[ 214 ] و من خطبة له ع یصف جوهر الرسول و یصف العلماء و یعظ بالتقوى

وَ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ وَ حَكَمٌ فَصَلَ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ سَیِّدُ عِبَادِهِ كُلَّمَا نَسَخَ اَللَّهُ اَلْخَلْقَ فِرْقَتَیْنِ جَعَلَهُ فِی خَیْرِهِمَا لَمْ یُسْهِمْ فِیهِ عَاهِرٌ وَ لاَ ضَرَبَ فِیهِ فَاجِرٌ أَلاَ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَیْرِ أَهْلاً وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ یَقُولُ عَلَى اَلْأَلْسِنَةِ وَ یُثَبِّتُ اَلْأَفْئِدَةَ فِیهِ كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ صفة العلماء وَ اِعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُسْتَحْفَظِینَ عِلْمَهُ یَصُونُونَ مَصُونَهُ وَ یُفَجِّرُونَ عُیُونَهُ یَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلاَیَةِ وَ یَتَلاَقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ وَ یَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِیَّةٍ وَ یَصْدُرُونَ بِرِیَّةٍ لاَ تَشُوبُهُمُ اَلرِّیبَةُ وَ لاَ تُسْرِعُ فِیهِمُ اَلْغِیبَةُ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلاَقَهُمْ فَعَلَیْهِ یَتَحَابُّونَ وَ بِهِ یَتَوَاصَلُونَ فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ اَلْبَذْرِ یُنْتَقَى فَیُؤْخَذُ مِنْهُ وَ یُلْقَى قَدْ مَیَّزَهُ اَلتَّخْلِیصُ وَ هَذَّبَهُ اَلتَّمْحِیصُ العظة بالتقوى فَلْیَقْبَلِ اِمْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا وَ لْیَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا وَ لْیَنْظُرِ اِمْرُؤٌ فِی قَصِیرِ أَیَّامِهِ وَ قَلِیلِ مُقَامِهِ فِی مَنْزِلٍ حَتَّى یَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً فَلْیَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ وَ مَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ فَطُوبَى لِذِی قَلْبٍ سَلِیمٍ أَطَاعَ مَنْ یَهْدِیهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ یُرْدِیهِ وَ أَصَابَ سَبِیلَ اَلسَّلاَمَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ وَ طَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ وَ بَادَرَ اَلْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ وَ اِسْتَفْتَحَ اَلتَّوْبَةَ وَ أَمَاطَ اَلْحَوْبَةَ فَقَدْ أُقِیمَ عَلَى اَلطَّرِیقِ وَ هُدِیَ نَهْجَ اَلسَّبِیلِ


و من خطبة له علیه السّلام و هى المأتان و الثالثة عشر من المختار فى باب الخطب

و أشهد أنّه عدل عدل ، و حكم فصل ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و سیّد عباده ، كلّما نسخ اللّه الخلق فرقتین جعله فی خیرهما ، لم یسهم فیه عاهر ، و لا ضرب فیه فاجر .

ألا و إنّ اللّه قد جعل للخیر أهلا ، و للحقّ دعائم ، و للطّاعة عصما ،

و إنّ لكم عند كلّ طاعة عونا من اللّه یقول على الألسنة ، و یثبّت الأفئدة ، فیه كفاء لمكتف ، و شفاء لمشتف .

و اعلموا أنّ عباد اللّه المستحفظین علمه ، یصونون مصونه ،

و یفجّرون عیونه ، یتواصلون بالولایة ، و یتلاقون بالمحبّة ، و یتساقون بكأس رویّة ، و یصدرون بریة ، لا تشوبهم الرّیبة ، و لا تسرع فیهم

[ 88 ]

الغیبة ، على ذلك عقد خلقهم و أخلاقهم ، فعلیه یتحابّون ، و به یتواصلون ، فكانوا كتفاضل البذر ینتقى ، فیؤخذ منه و یلقى ، قد میّزه التّلخیص ، و هذّبه التّمحیص ، فلیقبل امرء كرامة بقبولها ،

و لیحذر قارعة قبل حلولها ، و لینظر امرء فی قصیر أیّامه ، و قلیل مقامه ،

فی منزل حتّى یستبدل به منزلا ، فلیصنع لمتحوّله ، و معارف منتقله ،

فطوبى لذی قلب سلیم أطاع من یهدیه ، و تجنّب من یزدیه ، و أصاب سبیل السّلامة بنصر من بصّره ، و طاعة هاد أمره ، و بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه ، و تقطع أسبابه ، و استفتح التّوبة ، و أماط الحوبة ،

فقد أقیم على الطّریق ، و هدی نهج السّبیل .

اللغة

( نسخت ) الكتاب نسخا من باب منع نقلته و انتسخته كذلك ، و نسخت الشّمس الظل أى أزالته قال ابن فارس : و كلّ شی‏ء خلف شیئا فقد انتسخه فیقال انتسخت الشمس الظلّ و الشّیب الشّباب أى أزاله و كتاب منسوخ و منتسخ منقول ، و النّسخة الكتاب المنقول و تناسخ الأزمنة و القرون تتابعها و تداولها ،

لأنّ كلّ واحد ینسخ حكم ما قبله و یثبت الحكم لنفسه ، و منه تناسخ المواریث لأنّ الارث لا یقسّم على حكم المیّت الأوّل بل على حكم الثانی و كذلك ما بعده .

و ( یسهم ) بالبناء على المفعول من اسهمت له أعطیته سهما أى نصیبا و ( عهر ) عهرا من باب تعب زنا و فجر فهو عاهر و عهر عهورا من باب قعد لغة و فی الحدیث :

الولد للفراش و للعاهر الحجر ، أى إنّما یثبت الولد لصاحب الفراش و هو الزّوج

[ 89 ]

و للعاهر الجنبة « الخیبة » و لا یثبت له نسب و هو كما یقال له التّراب أى الخیبة لأنّ بعض العرب كان یثبت النّسب من الزّنا فأبطله الشرع .

و ( الدّعامة ) بالكسر ما یستند به الحائط إذا مال یمنعه من السّقوط و الجمع دعائم كعمائم ، و یستعار بسیّد القوم فیقال هود عامة القوم كما یقال : هو عمادهم ،

و ( عصمه ) اللّه من المكروه من باب ضرب حفظه و وقاه ، و الاسم العصمة بالكسر و یجمع على عصم وزان عنب و جمع الجمع أعصم و عصمة و جمع جمع الجمع أعصام .

و ( كفى ) الشی‏ء یكفى كفایة فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غیره قال الشّارح المعتزلی : فیه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف ، الوجه فیه كفایة فانّ الهمز لا وجه له ههنا لأنّه من باب آخر و لكنّه أتى بالهمزة للازدواج بین كفاء و شفاء كما قالوا : الغدایا و العشایا ، و كما قال علیه السّلام ، مأزورات غیر مأجورات ، تأتى بالهمزة و الوجه الواو للازدواج .

و ( الولایة ) بفتح الواو المحبّة و النّصرة و ( الكأس ) بهمزة ساكنة و یجوز تخفیفها القدح المملوّ من الشّراب و لا تسمّى كأسا إلاّ و فیها شراب و هی مؤنثة سماعیّة و ( ریى ) من الماء و اللّبن كرضى ریّا و ریّا و تروّى و ارتوى و الاسم الرى بالكسر ، و ماء رویّ كغنّى و رواء كسماء كثیر مرو و ( القارعة ) الدّاهیة لأنّها تقرع الناس بشدّتها و منه سمّى الموت قارعة و كذلك القیامة لمزید هو لها و ( معارف ) الدّار ما یعرفها المتوسّم بها واحدها معرف مثل معاهد الدّار و معالم الدار و ( طوبى ) مصدر من الطیب قلبت یاؤه واوا لضمّة ما قبلها أو اسم شجرة فی الجنّة .

