[ 220 ] و من كلام له ع فی وصف السالك الطریق إلى

اللّه سبحانه قَدْ أَحْیَا عَقْلَهُ وَ أَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِیلُهُ وَ لَطُفَ غَلِیظُهُ وَ بَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِیرُ اَلْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ اَلطَّرِیقَ وَ سَلَكَ بِهِ اَلسَّبِیلَ وَ تَدَافَعَتْهُ اَلْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ اَلسَّلاَمَةِ وَ دَارِ اَلْإِقَامَةِ وَ ثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأْنِینَةِ بَدَنِهِ فِی قَرَارِ اَلْأَمْنِ وَ اَلرَّاحَةِ بِمَا اِسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَ أَرْضَى رَبَّهُ

[ 192 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الثامن عشر من المختار فى باب الخطب

قد أحیا عقله و أمات نفسه ، حتّى دقّ جلیله ، و لطف غلیظه ،

و برق له لامع كثیر البرق ، فأبان له الطّریق ، و سلك به السّبیل ،

و تدافعته الأبواب إلى باب السّلامة ، و دار الإقامة ، و ثبتت رجلاه بطمأنینة بدنه فی قرار الأمن و الرّاحة ، بما استعمل قلبه و أرضى ربّه .

اللغة

( دقّ ) الشى‏ء یدقّ دقة من باب ضرّ خلاف غلظ فهو دقیق و غلظ الشى‏ء بالضمّ غلظا و زان عنب و الاسم الغلظة و هو غلیظ و ( أبان ) و بین و تبین و استبان كلّها بمعنى الوضوح و الانكشاف و جمیعها یستعمل لازما و متعدّیا إلاّ بان الثلاثى فلا یستعمل إلاّ لازما قاله الفیومى .

الاعراب

جلیله و غلیظه مرفوعان على الفاعل للزوم فعلیهما ، و الباء فى قوله سلك به للتعدیة ، و فى قوله بطمأنینة بدنه للمصاحبة ، و فى قوله بما استعمل للسببیة ، و كلتا الأخیرتین متعلقتان بقوله ثبتت .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام على غایة و جازته جامع لجمیع صفات العارف الكامل

[ 193 ]

و لكیفیّة سلوكه و لمآل أمره و لعمرى إنّه لا یوجد كلام أوجز من هذا الكلام فی أداء هذا المعنی ، و هو فی الحقیقة قطب دائرة العرفان و علیه مدارها ، و فی الایجاز الّذی هو فنّ نفیس من علم البلاغة تالی كلام الملك الرّحمن ، مثل قوله : لكیلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم الجامع للزّهد كلّه و قوله « خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلین » الجامع لمكارم الأخلاق جمیعا ، و شرحه یحتاج إلى بسط فی المقال بتوفیق الربّ المتعال فأقول مستعینا باللّه و بولیّه علیه السّلام :

قوله علیه السّلام ( قد أحیا عقله و أمات نفسه ) المراد بعقله العقل النظرى و العملی و بنفسه النفس الأمّارة بالسّوء و المراد بحیاة الأوّل كونه منشئا للآثار المترتّبة علیه مقتدرا على تحصیل الكمالات و المعارف الحقّة و مكارم الأخلاق المحصّلة للقرب و الزّلفی لدیه تعالى ، و بموت الثّانی بطلان تصرّفاته و آثاره المبعدة عنه عزّ و جلّ بحذافیره ، فانّ الحیاة و الموت عبارة اخرى عن الوجود و العدم لا أثر له أصلا .

و أراد باحیائه الأوّل و إماتته الثانی تقویته و تغلیبه له علیه بحیث یكون الأوّل بمنزلة سلطان قادر قاهر یفعل ما یشاء و یحكم ما یرید ، و الثانی بمنزلة عبد ذلیل داخر مقهور لا یرید و لا یصدر إلاّ باذن مولاه .

و لا یحصل تقویة الأوّل و تذلیل الثانی إلاّ بملازمة الكمالات العقلانیة و المجاهدة و الرّیاضة النفسانیة ، و المجاهدة عبارة عن ذبح النفس بسیوف المخالفة كما قال تعالى و أما من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فانّ الجنة هى المأوى و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما بعث سریة و رجعوا : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر و بقى علیهم الجهاد الأكبر ، فقیل : یا رسول اللّه و ما الجهاد الأكبر ؟ قال :

جهاد النفس .

و قال بعض أهل العرفان : جاهد نفسك بأسیاف الرّیاضة و الرّیاضة على أربعة أوجه القوت من الطعام ، و الغمض من المنام ، و الحاجة من الكلام ، و حمل الأذى من جمیع الأنام ، فیتولّد من قلّة الطعام موت الشهوات ، و من قلّة المنام صفو الارادات ،

[ 194 ]

و من قلّة الكلام السّلامة من الآفات ، و من احتمال الأذى البلوغ إلى الغایات و لیس على العبد شی‏ء أشدّ من الحلم عند الجفا ، و الصبر على الأذى ، و إذا تحرّكت من النّفس إرادة الشهوات و الآثام و هاجت منها حلاوة فضول الكلام جرّدت علیهم سیوف قلة الطّعام من غمد التهجّد و قلة المنام و ضربتها بأیدى الخمول و قلّة الكلام حتّى تنقطع عن الظّلم و الانتقام فتأمن من بوائقها من بین سائر الأناء و تصفّیها من ظلّة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها فتصیر عند ذلك نظیفة و نوریة خفیفة روحانیّة ، فتجول فی میدان الخیر و تسیر فی مسالك الطاعات كالفرس الفارة فی المیدان و كالمسلك المتنزّه فی البستان .

