[ 151 ]

أن النّاصبة جى‏ء بها لمحض اصلاح اللّفظ و تصحیح دخول أن النّاصبة و إلاّ فلا حاجة الیها من حیث المعنی ، و الدّلیل على زیادتها أنّها لم تعمل شیئا أصلا و مثلها فی الزّیادة قول أم عقیل ابن أبیطالب و هی ترقصه :

أنت تكون ماجد بلیل
إذا تهبّ شمال بلیل

و جملة أن یكون حال فی محلّ النّصب مفعول كرهت ، و جملة انّی احبّ فاعل جال و قوله : و لست بحمد اللّه كذلك ، الباء فى بحمد اللّه إما للمصاحبة و الجار و المجرور فی موضع الحال أى لست كذلك مصاحبا بحمده أى حامدا له تعالى على حدّ قوله تعالى فسبّح بحمد ربّك أى سبّحه حامدا له أى نزّهه عمّا لا یلیق به و اثبت له ما یلیق و إمّا للاستعانة على أنّه من اقامة المسبّب مقام السّبب كما قاله بعض علماء الأدبیّة فی سبحانك اللّهم و بحمدك ، إنّ المعنی و بمعونتك الّتی هی نعمة توجب على حمدك سبّحتك لا بحولی و قوّتی ، و على هذا فیكون المعنی لست كذلك باعانته الّتی توجب حمده تعالى .

و قوله : انحطاطا للّه ، مفعول لأجله لتركته ، و عن تناول متعلّق بانحطاطا و اضافة تناول إلى ما من اضافة المصدر إلى مفعوله ، و قوله : لاخراجی علّة للمنفی ، لا للنفى و قوله : فی حقوق ، متعلّق بالبقیّة و الفاء فی قوله فلا تكلّمونی ، فصیحة .

و قوله فانّه من استثقل الحقّ أن یقال له ، الضمیر فی أنّه للشأن و أن یقال له بدل من الحقّ بدل اشتمال و كذلك ان یعرض علیه بدل من العدل ، و الباء فی قوله :

بفوق ، زایدة للتأكید و زیادتها فی خبر لیس مطردة ، و الفاء فی قوله : فابدلنا آه ،

عاطفة للتفصیل على الأجمال .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لمّا خطب بما تقدّم فی الفصل الأوّل ( فأجابه علیه السّلام رجل من أصحابه بكلام طویل یكثر فیه الثناء علیه و یذكر سمعه و طاعته له ) و ستطلع على كلام هذا الرّجل فی التكملة الآتیة انشاء اللّه تعالى .

قال المحدّث العلامة المجلسیّ فی البحار عند روایة هذه الخطبة من الكافی :

[ 152 ]

الظاهر أنّ هذا الرّجل كان الخضر علیه السّلام و قد جاء فی مواطن كثیرة و كلّمه علیه السّلام لاتمام الحجّة على الحاضرین ، و قد أتى بعد وفاته علیه السّلام و قام على باب داره و بكى و أبكى و خاطب علیه السّلام بأمثال تلك الكلمات و خرج و غاب عن النّاس .

أقول : و یؤیّده ما یأتی فی روایة الكافی من أنّه لم یكن رأی فی عسكره علیه السّلام قبل هذا الیوم و لا بعده ، و كیف كان فلمّا سمع علیه السّلام كلامه ( فقال علیه السّلام ) مجیبا له :

( إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه فی نفسه و جلّ موضعه من قلبه أن یصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه ) فانّ من كمل معرفته باللّه و شاهد عظمته و جلاله و كبریاءه لا یبقى لغیره وقع فی نظره ، لما ظهر من جلاله تعالى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی ما رواه عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی احیاء العلوم : لا یبلغ عبد حقیقة الایمان حتّى ینظر النّاس كالأباعر فی جنب اللّه ثمّ یرجع إلى نفسه فیجدها أحقر حقیر .

( و انّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه علیه و لطف احسانه الیه ) یعنی أحقّ النّاس بتعظیم جلال اللّه و تصغیر ما سواهم الأئمّة علیهم السّلام لعظم نعمة اللّه علیهم و كمال معرفتهم بجلال ربّهم ، فحقّ اللّه تعالى علیهم أعظم من غیرهم فینبغی أن یصغر عندهم أنفسهم فلا یحبّوا الثناء و الاطراء .

أو أنّ من عظمت نعمه و لطفه و احسانه إلیه فهو أحقّ و أجدر بأن یعظم جلال اللّه و یجلّ محلّه فی قلبه ، و من كان كذلك فیضمحلّ عند ملاحظة جلاله و مشاهدة عظمة غیره ، فلا یكون له التفات و توجّه إلى الخلق فی أعماله حتّى یطلب رضاءهم و مدحهم و ثناءهم .

و من هنا لما قال الحواریّون لعیسى علیه السّلام ما الخالص من الأعمال ؟ فقال : الّذى یعمل للّه تعالى لا یحبّ أن یحمده علیه أحد .

و قال بعضهم : الاخلاص نسیان رؤیة الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط ، و قال آخر : هو اخراج الخلق عن معاملة الرّب .

و یؤیّد الثّانی تعلیله بقوله ( فانّه لم تعظم نعمة اللّه على أحد إلاّ ازداد حقّ اللّه علیه عظما ) و أعظم حقّه هو الاخلاص كما قال « و ما امروا إلاّ لیعبدوا اللّه مخلصین

[ 153 ]

له الدّین » « فمن كان یرجو لقاء ربّه فلیعمل عملا صالحا و لا یشرك بعبادة ربّه أحدا » .

( و انّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس ان یظنّ بهم حبّ الفخر ) .

لظهور مخائل حبّه علیهم ، و ذلك لضعف عقولهم و حبّهم للجاه و المنزلة عند الناس و للثناء و المحمدة منهم .

و النكتة فی محبتهم لذلك هو ارتیاح النفس و التذاذ القلب به و میل الطبع الیه بسبب استشعار الكمال من قول المادح ، و ذلك لأنّ الكمال محبوب ، و كلّ محبوب فادراكه لذیذ ، فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت و تلذّذت فالمدح یشعر نفس الممدوح بكمالها .

