[ 222 ] و من كلام له ع قاله عند تلاوته

یُسَبِّحُ لَهُ فِیها بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى جَعَلَ اَلذِّكْرَ جِلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ اَلْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ اَلْعَشْوَةِ وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ اَلْمُعَانَدَةِ وَ مَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلاَؤُهُ فِی اَلْبُرْهَةِ بَعْدَ اَلْبُرْهَةِ وَ فِی أَزْمَانِ اَلْفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِی فِكْرِهِمْ وَ كَلَّمَهُمْ فِی ذَاتِ عُقُولِهِمْ فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ یَقَظَةٍ فِی اَلْأَبْصَارِ وَ اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْأَفْئِدَةِ یُذَكِّرُونَ بِأَیَّامِ اَللَّهِ وَ یُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ اَلْأَدِلَّةِ فِی اَلْفَلَوَاتِ مَنْ أَخَذَ اَلْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَیْهِ طَرِیقَهُ وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ وَ مَنْ أَخَذَ یَمِیناً وَ شِمَالاً ذَمُّوا إِلَیْهِ اَلطَّرِیقَ وَ حَذَّرُوهُ مِنَ اَلْهَلَكَةِ وَ كَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِیحَ تِلْكَ اَلظُّلُمَاتِ وَ أَدِلَّةَ تِلْكَ اَلشُّبُهَاتِ وَ إِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ اَلدُّنْیَا بَدَلاً فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَیْعٌ عَنْهُ یَقْطَعُونَ بِهِ أَیَّامَ اَلْحَیَاةِ وَ یَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ فِی أَسْمَاعِ اَلْغَافِلِینَ وَ یَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَ یَأْتَمِرُونَ بِهِ وَ یَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ یَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا اَلدُّنْیَا إِلَى اَلْآخِرَةِ وَ هُمْ فِیهَا فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَكَأَنَّمَا اِطَّلَعُوا غُیُوبَ أَهْلِ اَلْبَرْزَخِ فِی طُولِ اَلْإِقَامَةِ فِیهِ وَ حَقَّقَتِ اَلْقِیَامَةُ عَلَیْهِمْ عِدَاتِهَا فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ اَلدُّنْیَا حَتَّى كَأَنَّهُمْ یَرَوْنَ مَا لاَ یَرَى اَلنَّاسُ وَ یَسْمَعُونَ مَا لاَ یَسْمَعُونَ فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِی مَقَاوِمِهِمُ اَلْمَحْمُودَةِ وَ مَجَالِسِهِمُ اَلْمَشْهُودَةِ وَ قَدْ نَشَرُوا دَوَاوِینَ أَعْمَالِهِمْ وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِیرَةٍ وَ كَبِیرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فیهَا وَ حَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَاِرِهمْ ظُهُورَهُمْ فَضَعُفُوا عَنِ اَلاِسْتِقْلاَلِ بِهَا فَنَشَجُوا نَشِیجاً وَ تَجَاوَبُوا نَحِیباً یَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَ اِعْتِرَافٍ لَرَأَیْتَ أَعْلاَمَ هُدًى وَ مَصَابِیحَ دُجًى قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَ تَنَزَّلَتْ عَلَیْهِمُ اَلسَّكِینَةُ وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ وَ أُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ اَلْكَرَامَاتِ فِی مَقْعَدٍ اِطَّلَعَ اَللَّهُ عَلَیْهِمْ فِیهِ فَرَضِیَ سَعْیَهُمْ وَ حَمِدَ مَقَامَهُمْ یَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ اَلتَّجَاوُزِ رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ وَ أُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ جَرَحَ طُولُ اَلْأَسَى قُلُوبَهُمْ وَ طُولُ اَلْبُكَاءِ عُیُونَهُمْ لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ یَدٌ قَارِعَةٌ یَسْأَلُونَ مَنْ لاَ تَضِیقُ لَدَیْهِ اَلْمَنَادِحُ وَ لاَ یَخِیبُ عَلَیْهِ اَلرَّاغِبُونَ فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَیْرَهَا مِنَ اَلْأَنْفُسِ لَهَا حَسِیبٌ غَیْرُكَ


[ 245 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و العشرون من المختار فى باب الخطب

قاله علیه السّلام عند تلاوة رجال لا تلهیهم تجارة :

إنّ اللّه سبحانه جعل الذّكر جلاء للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ،

و تبصر به بعد العشوة ، و تنقاد به بعد المعاندة ، و ما برح للّه عزّت آلائه فی البرهة بعد البرهة ، و فی أزمان الفترات عباد ناجاهم فی فكرهم ،

و كلّمهم فی ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور یقظة فی الأسماع ، و الأبصار ،

و الأفئدة ، یذكّرون بأیّام اللّه ، و یخوّفون مقامه ، بمنزلة الأدلّة فی الفلوات ، من أخذ القصد حمدوا إلیه طریقه ، و بشّروه بالنّجاة ، و من أخذ یمینا و شمالا ذمّوا إلیه الطّریق ، و حذّروه من الهلكة ، فكانوا كذلك مصابیح تلك الظّلمات ، و أدلّة تلك الشّبهات .

و إنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنیا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة و لا بیع عنه ، یقطعون به أیّام الحیاة ، و یهتفون بالزّواجر عن محارم اللّه فی أسماع الغافلین ، و یأمرون بالقسط ، و یأتمرون به ، و ینهون

[ 246 ]

عن المنكر ، و یتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدّنیا إلى الآخرة و هم فیها فشاهدوا ما ورآء ذلك ، فكأنّما اطّلعوا عیوب أهل البرزخ فی طول الإقامة فیه ، و حقّقت القیامة علیهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنیا ، حتّى كأنّهم یرون ما لا یرى النّاس ، و یسمعون ما لا یسمعون .

فلو مثّلتهم بعقلك فی مقاومهم المحمودة ، و مجالسهم المشهودة ،

و قد نشروا دواوین أعمالهم ، و فرغوا لمحاسبة أنفسهم ، على كلّ صغیرة و كبیرة أمروا بها فقصّروا عنها ، أو نهوا عنها ففرّطوا فیها ،

و حمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم ، فضعفوا عن الإستقلال بها ، فنشجوا نشیجا ، و تجاوبوا نحیبا ، یعجّون إلى ربّهم من مقاوم ندم و اعتراف .

لرأیت أعلام هدى ، و مصابیح دجى ، قد حفّت بهم الملائكة ،

و تنزّلت علیهم السّكینة ، و فتحت لهم أبواب السّماء ، و أعدّت لهم مقاعد الكرامات فی مقام اطّلع اللّه علیكم فیه ، فرضی سعیهم ، و حمد مقامهم ، یتنسّمون بدعائه روح التّجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ،

و أسارى ذلّة لعظمته ، جرح طول الأسى قلوبهم ، و طول البكاء عیونهم ،

لكلّ باب رغبة إلى اللّه منهم ید قارعة ، یسئلون من لا تضیق لدیه المنادح ، و لا یخیب علیه الرّاغبون ، فحاسب نفسك لنفسك ، فإنّ

[ 247 ]

غیرها من الأنفس علیها حسیب غیرك .

اللغة

( الوقرة ) ثقل فی الاذن أو ذهاب السمع كلّه و ( العشوة ) مرّة من العشاء بالفتح و القصر سوء البصر باللّیل و النّهار أو العمى و ( البرهة ) بالضمّ الزّمان الطّویل أو الأعمّ و ( الفترة ) ما بین كلّ النّبیّین و ( الفلاة ) المفازة لا ماء فیها أو الصحراء الواسعة و ( هتف ) به من باب ضرب هتافا بالضمّ صاح به .