و قال أیضا : أعداء الانسان ثلاثة : دنیاه ، و شیطانه ، و نفسه ، فاحترس من الدّنیا بالزّهد فیها ، و من الشّیطان بمخالفته ، و من النفس بترك الشّهوات .

و تفصیل ذلك على ما قرّر فی علم السّلوك إنّ للسّالك لطریق الحقّ المرید للوصول إلى حظیرة القدس شروطا و وظایف لابدّ من ملازمتها .

أمّا الشروط الّتی لابدّ من تقدیمها فی الارادة فهی رفع الموانع و الحجب الّتی بینه و بین الحقّ ، فانّ حرمان الخلق من الحقّ سببه تراكم الحجب و وقوع السّد على الطریق قال اللّه تعالى و جعلنا من بین أیدیهم سدّاً و من خلفهم سدّاً فأغشیناهم فهم لا یبصرون .

و السّد بین المرید و بین الحقّ ثلاثة : المال ، و الجاه ، و المعصیة و رفع حجاب المال إنّما یحصل بالخروج منه حتّى لا یبقی منه إلاّ قدر الضرورة فما دام یبقى له درهم ملتفت إلیه فهو مقیّد به محجوب عن اللّه عزّ و جل ، و رفع حجاب الجاه إنما یحصل بالبعد من موضع الجاه و الهرب منه و ایثار خمول الذّكر ، و رفع حجاب المعصیة إنما یحصل بالتّوبة و النّدم على ما مضى من المعاصى و تدارك ما فات من العبادات و ردّ المظالم و إرضاء الخصوم و إذا قدّم هذه الشّروط فلا بدّ له من المواظبة على وظائف السّلوك ، و هى خمس : الجوع ، و الصّمت ، و السّهر ، و العزلة ، و الذّكر .

[ 195 ]

أمّا الجوع فانّه ینقص دم القلب و یبیضه و یلطفه و فى بیاضه و تلطیفه نوره و یذیب شحم الفؤاد و فى ذوبانه رقّته و رقته مفتاح انكشاف الحجب كما أنّ قساوته سبب الحجاب ، و مهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدوّ الشیطان فانّ مجاریه العروق الممتلئة بالشهوات ، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ الشیطان یجرى من ابن آدم مجرى الدّم فى العروق فضیّقوا مجاریه بالجوع ، أو قال بالصوم و فى حدیث آخر ألا اخبركم بشى‏ء ان أنتم فعلتموه تباعد الشیطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه ، قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الصّوم یسوّد وجهه الحدیث .

ففائدة الجوع فى كسر شهوات المعاصى كلّها و الاستیلاء على النفس الأمارة بالسوء أمر ظاهر لأنّ منشأ المعاصى كلّها الشهوات و القوى و مادّة القوى و الشهوات لا محالة الأطعمة ، فتقلیلها یضعف كلّ شهوة و قوّة و یكسر سورة النفس الأمّارة كالدابة الجموح إذا شبعت شررت و جمحت لا یمكن ضبطها باللجام ، و إذا جاعت ذللت و انقادت و بالجملة فالشبع یورث القسوة و الشهوة و السبعیة ، و الجوع یوجب الرّقة و انكسار الشهوة و الصولة ، و هو مشاهد بالتجربة ، و من هنا قیل : مفتاح الدّنیا الشبع و مفتاح الآخرة الجوع ، و قال النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من أجاع بطنه عظم فكرته و فطن قلبه و قال أیضا أحیوا قلوبكم بقلّة الضحك و قلّة الشبع و طهّروها بالجوع تصفو و ترق .

و أما الصمت فینبغى أن لا یتكلّم إلاّ بقدر الضرورة لأنّ الكلام یشغل القلب و میل القلوب إلى الكلام عظیم ، فانه یستروح الیه و یستثقل التجرّد للذّكر و الفكر و فى الحدیث طوبى لمن أنفق فضول ماله و أمسك عن فضول كلامه ، هذا فى الكلام المباح و أما الكلام الغیر المباح من الكذب و النمیمة و البهت و غیرها فبینه و بین السلوك إلى الحقّ بون بعید بعد المشرقین .