فانّ الوصف الذى یمدح به إما أن یكون جلیا ظاهرا كوصفه بأنه طویل القامة و حسن الوجه ، أو خفیا مشكوكا كوصفه بالقدرة و الشجاعة و السخاوة ، و الالتذاذ بالأوّل أقلّ و بالثانی أعظم ، لأنّ الانسان ربما یكون شاكا فی كمال قدرته و شجاعته و سخاوته ، و بمدح غیره له بذلك یرتفع شكه و یحصل له الطمأنینة باستشعار ذلك الكمال ، فتعظم لذّته لا سیما إذا كان المادح من أهل الخبرة فهذا هو النكتة فی حبّ الجاه و الفخر و الثناء .

و أیضا فانّ المدح یدلّ على حشمة الممدوح و اضطرار المادح إلى اطلاق اللسان بحمده ، و مدحه إما عن طوع أو عن قهر و الحشمة أیضا لذیذة لما فیها من القهر و القدرة و السلطنة ، و هذه اللّذة تحصل و إن كان المادح فی الباطن غیر معتقد بما مدح به لأنّ اضطراره إلى مدحه و وصفه نوع قهر و استیلاء علیه ، فیورث ذلك حبّ الولاة للمحمدة و الثناء .

و إنما جعله من أسخف الحالات ، لأنّ من غلب على قلبه حبّ الجاه و المنزلة و الفخر صار همته مقصورا على ملاحظة الخلق و مراعاتهم فى أقواله و أفعاله ملتفتا إلى ما یوجب وقعه فى نظرهم و منزلته عندهم و رضائهم منه رجاء لمدحهم و خوفا من ذمّهم و هذا من محض ضعف العقل و قصوره .

[ 154 ]

لأنّ هذه الصفة التى یحبّ المدح بها إما أن یكون متّصفا بها واقعا أم لا فان كان متّصفا بها فهى إما من الكمالات النفسانیة كالقدرة و الشجاعة و العدالة ، أو لیست من الكمالات النفسانیة بل من الأعراض الدّنیویة كالثروة و الجلال و الشوكة و نحوها .

أما الأعراض الدنیویّة فالفرح بها كالفرح بما أنبتت الأرض من النبات الذى یصیر عن قریب هشیما تذروه الریاح ، و هذا من قلّة عقل العاقل فلا ینبغى أن یفرح بما هو فى معرض الزوال و الفناء ، و ان فرح فلا ینبغى أن یفرح بمدح المادح بل بوجوده و المدح لیس سبب وجوده .

و أما الكمالات النفسانیة فینبغى أن یكون فرحه فیها بفضل اللّه تعالى أیضا لا بمدح المادح ، فانّ اللذة فی استشعار الكمال و الكمال موجود بفضل اللّه لا بمدح المادح و المدح تابع له و ان لم یكن متّصفا بها واقعا فحبّ المدح بها غایة الجنون ، و مثله كمثل من یهزء به إنسان و یقول له : سبحان اللّه ما اكثر العطر الذى فى أحشائك و ما أطیب الرّوائح التى تفوح منك إذا قضیت حاجتك ، و هو یعلم ما تشتمل علیه أمعاؤه من الأقذار و الأنتان و مع ذلك فیفرح بمدحه فاذا المادح إن كان صادقا فلیكن فرحه بصفته الّتی هی من فضل اللّه و إن كان كاذبا فینبغی أن یغمّه مدحه حیث إنه یستهزء به و یستسخر منه فكیف یفرح به .

و أمّا الحشمة الّتی اضطرت المادح إلى المدح فمرجعها أیضا إلى قدرة عارضة لا ثبات لها ، فعلم بذلك أنّ حبّ الفخر من أسخف حالات الولاة .

( و ) من أسخف حالاتهم أیضا أن ( یوضع أمرهم على الكبر ) أى یتّهموا بالكبر لاستعظامهم لنفسهم و استحقارهم لغیرهم و ترفعهم علیه و انفهم من عباداتهم و هو ایضا من ضعف العقل لأنّ الكبر و العزّ و العظمة و الجلال لا یلیق إلاّ بالقادر القاهر مالك الملك و الملكوت فأین یلیق به العبد الضعیف المسكین المستكین الذى لا یملك لنفسه موتا و لا حیاتا و لا نشورا .

[ 155 ]

فالوالى المتكبّر منازع للّه تعالى فی صفة لا یلیق إلاّ بجلاله مثل الغلام الّذى أخذ قلنسوة الملك فوضعها على رأسه و جلس على سریره فما أعظم استحقاقه للمقت و الخزى و ما أقبح ما تعاطاه و أشدّ جرأته على مولاه و أفحش سفهه عند أهل البصیرة هذا .

و لمّا ذكر اجمالا أنّ المشاهد لجمال الربوبیّة یصغر فی نظره ما سواه و أنّ أحقّ النّاس بمشاهدة جلاله و استصغار غیره هو من فاز لعظیم نعمة المعرفة و عقّبه بذكر حالة الولاة من حبّهم للفخر و الكبر و اتّهامهم بذلك .

أردف ذلك بالتصریح على براءة نفسه القدسیة من هذه الحالات و نزاهته عن حبّ الاطراء و الثناء بمقتضی مشاهدته لجلال الربّ تعالى فقال :

( و قد كرهت أن یكون جال فی ظنّكم أنی أحبّ الاطراء ) أى المجاوزة عن الحدّ فی المدح و المبالغة فیه ( و استماع الثناء ) قال بعض الشارحین : جولان الظنّ حصول المعنی فی النفس من غیر إذعان كامل ، و كراهته علیه السّلام له یدلّ على كراهته للاذعان التامّ بطریق أولى .

( و لست بحمد اللّه كذلك ) أى محبا لها ( و لو كنت احبّ أن یقال ذلك ) أى لو أحببت الاطراء و الثناء و التعظیم و التّبجیل بما فیه من التذاذ النفس ( لتركته ) قطعا ( انحطاطا للّه ) و تذلّلا لأجله و تصاغرا ( عن تناول ما هو أحقّ به ) منّی و من كلّ أحد ( من العظمة و الكبریاء ) و یحتمل أن یكون أحقّ بمعنی حقیق غیر مراد به التفضیل كما فی قولهم العسل أحلی من الخلّ و هو الأظهر بل أولى لأنّ العظمة و الكبریاء لا یلیق إلاّ به تعالى كما قال فی الحدیث القدسى : الكبریاء ردائی و العظمة إزارى فمن نازعنی واحدا منهما ألقیته فی جهنّم و لا ابالی .

