[ 223 ] و من كلام له ع قاله عند تلاوته

یا أَیُّهَا اَلْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِیمِ أَدْحَضُ مَسْئُولٍ حُجَّةً وَ أَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ یَا أَیُّهَا اَلْإِنْسَانُ مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ وَ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ وَ مَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ أَ مَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ أَمْ لَیْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ یَقَظَةٌ أَ مَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَیْرِكَ فَلَرُبَّمَا تَرَى اَلضَّاحِیَ مِنْ حَرِّ اَلشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ أَوْ تَرَى اَلْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ یُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِی رَحْمَةً لَهُ فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ وَ جَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ وَ عَزَّاكَ عَنِ اَلْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَ هِیَ أَعَزُّ اَلْأَنْفُسِ عَلَیْكَ وَ كَیْفَ لاَ یُوقِظُكَ خَوْفُ بَیَاتِ نِقْمَةٍ وَ قَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِیهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ اَلْفَتْرَةِ فِی قَلْبِكَ بِعَزِیمَةٍ وَ مِنْ كَرَى اَلْغَفْلَةِ فِی نَاظِرِكَ بِیَقَظَةٍ وَ كُنْ لِلَّهِ مُطِیعاً وَ بِذِكْرِهِ آنِساً وَ تَمَثَّلْ فِی حَالِ تَوَلِّیكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَیْكَ یَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ وَ یَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَ أَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَیْرِهِ فَتَعَالَى مِنْ قَوِیٍّ مَا أَكْرَمَهُ وَ تَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِیفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِیَتِهِ وَ أَنْتَ فِی كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِیمٌ وَ فِی سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ فَلَمْ یَمْنَعْكَ فَضْلَهُ وَ لَمْ یَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَیْنٍ فِی نِعْمَةٍ یُحْدِثُهَا لَكَ أَوْ سَیِّئَةٍ یَسْتُرُهَا عَلَیْكَ أَوْ بَلِیَّةٍ یَصْرِفُهَا عَنْكَ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ وَ اَیْمُ اَللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ اَلصِّفَةَ كَانَتْ فِی مُتَّفِقَیْنِ فِی اَلْقُوَّةِ مُتَوَازِیَیْنِ فِی اَلْقُدْرَةِ لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِیمِ اَلْأَخْلاَقِ وَ مَسَاوِئِ اَلْأَعْمَالِ وَ حَقّاً أَقُولُ مَا اَلدُّنْیَا غَرَّتْكَ وَ لَكِنْ بِهَا اِغْتَرَرْتَ وَ لَقَدْ كَاشَفَتْكَ اَلْعِظَاتِ وَ آذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ وَ لَهِیَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ اَلْبَلاَءِ بِجِسْمِكَ وَ اَلنَّقْصِ فِی قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وَ أَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ وَ لَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ وَ صَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِی اَلدِّیَارِ اَلْخَاوِیَةِ وَ اَلرُّبُوعِ اَلْخَالِیَةِ لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِیرِكَ وَ بَلاَغِ مَوْعِظَتِكَ بِمَحَلَّةِ اَلشَّفِیقِ عَلَیْكَ وَ اَلشَّحِیحِ بِكَ وَ لَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ یَرْضَ بِهَا دَاراً وَ مَحَلُّ مَنْ لَمْ یُوَطِّنْهَا مَحَلاًّ وَ إِنَّ اَلسُّعَدَاءَ بِالدُّنْیَا غَداً هُمُ اَلْهَارِبُونَ مِنْهَا اَلْیَوْمَ إِذَا رَجَفَتِ اَلرَّاجِفَةُ وَ حَقَّتْ بِجَلاَئِلِهَا اَلْقِیَامَةُ وَ لَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ وَ بِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ وَ بِكُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ فَلَمْ یُجْزَ فِی عَدْلِهِ وَ قِسْطِهِ یَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِی اَلْهَوَاءِ وَ لاَ هَمْسُ قَدَمٍ فِی اَلْأَرْضِ إِلاَّ بِحَقِّهِ فَكَمْ حُجَّةٍ یَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ وَ عَلاَئِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا یَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ وَ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ وَ خُذْ مَا یَبْقَى لَكَ مِمَّا لاَ تَبْقَى لَهُ وَ تَیَسَّرْ لِسَفَرِكَ وَ شِمْ بَرْقَ اَلنَّجَاةِ وَ اِرْحَلْ مَطَایَا اَلتَّشْمِیرِ


و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الحادى و العشرون من المختار فى باب الخطب

قاله علیه السّلام عند تلاوته : یا أیّها الانسان ما غرّك بربّك الكریم .

[ 268 ]

أدحض مسئول حجّة ، و أقطع مغترّ معذرة ، لقد أبرح جهالة بنفسه ، یا أیّها الإنسان ما جرّأك على ذنبك ، و ما غرّك بربّك ، و ما آنسك بهلكة نفسك ، أما من دائك بلول ، أم لیس من نومتك یقظة ،

أما ترحم من نفسك ما ترحم من غیرك ، فربّما ترى الضّاحی من حرّ الشّمس فتظلّه ، أو ترى المبتلى بألم یمضّ جسده فتبكی رحمة له ، فما صبّرك على دآئك ، و جلّدك بمصابك ، و عزّاك عن البكاء على نفسك ،

و هی أعزّ الأنفس علیك ، و كیف لا یوقظك خوف بیات نقمة و قد تورّطت بمعاصیه مدارج سطواته ، فتداو من دآء الفترة فی قلبك بعزیمة ، و من كرى الغفلة فی ناظرك بیقظة ، و كن للّه مطیعا ، و بذكره آنسا ، و تمثّل فی حال تولّیك عنه إقباله علیك ، یدعوك إلى عفوه ،

و یتغمّدك بفضله و أنت متولّ عنه إلى غیره .

فتعالى من قویّ ما أكرمه ، و تواضعت من ضعیف ما أجرأك على معصیته و أنت فی كنف ستره مقیم ، و فی سعة فضله متقلّب ، فلم یمنعك فضله ، و لم یهتك عنك ستره ، بل لم تخل من لطفه مطرف عین فی نعمة یحدثها لك ، أو سیّئة یسترها علیك ، أو بلیّة یصرفها عنك ، فما ظنّك به لو أطعته ، و أیم اللّه لو أنّ هذه الصّفة كانت فی

[ 269 ]

متّفقین فی القوّة ، متوازنین فی القدرة لكنت أوّل حاكم على نفسك بذمیم الأخلاق ، و مساوی الأعمال .