و أما السهر فانه یجلو القلب و یصفیه و ینوّره و لذلك مدح اللّه سبحانه المستغفرین بالأسحار لأنها أوقات صفاء الذّهن و نزول الرّحمة و الألطاف الالهیّة ، فیضاف صفاء السّهر إلی الصفاء الحاصل من الجوع فیصیر القلب كالكوكب الدّرىّ و المرآة المجلوة مستعدا لافاضة الأنوار الالهیّة ، فیلوح فیه سبحات جمال الحقّ و یشاهد

[ 196 ]

رفعة الدّرجات الاخرویّة و عظم خطرها و خسّة الزّخارف الدّنیویّة و حقارتها ،

فتتمّ بذلك رغبته عن الدّنیا و شوقه إلى الآخرة ، و السّهر أیضا من خواصّ الجوع و بالشبع غیر ممكن .

و أمّا العزلة و الخلوة ففائدتها دفع الشواغل و ضبط السمع و البصر ، فانهما دهلیز القلب و القلب بمنزلة حوض تنصبّ إلیه میاه كریهة كدرة من مجارى الحواس و المقصود بالرّیاضة تفریغ الحوض من المیاه الردغة و من الطّین الحاصل منها فینفجر أصل الحوض فیبغ منه ماء نظیف سائغ صاف و لا یمكن نزح ماء الحوض و الأنهار إلیه مفتوحة فیتجدّد فی كلّ حال أكثر ممّا ینقص .

قال الرّضا علیه التحیّة و الثناء إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام كان یقول : طوبى لمن أخلص للّه العبادة و لم یشغل قلبه بما تراه عیناه و لم ینس ذكر اللّه بما تسمع اذناه الحدیث .

فلا بدّ من ضبط الحواس إلاّ عن قدر الضرورة و لا یتمّ ذلك إلاّ بالعزلة و الخلوة .

قال بعض السّیاحین : قلت لبعض الأبدال المنقطعین عن الخلق كیف الطریق إلى الحقّ ؟ قال : أن تكون فی الدّنیا كأنّك عابر طریق ، و قلت له مرّة : دلّنى على عمل أجد قلبى فیه مع اللّه تعالى على الدّوام ، فقال لى : لا تنظر إلى الخلق فانّ النّظر إلیهم ظلمة ، قلت : لا بدّ لى من ذلك ، قال : فلا تسمع كلامهم ، فانّ فى سماع كلامهم قسوة ،

قلت : لابدّ لى من ذلك ، قال : فلا تعاملهم فانّ معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بین أظهرهم لا بدّ لى من معاملتهم ، قال : فلا تسكن إلیهم فانّ السكون إلیهم هلكة ، قال :

قلت : هذا لعلّه یكون ، قال یا هذا أتنظر إلى الغافلین و تسمع كلام الجاهلین و تعامل البطالین و ترید أن تجد قلبك مع اللّه تعالى على الدّوام ، و لا یمكن ذلك إلاّ بأن یخلو عن غیره و لا یخلو عن غیره إلاّ بطول المجاهدة ، و قد عرفت أنّ طریق المجاهدة مضادّة الشهوات و مخالفة هوى النّفس ، فاذا حصل للسالك هذه المقدّمات اشتغل بذكر اللّه تعالى بالأذكار الشرعیّة من الصّلاة و تلاوة القرآن و الأدعیّة المأثورة و التسبیح و التهلیل و غیر ذلك بلسانه و قلبه ، فلا یزال یواظب علیها حتّى لا یبقى على قلبه و لسانه

[ 197 ]

غیر ذكره تعالى ، و لا یكون له منظور غیره أصلا ، فعند ذلك یتجلّى له من أنوار جماله و سبحات عظمته و جلاله ما لا یحیط به لسان الواصفین ، و یقصر عنه نعت الناعتین .

هذا من الشّرایط و الوظایف المقرّرة قد أشار إلیها أمیر المؤمنین علیه السّلام فى مطاوى كلماته و خطبه المتقدّمة و غیرها كثیرا .

مثل ما رواه فی الوسایل من أمالى ابن الشیخ قال روى انّ أمیر المؤمنین علیه السّلام خرج ذات لیلة من المسجد و كانت لیلة قمراء فأمّ الجبّانة و لحقه جماعة تقفون أثره فوقف علیهم ثمّ قال علیه السّلام : من أنتم ؟ قالوا : شیعتك یا أمیر المؤمنین ، فتفرّس فی وجوههم قال : فمالى لا أرى علیكم سیماء الشّیعة ، قالوا : و ما سیماء الشیعة یا أمیر المؤمنین ؟ قال علیه السّلام : صفر الوجوه من السّهر عمش العیون من البكاء حدب الظهور من القیام خمص البطون من الصّیام ذبل الشفّاه من الدّعاء علیهم غبرة الخاشعین .

و قال علیه السّلام فی الخطبة الثانیة و الثمانین : فاتّقوا اللّه تقاة ذى لبّ شغل التفكّر قلبه و أنصب الخوف بدنه و أسهر التهجّد غرار نومه و أظمأ الرّجاء هواجر یومه و أظلف الزّهد شهواته و أوجف الذّكر بلسانه و قدّم الخوف لابانه و تنكب المخالج عن وضح السبیل و سلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب .

