[ 70 ]

لحملها كما أشار إلیه بقوله ( قد ذلّ ) و انقاد ( لأمره ) عزّ و جلّ ( و أذعن ) و خضع ( لهیبته ) و جلاله ( و وقف الجارى منه لخشیته ) أى وقف السائل بالطبع فوقوفه عدم جریانه طبعا بارادته سبحانه أو السائل منه قبل إرادته .

( و جبل جلامیدها ) أى خلق سبحانه صخور الأرض الصّلبة العظیمة ( و نشوز متونها و أطوادها ) أى مرتفعات صلبتها و جبالها ( فأرساها فی مراسیها ) أى أثبت هذه الجلامید و الأطواد فی مواضعها المعیّنة الّتی اقتضت الحكمة الالهیّة إثباتها فیها ( و ألزمها قرارتها ) أى أمسكها حیث استقرّت ( فمضت رؤوسها فی الهواء و رست ) أى رسبت و ثبتت ( اصولها فی الماء ) الّذى بین أجزاء الأرض ( فانهد جبالها عن سهولها ) أى رفع جبال الأرض و أعلاها عن أراضیها المطمئنّة ( و أساخ قواعدها فی متون أقطارها ) أى غیّب قواعد الجبال فی جوانب أقطار الأرض ( و ) فی ( مواضع انصابها ) و أعلامها ( فاشهق قلالها و أطال انشازها ) أى جعل قلالها مرتفعة عالیة و اطالة الأنشاز مؤكّدة لها كما قال تعالى و جعلنا فیها رواسی شامخات .

( و جعلها ) أى الجبال ( للأرض عمادا ) قیل المراد جعلها مواضع رفیعة فی الأرض و الظّاهر أنّ المراد به ما أوضحه بقوله ( و أرزّها فیها أوتادا ) أى أثبتها فی الأرض حالكونها بمنزلة الوتد لها تمنعها من الحركة و الاضطراب كالسّفینة إذا القى فیها جسم ثقیل .

( فسكنت على حركتها ) الّتى هى من شأنها لكونها محمولة على سائل متموّج أو على أثر حركتها یتموّج الماء ( من أن تمید ) و تضطرب ( بأهلها ) كما قال تعالى و ألقى فی الأرض رواسی أن تمید بكم و قال و جعلنا فی الأرض رواسى أن تمید بهم أى لئلاّ تمید أو كراهة أن تمید قیل : إنّ الأرض كانت تمید و ترجف رجوف السّقف بالوطی‏ء فثقّلها بالجبال الرّواسی لیمنع من رجوفها ، و قد تقدّم فی شرح الفصل الثّالث من الخطبة الاولى بیان الاختلاف فی كیفیّة كون الجبال سببا لسكون الأرض فلیراجع ثمّة .

و من جملة الوجوه الّتی قیل فی ذلك : إنّ المراد بالأرض قطعاتها و بقاعها

[ 71 ]

لا مجموع كرة الأرض ، و یكون الجبال أوتادا لها أنّها مانعة لها عن المیدان و الاضطراب بالزّلزلة و نحوها إمّا لحركة البخارات المختنقة فی داخلها بإذن اللّه تعالى أو لغیر ذلك من الأسباب الّتی یعلمها مبدعها و منشئها ، قال المحدّث العلامة المجلسى قدّس سرّه : و هذا وجه قریب یؤیّده ما سیأتی فی باب الزّلزلة من حدیث ذى القرنین .

و قوله ( أو تسیخ بحملها ) أى تغوص فی الماء مع ما علیها ( أو تزول عن مواضعها ) قال الشّارح المعتزلی :

فان قلت : ما الفرق بین الثّلاثة تمید بأهلها أو تسیخ بحملها أو تزول عن مواضعها ؟

قلت : لأنّها لو تحرّكت لكانت إمّا على مركزها أولا على مركزها ، و الأوّل هو المراد بقوله تمید بأهلها ، و الثّانی ینقسم إلى أن تنزل إلى تحت أو لا تنزل إلى تحت ، فالنّزول إلى تحت هو المراد بقوله أو تسیخ بحملها ، و الثّانی هو المراد بقوله أو تزول عن مواضعها .