و حقّا أقول ما الدّنیا غرّتك ، و لكن بها اغتررت ، و قد كاشفتك العظات ، و آذنتك على سواء ، و لهی بما تعدّك من نزول البلاء بجسمك و النّقص فی قوّتك أصدق و أوفى من أن تكذبك أو تغرّك ، و لربّ ناصح لها عندك متّهم ، و صادق من خبرها مكذّب ، و لئن تعرّفتها فی الدّیار الخاویة و الرّبوع الخالیة لتجدنّها من حسن تذكیرك و بلاغ موعظتك بمحلّة الشّفیق علیك ، و الشّحیح بك ، و لنعم دار من لم یرض بها دارا ، و محلّ من لم یوطّنها محلاّ .

و إنّ السّعدآء بالدّنیا غدا هم الهاربون منها الیوم ، إذ رجفت الرّاجفة ،

و حقّت بجلائلها القیامة ، و لحق بكلّ منسك أهله ، و بكلّ معبود عبدته ، و بكلّ مطاع أهل طاعته ، فلم یجز فی عدله یومئذ خرق بصر فی الهواء ، و لا همس قدم فی الأرض إلاّ بحقّه ، فكم حجّة یوم ذاك داحضة ، و علایق عذر منقطعة ، فتحرّ من أمرك ما یقوم به عذرك ، و تثبت به حجّتك ، و خذ ما یبقى لك ممّا لا تبقى له ، و تیسّر لسفرك ، و شم برق النّجاة ، و ارحل مطایا التّشمیر .

[ 270 ]

اللغة

( دحضت ) الحجة دحضا من باب منع بطلت و یتعدّى بالهمزة فیقال أدحضها اللّه و دحض الرجل زلق و ( برح ) به الضرب اشتدّ و عظم و هذا أبرح من ذاك أى أشدّ و یقال لقد أبرح فلان جهالة و أبرح لوما و أبرح شجاعة ، و قتلوه أبرح قتل أى أشدّه ( و ما آنسك ) من باب الافعال ، و روى أنّسك بالتشدید من باب التفعیل و ( بلّ ) من مرضه یبلّ من باب ضرب بلاّ و بللا و بلولا كقعود برء و حسنت حاله بعد الهزال .

و ( الضاحى ) لحر الشمس البارز یقال ضحى فلان مثل دعى أى برز للشمس و مثل رضى و سعى أیضا أى أصابته الشمس و ( مضضت ) الشى‏ء مضضا من باب تعب تألّمت و یتعدّى بالحركة و الهمزة فیقال مضّه الجرح مضّا و أمضه امضاضا أى آلمه .

و ( الجلادة ) القوّة و الشدّة و الصّلابة ، و جلدك بمصابك أى جعلك جلدا ،

و روى و جلدك على مصائبك بلفظة على و صیغة و الجمع و ( بیات نقمة ) طروقها و النقمة وزان كلمة و نعمة و قرحة المكافات بالعقوبة و الجمع نقم ككلم و عنب و ( التورّط ) الوقوع فى الورطة بسكون الرّاء و هى المهلكة و كلّ أرض مطمئنة لا طریق فیها و ( عزم ) على الشى‏ء و عزمه عزما من باب ضرب عقد ضمیره على فعله و عزم عزیمة اجتهد و جدّ فى أمره و ( الكرى ) وزان عصا النعاس .

و ( الكنف ) محرّكة الجانب و الظل ، و فلان فى كنف اللّه أى فى حرزه و ( الستر ) بالكسر الساتر و بالفتح المصدر و ( طرف ) البصر طرفا من باب ضرب تحرّك ، و طرف العین نظرها و الطرفة المرّة منه و مطرف العین یحتمل المصدر و الزمان و ( العظات ) جمع العظة كالعذاب و هى الموعظة أى ما یلین القلب من ذكر الثواب و العقاب و الوعد و الوعید و فى هذا ( بلاغ ) و بلغة و تبلّغ أى كفایة .

و ( حقّت ) بجلائلها أى ثبتت من حقّ الشى‏ء یحقّ أى ثبت و قال الفیومى :

حقّت القیامة یحقّ من باب قتل أى أحاطت بالخلایق فهى حاقة و قال ابن الأنبارى الحاقة الواجبة حقّ أى وجب یحقّ حقا و حقوقا فهو حاق و قال أمین الاسلام الطبرسى سمّیت القیامة الحاقّة لأنها ذات الحواق من الأمور و هى الصّادقة الواجبة

[ 271 ]

الصّدق لأن جمیع أحكام القیامة واجبة الوقوع صادقة الوجود .

و ( نسك ) اللّه من باب قتل تطوّع بقربة و النّسك بضمّتین اسم منه و المنسك بفتح السّین و كسرها یكون زمانا و مصدرا و مكانا تذبح فیه النّسیكة و هى الذّبیحة و مناسك الحجّ عباداته و قیل مواضع العبادات و ( العبدة ) جمع عابد كمردة و مارد .

( فلم یجز فى عدله ) قال الشّارح المعتزلى قد اختلفت الرّواة فى هذه اللفظة فرواها قوم فلم یجر و هو مضارع جرى تقول ما جرى الیوم فیقول من سألته قدم الأمیر من السفر ، و رواها قوم فلم یجز مضارع جاز یجوز ، و رواها قوم فلم یجر من جار أى عدل عن الطّریق .

و ( الهمس ) الصّوت الخفى و قوله ( فتحرّ من أمرك ) أمر من تحرّیت الشى‏ء قصدته و تحرّیت فى الأمر طلبت أحرى الأمرین و هو أولاهما و ( شام ) البرق یشیمه نظر الیه این یقصد و أین یمطر و ( رحلت ) مطیتى شددت على ظهرها الرّحل و ( شمّر ) تشمیر أمرّ جادا ، و شمّر الثوب دفعه و فى الأمر خف .

الاعراب

قوله تعالى ما غرّك برّبك الاستفهام للانكار على سبیل التوبیخ و التّقریع ،

و یجوز أن یكون للتقریر أى حمل المخاطب على الاعتراف و الاقرار بما یعرفه من جهة الاغترار و علته ، و قوله علیه السّلام : أدحض مسئول حجّة خبر لمبتدء محذوف أى هو أدحض مسئول ، و الضّمیر راجع الى الانسان المغرور ، و حجّة منصوب على التمیز ، و كذلك معذرة و جهالة منصوبتان علیه أیضا .

