[ 226 ] و من خطبة له ع فی التنفیر من الدنیا

دَارٌ بِالْبَلاَءِ مَحْفُوفَةٌ وَ بِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ لاَ تَدُومُ أَحْوَالُهَا وَ لاَ یَسْلَمُ نُزَّالُهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَ تَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ اَلْعَیْشُ فِیهَا مَذْمُومٌ وَ اَلْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ وَ إِنَّمَا أَهْلُهَا فِیهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرْمِیهِمْ بِسِهَامِهَا وَ تُفْنِیهِمْ بِحِمَامِهَا وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّكُمْ وَ مَا أَنْتُمْ فِیهِ مِنْ هَذِهِ اَلدُّنْیَا عَلَى سَبِیلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً وَ أَعْمَرَ دِیَاراً وَ أَبْعَدَ آثَاراً أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً وَ رِیَاحُهُمْ رَاكِدَةً وَ أَجْسَادُهُمْ بَالِیَةً وَ دِیَارُهُمْ خَالِیَةً وَ آثَارُهُمْ عَافِیَةً فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ اَلْمَشَیَّدَةِ وَ اَلنَّمَارِقِ اَلْمُمَهَّدَةِ اَلصُّخُورَ وَ اَلْأَحْجَارَ اَلْمُسَنَّدَةَ وَ اَلْقُبُورَ اَللاَّطِئَةَ اَلْمُلْحَدَةَ اَلَّتِی قَدْ بُنِیَ عَلَى اَلْخَرَابِ فِنَاؤُهَا وَ شُیِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ وَ سَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَیْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِینَ وَ أَهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِینَ لاَ یَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ وَ لاَ یَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ اَلْجِیرَانِ عَلَى مَا بَیْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ اَلْجِوَارِ وَ دُنُوِّ اَلدَّارِ وَ كَیْفَ یَكُونُ بَیْنَهُمْ تَزَاوُرٌ وَ قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ اَلْبِلَى وَ أَكَلَتْهُمُ اَلْجَنَادِلُ وَ اَلثَّرَى وَ كَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَیْهِ وَ اِرْتَهَنَكُمْ ذَلِكَ اَلْمَضْجَعُ وَ ضَمَّكُمْ ذَلِكَ اَلْمُسْتَوْدَعُ فَكَیْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ اَلْأُمُورُ وَ بُعْثِرَتِ اَلْقُبُورُ هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلاهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا یَفْتَرُونَ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأتان و الرّابعة و العشرون من المختار فى باب الخطب

و هی مرویّة فی البحار من كتاب عیون الحكمة و المواعظ باختلاف و زیادة كثیرة تقف علیها إنشاء اللّه بعد الفراغ من شرح ما أورده السّید فی المتن ، و هو قوله علیه السّلام :

دار بالبلاء محفوفة ، و بالغدر معروفة ، لا تدوم أحوالها ، و لا تسلم نزّالها ، أحوال مختلفة ، و تارات متصرّفة ، ألعیش فیها مذموم ،

و الأمان منها معدوم ، و إنّما أهلها فیها أغراض مستهدفة ، ترمیهم بسهامها ، و تفنیهم بحمامها .

[ 321 ]

و اعلموا عباد اللّه أنّكم و ما أنتم فیه من هذه الدّنیا على سبیل من قد مضى قبلكم ممّن كان أطول منكم أعمارا ، و أعمر دیارا ، و أبعد آثارا ، أصبحت أصواتهم هامدة ، و ریاحهم راكدة ، و أجسادهم بالیة ،

و دیارهم خالیة ، و آثارهم عافیة ، فاستبدلوا بالقصور المشیّدة ، و النّمارق الممهّدة ، الصّخور و الأحجار المسنّدة ، و القبور اللاّطئة الملحدة ، الّتی قد بنی بالخراب فنآئها ، و شیّد بالتّراب بنائها ، فمحلّها مقترب ، و ساكنها مغترب ، بین أهل محلّة موحشین ، و أهل فراغ متشاغلین ، لا یستأنسون بالأوطان ، و لا یتواصلون تواصل الجیران ، على ما بینهم من قرب الجوار ، و دنوّ الدّار .