الاعراب

قوله : كلّما نسخ اللّه بنسخ كلّ على الظرف ، و الفاء فی قوله فلیقبل فصیحة ،

و قوله : حتّى یستبدل ، متعلّق بقوله و لینظر ، و قوله : فطوبى لذی قلب سلیم الفاء فصیحة ، و طوبى مرفوع على الابتداء خبره لذی قلب و لهج السّبیل بالنّصب

[ 90 ]

على نزع الخافض .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة لوصف حال عباد اللّه الصّالحین و أولیائه الّذین لا خوف علیهم و لا هم یحزنون ، و ختمها بالذّكرى و الموعظة و افتتحها بالشّهادة بعدل اللّه عزّ و جلّ و فصله ثمّ بنعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تزكیة نسبه و أصله فقال :

( و أشهد أنّه عدل عدل ) قال الشّارح المعتزلی : الضمیر فی أنّه راجع إلى القضاء و القدر المذكور فی صدر هذه الخطبة و لم یذكره الرّضی رحمه اللّه ، قال :

و نسبة العدل إلى القضاء على طریق المجاز ، و هو بالحقیقة منسوب إلى ذی القضاء و القاضى به هو اللّه تعالى اه ، و محصّله أنّه تعالى عدل مبالغة أو عادل حقیقة فی جمیع أفعاله و أحكامه لكون الظلم قبیحا عقلا و نقلا فیستحیل فی حقّه .

قال الشّارح البحرانی : و الباری تعالى عادل بالنظر إلى حكمه و قضائه أى لا یقضى فی ملكه بأمر إلاّ و هو علی وفق النّظام الكلیّ و الحكمة البالغة ، و یدخل فی ذلك جمیع أفعاله و أقواله ، فانّه لا یصدر منها شی‏ء إلاّ و هو كذلك و أما الجزئیات المعدودة شرورا و صورة جور فی هذا العالم ، فانّها إذا اعتبرت شرورا نسبة و مع ذلك فهى من لوازم الخیر و العدل لابدّ منها ، و لا یمكن أن یكون الخیر و العدل من دونها كما لا یمكن أن یكون الانسان إنسانا إلاّ و هو ذو غضب و شهوة یلزمهما الفساد و الشرّ الجزئى ، و لمّا كان الخیر أكثر و كان ترك خیر الكثیر لأجل الشرّ القلیل شرّا كثیرا فی الجود و الحكمة وجب تلك الشّرور الجزئیة لوجود ملزوماتها ،

و أشار بقوله عدل إلى ایجاد العدل بالفعل ، انتهى .

( و حكم فصل ) أى حاكم بالحقّ فصل بین الحقّ و الباطل بما بعث به رسوله من كتابه العزیز ، و إنّه لقول فصل و ما هو بالهزل ، و یفصل أیضا بین عباده یوم القیامة فیما هم فیه یختلفون كما قال عزّ من قائل « إنّ یوم الفصل كان میقاتا » و قال « إنّ ربّك هو یفصل بینهم یوم القیامة فیما كانوا فیه یختلفون » أى یقضى فیمیّز الحقّ من الباطل تمییز المحقّ من المبطل و الطیّب من الخبیث فیما كانوا یختلفون فیه

[ 91 ]

من أمر الدّین ، و فى آیة أخرى انّ الّذین آمنوا و الّذین هادوا و الصابئین و النصارى و المجوس و الّذین أشركوا إنّ اللّه یفصل بینهم یوم القیمة أى بالحكومة بینهم و اظهار الحقّ من المبطل و جزاء كلّ بما یلیق به .

( و أشهد أن محمّدا ) صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( عبده و سیّد عباده ) .

أما أنه عبده فقد شهد به الكتاب العزیز فى مواضع عدیدة مقدما على شهادته علیه السّلام قال سبحانه « الحمد للّه الذى انزل على عبده الكتاب و لم یجعل له عوجا » و قال تبارك الذى نزل الفرقان على عبده لیكون للعالمین نذیرا و قال فأوحى الى عبده ما أوحى و قال هو الذى ینزل على عبده آیات بینات لیخرجكم من الظلمات الى النور إلى غیر ذلك مما لا حاجة إلى ذكره و قد تقدّم بیان حقیقة العبودیّة فى شرح الخطبة الحادیة و السبعین تفصیلا فلیراجع ثمة ، و اجمال ما قدّمناه هنا أنّ العبد لا یكون عبدا حقیقة إلاّ أن لا یرى لنفسه مالا و لا له فى أموره تدبیرا ، و یكون أوقاته مستغرقة بخدمة مولاه ، و هكذا كان حال سیّدنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الطیّبین من آله سلام اللّه علیهم فانهم رأوا جمیع ما فى أیدیهم مال اللّه فصرفوه فى عیال اللّه و هم الفقراء و المساكین ، و وكلوا جمیع امورهم الى اللّه رضاء بقضائه فشكروا على نعمائه و صبروا على بلائه و كانت أوقاتهم مصروفة إلى عبادته و قیام أوامره و نواهیه و طاعته .

و أما أنه سیّد عباده فلا ریب فیه ، و الظاهر أنّ المراد به جمیع البشر لا خصوص عباد اللّه الصالحین الكمّلین من الأنبیاء و الرّسل و من دونهم ، لدلالة الأدلّة على العموم حسبما عرفت تفصیلا فى تضاعیف الشرح و أقول هنا مضافا إلى ما قدّمنا :

روى فى البحار من الكافى باسناده عن صالح بن سهل عن أبیعبد اللّه علیه السّلام انّ بعض قریش قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بأیّ شى‏ء سبقت ولد آدم ؟ قال : إننى أوّل من أقرّ بربّى إنّ اللّه أخذ میثاق النبییّن و أشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى فكنت أوّل من أجاب .

و فیه من الخصال فى وصیّة النّبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام یا على إنّ اللّه عزّ و جلّ

[ 92 ]

أشرف على الدّنیا فاختارنى منها على رجال العالمین ، ثمّ اطلع الثانیة فاختارك على رجال العالمین بعدى ، ثمّ اطلع الثالثة فاختار الأئمّة من ولدك على رجال العالمین بعدك ، ثمّ اطلع الرّابعة فاختار فاطمة على نساء العالمین .

و فیه من تفسیر فرات بن إبراهیم بسنده عن جابر الجعفی عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا اسرى بی إلى السماء قال لی العزیز الجبّار : یا محمّد انّی اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها و اشتققت لك اسما من أسمائی لا اذكر فی مكان إلاّ و أنت معی ، فأنا محمود و أنت محمّد الحدیث و فیه من العیون عن الهروى عن الرّضا علیه السّلام فی حدیث طویل قال : إنّ آدم على نبیّنا و آله و علیه السّلام لمّا أكرم اللّه تعالى باسجاد ملائكته و بادخال الجنّة قال فی نفسه : هل خلق اللّه بشرا أفضل منّی ، فعلم اللّه عزّ و جلّ ما وقع فی نفسه فناداه ارفع رأسك یا آدم فانظر إلى ساق عرشی ، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد علیه مكتوبا : لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه علیّ بن أبیطالب أمیر المؤمنین و زوجته فاطمة سیّدة نساء العالمین و الحسن و الحسین سیّدا شباب أهل الجنّة ، فقال آدم :

یا ربّ من هؤلاء ؟ فقال عزّ و جلّ : هؤلاء من ذریّتك و هم خیر منك و من جمیع خلقی و لولاهم ما خلقتك و لا خلقت الجنّة و النّار و لا السّماء و الأرض إلى آخر ما تقدّم روایته فی التّذنیب الثّانی من شرح الفصل الثانی عشر من الخطبة الاولى .

و فیه أیضا من اكمال الدین عن الحسین بن خالد عن أبی الحسن موسى علیه السّلام عن آبائه علیهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أنا سیّد من خلق اللّه و أنا خیر من جبرئیل و میكائیل و حملة العرش و جمیع الملائكة المقرّبین و أنبیاء اللّه المرسلین ، و أنا صاحب الشفّاعة و الحوض الشریف و أنا و علىّ أبوا هذه الائمّة ، « الامة » من عرفنا فقد عرف اللّه ، و من أنكرنا فقد أنكر اللّه عزّ و جلّ الحدیث .

و فى شرح المعتزلی عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : أنا سیّد ولد آدم و لا فخر .

و عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أیضا : ادعوا لى سیّد العرب علیا ، فقالت عایشة : ألست سیّد العرب ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أنّا سیّد البشر و علیّ سیّد العرب .

[ 93 ]

و الأخبار فی هذا المعنى فوق حدّ الاحصاء و لا حاجة إلى الاطالة بروایتها .