و قوله : فلربما ترى ، اللاّم للتوكید و ما كافة لربّ عن عمل الخبر و لذلك دخلت على الفعل كما فى قول الشاعر :

ربّما اوفیت فی علم
ترفعن ثوبى شمالات

و قوله : الضّاحى من حرّ الشمس ، فى نسخة الشارحین المعتزلى و البحرانى لحرّ الشمس باللام بدل من و لعلّ الأوّل بناء على كون الضّاحى بمعنى المصیب و الثّانى على كونه بمعنى البارز ، و قوله : و هى أعزّ الأنفس الجملة فى محلّ

[ 272 ]

النّصب على الحال و كذلك جملة و قد تورّطت ، و انتصاب مدارج سطواته إما على المفعول به أو على المفعول فیه و حذف الخافض أى فى مدارج سطواته ، و مطرف عین منصوب على الظرفیّة .

و قوله : یدعوك الى فضله استیناف بیانىّ و لیس حالا كما زعمه الشّارح البحرانى ، و جملة و أنت متول فى موضع النّصب على الحال و قوله حقّا أقول صفة لمصدر محذوف مقدّم على فعله أىّ أقول قولا حقّا ، و قوله كاشفتك العظات بنصب العظات على أنها مفعول به ، و كاشفت بمعنى كشف أى كشفت لك المواعظ أو مفعول بالواسطة أىّ كاشفتك بالعظات و تروى بالرّفع على أنّها فاعل كاشفت و متّهم صفة لناصح و مكذب صفة لصادق .

و قوله : و لنعم داره المخصوص بالمدح محذوف و هو الضّمیر الرّاجع إلى الدّنیا السابق ذكرها على حدّ قوله تعالى إنّا وجدناه صابراً نعم العبد أى هو و الضمیر لأیّوب على نبیّنا و علیه السّلام السّابق ذكره فى قوله و اذكر عبدنا أیّوب و اضافة فاعل نعم إلى غیر المعرّف باللام على حدّ قول الشاعر : فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم .

و دارا و محلا منصوبان على التّمیز ، و الباء فى قوله بجلائلها تحتمل تعدّیه و المصاحبة و الضّمیر فیه راجع إلى القیامة لتقدّمها رتبة و إن تأخرت لفظا و قوله :

خرق بصر ، بالرّفع فاعل یجز إن كان الفعل بصیغة المعلوم كما فى نسخة الشّارح المعتزلى و نایب عن الفاعل إن كان بصیغة المجهول كما حكى عن القطب الراوندى .

و قوله : فكم حجّة یوم ذاك داحضة كم خبریّة بمعنى كثیر اضیفت إلى تمیزها و هى فى محلّ الرّفع على الابتداء ، و یوم ذاك خبرها و داحضة بالجرّ على ما فى النسخ الّتى عندنا صفة لحجّة و لو كانت داحضة بالرفع كفاتت « كذا » هى الخبر و یكون یوم ذاك ظرف لغو متعلّقا بها متقدّما علیها و هذا أنسب لكن النسخ لا تساعد علیه و من فى قوله : ممّا لا تبقى له ، یحتمل البدل كما فى قوله تعالى أرضیتم بالحیوة الدّنیا من الاخرة و یحتمل النشویة أیضا .

[ 273 ]

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام كما نبّه الرّضىّ قدّس سرّه ( قاله ) علیه السّلام ( عند تلاوته ) الآیة الشریفة فى سورة الانفطار یا أیّها الانسان ما غرّك بربّك الكریم و قبل الشروع فى شرح كلامه علیه السّلام ینبغى أن نذكر ما قاله المفسّرون فى تفسیر الآیة فأقول :

لهم فى تفسیر قوله : یا أیها الانسان ، قولان :

أحدهما أنّه الكافر لقوله تعالى بعد ذلك كلاّ بل تكذّبون بالدّین قال عطا عن ابن عبّاس انّها نزلت فى الولید بن المغیرة .

و الثّانى أنّه عامّ لجمیع العصات و هو الأقرب و قوله ما غرّك بربّك أى أىّ شى‏ء خدعك و سوّل لك الباطل حتّى تركت الواجبات و أتیت بالمحرّمات و عصیت خالقك و خالفته ، و المراد ما الّذى آمنك من عقابه یقال غرّه بفلان إذا آمنه المحذور من جهة مع أنّه غیر مأمون و هو كقوله لا یغرّنكم باللّه الغرور .

و اختلف فی معنى الكریم ، فقیل : هو المنعم الّذى كلّ أفعاله إحسان و إنعام لا یجرّ به نفعا و لا یدفع به ضررا ، و قیل : هو الّذى یعطى ما علیه و ما لیس علیه و لا یطلب ماله ، و قیل : هو الّذى یقبل الیسیر و یعطى الكثیر ، و قیل : إنّ من كرمه سبحانه أنّه لم یرض بالعفو عن السّیآت حتى بدّلها بالحسنات .

و اختلفوا فی جهة تخصیص كریمیّته بالذّكر دون سایر أسمائه و صفاته فقیل : لأنّه كأنّه لقّنه الاجابة حتّى یقول : غرّنی كرم الكریم ، و قیل : للمنع عن المبالغة فی الاغترار و الاشعار بما به یغرّه الشّیطان فانّه یقول له افعل ما شئت فانّ ربّك الكریم لا یعذّب أحدا و لا یعاجل بالعقوبة ، و قیل : للّدلالة على أنّ كثرة كرمه مستدعى الجدّ فی طاعته لا الانهماك فى عصیانه اغترارا بكرمه .

و قال فی الكشاف :

فان قلت : ما معنى قوله ما غرّك بربّك الكریم و كیف طابق الوصف بالكرم انكار الاغترار به و انّما یغترّ بالكریم .

[ 274 ]

قلت : معناه أنّ حقّ الانسان أن لا یغترّ لكرم اللّه علیه حیث خلقه حیّا لنفعه و بتفضّله علیه بذلك حتّى ینفع یطمع بعد ما مكّنه و كلّفه فعصى و كفر النّعمة المتفضّل بها أن یتفضّل علیه بالثّواب و طرح العقاب اغترارا ما لتفضّل الأوّل فانّه منكر خارج من حدّ الحكمة و لذا قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا تلاها : غرّه جهله و قال الحسن : غرّه و اللّه شیطانه الخبیث أى زیّن له المعاصى و قال له : افعل ما شئت فربّك الكریم الّذى تفضل علیك بما تفضّل به أوّلا و هو متفضّل علیك آخرا حتّى ورّطه و قیل للفضیل بن عیاض : إن أقامك اللّه یوم القیامة و قال لك :

ما غرّك بربّك الكریم ماذا تقول ؟ قال : أقول : غرّنى ستورك المرخاة و هذا على سبیل الاعتراف بالخطاء فى الاغترار بالسّتر و لیس باعتذار كما یظنّه الطّماع و تظنّ قصاص الحشویة و یروون عن أئمتهم أنّه إنّما قال بربّك الكریم دون سایر صفاته لیلقّن عبده الجواب حتّى یقول : غرّنی كرم الكریم ، انتهى .