و فی كلامه علیه السّلام إشارة إلى أنّ الاطراء و الثناء یجران إلى الكبر و ذلك أنّ المادح إذا بالغ فی المدح و ذكر مناقب الممدوح و محاسنه و اثنى علیه بها یورث ذلك فی الممدوح الارتیاح و الاهتزاز و استعظامه لنفسه بما فیها من المناقب و المحاسن و استحقاره بغیره لخلوّه منها ، و لیس الكبر إلاّ عبارة عن ذلك .

[ 156 ]

( و ربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء ) أى استحلى من أبلى بلاء حسنا من الولاة و غیرهم أن یمدح و یثنى علیه بعد ابتلائه بالشدائد و مكایدته المشاق .

قال الشارح البحرانی : هذا یجرى مجرى تمهید العذر لمن أثنى علیه فكأنه علیه السّلام یقول : و أنت معذور حیث رأیتنی أجاهد فی سبیل اللّه و أحثّ الناس على ذلك و من عادة النّاس أن یستحلوا الثناء عند أن یبلوا بلاء حسنا فی جهاد أو غیره من الطاعات .

ثمّ أجاب علیه السّلام عن هذا العذر بقوله ( فلا تثنوا علىّ بجمیل ثناء لاخراجی نفسى إلى اللّه و إلیكم من البقیّة فی حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لا بدّ من امضائها ) أى لا تثنوا علىّ لأجل ما ترونه منّى من طاعة اللّه فانّ ذلك انّما هو لاخراج نفسى إلى اللّه من حقوقه الباقیة علىّ لم افرغ بعد من أدائها ، و هى حقوق نعمه و فرائضه الّتی لا بدّ من المضیّ فیها و كذلك إلیكم من الحقوق التی أوجبها اللّه من النصیحة فی الدّین و الارشاد إلى الطریق الأفضل و التعظیم لكیفیّة سلوكه .

و فی المنقول من خط الرّضی من التقیّة بالتاء و المعنى فانّ الّذى أفعل من طاعة اللّه إنما هو لاخراج نفسی إلى اللّه و إلیكم من تقیّة الخلق فیما یجب علىّ من الحقوق إذ كان علیه السّلام إنّما یعبد اللّه للّه غیر ملتفت فى شى‏ء من عبادته و أداء واجب حقّه إلى أحد سواه خوفا منه أو رغبة إلیه أو المراد بها التقیّة الّتی كان یعملها فی زمن الخلفاء الثلاثة و تركها فی أیام خلافته ، و كأنه قال : لم أفعل شیئا إلاّ و هو أداء حقّ واجب علىّ و إذا كان كذلك فكیف أستحقّ أن یثنى علىّ لأجل إتیان الواجب بثناء جمیل ، و اقابل بهذا التعظیم ، و هو من باب التواضع للّه و تعظیم كیفیة أداء حقّه ، و كسر للنفس عن محبّة الباطل و المیل الیه .

و لمّا نهاهم عن الثناء علیه أردف بتعلیمهم كیفیة سلوكهم معه علیه السّلام قولا و فعلا فقال علیه السّلام .

[ 157 ]

( فلا تكلّمونى بما تكلّم به الجبابرة ) و الظلمة أى لا تكلّمونى بكلام متضمن للتملق لى و التودّد الىّ كما یتكلّم به عند أهل الغرور و النخوة من المتجبّرین العتاة ( و لا تتحفّظوا منّى بما یتحفّظ به عند أهل البادرة ) أى لا تحرّزوا منّى بما یتحرّز به عند أهل الهدة من الملوك و السلاطین و الامراء ، فانّ النّاس إنّما یتحفظون عنهم و یتكلّمون عندهم حقّا أو بأطلا بما یعجبهم و یوافق مذاقهم من الثناء و الاطراء و الملق ، و یحتشمون منهم و یقومون بین أیدیهم و یخضعون لهم ، كلّ ذلك خوفا من سطوتهم و توقّیا من سورتهم .

( و لا تخالطونى ) و عن بعض النّسخ لا تخاطبونى بدله ( بالمصانعة ) أى بالرّشوة و المداراة ، و قال بعض الشارحین : المصانعة أن تصنع لأحد شیئا لیصنع لك شیئا آخر و الغرض النّهى عن المخالطة أو المخاطبة بحسب ما یرونه صلاحا فی حصول أغراضهم أو ما یعجبه علیه السّلام على زعمهم .

( و لا تظنوابى استثقالا فی حقّ لى و لا التماس إعظام لنفسى ) أی لا یذهب ظنّكم إلى أنّ فیّ توانیا من الحقّ الذی قیل لى ، و انى أعدّه ثقیلا علىّ ، و لا إلى أنّى أطلب من الخلق التعظیم لنفسى ، و ذلك لأنّه مع الحقّ و الحقّ معه یدور معه كیف دار و لمعرفته بمن هو أهل للاعزاز و أحقّ به لاختصاصه بالعظمة و الكبریاء فقط جلّ جلاله دون غیره حسبما صرّح به سابقا ، و من هذا شأنه فكیف یستثقل الحقّ و یلتمس الاعظام .

( فانّه من استثقل الحقّ أن یقال له أو العدل أن یعرض علیه كان العمل بهما أثقل علیه ) یعنى من كان استماع الحقّ و العدل ثقیلا علیه عند إظهارهما علیه كان عمله بهما أثقل و أشق ، لكن شیئا منهما لیس ثقیلا علیه فضلا عن إصغائه إلیه ،

بل المعلوم من حاله علیه السّلام مضافا إلى شهادة قوله تعالى و ممّن خلقنا امّة یهدون بالحقّ و به یعدلون النّازل فیه و فی الأئمة من ذریّته علیه و علیهم السّلام مواظبته على الحقّ و العدل فی جمیع حالاته .

و لمّا نهاهم عن التحفّظ منه و نبّههم على عدم ثقل استماع القول الحقّ

[ 158 ]

و العدل علیه كعدم ثقل عمله بهما فرّع علیه قوله ( فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ) أى لا تمسكوا عنها و فیه تلطف لهم ( أو مشورة بعدل ) و فیه تطییب لقلوبهم و لهذه النّكتة أیضا أمر اللّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی قوله « و شاورهم فی الأمر » بالتشاور من دون حاجة لأحد منهما إلى استخراج الوجه بالمشاورة لعلمهما بوجوه المصالح جمیعا فی الحرب و غیرها .