و قال المحدّث العلامة المجلسی : و یحتمل أن یراد بقوله علیه السّلام : تمید بأهلها تحرّكها و اضطرابها بدون الغوص فی الماء كما یكون عند الزلزلة ، و بسوخها بحملها حركتها على وجه یغوص أهلها فی الماء سواء كانت على المركز أم لا فتكون الباء للتّعدیة ، و بزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرّیاح و السّیول أو بتفرّق القطعات و انفصال بعضها عن بعض ، فانّ الجبال كالعروق السّاریة فیها تضبطها عن التّفرّق ، و یؤیّده ایراد المواضع بلفظ الجمع ، هذا .

و لمّا نبّه علیه السّلام على كمال اقتداره تعالى و جلاله و عظمته فی خلق الأرض و الجبال مضافا إلى خلق السّماء أردفه بتنزیهه على ذلك و قال :

( فسبحان من أمسكها ) أى الأرض بقدرته ( بعد موجان میاهها ) قال فی البحار : لعلّ المراد بهذا الموجان ما كان غامرا للأرض أو أكثرها و امساكها بخلق الجبال الّتی تقدّم فی الكلام ( و أجمدها بعد رطوبة اكنافها ) أى جوانبها لمیدانها

[ 72 ]

قبل خلق الجبال و قول الشّارح البحرانی : بأنّه اشارة إلى أنّ أصلها من زبد الماء لیس بشی‏ء .

و قوله علیه السّلام ( فجعلها لخلقه مهادا ) كقوله تعالى فی سورة النّبأ ألم نجعل الأرض مهاداً أى وطاء و قرارا و مهیاء للتّصرّف فیه من غیر أذیة ، و فی سورة طه الّذى جعل لكم الأرض مهداً و سلك لكم فیها سبلا و فی سورة الزّخرف الّذى جعل لكم الأرض مهداً و جعل لكم فیها سبلا لعلّكم تهتدون أى كالمهد تتمهّدونها و قوله علیه السّلام ( و بسطها لهم فراشا ) كقوله عزّ و جلّ فی سورة البقرة الّذى جعل لكم الأرض فراشا و السّماء بناء و فی سورة نوح الّذى جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلا فجاجاً قال بعض المفسّرین : الفراش اسم لما یفرش كالبساط لما یبسط و لیس من ضرورات الافتراش أن یكون مسطحا مستویا كالفراش على ما ظنّ ، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غیر مستنكر و لا مدفوع لعظم جرمها و تباعد أطرافها و لكنّه لا یتمّ الافتراش علیها ما لم تكن ساكنة فی حیزها الطبیعی و هو وسط الأفلاك لأنّ الأثقال بالطبع تمیل إلى تحت كما أنّ الخفاف بالطبع تمیل إلى فوق و الفوق من جمیع الجوانب ما یلى السّماء و التحت ما یلى المركز ، فكما أنّه یستبعد حركة الأرض فیما یلینا إلى جهة السماء فكذلك یستبعد هبوطها فى مقابل ذلك ، لأنّ ذلك الهبوط صعود أیضا إلى السّماء ، فاذا لا حاجة فى سكون الأرض و قرارها فى حیّزها إلى علاقة من فوقها ، و لا إلى دعامة من تحتها ، بل یكفى فى ذلك ما أعطاها خالقها و ركز فیها من المیل الطبیعى إلى الوسط الحقیقى بقدرته و اختیاره .