و قال الشّارح المعتزلى :

لقائل أن یقول : لو قال : ما غرّك بربّك العزیز أو المنتقم أو نحو ذلك كان أولى لأنّ للانسان المعاتب أن یقول له غرّنی كرمك أو ما وصفت به نفسك .

و جواب هذا أن یقال : إنّ مجموع الصّفات كشى‏ء واحد و هو الكریم الّذى خلقك فسوّیك فعد لك فی أىّ صورة ما شاء ركّبك ، و المعنى ما غرّك برّب هذه صفته و هذه شأنه و هو قادر على أن یجعلك فی أىّ صورة شاء فما الّذى یؤمنك من أن یمسخك فی صورة القرد أو الخنازیر و نحوها من الحیوانات العجم ، و معنى الكریم ههنا الفیّاض على الموادّ بالصّور ، و من هذه صفته ینبغى أن یخاف منه تبدیل الصّورة .

إذا عرفت ذلك فلنشرع فی شرح كلامه علیه السّلام فأقول قوله ( أدحض مسئول حجّة ) أى الانسان المخاطب بخطاب یا أیّها الانسان و المسئول المعاتب بعتاب ما غرّك إن أراد الجواب عن ذلك الخطاب و الاحتجاج و الاستدلال فی قبال ذلك السؤال و الاعتراض فحجّته أبطل الحجج و أزیفها


[ 275 ]

و ذلك لأنّه إن قال فی مقام الجواب ، غرّنى كرمك فهو جواب سقیم لأنّ كثرة الكرم و التفضّل و الاحسان تقتضى الجدّ و الاجتهاد فی العبودیّة و العبادة و الشكر و الطّاعة لا الاغترار و الكفران و التّوانى و الخلاف و العصیان .

و إن قال : غرّنى الشّیطان فیقال له : ألم أعهد إلیكم یا بنى آدم أن لا تعبدوا الشّیطان إنّه لكم عدوّ مبین و أن اعبدونى هذا صراط مستقیم .

و إن قال : غرّنى جهلى فیقال له : أفلم ارسل إلیكم المرسلین مبشّرین و منذرین و علّمتكم الأحكام و التكالیف بما انزلت فى صحف الأوّلین و زبر الآخرین كیلا تقولوا إنّا كنّا عن هذا غافلین .

( و ) بذلك ظهر أیضا أنّه ( أقطع مغتر معذرة ) یعنى أنّه إن اعتذر عن اغتراره بعذر من المعاذیر السّابقة و ما ضاهاها فعذره أقطع الأعذار و أسقطها عن درجة الاعتبار كما قال عزّ من قائل فیومئذ لا ینفع الذّین ظلموا معذرتهم و لا هم یستعتبون .

( لقد أبرح جهالة بنفسه ) أى اشتدّ بنفسه من حیث الجهالة ، قیل : الجهالة اختیار اللّذة الفانیة علی اللّذة الباقیة ، و قیل : اجتمعت الصّحابة على أنّ كلّ ما عصى اللّه به فهو جهالة و كلّ من عصى اللّه فهو جاهل ( یا أیّها الانسان ما جرّاك على ذنبك و ما غرّك بربّك و ما آنسك بهلكة نفسك ) هذه الاستفهامات الثلاثة واردة فی معرض التّوبیخ و الانكار على أسباب الجرءة و الاغترار و الانس بالقاء النفس فی الهلكات و توریطها فی الموبقات قال الشارح البحرانى و یحتمل أن یكون قوله :

ما آنسك تعجّبا .

( أما من دائك بلوى أم لیس من نومتك یقظة أما ترحم من نفسك ما ترحم من غیرك ) هذه الاستفهامات كسابقتها أیضا واردة فی مقام الانكار و التقریع لكنّها لدخولها على النفى تفید العرض و الطلب أى طلب البراءة من داء الذنوب و أسقام الآثام و الانتباه من نومة الغفلة و الجهالة و الترحّم و العطوفة للنفس مثل الترحّم و العطف للغیر و حاصله أنه لا ینبغی لك عدم البراءة و الیقظة و الرّحمة .

[ 276 ]

و أوضح ترحّمه للغیر بقوله ( فلربّما ترى الضاحى من حرّ الشمس فتظلّه ) أى ترى من أصابته حرارتها و تأذّى بها فتظلّه بالظلال ترحّما و تلطفا و دفعا للاذى عنه ( أو ترى المبتلى بألم یمضّ جسده ) أى یولمه ( فتبكى رحمة له ) و إذا كان هذا شأنك مع الغیر فما بالك فی نفسك حیث تركت نصحها و ملاحظتها .

( فما صبرك على دائك ) الدّوى ( و جلدك بمصابك ) العظیم ( و عزاك ) أى سلاك ( عن البكاء على نفسك و هى أعزّ الأنفس علیك ) و أحبّها إلیك ( و كیف لا یوقظك ) من نومك ( خوف بیات نقمة ) و مفاجات عقوبة ، و أصل البیات أن یقصده بالعدوّ فی اللّیل من غیر أن یشعر فیأخذه بغتة فاستعیر لنزول العذاب فیها قال تعالى أفأمن أهل القرى أن یأتیهم بأسنا بیاتاً و هم نائمون .

و قوله ( و قد تورّطت بمعاصیه مدارج سطواته ) أى وقعت باكتساب آثامه فی فی ورطاة الهلكات و صعدت مدارج السطوات و السخطات و التعبیر بالمدارج نظرا إلى اختلاف المعاصى و كون بعضها فوق بعض من حیث الصغر و الكبر الموجب لتفاوت مراتب السطوة و درجات السخطة من حیث الضّعف و الشدّة .

و یحتمل أن یكون المراد بالمدارج الطرق نحو ما فى الحدیث : إیاكم و التعریس فی بطون الأودیة فانها مدارج السّباع تأوى إلیها ، قال الطریحى هی جمع مدرج بفتح المیم الطریق و المعنى الأوّل ألطف .

( فتداو من داء الفترة فی قلبك بعزیمة ) أى عالج من مرض الفتور و الضعف و الانكسار الذى فی قلبك بدواء الجدّ و العزم على العبودیّة و الطاعة ( و من كرى الغفلة فی ناظرك بیقظة ) أى من نوم الغفلة فی ناظر بصیرتك عن الذكر و الفكر بالتنبیه و الیقظة .

