلدُّعَاةِ إِلَى اَلنَّارِ بِالزُّورِ وَ اَلْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ اَلْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ اَلنَّاسِ فَأَكَلُوا بِهِمُ اَلدُّنْیَا وَ إِنَّمَا اَلنَّاسُ مَعَ اَلْمُلُوكِ وَ اَلدُّنْیَا إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اَللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ اَلْأَرْبَعَةِ الخاطئون وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ شَیْئاً لَمْ یَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ فَوَهِمَ فِیهِ وَ لَمْ یَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِی یَدَیْهِ وَ یَرْوِیهِ وَ یَعْمَلُ بِهِ وَ یَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص فَلَوْ عَلِمَ اَلْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِیهِ لَمْ یَقْبَلُوهُ مِنْهُ وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ اهل الشبهة وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص شَیْئاً یَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لاَ یَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ یَنْهَى عَنْ شَیْ‏ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لاَ یَعْلَمُ فَحَفِظَ اَلْمَنْسُوخَ وَ لَمْ یَحْفَظِ اَلنَّاسِخَ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ وَ لَوْ عَلِمَ اَلْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ الصادقون الحافظون وَ آخَرُ رَابِعٌ لَمْ یَكْذِبْ عَلَى اَللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اَللَّهِ وَ تَعْظِیماً لِرَسُولِ اَللَّهِ ص وَ لَمْ یَهِمْ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ لَمْ یَزِدْ فِیهِ وَ لَمْ یَنْقُصْ مِنْهُ فَهُوَ حَفِظَ اَلنَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ وَ حَفِظَ اَلْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ وَ عَرَفَ اَلْخَاصَّ وَ اَلْعَامَّ وَ اَلْمُحْكَمَ وَ اَلْمُتَشَابِهَ فَوَضَعَ كُلَّ شَیْ‏ءٍ مَوْضِعَهُ وَ قَدْ كَانَ یَكُونُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص اَلْكَلاَمُ لَهُ وَجْهَانِ فَكَلاَمٌ خَاصٌّ وَ كَلاَمٌ عَامٌّ فَیَسْمَعُهُ مَنْ لاَ یَعْرِفُ مَا عَنَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَ لاَ مَا عَنَى رَسُولُ اَللَّهِ ص فَیَحْمِلُهُ اَلسَّامِعُ وَ یُوَجِّهُهُ عَلَى غَیْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَ مَا قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ وَ لَیْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ ص مَنْ كَانَ یَسْأَلُهُ وَ یَسْتَفْهِمُهُ حَتَّى إِنْ كَانُوا لَیُحِبُّونَ أَنْ یَجِی‏ءَ اَلْأَعْرَابِیُّ وَ اَلطَّارِئُ فَیَسْأَلَهُ ع حَتَّى یَسْمَعُوا وَ كَانَ لاَ یَمُرُّ بِی مِنْ ذَلِكَ شَیْ‏ءٌ إِلاَّ سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَیْهِ اَلنَّاسُ فِی اِخْتِلاَفِهِمْ وَ عِلَلِهِمْ فِی رِوَایَاتِهِمْ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و التاسع من المختار فى باب الخطب

و رواه غیر واحد من أصحابنا بطرق مختلفة مع بسط و اختلاف كثیر حسبما تطلع علیه فی التكملة الآتیة إنشاء اللّه .

قال السید رحمه اللّه : و قد سأله سائل عن أحادیث البدع و عما فی أیدى النّاس من اختلاف الخبر فقال علیه السّلام :

إنّ فی أیدى النّاس حقّا و باطلا ، و صدقا و كذبا ، و ناسخا و منسوخا ،

و عامّا و خاصّا ، و محكما و متشابها ، و حفظا و هما ، و لقد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على عهده حتّى قام خطیبا فقال : من كذب علىّ متعمّدا فلیتبوّأ مقعده من النّار .

[ 25 ]

و إنّما أتاك بالحدیث أربعة رجال لیس لهم خامس :

رجل منافق مظهر للإیمان متصنّع بالإسلام لا یتأثّم و لا یتحرج ،

یكذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم متعمّدا فلو علم النّاس أنّه منافق كاذب لم یقبلوا منه و لم یصدّقوا قوله و لكنّهم قالوا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم راه و سمع منه و لقف عنه فیأخذون بقوله و قد أخبرك اللّه عن المنافقین بما أخبرك ، و وصفهم بما وصفهم به لك ، ثمّ بقوا بعده علیه و آله السّلام فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة و الدّعاة إلى النّار بالزّور و البهتان ،

فولّوهم الأعمال و جعلوهم حكّاما على رقاب النّاس ، و أكلوا بهم الدّنیا و إنّما النّاس مع الملوك و الدّنیا إلاّ من عصم اللّه فهو أحد الأربعة .

و رجل سمع من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شیئا لم یحفظه على وجهه ، فوهم فیه ، و لم یتعمّد كذبا فهو فی یدیه و یرویه و یعمل به و یقول أنا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلو علم المسلمون أنّه و هم فیه لم یقبلوه منه ،

و لو علم هو أنّه كذلك لرفضه .

و رجل ثالث سمع من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شیئا یأمر به ثمّ نهى عنه و هو لا یعلم ، أو سمعه ینهى عن شی‏ء ثمّ أمر به و هو لا یعلم ، فحفظ المنسوخ و لم یحفظ النّاسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ، و لو علم

[ 26 ]

المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه .

و آخر رابع لم یكذب على اللّه و لا على رسوله ، مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظیما لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و لم یهم بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجآء به على سمعه لم یزد فیه و لم ینقص منه ، فحفظ النّاسخ فعمل به ، و حفظ المنسوخ فجنّب عنه ، و عرف الخاصّ و العامّ ،

فوضع كلّ شی‏ء موضعه و عرف المتشابه و محكمه .

و قد كان یكون من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الكلام له وجهان : فكلام خاصّ ، و كلام عامّ ، فیسمعه من لا یعرف ما عنى اللّه به ، و لا ما عنى به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فیحمله السّامع و یوجّهه على غیر معرفة بمعناه و ما قصد به و ما خرج من أجله ، و لیس كلّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من كان یسئله و یستفهمه ، حتّى أن كانوا لیحبّون أن یجی‏ء الأعرابیّ أو الطّارئ فیسئله علیه السّلام حتّى یسمعوا ، و كان لا یمرّ بی عن ذلك شی‏ء إلاّ سئلت عنه و حفظته ، و فهذا وجوه ما علیه النّاس فی اختلافهم و عللهم فی روایاتهم .

اللغة

( الوهم ) من خطرات القلب أو مرجوح طرفی المتردّد فیه ، و الجمع أوهام و وهم فی الحساب كوجل غلط ، و وهمت فی الشی‏ء من باب وعد أى ذهب و همى إلیه و وقع فی خلدى و روی و هما بالفتح و السكون كلیهما و ( بوّأه ) منزلا و فی

[ 27 ]

منزل أنزله فیه ، و بوّأته دارا اسكنته إیّاها و تبوّء بیتا اتّخذه مسكنا و ( التّصنّع ) تكلّف حسن السّمت و التزیّن و ( التّأثم ) و ( التحرّج ) مجانبة الاثم و الحرج أى الضّیق یقال تحرج أى فعل فعلا جانب به الحرج كما یقال تحنث إذا فعل ما یخرج به عن الحنث ، قال ابن الاعرابی : للعرب أفعال تخالف معانیها ألفاظها قالوا : تحرّج و تحنّث و تأثّم و تهجّد إذا ترك الهجود .

و ( لقفه ) لقفا من باب سمع و لقفانا بالتحریك تناوله بسرعة قال تعالى :

تلقف ما یأفكون ، و ( عصمه اللّه ) من المكروه من باب ضرب حفظه و وقاه و ( جنبه ) و اجتنبه و تجنبه و جانبه و تجانبه بعد عنه ، و جنبه إیاه أبعده عنه و ( طرء ) فلان علینا بالهمز یطرء أى جاء بغتة من بلد آخر فهو طارئ بالهمز .

الاعراب

قوله : خطیبا حال من فاعل قام ، و قوله : صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالرفع خبر محذوف المبتدا أى هو أو هذا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و جملة رآه تحتمل الحال و الوصف ، و جملة و یرویه عطف على جملة هو فی یدیه ، و فى بعض النسخ بدون الواو فتكون حالا من الضمیر فی یدیه أو استینافیا بیانیا .

