[ 216 ] و من خطبة له ع خطبها بصفین

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِی عَلَیْكُمْ حَقّاً بِوِلاَیَةِ أَمْرِكُمْ وَ لَكُمْ عَلَیَّ مِنَ اَلْحَقِّ مِثْلُ اَلَّذِی لِی عَلَیْكُمْ فَالْحَقُّ أَوْسَعُ اَلْأَشْیَاءِ فِی اَلتَّوَاصُفِ وَ أَضْیَقُهَا فِی اَلتَّنَاصُفِ لاَ یَجْرِی لِأَحَدٍ إِلاَّ جَرَى عَلَیْهِ وَ لاَ یَجْرِی عَلَیْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ وَ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ یَجْرِیَ لَهُ وَ لاَ یَجْرِیَ عَلَیْهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لِعَدْلِهِ فِی كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَیْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ یُطِیعُوهُ وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَیْهِ مُضَاعَفَةَ اَلثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ اَلْمَزِیدِ أَهْلُهُ حق الوالی و حق الرعیة ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً اِفْتَرَضَهَا لِبَعْضِ اَلنَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِی وُجُوهِهَا وَ یُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ لاَ یُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ وَ أَعْظَمُ مَا اِفْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ اَلْحُقُوقِ حَقُّ اَلْوَالِی عَلَى اَلرَّعِیَّةِ وَ حَقُّ اَلرَّعِیَّةِ عَلَى اَلْوَالِی فَرِیضَةٌ فَرَضَهَا اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَ عِزّاً لِدِینِهِمْ فَلَیْسَتْ تَصْلُحُ اَلرَّعِیَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ اَلْوُلاَةِ وَ لاَ تَصْلُحُ اَلْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ اَلرَّعِیَّةِ فَإِذَا أَدَّتْ اَلرَّعِیَّةُ إِلَى اَلْوَالِی حَقَّهُ وَ أَدَّى اَلْوَالِی إِلَیْهَا حَقَّهَا عَزَّ اَلْحَقُّ بَیْنَهُمْ وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ اَلدِّینِ وَ اِعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ اَلْعَدْلِ وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا اَلسُّنَنُ فَصَلَحَ بِذَلِكَ اَلزَّمَانُ وَ طُمِعَ فِی بَقَاءِ اَلدَّوْلَةِ وَ یَئِسَتْ مَطَامِعُ اَلْأَعْدَاءِ وَ إِذَا غَلَبَتِ اَلرَّعِیَّةُ وَالِیَهَا أَوْ أَجْحَفَ اَلْوَالِی بِرَعِیَّتِهِ اِخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ اَلْكَلِمَةُ وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ اَلْجَوْرِ وَ كَثُرَ اَلْإِدْغَالُ فِی اَلدِّینِ وَ تُرِكَتْ مَحَاجُّ اَلسُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وَ عُطِّلَتِ اَلْأَحْكَامُ وَ كَثُرَتْ عِلَلُ اَلنُّفُوسِ فَلاَ یُسْتَوْحَشُ لِعَظِیمِ حَقٍّ عُطِّلَ وَ لاَ لِعَظِیمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ اَلْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ اَلْأَشْرَارُ وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ اَلْعِبَادِ فَعَلَیْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِی ذَلِكَ وَ حُسْنِ اَلتَّعَاوُنِ عَلَیْهِ فَلَیْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اِشْتَدَّ عَلَى رِضَا اَللَّهِ حِرْصُهُ وَ طَالَ فِی اَلْعَمَلِ اِجْتِهَادُهُ بِبَالِغٍ حَقِیقَةَ مَا اَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ اَلطَّاعَةِ لَهُ وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اَللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ اَلنَّصِیحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ وَ اَلتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ اَلْحَقِّ بَیْنَهُمْ وَ لَیْسَ اِمْرُؤٌ وَ إِنْ عَظُمَتْ فِی اَلْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ وَ تَقَدَّمَتْ فِی اَلدِّینِ فَضِیلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ یُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اَللَّهُ مِنْ حَقِّهِ وَ لاَ اِمْرُؤٌ وَ إِنْ صَغَّرَتْهُ اَلنُّفُوسُ وَ اِقْتَحَمَتْهُ اَلْعُیُونُ بِدُونِ أَنْ یُعِینَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ یُعَانَ عَلَیْهِ فَأَجَابَهُ ع رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَلاَمٍ طَوِیلٍ یُكْثِرُ فِیهِ اَلثَّنَاءَ عَلَیْهِ وَ یَذْكُرُ سَمْعَهُ وَ طَاعَتَهُ لَهُ فَقَالَ ع إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلاَلُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فِی نَفْسِهِ وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ یَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اَللَّهِ عَلَیْهِ وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَیْهِ فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ اِزْدَادَ حَقُّ اَللَّهِ عَلَیْهِ عِظَماً وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاَتِ اَلْوُلاَةِ عِنْدَ صَالِحِ اَلنَّاسِ أَنْ یُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ اَلْفَخْرِ وَ یُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى اَلْكِبْرِ وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ یَكُونَ جَالَ فِی ظَنِّكُمْ أَنِّی أُحِبُّ اَلْإِطْرَاءَ وَ اِسْتِمَاعَ اَلثَّنَاءِ وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اَللَّهِ كَذَلِكَ وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ یُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ اِنْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ اَلْعَظَمَةِ وَ اَلْكِبْرِیَاءِ وَ رُبَّمَا اِسْتَحْلَى اَلنَّاسُ اَلثَّنَاءَ بَعْدَ اَلْبَلاَءِ فَلاَ تُثْنُوا عَلَیَّ بِجَمِیلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِی نَفْسِی إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَیْكُمْ مِنَ اَلتَّقِیَّةِ فِی حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وَ فَرَائِضَ لاَ بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا فَلاَ تُكَلِّمُونِی بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ اَلْجَبَابِرَةُ وَ لاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّی بِمَا یُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ اَلْبَادِرَةِ وَ لاَ تُخَالِطُونِی بِالْمُصَانَعَةِ وَ لاَ تَظُنُّوا بِی اِسْتِثْقَالاً فِی حَقٍّ قِیلَ لِی وَ لاَ اِلْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِی فَإِنَّهُ مَنِ اِسْتَثْقَلَ اَلْحَقَّ أَنْ یُقَالَ لَهُ أَوِ اَلْعَدْلَ أَنْ یُعْرَضَ عَلَیْهِ كَانَ اَلْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَیْهِ فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّی لَسْتُ فِی نَفْسِی بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ وَ لاَ آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِی إِلاَّ أَنْ یَكْفِیَ اَللَّهُ مِنْ نَفْسِی مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّی فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِیدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَیْرُهُ یَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِیهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَیْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ اَلضَّلاَلَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا اَلْبَصِیرَةَ بَعْدَ اَلْعَمَى

و من خطبة له علیه السّلام خطبها بصفین و هى المأتان و الخامسة عشر من المختار فى باب الخطب

و هى مرویّة فی كتاب الرّوضة من الكافی باختلاف كثیر و زیادة و نقصان حسبما تعرفه إنشاء اللّه تعالى بعد الفراغ من شرح تمام الخطبة فی التكملة الآتیة ،

و شرحها فی فصلین :

الفصل الاول

أمّا بعد فقد جعل اللّه لی علیكم حقّا بولایة أمركم ، و لكم علیّ من الحقّ مثل الّذی لی علیكم ، فالحقّ أوسع الأشیاء فی التّواصف ،

و أضیّقها فی التّناصف ، لا یجری لأحد إلاّ جرى علیه ، و لا یجری علیه

[ 121 ]

إلاّ جرى له ، و لو كان لأحد أن یجری له و لا یجری علیه لكان ذلك خالصا للّه سبحانه دون خلقه ، لقدرته على عباده ، و لعدله فی كلّ ما جرت علیه صروف قضائه ، و لكنّه جعل حقّه على العباد أن یطیعوه ، و جعل جزائهم علیه مضاعفة الثّواب تفضّلا منه ، و توسّعا بما هو من المزید أهله .

ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض النّاس على بعض ،

فجعلها تتكافوء فی وجوهها ، و یوجب بعضها بعضا ، و لا یستوجب بعضها إلاّ ببعض .

و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالی على الرّعیّة و حقّ الرّعیّة على الوالی ، فریضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ ،

فجعلها نظاما لالفتهم ، و عزّا لدینهم ، فلیست تصلح الرّعیّة إلاّ بصلاح الولاة ، و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعیّة .

فإذا أدّت الرّعیّة إلى الوالی حقّه ، و أدّى الوالی إلیها حقّها ، عزّ الحقّ بینهم ، و قامت مناهج الدّین ، و اعتدلت معالم العدل ، و جرت على أذلالها السّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، و طمع فی بقاء الدّولة ، و یئست مطامع الأعداء .

[ 122 ]

و إذا غلبت الرّعیّة و الیها و أجحف الوالی برعیّته ، اختلفت هنالك الكلمة ، و ظهرت معالم الجور ، و كثر الإدغال فی الدّین ، و تركت محاجّ السّنن ، فعمل بالهوى ، و عطّلت الأحكام ، و كثرت علل النّفوس ، فلا یستوحش لعظیم حقّ عطّل ، و لا لعظیم باطل فعل ،

فهنالك تذلّ الأبرار ، و تعزّ الأشرار ، و تعظم تبعات اللّه سبحانه عند العباد .

فعلیكم بالتّناصح فی ذلك ، و حسن التّعاون علیه ، فلیس أحد و إن اشتدّ على رضاء اللّه حرصه ، و طال فی العمل اجتهاده ، ببالغ حقیقة ما اللّه سبحانه أهله من الطّاعة له ، و لكن من واجب حقوق اللّه سبحانه على عباده النّصیحة بمبلغ جهدهم ، و التّعاون على إقامة الحقّ بینهم ،

و لیس امرء و إن عظمت فی الحقّ منزلته ، و تقدّمت فی الدّین فضیلته ،

بفوق أن یعان على ما حمّله اللّه من حقّه ، و لا امرء و إن صغّرته النّفوس و اقتحمته العیون بدون أن یعین على ذلك أو یعان علیه .