و قوله علیه السّلام ( فوق بحر لجّى ) كثیر الماء ( راكد لا یجرى ) اى ساكن لا یجرى إلى أحد الجوانب ( و قائم ) أى ثابت ( لا یسرى ) عن مكانه و ذلك لملازمة مركزه على حذو ما عرفت آنفا فى بیان فراشیّة الأرض ( تكركره ) أى تردّده و تكرّره ( الرّیاح العواصف ) الشّدیدة ( و تمخضه الغمام الذّوارف ) أى تحرّكه السّحاب المواطر و ذلك لأنّ الحرّ إذا وقع فیه المطر یرتجّ و یتمخّض و یضطرب كثیرا لتحریك

[ 73 ]

انضباب المطر بكثرة و قوّة له و لمّا ذكر علیه السّلام عظیم قدرته عزّ و جلّ فى خلق السّماء و الأرض و الجبال و الماء اتبعه بقوله علیه السّلام ( انّ فى ذلك لعبرة لمن یخشى ) أى فیما قدّمناه من آثار القدرة و دلائل الجبروت و العظمة اعتبار لمن خشى ربّه ، و إنّما خصّه به لأجل أنّ عدم الخشیة یوجب عدم المبالات بالعبر و الالتفات إلیها ، و المراد بمن یخشى العلماء بمقتضى الحصر الوارد فى قوله تعالى إنما یخشى اللّه من عباده العلماء و تخصیص الخشیة بهم لأنّ شرطها معرفة المخشى و العلم بصفاته و أفعاله و قدرته و قهره فمن كان أعلم به كان أخشى منه ، اللّهم ارزقنا هذه المرتبة .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرتست در اشاره بعجایب قدرت مى‏فرماید :

و هست از قدرت و توانائى سلطنت آفریدگار و عجایب صنعتهاى لطیفه او اینكه خلق فرمود از آب دریاى بسیار موج زننده بر هم نشسته پر صدا زمین خشك بى رطوبت را ، پس از آن خلق فرمود از بخار آن آب طبقاتى بر روى هم چیده ، پس جدا ساخت آن طبقات را هفت آسمان بعد از جمع بودن و یكجا بودن آنها ، پس بایستادند بفرمان او وقایم شدند باندازه مقرّره او در حالتى كه بر میدارد آن زمین را آب كبود سیلان كننده ، و دریاى مسخّر شده در تحت قدرت در حالتى كه ذلیل بود از براى امر او ، و منقاد بود به هیبت و جلال او ، و ایستاد و ساكن گشت جارى از آن آب از ترس حكم او ، و خلق فرمود سنگهاى زمین را و بلند پستهاى آنرا ، و كوههاى آنرا پس برقرار گردانید آنها را در قرارگاههاى آنها ، و لازم گردانید آنها را در جاى ثبات آنها پس گذر كرد سرهاى آنها در هوا ، و فرو رفت بیخهاى آنها در آب دریا پس بلند گردانید كوههاى زمین را از هموارى زمین ، و فرو برد اساس آنها را در پشتهاى اطراف آن و در مواضع علامتهاى آن ، پس بلند كرد سرهاى كوهها را ، و دراز گردانید بلند

[ 74 ]

شدن از زمین آنها را ، و گردانید آن كوهها را از براى زمین ستون ، و فرو گرفت آنها را در زمین در حالتى كه میخهاى زمین بودند ، پس ساكن شد زمین از حركت خود از اینكه بلرزاند أهل خود را ، یا اینكه فرو برد حمل خود را ، یا اینكه زایل گردد از مواضع خود .

پس تنزیه میكنم تنزیه كردنى كسى را كه نگاه داشت زمین را بعد از موج زدن آبهاى آن ، و خشك گردانید آنرا بعد از تر بودن اطراف آن ، پس گردانید آن را از براى مخلوقات خود آرام گاه و گسترانید آنرا از براى ایشان فرش و بساط بالاى دریاى بزرگ انبوه ساكن غیر جارى و قائم غیر سارى در حالتى كه بر گرداند و بهم میزند آنها دریا را بادهاى تند وزنده و حركت میدهد آنرا ابرهاى ریزنده ،

بتحقیق كه در این دلائل قدرت و عظمت عبرتیست از براى كسى كه بترسد از خدا .