و قوله و قد كان یكون من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الكلام له وجهان : اسم كان ضمیر الشأن المستتر و یكون تامة مستغنیة عن الخبر ، و هى مع اسمها أعنى الكلام خبر كان و له وجهان نعت للكلام ، لأنه فى حكم النكرة و یجوز أن یكون حالا منه لأنّه فی معنى الفاعل ، و یحتمل أن یجعل یكون ناقصة فهو حینئذ خبر له و لیس بنعت ،

و قوله : فكلام خاصّ آه ، الفاء عاطفة للتفریع على قوله : له وجهان .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام الشّریف حسبما أشار الیه السیّد ( قد ) تكلّم به حین ( سأله سائل ) و هو سلیم بن قیس الهلالی حسبما تعرفه فی التّكملة الآتیة إنشاء اللّه تعالى و له كتاب مشهور بین أصحابنا .

قال المحدّث العلاّمة المجلسیّ ره فی دیباجة البحار : و قد طعن فی كتابه

[ 28 ]

جماعة و الحقّ أنّه من الاصول المعتبرة .

و قال العلامة فی الخلاصة : سلیم بن قیس الهلالی بضم السّین روى الكشی أحادیث یشهد بشكره و صحّة كتابه إلى أن قال : و قال السیّد علیّ بن أحمد العقیقی كان سلیم بن قیس من أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام طلبه الحجّاج لیقتله فهرب واوى إلى أبان بن أبی عیّاش ، فلمّا حضرته الوفاة قال لأبان : إنّ لك علیّ حقّا و قد حضرنى الموت یا ابن أخی إنّه كان من الأمر بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كیت و كیت ، و أعطاه كتابا فلم یروعن سلیم بن قیس أحد سوى أبان و ذكر أبان فى حدیثه قال : كان شیخا متعبّدا له نور یعلوه و قال ابن الغضایرى : سلیم بن قیس الهلالى العامرى روى عن أمیر المؤمنین و الحسن و الحسین و علىّ بن الحسین علیهم السّلام قال العلامة فى آخر كلامه ، و الوجه عندى الحكم بتعدیل المشار الیه و التّوقّف فى الفاسد من كتابه انتهى .

و كیف كان فقد سأله علیه السّلام سلیم بن قیس ( عن أحادیث البدع ) أى الأحادیث المبتدعة الموضوعة أو المربوطة بالبدعات و الامور المحدثة الّتى لا أصل لها فی الشریعة كما یشعر به ما رواه جابر بن عبد اللّه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال فى خطبة :

إنّ أحسن الحدیث كتاب اللّه ، و خیر الهدى هدى محمّد ، و شرّ الامور محدثاتها و كلّ محدثة بدعة ، و كلّ بدعة ضلالة .

و قوله ( و عمّا فى أیدى النّاس من اختلاف الخبر ) أراد به الأخبار المختلفة المخالفة لما عندهم علیهم السّلام ( فقال علیه السّلام ) فى جواب السائل :

( انّ فى أیدى النّاس حقّا و باطلا و صدقا و كذبا ) ذكر الصّدق و الكذب بعد الحقّ و الباطل من قبیل ذكر الخاصّ بعد العامّ ، لأنّ الأخیرین من خواصّ الخبر و الأوّلان یصدقان على الأفعال أیضا ، و قیل : الحقّ و الباطل هنا من خواصّ الرّأى و الاعتقاد و الصّدق و الكذب من خواصّ النّقل و الرّوایة ( و ناسخا و منسوخا و عامّا و خاصّا و محكما و متشابها ) و قد مضى بیان معانى هذه السّتة جمیعا و تحقیق الكلام فیها فى شرح الفصل السّابع عشر من الخطبة الاولى فلیراجع هناك

[ 29 ]

( و حفظا و وهما ) أى حدیثا محفوظا من الزّیادة و النّقصان مصونا عن الخلل و الغلط حفظه راویه على ما سمعه ، و حدیثا غیر محفوظ من ذلك لسهو الرّاوى أو غلطه و عدم حفظه له على وجهه .

( و لقد كذب ) اى افترى ( على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على عهده ) أى فى زمانه .

قال الشّارح البحرانى : و ذلك نحو ما روى أنّ رجلا سرق رداء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خرج إلى قوم و قال : هذا رداء محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أعطانیه لتمكّنونى من تلك المرأة ،

و استنكروا ذلك ، فبعثوا من سأل الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن ذلك ، فقام الرّجل الكاذب فشرب ماء فلدغته حیّة فمات ، و كان النّبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین سمع بتلك الحال قال لعلیّ علیه السّلام : خذ السّیف و انطلق فان وجدته و قد كفیت فأحرقه بالنّار ،

فجاء علیه السّلام و أمر باحراقه .

( حتّى ) لمّا سمع صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذلك الخبر و غیره ممّا كذبوا علیه ( قام خطیبا فقال ) أیّها النّاس قد كثرت علىّ الكذّابة ف ( من كذب علىّ متعمّدا فلیتبوّء مقعده من النّار ) أى لینزل منزله من النّار ، و هو إنشاء فى معنى الخبر كقوله تعالى : « قل من كان فى الضّلالة فلیمدد له الرّحمن مدّا » .

و هذا الحدیث النبوى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ممّا رواه الكلّ و ادّعى تواتره و استدلّ به على وجود الأخبار الكاذبة ردّا على من أنكر وجودها أو استبعدها ، و قد حكى أنّ علم الهدى تناظر مع علماء العامّة و بیّن لهم أنّ الأخبار التى رووها فى فضایل مشایخهم كلّها موضوعة ، فقالوا : من یقدر أن یكذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فقال لهم : قد ورد فى الرّوایة عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال فى حیاته : ستكثر علىّ الكذابة بعد موتى فمن كذب علىّ متعمّدا فلیتبوّء مقعده من النّار ، فهذا الحدیث إمّا صدق أو كذب و على التقدیرین یحصل المطلوب .

ثمّ شرع علیه السّلام فى بیان وجه اختلاف الأخبار فقال ( و انما أتاك بالحدیث أربعة رجال لا خامس لهم ) قال الشارح البحرانى : و وجه الحصر فى الأقسام الأربعة أنّ الناقل للحدیث عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المتسمّین بالاسلام إمّا منافق أولا ، و الثانى إمّا أن

[ 30 ]

یكون قدوهم فیه أولا ، و الثانی إما أن لا یكون قد عرف ما یتعلّق به من شرایط الرّوایة أو یكون .

فأشار علیه السّلام إلى القسم الأوّل بقوله ( رجل منافق مظهر للایمان ) بلسانه منكر له بقلبه ( متصنّع بالاسلام ) أى متكلّف بآدابه و لوازمه و مراسمه ظاهرا من غیر أن یعتقد به باطنا یعنى أنه لیس مسلما فى نفس الأمر و إنّما تسمّى بالاسلام لتدلیس الناس ( لا یتأثم و لا یتحرّج ) أى لا یكفّ نفسه عن موجب الاثم و لا یتجنّب عن الوقوع فى الضیق و الحرج ، أولا یعدّ نفسه آثما بالكذب بل ( یكذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم متعمّدا ) لغرضه الدّنیوى و داعیة هواه النفسانى ( فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم یقبلوا منه ) حدیثه كما قبلوه ( و لم یصدّقوا قوله ) كما صدّقوه ( و لكنهم ) اشتبهوا و ( قالوا ) هذا ( صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رآه و سمع منه و لقف ) أى تنال الحدیث ( عنه فیأخذون بقوله ) غفلة عن كذبه لحسن ظنهم به ( و قد أخبرك اللّه عن المنافقین ) فى كتاب المبین ( بما أخبرك و وصفهم بما وصفهم به لك ) الظاهر أنه علیه السّلام أراد به قوله تعالى فى سورة المنافقین و إذا رأیتهم تعجبك اجسامهم الآیة ، كما صرّح علیه السلام به فى سایر طرق الرّوایة حسبما تعرفه فى التكملة الآتیة ، و قد أفصح تعالى عن أحوالهم و أوصافهم بهذه الآیة و الآیات قبلها فى السورة المذكورة قال و اللّه یشهد انّ المنافقین لكاذبون . اتّخذوا أیمانهم . جنّة فصدّوا عن سبیل اللّه إنهم ساء ما كانوا یعملون . ذلك بأنهم آمنوا ثمّ كفروا . فطبع على قلوبهم فهم لا یفقهون . و إذا رأیتهم تعجبك أجسامهم و ان یقولوا تسمع لقولهم كأنّهم خشب مسنّدة قال أمین الاسلام الطبرسیّ قد « و اللّه یشهد إنّ المنافقین لكاذبون » فی قولهم إنّهم یعتقدون أنك رسول اللّه ، فكان إكذابهم فی اعتقادهم و أنّهم یشهدون ذلك بقلوبهم ، و لم یكذبوا فیما یرجع إلى ألسنتهم ، لأنّهم شهدوا بذلك و هم صادقون فیه « اتّخذوا ایمانهم جنّة » أى سترة یستترون بها من الكفر لئلا یقتلوا و لا یسبوا و لا یؤخذ أموالهم « فصدّوا عن سبیل اللّه » فأعرضوا بذلك عن دین الاسلام ، و قیل :

