[ 225 ] و من دعاء له ع یلتجئ إلى

اللّه أن یغنیه اَللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِی بِالْیَسَارِ وَ لاَ تَبْذُلْ جَاهِیَ بِالْإِقْتَارِ فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِی رِزْقِكَ وَ أَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ وَ أُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِی وَ أُفْتَتَنَ بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِی وَ أَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِیُّ اَلْإِعْطَاءِ وَ اَلْمَنْعِ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌ


و من دعاء له علیه السّلام و هو المأتان و الثالث و العشرون من المختار فى باب الخطب

اللّهمّ صن وجهی بالیسار ، و لا تبذل جاهی بالإقتار ، فأسترزق طالبی رزقك ، و أستعطف شرار خلقك ، و ابتلى بحمد من أعطانی ،

و أفتتن بذمّ من منعنی ، و أنت من ورآء ذلك كلّه ولىّ الإعطاء و المنع ،

إنّك على كلّ شى‏ء قدیر .

اللغة

( صانه ) صونا و صیانا و صیانة حفظه فهو مصون و ( الوجه ) هنا بمعنى الجاه و منه كان لعلیّ علیه السّلام وجه من النّاس حیاة فاطمة أى جاه و عزّ قاله ابن الأثیر و ( البذل ) كالابتذال ضدّ الصیانة ، و المبتذل بالكسر لابس البذلة و هو الثّوب الخلق و ما لا یصان من الثّیاب و ( القتر ) و التقتیر الرّمقة من العیش و قلّة النفقة و أقتر على عیاله ضیّق فی النفقة .

[ 309 ]

الاعراب

قوله علیه السّلام : فأسترزق ، منصوب بأن مضمرة وجوبا لوقوعه فی جواب الدّعاء و قوله : و أنت آه الجملة فی محلّ النّصب على الحال و أنت مبتدء و الظّرف خبره و ولیّ خبر بعد خبر و یجوز كون ولیّ خبره و الظّرف متعلّقا به متقدّما علیه للتّوسع فیكون ظرف لغو .

المعنى

اعلم أنّ مقصوده بهذا الدّعاء طلب الغنى و عدم الابتلاء بالفقر و لوازمه فقوله ( اللهمّ صن وجهی بالیسار ) أى اجعل جاهى محفوظا بالغنى و السّعة حتّى أستغنى عن مسألة المخلوقین ، و مراده علیه السّلام به الكفاف و هو ما یكفّ عن المسألة و یستغنى به فیكون مساوقا لما ورد فی الدّعاء النبویّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المروىّ فی الكافی : اللهمّ ارزق محمّدا و آل محمّد الكفاف ، و هو بالفتح ما لا یحتاج معه و لا یفضل عن الحاجة فهو متوسّط بین الفقر و الغنى و خیر الامور أوسطها و إنّما سمّی بذلك لأنّه یكفّ عن النّاس و یغنى عنهم .

و فى الكافى أیضا عن النّوفلى عن السّكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : اللهمّ ارزق محمّدا و آل محمّد و من أحبّ محمّدا و آل محمّد العفاف و الكفاف و ارزق من أبغض محمّدا و آل محمّد المال و الولد .

قال بعض شرّاح الحدیث : العفاف بالفتح عفّة البطن و الفرج عن الطّغیان أو العفّة من السّؤال عن الانسان أو الجمیع ، و قال : لمّا كان شی‏ء من المال ضروریّا فی البقاء و العبادة و هو الكفاف الواقع بین الطرفین طرف الفقر الّذى فیه رائحة الكفر و العصیان ، و طرف الغنى الّذى فیه شایبة التّكبّر و الطغیان ، طلبه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لنفسه و لمحبّیه ، و طلب لمن أبغضهم طرف الغنى و الكثرة لأنّ مفاسده أكثر و أعظم و فتنته أشدّ و أفحم من مفاسد الفقر و فتنته كما قال عزّ و جلّ إنّما أموالكم و أولادكم فتنة و قال إنّ الانسان لیطغى أن رآه استغنى .

و بالجملة لمّا كان حصول الكفاف مانعا من دواعى طرفى التّفریط و الافراط

[ 310 ]

و كان العبد معه مستقیم الأحوال على سواء الصّراط طلبه لنفسه و لمحبّیه .