و كیف یكون بینهم تزاور و قد طحنهم بكلكله البلى ، و أكلتهم الجنادل و الثّرى ، و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إلیه ، و ارتهنكم ذلك المضجع ، و ضمّكم ذلك المستودع ، فكیف بكم لو تناهت بكم الامور ،

و بعثرت القبور ، هنا لك تبلو كلّ نفس ما أسلفت و ردّوا إلى اللّه مولیهم الحقّ و ضلّ عنهم ما كانوا یفترون .

اللغة

( سلم ) المسافر یسلم من باب تعب نجا و خلص من الآفات و ( تارات )

[ 322 ]

جمع تارة و هى مرّة واحدة و ( الأغراض ) جمع الغرض و هى الهدف الّذى یرمى إلیه السّهام و ( المستهدفة ) بصیغة الفاعل أى منتصبة للرمى إلیها ، و فی بعض النّسخ بصیغة المفعول أى جعلت هدفا و ( همد ) النّار همودا من باب قعد ذهب حرّها و لم یبق منها شی‏ء و همدت الرّیح سكنت .

و ( المشیّدة ) بضمّ المیم و تشدید الیاء و فتحها كما فی قوله تعالى و لو كنتم فی بروج مشیّدة أى قصور مصونة و قیل : مجصّصة و قیل : مزینة ، و فی بعض النّسخ المشیدة بفتح المیم و تخفیف الیاء كما فی قوله تعالى و قصر مشید أى المعمول بالشّید و الجصّ یقال : شدت البیت من باب باع أى بنیته بالجصّ و شاده شیدا أى جصّصه .

و ( النّمرق ) و النمرقة بتثلیث النّون و ضمّ الرّاء الوسادة و هى المتكاء ،

و الجمع نمارق قال تعالى و نمارق مصفوفة و ( المسنّدة ) بتشدید النّون و تخفیفها من سند إلى الشّی‏ء من باب قعد و تعب اعتمد علیه كاستند إلیه و یعدّى بالهمزة و التّضعیف یقال اسندته إلى الشّی‏ء و سندته فسند هو و ( اللّطأ ) بالأرض من باب منع و فرح لصق و ( لحد ) القبر و ألحده عمل به لحدا و ( فناء ) البیت بالكسر ما امتدّ من جوانبه .

و ( موحشین ) فی بعض النّسخ بصیغة الفاعل من أوحش المكان و توحش خلا من الانس و أوحش النّاس أى انقطع و بعد قلوبهم عن المودّة و الالفة و فی بعضها بصیغة المفعول من أوحش الأرض وجدها وحشة خالیة من الانس كلّها مأخوذة من الوحش و هو ما لا یستأنس من دواب البرّ و یقال إذا أقبل اللّیل : استأنس كلّ و حشىّ و استوحش كلّ انسىّ .

و ( الكلكل ) و زان جعفر الصّدر و ( الجندل ) و زان جعفر أیضا ما یقلّه الرّجل من الحجارة و قد تكسر الدّال و ( بعثرات القبور ) أى قلّبت ترابها و أخرج موتاها من بعثرت الشی‏ء و بعثرته إذا استخرجته و كشفته .

[ 323 ]

الاعراب

قوله علیه السّلام : دار ، خبر لمبتدء محذوف أى الدّنیا دار ، و قوله : أحوال مختلفة أیضا خبر محذوف المبتدء أى أحوالها أحوال مختلفة ، و قوله : الأمان منها معدوم ،

فی نسخة الشّارح المعتزلی و كذا البحرانی بدل منها فیها ، و قوله : ترمیهم بسهامها الباء للتّعدیة إلى المفعول الثّانی أى ترمى إلیهم سهامها ، و قوله : تفنیهم بحمامها الباء للآلة ، و قوله : إنّكم و ما أنتم فیه ، الواو بمعنى مع ، و قوله : فاستبدلوا بالقصور ، الباء للمقابلة ، و قوله : قد بنى بالخراب ، الباء بمعنى على ، و یؤیّده ما فی بعض النّسخ على الخراب بدله و هى للاستعلاء المجازى .