[ 31 ]

منعوا غیرهم عن اتّباع سبیل الحقّ بأن دعوهم إلى الكفر فی الباطن ، و هذا من خواصّ المنافقین ، یصدّون العوام عن الدّین كما تفعل المبتدعة « انّهم ساء ما كانوا یعملون » أى بئس الّذى یعملونه من اظهار الایمان مع ابطان الكفر و الصدّ عن السّبیل « ذلك بأنّهم آمنوا » بألسنتهم ، عند الاقرار بلا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه « ثمّ كفروا » بقلوبهم لمّا كذبوا بهذا « فطبع على قلوبهم » أى ختم علیها بسمة تمیّز الملائكة بینهم و بین المؤمنین على الحقیقة « فهم لا یفقهون » أى لا یعلمون من حیث إنّهم لا یتفكرون حتّى یمیّزوا بین الحقّ و الباطل « و إذا رأیتهم تعجبك اجسامهم » بحسن منظرهم و تمام خلقتهم و جمال بزّتهم « و إن یقولوا تسمع لقولهم » لحسن منطقهم و فصاحة لسانهم و بلاغة بیانهم « كأنّهم خشب مسنّدة » أى كأنّهم أشباح بلا أرواح ، شبّههم اللّه فی خلوّهم من العقل و الافهام بالخشب المسنّدة إلى شی‏ء لا أرواح فیها و فی الصّافی مسنّدة إلى الحایط فی كونهم أشباحا خالیة عن العلم و النّظر .

( ثمّ بقوا ) أى المنافقون ( بعده علیه و آله السلام فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة ) كمعاویة و أضرابه من رؤساء بنی امیّة ( و الدّعاة إلى النّار ) فیه تلمیح إلى قوله تعالى و جعلنا منهم أئمّة یدعون إلى النّار ( بالزّور ) أى الكذب ( و البهتان فولّوهم الأعمال و جعلوهم حكاما على رقاب النّاس ) أى أئمّة الضّلال بسبب وضع الأخبار اعطوا هؤلاء المنافقین الولایات و سلّطوهم على النّاس ، و یحتمل العكس أى بسبب مفتریات هؤلاء المنافقین صاروا و الین على النّاس و صنعوا ما شاؤا و ابتدعوا ما أرادوا قال المحدّث العلامة المجلسیّ : و لكنّه بعید .

أقول : و لعلّ وجه استبعاده أنّ ظاهر كلامه علیه السّلام یفید كون إمامة أئمّة الضلالة متقدّمة على وضع الأخبار حیث تقرّبوا بها إلیهم فلا یكون حینئذ ولایتهم و إمامتهم مستندة إلى وضعها و مسبّبة منها ، و لكن یمكن رفع البعد بأن یكون المراد أنّ ثبات حكومتهم و ولایتهم و استحكامها كان بسبب مفتریات المنافقین و إن لم یكن أصل الولایة بسببها و قوله ( و أكلوا بهم الدّنیا ) أى معهم أو باعانتهم ، و الضّمیر الأوّل راجع إلى

[ 32 ]

أئمّة الضلالة ، و الثانی إلى المنافقین المفترین ، و یحتمل العكس أیضا .

و أشار إلى علّة تقرّبهم إلى الولاة بمفتریاتهم بقوله ( و انما الناس ) جمیعا ( مع الملوك و الدّنیا ) لكون هواهم فیها فهم عبید لها و لمن فى یدیه شی‏ء منها حیثما زالت زالوا إلیها و حیثما أقبلت أقبلوا علیها ( إلاّ من عصم ) ه ( اللّه ) تعالى منها و من أهلها ،

و هم الدین آمنوا و عملوا الصالحات و قلیل ما هم ( ف ) هذا ( هو أحد الأربعة ) ( و ) الثانی منهم ( رجل سمع من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شیئا لم یحفظه على وجهه ) الذى صدر من لسانه الشریف ( فوهم فیه ) أى غلط و سهى ( و لم یتعمّد كذبا ) كتعمّد الرّجل السابق الذّكر ( فهو فى یدیه ) ینقله ( و یرویه ) لغیره ( و یعمل به ) فى نفسه ( یقول أنا سمعته من رسول اللّه ) یسنده إلیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بزعم أنه عین ما قاله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( فلو علم المسلمون أنه و هم فیه لم یقبلوه منه و لو علم هو أنه كذلك لرفضه ) أى نبذه و تركه و لم یروه أقول : و من ذلك اشترط علماء الدّرایة الضبط فی الرّاوى یرى ضبطه لما یرویه بمعنى كونه حافظا له متیقظا غیر مغفل إن حدّث من حفظه ضابطا لكتابه حافظا من الغلط و التصحیف و التحریف ان حدّث منه عارفا بما یختلّ به المعنی ان روى به أى بالمعنى على القول بجوازه حسبما تعرفه إنشاء اللّه تفصیلا .

( و رجل ثالث سمع من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شیئا یأمر به ثمّ نهى عنه و هو لا یعلم ) بنهیه ( أو سمعه ینهى عن شی‏ء ثمّ أمر به و هو لا یعلم ) بأمره ( فحفظ المنسوخ و لم یحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه ) و لكنه لجهله و غفلته عن الناسخ روى المنسوخ لغیره فقبلوه منه بحسن وثوقهم به روى فى الكافى بسند موثّق عن محمّد بن مسلم عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : ما بال أقوام یروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا یتّهمون بالكدب ، فیجئ منكم خلافه ؟ قال علیه السّلام : إنّ الحدیث ینسخ كما ینسخ القرآن .

و فیه بسنده عن منصور بن حازم عن أبیعبد اللّه علیه السّلام فی حدیث قال : قلت

[ 33 ]

فأخبرنى عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صدقوا على محمّد أم كذبوا ؟ قال : بل صدقوا ،

قال : قلت : فما بالهم قد اختلفوا ؟ فقال علیه السّلام : أما تعلم أنّ الرّجل كان یأتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیسأله عن المسألة فیجیبه فیها بالجواب ، ثمّ یجیئه بعد ذلك بما ینسخ ذلك الجواب فنسخت الأحادیث بعضها بعضا .

قال الشهید الثانى فى درایة الحدیث عند تعداد أقسام الأحادیث : و سادس عشرها الناسخ و المنسوخ ، فانّ من الأحادیث ما ینسخ بعضها بعضا كالقرآن .

و الأوّل و هو الناسخ ما أى حدیث دلّ على رفع حكم شرعىّ سابق ، فالحدیث المدلول علیه بما بمنزلة الجنس یشمل الناسخ و غیره و مع ذلك خرج به ناسخ القرآن و الحكم المرفوع شامل للوجودى و العدمى و خرج بالشرعى الذى هو صفة الحكم الشرعىّ المبتدا بالحدیث ، فانه یرفع به الاباحة الأصلیة لكن لا یسمى شرعیا ،

و خرج بالسابق الاستثناء و الصفة و الشرط و الغایة الواقعة فى الحدیث ، فانها قد ترفع حكما شرعیا لكن لیس سابقا .

و الثانی و هو المنسوخ ما رفع حكمه الشرعى بدلیل شرعىّ متأخّر عنه و قیوده یعلم بالمقایسة على الأوّل ، و هذا فنّ صعب مهمّ حتّى أدخل بعض أهل الحدیث فیه ما لیس منه لخفاء معناه ، و طریق معرفته النصّ من النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مثل كنت نهیتكم عن زیارة القبور ألا فزوروها ، و نقل الصحابى مثل كان آخر الأمرین من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أنه ترك الوضوء مما مسّته النار ، أو التاریخ فانّ المتأخّر منهما یكون ناسخا للمتقدّم لما روى عن الصحابة كنا نعمل بالأحادیث فالأحادیث أو الاجماع كحدیث قتل شارب الخمر فى المرّة الرّابعة نسخه الاجماع على خلافه حیث لا یتخلّل الحدّ و الاجماع لا ینسخ بنفسه و انما یدلّ على النسخ ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و ینبغى أن یعلم أنّ النسخ إنما یكون فى الأحادیث الواردة عن النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذ لا ینسخ بعده .