قال الشّارح : و اعلم أنّ الأحادیث مختلفة ففى بعضها طلب الغنى و الیسار و فی بعضها طلب الكفاف ، و فی بعضها طلب الفقر ، و فی بعضها الاستعاذة من الفقر ،

و وجه الجمع بینها أن یقال : المراد بطلب الغنى طلب الكفاف لأنّ الكفاف هو المطلوب عند أهل العصمة ، و لیس المراد به ما هو المتعارف عن أبناء الدّنیا من جمع المال و اذخاره و الاتّساع به فوق الحاجة ، فانّ ذلك مناف لما هو المعهود من حالهم من طلاق الدّنیا و الزّهد فیها و قد قال أمیر المؤمنین علیه السّلام :

علّل النّفس بالكفاف و إلاّ
طلبت منك فوق ما یكفیها

ما لما قد مضى و لا للّذى لم
یأت من لذّة لمستحلّیها

إنّما أنت طول مدّة ما
عمرت كالسّاعة التی أنت فیها

و رواه فی البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة ، و قال أیضا من نظمه علیه السّلام

دلیلك أنّ الفقر خیر من الغنى
و أنّ قلیل المال خیر من المثرى

لقاؤك مخلوقا عصى اللّه بالغنى
و لم تر مخلوقا عصى اللّه بالفقر

و هذا هو الذى أراد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بقوله : نعم المال الصّالح للعبد الصّالح و المراد بطلب الفقر طلب قدر الحاجه و الكفاف لأنّ الكفاف فقر عند أهل الدنیا و إن كان یسارا عندهم علیهم السّلام و المراد بالاستعاذة من الفقر الاستعاذة ممّا دون الكفاف و هو الفقر عندهم علیهم السّلام و أقوى أفراده عند أهل الدّنیا هذا .

و قال المحدّث العلاّمة المجلسىّ قدّس سرّه : سؤال الفقر لم یرو فى الأدعیّة بل ورد فى أكثرها الاستعاذة من الفقر الذى یشقى به و عن الغنى الذى یسیر سببا لطغیانه انتهى .

و كیف كان فقد ظهر بذلك كلّه أنّ غرضه علیه السّلام بالسؤال صون جاهه و عزّه بالیسار لاستلزام الغنى احترام صاحبه عند عامّة النّاس كاستلزام الفقر لمهانة المبتلى به عندهم .

[ 311 ]

و لذلك عقّبه بقوله ( و لا تبذل جاهى بالاقتار ) أى لا تجعل مروّتى و حرمتى ساقطة عند النّاس بضیق المعیشة و قلّة النفقة ، فانّ الاقتار یوجب الاستهانة و الاحتقار و استخفاف النّاس بالمتّصف به .

و من هنا قال الصّادق علیه السّلام : لا تدعوا التّجارة فتهونوا .

و فی بعض الآثار أحسنوا تعهّد المال فانّه ما افتقر أحد قطّ إلاّ أصابه ثلاث خصال : رقّة فى دینه ، و ضعف فى عقله ، و ذهاب من مروّته ، و الرابعة هى العظمى و هى استخفاف الناس به .

و فى وصایا لقمان : یا بنىّ اكلت الحنظل و ذقت الصّبر فلم یكن أمرّ من الفقر ، فان افتقرت فلا تحدّث النّاس كیلا ینتقصوك .

و ترك ابن المبارك دنانیر و قال : اللّهمّ إنك تعلم أنّى لم أجمعها إلاّ لأصون بها حسبى و دینى .

و قالت الحكماء : المال یرفع صاحبه و إن كان وضیع النّسب قلیل الأدب و ینصره و إن كان جبانا ، و ینبسط لسانه و إن كان عیابة ، یظهر المروة و یتم الریاسة یصلك إذا قطعك النّاس ، و ینصرك إذ اخذ لك الأقربون ، و لولاه ما مدح كریم و لا صین حریم .