و أمّا التعلیل بقوله ( فانّی لست فی نفسى بفوق ان اخطى و لا آمن ذلك من فعلى إلاّ أن یكفى اللّه من نفسى ما هو أملك به منّى ) فانّما هو من الانقطاع إلى اللّه و التّواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحقّ و عدّ نفسه من المقصّرین فی مقام العبودیّة و الاقرار بأنّ عصمته علیه السّلام من نعمه تعالى .

و لیس اعترافا بعدم العصمة كما یتوهّم بل لیست العصمة إلاّ ذلك فانّها عبارة عن أن یعصم اللّه العبد من ارتكاب الخطاء و المعصیة و قد أشار إلیه بقوله : إلاّ أن یكفى اللّه ، على حدّ قول یوسف الصدّیق علیه السّلام « و ما أبرّء نفسى إنّ النفس لأمارة بالسوء إلاّ ما رحم ربّى » و أراد بقوله ما هو أملك به العصمة من الخطاء فانّه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد نفسه ثمّ اتبعه بمزید الهضم و سوّى بینهم و بینه و قال ( فانّما أنا و أنتم عبید مملوكون لربّ لا ربّ غیره یملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ) و یعصمنا ممّا لا نقدر أن نعتصم منه بأنفسنا من مكاره الدّنیا و الآخرة ( و أخرجنا ممّا كنّا فیه ) من الجهالة و عدم العلم و المعرفة ( إلى ما صلحنا علیه ) من الكمالات الّتی یسّرها لنا ببعثة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى و أعطانا البصیرة بعد العمى ) .

قال الشّارح المعتزلی : لیس هذا إشارة إلى خاصّ نفسه لأنّه لم یكن كافرا فأسلم ، و لكنّه كلام یقوله و یشیر به إلى القوم الذین یخاطبهم من إفناء الناس فیأتى بصیغة الجمع الدّاخلة فیها نفسه توسّعا ، و یجوز أن یكون معناها لولا ألطاف اللّه تعالى ببعثة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لكنت أنا و غیرى على مذهب الأسلاف .

[ 159 ]

تكملة

هذه الخطبة رواها ثقة الاسلام الكلینی فی كتاب الرّوضة من الكافی و السند علىّ بن الحسن المؤدّب عن أحمد بن محمّد بن خالد و أحمد بن محمّد عن علیّ بن الحسن التّمیمی « التیمى » جمیعا عن إسماعیل بن مهران قال : حدّثنى عبد اللّه بن الحرث عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام الناس بصفّین فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على محمّد النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ قال علیه السّلام :

أمّا بعد فقد جعل اللّه لی علیكم حقّا بولایة أمركم و منزلتى الّتی أنزلنی اللّه عزّ ذكره بها منكم و لكم علیّ من الحقّ مثل الّذى لى علیكم ، و الحقّ أجمل الأشیاء فی التراصف « التواصف » و أوسعها فی التناصف لا یجرى لأحد إلاّ جرى علیه ، و لا یجرى علیه إلاّ جرى له ، و لو كان لأحد أن یجرى ذلك له و لا یجرى علیه لكان ذلك للّه عزّ و جلّ خالصا دون خلقه ، لقدرته على عباده ، و لعدله فی كلّ ما جرت علیه ضروب قضائه ، و لكن جعل حقّه على العباد أن یطیعوه ، و جعل كفارتهم علیه حسن الثواب تفضّلا منه و تطوّلا بكرمه و توسّعا بما هو من المزید له أهل ، ثمّ جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافا فی وجوهها و یوجب بعضها بعضا ، و لا یستوجب بعضها إلاّ ببعض فأعظم ما افترض اللّه تبارك و تعالى من تلك الحقوق حقّ الوالى على الرّعیّة و حقّ الرّعیّة على الوالى فریضة فرضها اللّه عزّ و جلّ لكلّ على كلّ فجعلها نظام الفتهم و عزّا لدینهم و قواما لسنن الحقّ فیهم ، فلیست تصلح الرعیة إلاّ بصلاح الولاة ، و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعیّة .

فاذا أدّت الرّعیة إلى الوالى حقّه و أدّى إلیها الوالى كذلك عزّ الحقّ بینهم ، فقامت مناهج الدین و اعتدلت معالم العدل ، و جرت على اذلالها السّنن ، و صلح بذلك الزّمان و طاب به العیش و طمع فی بقاء الدولة و یئست مطامع الأعداء .

و إذا غلبت الرّعیة و الیهم و علا الوالى الرّعیة اختلفت هنا لك الكلمة

[ 160 ]

و ظهرت مطامع الجور و كثر الادغال فی الدّین و تركت معالم السنن ، فعمل بالهوى و عطلت الآثار و كثرت علل النفوس و لا یستوحش لجسیم حدّ عطل و لا لعظیم باطل اثل ، فهنا لك تذلّ الأبرار ، و تعزّ الأشرار ، و تخرب البلاد ، و تعظم تبعات اللّه عزّ و جلّ عند العباد .

فهلمّ أیّها الناس إلى التعاون على طاعة اللّه عزّ و جلّ و القیام بعد له و الوفاء بعهده و الانصاف له فی جمیع حقّه ، فانه لیس العباد إلى شی‏ء أحوج منهم إلى التناصح فی ذلك و حسن التعاون علیه ، و لیس أحد و إن اشتدّ على رضاء اللّه حرصه و طال فی العمل اجتهاده ببالغ حقیقة ما أعطى اللّه من الحقّ أهله ، و لكن من واجب حقوق اللّه عزّ و جلّ على العباد النصیحة له بمبلغ جهدهم ، و التعاون على اقامة الحقّ بینهم .