( و كن للّه مطیعا ) و هى أعنى الطاعة نتیجة العزیمة ( و بذكره آنسا ) و هو أعنى الذكر ثمرة الیقظة ( و تمثل فی حال تولیك عنه إقباله علیك ) أى تصوّر إقباله تعالى علیك بالفضل و الاحسان و الكرم و الامتنان فی حال اعراضك عنه و المقابلة لذلك بالكفران و المخالفة و العصیان كما أوضحه بقوله ( یدعوك إلى عفوه ) بما

[ 277 ]

أنزله فی كتابه من قوله ادعونی أستجب لكم و قوله أجیب دعوة الدّاع إذا دعان و نحوه ( و یتغمّدك بفضله ) و كرمه ( و أنت متولّ ) و معرض ( عنه إلى غیره ) تعالى و مقبل إلى الدّنیا و راكن إلیها و منهمك فی لذّاتها و شهواتها .

( فتعالى من قوىّ ) و قادر على مؤاخذتك ( ما أكرمه ) و أجزل إحسانه و فی بعض النسخ ما أحلمه أى صفحه عنك ( و تواضعت من ضعیف ) و حقیر ( ما أجرأك ) و أعظم كفرانك و جار لك ( على معصیته ) و مخالفته ( و أنت فی كنف ستره مقیم ) حیث ستر من شنایع أعمالك و قبایح ذنوبك ما لو كشف عن أدناها لافتضحت ( و فی سعة فضله متقلّب ) حیث أسبغ علیك من نعمه الجسام و آلائه العظام ما لو شكرت على أقلّ قلیلها لعجزت .

( فلم یمنعك فضله ) بكفرانك ( و لم یهتك عنك ستره ) بطغیانك ( بل لم تخل من لطفه ) و برّه ( مطرف عین ) أى مقدار حركة البصر ( فی نعمة یحدثها لك أو سیئة یسترها علیك أو بلیة یصرفها عنك ) و هذا تفصیل ضروب ألطافه تعالى الخفیّة و الجلیة .

و الغرض من قوله علیه السّلام : فتمثّل إلى هنا تذكیر المخاطبین بعوائد نعمه و موائد كرمه و جمیل آلائه و جزیل نعمائه و عموم نواله فی حقّهم ، مع ما هم علیه من الغفلة و الاعراض حثّا لهم بذلك على المداومة بالذكر و الطاعة ، و التنبّه من نوم الغفلة و الجهالة ، و المواظبة على دعائه و مناجاته بنحو ما فی دعاء الافتتاح :

فكم یا إلهی من كربة قد فرّجتها ، و هموم قد كشفتها ، و عثرة قد أقلتها ،

و حلقة بلاء قد فككتها ، اللهمّ إنّ عفوك عن ذنبى و تجاوزك عن خطیئتی و صفحك عن ظلمی و سترك على قبیح عملی و حلمك عن كثیر جرمی عند ما كان من خطائى و عمدى أطمعنى فى أن أسألك ما لا أستوجبه منك ، فلم أر مولا كریما أصبر على عبد لئیم منك علىّ یا ربّ إنك تدعونی فأولّى عنك و تتحبّب إلىّ فأتبغض إلیك و تتودّد إلىّ فلا أقبل منك ، كأنّ لى التطوّل علیك فلم یمنعك ذلك من الرّحمة بی و الاحسان إلىّ و التفضّل علىّ بجودك و كرمك .

[ 278 ]

هذا كلّه فضله و لطفه و احسانه علیك مع عصیانك و طغیانك ( فما ظنك به لو أطعته ) و كیف یؤیسك من كرمه مع طاعتك و قد قال و من یتّق اللّه یجعل له مخرجا و یرزقه من حیث لا یحتسب أم كیف یحرمك من نعمه مع توكّلك علیه و قد قال و من یتوكّل على اللّه فهو حسبه أم كیف ینقص عطائه و حبائه مع شكرك و ذكرك و قد قال لئن شكرتم لأزیدنّكم .

ثمّ أكّد جذبهم إلى التّعبد و الطاعة بأبلغ بیان و أحسن تقریر و عبارة فقال ( و أیم اللّه لو أنّ هذه الصّفة ) الّتی ذكرت من إقبال اللّه علیك و تولّیك عنه ( كانت فی ) متماثلین من الناس ( متّفقین فی القوّة متوازنین فی القدرة ) متساویین فی الدّرجة و الرّتبة و كنت أنت أحدهما ( لكنت ) لو أنصفت ( أوّل حاكم على نفسك بذمیم الأخلاق و مساوى الأعمال ) حیث إنّه أقبل و تولّیت ، و تحبّب و تعادیت ،

و وصلك فقطعت ، و تدانى فتباعدت فكیف إذا كان الطرف المقابل هو اللّه القاهر القادر مالك الملوك ربّك و ربّ العالمین كلّهم ، فحكومتك على نفسك و تعزیرك علیها حینئذ أولى و أحجى .

ثمّ لما كان منشاء اغترار الغافلین العصات المخاطبین المسؤولین بخطاب ما غرّك بربّك الكریم و علّة إعراضهم عنه تعالى و تولّیهم عن ذكره عزّ و جلّ هو الاغترار بالدّنیا و الافتتان بشهواتها و لذّاتها و امنیّاتها حسبما یشهد به التّجربة و الوجدان و نطق به القرآن فى قوله و غرّتكم الأمانى حتّى جاء أمر اللّه و غرّكم باللّه الغرور و قوله اتّخذتم آیات اللّه هزواً و غرّتكم الحیوة الدّنیا فالیوم لا یخرجون منها و لا هم یستعتبون و غیره من الآیات الكریمة .

نبّه على وهن هذه العلّة و ضعفها بقوله ( و حقّا أقول ما الدّنیا غرتك ) یعنى انها لیست علّة تامّة قویّة للاغترار ( و لكن ) علّة مادّیة ضعیفة سخیفة بنقصان عقلك ( بها اغتررت ) كما اغترّ بها كلّ ناقص العقل فاتّصافك بالاغترار بها حقیقة و اتّصافها بالغرور لك مجاز و إسناد الأول إلیك أصدق و أجدر من إسناد الثانى إلیها .

و أوضح عدم كونها سببا تامّا للغرور بالتّنبیه على اتّصافها بضدّه من النصح

[ 279 ]

و الموعظة فقال ( و ) ل ( قد كاشفتك العظات ) أى وعظتك جهارا بالمواعظ البالغة و النصایح الكاملة من تقلّباتها و تصاریفها بأهلها و فنائها و زوالها و غیرها فلم یكن أحد منها فی حبرة إلاّ أعقبته بعدها عبرة ، و لم یلق من سرّائها بطنا إلاّ منحته من ضرّائها ظهرا ، و إن جانب منها اعذوذب و أحلى أمرّ منها جانب فأوبى لا ینال امر من غضارتها رغبا إلاّ أرهقته من نوائبها تعبا ، و لا یمسو منها فی جناح أمن الاّ أصبح على قوادم خوف .