و قوله : بین أهل ، متعلّق بقوله : مغترب ، و على فی قوله : على ما بینهم ،

بمعنى مع كما فی قوله تعالى و آتى المال على حبّه و قوله : انّ ربّك لذو مغفرة على النّاس على ظلمهم و قوله : و قد طحنهم ، الجملة فی محلّ النّصب على الحال ، و البلى فاعل طحن ، و قوله : و كأن قد صرتم ، مخفّف كأنّ المشبّهة و الاسم محذوف أى كأنّكم ، و یحتمل أن یكون ضمیر شأن أى كأنّه قد صرتم و على التّقدیرین فكأن هنا مفیدة للتّقریب لأنّ شباهة الأحوال بعضها ببعض تفید قرب بعضها من بعض ، و قوله : فكیف بكم ، الفاء فصیحة و كیف اسم استفهام فی محلّ الرّفع خبر لمبتدء محذوف أى فكیف الحال بكم .

المعنى

اعلم أنّ الغرض من هذه الخطبة الشریفة الثّنفیر عن الدّنیا و التّحذیر منها و التّنبیه على مساویها و مخازیها الموجبة للنّفرة و الحذر ، قال علیه السّلام ( دار بالبلاء محفوفة ) أى حفّت بالمكاره و البلیّات و أحاطت بها من كلّ جانب الآلام و الآفات و فی نسبة محفوفة إلى الدّار توسّع و المراد كون أهلها محفوفة بها .

( و بالغدر معروفة ) قال الشّارح البحرانی : استعار لفظ الغدر عمّا یتوهّم الانسان دوامها علیها من أحوالها المعجبة له كالمال و الصحّة و الشّباب فكأنّه فی مدّة بقاء تلك الأحوال قد أخذ منها عهدا فكأن التغیّر العارض لها المستلزم لزوال

[ 324 ]

تلك الأحوال أشبه شی‏ء بالغدر ، انتهى .

أقول : مراده علیه السّلام أنّها مشهورة بالغدر و الخداع ، معروفة بالمكر و الغرور غیر مختفیة حیلتها و مكیدتها على أهل البصیرة ، لأنّها بكونها حلوة خضرة محفوفة بالشهوات و مهیّاة للآمال و الامنیّات ، أعجبت النّاس بشهواتها العاجلة و تحبّبت إلیهم بلذّاتها الحاضرة ، و تزیّنت بالغرور ، فاغترّ بها كلّ من كان غافلا عن مكیدتها و افتتن بحبّها كلّ من كان جاهلا بحقیقتها ، حتّى إذا أوقعتهم فی حبائل محبّتها أبدت ما كان مضمرا فی باطنها من مكرها و حیلتها ، فلم یكن امرء منها فی حبرة إلاّ أعقبته بعدها عبرة و لم یلق من سرّائها بطنا إلاّ منحته من ضرّائها ظهرا ، و لم ینل أحد من غضارتها رغبا إلاّ أرهقته من نوائبها تعبا ، فكم من واثق بها قد فجعته ، و ذى طمأنینة قد صرعته ، و ذى ابهة قد جعلته حقیرا ، و ذى نخوة قد ردّته ذلیلا .

و كفى فی ایضاح غدرها ما قاله بعض قدماء أهل الحقیقة و البصیرة من أنها الآخذة ما تعطى و المورثة بعد ذلك التبعة ، السالبة لمن تكسو و المورثة بعد ذلك العرى ، الواضعة لمن ترفع و المورثة بعد ذلك الجزع ، التاركة لمن یعشقها و المورثة بعد ذلك الشقوة ، المغویة لمن أطاعها الغدّارة بمن أئتمنها ، هی المحبوبة التى لا تحبّ أحدا ، الملزومة التی لا تلزم أحدا یوف لها و تغدر ، و یصدق لها و تكذب و ینجز لها فتخلف ، هى المعوّجة لمن استقام بها ، و المتلاعبة بمن استمكنت منه بیناهى تطعمه إذ حولته مأكولا ، و بیناهى تخدمه إذ جعلته خادما ، و بیناهى تضحكه إذ ضحكت منه ، و بیناهى تشتمه إذ شتمت منه ، و بیناهى تبكیه إذ بكت علیه ، و بیناهى قد بسطت یده بالعطیة إذ بسطتها بالمسألة ، و بینا هو فیها عزیز إذ أذلّته ، و بینا هو فیها مكرّم إذ أهانته ، و بینا هو فیها معظم إذ حقرته ، و بینا هو فیها رفیع إذ وضعته ،

و بینا هى له مطیعة إذ عصته ، و بینا هو فیها مسرور إذ أحزنته ، و بینا هو فیها شبعان إذ أجاعته ، و بینا هو فیها حىّ إذ أماتته .