و لیس امرء و إن عظمت فی الحقّ منزلته و جسمت فی الخلق فضیلته بمستغن عن أن یعان على ما حمله اللّه عزّ و جلّ من حقّه ، و لا لامرؤ مع ذلك خسأت به الأمور و اقتحمته العیون بدون ما أن یعین على ذلك أو یعان علیه و أهل الفضیلة فی الحال و أهل النعم العظام أكثر من ذلك حاجة و كلّ فی الحاجة إلى اللّه عزّ و جلّ شرع سواء « فأجابه علیه السّلام رجل من عسكره لا یدرى من هو و یقال : إنّه لم یر فی عسكره قبل ذلك الیوم و لا بعده ، فقام و أحسن الثناء على اللّه عزّ و جلّ بما أبلاهم و أعطاهم من واجب حقّه علیهم و الاقرار بما ذكر من تصرّف الحالات به و بهم ثمّ قال :

أنت أمیرنا و نحن رعیتك بك أخرجنا اللّه عزّ و جلّ من الذلّ و باعزازك اطلق على عباده من الغل ، فاختر علینا فامض اختیارك و ائتمر فامض ائتمارك فانّك القائل المصدّق و الحاكم الموفق و الملك المخول لا نستحلّ فی شی‏ء من معصیتك و لا نقیس علما بعلمك یعظم عندنا فی ذلك خطرك و یجلّ عنه فی أنفسنا فضلك » .

فأجابه أمیر المؤمنین علیه السّلام : إنّ من حقّ من عظمّ جلال اللّه فی نفسه و عظم موضعه

[ 161 ]

من قلبه أن یصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه ، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعم اللّه علیه و لطف إحسانه إلیه فانّه لم تعظم نعم اللّه تعالى على أحد إلاّ ازداد حق اللّه علیه عظما .

و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس أن یظنّ بهم حبّ الفخر و یوضع أمرهم على الكبر ، و قد كرهت أن یكون جال فی ظنّكم أنّى أحبّ الاطراء ، و استماع الثناء ، و لست بحمد اللّه كذلك ، و لو كنت احبّ أن یقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبریاء ، و ربّما استحلى الناس الثناء بعد البلاء ، فلا تثنوا علىّ بجمیل ثناء لاخراجى نفسى إلى اللّه و إلیكم من البقیّة فی حقوق لم افرغ من أدائها و فرائض لا بدّ من إمضائها .

فلا تكلّمونى بما تكلّم به الجبابرة و لا تتحفظوا منّى بما یتحفّظ به عند أهل البادرة و لا تخالطونى بالمصانعة ، و لا تظنوا بى استثقالا فی حقّ قیل لى و لا التماس إعظام لنفسى لما لا یصلح لى فانّه من استثقل الحقّ أن یقال له أو ألعدل أن یعرض علیه كان العمل بهما أثقل علیه ، فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل فانّى لست فی نفسی بفوق أن اخطى و لا آمن ذلك من فعلى إلاّ أن یكفى اللّه من نفسى ما هو أملك به منى ، فانّما أنا و أنتم عبید مملوكون لربّ لا ربّ غیره ، یملك منّا ما لا نملك من أنفسنا و أخرجنا ممّا كنا فیه إلى ما صلحنا علیه فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى و أعطانا البصیرة بعد العمى .

« فأجابه الرّجل الّذى أجابه من قبل فقال : أنت أهل ما قلت و اللّه فوق ما قلته فبلاؤه عندنا ما لا یكفر ، و قد حملك اللّه تعالى رعایتنا و ولاك سیاسة أمورنا فأصبحت علمنا الّذى نهتدى به ، و إما منا الذى نقتدى به ، و أمرك كلّه رشد ، و قولك كلّه أدب ، قد قرّت لك فی الحیاة أعیننا ، و امتلأت بك من سرور قلوبنا ، و تحیّرت من صفة ما فیك من بارع الفضل عقولنا ، و لسنا نقول لك أیّها الامام الصّالح تزكیة لك ، و لا نجاوز القصد فی الثناء علیك ، و لم « لن » یكن فی أنفسنا طعن على یقینك أو غشّ فی دینك فنتخوّف أن یكون أحدثت بنعم اللّه تبارك و تعالى تجبّرا ، أو دخلك

[ 162 ]

كبر ، و لكنّا نقول ما قلنا تقرّبا إلى اللّه عزّ و جلّ بتوقیرك ، و توسّعا بتفضیلك و شكرا باعظام أمرك ، فانظر لنفسك و لنا و آثر لأمر اللّه على نفسك و علینا فنحن طوع فیما أمرتنا ننقاد من الامور مع ذلك فیما ینفعنا » .

فأجابه أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال : و أنا استشهدكم عند اللّه على نفسى ، لعلمكم فیما و لیت به من اموركم و عمّا قلیل یجمعنى و ایّاكم الموقف بین یدیه و السؤال عمّا كنّا فیه ، ثمّ یشهد بعضنا على بعض ، فلا تشهدوا الیوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا ، فانّ اللّه عزّ و جلّ لا تخفى علیه خافیة ، و لا یجوز عنده إلاّ مناصحة الصدور فی جمیع الأمور « فأجابه الرّجل و یقال : لم یر الرّجل بعد كلامه هذا الأمیر المؤمنین علیه السّلام فأجابه و قد عال الذى فی صدره و البكاء تقطع منطقه ، و غصص الشّجى تكسر صوته إعظاما لخطر مرزأته و وحشة من كون فجیعته ، فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ شكى إلیه هول ما أشفى علیه من الخطر العظیم و الذّل الطویل فی فساد زمانه و انقلاب جده و انقطاع ما كان من دولته ، ثمّ نصب المسألة إلى اللّه عزّ و جلّ بالامتنان علیه و المدافعة عنه بالتّفجع و حسن الثناء فقال :

یا ربانی العباد و یا ساكن البلاد أین یقع قولنا من فضلك ، و أین یبلغ وصفنا من فعلك ، و أنّى نبلغ حقیقة حسن ثنائك أو نحصى جمیل بلائك ، كیف و بك جرت نعم اللّه علینا ، و على یدك اتّصلت أسباب الخیر إلینا ، ألم تكن لذلّ الذلیل ملاذا ، و للعصاة الكفار إخوانا ، فبمن إلاّ بأهل بیتك و بك أخرجنا اللّه عزّ و جلّ من فظاعة تلك الخطرات ، أو بمن فرّج عنّا غمرات الكربات ، و بمن إلاّ بكم أظهر اللّه معالم دیننا و استصلح ما كان فسد من دنیانا ، حتّى استبان بعد الجور ذكرنا ،