اللغة

( تواصفوا ) الشى‏ء أى وصفه بعضهم على بعض و ( تناصف ) النّاس أنصف بعضهم لبعض و ( صروف ) الدّهر تغیّراته و انقلاباته جمع الصّرف و ( التّكافؤ ) التّساوی و الاستواء و ( یستوجب ) بالبناء على المفعول و ( المنهج ) واضح الطریق و ( ذلّ ) الطریق بالكسر محجّتها و الجمع أذلال كحبر و أخبار و ( الادغال )

[ 123 ]

بالكسر أن یدخل فی الشی‏ء ما لیس منه و بالفتح جمع الدّغل محرّكة كأسباب و سبب هو الفساد و ( المحاجّ ) بتشدید الجیم جمع المحجّة بفتح المیم و هى الجادّة .

و ( تذلّ ) و ( تعزّ ) بالبناء على الفاعل من باب ضرب و فی بعض النّسخ بالبناء على المفعول و ( التّبعة ) و زان كلمة ما تطلبه من ظلامة و الجمع تبعات و ( نصحت ) له نصحا و نصیحة و فی لغة یتعدّى بنفسه فیقال نصحته و هو الاخلاص و الصّدق و المشورة و العمل .

و قال الجزرى النّصیحة فى اللّغة الخلوص یقال : نصحته و نصحت له و معنى نصیحة اللّه صحّة الاعتقاد فی وحدانیّته و اخلاص النّیة فی عبادته ، و النّصیحة لكتاب اللّه هو التّصدیق به و العمل بما فیه ، و نصیحة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم التّصدیق بنبوّته و رسالته و الانقیاد لما امر به و نهى عنه ، و نصیحة الأئمة أن یطیعهم فی الحقّ ،

و نصیحة عامّة المسلمین إرشادهم إلى مصالحهم .

الاعراب

قوله : لكان ذلك خالصا للّه سبحانه دون خلقه ، خالصا خال من ذلك و العامل فیه كان ، و على قول بعض النّحویّین من أنّ جمیع العوامل اللّفظیّة تعمل فی الحال إلاّ كان و اخواتها ، فلابدّ من جعل كان تامّة و دون خلقه فی محلّ النصب أیضا على الحال ، و هى حال مؤكّدة .

و قوله : و توسّعا بما هو من المزید أهله ، توسّعا منصوب على المفعول لأجله ، و ما موصولة و جملة هو أهله مبتدء و خبر صلة ما و من المزید بیان لما .

و قوله : فریضة فرضها اللّه فی بعض النّسخ بالنّصب على الاشتغال أو على الحال كما قاله بعض الشّراح ، و فی بعضها بالرّفع على أنّه خبر لمبتدء محذوف .

و قوله : ببالغ خبر لیس اعترضت بینهما جملة و ان اشتدّ آه و الباء فیه زایدة ،

و قوله : أو یعان علیه فی بعض النّسخ بالواو بدل أو .

[ 124 ]

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشّریفة حسبما أشار الیه الرّضی و یأتی فی روایة الكافی أیضا فی آخر الفصل الثانی من جملة الخطب الّتی خطبها بصفّین ، و عمدة غرضه علیه السّلام فی هذا الفصل منها نصیحة المخاطبین و ارشادهم إلى ما هو صلاحهم فى الدّنیا و الآخرة من اتّباعهم لأمره و اطاعتهم له و إسراعهم فیما یأمر و ینهی و اتّفاقهم على التّعاون و التّناصف و غیر ذلك من وجوه مصالح محاربة القاسطین لعنهم اللّه أجمعین قال علیه السّلام ( أمّا بعد ) حمد اللّه عزّ و جلّ و الصلاة على رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( فقد جعل اللّه ) عزّ شأنه ( لى علیكم حقّا بولایة أمركم ) أى لى علیكم حقّ الطاعة لأنّ اللّه جعلنى والیا علیكم متولّیا لاموركم و أنزلنى منكم منزلة عظیمة هى منزلة الامامة و الولایة و السّلطنة و وجوب الطّاعة كما قال عزّ من قائل أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و اولى الأمر منكم .

( و لكم علىّ من الحقّ مثل الّذى لى علیكم ) أراد بالحقّ الّذى لهم علیه ما هو حقّ الرّعیّة على الوالى ، و الحقّان متماثلان فى الوجوب ، و قد صرّح بهما فى الخطبة الرّابعة و الثلاثین بقوله :

أیّها النّاس إنّ لى علیكم حقّا و لكم علىّ حقّ ، فأمّا حقّكم علىّ فالنّصیحة لكم و توفیر فیئكم علیكم و تعلیمكم كیلا تجهلوا و تأدیبكم كما تعلموا ،

و أمّا حقّی علیكم فالوفاء بالبیعة و النصیحة فی المشهد و المغیب و الاجابة حین أدعوكم و الطّاعة حین آمركم .

( فالحقّ أوسع الأشیاء فى التواصف ) یعنی إذا أخذ النّاس فی بیان الحقّ و وصفه بعضهم لبعض كان لهم فی ذلك مجال واسع لسهولته على الألسنة ( و أضیقها فی التناصف ) یعنی إذا حضر التناصف بینهم أى انصاف بعضهم لبعض فطلب منهم ضاق علیهم المجال لشدّة العمل و صعوبة الانصاف .

و محصّله سعة الحقّ فی مقام الوصف و القول و ضیقه فی مقام الانصاف و العمل .

( لا یجرى لأحد إلاّ جرى علیه و لا یجرى علیه إلاّ جرى له ) لمّا ذكر حقّه

[ 125 ]

علیهم و حقّهم علیه اتبعه بهذه الجملة تأكیدا و ایذانا بأنّ جریان حقّه علیهم إنّما هو بجریان حقّهم علیه و بالعكس ، و فیه توطین لأنفسهم على ما علیهم و تشویق لهم إلى ما لهم .

و انّما ساق الكلام مساق العموم تنبیها على أنّ اللاّزم على كلّ أحد أن یقوم فی الحقوق بماله و ما علیه بمقتضی العدل و الانصاف ، فإنّ حقّ الوالی على الرّعیّة و الرّعیّة على الوالی و الوالد على الولد و الولد على الوالد و الزّوج على الزّوجة و الزّوجة على الزّوج و المعلّم على المتعلّم و المتعلّم على المعلّم و الجار على الجار و غیرهم من ذوى الحقوق حسبما نشیر الیهم تفصیلا إنّما هو بالتّناصف بین الطرفین .

و یوضحه ما فی البحار من الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن النّوفلى عن السّكونى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : حقّ على المسلم إذا أراد سفرا أن یعلم إخوانه ، و حقّ على إخوانه إذا قدم أن یأتوه .

قال العلامة المجلسى فیه ایماء إلى أنّه إذا لم یعلمهم عند الذّهاب لا یلزم علیهم اتیانه بعد الایاب .

( و لو كان لأحد أن یجرى له ) حقّ على غیره ( و لا یجرى ) لغیره ( علیه لكان ذلك ) الحقّ الجارى ( خالصا للّه سبحانه دون خلقه ) أى متجاوزا عن حقّه و ذلك ( لقدرته على عباده ) و عجز غیره ، فیجوز له أن یجرى حقّه علیهم و یطلب منهم الطّاعة و ینفذ أمره فیهم الزاما فیطیعوه قهرا بدون امكان تمرّد أحد منهم عن طاعته لكونه قاهرا فوق عباده فعّالا لما یشاء ، لا رادّ لحكمه و لا دافع لقضائه كما قال تعالى و لو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلّهم جمیعا .

و لمّا كان هنا مظنّة أن یتوهّم و یقال إنه إذا جرى حقّه علیهم و خرجوا من عهدته و قاموا بوظایف عبودیّته و طاعته طوعا أو كرها یكون حینئذ لهم حقّ علیه و هو جزاء ما أتوا به فلو لم یجزهم لكان ذلك منافیا للعدل دفع ذلك التّوهم بقوله :

( و لعدله فى كلّ ما جرت علیه صروف قضائه ) و أنواعه المتغیّرة المتبدّلة ،

یعنی أنّ الجزاء لیس مقتضی العدل حتّى یكون عدمه منافیا له بل هو العادل فى

[ 126 ]

جمیع مقضیّاته و مقدّراته لا یسأل عمّا یفعل و هم یسألون ، نعم هو مقتضى التّفضّل ،

و التّفضّل لیس بلازم علیه فلا یثبت لعباده باطاعتهم له حقّ لهم علیه ، هكذا ینبغى أن یفهم المقام .

و قد تاه فیه أفهام الشرّاح فمنهم من طوى عن تحقیقه كشحا و منهم من خبط فیه خبطة عشواء ، فانظر ماذا ترى .

و قریب ممّا حققناه ما قاله العلاّمة المجلسى فى البحار حیث قال فى شرح ذلك : و الحاصل أنه لو كان لأحد أن یجعل الحقّ على غیره و لم یجعل له على نفسه لكان هو سبحانه أولى بذلك ، و استدلّ على الأولویّة بوجهین :

الأوّل القدرة ، فانّ غیره تعالى لو فعل ذلك لم یطعه أحد و اللّه قادر على جبرهم و قهرهم و الثانى أنه لو لم یجزهم على أعمالهم و كلّفهم بها لكان عادلا لأنّ له من النعم على العباد ما لو عبدوه أبدا الدّهر لم یوفوا حقّ نعمة واحدة هنها ، انتهى فقد علم بذلك كلّه أنه عزّ و جلّ لیس بمقتضى عدله لأحد علیه حقّ .

( و لكنه ) عزّ شأنه مع ذلك قد ( جعل ) له على عباده حقا و لهم علیه كذلك بمقتضى انعامه و فضله فجعل ( حقه على العباد أن یطیعوه ) و یوحّدوه ( و جعل جزاءهم ) لم یقل حقّهم رعایة للأدب و دفعا لتوهّم الاستحقاق أى جعل جزاء طاعتهم ( علیه مضاعفة الثواب ) كما قال تعالى فأمّا الّذین آمنوا و عملوا الصّالحات فیوفّیهم اجورهم و یزیدهم من فضله و قال مثل الّذین ینفقون أموالهم فى سبیل اللّه كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل فى كلّ سنبلة مأة حبّة و اللّه یضاعف لمن یشاء » .

( تفضّلا منه و توسعا بما هو من المزید أهله ) فیه تنبیه على أنّ الحقّ الذى جعل لهم علیه أعظم مما أتوا به مع عدم كونه من جهة الاستحقاق بل لمحض التفضل و الانعام بما هو أهله من الزّیادة و التوسعة .

و لما بیّن حقّ اللّه على عباده و هو الحقّ الذى له لنفسه عقّبه ببیان حقوق الناس بعضهم على بعض فقال :

[ 127 ]

( ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض ) و جعلها من حقوقه لافتراضها من قبله تعالى و فى القیام بها إطاعة له و امتثال لأمره ، فتكون بهذا الاعتبار من حقوقه الواجبة على عباده ، و هذه الجملة توطئة و تمهید لما یرید أن ینبّه علیه من كون حقه علیه السّلام واجبا علیهم من قبله تعالى و كون القیام به اطاعة له عزّ و علا فیكون ذلك أدعى لهم على أدائه .