( و آخر رابع ) له عنایة بأمر الدّین و اهتمام بمدارك الشرع المبین ( لم یكذب على اللّه و لا على رسوله ) صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كالرّجل الأوّل المنافق المتصنّع بالاسلام تحرّجا

[ 34 ]

من الكذب و الزّور ( مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظیما لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لم یهم ) أى لم یغلط و لم یسه كالرّجل الثانى الغیر الضابط ( بل حفظ ) و وعى ( ما سمع على وجهه ) كما اشیر إلیه فى قوله عزّ و جلّ « و تعیها اذن واعیة » ( فجاء به على سمعه ) أى نقله على الوجه المسموع ، و فى بعض النسخ على ما سمعه بزیادة ما و هو أقرب ( لم یزد فیه و لم ینقص منه ) أى رواه من غیر زیادة و لا نقصان فاستحقّ بذلك البشارة العظیمة من اللّه تعالى فى قوله « فبشّر عبادى الذین یستمعون القول فیتّبعون أحسنه » .

فقد روى فى البحار من الاختصاص باسناده عن أبى بصیر عن أحدهما علیهما السّلام فى هذه الآیة قال علیه السّلام : هم المسلمون لآل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذا سمعوا الحدیث أدّوه كما سمعوه لا یزیدون و لا ینقصون .

و فیه عن الكلینى بسنده عن أبى بصیر قال : قلت لأبى عبد اللّه علیه السّلام قول اللّه جلّ ثناؤه « الذین یستمعون القول فیتّبعون أحسنه » قال علیه السّلام : هو الرّجل یستمع الحدیث فیحدّث به كما سمعه لا یزید فیه و لا ینقص .

( فحفظ النّاسخ فعمل به و حفظ المنسوخ فجنّب عنه ) لا كالرّجل الثالث یحفظ المنسوخ و یرویه و لم یحفظ النّاسخ و یغیب عنه ( و عرف الخاصّ و العامّ فوضع كلّ شی‏ء موضعه ) أى أبقی العمومات الغیر المخصّصة على عمومها و حمل المخصّصات على الخصوص و كذا المطلق و المقیّد و سایر أدلّة الأحكام ( و عرف المتشابه ) فوكل علمه إلى اللّه تعالى و رسوله و الراسخین فى العلم علیهم السّلام ( و محكمه ) فأخذ به و اتّبعه ثمّ أكّد كون كلام الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذا وجوه مختلفة بقوله ( و قد كان یكون من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الكلام له وجهان ) ككتاب اللّه العزیز و كلامه عزّ شأنه ( ف ) بعضه ( كلام خاصّ و ) بعضه ( كلام عامّ فیسمعه من لا یعرف ما عنی اللّه سبحانه به و لا ما عنی به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) من العموم و الخصوص ( فیحمله السّامع ) على غیر معناه المراد من أجل اشتباهه و عدم معرفته ( و یوجّهه ) أى یؤوّله ( على غیر معرفة بمعناه و ما قصد به و ما خرج من أجله ) أی العلّة المقتضیة لصدور الكلام منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و كذا الحال

[ 35 ]

و المقام الّذی صدر فیه .

( و لیس كلّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یسأله و یستفهمه ) لمهابته أو اعظاما له ( حتّى أن كانوا لیحبّون أن یجی‏ء الاعرابی ) من سكّان البادیة ( أو الطّارئ ) أى الغریب الّذى أتاه عن قریب من غیر انس به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بكلامه ( فیسأله علیه السّلام حتّى یسمعوا ) و إنّما كانوا یحبّون قدومهما إمّا لاستفهامهم و عدم استعظامهم إیاه ، أو لأنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان یتكلّم على وفق عقولهم فیوضحه حتى یفهم غیرهم .

ثمّ أشار علیه الصلاة و السلام إلى علوّ مقامه و رفعة شأنه و بلوغه ما لم یبلغه غیره بقوله ( و كان لا یمرّ بی عن ذلك ) أی من كلام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( شی‏ء إلاّ سألت عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و حفظته ) لمزید اختصاصه علیه الصلاة و السلام به و كونه عیبة علمه و قد كان یجب علیه علیه الصلاة و السلام و السؤال و الحفظ كما كمان یجب علیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم التعلیم و التفهیم لاقتضاء تكلیف الاستخلاف و وظیفة الخلافة ذلك ( فهذا وجوه ما علیه الناس فی اختلافهم ) فی الرّوایات ( و ) ضروب ( عللهم ) و أمراضهم ( فی روایاتهم ) المختلفة .

و ینبغى تذییل المقام بامور مهمة

الاول

قال الشیخ الشهید الثانی فی كتاب درایة الحدیث عند تعداد أصناف الحدیث الضعیف :

الثامن الموضوع و هو المكذوب المختلق الموضوع بمعنی أنّ واضعه اختلق وضعه لا مطلق حدیث الكذوب ، فانّ الكذوب قد یصدق ، و هو أى الموضوع شرّ أقسام الضعیف ، و لا تحلّ روایته للعالم به إلاّ مبینا لحاله من كونه موضوعا بخلاف غیره من الضعیف المحتمل للصدق حیث جوّزوا روایته فى الترغیب و الترهیب و یعرف الموضوع باقرار واضعه بوضعه فیحكم حینئذ علیه بما یحكم على الموضوع فی نفس الأمر لا بمعنی القطع بكونه موضوعا ، لجواز كذبه فی إقراره ،

و إنما یقطع بحكمه لأنّ الحكم یتبع الظنّ الغالب ، و هو هنا كذلك و لولاه لما ساغ

[ 36 ]

قتل المقرّ بالقتل و لا رجم المعترف بالزّنا ، لاحتمال أن یكونا كاذبین فیما اعترفا به .

و قد یعرف أیضا بركاكة ألفاظه و نحوها ، و لأهل العلم بالحدیث ملكة قویة یمیّزون بها ذلك ، و إنما یقوم به منهم من یكون اطلاعه تاما ، و ذهنه ثاقبا ،

و فهمه قویا ، و معرفته بالقراین الدّالة على ذلك ممكنة ، و بالوقوف على غلطه و وضعه من غیر تعمّد ، كما وقع لثابت بن موسى الزّاهد فى حدیث من كثرت صلاته باللّیل حسن وجهه بالنّهار ، فقیل كان شیخ یحدّث فی جماعة فدخل رجل حسن الوجه فقال الشیخ فی أثناء حدیثه : من كثرت صلاته باللّیل « الخ » فوقع لثابت ابن موسى أنّه من الحدیث فرواه .

و الواضعون أصناف :

منهم من قصد التقرّب به إلى الملوك و أبناء الدّنیا ، مثل غیاث بن إبراهیم دخل على المهدى بن المنصور و كان تعجبه الحمام الطیارة الواردة من الأماكن البعیدة ، روى حدیثا عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : لا سبق إلاّ فی خفّ أو حافر أو نصل أو جناح ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، فلما خرج قال المهدى : اشهد أنّ قفاه قفا كذّاب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جناح و لكن هذا أراد أن یتقرّب إلینا ، فأمر بذبحها و قال : أنا حملته على ذلك و منهم قوم من السّؤال یضعون على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أحادیث یرتزقون بها كما اتّفق لأحمد بن حنبل و یحیى بن معین فی مسجد الرّصافة .

و أعظم ضررا من انتسب منهم إلى الزّهد و الصّلاح بغیر علم فاحتسب بوضعه أى زعم أنّه وضعه حسبة للّه تعالى و تقرّبا إلیه لیجذب بها قلوب النّاس إلى اللّه تعالى بالتّرهیب و التّرغیب ، فقبل النّاس موضوعاتهم فنقلوا منهم و ركنوا إلیهم بظهور حالهم بالصّلاح و الزّهد .