و حسبك من عظاتها النظر فی السلف الماضین من الاخوان و الأقربین الّذین أرهقتهم المنایا دون الآمال ، و شذبهم عنها تخرّم الآجال ، حملوا إلى و هدة القبور بعد سكنى القصور ، و جعل من الصّفیح أجنان ، و من التراب أكفان و من الرّفات جیران ، جمیع و هم آحاد ، و جیرة و هم أبعاد . متدانون لا یتزاورون ،

و قریبون لا یتقاربون ، إلى غیر تلك ممّا لا حاجة إلى ذكرها .

( و آذنتك على سوآء ) اى أعلمتك مساویها و معایبها و مآل أمرها على عدل و صدق و صواب من دون جیف و میل و زیغ عن مستقیم طریق الصدق .

( و ) اقسم باللّه تعالى حقّا ( لهى بما تعدك من نزول البلاء بجسمك ) و بسرعة الآفة إلى جسدك ( و النقص فی قوّتك ) و الضعف و الانحلال فی قواك ( أصدق و أوفی ) بوعدها ( من أن تكذبك أو تغرّك ) و تخلف المیعاد ( و لرّب ناصح لها عندك متّهم و صادق من خبرها مكذّب ) أى كم من ناصح و واعظ من عبرتها و عظاتها هو متّهم عندك فی نصحه فلا تقبل قوله و لا تلتفت إلى نصحه لكونه خلاف هوى نفسك ،

و كم من صادق من اخباراتها الصّادقة هو مكذّب لدیك أى تكذبه لكون خبره منافیا لرأیك مكروها لطبعك .

و حاصله أنّ العبر الدّنیویة ترشدك إلى الخیر و الصلاح و حسن العاقبة و أنت فی غفلة منها أو متوجّه إلیها ، و لكنّك معرض عنها لاستكراه نفسك لها و مضادّتها لشهواتك و امنیّاتك الحاضرة .

و نبّه علیه السّلام على خطاء المخاطب فی الاتّهام و التكذیب و أنّ خبرها على

[ 280 ]

وجه الصّدق و الصواب و نصحها عن وجه الشفقّة و الصداقة بقوله ( و لئن تعرّفتها ) أى طلبت معرفة حالها فی الصدق و الكذب و استخبرت نصحها و غشّها ( فی الدّیار الخاویة ) اى الساقطة او الخالیة من اسكانها ( و الرّبوع الخالیة ) أى المنازل الخالیة من أهلها ( لتجدّنها من حسن تذكیرك و بلاغ موعظتك ) أى موعظتها الكافیة ( بمحلّة الشفیق علیك ) العطوف الرؤوف بك حیث لم تألوك نصحا و لم تكذب فی تذكیرها و لم تغشّ فی نصحها ( و ) بمنزلة ( الشحیح بك ) أى البخیل بأن تصیبك ما یسوؤك و یكون مآل أمرك مآل أمر الغافلین الهالكین من عذاب النّار و سخط الجبّار .

( و لنعم دار من لم یرض بها دارا ) بل جعلها ممرّا لمقرّه ( و محلّ من لم یوطنها محلا ) بل جعلها مجازا إلى مأواه .

و هؤلاء هم السّعداء المتقون المنتفعون بما فیها من العبر المشار إلیهم بقوله ( و إنّ السّعداء بالدّنیا غدا هم الهاربون منها الیوم ) قال الشّارح البحرانی : وجه سعادتهم بها استثمارهم للكمالات المعدّة فی الآخرة منها و لن یحصل ذلك إلاّ بالهرب منها الیوم و كنّى بالهرب منها عن الاعراض الحقیقى عن لذّاتها و التّباعد من اقتنائها لذاتها لاستلزام الهرب عن الشی‏ء التباعد عنه و الزّهد فیه ، و ظاهر أنّ التباعد منها بالقلوب إلاّ ما دعت الضرورة إلیه و اتّخاذها مع ذلك سببا إلى الآخرة من أسباب السّعادة و مستلزماتها .

كما أشار إلیه سیّد المرسلین علیه السّلام من حاله فیها بقوله : ما أنا و الدّنیا إنّما مثل فیها كمثل راكب سار فی یوم صایف فرفعت له شجرة فنزل فقعد فى ظلّها ساعة ثمّ راح فتركها ، هذا .

و لمّا نبّه علیه السّلام على أنّ أهل السعادة غدا هم الهاربون منها الیوم فسّر مراده بالغد بقوله ( إذ رجفت الرّاجفة ) أى تحرّكت بتردید و اضطراب و الرّجفة الزّلزلة العظیمة الشدیدة و هو اقتباس من الآیة الشریفة یوم ترجف الرّاجفة .

تتبعها الرّادفة قال بعض المفسّرین : معناها یوم تضطرب الأرض اضطرابا شدیدا

[ 281 ]

و تحرّك تحرّكا عظیما یعنى یوم القیامة تتبعها الرّادفة اى اضطرابة اخرى كاینة بعد الأولى فی موضع الرّدف من الراكب .

( و حقّت بجلائلها القیامة ) أى أهاویلها الجلیلة و دواهیها العظیمة الشدیدة ( و لحقّ بكلّ منسك أهله و بكلّ معبود عبدته و بكلّ مطاع أهل طاعته ) أشار إلى لحوق كلّ نفس یوم القیامة بما و من تحبّه و تهویه من عمل الصالح و السّی‏ء و معبوده الحقّ و الباطل .

و الیه الاشارة فی النّبوی : یحشر المرء مع من أحبّ و لو أحبّ أحدكم حجرا لحشر معه ، و فی قوله تعالى یوم نحشر المتّقین إلى الرّحمن وفداً .

و نسوق المجرمین إلى جهنّم ورداً .

فان كان عمل المرء فی الدّنیا للّه و معبوده هو اللّه و هواه فى اللّه فحشره یوم القیامة مع أولیاء اللّه الّذین لا خوف علیهم و لا هم یحزنون .

و ان كان عمله لغیر اللّه و معبوده سوى اللّه و محبّته لأعداء اللّه فحشره معهم و مع الشیاطین كما قال تعالى و من یعش عن ذكر الرّحمن نقیّض له شیطانا فهو له قرین .

و انّهم لیصدّونهم عن السبیل و یحسبون أنّهم مهتدون . حتّى إذا جائنا قال یا لیت بینى و بینك بعد المشرقین فبئس القرین .

فان قیل : إذا كان یلتحق بكلّ معبود عبدته و بكلّ مطاع أهل طاعته فالتحاق النصارى إذا بعیسى و الغلاة بأمیر المؤمنین علیه السّلام و كذلك عبدة الملائكة فما تقول فی ذلك .