( فجعلها ) أى تلك الحقوق التى بین الناس ( تتكافؤ ) و تتقابل ( فى وجوهها ) أى جعل كلّ وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله ، فحقّ الوالى على الرعیّة مثلا و هو الطاعة مقابل بمثله فهو العدل و حسن السیرة الذى هو حقّ الرّعیة على الوالى ( و یوجب بعضها بعضا و لا یستوجب ) أى لا یستحقّ ( بعضها إلاّ ببعض ) كما أنّ الوالى إذا لم یعدل لا یستحقّ الطاعة و الزّوجة إذا كانت ناشزة لا یستحقّ النّفقة .

و لمّا مهّد ما مهّد تخلّص إلى غرضه الأصلی فقال ( و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق ) المتكافئة ( حقّ الوالی على الرّعیّة و حقّ الرّعیّة على الوالی ) و إنّما كان من أعظم الحقوق لكون مصلحته عامّة لجمیع المسلمین و باعثا على انتظام أمر الدین .

و لذلك أكّده بقوله ( فریضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ ) و أشار إلى وجوه المصلحة فیها بقوله ( فجعلها نظاما لألفتهم و عزّا لدینهم ) لأنّها سبب اجتماعهم و بها یقهرون أعداءهم و یعزون أدیانهم ( فلیست تصلح الرّعیّة إلاّ بصلاح الولاة ) كما هو المشاهد بالعیان و التجربة و شهدت علیه العقول السّلیمة ( و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعیّة ) فی الطاعة إذ بمخالفتهم و عصیانهم یؤل جمعهم إلى الشّتات و حبل نظامهم إلى التّبات .

( فاذا أدّت الرّعیّة إلى الوالی حقّه ) و أطاعوه ( و أدّى الوالی إلیها حقّها ) و عدل ( عزّ الحقّ بینهم ) أى یكون عزیزا ( و قامت مناهج الدّین ) و سبله ( و اعتدلت معالم العدل ) أى مظانّه أو العلامات الّتی نصبت فی طریق العدل لسلوكه ( و جرت على أذلالها السّنن ) أى جرت على محاجّها و مسالكها بحیث لا تكون فیها اعوجاج

[ 128 ]

و تحریف .

( فصلح بذلك الزّمان ) نسبة الصّلاح إلى الزّمان من باب التوسّع و المراد صلاح حال أهله بانتظام امورهم الدّنیویّة و الاخرویّة ( و طمع فی بقاء الدّولة ) و السّلطنة ( و یئست مطامع الاعداء ) أى أطماعها باتّفاق أهل المملكة و قوّتهم .

( و ) أمّا ( إذا ) كان الأمر بخلاف ذلك بأن ( غلبت الرّعیة والیها و أجحف الوالی برعیّته ) أى تعدّى علیهم و ظلمهم ف ( اختلفت هنا لك الكلمة ) باختلاف الآراء ( و ظهرت معالم الجور ) أى علاماته ، إذ بغلبة الرّعیّة على الوالی و إجحاف الوالی یحصل الهرج و المرج و یختلط النّاس بعضهم ببعض و یتسلّط الأشرار على الأبرار و یظلم الأقویاء للضّعفاء ( و كثر الادغال ) أى الابداع و التلبیس أو المفاسد ( فى الدّین ) لاختلاف الأهواء و أخذ كلّ بما یشتهیه نفسه ممّا هو مخالف للدّین و مفسد له ( و تركت محاجّ السّنن ) أى طرقها الواضحة لاعراض النّاس عنها ( فعمل بالهوى و عطّلت الأحكام ) الشرعیّة و التكالیف الدّینیة ( و كثرت علل النفوس ) أى أمراضها بما حصلت لها من الملكات الرّدیّة كالحقد و الحسد و العداوة و نحوها و قیل عللها وجوه ارتكاباتها للمنكرات فیأتی كلّ منكر بوجه و علة و رأى فاسد ( فلا یستوحش لعظیم حقّ عطّل ) لكثرة تعطیل الحقوق و كونه متداولا متعارفا بینهم ( و لا لعظیم باطل فعل ) لشیوع الباطل و اعتیادهم علیه مع كونه موافقا لهواهم ( فهنا لك تذلّ الأبرار ) لذلّة الحقّ الّذى هم أهله ( و تعزّ الاشرار ) لعزّة الباطل الّذى هم أهله ( و تعظم تبعات اللّه عند العباد ) إضافة التّبعات و هى المظالم إلیه تعالى باعتبار أنّه المطالب بها و المؤاخذ علیها و إلاّ فالتّبعات فى الحقیقة لبعض النّاس عند بعض .

و لمّا ذكر مصالح قیام كلّ من الوالى و الرّعیّة بما علیها من الحقوق و مفاسد تركها أمرهم بالمواظبة على الحقّ و قال :

[ 129 ]

( فعلیكم بالتناصح فى ذلك و حسن التعاون ) علیه أى بنصیحة بعضكم لبعض و إعانة كلّ منكم لآخر فى سلوك نهج الحقّ و إقامة أعلامه .

و أكّد الزامهم بالتّناصح و التعاون بقوله : ( فلیس أحد و إن اشتدّ على رضاء اللّه حرصه و طال فى العمل اجتهاده ) و سعیه ( ببالغ حقیقة ما اللّه أهله من الطاعة له ) أى لا یمكن لأحد أن یبلغ مدى عبادة اللّه و حقیقة طاعته و إن أتعب فیها نفسه و بذل جهده و بلغ كلّ مبلغ .

( و لكن من واجب حقوق اللّه على العباد « عباده » النصیحة ) أى نصیحة بعضهم لبعضهم ( بمبلغ جهدهم و التعاون على إقامة الحقّ بینهم ) بقدر ما یمكنهم لا بقدر ما هو أهله و یستحقّه ، فانّ ذلك غیر ممكن .

و لمّا حثّ على التعاون و التناصح أردفه بقوله : ( و لیس امرء و ان عظمت فى الحقّ منزلته و تقدّمت فى الدّین فضیلته بفوق أن یعان على ما حمّله اللّه من حقّه ) و دفع بذلك ما ربما یسبق إلى بعض الأوهام من أنّ البالغ إلى مرتبة الكمال فى الطّاعة و الحایز قصب سبق الفضیلة كمثله علیه السّلام و سایر ولاة العدل أىّ حاجة له إلى المعین .

وجه الدّفع أنّ البالغ إلى مرتبة الكمال أىّ مرتبة كانت و المتقدّم فى الفضیلة أىّ فضیلة تكون لا استغناء له عن المعین و لا مقامه أرفع من أن یعان على ما حمله اللّه تعالى و كلّفه به من طاعته الذى هو حقه .

و ذلك لأنّ من جملة التكالیف ما هو من عظائم الامور كالجهاد فى سبیل اللّه و اقامة الحدود و نشر الشرایع و الأحكام و جبایة الصدقات و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و نحو ذلك مما هو وظیفة الامام و نایبه ، و معلوم أنه محتاج فى هذه التكالیف و ما ضاهاها إلى إعانة الغیر البتّة .

ثمّ أردفه بقوله ( و لا امرؤ و إن صغّرته النفوس و اقتحمته ) أى احتقرته ( العیون بدون أن یعین على ذلك أو یعان علیه ) .

و دفع بذلك ما ربما یسبق إلى بعض الأوهام أیضا من أنّ بعض الناس من

[ 130 ]

السوقة و السفلة أىّ حاجة إلى إعانتهم و أىّ فایدة فى معاونتهم وجه الدّفع أنّ ذلك البعض و ان كان بالغا ما بلغ فى الحقارة و الدّناءة و انحطاط الشأن لكنه لیس بأدون و أحقر من أن یكون معینا على الحقّ و لو فى صغایر الامور و محقّراتها مثل أن یكون راعیا لدواب المجاهدین أو سقاء لهم أو حطابا أو خیاطا و لا أقلّ من أن یكون خاصفا لنعلهم ، فانّ فى ذلك كلّه إعانة الحقّ و أهله أو معانا علیه و لو بأداء الأخماس و دفع الصّدقات إلیهم و لا أقلّ من تعلیمه معالم دینه و أمره بالمعروف و نهیه عن المنكر .

و محصّل المراد بالجملتین المتعاطفتین من قوله علیه الصلاة و السلام و لیس امرء إلى قوله علیه السّلام یعان علیه دفع توهّم عدم الحاجة إلى الاعانة فى العظماء لرفعة شأنهم و عدم الاحتیاج إلى الضعفاء لحقارتهم و انحطاط درجتهم

تذییلان

الاول

لمّا كان هذا الفصل من كلامه علیه السّلام مسوقا لبیان حقوق الولاة على الرّعیّة و الرّعیة على الولاة . أحببت أن أذكر جملة من الأخبار و الآثار الواردة فی هذا المعنی فأقول :

قال : المحدّث الجزائرى فی الأنوار النعمانیّة : فی بعض الأخبار انّ عدل الحاكم یوما یعادل عبادة العابد خمسین .

و فى الحدیث من ولی من امور المسلمین شیئا ثمّ لم یحطهم بنصحه كما یحوط أهل بیته فلیتبوء مقعده من النّار و روى أیضا أنّه إذا كان یوم القیامة یؤتی بالوالی فیقذف على جسر جهنّم فیأمر اللّه سبحانه الجسر فینتقض به انتقاضة فیزول كلّ عظم منه عن مكانه ثمّ یأمر اللّه تعالى العظام فترجع إلى أماكنها ثمّ یسایله فان كان للّه مطیعا أخذ بیده و أعطاه كفلین من رحمته ، و إن كان للّه عاصیا أخرق به الجسر فغرق و هوى به فی جهنّم مقدار سبعین خریفا .

و فى الروایة انّه كان فی زمن بنى إسرائیل سلطان ظالم فأوحی اللّه تعالى

[ 131 ]

إلى نبیّ من أنبیائه أن قل لهذا الظالم : ما جعلتك سلطانا إلاّ لتكفّ أصوات المظلومین عن بابی ، فو عزّتی و جلالی لاطعمنّ لحمك الكلاب ، فسلّط علیه سلطانا آخر حتّى قتله فأطعم لحمه الكلاب .