و غیر ذلك ممّا تقدّم فی ضمن خطبه المسوقة فى الحثّ على الزهد و التقوى و وصف حال المتقین و لا حاجة إلى الاعادة .

ثمّ لا یخفى علیك أنّ مطلوبیّة الاعتزال و الخلوة إنّما هى للفراغ للذّكر و الخلوة و العبادة و كون المعاشرة مانعة منه ، و أمّا إذا لم تكن المعاشرة مانعة بل تبعثه على سلوك الصّراط المستقیم كالجمعة و الجماعات و زیارة الاخوان المؤمنین و الاجتماع فى مجالس الذّكر و نحوها فهى من أعظم العبادات ، و سلوك نهج الحقّ على ما ذكرنا من الآداب و الوظایف هو المتلقّى من صاحب الشرع .

و أمّا غیرها ممّا ذكره الصّوفیة من الآداب و الوظایف فى المجاهدة و الرّیاضة و كیفیّة السّلوك مثل قولهم بالجلوس فى بیت مظلم و الخلوة أربعین

[ 198 ]

یوما ، و اشتراطهم الاعتصام بالشیخ و كون السّلوك بارشاده ، و قولهم بالمداومة على ذكر مخصوص ألقاه الشیخ إلى المرید من الأذكار الفتحیّة أو غیرها نحوها من الأذكار المبتدعة أو من الأذكار الشرعیّة لكن على هیئة مخصوصة و عدد مخصوص لم یرد به نصّ ، و قولهم بأنّ المرید إذا تمّ مجاهدته و لم یبق فى قلبه علاقة تشغله یلزم قلبه على الدّوام و یمنعه من تكثیر الأوراد الظاهرة بل یقتصر على الفرایض و الرواتب و یكون ورده وردا واحدا و هو ملازمة القلب لذكر اللّه بعد الخلوّ عن ذكر غیره ، فعند ذلك یلزمه الشیخ زاویة ینفرد بها و یلقّنه ذكرا من الأذكار حتّى یشغل به لسانه و قلبه فیجلس و یقول مثلا : اللّه اللّه أو سبحان اللّه سبحان اللّه أو ما یراه الشیخ من الكلمات فلا یزال یواظب علیه حتّى تسقط حركة اللّسان و تكون الكلمة كأنّها جاریة على اللّسان من غیر تحریك ، ثمّ لا یزال یواظب علیه حتّى یسقط الأثر عن اللسان و تبقى صورة اللفظ فى القلب ثمّ لا یزال كذلك حتّى یمحى عن القلب حروف اللفظ و صورته و تبقى حقیقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة علیه قد فرغ من كلّ ما سواه و نحو ذلك مما قالوه فشى‏ء منها لم یرد به اذن من الشارع بل هو من بدعاتهم التى أبدعوها اللهمّ إلاّ أن یستدلّ على الأخیر أعنى المواظبة على الذّكر باللسان و القلب على ما وصل بعمومات أدلّة الاكثار من ذكر اللّه و التفكر فى اللّه .

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح المتن فأقول :

قوله علیه السّلام ( حتى دقّ جلیله و لطف غلیظه ) غایة لا ماتته لنفسه أولها و لا حیائه لعقله أیضا ، و الجملة الثانیة إما مؤكّدة للاولى فالمعنى أنّ تكمیله لعقله و تركه لشهوات نفسه انتهى إلى مرتبة أوجبت هزال جسمه و نحول بدنه ، أو المراد بالجلیل أعضاؤه العظام كالرأس و الیدین و الفخذین و الساقین ، و بالغلیظ غیرها ، أو المراد بالأول عظامه و بالثانى جلده و أعصابه ، أو بالأول بدنه و بالثانی قلبه .

و على أىّ معنی فالمقصود كونه ناحل الجسم ضعیف البدن إما من خوف اللّه تعالى و تحمله لمشاق العبادات أو لجوعه و كفه عن الأكل و الشرب و سایر الشهوات .

[ 199 ]

كما قال علیه السّلام فى الخطبة المأة و الثانیة و التسعین فی وصف المتقین : قد براهم الخوف برى القداح ینظر الیهم الناظر فیحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض .

و قال فی الخطبة الثانیة و الثمانین : فاتّقوا اللّه تقیّة ذى لبّ شغل التفكر قلبه و أنصب الخوف بدنه ، أى أمرضه و أتعبه .

و قال فى الخطبة المأة و التاسعة و الخمسین حكایة عن كلیم اللّه على نبیّنا و علیه السّلام إذ یقول ربّ إنّی لما أنزلت إلیّ من خیر فقیر : و اللّه ما سأله إلاّ خبزا یأكله لأنه كان یأكل بقلة الأرض و لقد كانت خضرة البقل ترى من شفیف صفاق بطنه لهزاله و تشذّب لحمه .

و قوله علیه السّلام ( و برق له لامع كثیر البرق ) الظاهر أنه عطف على سابقه فیكون هو أیضا غایة لتكمیل عقله و جهاد نفسه یعنی أنه بلغ من كمال قوّته النظریة و العملیة إلى مقام شروق الأنوار المعارف الالهیة على مرآة سرّه فصار مشاهدا بعین بصیرته أنوار قدسه و سبحات وجهه عین الیقین .