و ( المقاوم ) المجالس جمع المقامة و هی مفعلة من المقام و هما فى الأصل اسمان لوضع القیام إلاّ أنّهم اتّسعوا فیهما فاستعملوهما استعمال المجلس و المكان قال تعالى « خیر مقاما » أى مجلسا و ( أقلّ ) فلان بالشی‏ء و استقلّ به إذا حمله قال تعالى أقلّت سحاباً ثقالاً أى حملت الرّیح سحابا ثقالا بالماء و ( النشیج ) الصّوت مع بكاء و توجّع كما یرد الصبی بكاءه فی صدره و ( النّحیب ) رفع الصّوت بالبكاء و ( عجّ ) عجّا من باب ضرب رفع صوته بالتّلبیة و نحوها و ( النسیم ) نفس الرّیح الضعیف كالنسمة و تنسّم أى تنفّس و تنسّم النّسیم أى تشمّمه .

و ( الرّوح ) بالفتح الرّحمة و الرّاحة قال تعالى لا تیأسوا من روح اللّه أى من رحمته ، و یقال أیضا لنسیم الرّیح الطیّب من روّحت الدّهن ترویحا جعلت فیه ریحا طیبا طابت به ریحه فتروح أى فاحت رایحته و قال فی مجمع البحرین فی قوله تعالى فأمّا إن كان من المقرّبین . فروح و ریحان و جنّة نعیم إنّ الرّوح بفتح أوّله الرّاحة و الاستراحة أو الحیاة الدّائمة ، و بضمّه الرّحمة لأنّها كالرّوح للمرحوم ،

و بالوجهین قرء قوله : فروح .

و ( المنادح ) جمع المندح كقاتل و مقتل أو جمع المندوحة من ندح ندحا من باب منع اتّسع قال الفیروز آبادى : النّدح و بضمّ الكثرة و السّعة و ما اتّسع من الأرض كالنّدحة و النّدحة و المندوحة و المنتدح و ( الحسیب ) المحاسب و فی بعض النسخ محاسب بدل حسیب .

[ 248 ]

الاعراب

قوله تعالى یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع عن ذكر اللّه قرء ابن عامر و أبو بكر یسبّح بفتح الباء بالبناء على المفعول و الباقون بكسرها ، فعلی قولهم یكون رجال فاعله و على القول الأوّل فالسّاد مسدّ الفاعل أحد الظّروف الثلاثة أعنی له فیها بالغدوّ ، و على هذه القراءة فیكون رجال فاعلا لفعل محذوف مدلول علیه بالفعل المذكور فكأنّه قیل من یسبّحه فقال : رجال ،

أى یسبّحه رجال كما فی قول الشّاعر :

لیبك یزید ضارع لخصومة
و مختبط ممّا تطیح الطّوایح

أى یبكیه ضارع ، و قیل : هو خبر مبتدء محذوف أى المسبّح رجال و قیل :

التقدیر فیها رجال .

و قوله علیه السّلام : و ما برح للّه آه برح فعل ناقص بمعنی زال من نواسخ المبتدء و الخبر یدخل علیهما فیرفع المبتداء تشبیها بالفاعل و ینصب الخبر تشبیها بالمفعول ،

و للّه خبره المقدّم و عباد اسمه المؤخّر ، و إنما یعمل هذا العمل بشرط تقدّم النفی علیه كما هنا و فی قوله « لن نبرح علیه عاكفین » و مثله زال فی الاشتراط به قال تعالى : و لا یزالون مختلفین و جملة عزّت آلاؤه حال من اللّه .

و قوله : فی البرهة بعد البرهة إما ظرف لغو متعلّق ببرح ، أو ظرف مستقرّ حال من عباد قدّمت على ذیها للظرفیة .

و قوله : حمدوا إلیه تعدیته بالى لتضمین معنی الانهاء كما فی قولهم : أحمد إلیك اللّه أى أحمد منهیا حمده إلیك .

و قوله علیه السّلام : فكانوا كذلك مصابیح تلك الظلمات ، كان فعل ناقص و الضمیر اسمه و كذلك خبره ، و الكاف فیه إما للتشبیه أو بمعنی على كما قاله الأخفش و الكوفیّون مستدلّین بأنّ بعضهم قیل له كیف أصبحت فقال كخیر أى على خیر أى كان عباد اللّه كما وصفناه أو على ما وصفناه ، و مصابیح تلك الظلمات فى بعض النسخ بالنصب و فى بعضها بالرّفع ، فعلى النصب یجوز أن تكون بدلا من كذلك بدل تفصیل كما فی

[ 249 ]

قوله تعالى أمدّكم بما تعملون . أمدّكم بأنعام و بنین . و جنات و عیون و أن تكون حالا من اسم كان على القول بجواز عمل الفعل الناقص فى الحال ، و على الرّفع فهو بدل من ضمیر كانوا كابدال الّذین ظلموا من ضمیر أسرّوا فی قوله تعالى و أسرّوا النجوى الّذین ظلموا .

و قوله : یقطعون به أیّام الحیاة ، الظرف مفعول به لا مفعول فیه مثل حیث فی قوله تعالى اللّه أعلم حیث یجعل رسالته إذ المعنی أنّه سبحانه یعلم نفس المكان المستحقّ للرّسالة لا شیئا فی المكان ، و ناصبها یعلم محذوفا مدلولا علیه بأعلم لا بأعلم نفسه لأنّ أفعل التفضیل لا ینصب المفعول به ، و قوله : لرأیت جواب فلو مثلتهم .

و قوله علیه السّلام : رهائن فاقة خبر لمبتدء محذوف و قوله : لكلّ باب رغبة خبر قدّم على مسنده و هو ید قارعة ، و منهم متعلّق برغبة و یحتمل أن یكون منهم ید قارعة خبر او مبتداء ، فیكون لكلّ باب ظرف لغو متعلّق بقارعة و قدّم على متعلّقه للوسعة فی الظروف .

و قوله : لا یخیب علیه الرّاغبون ، تعدیته بعلى لتضمین لا یخیب معنى التوكل أى متوكلین علیه ، و على للاستعلاء المجازى كما فی قوله تعالى كان على ربّك حتماً مقضیاً فانّه تعالى شانه من استعلاء شی‏ء علیه و لكنه إذا صار الشی‏ء مشهورا فی الاستعمال فی شی‏ء لم یراع معناه الأصلى نحو ما أعظم اللّه و منه : توكّلت على فلان كأنك تحمل ثقلك علیه ، و منه توكّلت على اللّه صرّح بذلك نجم الأئمة الرضىّ ،

و یحتمل أن یكون علیه بمعنى فیه كما فی قوله تعالى و دخل المدینة على حین غفلة فیكون متعلّقا بالرّاغبون أى لا یخیب الراغبون فیه و الأوّل أظهر .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام الشریف حسبما أشار إلیه الرضىّ قدّس سرّه ( قاله ) علیه السّلام ( عند تلاوته ) قوله تعالى رجال لا تلهیهم تجارة و قبل الشروع فی شرحه ینبغی أن نفسّر الآیة باقتضاء المقام ، و قد مضى بعض الكلام فیها فی شرح الكلام المأة و الثامن و التسعین و أقول هنا :

[ 250 ]

قال تعالى فی سورة النور فی بیوت أذن اللّه أن ترفع و یذكر فیها اسمه یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال . رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع عن ذكر اللّه و اقام الصّلوة و ایتاء الزّكوة یخافون یوماً تتقلّب فیه القلوب و الأبصار أى هذه المشكاة المذكورة فی سابق الآیة فی بیوت أو توقد فی بیوت هذه صفتها .