و فى كتاب أمیر المؤمنین علیه السّلام إلى حبیب بن المنتجب و الى الیمن : اوصیك بالعدل فی رعیّتك و الاحسان إلى أهل مملكتك و اعلم أنّ من ولی على رقاب عشرة من المسلمین و لم یعدل بینهم حشره اللّه یوم القیامة و یداه مغلولتان إلى عنقه لا یفكّها إلاّ عدله فی دار الدّنیا و فی الأثر بعث قیصر ملك الرّوم إلى كسرى ملك الفرس بماذا أنتم أطول أعمارا و أدوم ملكا ؟

فأجابه كسرى : أمّا بعد أیّها السیّد الكریم و الملك الجسیم أمّا سبب الملك و اعزازه فی معززه و رسوخه فی مركزه فلامور أنتم عنها غافلون و لستم لأمثالها فاعلون منها أن لیس لنا نوّاب یرشی و یمنع و لا بوّاب یروع و یدفع ، لم تزل أبوابنا مشرعة و نوّابنا لقضاء الحوائج مسرعة ، لا أقصینا صغیرا و لا أدنینا أمیرا ،

و لا احتقرنا بذوى الاصول ، و لا قدّمنا الشبّان على الكهول ، و لا كذبنا فی وعد ،

و لا صدقنا فی ایعاد ، و لا تكلّمنا بهزل ، و لا سمنا وزیرا إلى عزل ، موائدنا مبسوطة ،

و عقولنا مضبوطة ، لا نقطع فی امل ، و لا لجلیسنا نمل ، خیرنا مضمون ، و شرّنا مأمون ، و عطاؤنا غیر ممنون ، و لا نحوج أحدا إلى باب ، بل نقضی بمجرّد الكتاب ،

و نرقّ للباكى ، و نستقصی قول الحاكى ، ما جعلنا همّنا بطوننا و لا فروجنا ، أمّا البطون فلقمة ، و أمّا الفروج فأمة ، و لا نؤاخذ على قدر غیظنا ، بل نؤاخذ على قدر الجنایة ، و لا نكلّف الضعیف المعدم ما یتحمّله الشریف المنعم ، و لا نؤاخذ البرى‏ء بالسقیم ، و لا الكریم باللّئیم ، النّمام عندنا مفقود ، و العدل فى جانبنا موجود ،

الظّلم لا نتعاطاه ، و الجور انفسنا طاباه ، و لا نطمع فى الباطل ، و لا نأخذ العشر قبل الحاصل ، و لا ننكث العهود ، و لا نحنث فى الموعود ، الفقیر عندنا مدعوّ ، و المفتقر لدینا مقصوّ ، جارنا لا یضام ، و عزیزنا لا یرام ، رعیّتنا مرعیّة ، و حوائجهم لدینا

[ 132 ]

مقضیّة ، صغیرهم عندنا خطیر ، و ذرّیهم لدینا كبیر ، الفقیر بیننا لا یوجد ، و الغنىّ بما لدیه یسعد ، العالم عندنا معظّم مكرّم ، و التّقىّ لدینا موقّر مقدّم ، لا یسدّ بمملكتنا باب ، و لا یوجد عندنا سارق و لا مرتاب ، سماؤنا ممطرة ، و أشجارنا لم تزل مثمرة ، لا نعامل بالشهوات ، و لا نجازى بالهفوات ، الطّیر إلینا شاكى ، و البعیر أتانا متظلّم باكى عدلنا قد عمّ القاصى و الدّانى ، وجودنا قد عمّ الطائع و العاصى ،

عقولنا باهرة ، و كنوزنا ظاهرة ، و فروجنا عفائف ، و زبولنا نظائف ، أفهامنا سلیمة ،

و حلومنا جسیمة ، كفوفنا سوافح ، بحورنا طوافح ، نفوسنا أبیّة ، و طوالعنا المعیّة ،

إن سئلنا أعطینا ، و إن قدرنا عفونا ، و إن وعدنا أوفینا ، و إن اغضبنا أغضینا فلمّا وصل الكتاب إلى قیصر قال : یحقّ لمن كان هذه سیاسته أن تدوم ریاسته قال انوشیروان : حصن البلاد بالعدل فهو سور لا یغرقه ماء و لا یحرقه نار و لا یهدمه منجنیق .

كان كسرى إذا جلس فى مجلس حكمه أقام رجلین عن یمینه و شماله و كان یقول لهما : إذا زغت فحرّكونى و نبّهونى ، فقالا له یوما و الرّعیّة تسمع : أیّها الملك انتبه فانّك مخلوق لا خالق و عبد لا مولى و لیس بینك و بین اللّه قرابة أنصف النّاس و انظر لنفسك و كان یقال : صنفان متباغضان متنافیان السّلطان و الرّعیّة و هما مع ذلك متلازمان إن صلح أحدهما صلح الآخر و ان فسد أحدهما فسد الآخر و كان یقال : محلّ الملك من الرّعیّة محلّ الرّوح من الجسد و محلّ الرّعیّة منه محلّ الجسد من الرّوح ، فالرّوح تألم بألم كلّ عضو من البدن و لیس كلّ واحد من الأعضاء یألم بألم غیره ، و فساد الرّوح فساد جمیع البدن ،

و قد یفسد بعض البدن و غیره من سایر البدن صحیح .

و كان یقال : ظلم الرّعیّة استجلاب البلیّة .

و كان یقال : العجب ممّن استفسد رعیّته و هو یعلم أنّ عزّه بطاعتهم .

و كان یقال : أیدى الرّعیة تبع ألسنتها حتّى یملك جسومها ، و لن یملك

[ 133 ]

جسومها حتّى یملك قلوبها فتحبّه ، و لن تحبّه حتّى یعدل علیها فی أحكامه عدلا یتساوى فیه الخاصّة و العامّة و حتّى یخفّف عنها المؤن و الكلف ، و حتّى یعفیها من رفع أوضاعها و أراذلها علیها ، و هذه الثّالثة تحقد على الملك العلیة من الرّعیّة و تطمع السّفلة فی الرّتب السنّیة .

و كان یقال : الرّعیة ثلاثة أصناف : صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرّیاسة و السّیاسة یعلمون فضیلة الملك و عظیم غنائه و یرثون له من ثقل أعبائه فهؤلاء یحصل الملك موادّتهم بالبشر عند اللّقاء و یلقى أحادیثهم بحسن الاصغاء ، و صنف فیهم خیر و شرّ فصلاحهم یكتسب من معاملتهم بالتّرغیب و التّرهیب ، و صنف من السّفلة الرّعاع أتباع لكلّ راع لا یمتحنون فی أقوالهم و أفعالهم بنقد و لا یرجعون فی الموالاة إلى عقد .

و كان یقال : ترك المعاقبة للسّفلة على صغایر الجرایم تدعوهم إلى ارتكاب الكبایر العظایم ألا ترى أوّل نشوز المرأة كلمة سومحت بها ، و أوّل حران الدّابة حیدة سوعدت علیها .

و كان یقال : إذا لم یعمر الملك ملكه بانصاف الرّعیّة خرب ملكه بعصیان الرّعیّة .

قیل لأنوشیروان : أىّ الجنن أوقى ؟ قال : الدّین ، قیل : فأىّ العدوّ أقوى ؟

قال : العدل .

و فی شرح المعتزلی جاء رجل من مصر إلى عمر بن الخطاب متظلّما فقال یا أمیر المؤمنین هذا مكان العائذ بك قال : لو عذت بمكان ما شانك ؟ قال : سابقت ولد عمرو بن العاص بمصر فسبقته فجعل یعنفنى بسوطه و یقول : أنا ابن الأمیر .

و بلغ أباه ذلك فحبسنى خشیة أن اقدم علیك ، فكتب إلى عمرو : إذا أتاك كتابى هذا فاشهد الموسم أنت و ابنك ، فلمّا قدم و عمرو و ابنه دفع الدرّة إلى المصری و قال : اضربه كما ضربك ، فجعل یضربه و عمر یقول : اضرب ابن الأمیر اضرب ابن الامیر یردّدها حتّى قال یا أمیر المؤمنین قد استقدت منه فقال و أشار إلى عمرو :

[ 134 ]

ضعها على صلعته فقال المصرى یا أمیر المؤمنین انّما أضرب من ضربنی فقال :

إنّما ضربك بقوّة أبیه و سلطانه فاضربه إن شئت فو اللّه لو فعلت لما منعك احد منه حتّى تكون أنت الّذى یتبرّع بالكف عنه ، ثمّ قال : یا ابن العاص متى تعبّدتم النّاس و قد ولدتهم امّهاتهم أحرارا .

كتب عدىّ بن ارطاة إلى عمر بن عبد العزیز : أمّا بعد فانّ قبلنا قوما لا یؤدّون الخراج إلاّ أن یمسّهم نصب من العذاب ، فاكتب إلىّ یا أمیر المؤمنین برأیك ، فكتب : أمّا بعد فالعجب كلّ العجب تكتب إلىّ تستأذننى فی عذاب البشر كانّ إذنی لك جنّة من عذاب اللّه أو كانّ رضاى ینجیك من سخط اللّه فمن أعطاك ما علیه عفوا فخذ منه ، و من أبی فاستحلفه وكله إلى اللّه ، فلأن یلقوا اللّه بجرایمهم أحبّ إلىّ من أن ألقاه بعذابهم .

التذییل الثانى

لمّا استطرد علیه السّلام فی هذا الفصل ذكر حقّ اللّه تعالى على عباده و ذكر حقوق بعضهم على بعض ینبغی أن نذكر طرفا منها من طریق الأخبار و هى كثیرة جدّا لا تستقصى ، و نقنع منها بأجمعها لتلك الحقوق ، و هی رسالة علیّ بن الحسین علیهما السّلام المعروفة برسالة الحقوق فأقول و باللّه التوفیق :

روى فی البحار من كتاب تحف العقول تألیف الشّیخ أبی محمّد الحسن بن علیّ بن شعبة قال : رسالة علیّ بن الحسین علیهما السّلام المعروفة برسالة الحقوق .