قال الصدوق فی الهدایة : یجب أن یعتقد أنّ النّبوة حقّ كما اعتقدنا أنّ التوحید حقّ ، و أنّ الأنبیاء الّذین بعثهم اللّه مأة ألف نبیّ و أربعة و عشرون ألف نبیّ ، جاؤوا بالحقّ من عند الحقّ ، و أنّ قولهم قول اللّه و أمرهم أمر اللّه و طاعتهم طاعة اللّه و معصیتهم معصیة اللّه ، و أنهم لم ینطقوا إلاّ من اللّه عزّ و جلّ و عن وجهه و أنّ سادة الأنبیاء خمسة الذین علیهم دارة الرّحى و هم أصحاب الشرایع و هم اولوالعزم :

نوح ، و إبراهیم ، و موسى ، و عیسى ، و محمّد صلوات اللّه علیهم و أنّ محمّدا صلوات اللّه علیه سیّدهم و أفضلهم ، و أنه جاء بالحقّ و صدّق المرسلین ، و أنّ الذین آمنوا به و عزّروه و نصروه و اتبعوا النور الذى انزل معه اولئك هم المفلحون ، و یجب أن یعتقد أنّ اللّه تبارك و تعالى لم یخلق خلقا أفضل من محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من بعده الأئمة صلوات اللّه علیهم ، و أنهم أحبّ الخلق إلى اللّه عزّ و جلّ و أكرمهم علیه و أولهم اقرارا به لما أخذ اللّه میثاق النبیین فی الذّر إلى آخر ما قال :

( كلّما نسخ اللّه الخلق فرقتین ) أى خلّفهم حیث نقلهم من البطن الأول إلى البطن الثانى و قسمهم إلى فرقتین فرقة خیر و فرقة شرّ ( جعله فی خیرهما ) حسبما عرفت تفصیلا فی شرح الخطبة الثالثة و التسعین قال الشارح المعتزلی : و هذا المعنی قد ورد مرفوعا فی عدّة أحادیث نحو قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ما افترقت فرقتان منذ نسل آدم ولده إلاّ كنت فی خیرهما ، و نحو قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ اللّه اصطفى من ولد إبراهیم إسماعیل و اصطفى من ولد إسماعیل مضر و اصطفى من مضر كنانة و اصطفى من كنانة قریش و اصطفى من قریش هاشما و اصطفانی من بنی هاشم .

( لم یسهم فیه عاهر ) أى لم یجعل فی نسبه الشریف ذا سهم و نصیب ( و لا ضرب فیه فاجر ) أى لم یكن لفاجر فیه شرك ، یقال : ضرب فی كذا بنصیب إذا كان شریكا فیه و المراد طهارة نسبه الشامخ من شوب دنس الجاهلیة و نجس السفاح أى تناسخته كرایم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام و كان نورا فی الأصلاب الشامخة

[ 94 ]

و الأرحام المطهرة ، لم تدنس نسبه الجاهلیة بأنجاسها و لم تلبسه من مدلهمات ثیابها و قد عرفت تفصیله أیضا فی شرح الخطبة الثالثة و التسعین ، هذا .

و لما فرغ علیه السّلام من وصف النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رغّب المخاطبین فی دخولهم فی زمرة أهل الخیر و الحق و الطاعة بقوله :

( ألا و انّ اللّه قد جعل للخیر أهلا ) و هم الأبرار المتّقون و أهل الزّهد و الصلاح من المؤمنین قال سبحانه یا أیها الذین آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخیر لعلّكم تفلحون أى تحروا ما هو خیر و أصلح فیما تأتون و تذرون كنوا فل الطاعات و صلة الأرحام و مكارم الأخلاق .

و قال الصادق علیه السّلام جعل الخیر كلّه فی بیت و مفتاحه الزّهد فی الدّنیا ، و خیر الخیر هو رضوان اللّه تعالى ، و شرّ الشرّ سخطه و النار .

و الخیرات الاخرویة إنما تكسب بالخیرات الدّنیویة و لذلك أمر اللّه سبحانه بها فی الآیة السابقة بقوله « و افعلوا الخیر » و فی قوله « فاستبقوا الخیرات » أى الأعمال الصالحة و الطاعات المفروضة و المندوبة و رئیس أهل الخیر هم الأئمة علیهم الصلاة و السلام كما أشیر الیه فی زیارتهم الجامعة بقوله : إن ذكر الخیر كنتم أوّله و أصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه .

( و للحقّ دعائم ) الظاهر أنّ المراد بالحقّ ضدّ الباطل و بدعائمه الأئمّة علیهم السّلام لأنهم أئمة الحقّ بهم قوامه و دوامه و ثباته و غیرهم أئمة الباطل كما اشیر إلى ذلك فی قوله تعالى و ممّن خلقنا امة یهدون بالحقّ و به یعدلون و قوله أفمن یهدى إلى الحقّ أحقّ أن یتّبع أمّن لا یهدّى إلاّ أن یهدى و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الحدیث المتفق علیه بین الفریقین : الحقّ مع علیّ و هو مع الحقّ أینما دار و من طرق الخاصة مستفیضا بل متواترا كما قیل عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأئمة علیهم السّلام عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنه قال : الحقّ مع الأئمة الاثنى عشر ، و فی زیارتهم الجامعة : الحقّ معكم و فیكم و منكم و الیكم و أنتم أهله و معدنه .

و فى روایة الكافى عن محمّد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : لیس عند

[ 95 ]

أحد من النّاس حقّ و لا صواب و لا أحد من الناس یقضى بقضاء حقّ إلاّ ما خرج منا أهل البیت ، و إذا تشعّبت بهم الأمور كان الخطاء منهم و الصواب من علیّ علیه السّلام و قوله ( و للطاعة عصما ) یحتمل أن یكون المراد بالعصمة ما یعتصم به كما فسّر به قوله تعالى و لا تمسكوا بعصم الكوافر أى بما یعتصم به الكافرات من عقد و سبب أى لا تمسكوا بنكاح الكوافر ، و سمّى النّكاح عصمة لأنّها لغة المنع و المرأة بالنّكاح ممنوعة من غیر زوجها .

و على ذلك فالمراد بعصم الطاعة هم الأئمة علیهم السّلام و القرآن إذ بهما یعتصم و یتمسّك فی الطاعات أمّا الأئمّة علیهم السّلام فلاستناد الطّاعة و العبادة إلیهم لأنّهم علیهم السّلام نشروا شرایع الأحكام و بموالاتهم علّمنا اللّه معالم دیننا ، و بموالاتهم تقبل الطّاعة المفترضة كما ورد فی فقرات الزّیارة الجامعة و فی روایة الكافی المتقدّمة فی شرح الفصل الخامس من الخطبة الثانیة عن مروان بن میاح عن الصّادق علیه السّلام قال : و بعبادتنا عبد اللّه و لولا نحن ما عبد اللّه ، و فى غیر واحد من أخبارهم : بنا عرف اللّه و بنا عبد اللّه و سبّحنا فسبّحت الملائكة و هلّلنا فهلّلت الملائكة ، و الحاصل أنّهم أساس الدّین و عماد الیقین و أمّا القرآن فلكونه مدرك التكالیف و الطاعات كما قال تعالى انّ هذا القرآن یهدى للّتی هی أقوم أى طریق الشّریعة و الطّاعة و لذلك أمر اللّه بالاعتصام به فی قوله : و اعتصموا بحبل اللّه أى بالقرآن استعیر له الحبل لأنّ الاعتصام و التّمسك به سبب النّجاة من الرّدى كما أنّ التّمسك بالحبل سبب النّجاة من الرّدى .

و یحتمل أن یكون المراد بها أى بالعصمة الحفظ و الوقایة كما فی قولهم عصمه اللّه من المكروه أى حفظه و وقاه ، و عصمة اللّه للعبد منعه و حفظه له من المعصیة و على ذلك فالمراد بعصم الطّاعة الخواص الكامنة لها المانعة له من هلكات الدّنیا و عقوبات الآخرة كما قال تعالى : و الّذین آمنوا و عملوا الصالحات لنكفّرنّ عنهم سیّئاتهم و لنجزینّهم أحسن الّذى كانوا یعملون و الاتیان بصیغة الجمع أعنی عصما إمّا باعتبار تعدّد أنواع الطّاعة أو تعدّد

[ 96 ]

خواصها أو كثرة ما یعصم بها منها من أنواع العقوبات ، فانّ كلّ طاعة فله عصمة من نوع مخصوص أو أنواع من العذاب ، و بقبالها الذّنب و المعصیة ، فانّ لكلّ ذنب أثرا خاصّا فی جلب نوع مخصوص أو أنواع من السّخط كما اشیر إلى ذلك فی الدعاء اللّهمّ اغفر لی الذّنوب الّتی تهتك العصم اللّهمّ اغفر لی الذّنوب الّتی تنزل النّقم اللّهمّ اغفر لی الذّنوب الّتی تغیّر النعم ، اللهمّ اغفر لى الذّنوب الّتى تحبس الدّعاء ، اللّهم اغفر لى الذنوب الّتى تنزل البلاء ، اللّهمّ اغفر لى الذنوب الّتى تقطع الرّجاء ، هذا .