و كان بعضهم یقول : النّاس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشّمس ، و من الذّئب للمصر ، و من الحكم للمقرّ ، و هو عندهم أرفع من السّماء و أعذب من الماء و أحلى من الشهد و أزكى من الورد ، خطاؤه صواب ، و سیئته حسنة و قوله مقبول ،

و حدیثه مغسول ، یغشى مجلسه و لا یملّ صحبته ، و المفلس عند النّاس أكذب من لمعان السّراب ، و من سحاب تموز لا یسأل منه إن تخلّف ، و لا یسلّم علیه إن قدم إذا غاب شتموه و إن حضر طردوه و إذا غضب ضعفوه ، مصافحته تنقض الوضوء ،

و قراءته تقطع الصّلاة أثقل من الامانة و أبغض من المبرم الملحف .

و قد أكثر الشعراء فی نظمهم من هذا المعنى قال بعضهم :

[ 312 ]

فصاحة سحبان و خطّ ابن مقلة
و حكمة لقمان و زهد ابن أدهم

إذا اجتمعت للمرء و المرء مفلس
فلیس له قدر بمقدار درهم

و قال آخر :

و زینی للغنی أسعى فانی
رأیت الناس شرّهم الفقیر

و أبعدهم و أهونهم علیهم
و إن أمسى له حسب و خیر

و یكرهه النّدى و تزدریه
خلیلته و ینهره الصّغیر

و یلقى ذو الغنى و له جلال
یكاد فؤاد صاحبه یطیر

قلیل ذنبه و الذنب جمّ
و لكن الغنی ربّ غفور

و قال آخر :

و لم أر بعد الدّین خیرا من الغنی
و لم أر بعد الكفر شرّا من الفقر

و قال الزّمخشرى :

لا تلمنی إذا رقیت الأواقی
فالأواقی لماء وجهى اراقى

ثمّ المراد بالجاه أیضا الذى سأل علیه السّلام صونه بالیسار و عدم ابتذاله بالاقتار لیس ما یقصد به الفخر و التّرأس كما هو شأن أهل الدنیا بل ما یستعان به على القیام بطاعة اللّه و عبادته و أداء حقوقه اللازمة و الذى من هو اللّه سبحانه به على الأنبیاء و اشیر إلیه فی قوله تعالى یا مریم إنّ اللّه یبشّرك بكلمة اسمه المسیح عیسى بن مریم وجیهاً فی الدنیا و الآخرة .

و فى الحدیث النّبوى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اذا كان یوم القیامة دعى اللّه بعبد من عباده فیتوقّف بین یدیه فیسأله عن جاهه كما یسأله عن ماله و قوله علیه السّلام ( فأسترزق طالبى رزقك ) الفاء للسّببیّة أى فیسبّب ابتذال جاهى بالاقتار أن أسترزق طالبى رزقك الذین من شأنهم أن یطلبوا منك الرزق لا أن یطلب منهم .

( و أستعطف شرار خلقك ) أى أطلب العاطفة و الافضال من شرار خلقك الذین لیسوا بأهل الاستعطاف ، و فی بیانه لهذین السببین تأكید للالتجاء باللّه تعالى فی

[ 313 ]

صیانته من الفقر و اعاذته من الابتذال اذ فى استرزاق الخلق و استعطافهم من الذلّ و الخضوغ و التّملّق و المهانة للمسؤل منه ما یجب أن یتضرّع إلى اللّه عزّ و جلّ فی الوقایة منه .

و قد تواترت الأخبار و الآثار و تطابقت الأشعار على ذمّ السّؤال و كراهة بذل الوجه فی الطّلب من الخلق خصوصا ممّن لم یكن معروفا بالمعروف .

فمن ذلك ما فی الكافی عن عبد الأعلى بن أعین قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : طلب الحوائج إلى النّاس استلاب للعزّ مذهبة للحیاء و الیأس مما فی أیدى النّاس عزّ للمؤمن فی دینه و الطمع هو الفقر الحاضر .

و فیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ اللّه تبارك و تعالى أحبّ شیئا لنفسه و أبغضه لخلقه أبغض لخلقه المسألة و أحبّ لنفسه أن یسأل و لیس شی‏ء أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّ من أن یسأل فلا یستحى أحدكم أن یسأل اللّه عزّ و جلّ من فضله و لو شسع نعله .