اعلم رحمك اللّه أنّ للّه علیك حقوقا محیطة بك فی كلّ حركة حركتها أو سكنة سكنتها أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها و آلة تصرفت بها بعضها أكبر من بعض و أكبر حقوق اللّه علیك ما أوجبه لنفسه تبارك و تعالى من حقّه الّذى هو أصل الحقوق و منه تفرّع ، ثمّ أوجبه علیك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك علیك حقا و لسمعك علیك حقا ، و للسانك علیك حقّا ، و لیدك علیك حقّا ، و لرجلك علیك حقّا ، و لبطنك علیك حقّا ، و لفرجك علیك حقّا ، فهذه الجوارح السبع الّتی بها تكون الأفعال ، ثمّ جعل عزّ و جلّ لأفعالك علیك حقوقا فجعل لصلاتك علیك حقّا ، و لصومك علیك حقّا ، و لصدقتك

[ 135 ]

علیك حقّا ، و لهدیك علیك حقّا ، و لأفعالك علیك حقا ، ثمّ تخرج الحقوق منك إلى غیرك من ذوى الحقوق الواجبة علیك ، و أوجبها علیك حقّا أئمّتك ، ثمّ حقوق رعیّتك ، ثمّ حقوق رحمك ، فهذه حقوق یتشعّب منها حقوق ،

فحقوق أئمّتك ثلاثة أوجبها علیك حقّ سائسك بالسّلطان ، ثمّ سائسك بالعلم ثمّ حق سائسك بالملك و كلّ سائس امام ، و حقوق رعیتك ثلاثة أوجبها علیك حقّ رعیّتك بالسلطان ، ثمّ حقّ رعیتك بالعلم فانّ الجاهل رعیّة العالم و حقّ رعیتك بالملك من الأزواج و ما ملكت من الأیمان ، و حقوق رحمك كثیرة متّصلة بقدر اتّصال الرّحم فی القرابة ، فأوجبها علیك حقّ امّك ، ثمّ حقّ أبیك ، ثمّ حقّ ولدك ، ثمّ حقّ أخیك ، ثمّ الأقرب فالأقرب ، و الأوّل فالأوّل ، ثمّ حقّ مولاك المنعم علیك ثمّ حقّ مولاك الجارى نعمتك علیه ، ثمّ حقّ ذى المعروف لدیك ، ثمّ حقّ مؤذنك بالصلاة ، ثمّ حقّ امامك فی صلاتك ، ثمّ حقّ جلیسك ، ثمّ حقّ جارك ، ثمّ حقّ صاحبك ، ثمّ حقّ شریكك ، ثمّ حقّ مالك ، ثمّ حقّ غریمك الذى تطالبه ، ثمّ حقّ غریمك الذى یطالبك ، ثمّ حقّ خلیطك ، ثمّ حقّ خصمك المدعی علیك ، ثمّ حقّ خصمك الذى تدعى علیه ، ثمّ حقّ مستشیرك ، ثمّ حقّ المشیر علیك ، ثمّ حقّ مستنصحك ، ثمّ حقّ الناصح لك ، ثمّ حقّ من هو أكبر منك ، ثمّ حقّ من هو أصغر منك ، ثمّ حقّ سائلك ، ثمّ حقّ من سألته ، ثمّ حقّ من جرى لك على یدیه مساءة بقول أو فعل أو مسرّة بذلك بقول أو فعل عن تعمّد منه أو عیر تعمّد منه ، ثمّ حقّ أهل ملتك عامة ، ثمّ حقّ أهل الذمّة ، ثمّ الحقوق الحادثة بقدر علل الأحوال و تصرّف الأسباب ، فطوبى لمن أعانه اللّه على قضاء ما أوجب علیه من حقوقه و وفّقه و سدّده 1 فأما حقّ اللّه الأكبر فانك تعبده لا تشرك به شیئا فاذا فعلت ذلك باخلاص جعل لك على نفسه أن یكفیك أمر الدّنیا و الآخرة و یحفظ لك ما تحبّ منها .

2 و أما حقّ نفسك علیك فأن تستوفیها فی طاعة اللّه فتؤدّى إلى لسانك حقّه ، و إلى سمعك حقّه ، و إلى بصرك حقّه ، و إلى یدك حقّها ، و إلى رجلك حقّها ، و إلى بطنك حقّه ، و إلى فرجك حقّه ، و تستعین باللّه على ذلك 3 و أما حقّ اللّسان فإكرامه عن الخنا ، و تعویده الخیر ، و حمله على

[ 136 ]

الأدب و اجمامه إلاّ لموضع الحاجة و المنفعة للدّین و الدّنیا ، و إعفاؤه عن الفضول الشنعة القلیلة الفائدة التى لا یؤمن ضررها مع قلّة عائدتها ، و بعد شاهد العقل و الدلیل علیه و تزین العاقل بعقله حسن سیرته فی لسانه ، و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم .

4 و أمّا حقّ السمع فتنزیهه عن أن تجعله طریقا إلى قلبك إلاّ لفوهة كریمة تحدث فی قلبك خیرا أو تكسب خلقا كریما ، فانّه باب الكلام إلى القلب یؤدّى إلیه ضروب المعانى على ما فیها من خیر أو شرّ ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

5 و أمّا حقّ بصرك فغضّه عما لا یحلّ و ترك ابتذاله إلاّ لموضع عبرة تستقبل بها بصرا أو یستفید بها علما ، فانّ البصر باب الاعتبار . .

6 و أمّا حقّ رجلیك فان لا تمشی بهما إلى ما لا یحلّ لك ، و لا تجعلهما مطیّتك فی الطّریق المستخفة بأهلها فیها فانّها حاملتك و سالكة بك مسلك الدّین و السّبق لك ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

7 و أمّا حقّ یدك فأن لا تبسطها إلى ما لا یحلّ لك فتنال بما تبسطها إلیه من اللّه العقوبة فی الآجل و من النّاس بلسان اللاّئمة فی العاجل ، و لا تقبضها ممّا افترض اللّه علیها ، و لكن توقّرها بقبضها عن كثیر ممّا لا یحلّ لها و بسطها إلى كثیر ممّا لیس علیها ، فاذا هى قد عقلت و شرفت فی العاجل وجب لها حسن الثّواب من اللّه فی الآجل .

8 و أمّا حقّ بطنك فأن لا تجعله وعاء لقلیل من الحرام و لا لكثیر ، و أن تقتصد له فی الحلال و لا تخرجه من حدّ التّقویة إلى حدّ التّهوین و ذهاب المروّة و ضبطه إذا همّ بالجوع و الظّماء فانّ الشّبع المنتهى بصاحبه إلى التّخم مكسلة و مثبطة و مقطعة عن كلّ برّ و كرم و إنّ الرّىّ المنتهى بصاحبه إلى السّكر مسخفة و مجهلة و مذهبة للمروّة .

9 و أمّا حقّ فرجك فحفظه ممّا لا یحلّ لك ، و الاستعانة علیه بغضّ البصر فانّه من أعون الأعوان و كثرة ذكر الموت و التّهدد لنفسك باللّه و التّخویف لها به و باللّه العصمة و التّأیید ، و لا حول و لا قوّة إلاّ به .

[ 137 ]

ثم حقوق الافعال

10 فأمّا حقّ الصّلاة فأن تعلم أنّها وفادة إلى اللّه و أنّك قائم بها بین یدى اللّه فاذا علمت ذلك كنت خلیقا أن تقوم فیها مقام الذّلیل الرّاغب الرّاهب الخائف الرّاجی المستكین المتضرّع المعظم من قام بین یدیه بالسّكون و الاطراق و خشوع الأطراف و لین الجناح و حسن المناجاة له فی نفسه و الطلب إلیه فی فكاك رقبتك التی أحاطت به خطیئتك و استهلكتها ذنوبك ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

11 و أمّا حقّ الصّوم فأن تعلم أنّه حجاب ضرب اللّه على لسانك و سمعك و بصرك و فرجك و بطنك لیسترك به من النّار و هكذا جاء فی الحدیث : الصّوم جنّة من النّار ، فان سكنت أطرافك فی حجبتها رجوت أن تكون محجوبا ، و إن أنت تركتها تضطرب فی حجابها و ترفع جنبات الحجاب فتطلع إلى ما لیس لها بالنّظرة الدّاعیة للشّهوة و القوّة الخارجة عن حدّ التّقیّة للّه لم تأمن أن تخرق الحجاب و تخرج منه ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

12 و أمّا حق الصّدقة فأن تعلم أنّها ذخرك عند ربّك و ودیعتك إلتی لا تحتاج إلى الاشهاد فاذا علمت ذلك كنت بما استودعته سرّا أوثق بما استودعته علانیة ،

و كنت جدیرا أن تكون أسررت إلیه أمرا أعلنته و كان الأمر بینك و بینه فیها سرّا على كلّ حال و لم تستظهر علیه فیما استودعته منها اشهاد الاسماع و الابصار علیه بها كأنّها أوثق فی نفسك لا كأنّك لا تثق به فی تأدیة ودیعتك إلیك ، ثمّ لم تمتن بها على أحد لأنّها لك فاذا امتننت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجین حالك منها إلى من مننت بها علیه لأنّ فی ذلك دلیلا على أنّك لم ترد نفسك بها و لو أردت نفسك بها لم تمتنّ على أحد ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

13 و أمّا حقّ الهدى فأن تخلص بها الارادة إلى ربّك و التّعرّض لرحمته و قبوله و لا ترید عیون النّاظرین دونه فاذا كنت كذلك لم تكن متكلّفا و لا متصنّعا و كنت انّما تقصد إلى اللّه و اعلم أنّ اللّه یراد بالیسیر و لا یراد بالعسیر كما أراد

[ 138 ]

بخلقه التیسیر و لم یرد بهم التعسیر و كذلك التذلّل أولى بك من التّدهقن لأنّ الكلفة و المؤونة فی المدهقنین فأمّا التّذلل و التّمسكن فلا كلفة فیهما و لا مؤونة علیهما لأنّهما الخلقة و هما موجودان فی الطبیعة و لا قوّة إلاّ باللّه .

ثم حقوق الائمة

14 فأمّا حقّ سائسك بالسلطان فأن تعلم أنك جعلت له فتنة و أنّه مبتلی فیك بما جعله اللّه له علیك من السلطان و أن تخلص له فی النصیحة و أن لا تماحكه و قد بسطت یده علیك فتكون سبب هلاك نفسك و هلاكه و تذلّل و تلطّف لاعطائه من الرّضا ما یكفّه عنك و لا یضرّ بدینك و تستعین علیه فی ذلك باللّه و لا تعازّه و لا تعانده فانّك إن فعلت ذلك عققته و عققت نفسك فعرّضتها لمكروهه و عرّضته للهلكة فیك و كنت خلیقا أن تكون معینا له على نفسك و شریكا له فیما أتى إلیك و لا قوّة إلاّ باللّه 15 و أمّا حقّ سائسك بالعلم فالتعظیم له و التوقیر لمجلسه و حسن الاستماع إلیه و الاقبال علیه و المعونة له على نفسك فیما لا غنى بك عنه من العلم بأن تفرغ له عقلك و تحضره فهمك و تذكى له و تجلى له بصرك بترك اللذّات و نقص الشّهوات و أن تعلم أنّك فیما القی رسوله إلى من لقاك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدیة عنه إلیهم فلا تخنه فی تأدیة رسالته و القیام بها عنه إذا تقلّدتها و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه .

16 و أمّا حقّ سائسك بالملك فنحو من سائسك بالسّلطان إلاّ أنّ هذا یملك ما لا یملكه ذاك تلزمك طاعته فیما دقّ و جلّ منك إلاّ أن تخرجك من وجوب حقّ اللّه تعالى و یحول بینك و بین حقّه و حقوق الخلق فاذا قضیته رجعت إلى حقّه فتشاغلت به و لا قوّة إلاّ باللّه .

ثم حقوق الرعیة

17 فأمّا حقوق رعیّتك بالسلطان فأن تعلم أنّك استرعیتهم بفضل قوّتك علیهم فانّه إنّما أحلّهم محلّ الرّعیّة منك ضعفهم و ذلّهم فما أولى من كفاكه ضعفه و ذلّه حتّى صیّره لك رعیّة و صیّر حكمك علیه نافذا لا یمتنع منك بعزّة و لا قوّة و لا یستنصر فیما تعاظمه منك إلاّ باللّه بالرّحمة و الحیاطة و الاناة و ما أولاك

[ 139 ]

إذا عرفت ما أعطاك اللّه من فضل هذه العزّة و القوّة الّتی قهرت بها أن تكون للّه شاكرا و من شكر اللّه أعطاه فیما أنعم علیه و لا قوّة إلاّ باللّه 18 و أمّا حقّ رعیّتك بالعلم فأن تعلم أنّ اللّه قد جعلك لهم فیما آتاك من العلم و ولاّك من خزانة الحكمة فان أحسنت فیما ولاّك اللّه من ذلك و قمت به لهم مقام الخازن الشفیق النّاصح لمولاه فی عبیده الصّابر المحتسب الّذى إذا رأى ذا حاجة اخرج له من الأموال الّتی فی یدیه كنت راشدا و كنت لذلك أهلا « آملا » معتقدا و إلاّ كنت له خائنا و لخلقه ظالما و لسلبه و عزه متعرّضا .

19 و أمّا حقّ رعیّتك بملك النكاح فأن تعلم أنّ اللّه جعلها سكنا و مستراحا و انسا و واقیة و كذلك كلّ واحد منكما یجب أن یحمد اللّه على صاحبه و یعلم أنّ ذلك نعمة منه علیه و وجب أن یحسن صحبة نعمة اللّه و یكرمها و یرفق بها و إن كان حقك علیها أغلظ و طاعتك لها ألزم فیما أحببت و كرهت ما لم تكن معصیة فانّ لها حقّ الرّحمة و المؤانسة و موضع السكون إلیها قضاءا للّذة الّتی لا بدّ من قضائها و ذلك عظیم و لا قوّة إلاّ باللّه .

20 و أمّا حقّ رعیّتك بملك الیمین فأن تعلم أنه خلق ربّك و لحمك و دمك و أنك تملكه لا أنك صنعته دون اللّه و لا خلقت له سمعا و لا بصرا و لا أجریت له رزقا و لكن اللّه كفاك ذلك بمن سخّره لك و ائتمنك علیه و استودعك إیاه لتحفظه فیه و تسیر فیه بسیرته فتطعمه مما تأكل و تلبسه مما تلبس و لا تكلّفه ما لا یطیق فان كرهت خرجت إلى اللّه منه و استبدلت به و لم تعذب خلق اللّه و لا قوّة إلاّ باللّه .

و أما حق الرحم

21 فحقّ أمك أن تعلم أنها حملتك حیث لا یحمل أحد أحدا و أطعمتك من ثمرة قلبها ما لا یطعم أحد أحدا و أنها وقتك بسمعها و بصرها و یدها و رجلها و شعرها و بشرها و جمیع جوارحها مستبشرة بذلك فرحة موبلة محتملة لما فیه مكروهها و ألمها و ثقلها و غمها حتّى دفعتها عنك ید القدرة و أخرجتك إلى الأرض فرضیت أن تشبع و تجوع هى و تكسوك و تعرى و ترویك و تظمأ و تظلّك و تضحى و تنعمك ببؤسها

[ 140 ]

و تلذّذك بالنوم بأرقها و كان بطنها لك وعاء و حجرها لك حواء و ثدیها لك سقاء و نفسها لك وقاء تباشر حرّ الدّنیا و بردها لك و دونك فتشكرها على قدر ذلك و لا تقدر علیه إلاّ بعون اللّه و توفیقه .

22 و أمّا حقّ أبیك فتعلم أنّه أصلك و أنّك فرعه و أنّك لولاه لم تكن فمهما رأیت فی نفسك ممّا تعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة علیك فیه و احمد اللّه و اشكره على قدر ذلك 23 و أمّا حقّ ولدك فتعلم أنّه منك و مضاف إلیك فی عاجل الدّنیا بخیره و شرّه و أنّك مسئول عمّا ولّیته من حسن الأدب و الدّلالة على ربّه و المعونة له على طاعته فیك و فی نفسه فمثاب على ذلك و معاقب فاعمل فی أمره عمل المتزیّن بحسن أثره علیه فی عاجل الدّنیا المعذر إلى ربّه فیما بینك و بینه بحسن القیام علیه و الأخذ له منه و لا قوّة إلاّ باللّه .

24 و أمّا حقّ أخیك فتعلم أنّه یدك الّتی تبسطها و ظهرك الّذى تلتجی‏ء إلیه و عزّك الّذى تعتمد علیه و قوّتك الّتی تصول بها فلا تتّخذه سلاحا على معصیة اللّه و لا عدة للظّلم بخلق اللّه و لا تدع نصرته على نفسه و معونته على عدوّه و الحول بینه و بین شیاطینه و تأدیة النصیحة إلیه و الاقبال علیه فی اللّه فان انقاد لربّه و أحسن الاجابة له و إلاّ فلیكن اللّه آثر عندك و أكرم علیك منه 25 و أمّا حقّ المنعم علیك بالولاء فأن تعلم أنّه أنفق فیك ماله و أخرجك من ذلّ الرّق و وحشته إلى عزّ الحرّیة و أنسها و أطلقك من اسر الملكة وفكّ عنك حلق العبودیة و أوجدك رایحة العزّ و أخرجك من سجن القهر و دفع عنك العسر و بسط لك لسان الانصاف و أباحك الدّنیا كلّها فملّكك نفسك و حلّ اسرك و فرّغك لعبادة ربك و احتمل بذلك التقصیر فیما له فتعلم أنه أولى الخلق بك بعد اولى رحمك فى حیاتك و موتك و أحقّ الخلق بنصرك و معونتك و مكانفتك فی ذات اللّه فلا تؤثر علیه نفسك ما احتاج إلیك أحدا أبدا 26 و أمّا حقّ مولاك الجاریة علیه نعمتك فأن تعلم أنّ اللّه جعلك حامیة

[ 141 ]

علیه و واقیة و ناصرا و معقلا و جعله لك وسیلة و سببا بینك و بینه فبالحرىّ أن یحجبك عن النار فیكون فی ذلك ثوابك منه فی الآجل و یحكم له بمیراثه فى العاجل إذا لم یكن له رحم مكافاة لما أنفقته من مالك علیه و قمت به من حقّه بعد إنفاق مالك فان لم تخفه خیف علیك أن لا یطیب لك میراثه و لا قوّة إلاّ باللّه .

27 و أمّا حقّ ذى المعروف علیك فأن تشكره و تذكر معروفه و أن تنشر له المقالة الحسنة و تخلص له الدّعاء فیما بینك و بین اللّه سبحانه فانك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرّا و علانیة ثمّ إن أمكنك مكافاته بالفعل كافأته و إلاّ كنت مرصدا له موطّنا نفسك علیها .

28 و أمّا حقّ المؤذّن فأن تعلم أنه مذكّرك بربك و داعیك إلى حظّك و أفضل أعوانك على قضاء الفریضة التى افترضها اللّه علیك فتشكره على ذلك شكرك للمحسن الیك و إن كنت فى بیتك متّهما لذلك لم تكن للّه فی أمره متّهما و علمت أنه نعمة من اللّه علیك لا شكّ فیها فأحسن صحبة نعمة اللّه بحمد اللّه علیها على كلّ حال و لا قوّة إلاّ باللّه .

29 و أمّا حقّ إمامك فی صلاتك فأن تعلم أنه قد تقلّد السفارة فیما بینك و بین اللّه و الوفادة إلى ربّك و تكلّم عنك و لم تتكلّم عنه و دعا لك و لم تدع له و طلب فیك و لم تطلب فیه و كفاك همّ المقام بین یدى اللّه و المسائلة له فیك و لم تكفه ذلك فان كان فی شی‏ء من ذلك تقصیر كان به دونك و إن كان آثما لم تكن شریكه فیه و لم یكن لك علیه فضل فوقی نفسك بنفسه و وقی صلاتك بصلاته فتشكر له على ذلك و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه .

30 و أمّا حقّ الجلیس فأن تلین له كنفك و تطیب له جانبك و تنصفه فی مجاراة اللّفظ و لا تغرق فی نزع اللّحظ إذا الحظت و تقصد فی اللّفظ إلى إفهامه إذا لفظت و ان كنت الجلیس الیه كنت فی القیام عنه بالخیار و إن كان الجالس إلیك كان بالخیار و لا تقوم إلاّ باذنه و لا قوّة إلاّ باللّه .

31 و أمّا حقّ الجار فحفظه غائبا و كرامته شاهدا و نصرته و معونته فی

[ 142 ]

الحالین جمیعا ، لا تتّبع له عورة ، و لا تبحث له عن سوءة لتعرفها ، فان عرفتها منه عن غیر إرادة منك و لا تكلّف كنت لما علمت حصنا حصینا ، و سترا ستیرا لو بحثت الأسنّة عنه ضمیرا لم تتصل إلیه لا نطوائه علیه ، لا تستمع علیه من حیث لا یعلم ،

لا تسلّمه عند شدیدة ، و لا تحسده عند نعمة ، تقیل عثرته و تغفر زلّته و لا تدّخر حلمك عنه إذا جهل علیك ، و لا تخرج أن تكون سلما له ، تردّ عنه الشتیمة ، و تبطل فیه كید حامل النصیحة ، و تعاشره معاشرة كریمة ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه .

32 و أمّا حقّ الصاحب فأن تصحبه بالفضل ما وجدت إلیه سبیلا و إلاّ فلا أقلّ من الانصاف و أن تكرمه كما یكرمك و تحفظه كما یحفظك ، و لا یسبقك فیما بینك و بینه إلى مكرمة فان سبقك كافأته و لا تقصد به عمّا یستحقّ من المودّة تلزم نفسك نصیحته و حیاطته و معاضدته على طاعة ربّه و معاونته على نفسه فیما یهمّ به من معصیة ربّه ثمّ تكون رحمة و لا تكون علیه عذابا ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

33 و أمّا حقّ الشریك فإن غاب كفیته و إن حضر ساویته و لا تعزم على حكمك دون حكمه و لا تعمل برأیك دون مناظرته و تحفظ علیه ماله و تنفى عنه خیانته فیما عزّ أوهان ، فانه بلغنا أنّ ید اللّه على الشریكین ما لم یتخاونا ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

34 و أمّا حقّ المال فأن لا تأخذه إلاّ من حلّه و لا تنفقه إلاّ فی حلّه و لا تحرّفه عن مواضعه و لا تصرفه عن حقایقه و لا تجعله إذا كان من اللّه إلاّ إلیه و سببا إلى اللّه و لا تؤثر به على نفسك من لعلّه لا یحمدك و بالحرىّ أن لا یحسن خلافتك فی تركتك و لا یعمل فیه بطاعة ربك فتكون معینا له على ذلك و بما أحدث فیما لك احسن نظرا لنفسك فیعمل بطاعة ربّه فیذهب بالغنیمة و تبوء بالاثم و الحسرة و الندامة مع التبعة و لا قوّة إلاّ باللّه .

35 و أمّا حقّ الغریم الطالب لك فإن كنت موسرا أوفیته و كفیته و أغنیته و لم تردده و تمطله فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : مطل الغنىّ ظلم ، و إن كنت معسرا أرضیته بحسن القول و طلبت إلیه طلبا جمیلا و رددته عن نفسك ردّا لطیفا و لم تجمع علیه ذهاب ماله و سوء معاملته فانّ ذلك لؤم ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

[ 143 ]

36 و أمّا حقّ الخلیط فان لا تغرّه و لا تغشّه و لا تكذبه و لا تغفله و لا تخدعه و لا تعمل فی انتقاضه عمل العدوّ الذى لا یبقى على صاحبه و إن اطمأنّ إلیك استقصیت له على نفسك و علمت أنّ غبن المسترسل ربا ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

37 و أمّا حقّ الخصم المدعى علیك فان كان ما یدّعى علیك حقا لم تنفسخ فی حجّته و لم تعمل فى إبطال دعوته و كنت خصم نفسك له و الحاكم علیها و الشاهد له بحقه دون شهادة الشهود ، فانّ ذلك حقّ اللّه علیك و إن كان ما یدّعیه باطلا رفقت به و روعته و ناشدته بدینه و كسرت حدته عنك بذكر اللّه و ألقیت حشو الكلام و لغطه الذى لا یردّ عنك عادیة عدوّك بل تبوء باثمه و به یشحذ علیك سیف عداوته لأنّ لفظة السوء تبعث الشر و الخیر مقمعة للشرّ ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

38 و أمّا حقّ الخصم المدّعى علیه فان كان ما تدّعیه حقا أجملت فی مقاولته بمخرج الدّعوى ، فانّ للدّعوى غلظة فی سمع المدّعى علیه و قصدت قصد حجتك بالرّفق و امهل المهلة و أبین البیان و ألطف اللّطف و لم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقیل و القال فتذهب عنك حجّتك و لا یكون لك فی ذلك درك ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

39 و أمّا حقّ المستشیر فإن حضرك له وجه رأى جهدت له فی النصیحة و أشرت إلیه بما تعلم أنك لو كنت مكانه عملت به ، و ذلك لیكن منك فی رحمة و لین فانّ اللین یونس الوحشة و إنّ الغلظ یوحش موضع الانس ، و إن لم یحضرك له رأى و عرفت له من تثق برأیه و ترضى به لنفسك دللته علیه و أرشدته إلیه فكنت لم تأله خیرا و لم تدّخره نصحا ، و لا قوّة إلاّ باللّه 40 و أمّا حقّ المشیر علیك فلا تتّهمه فیما یوافقك علیه من رأیه إذا أشار علیك فانما هی الآراء و تصرّف النّاس فیها و اختلافهم فكن علیه فی رأیه بالخیار إذا اتّهمت رأیه فأمّا تهمته فلا تجوز لك إذا كان عندك ممّن یستحقّ المشاورة و لا تدع شكره على ما بدالك من إشخاص رأیه و حسن وجه مشورته فاذا وافقك حمدت اللّه و قبلت ذلك من أخیك بالشكر و الارصاد بالمكافاة فی مثلها إن فزع إلیك و لا قوّة إلاّ باللّه .

[ 144 ]

41 و أمّا حقّ المستنصح فانّ حقه أن تؤدّى إلیه النصیحة على الحقّ الذی ترى له أنه یحمل و یخرج المخرج الذى یلین على مسامعه ، و تكلّمه من الكلام بما یطیقه عقله ، فان لكلّ عقل طبقة من الكلام یعرفه و یجتنبه ، و لیكن مذهبك الرّحمة ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

42 و أمّا حقّ النّاصح فأن تلین له جناحك ثمّ تشرئب له قلبك و تفتح له سمعك حتّى تفهم عنه نصیحته ثمّ تنظر فیها فان كان وفّق فیها للصّواب حمدت اللّه على ذلك و قبلت منه و عرفت له نصیحته ، و إن لم یكن وفّق لها فیها رحمته و لم تتّهمه و علمت أنّه لم یألك نصحا إلاّ أنّه أخطأ إلاّ أن یكون عندك مستحقا للتّهمة فلا تعبأ بشى‏ء من أمره على كلّ حال ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

43 و أمّا حقّ الكبیر فإن حقّه توقیر سنّه و إجلال إسلامه إذا كان من أهل الفضل فی الاسلام بتقدیمه فیه و ترك مقابلته عند الخصام و لا تسبقه إلى طریق و لا تؤمه فی طریق و لا تستجهله و إن جهل علیك تحملت و أكرمته بحقّ إسلامه مع سنّه فانّما حقّ السنّ بقدر الاسلام و لا قوّة إلاّ باللّه .

44 و أمّا حقّ الصغیر فرحمته و تثقیفه و تعلیمه و العفو عنه و الستر علیه و الرّفق به و المعونة له و السّتر على جرائر حداثته فانه سبب للتوبة و المداراة له و ترك مماحكته فانّ ذلك أولى « أدنى » لرشده .

45 و أمّا حقّ السائل فإعطاؤه إذا تهیأت صدقة و قدرت على سدّ حاجته و الدّعاء له فیما نزل به و المعاونة له على طلبته ، فان شككت فی صدقه و سبقت إلیه التّهمة له و لم تعزم على ذلك لم تأمن أن یكون من كید الشیطان أراد أن یصدّك عن حظك و یحول بینك و بین التقرّب إلى ربك و تركته بستره و رددته ردا جمیلا ، و إن غلبت نفسك فی أمره و أعطیته على ما عرض فی نفسك منه فانّ ذلك من عزم الامور 46 و أمّا حقّ المسؤول فحقّه إن أعطى قبل منه ما أعطی بالشكر له و المعرفة لفضله و طلب وجه العذر فی منعه و أحسن به الظنّ و اعلم أنه إن منع ماله منع و ان

[ 145 ]

لیس التثریب فی ماله و إن كان ظالما فانّ الانسان لظلوم كفّار .

47 و أمّا حقّ من سرّك اللّه به و على یدیه فان كان تعمّد هالك حمدت اللّه أوّلا ثمّ شكرته على ذلك بقدره فی موضع الجزاء و كافأته على فضل الابتداء و أرصدت له المكافاة ، فان لم یكن تعمّدها حمدت اللّه و شكرت له و علمت أنّه منه توحّدك بها و أحببت هذا إذا كان سببا من أسباب نعم اللّه علیك و ترجو له بعد ذلك خیرا فانّ أسباب النّعم بركة حیث ما كانت و إن كان لم یتعمّد ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

48 و أمّا حقّ من ساءك القضاء على یدیه بقول أو فعل فان كان تعمّدها كان العفو أولى بك لما فیه له من القمع و حسن الأدب مع كثیر أمثاله من الخلق فانّ اللّه یقول « و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما علیهم من سبیل » إلى قوله « من عزم الأمور » و قال عزّ و جلّ « و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خیر للصّابرین » هذا فی العمد فإن لم یكن عمدا لم تظلمه بتعمّد الانتصار منه فتكون قد كافأنه فی تعمّد على خطاء و رفقت به و رددته بألطف ما تقدر علیه ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

49 و أمّا حقّ أهل ملّتك عامّة فاضمار السّلامة و نشر جناح الرّحمة و الرّفق بمسیئهم و تألّفهم و استصلاحهم و شكر محسنهم إلى نفسه و إلیك فانّ إحسانه إلى نفسه إحسانه إلیك إذا كف عنك أذاه و كفاك مؤونته و حبس عنك نفسه فعمّهم جمیعا بدعوتك ، و انصرهم جمیعا بنصرتك ، و أنزلهم جمیعا منك منازلهم كبیرهم بمنزلة الوالد و صغیرهم بمنزلة الولد و أوسطهم بمنزلة الأخ ، فمن أتاك تعاهدته بلطف و رحمة وصل أخاك بما یجب للأخ « یحبّ الأخ » على أخیه .

50 و أمّا حقّ أهل الذّمة فالحكم فیهم أن تقبل منهم ما قبل اللّه و كفى بما جعل اللّه لهم من ذمّته و عهده و تكلهم إلیه فیما طلبوا من أنفسهم و اجبروا علیه و تحكم فیهم بما حكم اللّه به على نفسك فیما جرى بینك من معاملة و لیكن بینك و بین ظلمهم من رعایة ذمّة اللّه و الوفاء بعهده و عهد رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حایل ، فانّه بلغنا أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : من ظلم معاهدا كنت خصمه ، فاتّق اللّه و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه .

[ 146 ]

فهذه خمسون حقّا محیطا بك لا تخرج منها فی حال من الأحوال یجب علیك رعایتها و العمل فی تأدیتها و الاستعانة باللّه جلّ ثناؤه على ذلك ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه و الحمد للّه ربّ العالمین .

قال الشّارح عفى اللّه عنه و وفّقه لأداء حقوقه : و انّما أوردت الرّوایة بتمامها مع كون صدرها خارجا عن الغرض لكثرة فوایدها و مزید عوائدها فضننت بها عن الاسقاط و الاقتصار .

