[ 224 ] و من كلام له ع یتبرأ من الظلم

وَ اَللَّهِ لَأَنْ أَبِیتَ عَلَى حَسَكِ اَلسَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِی اَلْأَغْلاَلِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ اَلْعِبَادِ وَ غَاصِباً لِشَیْ‏ءٍ مِنَ اَلْحُطَامِ وَ كَیْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ یُسْرِعُ إِلَى اَلْبِلَى قُفُولُهَا وَ یَطُولُ فِی اَلثَّرَى حُلُولُهَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ رَأَیْتُ عَقِیلاً وَ قَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اِسْتَمَاحَنِی مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَ رَأَیْتُ صِبْیَانَهُ شُعْثَ اَلشُّعُورِ غُبْرَ اَلْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ وَ عَاوَدَنِی مُؤَكِّداً وَ كَرَّرَ عَلَیَّ اَلْقَوْلَ مُرَدِّداً فَأَصْغَیْتُ إِلَیْهِ سَمْعِی فَظَنَّ أَنِّی أَبِیعُهُ دِینِی وَ أَتَّبِعُ قِیَادَهُ مُفَارِقاً طَرِیقَتِی فَأَحْمَیْتُ لَهُ حَدِیدَةً ثُمَّ أَدْنَیْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِیَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِیجَ ذِی دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا وَ كَادَ أَنْ یَحْتَرِقَ مِنْ مِیسَمِهَا فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ اَلثَّوَاكِلُ یَا عَقِیلُ أَ تَئِنُّ مِنْ حَدِیدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَ تَجُرُّنِی إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ أَ تَئِنُّ مِنَ اَلْأَذَى وَ لاَ أَئِنُّ مِنْ لَظَى وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِی وِعَائِهَا وَ مَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِیقِ حَیَّةٍ أَوْ قَیْئِهَا فَقُلْتُ أَ صِلَةٌ أَمْ زَكَاةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَیْنَا أَهْلَ اَلْبَیْتِ فَقَالَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ وَ لَكِنَّهَا هَدِیَّةٌ فَقُلْتُ هَبِلَتْكَ اَلْهَبُولُ أَ عَنْ دِینِ اَللَّهِ أَتَیْتَنِی لِتَخْدَعَنِی أَ مُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ أَمْ تَهْجُرُ وَ اَللَّهِ لَوْ أُعْطِیتُ اَلْأَقَالِیمَ اَلسَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِیَ اَللَّهَ فِی نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِیرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ وَ إِنَّ دُنْیَاكُمْ عِنْدِی لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِی فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِیٍّ وَ لِنَعِیمٍ یَفْنَى وَ لَذَّةٍ لاَ تَبْقَى نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ اَلْعَقْلِ وَ قُبْحِ اَلزَّلَلِ وَ بِهِ نَسْتَعِینُ


[ 287 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الثانى و العشرون من المختار فى باب الخطب

ملتقط من كلام طویل رواه المحدّث العلامة المجلسی قدّس سرّه فی البحار من الامالی بتفصیل و اختلاف كثیر تطلع علیه إنشاء اللّه تعالى فی التكملة الآتیة بعد الفراغ من شرح ما رواه الرّضیّ قدّس سرّه ، و هو قوله علیه الصلاة و السلام :

و اللّه لإن أبیت على حسك السّعدان مسهّدا ، و أجر فى الأغلال مصفّدا ، أحبّ إلیّ من أن ألقى اللّه و رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم القیمة ظالما لبعض العباد ، و غاصبا لشی‏ء من الحطام ، و كیف أظلم أحدا لنفس یسرع إلى البلى قفولها ، و یطول فی الثّرى حلولها .

و اللّه لقد رأیت عقیلا و قد أملق ، حتّى استماحنی من برّكم صاعا ،

و رأیت صبیانه شعث الشّعور ، غبر الألوان من فقرهم كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم ، و عاودنی مؤكّدا و كرّر علیّ القول مردّدا ،

فأصغیت إلیه سمعی ، فظنّ أنّی أبیعه دینی ، و أتّبع قیاده مفارقا طریقتی ،

فأحمیت له حدیدة ثمّ أدنیتها من جسمه لیعتبر بها ، فضجّ ضجیج ذی دنف من ألمها ، و كاد أن یحترق من میسمها ، فقلت له : ثكلتك

[ 288 ]

الثّواكل یا عقیل أتئنّ من حدیدة أحماها إنسانها للعبه ، و تجرّنی إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ، أتّئنّ من الأذى ، و لا أئنّ من لظى .

و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة فی وعائها ، و معجونة شنئتها ، كأنّما عجنت بریق حیّة أو قیئها ، فقلت : أصلة أم زكاة أم صدقة ، فذلك محرّم علینا أهل البیت ، فقال : لا ذا و لا ذك و لكنّها هدیّة ، فقلت : هبلتك الهبول أعن دین اللّه أتیتنی لتخدعنی ، أمختبط أم ذو جنّة ، أم تهجر .

و اللّه لو أعطیت الأقالیم السّبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى اللّه فی نملة أسلبها جلب شعیرة ما فعلته ، و إنّ دنیاكم عندی لأهون من ورقة فی فم جرادة تقضمها ، ما لعلیّ و لنعیم یفنى ، و لذّة لا تبقى ، نعوذ باللّه من سبات العقل و قبح الزّلل ، و به نستعین .

اللغة

( بات ) فلان یفعل كذا یبیت بیتا و بیاتا و مبیتا و بیتوتة أى یفعله لیلا و لیس من النوم و قال الزجاج : كلّ من أدركه اللّیل فقد بات نام أم لم ینم .

و ( السّعدان ) بفتح السین نبت ذو شوك یقال له حسك السّعدان یشبّه به حلمة الثّدى و هو من أفضل مراعى الابل و منه قولهم مرعى و لا كالسّعدان و بتفسیر أوضح نبت ذو حسك له ثلاث شعب محدّدة على أىّ وجه وقعت على الأرض كانت له شعبتان قائمتان

[ 289 ]

و ( السّهد ) بالضمّ الأرق و بضمّتین القلیل النّوم و قد سهد سهدا من باب فرح و سهدته أى منعته من النّوم فهو مسهّد و ( أجرّ ) بالبناء على المفعول و ( صفده ) یصفده من باب ضرب شدّه و أوثقه كأصفده و صفّده و الصّفاد وزان كتاب ما یوثق به الأسیر من قید أوقد و ( الحطام ) بالضمّ فتات التبن و الحشیش و ما یتكسّر من شی‏ء یابس قال تعالى ثمّ یهیج فتراه مصفرّاً ثمّ یجعله حطاما أى رفاتا منكسرا متفتّتا و ( قفل ) من باب نصر و ضرب قفولا رجع فهو قافل و القافلة الجماعة الراجعة من السّفر و ( الاملاق ) الافتقار قال تعالى و لا تقتلوا أولادكم خشیة إملاق و ( الاستماحة ) طلب المنح هو كالامتیاح الاعطاء و ( البرّ ) الحنطة .