[ 212 ] و من خطبة له ع كان یستنهض بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام فی زمانه

اَللَّهُمَّ أَیُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا اَلْعَادِلَةَ غَیْرَ اَلْجَائِرَةِ وَ اَلْمُصْلِحَةَ غَیْرَ اَلْمُفْسِدَةِ فِی اَلدِّینِ وَ اَلدُّنْیَا فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلاَّ اَلنُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ وَ اَلْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِینِكَ فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَیْهِ یَا أَكْبَرَ اَلشَّاهِدِینَ شَهَادَةً وَ نَسْتَشْهِدُ عَلَیْهِ جَمِیعَ مَا أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَ سمَاوَاتِكَ ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ اَلْمُغْنِی عَنْ نَصْرِهِ وَ اَلْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأتان و الحادیة عشر من المختار فى باب الخطب

أللّهمّ أیّما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غیر الجائرة ، و المصلحة غیر المفسدة ، فی الدّین و الدّنیا ، فأبى بعد سمعه لها إلاّ النّكوص عن نصرتك ، و الإبطآء عن إعزاز دینك ، فإنّا نستشهدك علیه یا أكبر الشّاهدین ، و نستشهد علیه جمیع من أسكنته أرضك و سماواتك ،

ثمّ أنت البعد المغنی عن نصره و الاخذ له بذنبه .

اللغة

( المصلحة ) بضمّ المیم اسم فاعل من باب الافعال و كذلك المفسدة و ( نكص )

[ 75 ]

عن الأمر نكصا و نكوصا تكاء كأ عنه و جبن و أحجم ، و على عقبیه رجع عمّا كان علیه من خیر قال الفیروز آبادى خاصّ بالرّجوع عن الخیر ، و وهم الجوهرى فی اطلاقه أو فی الشرّ نادرا

الاعراب

ما فی أیّما زایدة للتّاكید ، و غیر منصوب على الحالیّة أو الوصفیّة ، و قوله :

فی الدّین ، متعلّق بالمصلحة ، و قوله : إلاّ النّكوص ، استثناء مفرّغ

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة كما نبّه علیه الشارح البحرانی ملتقطة من خطبة كان یستنهض بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام .

قال بعد تقاعد أكثرهم عن صوته منادیا للّه عزّ و جلّ ( اللّهم أیّما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة ) أی قولنا المتّصف بالعدل ، و فی وصفه به توسّع ، و قال الشارح البحرانى العادلة المستقیمة الّتی هی طریق اللّه العایدة للنّاس إلى الرّشاد فی دینهم و دنیاهم ، و ما قلناه أولى .

و انّما وصفه علیه السّلام بالعدل ، لأنّ استنهاضه إلى جهاد أهل الشّام إنّما كان من باب الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر مع فیه من الامتثال لنصّ قوله تعالى « فان بغت احدیهما على الاخرى فقاتلوا الّتی تبغی حتّى تفى‏ء إلى أمر اللّه » و قد كان علیه السّلام متّصفا بالعدل فی جمیع أقواله و أفعاله كما یشهد به قوله تعالى و كذلك جعلناكم امّة وسطا أى أئمة عدلا على ما ورد فی تفسیر أهل البیت علیهم السّلام و قوله تعالى و ممّن خلقنا امّة یهدون بالحقّ و به یعدلون .

روى فی البحار عن العیاشی عن حمران عن أبى جعفر علیه السّلام فى هذه الآیة قال علیه السّلام : هم الأئمّة علیهم السّلام .

و فیه من الكافى عن الحسین بن محمّد عن المعلّى عن الوشا عن عبد اللّه بن سنان قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ و ممّن خلقنا امة الآیة قال : هم الأئمة صلوات اللّه علیهم .