ثمّ أقول : النّسخة الّتی رویت منها كانت غیر خالیة عن السّقم فرویت كما رإیت ، فلعلّ اللّه یوفّقنی على إصلاحها و مقابلتها 1 فیما بعد بتحصیل نسخة صحیحة ، و هو الموفّق و المعین و به اعتمادى

الترجمة

از جمله خطبهاى شریفه آن امام مبین و سیّد الوصیّین است كه خطبه خواند آن را در صفّین مى‏فرماید أمّا بعد از حمد خدا و نعت رسول خدا پس بتحقیق گردانیده است خدا از براى من بر شما حقّ بزرگى را بسبب صاحب اختیار بودن من بر امر شما ، و از براى شماست بر من از حق مثل آن حقی كه مراست بر شما ، پس حق فراترین خیرهاست در مقام وصف كردن بعضی با بعضی أوصاف آن را ، و تنگ‏ترین چیزهاست

-----------
( 1 ) قلت : إن لم یوفّق الشارح المصنّف « قد » للاصلاح و المقابلة فقد وفّقنى اللّه تعالى و له الحمد لذلك و قابلت النسخة بنفس المصدر كتاب تحف العقول على النسخة المصحّحة التى نشرها أخیرا الأخ الأعزّ و الفاضل الفذّ على أكبر الغفارى عامله اللّه بلطفه الخفى و الجلى ، فظهر بعد المقابلة أنّ نسخة المصنف كانت كثیرة السقم كثیرة الخطاء مع ما فیها من الاسقاط ، فانّ الواحد و الثلاثین من الحقوق و هو حقّ الجار إلى آخره ، و كذا الواحد و الأربعین و هو حقّ المستنصح إلى آخره كانا ساقطین ظاهرا عن نسخة المصنف بتمامهما و لذا لم یذكرا فى الطبعة الأولى ، فان كنت فى ریب مما ذكرنا فعلیك بتطبیق هذه النسخة مع المطبوعة أوّلا یظهر لك صحّة ما ادّعیناه ، و صدق ما قلناه و اللّه الموفّق للسداد « المصحّح »

[ 147 ]

در مقام انصاف كردن بعضی مر بعضی را ، جارى نمیشود آن حق از براى منفعت أحدى مگر اینكه جارى شود بر ضرر او ، و جارى نمى‏شود بر ضرر او مگر اینكه جارى شود از براى منفعت او و اگر باشد از براى كسى كه جارى شود حقّ او بر غیر و حق غیر بر او جارى نشود هر آینه باشد و مختص بخداوند سبحانه بدون خلق او از جهت قدرت او بر بندگان خود و از جهت عدالت او در هر چیزى كه جارى شد بر آن چیز اقسام قضا و حكم او ، و لیكن گردانید خداى تعالى حقّ خود را بر بندگان اینكه اطاعت او نمایند ، و گردانید جزاى طاعت ایشان را بر خود اینكه ثواب ایشان را بالمضاعف كند از حیثیّت تفضّل و احسان و از روى وسعت دادن با چیزى كه خود اهل اوست از زیاده كردن جزا پس گردانید حق سبحانه و تعالى از جمله حقوق خود حقوقى را كه واجب گردانیده است آنها را از براى بعضى از مردمان بر بعضى ، پس گردانید آنها را متساوى و متقابل در جهات آنها و باعث مى‏شود بعضى از آنها به بعضى و مستحق نمیشود بعضى را مگر بعوض بعضى و بزرگترین چیزى كه واجب گردانید حق سبحانه و تعالى از این حقوق حق والى و پادشاهست بر رعیّت ، و حقّ رعیّت است بر والى و پادشاه فریضه‏ایست كه فرض كرده خداى سبحانه و تعالى آنرا از براى هر یكى از والى و رعیّت بر دیگرى ،

پس گردانید آن حقّ را سبب نظم از براى الفت ایشان و مایه عزّت از براى دین ایشان ، پس صلاح نمى‏یابد حال رعیّت مگر بصلاح حال پادشاهان و صلاح نمى‏یابد حال پادشاهان مگر بانتظام أمر رعیّت .

پس وقتى كه ادا كند رعیّت بوالى حقّ او را كه اطاعت و فرمان برداریست و ادا كند والى برعیّت حقّ او را كه عدالت و دادرسى است عزیز مى‏شود حقّ در میانه ایشان ، و مستقیم مى‏شود راههاى دین ، و معتدل مى‏شود علامتهاى عدالت ،

و جارى میشود سنن شرعیّه بر راههاى خود پس صلاح مى‏یابد بسبب این روزگار ،

و امیدوارى مى‏شود در دوام و بقاء سلطنت ، و مأیوس مى‏گردد جایگاه طمع دشمنان .

[ 148 ]

و وقتى كه غالب گردد و تمرّد نماید رعیّت بر پادشاه خود ، یا ظلم و تعدّى كند پادشاه بر رعیّت خود مختلف مى‏شود در آن وقت سخنان ، و آشكار گردد علامتهاى ظلم و ستم ، و بسیار گردد دغل و مفاسد در دین ، و ترك شود جادّه سنن شرعیّه ، پس عمل كرده مى‏شود بخواهشات نفسانیّه ، و معطّل گردد احكام شرعیّه نبویّه ، و بسیار شود ناخوشیهاى نفسها ، پس استیحاش نمى‏شود یعنى مردم وحشت نمى‏كنند از بزرگ حقّى كه تعطیل افتد ، و نه از بزرگ باطلى كه آورده شود ، پس در آن وقت ذلیل و خار گردند نیكوكاران ، و عزیز گردد بدكرداران ، و بزرگ مى‏شود مظالم خدا بر ذمّه بندگان .

پس بر شما باد نصیحت كردن یكدیگر را در آن حقّ واجب و معاونت خوب همدیگر بالاى آن پس نیست احدى و اگر چه شدید باشد در تحصیل رضاى خدا عرض او ، و دراز باشد در عمل سعى و تلاش او كه برسد حقیقت آن چیزى را كه خداى تعالى أهل و سزاوار اوست از اطاعت و عبادت ، و لیكن از حقوق واجبه خدا بر بندگان نصیحت كردنست بمقدار طاقت ایشان و اعانت كردن یكدیگر است برپا داشتن حق و عدل در میان خودشان .

و نیست مردى و اگر چه بزرگ شود در حق گذارى مرتبه او و مقدّم باشد در دین‏دارى فضیلت او بالاتر از اینكه اعانت كرده شود بر چیزى كه بار كرده است خدا بر او از حقّ خود ، یعنى البته محتاج است بمعین .

و نیست مردى اگر چه كوچك شمرده باشد او را نفسها و حقیر دیده باشد او را چشمها پست تر از اینكه اعانت كند بر آن حقّ یا اعانت كرده شود بر آن

الفصل الثانى

قال السیّد رضی اللّه عنه : فأجابه علیه السّلام رجل من أصحابه بكلام طویل یكثر فیه الثّناء علیه و یذكر سمعه و طاعته له علیه السّلام .

[ 149 ]

فقال علیه السّلام :

إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه فی نفسه ، و جلّ موضعه من قلبه ،

أن یصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه ، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه علیه ، و لطف إحسانه إلیه ، فإنّه لم تعظم نعمة اللّه على أحد الاّ ازداد حقّ اللّه علیه عظما .

و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس أن یظنّ بهم حبّ الفخر ، و یوضع أمرهم على الكبر ، و قد كرهت أن یكون جال فی ظنّكم أنّی أحبّ الإطراء ، و استماع الثّناء ، و لست بحمد اللّه كذلك ،

و لو كنت أحبّ أن یقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبریاء ، و ربّما استحلى النّاس الثّناء بعد البلاء ، فلا تثنوا علیّ بجمیل ثناء لإخراجى نفسی إلى اللّه و إلیكم من البقیّة فی حقوق لم أفرغ من أدآئها ، و فرائض لا بدّ من إمضائها .

فلا تكلّمونی بما تكلّم به الجبابرة ، و لا تتحفّظوا منّی بما یتحفّظ به عند أهل البادرة ، و لا تخالطونی بالمصانعة ، و لا تظنّوا بی [ به ] استثقالا فی حقّ قیل لی ، و لا التماس إعظام لنفسی ، فإنّه من استثقل الحقّ أن یقال له ، أو العدل أن یعرض علیه ، كان العمل بهما أثقل علیه ،

فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّی لست فی نفسی

[ 150 ]

بفوق أن أخطئ ، و لا آمن ذلك من فعلی إلاّ أن یكفی اللّه من نفسی ما هو أملك به منّی ، فإنّما أنا و أنتم عبید مملوكون لرّب لا ربّ غیره ، یملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ، و أخرجنا ممّا كنّا فیه إلى ما صلحنا علیه ، فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى ، و أعطانا البصیرة بعد العمى .

اللغة

( صغر ) الشی‏ء یصغر من باب شرف صغرا و زان عنب إذا صار صغیرا و صغر صغرا من باب تعب إذا ذلّ و هان قال تعالى : و هم صاغرون ، أى داخرون ذلیلون و ( عظم ) الشّی‏ء بالضّم أیضا عظما كعنب إذ اصار عظیما و ( سخف ) سخفا و سخافة و زان قرب قربا فهو سخیف و فلان فی عقله سخف أى نقص ، و قال الخلیل : السّخف فی العقل خاصّة و السخافة فی كلّ شی‏ء .

و ( اطریت ) فلانا مدحته بأحسن ما فیه و قیل : بالغت فی مدحه و جاوزت الحدّ و قال السّرقسطی فی باب الهمز و الیاء أطرأته مدحته و أطریته أثنیت علیه .

و قوله : ( من البقیّة ) بالباء الموحّدة كما فی نسخة الشّارح المعتزلی و غیرها من بقی الدّین كذا فضل و تأخّر ، و البقیّة اسم منه و الجمع بقایا و بقیّات مثل عطیة و عطایا و عطیات ، و المنقول من خطّ الرّضی من التقیة بالتاء المثناة و ( البادرة ) الحدّة و الكلام الذى یسبق من الانسان فی حالة الغضب و ( المصانعة ) الرّشوة و المداراة و ( كفه ) عن المكروه أى صرفه فكفّ هو أى انصرف یستعمل متعدّیا و لازما .

الاعراب

قوله : من حقّ خبر انّ قدّم على اسمها و هو قوله ان یصغر ، و هو مؤوّل بالمصدر و الواو فی و انّ أحق آه حرف قسم حذف المقسم به و جواب القسم قوله : لمن عظمت ، و یحتمل أن تكون للعطف فتكون اللام فی لمن تأكیدا .

و قوله : و قد كرهت أن یكون جال فی ظنّكم انّى احبّ ، یكون زایدة بعد