و ( الصّاع ) أربعة أمداد كلّ مدّ رطل و ثلث و الرطل اثنتا عشرة أوقیة و الاوقیة إستار و ثلثا إستار ، و الاستار أربعة مثاقیل و نصف ، و المثقال درهم و ثلاثة اسباع درهم و فی مجمع البحرین فی الحدیث كان یغتسل بالصّاع و یتوضّأ بالمدّ قال بعض شرّاح الحدیث الصّاع ألف و مأة و سبعون درهما و ثمانمأة و تسعة عشر مثقالا و ( العظلم ) وزان زبرج شی‏ء یصبغ به قیل هو النیل و قیل الوسمة و ربّما یقال : اللّیل المظلم و ( القیاد ) بالكسر ما یقاد به و ( المیسم ) بكسر المیم و فتح السّین آلة الوسم و ( الثكل ) بالضمّ و بالتحریك أیضا فقدان الحبیب أو الولد و ثكله من باب فرح فهى ثاكل و ثكلانة القلیلة و الثّواكل النّساء الفاقدات لأولادها و ( أنّ ) یانّ أنّا و أنینا تأوّه و ( الطّارق ) هو الآتی باللّیل و سمى طارقا لاحتیاجه إلى طرق الباب بالمطرقة و ( شنأه ) من باب منع و سمع شنئا بتثلیث الأوّل و شنأته أبغضته و ( هبلته ) أمّه من باب فرح ثكلته و ( الهبول ) بفتح الهاء التی لا یبقى لها ولد من النساء .

و ( خبط ) الشّیطان فلانا مسّه بأذى كتخبّطه و خبط زیدا و اختبطه سأله

[ 290 ]

المعروف من غیر أصرة أى قرابة و رحم و سابقة بینهما و ( الهجر ) الهذیان و ( الجلب ) و الجلبة بالضمّ القشرة الّتی تعلو الجرح عند البرء و ( قضم ) قضما من باب سمع اكل بأطراف أسنانه أو أكل یابسا و ( السّبات ) وزان غراب النّوم أو خفیّة أو ابتداؤه فی الرّأس حتّى یبلغ القلب .

الاعراب

لفظة أن فی قوله علیه السّلام و اللّه لأن أبیت مصدریّة ناصبة للفعل المضارع المتكلّم و هی و منصوبها فی تأویل المصدر و محلّ الرّفع بالابتداء و خبر المبتداء قوله أحبّ إلىّ ، و قوله علیه السّلام : مسهّدا حال مؤكدة لعاملها و هو أبیت إن كان السّهر مأخوذا فی معنى البیات ، و إلاّ كما هو قول الزّجاج و غیره حسبما عرفت فتكون حالا مؤسّسة و قوله علیه السّلام : و كیف أظلم ، استفهام إنكارىّ على حدّ قوله تعالى أفأصفیكم ربّكم بالبنین فیكون ما بعد الاستفهام غیر واقع و مدّعیه كاذبا و مؤكّدا و مردّدا أیضا حالان مؤكّدتان على حدّ قوله تعالى ولّى مدبراً و قوله علیه السّلام أتئنّ من حدیدة استفهام للتّقریر أو التقریع و كذلك قوله : أمختبط أم ذو جنّة آه

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذا الكلام التنبیه على نزاهة نفسه من محبّة الدّنیا و الرّغبة إلى حطامها الموجبة للظلم على النّاس و العدول عن سنن العدل فی حقوقهم فدلّ على ذلك المقصود بنفى إقدامه على الظلم لینتقل بذلك إلى نفى ملزومه الذى هو حبّ الدّنیا و افتتح الكلام بالقسم البارّ .

فقال ( و اللّه لأن أبیت على حسك السّعدان مسهّدا ) أى ممنوعا من النّوم ( و اجرّ فی الأغلال مصفّدا ) أى مشدّدا موثقا بالسلاسل ( أحبّ إلىّ من أن ألقى اللّه و رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم القیامة ظالما لبعض العباد ) فی حقّه مالیّا أو غیر مالی ( و غاصبا لشی‏ء من الحطام ) أى للحقّ المالى فیكون عطف الثّانی على الأوّل من عطف الخاصّ على العامّ على حدّ قوله تعالى قل هى مواقیت للنّاس و الحجّ و استعار

[ 291 ]

لفظ الحطام لمتاع الدّنیا و زبرجها و الجامع الحقارة .

و نظیر ذلك وجه الشّبه فی قوله تعالى اعلموا أنّما الحیوة الدّنیا لعب و لهو و زینة و تفاخر بینكم و تكاثر فی الأموال و الأولاد كمثل غیث أعجب الكفّار نباته ثمّ یهیج فتراه مصفرّا ثمّ یكون حطاما و فی الآخرة عذاب شدید .

و حلفه علیه السّلام على كون البیات عن الحسك و الجرّ فی الأغلال أحبّ إلیه من لقاء اللّه و رسوله متّصفا بالظلم و الغصب ممّا لا غبار علیه ، و علّة أحبیّتها إلیه علیه السّلام أنّهما و إن كان فیهما ألم شدید إلاّ أنّ ذلك الألم بالنسبة إلى ما یترتّب على الظلم من العذاب الشّدید الاخروى أسهل و أهون .

و هذا فی حقّ عموم العقلاء الملاحظین لعاقبة الامور ، و أمّا فی حقّه علیه السّلام و حقّ سایر أولیاء اللّه المقرّبین فلو لم یترتّب على الظلم من العقوبات الاخرویّة سوى سوء لقاء اللّه و رسوله و الاستحیاء منهما و الحجب عن مقام الزّلفى فقط لكفى ذلك فی ترجیح البیات على الأشواك و الجرّ فی الأغلال علیه .

و بما ذكرته علم أنّ لفظ أحبّ فی كلامه علیه السّلام لم یرد به التّفضیل الذى صیغة أفعل حقیقة فیه و إنّما أراد به المعنی الوصلی نظیر صیغة المبالغة فی قوله تعالى و ما ربّك بظلاّم للعبید .

و یؤمى إلیه أیضا تشدیده النكیر على إقدامه على الظلم فی قوله علیه السّلام ( و كیف أظلم أحدا لنفس یسرع إلى البلى قفولها ) أى رجوعها من الشّباب إلى الشّیب الذى معدّ للبلى و الاندراس و ضعف القوى كما أشیر إلیه فی قوله تعالى هو الذى خلقكم من ضعف ثمّ جعل من بعد ضعف قوّة ثمّ جعل من بعد قوّة ضعفاً و شیبة أو رجوعها إلى الآخرة فانّها المكان الأصلى و فیها تبلى الأجساد كما قال تعالى منها خلقناكم و فیها نعیدكم و منها نخرجكم تارة اخرى و على الاحتمال الأخیر فنسبة البلى إلى نفسه علیه السّلام بالنظر إلى زعم الناس لما قد عرفت فی شرح الخطبة السادسة و الثمانین عدم سرعة البلى إلى أبدان الأنبیاء و الأوصیاء علیهم السّلام .

قال العلاّمة المجلسىّ قدّس سرّه : و یحتمل أن یكون قفول جمع قفل

[ 292 ]

بالضمّ فانّه یجمع على أقفال و قفول فاستعیر هنا لمفاصل الجسد ، و على أىّ تقدیر فالمراد بالنّفس فی كلامه علیه السّلام هو الجسد لا الرّوح كما هو ظاهر .

و قوله علیه الصّلاة و السّلام ( و یطول فی الثّرى حلولها ) إشارة إلى طول لبثها فی القبر إلى یوم البعث .