و یشهد به أیضا ما فى البحار من تفسیر علىّ بن إبراهیم فى قوله « ضرب اللّه

[ 76 ]

مثلا رجلین أحدهما أبكم لا یقدر على شى‏ء و هو كلّ على مولاه أینما یوجّهه لا یات بخیر هل یستوى هو و من یأمر بالعدل و هو على صراط مستقیم » قال علیه السّلام كیف یستوى هذا و هذا الذى یأمر بالعدل یعنى أمیر المؤمنین و الأئمة علیه و علیهم السّلام ، هذا و انّما عقّب بقوله ( غیر الجائرة ) إما تاكیدا أو من باب الاحتراس الّذى تقدّم فى دیباجة الشرح فى ضمن المحاسن البدیعیّة ، فانّه لمّا وصف مقالته بالعدل و كان هنا مظنّة أن یتوهّم أنّ عدالتها إنّما یتصوّر فى حقّ أهل الكوفة و أمّا فى حقّ أهل الشّام فلا ، لأنّ الاستنهاض إلى حربهم و سفك دمائهم جور فى حقهم و ظلم علیهم فكیف یكون عدلا ، فدفع ذلك التوّهم بقوله : غیر الجائرة ، تنبیها على أنّ محاربتهم من باب النهى عن المنكر و الرّدع لهم عن متابعة معاویة و منعهم عن الایتمام بالامام الباطل و ردعه عن ظلمه و طغیانه و دعویه الخلافة من غیر استحقاق ،

و هذا فرض شرعا فلا یكون جورا بل عین العدل و اللّطف ، هذا .

مضافا إلى ما فیه من التعریض على معاویة حیث إنّ حضّه لأهل الشّام على حرب أهل الكوفة و حربه علیه السّلام محض الجور و العدوان ، لأنّه من باب الأمر بالمنكر و النهى عن المعروف ، و أىّ جور أعظم من ذلك .

أمّا فى حقّ أهل الشام فلأنه یدعوهم بذلك التحضیض إلى النار .

و أما فى حقّ أهل الكوفة فلردعهم عن الایتمام بالامام الحقّ و إرادة دفعه عن مقامه الذى یستحقّه و ایهام أنّ الحقّ معه لمطالبته بدم عثمان المظلوم كما قال تعالى و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا علیه آبائنا و اللّه أمرنا بها قل انّ اللّه لا یأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون .

روى فى البحار من كتاب الغیبة للنغمانى عن الكلینى باسناده عن محمّد بن منصور قال : سألته یعنى أبا عبد اللّه علیه السّلام عن هذه الآیة قال علیه السّلام فهل رأیت أحدا زعم أنّ اللّه أمر بالزّنا و شرب الخمر أو شى‏ء من هذه المحارم ؟ قلت : لا ، قال علیه السّلام : فما هذه الفاحشة التى یدّعون ان اللّه أمرهم بها ؟ قلت : اللّه أعلم و ولیه ، قال علیه السّلام : فان هذا فى أولیاء أئمة الجور ادّعوا أنّ اللّه أمرهم بالایتمام بهم فردّ اللّه ذلك علیهم

[ 77 ]

و أخبرهم أنهم قالوا علیه الكذب و سمّى ذلك منهم فاحشة و فیه من تفسیر علىّ بن إبراهیم بسنده عن طلحة بن زید عن جعفر بن محمّد علیهما السّلام عن أبیه قال : الأئمة فى كتاب اللّه إمامان قال اللّه و جعلنا منهم أئمّة یهدون بأمرنا لا بأمر الناس یقدّمون أمر اللّه قبل أمرهم و حكم اللّه قبل حكمهم ، قال : « و جعلناهم أئمّة یدعون إلى النار » یقدّمون أمرهم قبل أمر اللّه و حكمهم قبل حكم اللّه ، و یأخذون بأهوائهم خلافا لما فى كتاب اللّه .