قال ابن عباس : و هى المساجد ، و یعضده قول النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : المساجد بیوت اللّه فی الأرض و هی تضی‏ء لأهل السماء كما تضى‏ء النجوم لأهل الأرض و قیل : هی بیوت الأنبیاء قال فی مجمع البیان : و روى ذلك مرفوعا أنّه سئل عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما قرء الآیة أىّ بیوت هذه ؟ فقال : بیوت الأنبیاء ، فقام أبو بكر فقال : یا رسول اللّه هذا البیت منها لبیت علیّ علیه السّلام و فاطمة علیهما السّلام ؟ قال : نعم من أفاضلها ، و یعضد هذا القول قوله إنما یرید اللّه لیذهب عنكم الرّجس أهل البیت و یطهّركم تطهیرا و قوله رحمة اللّه و بركاته علیكم أهل البیت .

و فى الصافی من الكافی و الاكمال عن الباقر علیه السّلام هى بیوتات الأنبیاء و الرّسل و الحكماء و أئمة الهدى و القمّى عنه علیه السّلام هى بیوت الأنبیاء و بیوت علیّ علیه السّلام منها .

و قد مضى فی شرح الكلام المأة و الثامن و التسعین حدیث من غایة المرام عن موسى بن جعفر عن أبیه علیهما السّلام فی هذه الآیة أنه قال بیوت آل محمّد صلّى اللّه علیه و علیهم أجمعین بیت علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و حمزة و جعفر علیهم السّلام .

و فیه أیضا من الكافی باسناده عن أبی حمزة الثمالی قال : كنت جالسا فی مسجد الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذ أقبل رجل فسلّم فقال : من أنت یا عبد اللّه ؟ فقلت :

رجل من أهل الكوفة فما حاجتك ؟ فقال لی : أتعرف أبا جعفر محمّد بن علیّ علیهما السّلام ؟

فقلت : نعم فما حاجتك إلیه ؟ قال : هیّأت له أربعین مسأله أسأله عنها فما كان من حقّ أخذته و ما كان من باطل تركته ، فقلت له : هل تعرف ما بین الحقّ و الباطل ؟

قال : نعم ، قلت : فما حاجتك إلیه إذا كنت تعرف ما بین الحقّ و الباطل ، فقال لی :

یا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون إذا رأیت أبا جعفر علیه السّلام فأخبرنی ، فما انقطع كلامه

[ 251 ]

حتى أقبل أبو جعفر علیه السّلام و حوله أهل خراسان و غیرهم یسألونه عن مناسك الحجّ فمضى حتّى جلس مجلسه و جلس الرجل قریبا منه ، قال أبو حمزة : فجلست حتى أسمع الكلام و حوله العالم من الناس ، فلما قضى حوائجهم و انصرفوا التفت علیه السّلام إلى الرجل فقال له : من أنت ؟ قال أنا قتادة بن دعامة البصرى ، فقال أبو جعفر علیه السّلام أنت فقیه أهل البصرة ؟ فقال : نعم ، فقال له أبو جعفر علیه السّلام : ویحك یا قتادة إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق خلقا من خلقه فجعلهم حججا على خلقه فهم أوتاد الأرض قوّام بأمره ، نجباء فی علمه ، اصطفاهم قبل خلقه ، أظلّة عن یمین العرش ، قال : فسكت قتادة طویلا ثمّ قال : أصلحك اللّه و اللّه لقد جلست بین یدى الفقهاء و قدّام ابن عبّاس فما اضطرب قلبی قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك ، فقال أبو جعفر علیه السّلام ما تدرى أین أنت ، أنت بین یدى بیوت أذن اللّه أن ترفع و یذكر فیها اسمه یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال . رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع عن ذكر اللّه و إقام الصّلوة و ایتاء الزكوة و نحن اولئك ، فقال له قتادة : صدقت و اللّه جعلنى اللّه فداك و اللّه ما هى بیوت حجارة و لا طین ، الحدیث .

و المراد بالرفع فی قوله « أن ترفع » التعظیم و رفع القدر ، و قیل : رفع الحوائج فیها إلى اللّه تعالى و یذكر فیها اسمه أى یتلى فیها كتابه ، و قیل :

یذكر فیها أسماؤه الحسنى : و قیل : عام فیما یتضمن ذكره حتى المذكورة فی أفعاله و المباحثة فی أحكامه یسبّح له فیها بالغدوّ و الآصال أى یصلّی فیها بالبكر و العشایا قال ابن عباس كلّ تسبیح فى القرآن صلاة ، و قیل : المراد بالتسبیح تنزیهه عما لا یجوز علیه و وصفه بصفات الكمال التی یستحقّها لذاته و أفعاله .

ثمّ بین المسبّح فقال « رجال لا تلهیهم » أى لا تشغلهم و لا تصرفهم « تجارة و لا بیع عن ذكر اللّه » و ستعرف الفرق بین التجارة و البیع فی شرح المتن ، و أما ذكر اللّه فهو یعمّ جمیع الأذكار و قد مرّ تفصیلا فی التّنبیه الثانی من تنبیهات الفصل السّادس من فصول الخطبة الثانیة و الثمانین .

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح كلامه علیه السّلام فأقول : إنّ مدار هذا الكلام

[ 252 ]

على فصول ثلاثة :

الأوّل فی التّنبیه على فضیلة الذّكر نفسه .

و الثّانی فی وصف حال المذكّرین و كیفیة تذكیرهم .

و الثّالث فی بیان أوصاف الذّاكرین و الاشارة إلى مقاماتهم الجلیلة و مقاومهم المحمودة .

اما الفصل الاول

فهو قوله علیه السّلام ( إنّ اللّه سبحانه جعل الذّكر جلاء للقلوب ) المراد بالذّكر هنا مطلق الذكر من التسبیح و التهلیل و التّحمید و الدّعاء و المناجاة و تلاوة الكتاب الكریم و نحوها ، فانّ المداومة علیها باللّسان مع حضور القلب و توجّهه إلیها توجب صفاء القلب و نوره و جلائه و طهارته و نقائه من ظلمة الذّنوب و رین المعاصی و الغواشی كالمرآة المجلوّة الّتى لیس علیها شی‏ء من الكدر .

و ذلك لما عرفت فی شرح الكلام المأتین و السّادس عشر أنّ الاستغراق فی الذكر و المداومة علیه یصرف القلب عمّا سوى اللّه إلى اللّه عزّ و جلّ ، فلا یبقى فیه مجال للتّوجه إلى الدّواعی النفسانیّة و لا محلّ لطرد الوساوس الشّیطانیّة التی هی منشأ الذّنوب و مبدء ظلمات القلوب .

و قد تقدّم فی التّنبیه الثانی من شرح الفصل السّادس من فصول الخطبة الثانیة و الثمانین كیفیة مطاردة جنود الملائكة و الشیاطین فی القلب و غلبتهم على الشیاطین و ابعادهم لهم عن القلب بالمداومة على الذّكر و الطاعة ، و مضى هناك مطالب نفیسة نافعة فى المقام .

و قوله علیه السّلام ( تسمع به بعد الوقرة ) یعنى یكون الذكر سببا لكون القلوب سمیعة بعد صممها أى مستعدّة لاستماع كلام اللّه و كلام الأنبیاء و الدّعاة إلى اللّه و استفادة الكمالات و القربات منها بعد ما كانت قاصرة عنها .

( و تبصر به بعد العشوة ) أى یكون سببا لكونها بصیرة بعد عشاها و ضعف

[ 253 ]

بصرها أى قابلة للانتفاع بما فی الكون من عجایب التّدبیر مدركة لما فی الآفاق و الأنفس من الآیات و العبر بعد ما كانت غافلة عن إدراكها .