ثمّ اكّد علیه السّلام براءة ساحته من الظلم باقتصاص قصّته مع أخیه عقیل فقال مؤكّداً بالقسم البارّ ( و اللّه لقد رأیت عقیلا و قد أملق ) أى افتقر و صار ملقا ضعیفا ( حتّى استماحنى ) أى طلب منّى السّماحة و الجود و أن أعطیه ( من برّكم صاعا ) و قد مضى مقداره فی بیان اللّغة ( و رأیت صبیانه شعث الشعور غبر الألوان ) أى مغبّر الرّؤوس متغیّر الألوان ( من ) شدّة ( فقرهم ) و ضرّهم ( كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم ) فانّ من نحل جسمه من الجوع یضرب لونه إلى السّواد كما أنّ البادن بعكس ذلك .

( و عادونی ) أى العقیل ( مؤكّداً ) للاستماحة ( و كرّر علىّ القول مردّدا ) و بعد ما أصرّ على سؤاله ( فأصغیت إلیه سمعی ) أى أملتها نحوه ( فظنّ أنّی أبیعه دینی ) و أخون فی بیت مال المسلمین ( و أتّبع قیاده ) أى أطیعه و أنقاد له قال الشّارح البحرانی : قیاده ما یقوده به من الاستعطاف و الرّحم ، و فی بعض النّسخ اتّبع بصیغة الغیبة قال العلامة المحدّث المجلسیّ : فلعلّه إشارة إلى ذهابه إلى معاویة ، انتهى و الأوّل أولى و أنسب بالسّیاق .

و قوله علیه السّلام ( مفارقا طریقتی ) أى العدل و الاسوة ( فأحمیت له حدیدة ثمّ أدنیتها من جسمه لیعتبر بها ) و ینزجر و یذكر نار الآخرة ( ف ) لمّا مسّته حرارة الحدیدة ( ضجّ ضجیج ذى دنف ) أى مرض مولم ( من ألمها و كاد أن یحترق من میسمها ) أى من أثرها فی یده ( فقلت له ثكلتك الثّواكل ) أى النّساء النّادبات ( یا عقیل أتئنّ ) و تضجّ ( من حدیدة أحماها إنسانها للعبه ) .

قال الشّارح المعتزلی : لم یقل إنسان لأنّه یرید أن یقابل هذه اللّفظة بقوله جبّارها و المراد باللّعب خلاف الجدّ فی الاحماء النّاشی من الغضب و لذلك

[ 293 ]

قابله بالغضب فی قوله علیه السّلام ( و تجرّنی إلى نار سجّرها ) أى أوقدها ( جبارها لغضبه أتئنّ من الأذى ) أذى نار الدّنیا ( و لا أئنّ من لظى ) نزّاعة للشّوى أى إذا كنت تئنّ من أذى نار الدّنیا و ألمها على ضعفها و حقارتها فكیف لا أئنّ من نار الآخرة الّتی وقودها النّاس و الحجارة على شدّتها و قوّتها .

و محصّل غرضه من ذكر قصّة عقیل التّنبیه على غایة مراعاته للعدل و تجنّبه عن الظلم و محافظته على بیت مال المسلمین ، فانّ من منع أخاه على شدّة فاقته و فاقة عیاله مع قرابتهم القریبة و الرّحم الماسّة و كونهم من جملة ذوى الحقوق فی بیت المال من أن یعطیه منه شیئا یسیرا من الطعام و هو الصاع من البرّ لمحض الاحتیاط فی الدّین و ملاحظة حقوق المسلمین ، و خوفا من شبهة الظلم ، فأبعد من أن یحوم حوم الظلم ثمّ أبعد .

قال الشارح المعتزلی : سأل معاویة عقیلا عن قصّة الحدیدة المحماة المذكورة قال : أصابتنى مخمصة شدیدة فسألته علیه السّلام فلم تند صفاته ، فجمعت صبیانی فجئت بهم إلیه و البؤس و الضرّ ظاهران علیهم ، فقال علیه السّلام : ائتنى عشیّة لأدفع إلیك شیئا فجئته یقودنى أحد ولدى ، فأمره بالتّنحّى ثمّ قال علیه السّلام : ألافدونك ، فأهویت حریصا قد غلبنی الجشع ، أظنّها صرّة فوضعت یدى على حدیدة تلتهب نارا ، فلمّا قبضتها نبذتها و خرت كما یخور الثّور تحت ید جازره فقال : ثكلتك أمّك هذا من حدیدة أوقدت لها نار الدّنیا ، فكیف بك و بى غدا إن سلكنا فی سلاسل جهنّم ثمّ قرء :

إذ الاغلال فی أعناقهم و السّلاسل یسحبون ثمّ قال علیه السّلام : لیس عندى فوق حقّك الّذى فرضه اللّه لك إلاّ ما ترى فانصرف إلى أهلك ، فجعل معاویة یتعجّب و یقول :

هیهات هیهات النّساء أن یلدن بمثله .

و فی البحار من مناقب ابن شهر آشوب من جمل أنساب الأشراف قال :

و قدم علیه علیه السّلام عقیل فقال للحسن : اكس عمّك ، فكساه قمیصا من قمصه ورداءة من أردیته ، فلمّا حضر العشاء فاذا هو خبز و ملح فقال عقیل : لیس إلاّ ما أرى فقال علیه السّلام : أو لیس هذا من نعمة اللّه و له الحمد كثیرا ، فقال : اعطنى ما اقضی به دینی

[ 294 ]

و عجّل سراحى حتّى أرحل عنك ، قال علیه السّلام : فكم دینك یا أبا یزید ؟ قال : مأة ألف درهم ، قال علیه السّلام : لا و اللّه ما هی عندى و لا أملكها و لكن اصبر حتّى یخرج عطائى فاواسیكه و لولا أنّه لابدّ للعیال من شی‏ء لأعطیتك كلّه ، فقال عقیل : بیت المال فی یدك و أنت تسوّفنی إلى عطائك و كم عطاؤك و ما عساه یكون و لو أعطیتنیه كلّه فقال علیه السّلام : ما أنا و أنت فیه إلاّ بمنزلة رجل من المسلمین و كانا یتكلّمان فوق قصر الامارة مشرفین على صنادیق أهل السوق فقال علیّ علیه السّلام : إن أبیت یا أبا یزید ما أقول فانزل إلى بعض هذه الصنادیق فاكسر أقفاله و خذ ما فیه قال : و ما فی هذه الصنادیق ؟ قال علیه السّلام : فیها أموال التجار ، قال أتأمرنى أن اكسر صنادیق قوم قد توكّلوا على اللّه و جعلوا فیها أموالهم ، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام أتأمرنی أن أفتح بیت مال المسلمین فأعطیك أموالهم و قد توكّلوا على اللّه و أقفلوا علیها و إن شئت أخذت سیفك و أخذت سیفی و خرجنا جمیعا إلى الحیرة فانّ بها تجارا میاسیر فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ،

فقال : أو سارقا جئت ؟ قال علیه السّلام : نسرق من واحد خیر من أن یسرق من المسلمین جمیعا ، قال له : أو تأذن لی أن أخرج إلى معاویة ؟ فقال علیه الصلاة و السلام له :

قد أذنت لك ، قال : فأعنّی على سفرى هذا ، فقال علیه السّلام : یا حسن اعط عمّك أربعمأة درهم ، فخرج عقیل و هو یقول :

سیغنینی الذى أغناك عنّى
و یقضى دیننا ربّ قریب

و ذكر عمرو بن العلاء أنّ عقیلا لمّا سأل عطاءه من بیت المال قال له أمیر المؤمنین علیه السّلام : تقیم إلى یوم الجمعة فأقام ، فلمّا صلّى أمیر المؤمنین علیه السّلام الجمعة قال لعقیل : ما تقول فیمن خان هؤلاء أجمعین ؟ قال : بئس الرّجل ذاك قال علیه السّلام :

فأنت تأمرنی أن أخون هؤلاء و أعطیك .