و یظهر ذلك من أحوال الأخبار الّتی وضعها هؤلاء فی الوعظ و الزّهد و ضمّنوها أخبارا عنهم و نسبوا إلیهم أفعالا و أحوالا خارقة للعادة و كرامات لم یتّفق مثلها لأولى العزم من الرّسل بحیث یقطع العقل بكونها موضوعة و إن كانت كرامات الأولیاء

[ 37 ]

ممكنة فی نفسها و من ذلك ما روى عن أبی عصمة نوح بن أبی مریم المروزى أنّه قیل له :

من أین لك عن عكرمة عن ابن عباس فی فضایل القرآن سورة سورة و لیس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال : إنّ النّاس قد أعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه أبی حنیفة و مغازى محمّد بن إسحاق فوضعت هذا الحدیث حسبة و كان یقال لأبی عصمة هذا :

الجامع فقال : أبو حاتم بن الحیّان : جمع كلّ شی‏ء إلاّ الصّدق و روى ابن حیّان عن أبی مهدى قال : قلنا لمیسرة بن عبد ربّه : من أین جئت بهذه الأحادیث من قرء بكذا فله كذا ، فقال : وضعتها أرغّب النّاس فیها و هكذا قیل فی حدیث أبی الطّویل فی فضایل سور القرآن سورة سورة ، فروى عن المؤمّل بن إسماعیل قال : حدّثنى شیخ به فقلت للشیخ من حدّثك ؟ فقال حدّثنى رجل بالمدائن و هو حىّ ، فصرت إلیه و قلت : من حدّثك ؟ فقال : حدّثنی شیخ بواسط و هو حیّ ، فصرت إلیه و قلت : من حدّثك ؟ فقال : حدّثنی شیخ بالبصرة ،

فصرت إلیه فقال : حدّثنی شیخ بعبّادان ، فصرت إلیه فأخذ بیدى و أدخلنی بیتا فاذا فیه قوم من الصّوفیّة و معهم شیخ فقال : هذا الشیخ حدّثنی ، فقلت : یا شیخ من حدّثك ؟ فقال : لم یحدّثنی أحد و لكن رأینا النّاس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذه الأحادیث لیصرفوا قلوبهم إلى القرآن .

و كلّ من أودع هذه الأحادیث فى تفسیره كالواحدى و الثعلبی و الزّمخشرى فقد أخطأ فی ذلك و لعلّهم لم یطلعوا على وضعه مع أنّ جماعة من العلماء قد نبّهوا علیه ، و خطب من ذكره مستندا كالواحدى أسهل .

و وضعت الزّنادقة كعبد الكریم بن أبی العوجاء الّذى أمر بضرب عنقه محمّد بن سلیمان بن علیّ العبّاسی ، و بیان الّذى قتله خالد القشیرى « القسرى » و أحرقه بالنّار ، و الغلاة من فرق الشّیعة كأبی الخطاب و یونس بن ظبیان و یزید الصّایغ و أضرابهم جملة من الحدیث لیفسدوا بها الاسلام و یبصروا به مذهبهم .

روى العقیلی عن حمّاد بن یزید قال : وضعت الزّنادقة على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 38 ]

أربعة عشر ألف حدیث .

و روى عن أبی عبد اللّه « عبد اللّه خ ل » بن یزید المقرى أنّ رجلا من الخوارج رجع عن مذهبه فجعل یقول : انظروا هذا الحدیث عمّن تأخذونه كنّا إذا رأینا رأیا جعلنا له حدیثا .

ثمّ نهض جهابذة النقّاد جمع جهبذ و هو النّاقد البصیر یكشف عوارها بفتح العین و ضمّها و الفتح أشهر و هو العیب و محوا عارها ، فللّه الحمد حتّى قال بعض العلماء : ما ستر اللّه أحدا یكذب فی الحدیث .

و قد ذهب الكرامیّة بكسر الكاف و تخفیف الرّاء و بفتح الكاف و تشدید الرّاء على اختلاف نقل الضّابطین لذلك و هم الطایفة المنتسبون بمذهبهم إلى محمّد ابن كرام و بعض المبتدعة من المتصوّفة إلى جواز وضع الحدیث للترغیب و الترهیب للنّاس و ترغیبا فی الطاعة و زجرا لهم عن المعصیة .

و استذلّوا بما روى فی بعض طرق الحدیث من كذب علیّ متعمّدا لیضلّ به النّاس فلیتبوّء مقعده من النّار ، و هذه الزّیادة قد أبطلها نقلة الحدیث و حمل بعضهم من كذب علیّ متعمّدا ، على من قال : إنّه ساحر أو مجنون ، حتّی قال بعض المخذولین إنّما قال من كذب علیّ ، و نحن نكذّب له و نقوّى شرعه نسأل اللّه السّلامة من الخذلان .

و حكى القرطبی فی المفهّم عن بعض أهل الرّأى : إنّ ما وافق القیاس الجلی جاز أن یعزى إلى النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ثمّ المروىّ تارة یخترعه الواضع ، و تارة یأخذ كلام غیره كبعض السلف الصّالح و قدماء الحكماء و الاسرائیلیّات ، أو یأخذ حدیثا ضعیف الاسناد فیركّب له اسنادا صحیحا لیروّج .

و قد صنّف جماعة من العلماء كتبا فی بیان الموضوعات .

و للصّغانی الفاضل الحسین بن محمّد فی ذلك كتاب الدّر الملتقط فی تبیّن الغلط جیّد فی هذا الباب و لغیره كأبی الفرج ابن الجوزى دونه فی الجودة ، لأنّ كتاب

[ 39 ]

ابن الجوزى ذكر فیه كثیر من الأحادیث الّتی ادّعی وضعها لا دلیل على كونها موضوعة و الحاقها بالضعیف أولى و بعضها قد یلتحق بالصحیح و الحسن عند أهل النّقد ،

بخلاف كتاب الصّغانی فانّه تامّ فی هذا المعنى یشتمل على انصاف كثیر

الثانى

اعلم أنّ اكثر أخبار الموضوعة قد وضعت فی زمن بنی امیّة لعنهم اللّه قاطبة كما ظهر لك تفصیل ذلك فی شرح الكلام السّابع و التّسعین ممّا رویناه من البحار من كتاب سلیم بن قیس الهلالی و نضیف إلیه ما ذكره و نقله الشّارح المعتزلی هنا لاشتماله على زیادة لم یتقدّم ذكرها مع كونه مؤیّدا لما قدّمنا فأقول :

قال الشّارح بعد ما ذكر أنّه خالط الحدیث كذب كثیر صدر عن قوم غیر صحیحی العقیدة قصدوا به الاضلال و تخلیط القلوب و العقاید ، و قصد به بعضهم التنویه بذكر قوم كان لهم فى التنویه بذكرهم غرض دنیوىّ ما صریح عبارته :

و قد قیل إنّه افتعل فی أیّام معاویة خاصّة حدیث كثیر على هذا الوجه ، و لم یسكت المحدّثون الرّاسخون فی علم الحدیث عن هذا بل ذكروا كثیرا من هذه الأحادیث الموضوعة و بیّنوا وضعها و أنّ رواتها غیر موثق بهم إلاّ أنّ المحدّثین إنّما یطعنون فیما دون طبقة الصّحابة و لا یتجاسرون على الطّعن فی أحد من الصّحابة لأنّ علیه لفظ الصحبة على أنهم قد طعنوا فی قوم لهم الصحبة كثیر « كبسر ظ » بن ارطاة و غیره .

فان قلت : من أئمة الضلال 1 الذین تقرّب إلیهم المنافقون الذین رأوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صحبوه بالزّور و البهتان ، و هل هذا إلاّ تصریح بما تذكره الامامیة و تعتقده ؟

قلت : لیس الأمر كما ظننت و ظنّوا ، و إنما یعنی معاویة و عمرو بن العاص و من شایعهما على الضلال .

كالخبر رواه من رواه فی حقّ معاویة : اللّهمّ قه العذاب و الحساب و علّمه الكتاب

-----------
( 1 ) أراد بهم ما تقدم ذكرهم فى المتن ، منه .

[ 40 ]

و كروایة عمر و بن العاص تقرّبا إلى قلب معاویة : إنّ آل أبی طالب لیسوالی بأولیاء و إنّما ولیّی اللّه و صالح المؤمنین و كروایة قوم فی أیام معاویة أخبارا كثیرة من فضایل عثمان تقرّبا إلى معاویة بها و لسنا نجحد فضل عثمان و سابقته ، و لكنا نعلم أنّ بعض الأخبار الواردة فیه موضوع كخبر عمرو بن مرّة فیه و هو مشهور و عمرو بن مرّة ممنّ له صحبة و هو شامیّ .

و لیس یجب من قولنا إنّ بعض الأخبار الواردة فی حقّ شخص فاضل مفتعلة أن تكون قادحة فی فضل ذلك الفاضل ، فانّا مع اعتقادنا أنّ علیّا علیه السّلام أفضل النّاس نعتقد أنّ بعض الأخبار الواردة فی فضایله مفتعل و مختلق .