و قرّت من رخاء العیش أعیننا لما ولّیتنا بالاحسان جهدك و وفیت لنا بجمیع وعدك ، و قمت لنا على جمیع عهدك ، فكنت شاهد من غاب منّا ، و خلف أهل البیت لنا ، و كنت عزّ ضعفائنا ، و ثمال فقرائنا ، و عماد عظمائنا ، یجمعنا فى الامور عدلك ، و یتّسع لنا فی الحقّ تأنیك فكنت لنا أنسا إذا رأیناك ، و سكنا إذا ذكرناك ، فأىّ الخیرات لم تفعل ، و أىّ

[ 163 ]

الصّالحات لم تعمل ، و لو أنّ الأمر الّذى نخاف علیك منه یبلغ تحریكه جهدنا ،

و تقوى لمدافعته طاقتنا أو یجوز الفداء عنك منه بأنفسنا و بمن نفدیه بالنّفوس من أبنائنا لقدمنا أنفسنا و أبناءنا قبلك ، و لأخطرناها و قل خطرها دونك ، و لقمنا بجهدنا فی محاولة من حاولك ، و مدافعة من ناواك ، و لكنّه سلطان لا یحاول و عزّ لا یزاول ، و ربّ لا یغالب ، فان یمنن علینا بعافیتك ، و یترحّم علینا ببقائك و یتحنّن علینا بتفریج هذا من حالك إلى سلامة منك لنا و بقاء منك بین أظهرنا نحدث اللّه عزّ و جلّ بذلك شكرا نعظمه ، و ذكرا ندیمه ، و نقسّم انصاف أموالنا صدقات ، و أنصاف رقیقنا عتقاء ، و نحدث له تواضعا فی أنفسنا ، و نخشع فی جمیع امورنا ، و إن یمض بك إلى الجنان و یجرى علیك حتم سبیله ، فغیر متّهم فیك قضاؤه ، و لا مدفوع عنك بلاؤه ، و لا مختلفة مع ذلك قلوبنا بان اختیاره لك ما عنده على ما كنت فیه ، و لكنّا نبكى من غیر اثم لعزّ هذا السلطان أن یعود ذلیلا ، و للدّین و الدّنیا أكیلا ، فلا نرى لك خلقا نشكو إلیه ، و لا نظیرا نأمله و لا نقیمه » .

بیان

لما یحتاج إلى البیان من موارد الاختلاف الّتی لم یتقدّم شرحها عند شرح المتن :

قوله علیه السّلام « و الحق أجمل الأشیاء فی التّراصف » أصل التّراصف تنضید الحجارة بعضها ببعض ، و المراد أنّ الحقّ أحسن الأشیاء فی إنفاق الامور و أحكامها .

قوله « و أوسعها فی التّناصف » أى إذا أنصف الناس بعضهم لبعض فالحقّ یسعه و یحتمله و لا یقع الناس فی العمل بالحقّ ضیق .

قوله « و جعل كفارتهم علیه حسن الثّواب » قال فی البحار : لعلّ المراد بالكفارة الجزاء العظیم لستره عملهم حیث لم یكن له فی جنبه قدر ، فكأنّه قد محاه و ستره ،

و فی أكثر النسخ بحسن الثواب فیحتمل أیضا أن یكون المراد بها ما یقع منهم لتدارك سیئآتهم كالتوبة و سایر الكفارات ، أى أوجب قبول كفارتهم و توبتهم على نفسه مع حسن الثواب بأن یثیبهم على ذلك أیضا قوله « قواما یسرّ الحقّ فیهم » أى بها یقوم جریان الحقّ فیهم و بینهم .

[ 164 ]

قوله « اثّل » بالثّاء المثلّثة و البناء على المفعول من باب التّفعیل یقال : أثل ماله تأثیلا زكّاه و أصّله و أثّل ملكه عظمه و أثّل أهله كساهم أفضل كسوة و الاثال وزان سحاب و غراب المجد و الشّرف قوله « فهلمّ ایّها الناس » اسم فعل بمعنى تعال یستوى فیه الواحد و الجمع و التذكیر و التّأنیث على لغة أهل الحجاز .

قوله « حقیقة ما أعطى اللّه من الحقّ أهله » أى جزاء ما أعطى اللّه أهل الحقّ من الدّین المبین و سائر ما هداهم اللّه إلیه ، بأن یكون المراد بالحقیقة الجزاء مجازا أو یكون فی الكلام تقدیر مضاف أى حقیقة جزاء ما أعطى من الحقّ ، و قیل :

المراد بحقیقة ما أعطى اللّه شكر نعمة هدایته تعالى إلى دین الحقّ .

قوله « و لا لامرؤ مع ذلك » قال فی البحار كأنّه راجع إلى ما حمّل اللّه على الوالى أو إلى الوالى الّذى اشیر إلیه سابقا أى لا یجوز أو لا بدّ لا مرؤ أو لا استغناء لامرء على الوالى أو مع كون و الیه مكلّفا بالجهاد و غیره من امور الدّین و إن كان ذلك المرء محقّرا ضعیفا بدون أن یعین على إقامة الدّین أو یعینه النّاس أو الوالى علیه قوله « خسأت به الامور » یقال خسأت الكلب خسئا طردته و خسا الكلب یتعدّى و لا یتعدّى و یجوز أن یكون استعمل هنا غیر متعدّ بنفسه ، فعدّى بالباء أى طردته الامور ، و المراد أنّه لیس بحیث یتمشّى امر من اموره و لا ینفع سعیه فی تحصیل شی‏ء من الامور قوله « بدون ما » لفظة ما زایدة .

قوله « و أهل الفضیلة فی الحال » المراد بهم الأئمة علیهم السّلام و الولاة و الامراء و العلماء و كذا « أهل النّعم العظام » .

قوله « و الافرار » عطف على الثناء أى أقرّ إقرارا حسنا بأشیاء ذكرها ذلك الرّجل و لم یذكره علیه السّلام اختصارا أو تقیّة من تغیّر حالاته من استیلاء أئمّة الجور و مظلومیّته و تغیّر أحوال رعیّته من تقصیرهم فی حقّه و عدم قیامهم بما یحقّ من طاعته و القیام بخدمته

[ 165 ]

قوله « من الغلّ » أى أغلال الشرك و المعاصى .

قوله « و ائتمر » أى أقبل ما أمر اللّه به فامضه علینا .