و فیه من المناقب أیضا قال : سمعت مذاكرة من الشّیوخ أنّه دخل علیه عمرو بن العاص لیلة و هو فی بیت المال فطفى السراج و جلس فی ضوء القمر و لم یستحلّ أن یجلس فی الضوء بغیر استحقاق ، هذا ( و أعجب من ذلك ) أى ممّا ذكرته من قصّة عقیل قصّة الأشعث بن قیس الكندى و تقرّبه إلىّ بالهدیة الّتی كانت رشوة فی الحقیقة استمالة لى و تخدیعا إیّاى . فانّه كما قال الشارح المعتزلی : كان أهدى له نوعا من الحلواء تأنق فیه و كان

[ 295 ]

[ 295 ]

یبغض الأشعث لأنّ الأشعث كان یبغضه ، و ظنّ الأشعث أنه یستمیله بالمهاداة لغرض دنیوى كان فی نفس الأشعث و كان علیه السّلام یتفطّن لذلك و یعلمه ، و لذلك ردّ هدّیته و لولا ذلك لقبلها كما نبّه علیه السّلام على ذلك بقوله :

( طارق طرقنا ) أى أتى إلینا لیلا ( بملفوفة ) أى بهدّیة على زعم الطارق بها لفّها و غطاها ( فی وعائها و معجونة شنئتها ) أى أبغضتها و نفرت عنها لما علمت من الطارق بها ( كأنّما عجنت بریق حیّة أو قیئها ) أى بالسمّ القاتل الموجب لغایة البخل و النفرة ( فقلت أصلة أم زكاة أم صدقة فذلك ) أى كلّ منها ( محرّم علینا أهل البیت ) .

قال الشارح المعتزلی : الصلة العطیة لا یراد بها الآخرة بل یراد بها وصلة إلى الموصول و أكثر ما تفعل للذكر و الصّیت و الزكاة هی ما تجب فی النّصاب من المال ، و الصدقة ههنا هی صدقة التطوع .

فان قلت : كیف قال فذلك محرّم علینا أهل البیت و إنّما یحرم علیهم الزّكاة الواجبة خاصّة و لا یحرم علیهم الصدقة التطوع و لا قبول الصلاة .

قلت : أراد بقوله أهل البیت الأشخاص الخمسة و هم محمّد و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السّلام فهؤلاء خاصّة دون غیرهم من بنی هاشم یحرم علیهم قبول الصدقة و الصلاة ، انتهى ملخصا .

أقول : أمّا الصلاة فلم یقل أحد بحرمتها علیهم علیهم السّلام و لا على غیرهم من الهاشمیّین ، و أمّا الصدقة المندوبة فكذلك على مذهب المشهور من أصحابنا ،

فلا بدّ فی رفع الاشكال من جعل المشار إلیه بقوله فذلك أحد الأخیرین أعنى الزّكاة و الصدقة أو الصدقة المستحبّة مع البناء على مذهب بعض الأصحاب من تحریمها علیهم أیضا و جعل المراد بالصدقة الكفّارات الواجبة .

و یؤیّد ذلك أعنى كون الاشارة إلی أحد الأخیرین فقط جواب الأشعث بقوله : لا ذا و لا ذاك ، حیث نفی الاثنین من الثلاث دون الثلاث جمیعا ، فیكون قوله :

و لكنّها هدّیة بمعنى أنّها صلة .

و على كون المشار إلیه جمیع الثلاث فاللاّزم حمل الصّلة على ما كان

[ 296 ]

على وجه المصانعة و الرّشوة ، و على كون المراد بالصدقة صدقة التّطوع و البناء على مذهب المشهور فلا بدّ من ارتكاب المجاز فی التّحریم ، و حمل قوله علیه السّلام :

محرّم على ما یعمّ الكراهة و الحرمة المصطلحة ، فافهم جیّدا .

( فقال لا ذا و لا ذاك و لكنّها هدّیة ) و إنّما قال ذلك لكونه عارفا بأنّه علیه السّلام كان یقبل الهدایا و لا یشمئزّ منها إلاّ أنّه علیه السّلام لمّا عرف فساد غرضه فیها اعترض علیه و أجابه بقوله ( فقلت هبلتك الهبول ) أى ثكلتك أمّك ( أعن دین اللّه أتیتنى لتخدعنى أمختبط ) أنت ( أم ذو جنّة أم تهجر ) الاستفهام إنكارىّ و الغرض منه توبیخ الأشعث و تقریعه على ما أتى به من الهدیة و التّعریض علیه بأنّ إتیانه بها مع ما أضمر من سوء النیّة یشبه فعل صاحب الخبط و الجنون و الهذیان قال الشارح المعتزلی : المختبط المصروع من غلبة الاخلاط السّوداء أو غیرها علیه و ذو الجنّة من به مسّ من الشیطان ، و الّذی یهجر هو الّذی یهذى فی مرض لیس بصرع كالمبرسم و نحوه ، انتهى .

أقول : إن أراد أنّ المختبط قسیم ذى الجنّة یعنى خصوص المصروع من غیر مسّ الشیطان فیردّه قوله تعالى لا یقومون إلاّ كما یقوم الّذی یتخبّطه الشیطان من المسّ و إن أراد كونه أعمّ منه فلا بأس به لكن الأظهر أن یكون مراده علیه السّلام به كونه ذا خبط أى طالب معروف من غیر سابقة و لا قرابة أو أنّه ذو خبط أى حركة على غیر النّحو الطبیعى كخبط العشواء ثمّ شدّد النّكیر على الطارق و أبطل ما كان فی خلده من إمكان إقدامه علیه السّلام على الظلم و المعصیة بوسیلة الهدیة و دقّ علیه السّلام خیشومه بقارعة الخیبة فقال ( و اللّه ) الكریم و إنّه لقسم لو تعلمون عظیم ( لو أعطیت الأقالیم السبعة ) و بقاع الأرضین ( بما تحت أفلاكها على أن أعصى اللّه ) طرفة عین و أقدم على الظلم و لو ( فی ) حقّ ( نملة ) هى أضعف مخلوق ( أسلبها جلب شعیرة ) و قشرها ( ما فعلته ) و هذا دلیل على كمال عدله علیه السّلام و بلوغه فیه الغایة القصوى الّتی لا یتصوّر ما فوقها .

و لمّا نبّه على نزاهته من الظلم و كان منشأ الظلم كسایر المعاصى هو

[ 297 ]

حبّها لكونها رأس كلّ خطیئة أردفه بالتنبیه على غایة زهده فیها و طهارة لوح نفسه من دنس حبّها فقال ( و إنّ دنیاكم عندى لأهون من ورقة فی فم جرادة تقضمها ) و تكسرها ( ما لعلىّ و لنعیم یفنى و لذّة لا تبقى ) إنكار لمیل نفسه إلى نعیم الدّنیا و لذّاتها الفانیة ، یعنی أنّ حال علىّ ینافی رغبته إلى تلك اللّذات .

( نعوذ باللّه من سبات العقل ) أى نومه و غفلته عن ادراك مفاسد تلك اللّذات و ما یترتّب علیها من المخازى و الهلكات ( و قبح الزّلل ) و الضّلال عن الصّراط المستقیم النّاشی من الرّكون إلى الدنیا و الرّغبة إلى نعیمها ( و به نستعین ) فی النّجاة من تلك الورطاة و فی جمیع الحالات .