و أنت بعد الخبرة بما حقّقناه فى شرح هذه الفقرة و سابقتیه تعرف أنّ ما قلناه أولى :

ممّا قاله الشارح البحرانی فی شرح تلك الفقرات حیث قال : قوله علیه السّلام ألا و انّ اللّه إلى قوله عصما ترغیب للسّامعین أن یكونوا من أهل الجنّة و دعائم الحقّ و عصم الطاعة .

و ممّا قاله الشارح المعتزلی من أنّ دعائم الحقّ الأدلّة الموصلة إلیه المثبت له فی القلوب و عصم الطاعة هى الادمان على فعلها و التّمرن على الاتیان بها ، لأنّ المروّن على الفعل یكسب الفاعل ملكة تقتضى سهولته علیه .

و ممّا قاله بعض الشّراح من أنّ المراد بعصم الطاعة العبادات الّتی توجب التوفیق من اللّه سبحانه و ترك المعاصى الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتباع الشیاطین انتهى ، فافهم جیّدا .

قوله علیه السّلام ( و انّ لكم عند كلّ طاعة عونا من اللّه ) الظاهر أنّ المراد بالعون توفیق اللّه و لطفه المخصوص فی حقّ المطیعین ، فانّ الاتیان بالطاعات إنّما هو بعونه و توفیقه كما أنّ المعاصى بخذلانه و سلب توفیقه كما اشیر إلى ذلك فی قوله تعالى و الّذین جاهدوا فینا لنهدینّهم سبلنا و اشیر إلیه أیضا فى أخبارهم علیهم السّلام .

روى فی البحار من توحید الصّدوق باسناده عن جابر الجعفى عن أبی جعفر علیه السّلام

[ 97 ]

قال : سألته عن معنى لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه ، فقال علیه السّلام : لا حول لنا عن معصیة اللّه إلاّ بعون اللّه ، و لا قوّة لنا على طاعة اللّه إلاّ بتوفیق اللّه عزّ و جلّ .

و فیه من كنز الكراجكى قال الصادق علیه السّلام : ما كلّ من نوى شیئا قدر علیه ، و لا كلّ من قدر على شی‏ء وفق له ، و لا كلّ من وفق لشی‏ء أصاب به فاذا اجتمعت النیّة و القدرة و التوفیق و الاصابة فهنا لك تمّت السعادة .

و فیه أیضا من التّوحید عن الهاشمی قال : سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد علیهما السّلام عن قوله « و ما توفیقى إلاّ باللّه » و قوله « إن ینصركم اللّه فلا غالب لكم و إن یخذلكم فمن ذا الذی ینصركم من بعده » فقال علیه السّلام : إذا فعل العبد ما أمره اللّه عزّ و جلّ به من الطاعة كان فعله وفقا لأمر اللّه عزّ و جلّ و سمّى العبد به موفّقا ،

و إذا أراد العبد أن یدخل فی شی‏ء من معاصى اللّه فحال اللّه تبارك و تعالى بینه و بین المعصیة كان تركه لها بتوفیق اللّه تعالى ، و متى خلّى بینه و بین المعصیة فلم یحل بینه و بینها حتّی یرتكبها فقد خذله و لم ینصره و لم یوفّقه .

فقد ظهر بما ذكرنا أنّ طاعة اللّه عزّ و جلّ لا یتمكّن منها إلاّ بعونه و توفیقه لأنّ التوفیق عبارة عن أن یجمع بین جمیع الأسباب الّتی یحتاج إلیها فی حصول الفعل ، و لهذا لا یقال فیمن أعان غیره وفّقه لأنّه لا یقدر أن یجمع بین جمیع الأسباب المحتاجة إلیها فی حصول الفعل و لانحصار التوفیق فیه تعالى جى‏ء بكلمة الحصر فی قوله إیّاك نستعین أى نستوفق و نطلب المعونة على عبادتك و على امور ما كلّها منك و انّ غیرك « كذا » إذا لا یقدر علیه أحد سواك ، و إذا حصل التوفیق و شمله اللّطف و علم أنّ له فی فعل العبادة الثواب العظیم زاد ذلك فی نشاطه و رغبته ، فیسهل للعبد حینئذ القیام بوظایف الطاعات لأنّه یعین علیها و یقوى الأعضاء و الجوارح على الاتیان بها .

و لتقویته لها قال علیه السّلام ( یقول على الألسنة ) فاسند إلیه القول توسّعا لكونه ممدّا له و لكونه سببا لتثبیت القلوب و اطمینانها قال علیه السّلام ( و یثبت الأفئدة ) فأسند

[ 98 ]

التثبیت إلیه مجازا لأنّه فی الحقیقة فعل اللّه سبحانه كما قال تعالى یثبّت اللّه الذّین آمنوا بالقول الثابت فی الحیوة الدنیا و قال لنثبّت به فؤادك .

و إلى هذا التثبیت و توضیحه اشیر فی قوله تعالى فمن یرد اللّه أن یهدیه یشرح صدره للاسلام و من یرد أن یضلّه یجعل صدره ضیّقا حرجا كأنّما یصّعّد فی السماء كذلك یجعل اللّه الرّجس على الّذین لا یؤمنون .

روى فی البحار من محاسن البرقی عن أبیه عن فضالة عن أبی بصیر عن خثیمة بن عبد الرحمن الجعفى قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : إنّ القلب ینقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم یصب الحقّ فاذا أصاب الحقّ قرّ ثمّ ضمّ أصابعه و قرء هذه الآیة : فمن یرد اللّه أن یهدیه ، الآیة .

و فى البحار أیضا من التّوحید و العیون عن ابن عبدوس عن ابن قتیبة عن حمدان بن سلیمان قال : سألت أبا الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ فمن یرد اللّه أن یهدیه یشرح صدره للاسلام قال علیه السّلام : من یرد اللّه أن یهدیه بایمانه فی الدّنیا إلى جنّته و دار كرامته فی الآخرة یشرح صدره للتّسلیم باللّه و الثّقة به و السّكون إلى ما وعده من ثوابه حتّى یطمئنّ ، و من یرد أن یضلّه عن جنّته و دار كرامته فی الآخرة لكفره به و عصیانه له فی الدّنیا یجعل صدره ضیّقا حرجا حتّى یشكّ فی كفره و یضطرب من اعتقاده قلبه حتّى یصیر كأنّما یصّعّد فی السّماء ، كذلك یجعل اللّه الرّجس على الّذین لا یؤمنون فقد علم بما ذكرنا كلّه أنّ للّه سبحانه فی حقّ عباده المطیعین المقرّبین الّذین لا یشاؤون الاّ أن یشاء اللّه و لا یریدون إلاّ ما أراد اللّه ألطافا خاصّة و عنایة مخصوصة یستولى على قلوبهم بلطفه ، و یتصرّف فی جوارحهم بأمره ففى كلّ آن یحصل منه التوفیق و الافاضات على أرواحهم و التّصرف فی أبدانهم فیطمئنّ به قلوبهم و ینظرون بنور اللّه و یبطشون بقوّة اللّه كما قال تعالى فیهم : فبى یسمع و بى یبصر و بى ینطق و بى یمشى و بى یبطش ، و قال عزّ و جلّ : كنت سمعه و بصره و یده و رجله و لسانه .

( فیه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف ) یعنى فی عون اللّه عزّ و جلّ غناء لمن استغنى ،

[ 99 ]

إذ مع عونه لا یبقى افتقار إلى غیره ، و شفاء لمن استشفى لأنّه تعالى الكافی الشّافی لا كافی سواه كما قال و من یتوكّل على اللّه فهو حسبه و لا شافی غیره كما قال و إذا مرضت فهو یشفین و لا یحصل الغنى و الشفاء إلاّ بعونه و حوله و قوّته و لذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم باكثار الحوقلة عند الفقر و المرض .