كما أشار علیه السّلام إلیه فى الخطبة السادسة و الثمانین فى وصف أحبّ عباد اللّه تعالى إلیه عزّ و جلّ بقوله : فهو من الیقین على مثل ضوء الشمس .

و قال زین العابدین و سید السّاجدین علیه السّلام فی المناجاة التّاسعة من المناجاة الخمس عشرة و هى مناجاة المحبّین : یا من أنوار قدسه لأبصار محبّیه رائقة 1 و سبحات وجهه لقلوب عارفیه شائفة 2 و قال علیه السّلام فى المناجاة الثّانیة عشر منها و هى مناجاة العارفین : إلهى فاجعلنا من الّذین ترسّخت أشجار الشّوق إلیك فى حدائق صدورهم ، و أخذت لوعة محبّتك بمجامع قلوبهم ، فهم إلى أوكار الأفكار یأوون ، و فى ریاض القرب و المكاشفة یرتعون ، و من حیاض المحبّة بكاس الملاطفة یكرعون ، و شرایع المصافات یروون ، قد كشف الغطاء عن أبصارهم ، و انجلت ظلمة الرّیب عن عقائدهم فى ضمائرهم

-----------
( 1 ) الروق الصافى من الماء و غیره و العجب .

-----------
( 2 ) شفته شوفا جلوته و دینار مشوف مجلو .

[ 200 ]

و انتفت مخالجة الشك عن قلوبهم و سرائرهم ، و انشرحت بتحقیق المعرفة صدورهم ،

و علت لسبق السّعادة فى الزّهادة هممهم ، و عذب فى معین المعاملة شربهم ، و طاب فى مجلس الانس سرّهم ، و أمن فى موطن المخافة سربهم ، و اطمأنّت بالرّجوع إلى ربّ الأرباب أنفسهم ، و تیقّنت بالفوز و الفلاح أرواحهم ، و قرّت بالنّظر إلى محبوبهم أعینهم ، و استقرّ بادراك السؤل و نیل المأمول قرارهم ، هذا .

و لأهل السّلوك و الصّوفیّة كلام طویل فى البروق اللامعة أسندوها إلى الشّهود و المكاشفة .

قال الرّئیس أبو علىّ بن سینا فى محكىّ كلامه من الاشارات فى ذكر السّالك إلى مرتبة العرفان ما لفظه :

ثمّ إنّه إذا بلغت به الرّیاضة و الارادة حدّا ما عنت له خلسات من اطّلاع نور الحقّ علیه لذیذة كأنها بروق تومض إلیه ثمّ تخمد عنه ، و هى الّتى تسمّى عندهم أوقاتا و كلّ وقت یكتنفه وجد الیه و وجد علیه ، ثمّ إنّه لیكثر علیه هذا الغواشى إذا أمعن فى الارتیاض ، ثمّ إنّه لیتوغّل فى ذلك حتىّ یغشاه فى غیر الارتیاض فكلّما لمح شیئا عاج منه إلى جانب القدس فتذكّر من أمره أمرا فغشیه غاش فیكاد یرى الحقّ فی كلّشی‏ء و لعلّه إلى هذا الجدّ تستولى علیه غواشیه و یزول عن سكینته و یتنبّه جلیسه لاستنفاره عن قراره ، فاذا طالت علیه الرّیاضة لم یستنفره غاشیة و هدى للتّأنس بما هو فیه ، ثمّ إنّه لتبلغ به الرّیاضة مبلغا ینقلب له وقته سكینته فیصیر المخطوب ما لولا و الومیض شهابا بیّنا ، و یحصل له معارفه مستقرّة كأنّها صحبة مستمرّة و یستمتع فیها ببهجته فاذا انقلب عنها انقلب حیران أسفا .

و قال أبو القاسم القشیرى فى رسالة القشیریّة : المحاضرة قبل المكاشفة فاذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة و قال : هى أرفع الدّرجات ، فالمحاضرة حضور القلب و قد تكون بتواترها البرهان و الانسان بعد وراء السّتر و إن كان حاضرا باستیلاء سلطان الذكر ، و أمّا المكاشفة فهى الحضور البیّن غیر مفتقر إلى تأمل الدّلیل و تطلّب السّبیل ، ثمّ المشاهدة و هى وجود الحقّ من غیر بقاء تهمة و قال أیضا : هى ثلاث

[ 201 ]

مراتب : اللّوایح ، ثمّ اللّوامع ، ثمّ الطّوالع ، فاللّوایح كالبروق ما ظهرت حتّى استترت ، ثمّ اللوّامع و هى أظهر من اللّوایح و لیس زوالها بتلك السّرعة فقد تبقى وقتین و ثلاثة و لكن كما قیل : و العین باكیة لم تشبع النظر فأصحاب هذا المقام بین روح و توح لأنّهم بین كشف و ستر یلمع ثمّ یقطع لا یستقرّ لهم نور النّهار حتى تكرّ علیهم عساكر اللّیل ، ثمّ الطوالع و هى أبقى وقتا و أقوى سلطانا و أدوم مكثا و أذهب للظّلمة و أنقى للتّهمة .