قال كاشف الغمّة و لنعم ما قال :

و اعلم أنّ أنواع العبادة كثیرة ، و هى متوقّفة على قوّة الیقین باللّه تعالى و ما عنده و ما أعدّه لأولیائه فی دار الجزاء ، و على شدّة الخوف من اللّه تعالى و ألیم عقابه ، و علىّ علیه السّلام القائل : لو كشف الغطاء ما ازددت یقینا ، فشدّة یقینه دالّة على قوّة دینه و رجاحة موازینه ، و قد تظاهرت الرّوایات أنّه لم یكن نوع من أنواع العبادة و الزّهد و الورع إلاّ و حظه علیه السّلام منه وافر الأقسام ، و نصیبه منه تامّ بل زاید على التّمام ، و ما اجتمع الأصحاب على خیر إلاّ كانت له رتبة الامام ، و لا ارتقوا قبّة مجد إلاّ و له ذروة الغارب و قلّة السّنام ، و لا احتكموا فی قضیّة شرف إلاّ و ألقوا إلیه أزمة الأحكام .

و روى الحافظ أبو نعیم بسنده فی حلیته أنّ النبّیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : یا علیّ إنّ اللّه قد زیّنك بزینة لم یزیّن العباد بزینة أحبّ إلى اللّه منها هی زینة الأبرار عند اللّه تعالى : الزّهد فی الدّنیا فجعلك لا ترزء من الدّنیا شیئا و لا ترزء منك الدّنیا شیئا أى لا تنقص منها و لا تنقص منك .

و قد أورده صاحب كفایة الطالب أبسط من هذا قال : سمعت أبا مریم السلولی یقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : یا علیّ إنّ اللّه قد زیّنك بزینة لم یزیّن العباد بزینة أحبّ إلى اللّه منها : الزهد فی الدّنیا فجعلك لا تنال من الدّنیا شیئا و لا تنال

[ 298 ]

الدّنیا منك شیئا ، و وهب لك حبّ المساكین فرضوا بك إماما و رضیت بهم أتباعا فطوبى لمن أحبّك و صدق فیك و ویل لمن أبغضك و كذب علیك ، فأما الذین أحبّوك و صدقوا فیك ، فهم جیرانك فی دارك و رفقاؤك فی قصرك و أما الذین أبغضوك و كذبوا علیك فحقّ على اللّه أن یوقفهم موقف الكذابین یوم القیامة ، و ذكره ابن مردویه فی مناقبه .

فقد ثبت لعلیّ علیه السّلام الزّهد بشهادة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له بذلك ، و لا یصحّ الزّهد فی الشی‏ء إلاّ بعد معرفته و العلم به و علیّ علیه السّلام عرف الدّنیا بعینها و تبرّجت له فلم یحفل بزینتها لشینها و تحقق زوالها ، فعاف وصالها و تبین انتقالها ، فصرم حبالها و استبان قبح عواقبها و كدر مشار بها فألقى حبلها على غاربها و تركها لطالبها و تیقّن بؤسها و ضررها فطلّقها ثلاثا و هجرها ، و عصاها إذ أمرته فعصته إذ أمرها و علمت أنه لیس من رجالها و لا من ذوى الرّغبة فی جاهها و مالها و لا ممّن تقوده فی حبالها و تورده موارد وبالها ، فصاحبته هدنة على دخن ، و ابتلته بأنواع المحن و جرت فی معاداته على سنن ، و غالته بعده فی ابنیه الحسین و الحسن ، و هو صلّى اللّه علیه لا یزداد على شدّة للأواء إلاّ صبرا ، و لا على تظاهر الأعداء إلاّ حمدا للّه تعالى و شكرا ، آخذا بسنة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا یحول عنها مقتفیا لآثاره لا یفارقها ، واطئا لعقبه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا یجاوزها حتّى نقله اللّه تعالى إلى جواره و اختار له دارا خیرا من داره فمضى محمود الأثر ، مشكور الورد و الصدر ، مستبدلا بدار الصّفاء من دار الكدر ،

قد لقى محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بوجه لم یشوهه التبدیل ، و قلب لم تزدهه الأباطیل .

تكملة

هذا الكلام له علیه السّلام رواه المحدّث العلامة المجلسىّ قدّس سرّه فی المجلّد التاسع و المجلّد السابع عشر من البحار من الأمالی عن علىّ بن أحمد الدّقاق عن محمّد بن الحسن الطّارى عن محمّد بن الحسین الخشاب عن محمّد بن محسن عن المفضّل ابن عمر عن الصّادق جعفر بن محمّد عن أبیه عن جدّه عن أبیه علیهم السّلام قال :

قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : و اللّه ما دنیاكم عندى إلاّ كسفر على منهل حلّوا إذ صاح

[ 299 ]

بهم سائقهم فارتحلوا و لا لذاذتها فی عینی إلاّ كحمیم أشربه غساقا و علقم أتجرّعه زعاقا و سمّ أفعاة أسقاه دهاقا و قلادة من نار اوهقها خناقا ، و لقد رقعت مدرعتى هذه حتّى استحییت من راقعها و قال لی : اقذف بها قذف الاتن لا یرتضیها لیراقعها ، فقلت له : اعزب عنى فعند الصباح یحمد القوم السرى و ینجلى عنا غیابات الكرى ، و لو شئت لتسربلت بالعبقرى المنقوش من دیباجكم و لأكلت لباب البرّ بصدور دجاجكم و لشربت الماء الزلال برقیق زجاجكم ، و لكنّى أصدق اللّه جلّت عظمته حیث یقول :

من كان یرید الحیوة الدّنیا و زینتها نوفّ إلیهم أعمالهم فیها و هم فیها لا یبخسون .

اولئك الذین لیس لهم فى الآخرة إلاّ النّار .

فكیف استطیع المصیر على نار لو قذفت بشررة إلى الأرض لأحرقت نبتها و لو اعتصمت نفس بقلّة لأنضجها وهج النار فى قلّتها ، و أیّما خیر لعلىّ أن یكون عند ذى العرش مقرّبا أو یكون فى لظى خسیئا مبعدا مسخوطا علیه بجرمه مكذّبا و اللّه لأن أبیت على حسك السعدان مرقدا و تحتى أطمار على سفاها ممدّدا ،

أو اجرّ فى أغلالى مصفدا ، أحبّ إلىّ من أن ألقى فى القیامة محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خائنا فى ذى یتمة اظلمه بفلسه متعمدا و لم أظلم الیتیم و غیر الیتیم لنفس تسرع إلى البلى قفولها و یمتدّ فی أطباق الثرى حلولها ، و إن عاشت رویدا فبذى العرش نزولها .

معاشر شیعتی احذروا فقد عضّتكم الدّنیا بأنیابها ، تختطف منكم نفسا بعد نفس كذئابها ، و هذه مطایا الرّحیل قد أنیخت لركابها إلاّ أنّ الحدیث ذو شجون فلا یقولنّ قائلكم إنّ كلام علىّ متناقض ، لأنّ الكلام عارض .