( و تنقاد به بعد المعاندة ) أى تنقاد للحقّ بعد العناد و الالحاد ، و ذلك لأنّه یحصل بدوام الذّكر و الفكر حالة المراقبة و استشعار عظمة اللّه تعالى و جلاله و كبریائه فیحصل بذلك ذلّ و انكسار و مهانة للقلب و یكون داخرا ذلیلا منقادا لقبول أمر الرب و نهیه ، سالكا لسبیله بعد ما كانت منحرفا عنه و تجلو الذكر قلبه و تقرّ عین باطنه فتبصر بما لا یبصر به قبل المداومة بالذّكر ، اللّهمّ آنسنا به بلطفك الخفیّ

و اما الفصل الثانى

فهو قوله :

( و ما برح ) أى ما زال ( للّه ) بمقتضى لطفه و رحمته ( عزّت آلاؤه ) و جلّت نعماؤه ( فی البرهة بعد البرهة و فی أزمان الفترات ) من الرّسل و طول الهجعة من الامم ( عباد ) صالحون كاملون فی معرفته تامّون فی عبودیّته قائمون بأمره فی أنفسهم مبشّرون و منذرون لغیرهم ( ناجاهم فی فكرهم ) أى ألهمهم معرفته و أفاض على قلوبهم كیفیّة سلوك سبیله و هدایة الناس إلیه ( و كلّمهم فی ذات عقولهم ) أى خاطبهم فی باطنهم سرّا و تجوز به كالمناجاة عن الالهام و الأفاضة التی أشرنا إلیها ( فاستصبحوا بنور یقظة فی الأسماع و الأبصار و الأفئدة ) أى استیقظوا بشمول الألطاف الغیبیّة و الافاضات الالهیّة من نوم الغفلة و رقد الجهالة ، و استضاؤوا بنور حاصل فی الأسماع بسبب استماعها إلى ما فیه صلاح الدّین من المواعظ و الحكم و الفضایل و آیات الكتاب المبین .

و قد قال تعالى إذا قرء القرآن فاستمعوا له و أنصتوا فانّ الاستماع إلى ذلك بقصد الفهم و القبول محصّل لأنوار الكمالات النفسانیة ، و لذلك مدح اللّه تعالى المؤمنین بكون استماعهم على هذا الوجه و قال عزّ من قائل و إذا تلیت علیهم آیاته زادتهم ایمانا » أى إذا قرء على المؤمنین القرآن و استمعوه زادتهم آیاته تبصرة و یقینا

[ 254 ]

على یقین و أمّا الاستماع لا بقصد الفهم و القبول فقد ذمّ المستمعین كذلك فی قوله :

ما یأتیهم من ذكر من ربّهم محدث إلاّ استمعوه و هم یلعبون أى لم یستمعوه استماع نظر و تدبّر و قبول و تفكّر و إنّما استمعوه استماع لعب و استهزاء ، و فى قوله و منهم من یستمعون إلیك أفأنت تسمع الصمّ و لو كانوا لا یعقلون أى من جملة هؤلاء الكفّار من یطلبون السمع إلى كلامك للرّد و التّعنّت لا للفهم و القبول ،

فلمّا كان استماعهم على هذا الوجه كانوا كأنّهم صمّ لا یستمعوه حیث لم ینتفعوا به فاستحقّوا الطعن و التعریض من اللّه عزّ و جلّ بذلك .

و استضاؤوا أیضا بنور حاصل فی الابصار بسبب نظرها إلى ما هو محصّل لنور المعرفة من آیات الكبریاء و العظمة و عجایب الصّنع و القدرة كما قال تعالى سنریهم آیاتنا فى الآفاق و فی أنفسهم حتّى یتبیّن لهم أنّه الحقّ و قال و من آیاته یریكم البرق خوفا و طمعا و ینزّل من السّماء ماء فیحیى به الأرض بعد موتها إنّ فی ذلك لآیات لقوم یعقلون .

هذا إذا كان النظر الیها للاستبصار و الاعتبار و إلاّ فلا خیر فیه و لا منفعة و لا یزید إلاّ الغفلة ، و لذلك ذمّ اللّه تعالى شأنه الكفّار بكون نظرهم على هذا الوجه فی قوله و منهم من ینظر الیك أفأنت تهدى العمى و لو كانوا لا یبصرون أى ینظر إلى أفعالك و أقوالك لا نظر الحقیقة و العبرة بل نظر العادة فلا ینتفع بنظره و لا یزیدهم النظّر إلاّ عمى و جهالة .

و أمّا الاستضاءة بنور یقظة الأفئدة فیقظتها عبارة عن فطانتها و جودتها و توجّهها إلى ما ینبغی لها من الكمالات العقلیة و تفكّرها فی آثار القدرة و الجلال و الجبروت و آیات العظمة و الكمال و الملك و الملكوت ، و تدبّرها فی بدایع المصنوعات و معانی الآیات المحكمات كما قال تعالى انّ فی خلق السّموات و الأرض و اختلاف اللّیل و النهار لآیات لأولى الألباب و قال كتاب انزلناه إلیك مبارك لیدّبّروا آیاته و لیتذكّروا اولو الألباب .

[ 255 ]

و المراد بنور یقظتها هو نور العلم و المعارف الحقّة و العقاید الیقینیة الحاصلة من التدبّر و التّفكّر .

و استعارة النّور للعلم شایع كاستعارة الظّلمة للجهل كما قال تعالى أفمن كان میّتاً فأحییناه و جعلنا له نوراً یمشی به فی النّاس كمن مثله فی الظّلمات لیس بخارج منها قال فی التفسیر : أى كافرا فأحییناه بأن هدیناه إلى الایمان و انّما سمّى اللّه تعالى الكافر میّتا لأنّه لا ینتفع بحیاته و لا ینتفع غیره به ، و سمّى المؤمن حیّا لأنّ له و لغیره المصلحة و المنفعة فی حیاته ، و جعلنا له نورا ، أراد بالنور العلم و الحكمة قال أمین الاسلام الطبرسیّ : سمّى سبحانه ذلك نورا و الجهل ظلمة لأنّ العلم یهتدى به إلى الرّشاد كما یهتدى به فی الطرقات و قال ابن عبّاس : المراد بالنّور الایمان ، و قیل : المراد به القرآن كمن مثله فی الظّلمات أى ظلمات الكفر قال الطبرسیّ :

سمّى الایمان و القرآن و العلم نورا لأنّ النّاس یبصرون بذلك و یهتدون من ظلمات الكفر و حیرة الضلالة كما یهتدى بسایر الأنوار ، و سمّى الكفر ظلمة لأنّ الكافر لا یهتدى بهداه و لا یبصر أمر رشده ، و من هذا القبیل استعارة البصیر و الأعمى للمؤمن و الكافر قال تعالى و ما یستوى الأعمى و البصیر .

و الحاصل أنّه تعالى لم یخل الأزمان من عباد استضاؤوا و استصبحوا بنور المعرفة و الیقین الحاصل من طریق السمع بالاصغاء ، و من طریق البصر بالنظر ،

و الأفئدة بالفكر و التّدبّر ، هذا حالهم فی ذات أنفسهم .

و أمّا بالنسبة إلى الخلق فانّهم یهدون بالحقّ و یحكمون بالقسط و یأمرون بالمعروف و ینهون عن المنكر و ( یذكرون بأیّام اللّه ) أى یذكّرون النّاس بوقایعه و قوارعه و عقوباته الواقعة بالامم الماضیة فی القرون الخالیة على ما عرفته فی شرح الفصل السّابع من الخطبة المأة و الحادیة و التسعین .

و روى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام فی تفسیر قوله تعالى فذكّرهم بأیّام اللّه أنّه یرید بأیّام اللّه سنّته و أفعاله فی عباده من إنعام و انتقام .