فافّ لها من دار هذه صفتها تضع التاج على رأسه غدوة ، و تعفّر خدّه بالتراب

[ 325 ]

عشیة ، و تحلى الأیدى بالأسورة عشیّة ، و تجعلها فی الأغلال غدوة ، و تقعد الرّجل على السریر غدوة ، و ترمى به فی السجن عشیّة ، تفرش له الدّیباج عشیّة ، و تفرش له التراب غدوة ، و تجمع له الملاهى و المعازف غدوة ، و تجمع علیه النوائح و النوادب عشیّة ، تحبّب إلى أهله قربه عشیّة ، و تحبّب إلیهم بعده غدوة ، تطیب ریحه غدوة ،

و تنتن ریحه عشیّة .

فهو فی كلّ ساعة متوقّع لسطوتها غیر آمن غدرها و خدیعتها ، غیر ناج من بلائها و فتنها ، تمتّع نفسه من أحادیثها ، و عینه من أعاجیبها ، و یده من جمعها ،

ثمّ یصبح باكى العینین ، صفر الیدین ، فی أودیة الندامة و الحسرة و الخذلان حیران .

و من ذلك كلّه علم أنها ( لا تدوم أحوالها ) بل یصیر حیاتها موتا و غناؤها فقرا و فرحها ترحا ، و صحتها سقما ، و قوّتها ضعفا ، و عزّها ذلا ، إلى غیر هذه من حالاتها المتبدّلة المتغیّرة .

( و لا تسلم نزالها ) أى لا تسلم النازل فی تلك الدّار من آلامها و آفاتها و صدماتها بل هو فی كلّ آن مترقّب لإصابة مكروه ، و جل من كلّ بلاء .

فانّ كلّ ذى جسد فیها لا ینفكّ جسده من أنّ الحرّ یذیبه ، و البرد یجمده و السّموم یتخلّله ، و الماء یغرقه ، و الشّمس تحرقه ، و الهواء یسقمه ، و السّباع یفترسه ، و الطّیر تنقره ، و الحدید یقطعه ، و الصّدم یحطمه .

ثمّ هو معجون بطینة من ألوان الأسقام و الأوجاع و الأمراض ، فهو مرتهن بها مترصّد لها دائما ، لكونه مخلوقا من الأخلاط الأربعة الّتی لو غلب أحدها على الآخر أحدث أنواعا من المرض ألا ترى إنّ أصحّ الأخلاط و أقربها إلى الحیاة هو الدّم ، فاذا خرج عن حدّ الاعتدال یموت صاحبه بموت الفجأة و الطّاعون و الاكلة و السّرسام .

هذا كلّه مع ماله من مقارنة الآفات السّبع الّتى لا یتخلّص منها ذو جسد ،

و هى الجوع ، و الظّماء ، و الحرّ ، و البرد ، و الخوف ، و الجوع « و المرض ظ » و الموت .

[ 326 ]

أحوالها ( أحوال مختلفة ) إن جانب منها اعذوذب و احلولى أمرّ منها جانب فأوبى ، لم تطل على أحد فیها دیمة رخاء إلاّ هتنت علیه مزنة بلاء ، و لم یمس امرء منها فی جناح أمن إلاّ أصبح على قوادم خوف .

( و تارات متصرّفة ) یعنی أنّ حالاتها تتغیّر بأهلها تارة بعد اخرى ، و مرّة بعد مرّة ، فانّها تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب و من الرّجلة إلى الرّكب ،

و من البؤس إلى النّعمة ، و من الشدّة إلى الرّخاء ، و من الشّقاء إلى الرّاحة ،

ثمّ تنقلب بهم فتسلبهم الخصب و تنزع منهم النّعمة و الرّاحة .

و محصّله أنّها دار تصرّف و انتقال و تقلّب من حال إلى حال صحّتها تتبدّل بالسّقم ، و شبابها بالهرم ، و غناها بالفقر ، و فرحها بالتّرح ، و سرورها بالحزن ،

و عزّها بالذّل ، و أمنها بالخوف .