و روى عنه علیه السّلام ایاكم و سؤال النّاس فانّه ذلّ فی الدّنیا و فقر تعجّلونه و حساب طویل یوم القیامة .

و عن أبیجعفر علیه السّلام لو یعلم السائل ما فی المسألة ما سأل أحد أحدا ، و لو یعلم المعطى ما فی العطیّة ما ردّ أحد أحدا .

و فى البحار عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : قال اللّه عزّ و جلّ ما من مخلوق یعتصم بمخلوق دونی إلاّ قطعت أسباب السّماوات و أسباب الأرض من دونه فان سألنی لم اعطه و إن دعانی لما اجبه ، و ما من مخلوق یعتصم بی دون خلقی إلاّ ضمنت السّماوات و الأرض رزقه فان دعانی أجبته و إن سألنى أعطیته و إن استغفرنى غفرت له .

و قال بعض السّلف : من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرّثّ ، فان قضاها المسؤل استعبده بها و إن ردّه عنها رجع حرّا و هما ذلیلان هذا بذلّ اللؤم و ذلك بذلّ الرّد ، و من الشعر المنسوب إلى الحسین علیه السّلام :

[ 314 ]

أغن عن الخلق بالخالق
تغن عن الكاذب بالصّادق

و استرزق الرّحمة من فضله
فلیس غیر اللّه من رازق

و قال محمود الورّاق :

ساو الملوك قصورهم و تحصّنوا
من كلّ طالب حاجة أو راغب

فارغب إلى تلك الملوك و لا تكن
بادى الضّراعة طالبا من طالب

و قال آخر :

لموت الفتى خیر من البخل للفتى
و للبخل خیر من سؤال فقیر

لعمرك ما شى‏ء لوجهك قیمة
فلا تلق إنسانا بوجه ذلیل

ثمّ الظّاهر أنّ مراده علیه السّلام بشرار الخلق فى قوله : و أستعطف شرار خلقك من لم یكن أهلا للمعروف و من هو باللّوم موصوف ، فان طلب العاطفة و البرّ منهم أمرّ على ذوى الوجوه من طعم الحنظل و العلقم و أدهى و أضرّ من إدخال الید فى فم الأرقم .

قال شارح الصّحیفة السّجادیة : قد روى أنّ فى زبور داود علیه السّلام إن كنت تسأل عبادى فاسأل معادن الخیر ترجع مغبوطا مسرورا ، و لا تسأل معادن الشرّ ترجع ملوما محسورا .

و روى المحدّث الجزایرى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : قلت : اللّهمّ لا تحوجنى الى أحد من خلقك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا تقولنّ هكذا فلیس من أحد إلاّ و هو محتاج إلى النّاس ، قال : فكیف أقول یا رسول اللّه ؟ قال : قل : اللهمّ لا تحوجنى إلى شرار خلقك ، قال : قلت : یا رسول اللّه و من شرار خلقه ؟ قال : الّذین إذا اعطوا منّوا و إذا منعوا عابوا .

و فى الأثر أنّ اللّه تعالى أوحى إلى موسى على نبیّنا و علیه السّلام لأن تدخل یدك فى فم التّنین إلى المرفق خیر من أن تبسطها إلى غنىّ نشأ فى الفقر .

و فى كلامهم : لا شى‏ء أوجع للأحرار من الرّجوع إلى الأشرار .

[ 315 ]

و قیل لأعرابى : ما السّقم الّذى لا یبرء و الجرح الّذى لا یندمل ؟ قال حاجة الكریم إلى اللئیم .

و أوصى بعضهم ابنه فقال : لا تدنّس عرضك و لا تبذلنّ وجهك بالطّلب إلى من ردّك كان ردّه علیك عیبا و ان قضى حاجتك جعلها علیك منّا ، و احتمل الفقر بالتنزّه عمّا فى أیدى النّاس و الزم القناعة بما قد قسم لك .