و قد روى أنّ أبا جعفر محمّد بن علیّ الباقر علیهما السّلام قال لبعض أصحابه :

یا فلان ما لقینا من ظلم قریش ایّانا و تظاهرهم علینا و ما لقی شیعتنا و محبّونا من الناس ، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قبض و قد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ، فتمالئت علینا قریش حتى اخرجت الأمر عن معدنه ، و احتجّت على الأنصار بحقّنا و حجّتنا ،

ثمّ تداولتها قریش واحد بعد واحد حتى رجعت إلینا فنكثت بیعتنا و نصبت الحرب لنا و لم یزل صاحب الأمر فى صعود كئود حتّى قتل .

فبویع الحسن علیه السّلام ابنه عوهد ثمّ غدر به و اسلم و وثب علیه أهل العراق حتى طعن بخنجر فی جنبه ، و انتهب عسكره و عولجت خلاخیل امهات أولاده فوادع معاویة و حقن دمه و دماء أهل بیته و هم قلیل حق قلیل .

ثمّ بایع الحسین علیه السّلام من أهل العراق عشرون ألفا ثمّ غدر به و خرجوا علیه و بیعته فی أعناقهم .

ثمّ لم تزل أهل البیت تستذلّ و تستضام و نقصی و نمتحن و نحرم و نقتل و نخاف و لا نأمن على دمائنا و دماء أولیائنا و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعا

[ 41 ]

یتقرّبون به إلى أولیائهم ، و قضاة السوء و عمال السوء فى كلّ بلدة ، فحدّثوهم بالأحادیث الموضوعة المكذوبة ، و رو واعنا ما لم نقله لیبغضونا إلى الناس .

و كان عظم ذلك و كبره زمن معاویة بعد موت الحسن علیه السّلام فقتلت شیعتنا بكلّ بلدة ، و قطعت الأیدى و الأرجل على الظنة و كان من یذكر بحبّنا و الانقطاع إلینا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره .

ثمّ لم یزل البلاء یشتدّ و یزداد إلى زمان عبید اللّه بن زیاد لعنه اللّه قاتل الحسین علیه السّلام .

ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة و أخذهم بكلّ ظنّة و تهمة حتّى أنّ الرّجل لیقال له زندیق أو كافر أحبّ إلیه من أن یقال شیعة علىّ علیه السّلام ، و حتّى صار الرّجل الّذى یذكر بالخیر و لعلّه ورعا صدوقا یحدّث بأحادیث عظیمة عجیبة من تفضیل بعض من قد سلف من الولاة و لم یخلق اللّه تعالى شیئا منها و لا كانت و لا وقعت و هو یحسب أنّها حقّ لكثرة من قدرواها ممّن لم یعرف بكذب و لا بقلّة ورع و روى أبو الحسن علىّ بن محمّد بن أبی سیف المداینی فی كتاب الأحداث قال كتب معاویة نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن برئت الذّمة ممّن روى شیئا فی فضل أبی تراب و أهل بیته .

فقامت الخطباء فی كلّ كورة و على كلّ منبر یلعنون علیّا علیه السّلام و یبرؤون منه و یقعون فیه و فی أهل بیته ، و كان أشدّ الناس بلاء حینئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شیعة علىّ علیه السّلام ، فاستعمل علیهم زیاد بن سمیّة و ضمّ إلیه البصرة فكان یتّبع الشیعة و هو بهم عارف لأنّه كان منهم أیّام علىّ علیه السّلام فقتلهم تحت كلّ حجر و مدر ، و أخافهم و قطع الأیدى و الأرجل و سمل العیون و صلبهم على جذوع النخل و طردهم و شردهم عن العراق فلم یبق بها معروف منهم .

و كتب معاویة لعنه اللّه إلى عمّا له فى جمیع الآفاق : لا یجیزوا لأحد من شیعة علىّ و أهل بیته شهادة .

[ 42 ]

و كتب إلیهم أن انظروا من قبلكم من شیعة عثمان و محبّیه و أهل ولایته و الّذین یروون فضایله و مناقبه فادنوا مجالسهم و قرّبوهم و أكرموهم و اكتبوا إلىّ بكلّ ما یروى كلّ رجل منهم و اسمه و اسم أبیه و عشیرته .

ففعلوا حتّى أكثروا فی فضایل عثمان و مناقبه لما كان یبعثه إلیهم معاویة من الصلاة و الكساء و الحباء و القطایع و یفیضه فی العرب منهم و الموالى و كثر ذلك فی كلّ مصر و تنافسوا فی المنازل و الدّنیا ، فلیس یجزى مردود من الناس عاملا من عمّال معاویة فیروى فی عثمان فضیلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه و قرّبه و شفّعه فلبثوا بذلك حینا .

ثمّ كتب إلى عمّا له : أنّ الحدیث فی عثمان قد كثر و فشا فی كلّ مصر و فی كلّ وجه و ناحیة ، فاذا جائكم كتابى هذا فادعوا الناس إلى الرّوایة فی فضایل الصحابة و الخلفاء الأوّلین و لا تتركوا خبرا یرویه أحد من المسلمین فی أبی تراب إلاّ و أتونى بمناقض له فی الصحابة مفتعلة لا حقیقة لها و جدّ الناس فی روایة ما یجرى هذا المجرى حتّى أشاروا یذكروا ذلك على المنابر ، و ألقى إلى معلّمى الكتّاب فعلّموا صبیانهم و غلمانهم من ذلك الكثیر الواسع حتّى رووه و تعلّموه كما یتعلّمون القرآن و حتّى علّموه بناتهم و خدمهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء اللّه .

ثمّ كتب نسخة واحدة إلى جمیع البلدان : انظروا من أقامت علیه البیّنة أنّه یحبّ علیا و أهل بیته فامحوه من الدّیوان ، و اسقطوا عطاءه و رزقه .

و شفّع ذلك بنسخة اخرى : من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و اهدموا داره .

فلم یكن البلاء أشدّ و لا أكثر منه بالعراق و لا سیّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شیعة علىّ علیه السّلام لیأتیه من یثق به فیدخل بیته فیلقى إلیه سرّه و یخاف من خادمه و مملوكه و لا یحدّثه حتّى یأخذ علیه الایمان الغلیظة لیكتمنّ علیه .

فظهر حدیث كثیر موضوع و بهتان منتشر ، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة

[ 43 ]

و الولاة ، و كان أعظم الناس فی ذلك بلیّة القرّاء المراؤون ، و المتصنّعون الّذین یظهرون الخشوع و النّسك ، فیفتعلون ذلك لیحظوا بذلك عند ولاتهم و یقرّبوا مجالسهم و یصیبوا به الأموال و الضیاع و المنازل .

حتّى انتقلت تلك الأخبار و الأحادیث إلى أیدى الدیانین الذین لا یستحلّون الكذب و البهتان ، فقبلوها و رووها و هم یظنّون أنّها حقّ ، و لو علموا أنها باطلة لما رووها و لا تدیّنوا .

فلم یزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن علىّ علیه السّلام ، فازداد البلاء و الفتنة فلم یبق أحد من هذا القبیل إلاّ و هو خائف على دمه أو طرید فی الأرض .

ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسین علیه الصلاة و السلام و ولى عبد الملك بن مروان فاشتدّ على الشیعة .

و ولّى علیهم الحجاج بن یوسف فتقرّب إلیه أهل النّسك و الصلاح و الدّین ببغض علىّ علیه السّلام و موالاة أعدائه و موالاة من یدعى قوم من الناس أنّهم أیضا أعداؤه فاكثروا فی الرّوایة فی فضلهم و سوابقهم و مناقبهم ، و أكثروا من الغضّ من علىّ علیه السّلام و عیبه و الطعن فیه و الشنان له .

حتّى أنّ إنسانا وقف للحجاج و یقال جدّ الأصمعی عبد الملك بن قریب فصاح به أیّها الأمیر إنّ أهلى عقّونی فسمّونی علیا ، و إنّی فقیر بائس و أنا إلى صلة الأمیر محتاج ، فتضاحك له الحجاج و قال : للطف ما توسّلت به قد ولیتك موضع كذا .

و قد روى ابن عرفة المعروف بنفطویه و هو من أكابر المحدّثین و أعلامهم فى تاریخه ما یناسب هذا الخبر ، و قال : إنّ أكثر الأحادیث الموضوعة فى فضائل الصحابة افتعلت فی أیّام بنى امیّة تقرّبا إلیهم بما یظنّون أنّهم یرغمون به أنف بنى هاشم .

ثمّ قال الشارح بعد جملة من الكلام :

و اعلم أنّ أصل الأكاذیب فی أحادیث الفضایل كان من جهة الشیعة : فانّهم

[ 44 ]

وضعوا فى مبدء الأمر أحادیث كذا مختلقة فی صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم .

نحو حدیث السطل ، و حدیث الرّمانة ، و حدیث غزوة البئر التی كان فیها الشیاطین و یعرف كما زعموا بذات العلم ، و حدیث غسل سلمان الفارسی و طىّ الأرض ، و حدیث الجمجمة و نحو ذلك .

فلمّا رأت البكریّة ما صنعت الشیعة وضعت لصاحبها أحادیث فی مقابلة هذه الأحادیث .

نحو لو كنت متّخذا خلیلا ، فانّهم وضعوه فی مقابلة حدیث الاخاء .

و نحو سدّ الأبواب فانّه كان لعلىّ علیه السّلام فقلّبته البكریّة إلى أبی بكر .

و نحو ایتونى بدواة و بیاض اكتب فیه لأبی بكر كتابا لا یختلف علیه اثنان ثمّ قال : یأبى اللّه و المسلمون إلاّ أبا بكر .

فانّهم وضعوه فی مقابلة الحدیث المروىّ عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مرضه : ایتونى بدواة و بیاض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبدا ، فاختلفوا عنده و قال قوم منهم : لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه .

و نحو حدیث أنا راض عنك فهل أنت عنّى راض و نحو ذلك .

فلمّا رأت الشیعة ما و قد وضعت البكریّة أوسعوا فی وضع الأحادیث .

فوضعوا حدیث الطوق الحدید الّذی زعموا أنه قتله فی عنق خالد .

و حدیث اللّوح الذى زعموا أنّه كان فی غدائر الحنفیة أمّ محمّد و حدیث : لا یفعل خالد ما امر به .

و حدیث الصحیفة علّقت عام الفتح بالكعبة .

و حدیث الشیخ الّذی صعد المنبر یوم بویع أبو بكر فسبق الناس إلى بیعته و أحادیث مكذوبة كثیرة تقتضى نفاق قوم من أكابر الصحابة و التابعین الأوّلین و كفرهم و على أدون الطبقات فسقهم .

فقابلتهم البكریّة بمطاعن كثیرة فی علىّ و فی ولدیه ، و نسبوه تارة إلى ضعف

[ 45 ]

العقل ، و تارة إلى ضعف السیاسة ، و تارة إلى حب الدّنیا و الحرص علیها ، و لقد كان الفریقان فی غنیة عمّا اكتسباه و اجترحاه .

أقول : و لقد أجاد الشارح فیما نقل و أفاد إلاّ أنّ ما قاله أخیرا فی ذیل قوله :

و اعلم أنّ أصل الأكاذیب فی أحادیث الفضائل إلى آخر كلامه غیر خال من الوهم و الخبط .

و ذلك أنّا لا ننكر صدور بعض المفتریات و الأحادیث الموضوعة من غلاة الشیعة و جهّالهم و ممّا لا مبالاة له فی الدّین كما صدر أكثر كثیر من هذه من علماء العامّة و جهّالهم و أكابرهم و أصاغرهم حسبما تعرفه فی التّنبیه الآتى إنشاء اللّه تعالى .

لكن الأحادیث الخاصیّة التی أشار إلیها بخصوصها من حدیث السطل و الرمانة و غزوة الجنّ و غسل سلمان و الجمجمة و حدیث الطوق و اللوح و الصحیفة الملعونة و الشیخ الّذى سبق إلى بیعة أبی بكر لا دلیل على وضع شی‏ء منها ، بل قد روى بعضها المخالف و الموافق جمیعا كحدیث السطل .

فقد رواه السید المحدّث الناقد البصیر السیّد هاشم البحرانی فی كتاب غایة المرام فی الباب السابع و التسعین منه بأربعة طرق من طرق العامّة ، و فی الباب الثامن و التسعین منه بأربعة طرق من طرق الخاصّة .

و قد روى حدیث الرّمانة أیضا فی الباب السابع عشر و مأة منه بطریق واحد من طرق العامة ، و فی الباب الذى یتلوه بطریق واحد أیضا من طرق الخاصة .

و أمّا حدیث غزوة الجنّ فقد مضى روایته فی شرح الفصل الثامن من الخطبة المأة و الاحدى و التسعین ، و قد رواه الشیخ المفید « قد » فی الارشاد بنحو آخر .

و لعلّ زعم الشارح وضعه مبنىّ على اصول المعتزلة و لقد أبطله المفید فی الارشاد فانّه بعد ما قال فی عداد ذكر مناقب أمیر المؤمنین علیه السّلام و من ذلك ما تظاهر به الخبر من بعثه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى وادى

[ 46 ]

الجنّ و قد أخبره جبرئیل علیه السّلام أنّ طوایف منهم قد اجتمعوا لكیده فاغنى عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كفى اللّه المؤمنین به كیدهم و دفعهم عن المسلمین بقوّته الّتی بان بها عن جماعتهم ثمّ روى الحدیث عن محمّد بن أبى السرى التمیمى عن أحمد بن الفرج عن الحسن بن موسى النّهدى عن أبیه عن وبرة بن الحرث عن ابن عباس و ساق الحدیث إلى آخره قال بعد روایته ما هذا لفظه :

و هذا الحدیث قد روته العامّة كما روته الخاصة ، و لم یتناكروا شیئا منه و المعتزلة لمیلها إلى مذهب البراهمة تدفعه و لبعدها عن معرفة الأخبار تنكره و هی سالكة فی ذلك طریق الزّنادقة فیما طعنت به فی القرآن و ما تضمنه من أخبار الجنّ و ایمانهم باللّه و رسوله و ما قصّ اللّه من نبائهم فی القرآن فی سورة الجنّ و قولهم إنّا سمعنا قرآنا عجبا یهدى إلى الرّشد فآمنّا به إلى آخر ما تضمّنه الخبر عنهم فی هذه السّورة و إذا بطل اعتراض الزّنادقة فی ذلك بتجویز العقول وجود الجنّ و إمكان تكلیفهم و ثبوت ذلك مع إعجاز القرآن و الاعجوبة الباهرة فیه كان مثل ذلك ظهور بطلان طعون المعتزلة فى الخبر الّذى رویناه ، لعدم استحالة مضمونه فی العقول و فی مجیئه من طریقین مختلفین و بروایة فریقین فی دلالته متباینین برهان صحّته و لیس إنكار من عدل عن الانصاف فی النّظر من المعتزلة و المجبّرة قدح فیما ذكرناه من وجوب العمل علیه .

كما أنّه لیس فی جحد الملاحدة و أصناف الزنادقة و الیهود و النّصارى و المجوس و الصابئین ما جاء صحّته من الأخبار بمعجزات النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كانشقاق القمر و حنین الجذع و تسبیح الحصى فی كفّه و شكوى البعیر و كلام الذّراع و مجیئ الشّجرة و خروج الماء من بین أصابعه فى المیضاة و إطعام الخلق الكثیر من الطعام القلیل قدح فى صحّتها و صدق رواتها و ثبوت الحجّة بها .

بل الشّبهة لهم فى دفع ذلك و إن ضعفت أقوى من شبهة منكرى معجزات

[ 47 ]

أمیر المؤمنین علیه السّلام و براهینه لما لا خفاء علیها و على أهل الاعتبار به مما لا حاجة إلى شرح وجوهه فى هذا المكان .

ثمّ قال قدّس اللّه روحه بعد جملة من الكلام :

و لا زال أجد الجاهل من الناصبة و المعاند یظهر التعجّب من الخبر بملاقات أمیر المؤمنین علیه السّلام الجنّ و كفّه شرّهم عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أصحابه و یتضاحك لذلك و ینسب الرّوایة له إلى الخرافات الباطلة ، و یضع مثل ذلك فى الأخبار الواردة بسوى ذلك من معجزاته علیه السّلام و یقول : إنه من موضوعات الشیعة و تخرّص من افتراه منهم للتكسب بذلك أو التعصّب .

و هذا بعینه مقال الزّنادقة كافّة و أعداء الاسلام فیما نطق به القرآن من خبر الجنّ و إسلامهم فى قوله تعالى إنّا سمعنا قرآنا عجبا یهدى إلى الرّشد و فیما ثبت به الخبر عن ابن مسعود فی قصّة لیلة الجنّ و مشاهدته لهم كالزّط ، و فی غیر ذلك من معجزات الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و أنّهم یظهرون التعجّب من جمیع ذلك و یتضاحكون عند سماع الخبر به و الاحتجاج بصحّته و یستهزؤن و یلغطون 1 فیما یسرفون به من سبّ الاسلام و أهله و استحماق معتقدیه و الناصرین له و نسبتهم إیّاهم إلى العجز و الجهل ، و وضع الأباطیل .