و حاصله تذكیر المحسنین بالانعام تبشیرا لهم ، و المسیئین بالانتقام إنذارا

[ 256 ]

و تحذیرا كما ذكر اللّه تعالى أیضا كفّار قریش بذلك فى كتابه العزیز فى سورة القمر حیث قال فیهم و لقد جائهم من الأنباء ما فیه مزدجر و كرّر قوله و لقد یسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكر عقیب التّذكیر بقصّة قوم نوح و إهلاكهم بماء منهمر ، و بقصّة عاد و إهلاكهم بریح صرصر فى یوم نحس مستمرّ ، و بقصّة ثمود و إهلاكهم بصیحة واحدة فكانوا كهشیم المحتظر ، و بقصّة قوم لوط و لقد صبّحهم بكرة عذاب مستقرّ ، فختم بقصّة آل فرعون و أخذه عزّ و جلّ لهم أخذ عزیز مقتدر ، ثمّ اتبع ذلك كلّه بقوله أكفاركم خیر من أولئكم أم لكم برائة فى الزّبر إلى أن قال تعالى و لقد أهلكنا أشیاعكم فهل من مدّكر .

قال أمین الاسلام الطبرسىّ : خوّف سبحانه كفار مكّة فقال « أكفاركم خیر » و أشدّ و أقوى « من اولئكم » الّذین ذكرناهم و قد أهلكناهم ، و هذا استفهام إنكار أى لستم أفضل من قوم نوح و عاد و ثمود لا فى القوّة و لا فى الثروة و لا فى كثرة العدد و العدّة ، و المعنى أنه إذا هلك اولئك الكفار فما الذى یؤمنكم أن ینزل بكم ما نزل بهم أم لكم برائة فی الزّبر أى لكم براءة من العذاب فی الكتب السّالفة أنّه لن یصیبكم ما أصاب الامم الخالیة .

و قال فی قوله و لقد أهلكنا أشیاعكم أى أشباهكم و نظراءكم فی الكفر من الامم الماضیة فهل من مدّكر أى فهل من متذكّر لما یوجبه هذا الوعظ من الانزجار عن مثل ما سلف من أعمال الكفار لئلاّ یقع فیه ما وقع بهم من الاهلاك .

( و یخوّفون مقامه ) أى یخوّفونهم من مقام الرّبوبیة المتّصفة بالعظمة و الجلال و الكبریاء و القدرة ، و من كونه قائما على كلّ نفس بما كسبت ، فانّ التخویف بذلك مستلزم للخوف و الهیبة أو من مقامهم بین یدى الرّب للحساب و ذلك یوم یقوم الناس لربّ العالمین و یقوم الاشهاد و یقوم الرّوح و الملائكة صفّا لا یتكلّمون إلاّ من أذن له الرّحمن و قال صوابا .

ثمّ وصفهم بأنهم ( بمنزلة الأدلّة ) و الهداة ( فى ) البوادى و ( الفلوات ) فكما أنّ

[ 257 ]

الأدلّة یدلّون على الطریق و یهتدون إلیه و ( من أخذ القصد ) أى قصد السبیل و هو الطریق المستقیم المحفوظ من الافراط و التفریط المبلّغ قاصده و سالكه إلى ما یرید ( حمدوا إلیه طریقه و بشّروه بالنّجاة ) من الهلكات ( و من ) انحرف عنه و ( أخذ یمینا و شمالا ذمّوا إلیه الطریق و حذّروه من الهلكة ) فكذلك هؤلاء یهدون السایرین إلى الآخرة إلى الصراط المستقیم و یبشّرون الآخذین به بالسعادة الأبدیة و النجاة من المهالك ، و یحذّرون المنحرفین عنه إلى الیمین و الشمال من الشقاوة الأبدیة و الوقوع فى المعاتب .

( فكانوا كذلك ) أى على ما وصفناه من التّذكیر و التخویف و التبشیر و التّحذیر ( مصابیح تلك الظّلمات و أدلّة تلك الشّبهات ) أشار بها إلى ظلمات أزمنة الفترة المذكورة سابقا و شبهاتها ، و أراد بالظّلمات ظلمات الجهل و الحیرة الّتی تغشى النّاس فیها ، و بالشّبهات الامور الباطلة الشبیهة بالحقّ ، و شبّههم بالمصابیح لأنّه یهتدى بهم و یقتبس من أنوار علومهم فی تلك الظّلمات كما یستضاء بالمصباح فی ذلك ظلمة اللّیل .

و بهذا الوجه شبّه الأئمّة علیهم السّلام بالعلامات و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالنّجم فی قوله تعالى و علامات و بالنّجم هم یهتدون قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : نحن العلامات و النّجم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و شبّههم علیهم السّلام بالأدلّة لتمیزهم بین الحقّ و الباطل و إرشادهم إلى الحقّ كما یفرق الدّلیل بین القصد و غیره و یدلّ على القصد .

و قد مرّ نظیر ذلك فی كلامه علیه السّلام فی الخطبة الثامنة و الثلاثین حیث قال علیه السّلام هناك : و إنّما سمّیت الشّبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ فأمّا أولیاء اللّه فضیاؤهم فیها الیقین و دلیلهم سمت الهدى ، و أمّا أعداء اللّه فدعاؤهم فیها الضّلال و دلیلهم العمى .

[ 258 ]

و اما الفصل الثالث

فهو قوله علیه السّلام ( و انّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنیا بدلا ) أراد بهم إمّا خصوص نفسه و الطیبین من أولاده لأنّهم أهله حقیقة یسبّحون اللّیل و النّهار و لا یفترون و یذكرون اللّه قیاما و قعودا و على جنوبهم و یتفكّرون فی خلق السّموات و الأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا .

و هم أیضا أهل الذّكر الّذی هو القرآن كما یشهد به ما فی الكافی عن الفضیل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قول اللّه تبارك و تعالى و انّه لذكر لك و لقومك و سوف تسئلون قال علیه السّلام : الذكر القرآن و نحن قومه و نحن المسؤولون .

و أهل الذكر الذى هو الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كما یدلّ علیه ما فیه عن عبد اللّه بن عجلان عن أبی جعفر علیه الصّلاة و السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ فاسئلوا أهل الّذكر إن كنتم لا تعلمون قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الّذكر أنا و الأئمة علیهم السّلام أهل الذّكر .

و یؤیّد إرادته علیه السّلام خصوص نفسه و أولاده علیهم السّلام ما یفصّله علیه السّلام من صفات أهل الذّكر ، فانّ تلك الصّفات الآتیة هم المتّصفون بها حقّ الاتّصاف و حقیقته و یؤیّده أیضا أكثر ما رویناه من الأخبار فی تفسیر « بیوت أذن اللّه أن ترفع و یذكر فیها اسمه » الآیة .

و إن أراد به مطلق أهل الذكر فهم علیهم السّلام أكثر كمل مصادیقه و أفراده .

و كیف كان فقد أخذ الذّكر أهله بدلا من الدّنیا و عوضا منها علما منهم بأنّ من أكثر ذكر اللّه أحبّه اللّه كما رواه الصّادق علیه السّلام من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و روى عنه أیضا من أحبّ أن یرتع فی ریاض الجنّة فلیكثر ذكر اللّه .

و لذلك ( فلم تشغلهم تجارة و لا بیع عنه ) ذكر البیع بعد التّجارة من قبیل ذكر الخاصّ بعد العامّ لمزید الاهتمام كما فی قوله تعالى یسئلونك عن الأهلّة قل هى مواقیت للنّاس و الحجّ فانّ التجارة تشمل جمیع أنواع المكاسب و البیع أظهرها ، و قال البیضاوى فی تفسیر قوله تعالى لا تلهیهم تجارة لا یشغلهم معاملة

[ 259 ]

رابحة « و لا بیع عن ذكر اللّه » مبالغة بالتعمیم بعد التّخصیص إن أرید به مطلق المعاوضة ، أو بافراد ما هو أهمّ من قسمى التجارة فانّ الرّبح یتحقّق بالبیع و یتوقّع بالشّرا ، و قیل : المراد بالتّجارة الشّرى فانّه أصلها و مبدؤها .

( یقطعون به أیّام الحیاة ) أى أیّام حیاتهم ، و یحتمل أن یكون المعنى أنّهم یقطعون بالاشتغال به عن العلایق الدّنیویّة فی تمام عمرهم ، فتكون أیّام الحیاة مفعولا فیه لا مفعولا به و الأوّل أظهر .