و لقد بلغنی أنّ رجلا من قطّان المداین تبع بعد الحنیفیّة علوجه ، و لبس من نالة دهقانه منسوجه ، و تصمخ بمسك هذه النّوافج صباحه ، و تبخّر عود الهند رواحه ، و حوله ریحان حدیقة یشم تفّاحه ، و قد مدّ له مفروشات الرّوم على سرره ، تعسا له بعد ما ناهز السّبعین من عمره و حوله شیخ یدبّ على أرضه من هرمه و ذا یتمة تضوّر من ضرّه و من قرمه ، فما واساهم بفاضلات من علقمه لئن أمكننى اللّه منه لأخضمنّه

[ 300 ]

خضم البرّ ، و لاقیمنّ علیه حدّ المرتدّ ، و لأضربنّه الثمانین بعد حدّ و لأسدنّ من جهله كلّ مسدّ ، تعسا له أفلا شعر أفلا صوف أفلا وبر أفلا رغیف قفار اللیل افطار معدم أفلا عبرة على خدّ فی ظلمة لیالی تنحدر و لو كان مؤمنا لاتّسقت له الحجّة إذا ضیّع ما لا یملك .

و اللّه لقد رأیت عقیلا أخى و قد أملق حتّى استماحنى من برّكم صاعه ، و عاودنی فی عشر وسق من شعیركم یطعمه جیاعه ، و یكاد یلوى ثالث أیّامه خامصا ما استطاعه و رأیت أطفاله شعث الألوان من ضرّهم كأنّما اشمأزّت وجوههم من قرّهم ، فلمّا عاودنی فی قوله و كرّره أصغیت إلیه سمعى فغرّه ، و ظنّنی اوتغ دینى فاتّبع ما سرّه أحمیت له حدیدة ینزجر إذ لا یستطیع منها دنوّا و لا یصبر ، ثمّ أدنیتها من جسمه فضجّ من ألمه ضجیج ذى دنف یئنّ من سقمه ، و كاد یسبّنى سفها من كظمه ، و لحرقة فی لظى أضناله من عدمه فقلت له : ثكلتك الثّواكل یا عقیل أتئنّ من حدیدة أحماها إنسانها لمدعبه ، و تجرّنی إلى نار سجّرها جبّارها من غضبه ، أتئنّ من الأذى و لا أئنّ من لظى .

و اللّه لو سقطت المكافاة عن الامم و تركت فی مضاجعها بالیات الرّمم لاستحییت من مقت رقیب یكشف فاضحات من الأوزار تنسخ فصبرا على دنیا تمرّ بلاء وائها كلیلة بأحلامها تنسلخ ، كم بین نفس فى خیامها ناعمة و بین أثیم فی جحیم یصطرخ فلا تعجب من هذا .

و أعجب بلا صنع منا من طارق طرقنا بملفوفات زملها فی وعائها و معجونة بسطها فی إنائها فقلت له : أصدقة أم نذر أم زكاة و كلّ ذلك یحرم علینا أهل بیت النّبوة و عوضنا منه خمس ذى القربى فی الكتاب و السنّة ، فقال لی : لا ذاك و لا ذاك و لكنّه هدیّة فقلت له : ثكلتك الثّواكل أفعن دین اللّه تخدعنی بمعجونة عرقتموها بقندكم ،

و خبیصة صفراء أتیتمونی بها بعصیر تمركم ، أمختبط أم ذو جنّة أم تهجر ألیست النّفوس عن مثقال حبّة من خردل مسئولة ، فماذا أقول فی معجونة اتزقمها معمولة و اللّه لو اعطیت الأقالیم السّبعة بما تحت أفلاكها و استرق لی قطانها مذعنة بأملاكها

[ 301 ]

على أن أعصى اللّه فی نملة أسلبها شعیرة فألوكها ما قبلت و لا أردت ، و لدنیاكم أهون عندى من ورقة فی فم جرادة تقضمها و أقذر عندى من عراقة خنزیر یقذف بها أجذمها ، و أمرّ على فؤادى من حنظلة یلوكها ذو سقم فیشتمها « فیبشمها » فكیف أقبل ملفوفات عكمتها فی طیّها و معجونة كأنّها عجنت بریق حیّة أو فیئها .

اللّهم انّی نفرت عنها نفار المهرة من كیّها أریه السّها و یرینی القمر .

ءأمتنع من وبرة من قلوصها ساقطه ، و أبتلع إبلا فی مبركها رابطة ، أدبیب العقارب من و كرها ألتقط ، أم قواتل الرّقش فی مبیتی ارتبط ، فدعونی أكتفى من دنیاكم بملحى و أقراصى ، فبتقوى اللّه أرجو خلاصى ما لعلىّ و نعیم یفنى و لذّة تنحتها المعاصی سالقى و شیعتی ربّنا بعیون ساهرة و بطون خماص لیمحّص اللّه الّذین آمنوا و یمحق الكافرین ، و نعوذ باللّه من سیّآت الأعمال ، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّاهرین 1 .

بیان

ما یحتاج الى التّوضیح و البیان من غربب ألفاظ هذه الروایة الّتی لم تتقدّم فى روایة الرضیّ فنقول و باللّه التّوفیق :

« الحمیم » الماء الحارّ الشّدید الحرارة یسقى منه أهل النّار و عن ابن عبّاس لو سقطت منه نقطة على جبال الدنیا لأذابتها « و الغسّاق » بالتّخفیف و التّشدید ما یسیل من صدید أهل النّار و غسالتهم أو ما یسیل من دموعهم و « العلقم » شجر مرّ و یقال للحنظل و لكلّ شی‏ء مرّ : علقم .

و السم « الزّعاق » وزان غراب هو الّذى یقتل سریعا ، و الماء الزّعاق الملح الغلیظ لا یطاق شربه و « الدّهاق » وزان كتاب الممتلى و « الوهق » بالتحریك و یسكن الحبل یرى به فی انشوطة فیؤخذ به الدابة و الانسان و « المدرعة » القمیص و قوله « قذف الاتن » هو بضمتین جمع الاتان و هی الحمارة و التّشبیه بقذفها لكونها أشدّ امتناعا للحمل من غیرها أو لكونها أكثر قذفا لجلّها ، و « غیابات الكرى » بالضم جمع غیابة و غیابة كلّ شى‏ء ما سترك منه و منه غیابات الجبّ ، و قال الجوهرى

-----------
( 1 ) أقول : حیث كانت النسخة مغلوطة جدا و بعضها لا یكاد یقرء ، صحّحت هذا الكلام الشریف عن نسخة البحار المطبوعة اخیرا ج 40 ص 345 و هكذا من البیان ما كان موجودا فى البحار « المصحح » .

[ 302 ]

الغیابة كلّ شی‏ء تظلّ الانسان فوق رأسه مثل السّحابة و الغبرة و الظلمة و نحو ذلك ، و فی بعض النسخ علالات الكرى بالضمّ أیضا جمع علالة بقیة كلّشی‏ء و الكرى النعاس و النّوم أى من یسرى باللّیل یعرضه فی الیوم النّعاس لكنّه ینجلى منه بعد النوم فكذلك یذهب مشقة الطاعات بعد الموت هكذا قال العلامة المجلسیّ قدّس سره و قال المیدانی « عند الصباح یحمد القوم السرى » یضرب للرجل یحتمل المشقّة رجاء الراحة و « العبقرى » الدّیباج و قیل البسط الوشیة .

و قوله « و لو اعتصمت نفس بقلة » أى بعد قذف الشررة لو التجأت نفس إلى رأس جبل لا نضج تلك النفس « و هج النّار » بسكون الهاء أى اتقادها و حرّها و الضمیر « فى قلّتها » راجع إلى النّفس و الاضافة للملابسة « و الخسى‏ء » الصاغر و المبعد و « الأطمار » جمع طمر بالكسر و هو الثوب الخلق البالى و « السّفا » التراب الذی تسفیه الرّیح و كلّ شجر له شوك و ضمیر سفاها راجع إلى الأرض بقرینة المقام .