قیل : معنى الالتحاق أن یؤمر الاتباع فی الموقف بالتمیّز إلى الجهة الّتی فیها الرّؤساء ، ثمّ یقال للرؤساء أهؤلاء أتباعكم و عبدتكم فحینئذ یتبرّؤن منهم فینجو الرّؤساء و تهلك الاتباع كما قال سبحانه و یوم یحشرهم جمیعاً ثمّ یقول للملائكة أهؤلاء ایّاكم كانوا یعبدون . قالوا سبحانك أنت ولیّنا من دونهم بل كانوا یعبدون الجنّ اكثرهم بهم مؤمنون .

أقول : و أوضح دلالة من هذه الآیة قوله سبحانه فی سورة الفرقان و یوم یحشرهم و ما یعبدون من دون اللّه فیقول ءانتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلّوا السبیل

[ 282 ]

قالوا سبحانك ما كان ینبغی لنا أن نتّخذ من دونك من اولیاء و لكن متّعتهم و آبائهم حتّى نسوا الذّكر و كانوا قوما بوراً . فقد كذّبوكم بما تقولون فما تستطیعون صرفاً و لا نصراً .

قال أمین الاسلام الطبرسیّ فى تفسیرها أى یجمعهم و ما یعبدون یعنى عیسى و عزیر و الملائكة « فیقول » لهؤلاء المعبودین « ءانتم أضللتم عبادى أم هم ضلّوا السبیل » أى طریق الجنّة و النجاة « قالوا » یعنى المعبودین « سبحانك » یعنى تنزیها لك عن الشریك و عن أن یكون معبودا سواك « ما كان ینبغی لنا أن نتّخذ » بضمّ النون و فتح الخاء فی روایة الصادق علیه السّلام و زید بن علىّ و أكثر القراء بفتح النون و كسر الخاء « من دونك من أولیاء » أى لیس لنا أن نوالى أعداءك بل أنت ولیّنا من دونهم ، و قیل : معناه ما كان یجوز لنا و للعابدین و ما كان یحقّ لنا أن نأمر أحدا بأن یعبدنا و لا یعبدك فانا لو أمرناهم بذلك لكنّا و الیناهم و نحن لا نوالى من یكفر بك ، و من قرء نتّخذ فمعناه ما كان یحقّ لنا أن نعبد « و لكن متّعتهم و آبائهم حتّى نسوا الذّكر » معناه و لكن طوّلت أعمارهم و أعمار آبائهم و متّعتهم بالأموال و الأولاد بعد موت الرّسل حتّى نسوا الذّكر المنزل على الأنبیاء و تركوه « و كانوا قوما بورا » أى هلكى فاسدین .

هذا تمام الحكایة عن قول المعبودین من دون اللّه سبحانه فیقول اللّه سبحانه عند تبرّء المعبودین من عبدتهم « فقد كذّبوكم » أى كذّبكم المعبودون أیّها المشركون « بما تقولون » أى بقولكم إنّهم آلهة شركاء للّه « فما تستطیعون صرفا و لا نصرا » أى فما یستطیع المعبودین صرف العذاب عنكم و لا نصرا لكم بدفع العذاب عنكم ، هذا .

و قوله ( فلم یجر فی عدله یومئذ خرق بصر فی الهواء و لا همس قدم فی الأرض إلاّ بحقّه ) قد عرفت اختلاف الرّوایات فی قوله فلم یجر .

فعلی كونه مضارع جرى فمعناه فلم یكن و لم یتحدد فی دیوان حسابه ذلك الیوم صغیر و لا حقیر إلاّ بالحقّ و الانصاف ، و هذا مثل قوله تعالى لا ظلم الیوم

[ 283 ]

إنّ اللّه قد حكم بین العباد .

و على كونه مضارع جاز فالمعنى أنّه لم یسغ و لا یرخّص ذلك الیوم لأحد من المكلّفین فی حركة من الحركات المحقّرات المستصغرات إلاّ إذا كانت قد فعلها بحقّ .

و على كونه مضارع جار بالرّاء المهملة فالمعنى أنّه لم یذهب عنه سبحانه و لم یضلّ و لم یشذّ عن حسابه شی‏ء من محقرات الامور إلاّ بحقّه أى إلاّ ما لا فایدة فی اثباته و المحاسبة علیه نحو الحركات المباحة هكذا فی شرح المعتزلی .

و یظهر من بعض الشروح روایة رابعة و هو كونه مضارع جزى بالزّاء المعجمة بصیغة المجهول حیث قال : قوله فلم یجز فی عدله آه أى لا یجزى أحد یومئذ و لا یكافئ إلاّ بما یستحقّه من الثّواب و العقاب .

و على هذه الرّوایة فیكون مساقه مساق قوله تعالى فالیوم لا تظلم نفس شیئاً و لا تجزون إلاّ ما كنتم تعملون و على أىّ تقدیر فالغرض الاخبار عن عموم عدله تعالى فی مظالم النّاس على أنفسهم و على غیرهم ، و قد مضی فی شرح الخطبة المأة و الخامسة و السّبعین ما ینفعك ذكراه فی هذا المقام .

( فكم حجّة یوم ذاك داحضة ) أى لم یبق للنّاس على اللّه حجّة بعد الرّسل و إنّما هلك من هلك عن بیّنة و حیّ من حیّ عن بیّنة ( و علائق عذر منقطعة ) فلا ینفع الّذین ظلموا معذرتهم و لا هم یستعتبون .

( فتحرّ من أمرك ما یقوم به عذرك و تثبت به حجّتك ) أى اطلب و اعتمد من أمورك و أفعالك فی الدّنیا ما به قوام اعذارك المقبولة یوم القیامة و ما به ثبات حججك الصحیحة یومئذ و هو أمر بتحصیل الكمالات النّفسانیة و مواظبة التّكالیف الشّرعیّة و ملازمة سنن الشّریعة ، إذ الأعذار الشّرعیة مقبولة البتة و كذلك الحجج البرهانیّة الموافقة لأساس الشّریعة .

( و خذ ما یبقى لك ) و هو الآخرة و نعیمها الباقی ( ممّا لا تبقى له ) و هو الدّنیا

[ 284 ]

و نعیمها الفانی كما قال علیه الصّلاة و السّلام فی الدّیوان :

فلا الدّنیا بباقیة لحىّ
و لا حىّ على الدّنیا بباق

و المراد أخذ الآخرة عوضا من الدّنیا أو تحصیلها فیها فانّ الفوز بالسّعادة الدّائمة إنّما یحصل بالقیام على التكالیف فی دار الدّنیا لأنّها دار التكلیف و الآخرة دار الجزاء ، و هذه الفقرة نظیر قوله علیه السّلام فی الكلام المأتین و الثّانی : فخذوا من ممرّكم لمقرّكم .