و الحاصل انه علیه السّلام بمقتضى ملكة العصمة التى فیه إنما یأمر بالعدل و الاحسان و ینهى عن الفحشاء و المنكر و البغى تبعا لأمر اللّه ، لأنه و الأئمة من صلبه علیهم السّلام محالّ مشیّة اللّه و ما یشاؤون إلاّ أن یشاء اللّه و هم بأمره یعملون .

و قوله علیه السّلام ( و المصلحة غیر المفسدة فى الدّین و الدّنیا ) أى فیها صلاح حال السامعین فى الدارین و انتظام امورهم فى النشأتین .

أما فى الآخرة فلأنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أولیائه و هو لباس التقوى و درع اللّه الحصینة و جنّته الوثیقة ، حسبما عرفته فى الخطبة السابعة و العشرین ، ففى نهوضهم إلى قتال القاسطین عقیب استنهاضه علیه السّلام امتثال لأمر اللّه ،

إعزاز الدین اللّه ، تحصیل لرضوان اللّه تعالى شأنه ، و فى تقاعدهم عنه سخط عظیم و عذاب ألیم .

و أما فى الدّنیا فلأنّ مبارزة الأقران من عادة الأبطال و الشجعان و المنع من الذمار من آثار الفتوّة و شعار المروّة و المجاهد فى سبیل اللّه ینتظر من اللّه إحدى الحسنیین إمّا الظفر و الغنیمة أو الشهادة الموجبة للذكر الجمیل و الثناء الباقى ،

و النكوص عن الجهاد محصّل للخذلان معقّب للهوان و عار فى الأعقاب و نار یوم الحساب ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذلّ و شمله البلاء و دیّث بالصغار و القماء هذا و تعقیب المصلحة بغیر المفسدة إما من باب التأكید أیضا أو تعریضا على الطرف المقابل أعنى معاویة اللّعین الذى كان یستنهضهم إلى حربه ، فانّ نظر ذلك اللّعین فى جمیع مقالاته و كلماته لم یكن إلاّ إلى شقّ عصا الاسلام و إفساد حال المسلمین و هدم

[ 78 ]

أركان الدین ، و لذلك قال : علیه الصلاة و السلام فى الخطبة الثانیة و التسعین : ألا إنّ أخوف الفتن عندى علیكم فتنة بنى امیة فانها فتنة عمیاء مظلمة ، إلى آخر ما مرّ هناك .

و قوله علیه الصلاة و السلام ( فأبى بعد سمعه لها إلاّ النكوص عن نصرتك و الابطاء عن اعزاز دینك ) لا یخفى ما فى هذا الكلام من بدیع البیان و حسن التقریر و عجیب التعبیر ، حیث لم یقل فأبى بعد سمعه لها عن قبولها أو اجابتها ، بل عدل عنه إلى قوله : إلاّ النكوص آه للطافة معناه و بعد غوره و غزارة فحواه .

و ذلك لأنّ فی التعبیر بهذه من التنبیه على عظیم خطاء الممتنعین المتقاعدین عن قبول أمره علیه السّلام و مزید تقصیرهم و كبیر ذنبهم ما لا یخفى على الفطن الخبیر بمحسنات البیان .

أمّا أوّلا فلما مرّ من أنّ النكوص مخصوص بالرّجوع عن الخیر أو نادر الاستعمال فی الرّجوع عن الشرّ و على التقدیرین ففیه دلالة على أنّهم بتقاعدهم قد فوّتوا على أنفسهم الخیر الكثیر الّذى كان لهم عاجلا و آجلا .

و أمّا ثانیا فإنّ فی قوله : عن نصرتك دلالة على أنّهم بقتال القاسطین ناصرون للّه سبحانه كما أنّهم بترك القتال ناكصون عن نصرته ، و اللّه سبحانه یقول إن تنصروا اللّه ینصركم و یثبّت أقدامكم و قال و لینصرنّ اللّه من ینصره إنّ اللّه لقوىّ عزیز فلم یكن استنصاره من ضعف و ذلّ بل استنصرهم و له جنود السّماوات و الأرض لیبلوهم أیّهم أحسن عملا و لیعلم اللّه من ینصره و رسله بالغیب فیستوجب بالقتال ثواب الامتثال .