( و یهتفون بالزّواجر عن محارم اللّه فی أسماع الغافلین ) عن ذكر اللّه أى یصیحون بالمواعظ البالغة و النّصایح الزّاجرة فی أسماع أهل اللّهو و الغفلة زجرا لهم أى إزعاجا و إبعادا عن المحارم ( یأمرون ) غیرهم ( بالقسط ) و العدل ( و یأتمرون ) أى ینقادون ( به ) فی أنفسهم ( و ینهون عن ) الفحشاء و ( المنكر و یتناهون ) أى یكفّون ( عنه ) فی ذاتهم لما عرفت فی شرح الخطبة المأة و الرابعة أنّ النّهى عن المنكر إنّما هو بعد التناهى عنه .

( فكأنّما قطعوا الدّنیا ) و انتهوا ( إلى الآخرة و هم فیها ) أى و الحال أنّهم فی الدّنیا فكأنّهم قطعوها و مضوا إلى الدّار الأخرى ( فشاهدوا ) بعین الیقین ( ما وراء ذلك ) العالم .

( فكأنّما ) هم و الجنّة كمن قد رآها فهم فیها منعّمون و على الأرائك متّكؤون و هم و النار كمن قد رآها فهم فیها معذّبون و من هولها مصطرخون و كأنما ( اطلعوا عیوب أهل البرزخ فی طول الاقامة فیه ) أى علموا فظایع البرزخ و شداید أهله الغایبة عن نظر أهل الدّنیا فی مدّة الاقامة المتمادیة الطویلة لهم فیه ( و ) كأنما ( حقّقت القیامة علیهم عداتها ) فی إسناد التحقیق إلى القیامة و كذا إضافة العدات إلى ضمیرها تجوّز ، و المراد كأنّ القیامة قد قامت علیهم و حقّق اللّه تعالى مواعیده التی تكون فیها من تكویر الشمس و طمس النجوم و تسییر الجبال و حشر الوحوش و كون الناس كالفراش المبثوث و الجبال كالعهن المنفوش و فرار المرء من أخیه و امّه و أبیه و صاحبته و بنیه لكلّ امرء منهم یومئذ شأن یغنیه

[ 260 ]

وجوه یومئذ مسفرة ضاحكة مستبشره و وجوه یومئذ علیها غبرة ترهقها قترة إلى غیر هذه مما أخبر به الكتاب العزیز و نطق به الأخبار .

( فكشفوا ) ببیاناتهم الفصیحة و كلماتهم النصیحة ( غطاء ذلك ) أى ما رأوه بعین الیقین من محجوبات الغیوب و مستورات الغیب المحجوب ( لأهل الدّنیا ) تنفیرا لهم عنها و ترغیبا إلى دار الاخرى ( حتّى كأنهم ) من شدّة الیقین و قوّة أبصار البصایر و آذان العقول ( یرون ) من أحوال النشأة الأخرویة ( ما لا یرى ) سایر ( الناس و یسمعون ما لا یسمعون ) و هذا المقام مقام قوله علیه السّلام : لو كشف الغطاء ما ازددت یقینا .

قال الشارح البحرانیّ : لما كان السبب فى قصور النفوس عن ادراك أحوال الآخرة و هو تعلّقها بهذه الأبدان و اشتغالها بتدبیرها و الانغماس فی الهیئات الدّنیویة المكتسبة عنها ، و كان هؤلاء الموصوفون قد غسلوا درن تلك الهیئآت من ألواح نفوسهم بمداومة ذكر اللّه و ملازمة الرّیاضة التامّة ، حتّى صارت نفوسهم كمرایا مجلوّة حوذى بها سطر الحقایق الالهیة فجلت و انتقشت بها ، لا جرم شاهدوا بعین الیقین سبیل النجاة و سبیل الهلاك و ما بینهما فسلكوا على بصیرة و هدوا الناس على یقین و اخبروا عن امور شاهدوها بأعین بصائرهم و سمعوا بآذان عقولهم ، فكأنهم فی وضوح ذلك لهم و ظهوره و اخبارهم عنه قد شاهدوا ما شاهده الناس بحواسّهم ما لم یشاهده الناس و سمعوا ما لم یسمعوه .

( فلو مثلتهم بعقلك ) أى تصوّرت مثالهم و صورهم ( فی مقاومهم المحمودة ) أى مقامات عبودیتهم و تذلّلهم التى یحمدهم اللّه ربّ العالمین بالقیام فى تلك المقامات ( و مجالسهم المشهودة ) أى مجالس عبادتهم و تضرّعهم الّتی تشهدها الملائكة المقرّبون كما قال عزّ من قائل و قرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهودا قال المفسرون معناه إنّ صلاة الفجر تشهدها ملائكة اللّیل و ملائكة النهار و قوله علیه السّلام : ( و قد نشروا دواوین أعمالهم و فرغوا لمحاسبة أنفسهم ) من الاستعارة التمثیلیّة حیث شبّههم علیه السّلام فی تتبّعهم لنفوسهم و ملاحظتهم لألواح ضمایرهم

[ 261 ]

و تفكّرهم فی ما ثبت فی تلك الألواح من صور أعمالهم الّتی عملوها من خیر أو شرّ و تدبیرهم فی جبران الخاسرة منها و مطالبتهم أنفسهم بتدارك ما فاتت و فرّطت فیها بالتاجر الذى یفتح دفتر تجارته ، و ینشر دیوان حسابه و ینظر ما كتب فیه من صورة مكاسبه و یلاحظ ربحه و خسرانه ، و یدبّر تدارك خسارته .

و قد قال علیه السّلام فی الخطبة التّاسعة و الثمانین : عباد اللّه زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا و حاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، و قد مرّ فی شرحه ما ینفع فی هذا المقام و حقیقة محاسبة النّفس على ما نبّه علیه الغزالی أن یكون للعبد ساعة فی آخر النّهار یطالب النفس و یحاسبها على جمیع حركاتها و سكناتها كما یفعل التجار فی الدّنیا مع الشركاء فی آخر كلّ سنة أو شهر أو یوم حرصا منهم على الدّنیا و خوفا من فوات منافعها .

فانّ التّاجر إذا جلس مجلس المحاسبة مع شریكه ینظر أوّلا فی رأس المال ، ثمّ فی الرّبح و الخسران لیتبیّن له الزّیادة و النّقصان ، فان كان من فضل حاصل استوفاه و شكره ، و إن كان من خسران ضمّنه و كلّفه جبرانه فی المستقبل و كذلك رأس مال العبد فی دینه الفرایض و ربحه النّوافل و الفضایل و خسرانه المعاصی و موسم تلك التجارة تمام النّهار ، و النّفس بمنزلة الشریك فلیحاسبها أوّلا على الفرایض فإنّ أدّاها على وجهها شكر اللّه تعالى على ذلك ، و إن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء و إن أدّاها ناقصة كلّفها الجبران بالنّوافل ، و إن ارتكب معصیة اشتغل بمؤاخذتها و معاتبتها لیستوفی منها ما یتدارك به ما فرّط كما یصنع التّاجر بشریكه .

و كما أنّه یفتّش فی حساب الدّنیا عن الحبّة و القیراط و یبالغ فی المداقّة و یلاحظ مداخل الزّیادة و النقصان ، فینبغی له أن یبالغ فی المداقّة فى حساب نفسه عن خواطره و أفكاره و قیامه و قعوده و أكله و شربه و تكلّمه بل عن جمیع حركاته و سكناته ، و ینبغی أیضا أن یحاسب النّفس على جمیع عمره یوما فیوما و ساعة فساعة فی جمیع الأعضاء الظاهرة و الباطنة .