و قال عمرو بن عثمان المكّى : المشاهدة أن تتوالى أنوار التّجلّى على القلب من غیر أن یتخلّلها ستر و لا انقطاع كما لو قدر اتصال البروق فى اللّیله المظلمة فكما أنّها تصیر بذلك فى ضوء النّهار فكذلك القلب إذا دام له التّجلّى منع النّهار فلا لیل و انشدوا شعرا :

لیلی بوجهك مشرق
و ظلامه فی النّاس سار

و النّاس فى سدف الظلام
و نحن فى ضوء النّهار

و قال الشّارح البحرانی قوله علیه السّلام : و برق له لامع كثیر البروق أشار باللاّمع إلى ما یعرض للسّالك عند بلوغ الارادة بالرّیاضة به حدّ أما من الخلسات إلى الجناب الأعلى فیظهر له أنوار إلهیّة لذیذة شبیهة بالبرق فى سرعة لمعانه و اختفائه و تلك اللّوامع مسمّاة عند أهل الطّریقة أوقاتا و كلّ وقت فانّه محفوف بوجد الیه ما قبله و وجد علیه ما بعده لأنّه لما ذاق تلك اللذّة ثمّ فارقها حصل فیه حنین و أنین الی ما فات منها ، ثمّ إنّ هذه اللوامع فی مبدء الأمر تعرض له قلیلا فاذا أمعن فى الارتیاض كثرت فأشار علیه السّلام ، باللاّمع إلى نفس ذلك النّور و بكثرة برقه الى كثرة عروضه بعد الامعان فی الرّیاضة ، انتهى .

و هو كما ترى محصّل ما قدّمنا حكایته عن الشّیخ الرّئیس و مثل هذه المقالات فى كتب المتصوّفة كثیر لكنها لم یرد بها خبر من الأئمة علیهم السّلام ، مع أنّهم رؤساء السّالكین و أقطاب العارفین و نادر فى أخبارهم علیهم السّلام مثل هذا الكلام لأمیر المؤمنین

[ 202 ]

علیه السّلام الّذى نحن فى شرحه ، فانّما هو من المجملات و حملها على ما یوافق مذاق أهل الشّرع بأن یراد باللّوامع أنوار العلوم الحقّة و لوامع المعارف الالهیّة البالغة إلى مرتبة الكمال و مقام عین الیقین و ببروقها فیضانها علیه من الحضرة الأعلى أولى ،

و اللّه العالم بحقایق كلام ولیّه .

و قوله علیه السّلام ( فأبان له الطریق و سلك به السّبیل ) أى أظهر ذلك البرق اللاّمع و أوضح له الطّریق المؤدّى إلى رضوانه و سلك به السّبیل المبلغ إلى جنانه و هو الطّریق المطلوب من اللّه تعالى الاهتداء إلیه فى قوله : إهدنا الصّراط المستقیم قال الصّادق علیه السّلام فى تفسیره : یعنى أرشدنا للزوم الطّریق المؤدّى إلى محبّتك و المبلّغ إلى جنّتك و المانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك .

و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام یعنى أدم لنا توفیقك الّذى أطعناك به فى ماضى أیامنا حتى نطیعك كذلك فى مستقبل أعمارنا قال فى الصّافى : لمّا كان العبد محتاجا إلى الهدایة فى جمیع أموره آنا فآنا و لحظة فلحظه فادامة الهدایة هى هدایة أخرى بعد الهدایة الأولى فتفسیر الهدایة بادامتها لیس خروجا عن ظاهر اللفظ .

و فیه من معانى الأخبار عن الصّادق علیه السّلام هى الطریق إلى معرفة اللّه و هما صراطان صراط فى الدّنیا و صراط فى الآخرة فأمّا الصّراط فى الدّنیا فهو الامام المفترض الطّاعة من عرفه فى الدّنیا و اقتدى بهداه مرّ على الصّراط الذى هو جسر جهنّم فى الآخرة ، و من لم یعرفه فى الدّنیا زلّت قدمه عن الصّراط فى الآخرة فتردى فى نار جهنّم .

قال الفاضل الفیض بعد نقله لتلك الأخبار : و مآل الكلّ واحد عند العارفین بأسرارهم ، و بیانه على قدر فهمك :

أنّ لكلّ إنسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبلیّة باطنیة فی الكمال و حركات نفسانیّة و طبیعیّة تنشؤ من تكرّر الأعمال و تنشؤ منها

[ 203 ]

المقامات و الأحوال ، فلا یزال ینتقل من صورة إلى صورة و من خلق إلى خلق و من عقیدة إلى عقیدة و من حال إلى حال و من مقام إلى مقام و من كمال إلى كمال حتّى یتّصل بالعالم العقلی و المقرّبین و یلحق الملأ الأعلى و السابقین ان ساعده التّوفیق و كان من الكاملین ،