فلینظر القوم ما جنوه على الاسلام بعداوتهم لأمیر المؤمنین علیه السّلام و اعتمادهم فی دفع فضایله و مناقبه و آیاته على ما ضاهوا به أصناف الزّنادقة و الكفّار ممّا یخرج عن طریق الحجاج إلى أبواب الشغب و المسافهات ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و بذلك كلّه ظهر أیضا فساد زعم وضع حدیث بیعة الشیّطان لأبی بكر و ظهوره بصورة شیخ و صعوده المنبر و سبقته إلى البیعة حسبما عرفت روایته تفصیلا فی المقدّمة الثانیة من مقدّمات الخطبة الثّالثة المعروفة بالشّقشقیّة .

إذ الظاهر أنّ زعم وضعه أیضا مبنیّ على استبعاد ظهوره بصورة إنسان ،

و یدفع ذلك ما اجتمع علیه أهل القبلة من ظهوره لأهل دار النّدوة بصورة شیخ

-----------
( 1 ) لغط فى الكلام قال ما لا یفهم معناه ، منه .

[ 48 ]

من أهل نجد و اجتماعه معهم فی الرّأى على المكر برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ظهوره یوم بدر للمشركین فی صورة سراقة بن جعثم « جعشم » المدلجى و قوله « لا غالب لكم الیوم من النّاس و إنّى جار لكم » قال اللّه عزّ و جلّ « فلمّا ترائت الفئتان نكص على عقبیه و قال إنّى برى‏ء منكم إنى أرى ما لا ترون إنّى أخاف اللّه و اللّه شدید العقاب » و أما سایر الأحادیث فلا استبعاد بشى‏ء منها حتى یزعم وضعها ، و قد أتى آصف ابن برخیا الذى عنده علم من الكتاب بعرش بلقیس بطىّ الأرض من مكان بعید فى طرفة عین فكیف یستبعد فی حقّ أمیر المؤمنین علیه السّلام الذى عنده علم الكتاب كلّه حسبما عرفت فى غیر موضع من تضاعیف الشرح حضوره علیه السّلام بطىّ الأرض عند جنازة سلمان مع اختصاصه الخاصّ به علیه السّلام و فوزه درجة السلمان منّا أهل البیت .

و قد قال علیه السّلام و هو أصدق القائلین فى حال حیاته ما رواه عنه المخالف و المؤالف :

یا حار همدان من یمت یرنى
من مؤمن أو منافق قبلا

و بالجملة فالأخبار المذكورة لیس على وضعها دلیل من جهة العقل ، و لا من جهة النقل فدعواه مكابرة محضة ، فباللّه التوفیق و علیه التكلان 1 . المجلد السابع من منهاج البراعة فى شرح نهج البلاغة

الثالث

فی جملة من الأخبار الموضوعة فأقول :

أما الأخبار الخاصیة

فقد دسّ فیها بعض الأخبار الموضوعة وضعها الغلاة و المغیریّة و الخطابیّة و الصّوفیة و أمثالهم من أهل الفساد فی العمل و الاعتقاد ، و من ذلك اهتمّ علماؤنا الأخیار غایة الاهتمام بحفظ الأخبار و ضبطها و نقدها و تمیز غثّها من سمینها و صحیحها

-----------
( 1 ) هنا آخر المجلّد السادس على ما فى الطبعة الأولى .

[ 49 ]

من سقیمها ، و قسّموها إلى الصحیح و الموثّق و الحسن و الضّعیف ، و صنّفوا كتبا فی علم الدّرایة و علم الرّجال ، و قد أشیر إلى ما ذكرنا فی مؤلفات أصحابنا و أخبار أئمّتنا سلام اللّه علیهم .

و ارشدك إلى بعض ما رواه فی البحار من رجال الكشی عن محمّد بن قولویه و الحسین بن الحسن بن بندار معا عن سعد عن الیقطینی عن یونس بن عبد الرّحمن انّ بعض أصحابنا سأله و أنا حاضر فقال له : یا با محمّد ما أشدّك فی الحدیث و أكثر إنكارك لما یرویه أصحابنا ، فما الّذى یحملك على ردّ الأحادیث ؟ فقال : حدّثنی هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : لا تقبلوا علینا حدیثا إلاّ ما وافق القرآن و السنّة أو تجدون معه شاهدا من أحادیثنا المتقدّمة ، فانّ المغیرة بن سعید لعنه اللّه دسّ فی كتب أصحاب أبی أحادیث لم یحدّث بها أبی فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علینا ما خالف قول ربّنا تعالى و سنّة نبیّنا محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فانا إذا حدّثنا قلنا : قال اللّه عزّ و جلّ ، و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، قال یونس : وافیت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبی جعفر علیه السّلام و وجدت أصحاب أبیعبد اللّه علیه السّلام متوافرین ، فسمعت منهم و أخذت كتبهم فعرضتها بعد على أبى الحسن الرّضا علیه السّلام فأنكر منها أحادیث كثیرة أن یكون من أحادیث أبیعبد اللّه علیه السّلام ، و قال لی : إنّ أبا الخطاب كذب على أبیعبد اللّه علیه السّلام فلا تقبلوا علینا خلاف القرآن ، فانّا إن حدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن و موافقة السنّة إنّا عن اللّه تعالى و عن رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نحدّث ، و لا نقول قال فلان و فلان فیتناقض كلامنا إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا و كلام أوّلنا مصداق لكلام آخرنا ، و إذا أتاكم من یحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه علیه و قولوا أنت أعلم و ما جئت به ، فانّ مع كلّ قول منّا حقیقة و علیه نور ، فما لا حقیقة معه و لا نور علیه فذلك قول الشیّطان .

و فى البحار أیضا عن الكشی بهذا الاسناد عن یونس عن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : كان المغیرة بن سعید یتعمّد الكذب على أبی و یأخذ كتب أصحابه ، و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبی یأخذون الكتب من أصحاب أبی فیدفعونها إلى المغیرة ، فكان یدسّ فیها الكفر و الزّندقة و یسندها إلى أبی

[ 50 ]

ثمّ یدفعها إلى أصحابه فیأمرهم أن یبثّوها فی الشّیعة ، فكلّما كان فی كتب أصحاب أبى من الغلوّ فذاك مما دسّه المغیرة بن سعید فی كتبهم .

و فیه أیضا عن الكشّی باسناده عن زرارة قال : قال یعنی أبا عبد اللّه علیه السّلام :

إنّ أهل الكوفة نزل فیهم كذّاب ، أمّا المغیرة فانّه یكذب على أبی یعنى أبا جعفر قال : حدّثه أنّ نساء آل محمّد إذا حضن قضین الصّلاة ، و ان و اللّه علیه لعنة اللّه ما كان من ذلك شی‏ء و لا حدّثه ، و أمّا أبو الخطاب فكذب علیّ و قال : إنّی أمرته أن لا یصلّی هو و أصحابه المغرب حتّى یروا كواكب كذا ، فقال القندانی : و اللّه إن ذلك لكوكب لا نعرفه .

و أما الاخبار العامیة

فالموضوعة فیها أكثر من أن تحصى ، و قد تقدّم الاشارة إلى بعضها فی التنبیهات السابقة من الشهید و الشّارح المعتزلی و سبق بعضها فی شرح الكلام السّابق ، و وقعت الاشارة إلى جملة منها فیما رواه فی الاحتجاج .

قال : و روى أنّ المأمون بعد ما زوّج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر علیه السّلام كان فی مجلس و عنده أبو جعفر علیه السّلام و یحیى بن اكثم و جماعة كثیرة .

فقال له یحیى بن اكثم : ما تقول یا ابن رسول اللّه فی الخبر الّذی روی أنّه نزل جبرئیل على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : یا محمّد إنّ اللّه یقرؤك السلام و یقول لك : سل أبا بكر هل هو عنّى راض فانّی راض عنه .

فقال أبو جعفر علیه السّلام : إنّى لست بمنكر فضل أبی بكر و لكن یجب على صاحب هذا الخبر أن یأخذه مثل الخبر الّذی قاله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حجّة الوداع : قد كثرت علىّ الكذّابة و استكثر فمن كذب علىّ متعمّدا فلیتبوّء مقعده من النار ،

فاذا أتاكم الحدیث فاعرضوه على كتاب اللّه و سنّتى فما وافق كتاب اللّه و سنّتى فخذوا به ، و ما خالف كتاب اللّه و سنّتى فلا تأخذوا به ، و لیس یوافق هذا الحدیث كتاب اللّه قال اللّه تعالى : و لقد خلقنا الانسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إلیه من حبل الورید فاللّه تعالى خفى علیه رضا أبی بكر من سخطه حتّى سأل عن مكنون