ثمّ فی اضافة النّصرة إلى كاف الخطاب إشارة إلى أنّ نصرته علیه السّلام هو نصرة اللّه ، لأنّ إطاعة الرّسول و إطاعة ولیّ الأمر هو إطاعة اللّه ، لكونهم مبلّغین عن اللّه و الآمر و النّاهى فى الحقیقة هو اللّه ، و لذلك قرن اللّه طاعتهم بطاعته فى قوله : و أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و أولى الأمر منكم بل جعل طاعتهم عین طاعته فى قوله من یطع الرّسول فقد أطاع اللّه و من تولّى فما أرسلناك علیهم حفیظا .

روى فى الصّافى عن العیاشى عن الباقر علیه السّلام قال : ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه

[ 79 ]

و باب الأشیاء و رضى الرّحمن الطّاعة للامام بعد معرفته ، ثمّ قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى یقول من یطع الرّسول فقد أطاع اللّه .

فانّ استشهاد الامام علیه السّلام لوجوب طاعة الامام بالآیة مفید لكون طاعته طاعة الرّسول كما أنّ طاعته طاعة اللّه .

و أمّا ثالثا فانّ قوله : و الابطاء عن إعزاز دینك تقریع شدید على المتقاعدین لافادته انّهم بتقاعدهم مذلّون للدین مضیّعون لمسالك الشّرع المبین ، فقد ظهر بما ذكرنا كلّه أنّ فى قوله علیه الصّلاة و السلام تحذیرا عظیما للمتقاعدین .

و اكّد ذلك الغرض بقوله علیه السّلام ( فانّا نستشهدك علیه ) حیث خالف أمرك و ترك نصرتك و أهان دینك ( یا أكبر الشاهدین ) الّذى لا یعزب عنه شى‏ء فى السّماء و الأرض و هو على كلّ شى‏ء شهید .

( و نستشهد علیه جمیع من أسكنته أرضك و سماواتك ) من الملائكة و الانس و الجنّ لیشهدوا یوم الدّین بأنّى ما قصرت و لا فرطت فى تبلیغ أمرك إلى المتخاذلین و لكنّهم تولّوا عنه معرضین ( ثمّ أنت البعد ) أى بعد تلك الشّهادة ( المغنى ) لنا ( عن نصره ) إذ بیدك جنود السماوات و الأرض و أنت لما تشاء قدیر و فى هذه الفقرة تعظیم لرّب العالمین و استحقار للمتخاذلین ( و الآخذ له بذنبه ) و فیه تحذیر عظیم لهم و تهدید شدید من سخطه و عقابه لكونه عزّ و جلّ شدید العقاب و أشدّ بأسا و أشدّ تنكیلا ،

لا یعجزه من طلب ، و لا یفوته من هرب ، نعوذ باللّه من سخطه و غضبه .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام أنام علیه السّلام است كه گفته .

بار الها هر كدام بنده از بندگان تو كه شنید گفتار با عدالت ما را كه ظلم كننده نیست و گفتار اصلاح كننده ما را كه افساد كننده نیست در دین و دنیا ، پس امتناع كرد بعد از شنیدن او مر آنرا مگر از برگشتن از یارى تو ، و تأخیر نمودن از اعزاز دین تو ، پس بدرستى كه ما شاهد مى‏گیریم تو را بر آن شخص أى بزرگترین شاهدها و شاهد میگیریم تو را و جمیع كسانى را كه ساكن فرموده ایشان را در زمین خود

[ 80 ]

و آسمانهاى خود ، پس تو بعد از آن شهادت غنى كننده از یارى او ، و مؤاخذه كننده او را بگناه و معصیت او ، و اللّه الهادی .