كما رواه فی الرّوضة من الكافی عن علىّ بن إبراهیم عن أبیه عن النوفلی عن السّكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من ألحّ علیه الفقر فلیكثر من قول لا حول و لا قوة الاّ باللّه العلىّ العظیم .

و قال علیه السّلام فقد النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رجلا من الأنصار ، فقال : ما غیّبك عنّا ؟ ، فقال :

الفقر یا رسول اللّه و طول السقم فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ألا أعلّمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر و السقم ؟ فقال : بلى یا رسول اللّه فقال : إذا أصبحت و أمسیت فقل لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه توكّلت على الحىّ الّذى لا یموت و الحمد للّه الّذی لم یتّخذ صاحبة و لا ولدا و لم یكن له شریك فی الملك و لم یكن له ولىّ من الذّل و كبره تكبیرا ،

فقال الرّجل : فو اللّه ما قلته إلاّ ثلاثة أیام حتّى ذهب عنّى الفقر و السّقم .

ثمّ شرع فی وصف عباد اللّه الكمّلین ترغیبا للمخاطبین إلى اقتفاء آثارهم و اقتباس أنوارهم و سلوك مسالكهم فقال علیه السّلام :

( و اعلموا أنّ عباد اللّه المستحفظین علمه ) المستحفظین فی أكثر النّسخ بصیغة المفعول أى الّذین طلب منهم الحفظ ، و فی بعضها بصیغة الفاعل أى الطالبین للحفظ .

و المراد بهم إمّا الأئمّة علیهم السّلام خصوصا أو هم مع خیار شیعتهم لاتّصافهم جمیعا بالاستحفاظ و بغیره من الأوصاف الآتیة و إن كان اتّصافهم بها آكد و أقوى لكونهم علیهم السّلام حفظة لسرّه و خزنة لعلمه كما ورد فی فقرات الزّیارة الجامعة ، و فیها أیضا و ائتمنكم على سرّه ، و قد وصفهم علیه السّلام بذلك فی الفصل الرّابع من الخطبة الثانیة حیث قال : هم موضع سرّه و لجاء أمره و عیبة علمه ، و قدّمنا هنا لك مطالب نفیسة ، و إلى ذلك الحفظ اشیر فى قوله تعالى و تعیها أذن واعیة أى

[ 100 ]

تحفظها أذن من شأنها أن تحفظ ما یجب حفظها بتذكّرة و اشاعته و التفكر فیه و العمل بمقتضاه .

روى فی الصافى من مجمع البیان عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال لعلىّ علیه السّلام : یا على إنّ اللّه تعالى أمرنى أن ادنیك و لا اقصیك و أن اعلّمك و تعی و حقّ على اللّه أن تعی فنزل : « و تعیها اذن واعیة » .

و فیه منه و من العیون و الجوامع عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه لمّا نزلت هذه الآیة قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

سألت اللّه عزّ و جلّ أن یجعلها اذنك یا على .

و فى روایة لمّا نزلت قال : اللهمّ اجعلها اذن علىّ ، قال علیّ علیه السّلام : فما سمعت شیئا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فنسیته ، و زاد فی اخرى : و ما كان لى ان انسى و فى الكافى عن الصادق علیه السّلام لمّا نزلت هذه الآیة قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : هى أذنك یا على .

و بالجملة فالأئمة سلام اللّه علیهم خزنة علم اللّه أمرهم اللّه بحفظه كما أنّ خیار شیعتهم أوعیة علومهم المتلقاة من اللّه عزّ و جلّ ، و هم أیضا طلبوا منهم حفظها عن الضّیاع و النّسیان .

( یصونون مصونه و یفجرون عیونه ) أى یحفظون ما یجب حفظه لكونه من الأسرار الّتی لا یجوز اظهارها أصلا ، فانّ حدیثهم صعب مستصعب لا یحتمله ملك مقرّب و لا نبیّ مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للایمان على ما عرفت تحقیقه فی شرح الفصل الرّابع من الخطبة الثانیة .

أو لا یجوز اظهارها إلاّ للأوحدى من شیعتهم الحافظین لها و إلیه أشار علىّ ابن الحسین علیهما السّلام بقوله : لو علم أبوذر ما فى قلب سلمان لقتله .

و یفجرون ینابیعه و یظهرون ما لیس من قبیل الأسرار بل من قبیل التكالیف و الأحكام و نحوها و یعلّمونها غیرهم .

و تشبیه العلم بالعین استعارة بالكنایة و ذكر العیون تخییل و التفجیر ترشیح الجامع أنّ فی العلم حیاة الأرواح كما أنّ فی الماء حیاة الأبدان ، و إنّما شبّه

[ 101 ]

بماء العین بخصوصه لكونه زلالا صافیا و فیه من العذوبة و الصّفاء ما لیس فی سایر المیاه ، فكان أبلغ فی التشبیه و قد وقع نظیر ذلك التشبیه فی قوله تعالى إن أصبح ماؤكم غورا فمن یأتیكم بماء معین » یعنى إن غاب إمامكم فمن یأتیكم بعلم الامام كما فسّربه فی عدّة روایات و لما أشار علیه السّلام إلى كمال المستحفظین فی الحكمة النظریة عقّبه بالتنبیه على كمالهم فی الحكمة العملیّة فقال :

( یتواصلون بالولایة ) أى بالمحبّة و النصرة أو القرب و الصداقة یعنى أنّ مواصلتهم عن وجه الصدق و الصفا و الودّ و الوفا ، لا عن وجه النفاق كما هو الغالب فی وصل أبناء الزّمان ، و یحتمل أن یكون المراد بالولایة القرابة فیكون المراد بالجملة التواصل بالأرحام و صلة الرّحم و الأوّل أظهر .

( و یتلاقون بالمحبّة ) هذه الجملة كالتفسیر للجملة السابقة أى یكون ملاقاتهم عن حبّ كلّ منهم لصاحبه .

فقد قال أبو عبد اللّه فی روایة الكافی عن صفوان الجمال عنه علیه السّلام : ما التقى مؤمنان قط إلاّ كان أفضلهما أشدّ حبّا لأخیه .

و فیه أیضا عن شعیب العقرقوفی قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول لأصحابه :

اتّقوا اللّه و كونوا اخوة بررة متحابّین فی اللّه متواصلین متراحمین تزاوروا و تلاقوا و تذاكروا أمرنا و أحیوه .

( و یتساقون بكأس رویة ) أى یسقى كلّ منهم للآخر بكأس العلم و المعرفة الّتی بها رواء كلّ غلیل .

أمّا الأئمّة فلأنّ كلاّ منهم أخذ علمه عن الآخر حتّى انتهى إلى أمیر المؤمنین و أخذه علیه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أخذه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن اللّه بوحى أو إلهام .

و یشهد بذلك ما رواه فی الكافی عن الحكم بن عتیبة قال لقى رجل الحسین بن علىّ علیهما السّلام بالثعلبیّة و هو یرید كربلا فدخل علیه فسلّم فقال له الحسین علیه السّلام :

[ 102 ]

من أىّ البلاد أنت ؟ قال : من أهل الكوفة ، قال علیه السّلام : أما و اللّه یا أخا أهل الكوفة لو لقیتك بالمدینة لأریتك أثر جبرئیل من دارنا و نزله بالوحى على جدّى ، یا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا و جهلنا ؟ هذا ما لا یكون .

و فیه عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : نزل جبرئیل على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم برّمانتین من الجنّة فلقیه علیّ علیه السّلام فقال : ما هاتان الرّمانتان اللّتان فى یدك ؟

فقال : أمّا هذه فالنّبوّة لیس لك فیها نصیب ، و أمّا هذه فالعلم ، ثمّ فلقها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بنصفین فأعطاه نصفها و أخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نصفها ثمّ قال : أنت شریكى فیه و أنا شریكك فیه قال : فلم یعلم و اللّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حرفا ممّا علّمه اللّه عزّ و جلّ إلاّ و قد علّمه علیّا ، ثمّ انتهى العلم إلینا ، ثمّ وضع یده على صدره .

و فیه عن هشام بن سالم و حمّاد بن عثمان و غیره قالوا سمعنا أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : حدیثى حدیث أبی ، و حدیث أبی حدیث جدّى ، و حدیث جدّى حدیث الحسین علیه السّلام ، و حدیث الحسین علیه السّلام حدیث الحسن علیه السّلام ، و حدیث الحسن علیه السّلام حدیث أمیر المؤمنین صلوات اللّه و سلامه علیه ، و حدیث أمیر المؤمنین علیه السّلام حدیث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و حدیث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قول اللّه عزّ و جلّ .