قوله « و الملك المخوّل » أى الملك الّذى أعطاك اللّه الامرة علینا و جعلنا خدمك و تبعك قوله « لا نستحلّ فی شی‏ء من معصیتك » لعلّ التّعدیة بفى لتضمین معنى الدخول أو المعنى لا نستحلّ معصیتك فی شی‏ء من الأشیاء على أن یكون من زایدة قوله « فی ذلك » أى فی العلم بأن تكون كلمة فی تعلیلیّة ، و یحتمل أن یكون اشارة إلى ما دلّ علیه الكلام من اطاعته علیه الصّلاة و السلام .

قوله « خطرك » أى قدرك و منزلتك .

قوله « و یجلّ عنه » أى عمّا قلته فی وصفك .

قوله « فبلاؤه عندنا ما لا یكفر » أى نعمته عندنا وافرة بحیث لا نستطیع كفرها و سترها ، أو لا یجوز كفرانها و ترك شكرها .

قوله « و لم یكن » فی بعض النسخ لن یكون و فی بعضها لن یكنّ بالبناء على المفعول من كنت الشی‏ء سترته أو بفتح الیاء و كسر الكاف من كنّ الطایر بیضه حضنه قوله « و توسّعا » أى فی الفضل و الثواب .

قوله « مع ذلك » أى مع طوعنا فیما امرت ، و فی البحار أى مع طاعتنا لك ،

فانّ نفس الطاعة أمر مرغوب فیه و مع ذلك موجب لحصول ما ینفعنا و ما هو خیر لنا فی دنیانا و آخرتنا .

قوله « الاّ مناصحة الصّدور » أى خلوصها من غشّ النّفاق بأن یضمر فیها خلاف ما یظهر أو نصح الاخوان نصحا یكون فی الصّدور لا بمحض اللّسان .

قوله « و قد عال الّذى فی صدره » یقال : عالنى الشی‏ء أى غلبنى و عال أمرهم اشتدّ قوله « و غصص الشّجى » جمع غصّه بالضّم و هو ما یعترض فی الحلق ،

[ 166 ]

و الشّجى الحزن .

قوله « لخطر مرزأته » الخطر القدر و الاشراف على الهلاك و المرزأة المصیبة و كذا الفجیعة و الضّمیر راجع إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و القائل كان عالما بقرب أو ان شهادته علیه السّلام فلذا كان یندب و یتفجّع و إرجاعهما إلى القائل بعید قوله « ثمّ شكى إلیه » أى إلى اللّه تعالى .

قوله « أشفى علیه » أى أشرف علیه .

قوله « و انقلاب جدّه » أى بخته .

قوله « بالتفجع » متعلّق بقوله نصیب ، و التفجع التّوجّع فی المصیبة أى سأل اللّه دفع هذا البلاء الّذى قد ظنّ وقوعه عنه علیه السّلام مع التّفجع و التّضرّع .

قوله « یا ربّانی العباد » قال الجزرى الربّانی منسوب إلى الربّ بزیادة الالف و النّون ، و قیل : هو من الربّ بمعنی التّربیة لتربیتهم المتعلّمین بصغار العلوم و كبارها ، و الربّانی العالم الرّاسخ فی العلم و الدّین یطلب بعلمه وجه اللّه ، و قیل :

العالم العاقل المعلّم .

قوله « و یا ساكن البلاد » فی بعض النسخ سكن البلاد محرّكة و هو كلما یسكن إلیه .

قوله « و بك جرت نعم اللّه » أى بمجاهداتك و مساعیك الجمیلة فی ترویج الدّین و تشیید أركان الاسلام فی زمن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بعده .

قوله « و للعصاة الكفّار اخوانا » أى كنت تعاشر من یعصیك و یكفر نعمتك بالشّفقه و الرّأفة معاشرة الاخوان ، أو المراد الشّفقة على الكفّار و العصاة و الاهتمام فی هدایتهم ، و یحتمل أن یراد بهم المنافقون الّذین كانوا فی عسكره و كان یلزمه رعایتهم بظاهر الشّرع .

قوله « من فظاعة تلك الخطرات » أى قباحتها و شدّتها .

قوله « ثمال فقرائنا » أى غیاثهم و لجائهم و قیل : الثمال المطعم فی الشّدة .

قوله « یجمعنا من الأمور عدلك » أى هو سبب اجتماعنا فی جمیع الامور أو من

[ 167 ]

بین سایر الامور أو هو سبب لانتظام جمیع امورنا و عدلك محیط بجمیعنا فی جمیع الامور .

قوله « و یتّسع لنا فی الحقّ تأنّیك » أى صار مداراتك و عدم تعجیلك فی الحكم علینا بما نستحقّه سببا لوسعة الحقّ علینا و عدم تضیّق الامور بنا .

قوله « لیبلغ تحریكه » أى تغییره و صرفه و فی النسخة القدیمة تحویله .

قوله « و لا خطرناها » لا نجعل لها خطرا أى قدرا و منزلة كما فی حدیث وصف الأئمة علیهم السّلام : ما أجلّ خطركم أى قدركم و منزلتكم عند اللّه أو لا نعدّها خطیرا أى رفیعا .

قوله « و قلّ خطرها دونك » أى شرفها أو هلاكها و الخطر أیضا السّبق یتراهن علیه و لا یقال إلاّ فی الشی‏ء الّذى له قدر و مزیّة .

قوله « حاولك » أى قصدك .

قوله « من ناواك » أى عاداك .

قوله « و لكنّه سلطان » أى الربّ تعالى .

قوله « و عزّ » ذو عزّ و غلبة .

قوله « لا یزاول » أى لا یحاول و لا یطالب ، و هذا إشارة إلى أن هذه الامور بقضاء اللّه و قدره و المبالغة فی دفعها فی حكم مغالبة اللّه فى تقدیراته .

قوله « بان اختیاره لك ما عنده » ما عنده خبران أو خبره محذوف أى خیر لك و المعنی أنّه لا یختلف قلوبنا بل هی متّفقة على أنّ اللّه اختار لك بامضائك النعیم و الرّاحة الدّائمة على ما كنت فیه من المشقّة و الجهد و العناء .

قوله « نبكى من غیر اثم » أى لا نأثم على البكاء علیك فانّه من أفضل الطاعات .

قوله « و للدّین و الدّنیا اكیلا » أى آكلا فالفعیل بمعنى الفاعل لا بمعنى المفعول أى نبكی لتبدّل هذا السّلطان الحقّ بسلطنة الجور فیكون آكلا للدّین و الدّنیا .