[ 262 ]

و قد نقل عن بعض العرفاء و كان محاسبا لنفسه أنّه حسب یوما فاذا هو ابن ستّین سنة ، فحسب أیّامها فاذا هى أحد و عشرون ألف یوم و خمسمأة یوم ، فصرخ و قال : یا ویلتى ءألقى الملك بأحد و عشرین ألف ذنب فكیف و فی كلّ یوم عشرة آلاف ذنب ، ثمّ خرّ مغشیّا علیه فاذا هو میّت .

فهكذا ینبغى أن یحاسب نفسه على الانفاس و على معصیته بالقلب و الجوارح فی كلّ ساعة ، و لو رمى العبد بكلّ معصیة حجرا فی داره لكان فى مدّة قلیلة تلا صغیرا و لكنّه یتساهل فى حفظ المعاصى و الملكان یحفظان علیه ذلك أحصاه اللّه و نسوه و أمّا أولیاء اللّه الكاملون فى مقام العبودیّة و الطاعة فلهم المداقّة فى محاسبة أنفسهم و معاتبتها ( على كلّ صغیرة و كبیرة امروا بها فقصّروا عنها أو نهوا عنها ففرّطوا فیها ) لعدم إخراجهم أنفسهم من حدّ التقصیر فانّه عزّ و جلّ لا یمكن أن ینال مدى عبادته ، و كیف یمكن البلوغ إلى مدى عبادة من لا مدى له ، و من ذلك أنّ المعصومین علیهم السّلام كانوا یعدّون أنفسهم فی عداد المذنبین المقصّرین لكون حسنات الأبرار سیئآت المقرّبین حسبما عرفت تفصیلا فی شرح الخطبة الاولى عند تحقیق عصمة الأنبیاء علیهم السّلام .

( و حمّلوا ثقل أوزارهم ) و آثامهم ( ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها ) أى عن حمل الاوزار ( فنشجوا نشیجا ) أى بكوا بكاء متوجّع ( و تجاوبوا نحیبا ) أى جاوب بعضهم بعضا بالنّحیب و البكاء الشّدید ، و لفظ التّجاوب مجاز فانّهم لمّا كانوا فی مقام محاسبة النّفس رافعین أصواتهم بالبكاء صاروا بمنزلة المتجاوبین كأن كلاّ منهم یجاوب الآخر ببكائه و نحیبه .

( یعجّون إلى ربّهم من مقاوم ندم و اعتراف ) أى یرفعون أصواتهم إلیه عزّ و جلّ بالتّضرّع و الابتهال فى مقامات التوبة و الابتهال و الاعتراف بالتّفریط و التّقصیر .

و قوله ( لرأیت ) جواب لو مثّلتهم حسبما اشرنا إلیه أى لو تصوّرت حالاتهم فی مقاماتهم المحمودة و مجالسهم المشهودة و شاهدت من شئونهم كیت و كیت لرأیت ( أعلام هدى ) یهتدى بآثارهم فی ظلم الضّلالة ( و مصابیح دجى ) یقتبس من أنوارهم

[ 263 ]

فی غیاهب الجهالة ( قد حفّت بهم الملائكة ) أى أحاطت علیهم الملائكة تشریفا و إكراما و عنایة من اللّه تعالى فی حقّهم ( و تنزّلت علیهم السّكینة ) و هى هیئة جسمانیّة تنشاء من استقرار الأعضاء و طمأنینتها مع اعتدال حركاتها ، و لعلّ المراد بها برد الیقین الّذی اشرنا إلیه فی شرح الكلام الّذى قبل هذا الكلام له علیه السّلام .

( و فتحت لهم أبواب السّماء ) بالعنایات الالهیّة و الافاضات الملكوتیّة و الألطاف الغیبیّة ( و اعدّت لهم مقاعد الكرامات ) المشار إلیها فی قوله عزّ و جلّ إنّ المتّقین فى جنّات و نهر . فی مقعد صدق عند ملیك مقتدر .

قال أمین الاسلام الطّبرسى : أى أنهار من الخمر و الماء و العسل ، وضع نهر فى موضع أنهار لأنّه اسم جنس یقع على القلیل و الكثیر ، و الاولى أن یكون انّما و حدّ لوفاق الفواصل فى « مقعد صدق » أى فى مجلس حقّ لا لغو فیه و لا تأثیم و قیل : وصفه بالصّدق لكونه رفیعا مرضیا ، و قیل : لدوام النعیم به و قیل : لأنّ اللّه صدق وعد أولیائه فیه « عند ملیك مقتدر » أى عند اللّه سبحانه فهو المالك القادر الذی لا یعجزه شى‏ء ، و لیس المراد قرب المكان تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبیرا بل المراد أنهم فى كنفه و جواره و كفایته حیث تنالهم غواشى رحمته و فضله .

و الحاصل أنهم هیأت لهم تلك المقاعد ( فى مقام اطلع اللّه علیكم فیه ) و فى نسخة الشارح المعتزلى علیهم بدل علیكم و هو أنسب و على هذه النسخ فلعلّه من تغلیب المخاطبین على الغایبین ، و یمكن أن یكون النكتة فى العدول من الغیبة على الخطاب تهییج المخاطبین و الها بهم بالتنبیه على أنّ اللّه تعالى مطلع علیكم و علیهم جمیعا و لكن مقاعد كراماته صارت مخصوصة بهم لتكمیلهم للعبودیة فینبغى أن تكونوا مثلهم حتى تكون معدّة لكم أیضا كما اعدّت لهم .

( فرضى سعیهم ) أى جدّهم و جهدهم فى العبادة ( و حمد مقامهم ) أى مقام عبودیتهم و هو فوق مرتبة مقام العبادة لأنّ العبادة للعوام من المؤمنین و العبودیة للخواصّ من السالكین و العبادة لمن له علم الیقین و العبودیة لمن له عین الیقین فانّ حقیقة العبودیة هى الاسر و التذلل فى قید الرّقیة و أن لا یبقى فیه أثر من آثار

[ 264 ]

هواه ، و أن تكون أوقاته مستغرقة فى خدمة مولاه مصروفة إلى تحصیل رضاه و لذلك وصف اللّه نبیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بهذا الوصف فى غایة غایات مقام القرب و الزّلفى حیث قال تعالى ثمّ دنى فتدلّى فكان قاب قوسین أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى فعبّر بلفظ العبد إشارة إلى أنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى ذلك المقام كان فانیا فى اللّه لم یكن له همّ أصلا فیما سواه منقطعا عن جمیع ما عداه .

( یتنسّمون بدعائه روح التجاوز ) اى یشمّون بدعائه و مناجاته تعالى النسیم الطیب و الهواء الذى تستلذّه النفس و یزیل عنها الهمّ لما حصل من تجاوزه عزّ و جلّ من تقصیرهم و صفحه عنهم ( رهائن فاقة إلى فضله ) قال الشارح البحرانى استعار لهم لفظ الرّهائن لكونهم فى محلّ الحاجة إلى فضله لا معدل و لا ملجأ لهم عنه كالرهائن فى ید المسترهن .

و كذلك الاسارى فى قوله علیه السّلام ( و اسارى ذلّة لعظمته ) و وجه المشابهة كونهم فى مقام الذّلة تحت عظمته كالأسیر بالنسبة إلى عظمة من اسره .

( جرح طول الاسى قلوبهم و طول البكاء عیونهم ) أى صارت قلوبهم و عیونهم مجروحة من طول الحزن و البكاء لما فیهم من مزید الخوف و الخشیة الملازم لكمال المعرفة التى لهم بعظمة الربّ تعالى و عزّته ( لكلّ باب رغبة إلى اللّه منهم ید قارعة ) أراد بأبواب الرّغبة أنواع العبادات و القربات ، و بقرعهم لتلك الأبواب جدّهم فى اقامتها و عدم غفلتهم عنها .