و أمّا أصحاب الأئمة علیهم السّلام فلأنّهم قد استقوا من منهل علومهم علیهم السّلام و تعلّموها منهم و علّموها غیرهم بأمرهم علیهم السّلام .

كما یشیر إلیه ما رواه فی الكافی عن یزید بن عبد الملك عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : تزاوروا فان فی زیارتكم إحیاء لقلوبكم و ذكرا لأحادیثنا تعطف بعضكم على بعض فان أخذتم بها رشدتم و نجوتم ، و إن تركتموها ظللتم و هلكتم فخذوا بها و أنا بنجاتكم زعیم .

و فى الوسائل عن الكافی عن محمّد بن حكیم قال : قلت لأبی الحسن موسى علیه السّلام : فقّهنا فى الدّین و أغنانا اللّه بكم من الناس حتّى أنّ الجماعة منّا لیكون فی المجلس ما یسأل رجل صاحبه إلاّ یحضره المسألة و یحضره جوابها فیما من اللّه علینا بكم .

فقد ظهر بذلك أنّ المستحفظین علم اللّه عزّ و جلّ من الأئمة علیهم السّلام و أصحابهم

[ 103 ]

یأخذون العلوم الحقّة و المعارف الیقینیة من عین صافیة و یستقون بكأس مرویة ( و یصدرون ) عنها ( بریّة ) لا ظمأ بعدها .

و أما غیرهم فقد استقوا من سراب بقیعة یحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جائه لم یجده شیئا و وجد اللّه عنده فوفّاه حسابه و اللّه سریع الحساب .

( لا تشوبهم الرّیبة ) یحتمل أن یكون المراد نفى الشكّ عنهم لشدّة یقینهم و مزید تقواهم و رسوخهم فی الایمان .

قال الرّضا علیه السّلام فیما رواه فی الكافی عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر عنه علیه السّلام :

الایمان فوق الاسلام بدرجة ، و التّقوى فوق الایمان بدرجة ، و الیقین فوق التّقوى بدرجة ، و لم یقسم بین العباد شی‏ء أقلّ من الیقین .

و یحتمل أن یكون المراد نفى التّهمة و سوء الظنّ أى لا یتّهم بعضهم بعضا لأنّه اذا اتّهم المؤمن أخاه انماث الایمان من قلبه كما ینماث الملح فى الماء ،

رواه فی الكافی عن إبراهیم بن عمر الیمانى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام .

( و لا تسرع فیهم الغیبة ) أى إذا أراد أحد غیبتهم فلا یتسرّع غیبته إلیهم كما یتسرّع إلى غیرهم بطهارة نفوسهم من القبایح و المساوى الموجبة لسرعتها بما لهم من ملكة العصمة و العدالة ( على ذلك ) أى على ما ذكر من الأوصاف الكمالیّة ( عقد ) اللّه ( خلقهم و أخلاقهم ) یعنى أنّ اتّصافهم بتلك الكمالات لیس بتكلّف ، بل هی مقتضى سجیتهم و هم مجبولون علیها لأنّ طینتهم علیهم السّلام من أعلا علیّین و شیعتهم مخلوقة من فاضل طینتهم عجینة بنور ولایتهم .

كما قال الصادق علیه السّلام : شیعتنا منّا خلقوا من فاضل طینتنا و عجنوا بنور ولایتنا .

و فى الكافى باسناده عن أبی حمزة الثمالى قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول إنّ اللّه عزّ و جلّ خلقنا من أعلا علیّین و خلق قلوب شیعتنا ممّا خلقنا منه و خلق أبدانهم من دون ذلك و قلوبهم تهوى إلینا لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه ، ثمّ تلى هذه الآیة كلاّ إنّ كتاب الأبرار لفى علیّین . و ما أدراك ما علیّون . كتاب

[ 104 ]

مرقوم یشهده المقرّبون .

( فعلیه ) أى على ذلك العقد ( یتحابّون و به یتواصلون ) لأنّ الأرواح جنود مجندّة ما تعارف منها ائتلف و ما تخالف منها اختلف كما فی النّبوى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فقد قیل : إنّ المراد به انّ الأرواح خلقت مجتمعة على قسمین مؤتلفة و مختلفة كالجنود الّتی یقابل بعضها بعضا ثمّ فرّقت فی الأجساد ، فإذا كان الایتلاف و المواخات أوّلا كان التعارف و التوالف بعد الاستقرار فی البدن و إذا كان التناكر و التخالف هناك كان التنافر و التناكر هناك .

و لعله إلى ذلك ینظر ما رواه فی الكافی عن حمزة بن محمّد الطیار عن أبیه عن أبی جعفر علیه السّلام قال : لم تتواخوا على هذا الأمر إنّما تعارفتم علیه .

و مثله عن ابن مسكان و سماعة جمیعا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لم تتواخوا على هذا الأمر و إنما تعارفتم علیه .

یعنى أنّ المواخاة على الولایة و الاخوّة فی الایمان كانت ثابتة بینكم فی عالم الأرواح و لم تقع هذا الیوم و فی هذه النشأة و إنّما الواقع فی هذه النّشأة هو التعارف الكاشف عن مواخاة عالم الأرواح الناشی منه .

( فكانوا ) فی تفاضلهم على سایر الناس ( كتفاضل البذر ) و هو أوّل ما یعزل من البذر للزراعة من الحبوب ( ینتقى ) و یزكى ( فیؤخذ منه ) الرّدى ( و یلقى ) فلا یبقى منه إلاّ الجیّد الخالص ( قد میّزه ) الانتقاء و ( التّخلیص و هذّبه التّمحیص ) و التّمیز .

و محصّله أنّ تفاضلهم كتفاضل البذر المنتقى جیّده و الملقى ردّیه ، و هو من تشبیه المعقول بالمعقول ، و تعقیبه بالانتقاء و الالقاء ترشیح لأنّهما من خواصّ المسند به و بالتّخلیص و التّمحیص تجرید لكونهما من ملایمات المشبّه ، فهو من قبیل التّشبیه المرشّح المجرّد ، و قد مرّ توضیحه فی دیباجة الشرح عند ذكر أقسام الاستعارات .

و قد وقع نظیر هذا التّشبیه فی حدیث أبی عبد اللّه علیه السّلام المروىّ فی البحار

[ 105 ]

عن العیاشى عن الوشا باسناد له یرسله إلیه علیه السّلام قال : و اللّه لتمحّصنّ و اللّه لتمیّزنّ و اللّه لتغربلنّ حتى لا یبقى منكم إلاّ الأندر ، قلت : و ما الأندر ؟ قال : البیدر ،

و هو أن یدخل الرّجل قبّة الطعام یطین 1 علیه ثمّ یخرجه و قد تأكل بعضه و لا یزال ینقیه ثمّ یكن علیه ثمّ یخرجه حتّى یفعل ذلك ثلاث مرّات حتّى یبقى ما لا یضرّه شی‏ء .

ثمّ أصل التمحیص التخلیص و كثیرا ما یستعمل فی التّخلیص الحاصل بالاختبار و الامتحان ، قال تعالى و لیبتلى اللّه ما فی صدوركم و لیمحّص ما فى قلوبكم أى لیمتحن اللّه ما فی صدوركم و یظهر سرایرها من الاخلاص و النّفاق فیجازى المخلص باخلاصه و المنافق بنفاقه لأنّ المجازات إنّما هی بعد ظهور السّرایر و إلاّ فهو سبحانه عالم بالسّرائر و الضّمایر قبل ظهورها كما هو عالم بها بعد ظهورها ، و لیمحّص أى و لیكشف و یمیّز ما فی قلوبكم من الطیب و الخبیث .

و قال أیضا و لیعلم اللّه الّذین آمنوا و یتّخذ منكم شهداء و اللّه لا یحبّ الظالمین . و لیمحّص اللّه الّذین آمنوا و یمحق الكافرین أى و لیبتلى اللّه الّذین آمنوا و لیخلصهم من الذّنوب أو ینجیهم من الذّنوب بالابتلاء و یهلك الكافرین بالذّنوب عند الابتلاء .