و قوله « رویدا » أى قلیلا و « الذّئاب » جمع الذّئب و الضمیر راجع إلى الدّنیا أى كما تختطف الذئاب فی الدّنیا و « الشّجون » الطرق و یقال الحدیث ذو شجون اى یدخل بعضه فی بعض قال العلامة المجلسىّ قدّس سرّه : و المراد بالتّناقض هنا عدم التناسب .

و قوله « إنّ رجلا من قطان المداین » قال المجلسىّ : یحتمل أن یكون مراده به معاویة بل هو الظاهر ، فالمداین جمع المدینة لا النّاحیة الموسومة بذلك ، و المراد بعلوجه آباؤه الكفرة شبّههم فی كفرهم بالعلوج و هو جمع علج بالكسر الرّجل من كفّار العجم هكذا فی القاموس و « النّالة » جمع النّائل و هو العطاء كالقادة و القائد و « الدّهقان » بالضمّ و الكسر القوى على التصرّف مع عدّة و رئیس الاقلیم معرّب ، و الضّمیر فی « منسوجه » راجع إلى الدّهقان قال المجلسیّ قدّس سرّه أو راجع إلى النّالة بتأویل أی لیس من عطایا دهقانه أو ممّا أصاب و أخذ منه ما نسجه الدهقان أو ما كان منسوجا من عطایاه .

و « تضمّخ » بالطّیب تلطخ به و « النّوافج » جمع نافجة معرّب نافة و « دبّ » الشیخ دبیبا مشى مشیا رویدا و الضمیر فى « أرضه » إما راجع إلى

[ 303 ]

الشیخ أو إلى الرجل و « تضوّر » فلان من شدة الحمّى أى تلوّى و صاح و تقلّب ظهرا لبطن و « الضّرّ » بالضمّ سوء الحال و « القرم » شدّة شهوة اللحم و « العلقم » الحنظل و كلّشی‏ء مرّ ، و إنّما شبّه ما یأكله من الحرام بالعلقم لسوء عاقبته و كثیرا ما یشبه الحرام فی العرف بسمّ الحیّة و الحنظل .

و « الخضم » الأكل بأقصى الأضراس « و إقامة حدّ المرتدّ علیه » لانكاره بعض الضّروریات كما یشعر به ما تقدّم من قوله : و تبع بعد الحنیفیة علوجه ، أو استحلاله دماء المسلمین إن كان المراد بالرّجل معاویة حسبما اشرنا إلیه و « ضرب الثمانین » لشرب الخمر أو قذف المحصنة .

و قوله « و لأسدّن من جهله كلّ مسدّ » قال المجلسیّ قدّس سرّه : كنایة عن إتمام الحجّة و قطع أعذاره أو تضییق الأمر علیه ، و قوله « أفلا رغیف » بالرفع و یجوز فی مثله الرّفع و النّصب و البناء على الفتح و « القفار » بالفتح ما لا ادام معه من الخبز و أضیف إلى اللّیل و هو صفة للرّغیف و « إفطار معدم » بدل من رغیف ، و فی بعض النسخ قفارا بالنّصب على الحال للیل إفطار معدم باللاّم الجارّة و إضافة لیل إلى الافطار المضاف إلى المعدم أى الفقیر .

و « الاتّساق » الانتظام و « الوسق » ستّون صاعا و قوله « یكاد یلوى ثالث أیامه » لعلّه من لویت الحبل فتلته أى یلتفّ إحدى رجلیه بالأخرى من شدّة جوعه و قوله « خامصا ما استطاعه » أى جائعا ما كان قادرا على الجوع و « القرّ » بالضمّ البرد و « عاوده » فی مسألة مسألة مرّة بعد اخرى و « اوتغ » بالتاء المثناة و الغین المعجمة من الوتغ بالتحریك و هو الهلاك و « السّفه » الجهل و خفة الحلم .

و قوله « من كظمه » أى من قلّة كظمه للغیظ و قوله « لحرقة » عطف على قوله سفها ، و لمّا لم یكن الحرقة مثل السّفه من فعل الساب أتى باللاّم للتعلیل و « أضنا » أفعل من أضناه المرض أثقله من ضنى ضنا من باب رضی أى مرض مرضا ملازما حتّى أشرف على الموت أى كاد یسبّنی لحرقة كانت أمرض له من فقره الذى كان به

[ 304 ]

و یحتمل أن یكون الواو فی و لحرقة للقسم و اللام فیها بالفتح أى و اللّه لحرقة فی نار جهنّم أو فی هذه الحدیدة المحماة أمرض له من عدمه .

و قوله « من مقت رقیب » الظاهر أنّ المراد بالرّقیب هنا هو اللّه تعالى لأنّه من جملة أسمائه الحسنى و فی الكتاب العزیز فلمّا توفّیتنی كنت أنت الرّقیب علیهم و أنت على كلّ شی‏ء شهید و جملة « تنسخ » صفة أو حال من فاضحات أو من الأوزار قال تعالى إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون أى نثبت ما كنتم تعملون أو نأخذ نسخته ، و قوله « فصبرا » الفاء للتفریع أى فاصبروا صبرا على دنیا تمرّ مع شدّتها مثل لیلة تنسلخ و تمضى مع أضغاث أحلامها ، و قوله « كم بین نفس » الاستفهام للتعجّب و الضمیر فی « خیامها » راجع إلى الجنة المعلومة بقرینة المقام و « الاصطراخ » الصیاح الشدید .

و قوله « بلا صنع منا » قال العلامة المجلسیّ قدّس سرّه حال من مفعول أعجب أى اعجب مما صدر من طارق منّا من غیر أن یكون منّا فیما فعله مدخل و « زملها » أى لفّها و قوله « أم نذر » لعلّ المراد كفارة النذر و « الزّقم » اللقم الشدید و الشرب المفرط و الضمیر فی « املاكها » راجع إلى القطان أى معتقدة بأنى أملكها ، و یحتمل رجوعه إلى الأقالیم أى مذعنة بأنى أملك الأقالیم و لیس لهم فیها حقّ .

و « اللّوك » العلك و هو دون المضغ قال العلاّمة المجلسیّ قدّس سرّه و قبحه یدلّ على قبح العلك بطریق أولى و على قبح السلب أیضا بغیر انتفاع بطریق أولى لأنّ النفس قد تنازع السلب فى صورة الانتفاع بخلاف غیرها كما قیل .

و « العراقة » بالضمّ العظم إذا أكل لحمه و الضمیر فی « بها » راجع الى العراقة و فی « أجذمها » إلى الدّنیا أو العراقة بأدنى الملابسة ، و فی هذه الفقرة من المبالغات فی التنفّر و النكیر ما لا یتصوّر فوقها ، و كذا فی الحنظلة التى مضغها

[ 305 ]

ذو السقم فیشتمها أى یسبّها نفرة عنها و قال المجلسىّ أى لفظها بغضا و عداوة لها فلفظه مع اختلال ذائقته یدلّ على كمال مرارته و ملفوظه أقذر من ملفوظ غیره لمرارة فیه و لتوهّم سرایة مرضه أیضا ، انتهى .

أقول : لا دلالة فی شتمها على لفظها كما فى نسخة البحار ، و یحتمل أن یكون یشتمها من تحریف النساخ و یكون الأصل یسمها أى یأكلها على مرارتها مأخوذا من المسمّ وزان مسنّ و هو الذى یأكل ما قدر علیه كما فى القاموس و لعلّ قوله : على فؤادى یؤیّد ذلك فانّ ذا السّقم إذا ابتلع الحنظلة یؤثّر مرارتها فی باطنه و یفسد معدته و امعائه ، و التخصیص بذى السّقم لأن صحیح المزاج لا یلوك الحنظلة و لا یلقمها .