و قال البحرانى : أشار بقرعهم لكلّ باب من أبواب الرّغبة إلى اللّه إلى توجیه أسرارهم و عقولهم إلى القبلة الحقیقیة استشرافا لأنوار اللّه و استتماما لجوده .

( یسألون من لا تضیق لدیه المنادح ) الاتیان بالموصول لزیادة التّقریر أى تقریر الغرض المسوق له الكلام ، فانّ المقصود به الحثّ على سؤاله و التّرغیب إلیه تعالى بالتّنبیه على سعة بحر كرمه وجوده و عدم ضیقه عن سؤال السّائلین و آمال الرّاغبین ، فهو أدلّ على هذا الغرض من أن یقول یسألون اللّه أو یسألون الرّب تعالى و محصّله أنّه عزّ و جلّ لا یفره المنع و الجمود و لا یكدیه الاعطاء و الجود

[ 265 ]

بل لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال و ضحكت عنه أصداف البحار من فلزّ اللّجین و العقیان و نثارة الدرّ و حصید المرجان ما أثرّ ذلك فی جوده و لا أنفد سعة ما عنده و لكان عنده من ذخایر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام لأنّه الجواد الّذى لا یغیضه سؤال السّائلین و لا یبخّله إلحاح الملحّین .

( و لا یخیب علیه الرّاغبون ) و لا ییأس من فضله و كرمه إلاّ الكافرون ( فحاسب نفسك لنفسك ) أى حاسب نفسك الّتی هی أعزّ الأنفس علیك و أحبّها إلیك لأجل منفعة نفسك أى تولّ أنت بنفسك بمحاسبة نفسك قبل أن تحاسب بها ( فانّ غیرها من الأنفس علیها حسیب ) أى محاسب ( غیرك ) یعنی سایر الأنفس الّتی لم یتولّ صاحبها محاسبتها فانّ لها حسیبا یحاسبها ، و هو اللّه ربّ العالمین مالك یوم الدّین أسرع الحاسبین كما قال عزّ شأنه إنّ إلینا إیابهم .

ثمّ إنّ علینا حسابهم و هو القاهر فوق عباده و یرسل علیكم حفظة حتّى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا و هم لا یفرّطون . ثمّ ردّوا إلى اللّه مولاهم الحقّ ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبین .

الترجمة

از جمله كلام آن امام مبین است كه گفته در نزد خواندن آیه شریفه رجال لا تلهیهم تجارة و لا بیع عن ذكر اللّه یعنی تسبیح مى‏كنند خداى تعالى را مردانى كه مشغول نسازد ایشان را تكسّب و نه مبایعه از ذكر پروردگار ، آن بزرگوار در حین خواندن این آیه فرموده :

بتحقیق خداى منزّه از نقص گردانید ذكر خود را صیقل از براى قلبها در حالتى كه مى‏شنوند بسبب آن بعد از سنگینی و كرى ، و مى‏بینند بسبب آن بعد از كورى ، و مطیع میباشند بجهت آن بعد از نافرمانى ، و همیشه بوده از براى خدا در حالتى كه عزیز است نعمتهاى او در زمانى بعد از زمانى ، و در اوقات فترت پیغمبران بندگانى كه راز گوید و نجوى مى‏كند حقتعالى با ایشان در پرده قلبهاى ایشان و سخن مى‏گوید با ایشان در باطن عقلهاى ایشان ، پس كسب روشنى كردند بنور

[ 266 ]

آگاهى در گوشها و چشمها و قلبها بیاد مردم مى‏آورند أیّام أنعام و انتقام خدا را در امّتان گذشته ، و میترسانند مردمان را بشناساندن مقام عظمت و اقتدار او .

و ایشان بمنزله راه نمایندگانند در بیابانها ، هر كسى كه راه راست را پیش بگیرد مدح مى‏كند بسوى او راه او را ، و بشارت مى‏دهند او را بخلاصى از هلاكت ،

و هر كس كه كج شود از راه راست و پیش بگیرد یمین و یسار را مذمّت مى‏كنند بسوى او راه او را ، و میترسانند او را از هلاكت .

پس باشند ایشان باین وصفها چراغان این تاریكیها ، و دلیلان این شبهها و بدرستى كه از براى ذكر خدا أهلى است كه فرا گرفته‏اند آن را عوض از متاع دنیا ، پس مشغول نساخت ایشان را نه كسب و نه مبایعه از آن ذكر مى‏برند و میگذارنند با ذكر اوقات زندگانى دنیا را ، و صدا مى‏كنند با مواعظ مانعه از محرّمات الهى در گوشهاى غافلان ، و امر مى‏كنند بعدالت و گردن مى‏نهند خودشان بآن ، و نهى میكنند از قبیح و باز دارند خودشان را از آن .

پس گویا كه قطع كرده‏اند دنیا را و رسیده‏اند بآخرت و حال آنكه در دنیا باشند ، پس مشاهده كرده‏اند پشت سر دنیا را ، پس گویا كه مطلع گشته‏اند بر پنهانیهاى أهل برزخ درد رازى اقامت و توقف ایشان در آن ، و محقق ساخته قیامت بر ایشان وعدهاى خودش را ، پس برداشتند پردهاى حالات أهل برزخ و قیامت را از براى أهل دنیا بأندازه كه گویا مى‏بینند ایشان چیزى را كه نمى‏بینند مردمان و مى‏شنوند چیزیرا كه نمى‏شنوند مردمان .

پس مصوّر سازى ایشان را بعقل خودت در مقامهاى پسندیده ایشان ، و مجلسهاى برگزیده ایشان كه شهادت گاه ملائكه مقرّبینند در حالتى كه ایشان گشوده باشند دفترهاى عملهاى خودشان را ، و فارغ شده باشند از براى محاسبه نفسهاى خودشان بر هر عملى از عملهاى كوچك و بزرگ كه مأمور شده باشد بآن ، پس تقصیر كرده باشند در آن یا نهى شده باشند از آن پس مساحله كرده باشند در آن و بار كرده باشند گرانى گناهان خودشان را بر پشتهاى خودشان ، پس ناتوان باشند از بلند

[ 267 ]

كردن و برداشتن آن ، پس گریه كنند بآواز بلند غمناك ، و جواب یكدیگر را مى‏دهند با گریه و زارى ، ناله مى‏كنند بسوى پروردگار خود در مقامهاى توبه و پشیمانى ، و اقرار بتقصیر .

هر آینه مى‏بینى علامتهاى هدایت و چراغهاى تاریكى و ظلمت در حالتى كه احاطه كرده باشند بایشان ملائكه‏ها ، و نزول كرده باشد بایشان تمكین و وقار ،

و گشوده باشد از براى ایشان درهاى رحمت آسمان ، و مهیا شده باشد از براى ایشان مجلسهاى كرامت و شرافت در مقامى كه مطلع شده خداى تعالى بر شما در آن مقام ، پس خوشنود شده خدا از سعى و كوشش ایشان ، و پسندیده مقام بندگى ایشان را در حالتى كه استشمام مى‏كنند بسبب دعاى او نسیم عفو و تجاوز را .

ایشان گروهاى فقر و فاقه‏اند بسوى فضل و كرم او ، و اسیرهاى ذلّتند مر بزرگوارى و عزّت او را ، مجروح و زخمدار نموده درازى حزن و اندوه دلهاى ایشانرا و درازى گریه چشمهاى ایشان را از براى هر در رغبت كردن بسوى خدا از ایشانست دست كوبنده ، سؤال مى‏كنند از كسى كه تنگ نمى‏شود در نزد او وسعتهاى كرم وجود ، و نومید نمیگردد بر درگاه نوال او رغبت كنندگان ، پس محاسب باش نفس خودت را از براى نفس خود ، پس بتحقیق كه از براى غیر نفس تو از نفسها محاسبى هست غیر از تو كه أسرع الحاسبین است