و قال رجل لابنه : ایاك أن تریق ماء وجهك عند من لا ماء فى وجهه رأى الاصمعى كنّاسا یكنّس كنیفا و هو ینشد :

و اكرم نفسى انّنى ان أهنتها
و حقّك لم تكرم على أحد بعدى

و قال : فقلت له : یا هذا إنّك و اللّه لم تترك من الهوان شیئا إلاّ و قد فعلته بنفسك مع هذه الحرفة ، فقال : بلى و اللّه إننى صنتها عمّا هو أعظم من هذا من الهوان فقلت و اىّ شى‏ء هو ؟ قال : سؤال مثلك ، قال : فانصرفت عنه و أنا من أخزى النّاس .

و قال عمر بن أحمد الباهلى :

من یطلب المعروف من غیر أهله
یجد مطلب المعروف غیر یسیر

إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة
من الذّلّ سار الذلّ كلّ مسیر

و قال آخر :

و إذا بلیت ببذل ماء وجهك سائلا
فابذله للمتكرّم المفضال

إنّ الجواد إذا حباك بموعد
أعطاكه سلسا بغیر مطال

ما اعتاض باذل وجهه بمطاله
عوضا و لو نال المنى بسؤال

و إذا السّؤال مع النّوال قرنته
رجح السّؤال و خفّ كلّ نوال

و قال آخر :

اسأل العرف إن سألت جوادا
لم یزل یعرف الغنى و الیسارا

فاذا لم تجد من الذّل بدّا
فالق بالذّل إن لقیت الكبارا

لیس إجلالك الكبیر بذلّ
إنّما الذّلّ أن تجلّ الصّغارا

[ 316 ]

و قال آخر :

إنّ الغنى عن لئام النّاس مكرمة
و عن كرامهم أدنى إلى الكرم

و فى البحار من الكافی عن بكر الارقط أو ابن شبیب عن أبیعبد اللّه علیه السّلام انّه دخل علیه واحد فقال له : أصلحك اللّه انّی رجل منقطع الیكم بمودّتى و قد أصابتنى حاجة شدیدة و قد تقرّبت بذلك إلى أهل بیتی و قومی فلم یزدنى بذلك منهم الاّ بعدا ، قال علیه السّلام : فما أتاك اللّه خیر ممّا أخذ منك ، قال : جعلت فداك ادع اللّه أن یغنینی من خلقه ، قال علیه السّلام إنّ اللّه تعالى قسّم رزق من شاء على یدى من شاء ، و لكن اسأل اللّه أن یغنیك عن الحاجة الّتی تضطرّك إلى لئام خلقه .

قال العلامة المجلسیّ قدّس سرّه : اللئام جمع اللّئیم یقال للشّحیح الدّنىّ النّفس و المهین و نحوهم ، لأنّ اللّؤم ضدّ الكرم ، و یؤمى الحدیث إلى أنّ الفقر المذموم ما یصیر سببا كذلك و غیر ممدوح و ذمّه لأنّ اللّئیم لا یقضى حاجة و ربّما یلومه فی رفع الحاجة إلیه و إذا قضاه لا یخلو من منّه ، و یمكن أن یشمل الظالم و الفاسق المعلن بفسقه .

و فی كثیر من الأدعیّة : اللّهم لا تجعل لظالم و لا فاسق علىّ یدا و لا منّة و ذلك لأنّ القلب مجبول بحبّ من أحسن إلیه و فی حبّ الظّالم معاصى كثیرة كما فی قوله تعالى و لا تركنوا إلى الّذین ظلموا فتمسّكم النّار هذا .

و فی عطف قوله علیه السّلام ( و ابتلى بحمد من أعطانی و افتتن بذمّ من منعنى ) على ما سبق تاكید آخر للاعاذة من الاقتار الموجب لاسترزاق طالبى الرّزق و استعطاف شرار الخلق المستلزمین للابتلاء بثناء المعطى و الافتتان بازراء المانع أى المیل إلى تعییبه دونه و الطّعن علیه لكون النّفوس مجبولة مفتونة بذلك بشهادة العیان و التّجربة .

و یشیر إلیه أیضا قوله تعالى و منهم من یلمزك فی الصّدقات فان اعطوا منها رضوا و ان لم یعطوا منها إذا هم یسخطون .