و فى الكافی عن ابن أبی یعفور قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : ویل لطغاة العرب من أمر قد اقترب ، قلت : جعلت فداك كم مع القائم علیه السّلام من العرب ؟

قال : نفر یسیر ، قلت : و اللّه إنّ من یصف هذا الأمر منهم لكثیر ، قال علیه السّلام لا بدّ للنّاس من أن یمحّصوا و یمیّزوا و یغربلوا و یستخرج فی الغربال خلق كثیر .

و حاصل المرام أنّ المستحفظین علم اللّه قد امتازوا عن سایر الناس و تفاضلوا علیهم و خرجوا تامّ العیار من قالب الامتحان لكونهم المخلصین فی توحید اللّه

-----------
( 1 ) هكذا فى النسخة و لعله تصحیف و الصحیح تبین علیه او بطین علیه بالباء الجارة و اللّه العالم منه .

[ 106 ]

و التّامین فی محبة اللّه ، و إخلاصهم العمل للّه ، هذا .

و لمّا فرغ من شرح حال المستحفظین فرّع علیه قوله ( فلیقبل امرء كرامة بقبولها ) أى لیقبل كرامة اللّه و إفضاله و عوائد موائده بقبول هذه المكارم و الصفات الجمیلة ، یعنى إذا كان المستحفظون متخلّقین بهذه المكارم و الأخلاق الحسنة فلیتقبلها المؤمن بقبول حسن و لیحتذى حذوهم حتّى یدخل فی زمرتهم و یفوز بالكرامة العظیمة و النّعمة الدّائمة المعدّة فی حقّ المخلصین المكرّمین على ما بشّر به فی الكتاب الكریم فی قوله إنّكم لذائقوا العذاب الألیم . و ما تجزون . إلاّ ما كنتم تعملون . إلاّ عباد اللّه المخلصین . لهم رزق معلوم . فواكه و هم مكرمون .

فی جنّات النّعیم . على سرر متقابلین . و یطاف علیهم بكأس من معین . بیضاء لذّة للشّاربین الآیات هذا و لمّا لم یمكن تحصیل المكارم و نیل هذه الكرامات إلاّ بالتّجافی عن دار الغرور و الانابة إلى دار الخلود و الاستعداد للموت قبل حلول الفوت ، عقّبه بقوله :

( و لیحذر قارعة ) أى داهیة الموت ( قبل حلولها و لینظر امرء فی قصیر أیّامه و قلیل مقامه فی منزل ) أى لیتفكّر فی أیّامه القصیرة و إقامته القلیلة فی دار الدّنیا ( حتّى ) یتنبّه من نوم الغفلة و ( یستبدل به منزلا ) غیره ، و هى دار الخلود الّتی لیس لأیّامه نفاد و لا لاقامته انقطاع ( فلیصنع لمتحوّله ) أى لیصنع المعروف و یعمل بالصّالحات لمحلّ انقلابه ( و معارف منتقله ) أى معالم موضع انتقاله .

ثمّ رغّب علیه السّلام إلى متابعته و متابعة الطیّبین من أولاده الأئمة الهداة علیه و علیهم السلام بقوله :

( فطوبى لذى قلب سلیم ) من حبّ الدّنیا و شوب الشرك و الرّیا و كدر المعاصى و هو الّذى اشیر إلیه فى قوله تعالى یوم لا ینفع مال و لا بنون . إلاّ من أتى اللّه بقلب سلیم ( أطاع من یهدیه ) من أئمة الهدى ( و تجنّب من ) یهلكه و ( یردیه ) من أئمة الضّلال و الرّدى ( و أصاب سبیل السّلامة ) و هى الجادّة الوسطى المحفوظة من رذیلتى الافراط و التّفریط و الصّراط المستقیم المؤدّى إلى جنّته و المبلّغ إلى رضوانه

[ 107 ]

و رحمته ( بنصر من بصره ) أى بعون امامه الحقّ الذى جعله بارشاده صاحب بصر و بصیرة فى سلوك سبیل السّلامة ( و طاعة هاد أمره ) بالمعروف و نهاه عن المنكر فاهتدى بأمره إلى الجادّة المستقیمة .

( و بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه ) علیه ( و تقطع أسبابه ) عنه بموته ، فانّ الموت إذا حلّ ارتفع التكالیف المحصّلة للسعادة و انسدّ أبواب الهدایة .

( و استفتح ) باب ( التّوبة و أماط الحوبة ) أى أزال الاثم و الخطیّة و نحّاها عن لوح نفسه بممحاة استغفاره و توبته ( فقد اقیم على الطریق و هدى نهج السّبیل ) الواضح أى أقامكم اللّه على ذلك و هداكم اللّه بما نزّل فی كتابه على نبیّه من محكمات آیاته كما أفصح عنه بقوله قالوا یا قومنا إنّا سمعنا كتاباً انزل من بعد موسى مصدّقا لما بین یدیه یهدى إلى الحقّ و إلى طریق مستقیم و قال انّ هذا القرآن یهدى للّتى هى أقوم فلم یبق بعد تلك الاقامة و الهدایة معذرة للمذنب و لا عتبى للمستعتب .

تذییل

قال الشّارح المعتزلى فى شرح قوله علیه السّلام : لم یسهم فیه عاهر و لا ضرب فیه فاجر :

فی هذا الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة فی أنسابهم طعن كما یقال إنّ آل سعد بن أبی وقاص لیسوا من بنى زهرة بن كلاب و أنهم من بنى عذرة من قحطان ،

و كما قالوا : إنّ آل الزّبیر بن العوام من أرض مصر من القبط و لیسوا من بنی اسد بن عبد العزى ، و كما یقال فی قوم آخرین نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما یطعن فى أنسابهم كى لا یظنّ بنا أنّا نحبّ القالة فی الناس إلى أن قال :

قال أبو عثمان یعنى الجاحظ : و بلغ عمر بن الخطاب أنّ اناسا من رواة الأشعار و حملة الآثار یعیبون الناس و یثلبونهم فی أسلافهم ، فقام على المنبر و قال : إیّاكم و ذكر العیوب و البحث عن الاصول فلو قلت لا یخرج الیوم من هذه الأبواب من لا وصمة فیه ، لم یخرج منكم أحد ، فقام رجل من قریش نكره أن نذكره فقال :

إذا كنت أنا و أنت یا أمیر المؤمنین نخرج ، فقال : كذبت بل كان یقال لك : یاقین

[ 108 ]

ابن قین اقعد .

قال الشارح : قلت : الرّجل الّذى قام هو المهاجر بن خالد بن الولید بن المغیرة المخزومى كان عمر یبغضه لبغضه أباه خالدا ، و لأنّ المهاجر كان علوىّ الرّأى جدّا و كان أخوه عبد الرّحمن بخلافه شهد المهاجر صفّین مع علیّ علیه السّلام و شهدها عبد الرحمن مع معاویة و كان مهاجر مع علیّ علیه السّلام یوم الجمل و فقئت ذلك الیوم عینه ، و لا الكلام الّذی بلغ عمر بلغه عن مهاجر ، و كان الولید بن المغیرة مع جلالته فی قریش حدّادا یصنع الدّروع و غیرها بیده .

قال : و روى أبو الحسن المداینى هذا الخبر فی كتاب امّهات الخلفاء ، و قال :

إنّه روى عند جعفر بن محمّد علیه السّلام بالمدینة ، فقال علیه السّلام : لا تلمه یا ابن أخی إنّه أشفق أن یحدج بقضیّة نفیل بن عبد العزّى و صهّاك امة الزّبیر بن عبد المطلب ، ثمّ قال علیه السّلام : رحم اللّه عمر فانّه لم یعد السّنة و تلا « إنّ الّذین یحبّون أن تشیع الفاحشة فی الذین آمنوا لهم عذاب ألیم » انتهى كلام الشارح .