و فی الاتیان بالموصول من دون أن یقول و خذ الآخرة من الدّنیا تأكید للغرض المسوق له الكلام و حثّ على شدّة الأخذ ( و تیسّر لسفرك ) و هو أمر بتهیّة الزّاد لسفر الآخرة و الاستعداد للمعاد و خیر الزّاد الزّهد و التّقوى ( و شم برق النّجاة ) أى انظر إلى لوامع الأنوار الالهیّة و بوارق النّجاة الّتی تنجیك من الظّلمات و مهاوى الهلكات ( و ارحل مطایا التشمیر ) و الجدّ إلى الجهة التى أنت متوجّه إلیها و هو أمر بالاجتهاد فی العمل لما بعد الموت ، قال البحرانی استعار لفظ المطایا لآلات العمل و لفظ الارحال لاعمالها .

الترجمة

از جمله كلام نصایح أنجام آن امام است كه فرمود آن را در وقت تلاوت كردن آیه شریفة یا أیّها الانسان ما غرّك بربك الكریم یعنى اى فرزند آدم چه چیز مغرور ساخت تو را بپروردگار تو كه موصوفست بجود و كرم ، آنحضرت بعد از تلاوت آیه كه انسان مخاطب بخطاب این آیه است فرمود :

باطل ترین سؤال شدگانست از حیثیّت حجّت و دلیل ، و بریده‏ترین فریفته شدگان است از حیثیّت عذرخواهى ، هر آینه شدّت نموده بنفس خود از حیثیّت نادانی ، اى انسان چه چیز جرى و جسور نمود تو را بر گناه خودت ، و چه چیز مغرور ساخت تو را به پروردگار خودت ، و چه چیز انس داد تو را به هلاكت نفس خودت آیا نیست از درد گناه تو بهبودى ، آیا نیست از خواب غفلت تو بیدارى ، آیا رحم

[ 285 ]

نمى‏كنى بر نفس خود بقرارى كه رحم میكنى بر غیر خود 1 هر آینه بسیار است كه مى‏بینى شخصى را در آفتاب پس بر او از رحمت سایه كنى ، یا مى‏بینى شخصى بألم مبتلا شده مثل زخمى و بثره كه در مى‏آورد و میسوزاند تن او را پس از ترحّم بر او گریه كنى ، پس چه چیز صابر ساخته است ترا بر درد و مرض تو ، و قوى كرده است ترا بر مصیبتهاى تو ، و خرسند كرده است ترا از گریستن بر نفس خود كه بچنین بلا گرفتار است و آن عزیزترین جانهاست بر تو و چگونه بیدار نمیكند ترا ترس شبیخون خشمهاى خدا و حال آنكه در آمده بسبب معاصى در ورطه مسالك سطوات او تعالى .

پس دوا پذیر از این درد سستی كه در دل مرده دارى بجدّ و جهد و قوّت عزمی و از خواب غفلت كه در چشم گران خواب دارى به بیدارى و هشیارئى ، و باش خدایرا فرمان برنده و بیاد او انس گیرنده ، و ممثل گردان پیش نظر خویش در حالى كه روى گردانیده از خداوند تعالى اقبال او را بر تو ، مى‏خواند ترا بعفو خود ، و میپوشاند تو را بفضل خود ، و تو روى گردانیده از او بسوى غیر او و اقبال نمى‏كنى بر او .

پس بلند است خداى توانا چه حلیم است ، و پستى بنده ضعیف چه دلیرى بر معصیت خدا و حال آنكه در پناه عفو او اقامت كننده ، و در فراخى فضل او گردنده و رونده ، پس منع نكرد ترا با اینحال از فضل خود ، و ندرید از تو پرده عفو خود را بلكه خالى نبودى از آثار لطف او یك چشم زدن در نعمتى كه احداث میكند براى تو ، یا بدئى كه میپوشد بر تو ، یا بلائی كه بازمیگرداند از تو با نافرمانى پس چه گمان دارى بأو تعالى اگر اطاعت كنى او را .

و بخدا قسم اگر آنكه این صفت در دو شخص موافق در قوّت یكسان در قدرت میبود و این معامله با مثل خود بشرى میكردى هر آینه بودى تو أوّل حكم كننده بر خود بأخلاق نكوهیده و أعمال ناپسندیده ، و حق میگویم نه دنیا تو را فریب

-----------
( 1 ) چون تتمه ترجمه در أصل نسخه بیاض بود لذا ما بقیه آنرا از شرح نهج البلاغه فاضل متبحر ملا صالح قزوینی قدّس اللّه روحه نقل كردیم . « مصحح » .

[ 286 ]

دارد بلكه تو بأو فریفته گشتی ، و او هر آینه روشن كرد براى تو پندها و اعتبارها ،

و اعلام نمود براستى بیخلاف و جفا .

و این دنیا باین وعدها كه ترا میدهد بنزول بلا بر جسمت و نقصان قوتت و شكستنی بنیان جانب راستگوتر و وفا كننده‏تر است از آن كه دروغ گوید با تو یا غدر كند و بفریبد ترا ، و بسا ناصح مر دنیا را كه نزد تو متّهم است و نصیحت او باور ندارى و خبر راست از او كه دروغ شمارى .

و اگر خبر بگیرى از دنیا در دیار او كه خراب مانده است ، و منازل او كه از أهل آن خالى مانده است هر آینه مییابى او را از راه موعظت نیكو و پند بلیغ كه ترا داده است بمنزلت پدر مهربان است و بخیل است بتو ، و خوب سرائیست دنیا براى كسى كه راضى نشود بآن كه سراى خود داند ، و خوب محلى است براى كسى كه آن را محل وطن نسازد .

و بدرستى نیكبختان بدنیا فردا ایشانند كه میگریزند امروز از دنیا ، روزى كه بلرزد زمین و ثابت گردد بوقایع جلیله قیامت ، و ملحق شود بهر عبادت و دینى أهل آن و بهر معبودى عابدان آن عابدان أصنام به أصنام و عابدان أنام به أنام و عابدان حق بمعبود خویش و ملحق شود بهر طاعت برده شده طاعت بران او .

پس جزا داده نشود یا نگذرد یا جارى نگردد در عدل و داد خداوند عباد آن روز نفوذ نظرى در هوا ، و نه نرم گذاشتن قدمى در زمین مگر بحق آن ، پس بسا حجّتها كه آن روز باطل گردد ، و عذرها كه شخص بآن در آویخته بود منقطع گردد .

پس طلب كن از كار خود براى مصلحت آن روز آنچه قائم شود بآن عذر تو و ثابت گردد حجّت تو ، و فرا گیر آنچه را باقی میماند براى تو از آنچه باقی نمیمانى تو براى آن ، آماده و مهیا شو براى سفر خود ، و نظر كن برق نجات از كجا میزند و بكجا میرود و بر كجا میبارد ، و بار بر نه شتران چالاك شدن و راه پیمودن را .