و إنّما أكّد علیه السّلام التجاءه إلى اللّه تعالى بذكر هذین اللازمین لأنّ ابتلاء

[ 317 ]

العبد و افتتانه بحمد المخلوق و ذمّه معطیا و ما نعا یوجبان انصرافه عن الخالق و عنایته بالمخلوق و هما خلاف وظیفة العبودیة .

و قوله علیه السّلام ( و أنت من وراء ذلك كله ولىّ الاعطاء و المنع ) قد قلنا إنّ الجملة حالیة أى لا تبذل جاهى بالاقتار فیلحقنی بسببه ما یلحقنی من المكاره المعدودة و الحال انّك من وراء ذلك الخلق كلّه القیّم بالاعطاء و المنع و القاهر القادر على التّیسیر و التّقتیر ، لأنّ أزمة الامور كلّها بید قدرتك .

و المراد بكونه من وراء الخلق سلطانه علیهم و احاطته بهم كما قال تعالى :

بل الّذین كفروا فى تكذیب . و اللّه من ورائهم محیط قال أمین الاسلام قدّس سرّه : معناه أنّهم فى قبضة اللّه و سلطانه لا یفوتونه كالمحاصر المحاط به من جوابه لا یمكنه الفوات و الهرب و هذا من بلاغة القرآن .

و قوله علیه السّلام ( انّك على كلّ شى‏ء قدیر ) مسوق فی معرض التّعلیل لكونه عزّ و جلّ ولیّ الاعطاء و المنع ، أى أنت ولیّهما بمقتضى عموم قدرتك على جمیع الأشیاء .

تبصرة

هذا الدّعاء الّذى نسبه الرّضیّ قدّس سرّه إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام قد روى عن علىّ بن الحسین علیهما السّلام فى ضمن أدعیّة الصّحیفة الكاملة فى فقرات دعائه علیه السّلام فى مكارم الأخلاق باختلاف یسیر و هو قوله علیه السّلام : اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و صن وجهى بالیسار و لا تبتذل جاهى بالاقتار فأسترزق أهل رزقك و أستعطى شرار خلقك ،

فافتتن بحمد من أعطانى و ابتلى بذمّ من منعنى و أنت من دونهم ولىّ الاعطاء و المنع ، هكذا وجدته .

تذییل

قد تقدّم فی شرح الكلام السّادس و الأربعین فصل مبسوط فی فضل الدّعاء و التّرغیب علیه و مطلوبیته من طریق العقل و النّقل و مطالب نفیسة ینفعك مراجعتها فی هذا المقام ، و أحببت أن اورد هنا بعض الأدعیّة الواردة فی طلب الرّزق

[ 318 ]

فأقول و باللّه التوفیق :

روى فی البحار من العیون عن الرّضا علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

من أنعم اللّه عزّ و جلّ علیه نعمة فلیحمد اللّه ، و من استبطأ الرّزق فلیستغفر اللّه ،

و من حزنه أمر فلیقل لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه .

و فیه من الخصال عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : الاستغفار یزید فی الرّزق .

و فیه من الكتاب العتیق الغروى دعاء اللهمّ كما صنت وجهى عن السجود إلاّ لك فصنه عن طلب الرّزق إلاّ منك ، اللهمّ قوّنی على ما خلقتنى له و لا تشغلنى بما تكلّفت « تكفّلت ظ » لی به و اعصمنی ممّا تعاقبنی علیه .

و منه أیضا دعاء فى سجدة الشّكر لطلب الرّزق : اللهمّ یا من لا یزید ملكه حسناتی و لا تشینه سیّئاتی و لا ینقص خزائنه غناى و لا یزید فیها فقرى صلّ على محمّد و آل محمّد و أثبت رجاءك فی قلبی و اقطع رجائی عمّن سواك حتّى لا أرجو إلاّ إیّاك و لا أخاف إلاّ منك و لا أثق إلاّ بك و لا أتّكل إلاّ علیك ، و أجرنی من تحویل ما أنعمت به علىّ فی الدّین و الدّنیا و الآخرة أیّام الدّنیا برحمتك یا أرحم الرّاحمین و فیه من علل الشرایع عن سلیمان بن مقبل قال : قلت لأبی الحسن موسى علیه السّلام : لأىّ علة یستحبّ للانسان إذا سمع الأذان أن یقول كما یقول المؤذّن و إن كان على البول و الغایط ؟ قال علیه السّلام : إنّ ذلك یزید فی الرّزق .