اقول قول الصادق علیه السّلام : إنّه أشفق أن یحدج بقضیّة نفیل آه إشارة إلى ما قدّمنا فی شرح الفصل الثانی من الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقیّة من نسب عمر تفصیلا و عرفت هناك أنّ نسبه الكثیف أنجس من جمیع أنساب أولاد البغایا المدنسة بأنجاس الجاهلیّة لم یسبقه فی ذلك سابق و لم یلحقه لاحق ، و أقول هنا مضافا إلى ما سبق :

روى الشیخ الكلینی فی كتاب الرّوضة من الكافی عن الحسین عن أحمد بن هلال عن زرعة عن سماعة قال :

تعرّض رجل من ولد عمر بن الخطاب بجاریة رجل عقیلی فقالت له : إنّ هذا العمری قد أذانى ، فقال لها : عدیه و ادخلیه الدّهلیز ، فأدخلته فشدّ علیه فقتله و ألقاه فی الطریق فاجتمع البكریّون و العمریّون و العثمانیّون و قالوا : ما لصاحبنا كفو أن یقتل به إلاّ جعفر بن محمّد ، و ما قتل صاحبنا غیره ، و كان أبو عبد اللّه علیه السّلام قد مضى نحو قبا ، فلقیته بما اجتمع القوم علیه ، فقال علیه السّلام : دعهم ، فلمّا جاء و رأوه

[ 109 ]

وثبوا علیه ، و قالوا : ما قتل صاحبنا أحد غیرك و ما یقتل به أحد غیرك ، فقال علیه السّلام :

لیكلمنى منكم جماعة فاعتزل قوم منهم فأخذ بأیدیهم و أدخلهم المسجد ، فخرجوا و هم یقولون : شیخنا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد معاذ اللّه أن یكون مثله یفعل هذا و لا یأمر به انصرفوا .

قال : فمضیت معه فقلت : جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخطهم قال علیه السّلام : نعم دعوتهم فقلت : أمسكوا و إلاّ أخرجت الصحیفة .

فقلت : و ما هذه الصحیفة جعلنی اللّه فداك ؟

فقال علیه السّلام : إنّ امّ الخطّاب كانت أمة للزّبیر بن عبد المطّلب ، فسطر بها نفیل فأحبلها ، فطلبه الزّبیر فخرج هاربا إلى الطایف ، فخرج الزّبیر خلفه ، فبصرت به ثقیف فقالوا : یا با عبد اللّه ما تعمل ههنا ؟ قال : جاریتی سطر بها نفیلكم ،

فهرب منه إلى الشّام ، و خرج الزّبیر فی تجارة له إلى الشّام ، فدخل على ملك الدّومة فقال له : یا با عبد اللّه لی الیك حاجة ، قال : و ما حاجتك أیّها الملك ؟ فقال :

رجل من أهلك قد أخذت ولده فاحبّ أن یردّه علیه ، قال : لیظهر لی حتّى أعرفه ،

فلمّا أن كان من الغد دخل إلى الملك ، فلمّا رآه الملك ضحك فقال : ما یضحكك أیّها الملك ؟ قال : ما أظنّ هذا الرّجل ولدته عربیّة لما رآك قد دخلت لم یملك استه أن جعل یضرط ، فقال أیّها الملك إذا صرت إلى مكّة قضیت حاجتك ، فلمّا قدم الزّبیر تحمّل 1 علیه ببطون قریش كلّها أن یدفع الیه ابنه فأبی ، ثمّ تحمّل علیه بعبد المطّلب فقال : ما بینی و بینه 2 عمل أما علمتم ما فعل فی ابنی فلان ، و لكن امضوا أنتم الیه فكلّموه ، فقصدوه و كلّموه فقال : لهم : إنّ الشّیطان له دولة و إنّ ابن هذا ابن الشّیطان و لست آمن أن یترأس علینا ، و لكن ادخلوه من باب المسجد علىّ على أن أحمی له حدیدة و أخطّ فى وجهه خطوطا و أكتب علیه و على ابنه أن لا یتصدّر فی مجلس و لا یتأمّر على أولادنا و لا یضرب معنا بسهم ، قال : ففعلوا و خطّ

-----------
( 1 ) أى استشفع .

-----------
( 2 ) أى الزبیر .

[ 110 ]

وجهه بالحدیدة و كتب علیه الكتاب عندنا ، فقلت لهم : إن أمسكتم و إلاّ أخرجت الكتاب ففیه فضیحتكم ، فأمسكوا .

بیان

قول عبد المطلب : أما علمتم ما فعل فی ابنی فلان أراد به العبّاس و كنی عنه الامام علیه السّلام تقیّة من خلفاء العبّاسیّة .

و هو إشارة إلى ما رواه فی الرّوضة أیضا عن أبیعبد اللّه علیه السّلام فی حدیث قال :

إنّ نثیلة كانت أمة لأمّ الزّبیر و أبی طالب و عبد اللّه فأخذها عبد المطّلب فأولدها فلانا فقال له الزّبیر هذه الجاریة ورثناها من امّنا و ابنك هذا عبدلنا ، فتحمل علیه ببطون قریش ، قال : فقال : قد أجبتك على خلّة على أن لا یتصدّر ابنك هذا معنا فی مجلس و لا یضرب معنا بسهم ، فكتب علیه كتابا و أشهد علیه .

الترجمة

از جمله خطبهاى بلاغت نظام آن امام علیه السّلام است مى‏فرماید :

شهادت میدهم بر اینكه بتحقیق خداوند تعالى عادلى است كه عدالت كرده در احكام و أفعال خود ، و حاكمى است كه فصل فرموده میان حق و باطل ، و شهادت میدهم بر اینكه محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بنده او و فرستاده اوست و آقاى بندگان اوست ،

هر وقتى كه نقل كرد خلق را از أصلاب بأرحام و قسمت كرد ایشان را بدو فرقه ،

گردانید آن بزرگوار را در بهترین آن دو فرقه ، صاحب سهم نشد در نسب شریف آن زناكارى ، و شریك و صاحب نصیب نگردید در اصل آن فاسق فاجرى .

آگاه باشید كه بتحقیق خداى تعالى قرار داده است از براى عمل خیر كه طاعات و قرباتست اهل معیّنى ، و از براى عقاید و أعمال حقّه ستونها و پایهائى ،

و از براى عبادت و اطاعت حافظان و نگاه دارندگانى یا حفظهائى از مهالك دنیا و آخرت و بتحقیق كه شما راست نزد هر طاعتى معینى و ناصرى از جانب خدا كه میگوید بزبانها و برقرار میگرداند دلها را و در آن معین كفایت است از براى اكتفا كننده و شفاست از براى طالب شفا .

[ 111 ]

و بدانید كه بتحقیق بندگان خدا كه از ایشان طلب حفظ علم او شده حفظ میكنند آن علمى را كه لازم الحفظ و از قبیل اسرار است ، و جارى میكنند چشمهاى آن علمى را كه باید بمردم اظهار نمود از قبیل تكالیف و احكام ، وصلت مى‏كنند ایشان با یكدیگر با نصرت و یارى ، و ملاقات میكنند با آشتى و محبّت ، و سیراب مى‏كنند یكدیگر را با كاسه سیراب كننده علم و معرفت ، و باز مى‏گردند با سیرابى مخلوط نمى‏شود باعتقادات ایشان شك و شبهه ، و نشتابد بسوى ایشان غیبت كنندگان بجهت طهارت نفوس ایشان ، بر این أوصاف بسته و عقد كرده است خداى تعالى خلقت و اخلاق ایشان را پس بالاى این عقد خلقى و خلقتى با همدیگر در مقام محابه میباشند و بسبب آن در مقام وصالند ، پس هستند ایشان در زیادتی مرتبه و تفاوت درجه نسبت بسایرین مثل زیادتى تخم نسبت ببقیّه آن در حالتى كه امتیاز داده است او را خالص گردانیدن و پاكیزه كرده او را تمیز كردن .

پس باید قبول نماید مرد كرامت را بسبب قبول این صفات ، و باید بپرهیزد از مرگ با شدّت پیش از حلول آن ، پس باید نگاه كند مرد در كوتاهى روزگارش و كمى درنگش در منزلى تا آنكه بدل كند بآن منزل منزل دیگر را ، پس باید كارى كند از براى مكان رجوع خود ، و از براى علامات محلّ انتقال خود .

پس خوشحالى از براى صاحب قلب با سلامتى است كه اطاعت كرد كسى را كه هدایت كند او را ، و بیگانگى كرد از كسى كه هلاك نماید او را ، و رسیده راه سلامت را بسبب نصرت و یارى كسى كه صاحب بصیرت كرد او را ، و اطاعت هدایت كننده كه امر كرد او را و مبادرت نمود بهدایت پیش از آنى كه بسته شود درهاى آن ،

و بریده شود اسباب آن ، و طلب نمود گشودن در توبه را ، و ازاله نمود گناه را پس بتحقیق كه اقامه شد براه حق و هدایت شد بر راه راست .