أو بأصحاب الیمین إن كان من المتوسّطین أو یحشر مع الشیاطین و أصحاب الشّمال إن ولاه الشیطان و قارنه الخذلان فی المآل ، و هذا معنى الصّراط و المستقیم منه إذا سلكه سالكه وصله إلى الجنّة و هو ما یشتمل علیه الشّرع كما قال اللّه عزّ و جلّ و إنّك لتهدى إلى صراط مستقیم صراط اللّه و هو صراط التّوحید و المعرفة و التّوسط بین الأضداد فی الأخلاق و التزام صوالح الأعمال ، و بالجملة صورة الهدى الّذی أنشأه المؤمن لنفسه مادام فی دار الدّنیا مقتدیا فیه بهدى إمامه و هو أدقّ من الشّعر و أحدّ من السّیف فی المعنى مظلم لا یهتدى إلاّ من جعل اللّه له نورا كما یمشى به فی الناس یسعى علیها على قدر أنوارهم ، انتهى .

فان قلت : إنّ العارف إذا أحیا عقله و أمات نفسه فیكون واقعا قصد على الطریق و سالكا للسّبیل البتّة فما معنى قوله علیه السّلام : فأبان له الطریق آه ، فانّ ظاهره بمقتضى افادة الفاء للتّرتیب كون وضوحها و ظهورها و سلوكها مترتّبا على الاحیاء و الاماتة .

قلت : و إن كان المكمّل لعقله و المجاهد لنفسه سالكا سبیل الحقّ ، لكن فی سلوك هذا السبیل احتمال خلجان الشكّ و طریان القواطع عن سلوكه بعروض الوساوس الشیطانیّة كما قال اللّه تعالى حكایة عنه قال فبما أغویتنى لأقعدنّ لهم صراطك المستقیم . ثمّ لآتینّهم من بین أیدیهم و من خلفهم و عن أیمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرین و أمّا بعد ما أكمل عقله بعلم الیقین و أمات نفسه و استنار قلبه بأنوار العلم و المعارف و تجلّى علیه اللّوامع الغیبیّة و الألطاف الالهیّة و بلغ فی الكمال إلى مرتبة عین الیقین فانّه یشاهد حینئذ بعین بصیرته الصراط المستقیم الّذى هو سبیل مقیم ، و یكون مشیه و سلوكه فیه بذلك النّور الّذی تجلّى له كما قال تعالى یا أیّها الّذین آمنوا اتّقوا اللّه و آمنوا

[ 204 ]

برسوله یؤتكم كفلین من رحمته و یجعل لكم نوراً تمشون به و إذا كان سلوكه به فلا یضلّ و لا یشقى و لحق بالملاء الأعلى .

( و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الاقامة ) الظاهر أنّ المراد بالأبواب مقامات العارفین و درجات السّالكین اللاّتى بعضها فوق بعض ، و أراد بتدافعها إیّاه ترقیه من مقام إلى مقام و من درجة إلى درجة إلى أن ینتهى ترقّیاته إلى مرتبة حقّ الیقین .

فوصل به الصراط الأقوم إلى باب اللّه الأعظم الّذى من دخل منه كان سالما فى الدّنیا من المعاطب و المهالك و من الزّیغ و الضّلال ، و سالما فی الآخرة من الخزى و النّكال ، و هو فی الحقیقة باب دار السّلام الموعود للمذّكّرین فی قوله و هذا صراط ربّك مستقیماً قد فصّلنا الآیات لقوم یذّكّرون . لهم دار السلام عند ربّهم و هو ولیّهم بما كانوا یعملون و المدعوّ إلیه فی قوله « و اللّه یدعو إلى دار السلام و یهدى من یشاء إلى صراط مستقیم » أى دار السلامة الدّائمة من كلّ آفة و بلیّة ممّا یلقاه أهل النار و العذاب .

و وصل به أیضا إلى دار الاقامة و هی دار المخلصین فی التّوحید فی الدّنیا و المقیمین علیه و هم « الّذین قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا تتنزّل علیهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنّة الّتى كنتم توعدون » و الجنّات المخصوصة فی الآخرة و هی « جنّات عدن یدخلونها یحلّون فیها من أساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فیها حریر . و قالوا الحمد للّه الّذى أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور .

الّذى أحلّنا دار المقامة لا یمسّنا فیها نصب و لا یمسّنا فیها لغوب .

قال فی التّفسیر : جنّات عدن أى جنّات إقامة و خلد و هى بطنان الجنّة أى وسطها ، و قیل : هى مدینة فی الجنّة فیها الرّسل و الأنبیاء و الشهداء و أئمّة الهدى و الناس حولهم و الجنان حولها ، و قیل : إنّ عدن أعلى درجة فی الجنّة و فیها عین التسنیم و الجنان حولها محدقة بها و هی مغطّاة من یوم خلقها اللّه حتّى ینزلها أهلها الأنبیاء و الصدّیقون و الشهداء و الصالحون و من شاء اللّه .