قوله « و لا نرى لك خلفا » أى من بین السّلاطین لخروج السّلطنة من أهل البیت علیهم السّلام .

قال الشارح : أكثر ما أوردته هنا التقطته من كلام المحدّث العلامة المجلسی

[ 168 ]

قدّس سرّه فی البحار .

الترجمة

فصل دوّیم از آن خطبه است سید رضی گفته : پس جواب داد آن حضرت را مردى از أصحاب او بسخن درازى كه در آن بسیار ستایش مى‏كرد او را و ذكر مى‏نمود در آن شنیدن و اطاعت كردن خود را بآن بزرگوار پس فرمود آن حضرت كه :

بتحقیق از حق كسى كه بزرگ است جلال و عظمت خدا در نفس او و أجلّ است مرتبه او در قلب او اینست كه كوچك و حقیر باشد در نزد او بجهت بزرگى آن جلال و عظمت هر چیزى كه غیر خداى تعالى است ، و بتحقیق سزاوارتر كسى كه باشد بر این حال كسى است كه بزرگ شده نعمت خدا بر او و لطیف شده احسان و انعام او بسوى او از جهت اینكه بزرگ نمى‏گردد نعمت خدا بر احدى مگر اینكه زاید گردد بزرگ بودن حقّ خدا بر او .

و بدرستى كه از سخیف و خفیف‏ترین حالات پادشاهان در نزد مردمان صالح سالم العقل این است كه گمان برده شود بایشان دوست داشتن افتخار بر مردمان را و حمل شود بناء امر ایشان بتكبّر بخلقان .

و بتحقیق كه ناخوش داشتم این را كه جولان كند در ظنّ شما اینكه من دوست دارم زیادت تعریف و استماع ستایش را ، و نیستم من بحمد اللّه همچنین و اگر بودم كه دوست مى‏داشتم اینكه گفته شود مدح و ثنا درباره من البتّه ترك میكردم آنرا از جهت پستى و تواضع از براى خدا و فروتنى از اخذ كردن چیزى كه خدا سزاوارتر است بآن از عظمت و كبریا ، و بسا هست كه شیرین مى‏دانند مردمان مدح و ثنا را بعد از زحمت بلا ، پس ستایش نكنید بر من باثناء جمیل بسبب خارج كردن من نفس خودم را بسوى خدا و بسوى شما از بقیّه حقوقى كه فارغ نگشته‏ام از أداء آنها ، و از واجباتى كه لابد و ناچارم از إمضا و إجراء آنها .

پس تكلّم نكنید با من بسخنانى كه تكلّم كرده شود با آن ستمكاران و جبّاران ،

[ 169 ]

و تحفّظ نكنید از من با چیزى كه تحفّظ كرده مى‏شود با آن در نزد پادشاهان با حدّت و سطوت ، و آمیزش نكنید با من به تملّق و چاپلوسى ، و گمان نبرید در من اینكه گرانى دارم در حقّى كه گفته شده بمن ، و اینكه خواهش دارم بزرگ شمردن نفس خودم را از جهت اینكه كسى كه گر دارد حق را از اینكه گفته شود مر او را یا عدالت را از اینكه اظهار شود بر او باشد عمل كردن بحقّ و عدل گرانتر باو پس خوددارى نكنید از گفتگوى بحقّ و از مشورت بعدل .

پس بتحقیق كه من نیستم در پیش نفس خود برتر از اینكه خطا بكنم ، و أیمن نیستم خطا را از كار خودم مگر اینكه كافى باشد خدا از نفس من چیزى را كه قادرتر است بآن چیز از من ، پس جز این نیست كه من و شما بندگان مملوكیم از براى پروردگارى كه غیر از او پروردگارى نیست ، مالك است از ما چیزى را كه ما مالك آن نیستیم از نفسهاى خود ما ، و بیرون آورده است ما را از جهالتى كه در آن بودیم بسوى علم و معرفتى كه صلاح ما بر آن حاصل شد ، پس بدل كرد ما را بعد از گمراهى بهدایت ، و عطا فرمود بما بعد از نابینائی بصیرت را .

[ 217 ] و من كلام له ع فی التظلم و التشكی من قریش

اَللَّهُمَّ إِنِّی أَسْتَعْدِیكَ عَلَى قُرَیْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِی وَ أَكْفَئُوا إِنَائِی وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِی حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَیْرِی وَ قَالُوا أَلاَ إِنَّ فِی اَلْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِی اَلْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَیْسَ لِی رَافِدٌ وَ لاَ ذَابٌّ وَ لاَ مُسَاعِدٌ إِلاَّ أَهْلَ بَیْتِی فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ اَلْمَنِیَّةِ فَأَغْضَیْتُ عَلَى اَلْقَذَى وَ جَرِعْتُ رِیقِی عَلَى اَلشَّجَا وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ اَلْغَیْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ اَلْعَلْقَمِ وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ اَلشِّفَارِ قال الشریف رضی الله عنه و قد مضى هذا الكلام فی أثناء خطبة متقدمة إلا أنی ذكرته هاهنا لاختلاف الروایتین

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و السادس عشر من المختار فى باب الخطب

و هو ملتقط من كلام طویل قدّمنا روایته فی شرح الفصل الثّالث من الخطبة السّادسة و العشرین : اللّهمّ إنّى أستعدیك على قریش فإنّهم قد قطعوا رحمی ، و اكفئوا إنائی ، و أجمعوا على منازعتی حقّا كنت أولى به من غیری ، و قالوا : ألا إنّ فی الحقّ أن تأخذه و فی الحقّ أن تمنعه ،

[ 170 ]

فاصبر مغموما ، أو مت متأسّفا ، فنظرت فإذا لیس لی رافد ، و لا ذابّ ، و لا مساعد إلاّ أهل بیتی ، فضننت بهم عن المنیّة ، فأغضیت على القذى ، و جرعت ریقی على الشّجى ، و صبرت من كظم الغیظ على أمرّ من العلقم ، و الم للقلب من حزّ الشّفار ، و قد مضى هذا الكلام فی أثناء خطبة متقدّمة إلاّ أنّی كرّرته هیهنا لاختلاف الرّوایتین .

و منه فى ذكر السائرین الى البصرة لحربه علیه السلام