و « عكمت » المتاع شددته بثوب و المراد بالطى ما یطوى فیه الشى‏ء أى المطوى على الشی‏ء و « المهر » ولد الفرس .

و قوله « أریه السّها و یرینى القمر » قال المجلسىّ أى انّى فى وفور العلم و دقّة النّظر ارى الناس خفایا الامور و هم یعاملون معى معاملة من یخفى علیه أوضح الامور عند إرادة مخادعتى قال الزّمخشری فى مستقصى الأمثال : اریها السّها و ترینى القمر ، السّها كوكب صغیر خفىّ فى بنات النعش و أصله أنّ رجلا كان یكلّم امرأة بالخفى الغامض من الكلام و هى تكلّمه بالواضح البین ، فضرب السها و القمر مثلا لكلامه و كلامها یضرب لمن اقترح على صاحبه شیئا فأجابه بخلاف مراده قال الكمیت :

شكونا إلیه خراب السواد
فحرّم علینا لحوم البقر

فكنّا كما كان من قبلنا
أریها السها و ترینى القمر

الضمیر فى إلیه راجع إلى الحجاج بن یوسف شكى إلیه أهل السواد خراب السواد و ثقل الخراج فقال : حرمت علیكم ذبح الثیران ، أراد بذلك أنها إذا لم تذبح كثرت و اذا كثرت كثرت العمارة و خفّ الخراج ، انتهى .

و قوله « ءامتنع اه » الاستفهام للتعجّب أو الانكار أى انّى لكمال زهدى أمتنع

[ 306 ]

من أحد وبرة ساقطة من ناقة فكیف أبتلع إبلا رابطة فى مربطها لملاكها و « القلوص » الشابة من النوق و قیل القلوص بفتح القاف من الابل الباقیة من السیر خصّها بالذكر لأنّ الوبر الساقط من الابل حین السیر أهون عند صاحبها من السّاقط من الرابطة و منه یظهر فایدة قید الرّبط فی الأخیر .

و قوله « ادبیب العقارب من وكرها التقط » قال الجوهرى : كلّما مشى على وجه الأرض دابّة و دبیب أى ألتقط العقارب الكبیرة التی تدبّ من وكرها أى جحرها مجازا فانّها إذا أرید أخذها من جحرها كان أشدّ لذعا شبّه علیه السّلام بها الأموال المحرّمة المنتزعة من محالها لما یترتّب على أخذها من الهلكات الاخرویة .

و قال بعض الأفاضل : الدّبیب مصدر دبّ من باب ضرب إذا مشى ، و هو مفعول التقط و فی الكلام مجاز یقال : دبّ عقارب فلان علینا أى طعن فی عرضنا ، فالمقصود ءأجعل عرضى فى عرضة طعن الناس طعنا صادقا لا افتراء فیه و كان طعنهم صدقا و ناشیا عن وكره و محلّه لأنّ أخذ الرّشوة الملفوفات إذا صدر عن التارك لجمیع الدّنیا للاحتراز عن معصیته فى نملة من السفاهة بحیث لا یخفى ، انتهى .

و « الرّقش » بالضمّ جمع الرّقشاء و هی الأفعی سمّیت بذلك لترقیش فی ظهرها و هی خطوط و نقط و « الارتباط » شدّ الفرس و نحوه للانتفاع به ، و قوله « تنحتها المعاصی » هو من النّحت برى النّبل و نحوه استعارة و فی بعض النسخ تنتجها أى تفیدها و تثمرها و باللّه التوفیق .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت فرجام آنحضرتست در تنزیه نفس قدسى خود از ظلم كردن أنام مى‏فرماید :

سوگند بخدا كه شب به روز آوردن من بر بالاى خار سعدان در حالتى كه بیدار باشم ، و كشیده شدن من در زنجیرها در حالتى كه دست و گردن بسته در بند باشم ، دوست‏تر است بمن از اینكه ملاقات نمایم خدا و رسول او را در روز قیامت در حالتى كه ظلم نماینده بعض بندگان باشم و غصب كننده چیزى از متاع این جهان

[ 307 ]

و چگونه ظلم كنم أحدى را از براى نفسى كه سرعت مى‏نماید بسوى پوسیدن باز گشتن او ، و دراز میشود در خاك نزول كردن آن .

قسم بخدا كه دیدم برادرم عقیل را در حالتى كه فقیر و بی چیز شده بود تا بحدّى كه خواهش نمود از من از گندم شما یكصاع ، و دیدم كودكان او را پریشان مویها و غبار آلود رنگها از غایت فقر گویا سیاه رنگ شده بود رخسارهاى ایشان با رنگ نیل ، و آمد و رفت نمود نزد من در حالتی كه تأكید كننده بود در خواهش خود ، و مكرر كرد بر من آن سخن را در حالتى كه اعاده نماینده بود ، پس برگرداندم بطرف او گوش خود را پس گمان نمود كه مى‏فروشم باو دین خود را و متابعت مى‏كنم افسار او را در حالتى كه مفارقت كننده باشم از طریق عدالت خود چون اصرار از أندازه گذرانید پس گرم كردم از براى او آهنى را بعد از آن نزدیك كردم آن آهن گرم را از بدن او تا عبرت بردارد بآن ، پس ناله كرد مثل ناله كردن صاحب مرض از درد آن و نزدیك بود كه بسوزد از اثر آن آهن ، پس گفتم او را كه بنشینند در ماتم تو زنانى كه بچه مردگان باشند اى عقیل آیا ناله میكنى از آهنى كه گرم كرده باشد آن را آدمى براى شوخى و بازیچه‏گى خود ، و میكشى مرا بآتشى كه افروزنده است آن را خداوند قهار آن براى غضب و خشم خود ،

آیا ناله مى‏كنى از اذیّت این آهن و ناله نكنم من از آتش سوزان جهنّم .

و عجب‏تر از این قصّه عقیل اینست كه آینده وقت شب آمد نزد ما با هدیه پیچیده شده در ظرفش و با معجونى كه دشمن داشتم آن را بأندازه كه گویا سرشته شده آن با آب دهن مار یا با قی‏ء آن ، پس گفتم بأو آیا این عطیّه است یا زكاة است یا صدقه پس این حرام است بر ما أهل بیت رسالت ، پس گفت نه اینست و نه آن و لكن هدیه است كه آورده‏ام ، پس گفتم گریان باد بتو چشم مادر بى پسر تو آیا از دین خدا آمده نزد من تا فریب دهى مرا ، آیا مرض خبط دارى یا صاحب جنون هستى یا هذیان مى‏گوئى ، قسم بخدا اگر عطا كرده شوم من اقلیمهاى هفتگانه را با آنچه كه در زیر افلاك آنهاست بر آنكه معصیت نمایم خدا را در

[ 308 ]

حقّ مورچه كه بربایم از او پوست جویرا ، نمى‏كنم این كار را ، و بدرستى كه دنیاى شما نزد من هر آینه خوارتر است از برگى كه در دهن ملخ باشد بخورد آن را ، چیست علی را با نعمت فانى و لذّت غیر باقی ، پناه میبرم بخدا از غفلت عقل و قباحت لغزش و بأو استعانت میكنم در امور دنیا و آخرت .