[ 205 ]

( و ثبتت رجلاه بطمأنینة بدنه فی قرار الأمن و الرّاحة ) یعنى أنّه بعد اندفاعه إلى باب السلامة و دار الاقامة الّتی هی مقرّ الأمن و الرّاحة استقرّ فیها ، و ثبوت رجلیه كنایة عنه و حصل له برد الیقین الموجب للطمأنینة الكاملة و هو منتهى سیر السالكین و غایة غایات المریدین و آخر مقامات العارفین ، و أعلى درجات المقرّبین .

و هو الّذى أشار إلیه سید الساجدین علیه السّلام فیما قدّمنا حكایته عنه علیه السّلام قریبا بقوله فی وصف العارفین : و طاب فی مجلس الانس سرّهم و أمن فى موطن المخافة سربهم و اطمأنّت بالرّجوع إلى ربّ الأرباب أنفسهم و تیقّنت بالفوز و الفلاح أرواحهم و قرّت بالنظر إلى محبوبهم أعینهم و استقرّ بادراك السؤل و نیل المأمول قرارهم قال الشارح البحرانى : قوله : و ثبتت رجلاه آه إشارة إلى الطور الثانی للسالك فانّه مادام فی مرتبة الوقت یعرض لبدنه عند لمعان تلك البروق فی سرّه اضطراب و قلق ، لأنّ النفس إذا فاجاها أمر عظیم اضطربت و تقلقلت ، فاذا كثرت تلك الغواشی ألقتها بحیث لا تنزعج عنها و لا یضطرب لورودها علیها البدن بل یسكن و یطمئنّ لثبوت قدم عقله فی درجة أعلى من درجات الجنّة الّتی هی قرار الأمن و الرّاحة من عذاب اللّه . انتهى .

و هو متفرّع على ما قدّمنا حكایته عن المتصوّفة فی شرح البروق اللاّمعة ،

و كلام السّجاد علیه السّلام غیر خال عن الاشارة إلیه .

و یجوز أن یراد بقرار الأمن و الرّاحة جنة الآخرة كما قال علیه السّلام فی الخطبة المأة و الثانیة و التسعین فی وصف المتّقین : صبروا أیّاما قصیرة أعقبتهم راحة طویلة تجارة مربحة یسّرها لهم ربّهم .

و قال تعالى اولئك یجزون الغرفة بما صبروا و یلقّون فیها تحیّة و سلاماً .

خالدین فیها حسنت مستقرّاً و مقاماً و قال و الملائكة یدخلون علیهم من كلّ باب . سلام علیكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار و قال انّ المتّقین فی جنّات . و عیون . ادخلوها بسلام آمنین أى یقال لهم : ادخلوا الجنات بسلامة من الآفات

[ 206 ]

و براءة من المكاره و المضرّات آمنین من الاخراج منها ساكنى النفس إلى انتفاء الضّرر فیها قال الزّجاج : السلام اسم جامع لكلّ خیر لأنّه یتضمّن السلامة و قول الملائكة ادخلوها بسلام بشارة لهم بعظیم الثواب .

و ذلك كلّه ( بما استعمل قلبه و أرضى ربّه ) أى حصول ذلك المقام العالى و نیل تلك الكرامات العظیمة له إنّما هو بسبب استعمال قلبه فی الذّكر و التفكر فی اللّه و إرضائه لرّبه بالمجاهدة و الرّیاضات و الملازمة على الطاعات و القربات ،

بل خلوّه عن الارادات و المرادات فی جمیع الحالات و جعل رضاه تابعا لرضى مولاه لا یشاء شیئا إلاّ أن یشاء اللّه .

فینادى من عند ربّ العزّة بنداء یا أیّتها النفس المطمئنّة ارجعى إلى ربّك راضیة مرضیّة فادخلى فی عبادى و ادخلى جنّتى و یدخل فی حزب من قال تعالى فیهم إنّ الذین آمنوا و عملوا الصالحات اولئك هم خیر البریّة . جزآئهم عند ربّهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدین فیها رضى اللّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشى ربّه دعویهم فیها سبحانك اللّهمّ و تحیّتهم فیها سلام و آخر دعویهم أن الحمد للّه ربّ العالمین .

الترجمة

از جمله كلام آن امام عالیمقام است علیه الصلاة و السلام در وصف عارف بحق مى‏فرماید :

بتحقیق زنده كرده است او عقل خود را ، و كشته است نفس خود را تا اینكه ضعیف و تحیف شده أعضاى بزرك او ، و لطافت پیدا نموده اجزاى درشت او ،

و برق زده بقلب او نور ساطعى كه بغایت برّاقست ، پس ظاهر گردانیده آن نور از براى او راه حق را ، و راه رفته بروشنى او در راه حق ، و دفع كرده او را درهاى فضل و كرامت بسوى در سلامت و خانه خلود و اقامت ، و محكم شده پاهاى او با اطمینان و آرامى بدن او در قرارگاه ایمنى و استراحت بسبب استعمال قلب خود در تفكر و معرفت ، و راضى نمودن پروردگار خود را با جهاد نفس و مواظبت

[ 207 ]

طاعت و عبادت .