و من الأمالى عن أحمد بن عامر عن الرّضا علیه السّلام عن آبائه علیهم السّلام قال : قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من قال فی كلّ یوم مأة مرّة لا إله إلاّ اللّه الحقّ المبین ، استجلب به الغنى و استدفع به الفقر و سدّ عنه باب النّار و استفتح له باب الجنّة .

و من ثواب الأعمال عن محمّد بن عمر رفعه إلى أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : من كتب على خاتمه ما شاء اللّه لا قوّة إلاّ باللّه استغفر اللّه ، أمن من الفقر المدقع .

و من المحاسن عن النّوفلىّ عن السّكونى عن الصّادق علیه السّلام عن آبائه علیهم السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من ألحّ علیه الفقر فلیكثر لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه ینفى اللّه عنه الفقر .

[ 319 ]

و من تفسیر العیاشى عن النّوفلى عن السّكونى عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام قال : إنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : فقد رجلا فقال ما بطأ بك عنّا ؟ فقال : السقم و العیال فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ألا أعلّمك بكلمات تدعو بهنّ یذهب اللّه عنك السّقم و ینفى عنك الفقر لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم توكّلت على الحیّ الذى لا یموت الحمد للّه الّذی لم یتّخذ ولدا و لم یكن له شریك فی الملك و لم یكن له ولیّ من الذّلّ و كبّره تكبیرا .

و رواه فی الكافی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام نحوه و زاد فی آخره فقال الرّجل :

فو اللّه ما قلته إلاّ ثلاثة أیّام حتّى ذهب عنّی الفقر و السّقم ، و قد تقدّم تمامه بهذا الطریق فی شرح الخطبة المأتین و الثّالثة عشر و فى البحار أیضا من عدّة الدّاعی عن الصّادق علیه السّلام لطلب الرّزق : یا اللّه یا اللّه یا اللّه أسألك بحقّ من حقّه علیك عظیم أن تصلّی على محمّد و آل محمّد و أن ترزقنی العمل بما علّمتنی من معرفة حقّك و أن تبسط علیّ ما حظرت من رزقك و من الاختصاص عن القسم بن برید عن أبیه قال دخلت على أبیعبد اللّه علیه السّلام فقلت : جعلت فداك قد كان الحال حسنا و أنّ الأشیاء الیوم متغیّرة ، فقال علیه السّلام :

إذا قدمت الكوفة فاطلب عشرة دراهم فان لم تصبها فبع و سادة من وسائدك بعشرة دراهم ثمّ ادع عشرة من أصحابك و اصنع لهم طعاما فاذا أكلوا فاسألهم فیدعوا اللّه لك ، قال : فقدمت الكوفة فطلبت عشرة دراهم فلم أقدر علیها حتّى بعت وسادتا لی بعشرة دراهم كما قال علیه الصّلاة و السّلام و جعلت لهم طعاما و دعوت أصحابی عشرة فلما اكلوا سألتهم أن یدعوا اللّه تعالى فما مكثت حتّى مالت علىّ الدّنیا ، هذا .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة مرویّة فی كتب أصحابنا منقولة عن أئمّتنا علیهم صلوات اللّه الملك المنّان المبین ، و لنقتصر على ما أوردنا و اللّه الموفّق و هو الرّزاق ذو القوّة المتین .

[ 320 ]

الترجمة

از جمله دعاى آن امام است بارالها حفظ بفرما قدر و منزلت مرا با غنا و وسعت معیشت ، و مبتذل مكن جاه و مرتبه مرا با فقر و تنگی روزى تا اینكه محتاج شوم بطلب كردن روزى از طالبان روزى تو ، و طلب كردن عاطفت و احسان از شریران خلق تو ، و مبتلا شوم بتعریف و توصیف كسى كه بمن ریزش نماید ، و مایل شوم بمذمّت آن كسى كه از من مضایقه كند ، و حال آنكه تو از پشت همه این خلق متولّی إعطاء و منع هستى ،

بدرستیكه تو بر همه چیز قادر و قاهرى .