بینا ترى المرء فیها مغتبطا محبورا و ملكا مسرورا فی خفض و دعة و نعمة و لذّة و أمن وسعة ، فی بهجة من شبابه و حداثة من سنّه ، و بهاء من سلطانه ، و صحّة من بدنه إذا انقلبت به الدّنیا أسرّ ما كان فیها قلبا ، و أطیب ما كان فیها نفسا ،

و أقرّ ما كان فیها عینا ، و ألذّ ما كان فیها عیشا ، فأخرجته من ملكها و غبطتها و خفضها و دعتها و بهجتها ، فأبدلته بالعزّ ذلاّ ، و بالسّرور حزنا ، و بالنّعمة نقمة ،

و بالغنى فقرا ، و بالسّعة ضیقا ، و بالشّباب هرما ، و بالشّرف ضعة و بالحیاة موتا .

ففارق الأحبّة و فارقوه ، و خذله إخوانه و تركوه ، و صار ما جمع فیها مفرّقا و ما عمل فیها متبّرا ، و ما شیّد فیها خرابا و صار اسمه مجهولا ، و ذكره منسیّا ،

و حسبه خاملا ، و جسده بالیا ، و شرفه وضیعا ، و نعمته وبالا ، و كسبه خسارا ، و ورث أعداؤه سلطانه ، و استذلّوا عقبه ، و استباحوا حریمه ، و تملّكوا أمواله ، و نقضوا عهده و ملكوا جنوده ، فافّ و تفّ لدار حالها هذا ، و شأن ساكنها ذلك ، وفّقنا اللّه تعالى للزّهد فیها و الاعراض عنها .

و بما ذكرنا ظهر أنّ ( العیش فیها مذموم ) و أراد بالعیش التّرفّه فیها و التنعّم بلذّاتها و الالتذاذ بشهواتها و إنّما كان مذموما لكونه شاغلا عن التّوجّه

[ 327 ]

إلى الحقّ و عن الالتفات إلى الآخرة ، و معقّبا للنّدم و الحسرة الطّویلة و العذاب الشّدید یوم القیامة .

قد وقع ذمّه فی كتاب اللّه تعالى و على ألسنة الأنبیاء و الرّسل متجاوزا عن حدّ الاحصاء قال تعالى اعلموا أنّما الحیوة الدّنیا لعب و لهو و زینة و تفاخر بینكم و تكاثر فی الأموال و الأولاد كمثل غیث أعجب الكفّار نباته ثمّ یهیج فتراه مصفرّاً ثمّ یكون حطاماً و فی الآخرة عذاب شدید و قال أیضا من كان یرید الحیوة الدّنیا و زینتها نوفّ إلیهم أعمالهم فیها و هم فیها لا یبخسون . أولئك الّذین لیس لهم فی الآخرة إلاّ النّار و حبط ما صنعوا فیها و باطل ما كانوا یعملون و قد وقع تشبیه المتنعّم باللّذات الدّنیویّة و المتلذّذ بشهواتها الملهیة له عن التّوجّه إلى عاقبة أمره و الالتفات إلى مآل حاله فی كلام الحكماء برجل حمل علیه فیل مغتلم ، فانطلق مولّیا هاربا ، فاتّبعه الفیل فغشیه حتّى اضطرّه إلى بئر فتدلّى فیها و تعلّق بغصنین نابتین على شفیر البئر ، فاذا فی أصلهما جرذان یقرضان الغصنین أحدهما أبیض و الآخر أسود ، فلمّا نظر إلى تحت قدمیه فاذا رؤوس أربع أفاع قد طلعن من جحرهن ، فلمّا نظر إلى قعر البئر إذا تنین فاغر فاه نحوه یرید التقامه ، فلما رفع رأسه إلى أعلى الغصنین إذا علیهما شی‏ء من عسل النّحل فألهاه ما طعم منه و ما نال من لذّة العسل و حلاوته عن الفكر فی أمر الأفاعی اللواتى لا یدرى متى یبادرونه ، و ألهاه عن التّنین الّذی لا یدرى كیف مصیره بعد وقوعه فی لهواته أما الفیل فهو الأجل ، و أمّا البئر فالدّنیا المملوّة من الآفات و البلایا و الشرور و أمّا الغصنان فالعمر ، و أمّا الجرذان فاللیل و النّهار یسرعان فی قطع العمر ، و أمّا الأفاعی الأربعة فالأخلاط الأربعة الّتی هی السّموم القاتلة من المرّة و البلغم و الرّیح و الدّم الّتی لا یدرى صاحبها متى تهیج به ، و أمّا التّنین الفاغر فاه لیلتقمه فالموت الرّاصد الطالب ، و أمّا العسل الّذى اغترّ بأكله فما ینال النّاس من عیش الدّنیا و لذّتها و شهوتها و نعیمها و دعتها من لذّة الطّعام و الشّراب و اللباس و الشم و اللّمس و البصر ، هذا هو العیش المذموم .

[ 328 ]

و بقباله العیش الممدوح و هو العیش الهنی‏ء الّذی اشیر إلیه فی الحدیث القدسی المرویّ فی البحار من إرشاد القلوب للّدیلمی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام إنّ اللّه تعالى شأنه قال للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیلة المعراج فی جملة مخاطباته : یا أحمد هل تدرى أىّ عیش أهنی و أىّ حیاة أبقى ؟ قال : اللهمّ لا ، قال : أمّا العیش الهنی‏ء فهو الّذى لا یفتر صاحبه عن ذكرى و لا ینسى نعمتی و لا یجهل حقّى ، یطلب رضائی فی لیله و نهاره ، و أمّا الحیاة الباقیة فهى الّتی تعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدّنیا و تصغر فی عینه و تعظم الآخرة عنده و یؤثر هواى على هواه ، و یبتغى مرضاتی ، و یعظّم حقّ عظمتی ، و یذكر عملی به ، و یراقبنى باللیل و النّهار عند كلّ سیّئة أو معصیة ، و ینقى قلبه عن كلّ ما أكره ، و یبغض الشیطان و وساوسه ، و لا یجعل لابلیس على قلبه سلطانا و لا سبیلا ، فاذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّا حتّى اجعل قلبه لی و فراغه و اشتغاله و همّه و حدیثه من النّعمة الّتی أنعمت بها على أهل محبّتی من خلقى و أفتح عین قلبه و سمعه حتّى یسمع بقلبه و ینظر بقلبه إلى جلالی و عظمتی ، و أضیّق علیه الدّنیا و أبغّض إلیه ما فیها من اللذات ، و أحذّره من الدّنیا و ما فیها كما یحذّر الرّاعى على غنمه مراتع الهلكة فاذا كان هكذا یفرّ من النّاس فرارا ، و ینقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، و من دار الشیطان إلى دار الرّحمن ، یا أحمد لأزیننّه بالهیبة و العظمة ، فهذا هو العیش الهنى‏ء و الحیاة الباقیة ، و هذا مقام الرّاضین ، الحدیث ( و الأمان فیها معدوم ) لأنها إذا كانت بالبلاء محفوفة و بالخدیعة موصوفة مختلفة الحالات متصرّفة التارات حسبما عرفت تفصیلا و توضیحا فكیف یؤمن من بوائقها و یطمئنّ من طوارقها ، و كیف یسلم من فجعتها و یستراح من خدعتها ،

و یتخلّص من غیلتها ؟ .

فهى غرارة ضرارة حائلة زائلة نافذة بائدة أكالة غوّالة حیّها بعرض موت و صحیحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، و مالها منهوب ، و عزیزها مغلوب ،

و موفورها منكوب ، كیف لا و قد رایتها تنكرها لمن أمن بها و دان لها و اطمئنّ إلیها حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد هل زوّدتهم إلاّ السغب ، أو أحلّتهم إلاّ الضنك ،

[ 329 ]

أو نوّرت لهم إلاّ الظلمة ، أو أعقبتهم الاّ الحسرة و الندامة ، فبئست الدّار لمن لم یتّهمها و لم یكن فیها على وجل .

( و انما أهلها فیها أغراض مستهدفة ترمیهم بسهامها ) قال الشارح البحرانی استعار لفظ الأغراض و رشح بذكر الاستهداف و كذلك استعار لفظ الرّمى لایقاع المصائب بهم و رشح بذكر السهام .

أقول : بل هو استعارة مكنیة تخییلیة ترشیحیة فانّه علیه الصلاة و السلام شبه الدّنیا بنبال ینصب غرضا و یتّخذ هدفا یرمى إلیه بسهامه ، فطوى عن ذكر المشبّه به و ذكر المشبّه كما هو شأن الاستعارة المكنیة ، و أثبت له ما هو من لوازم المشبّه به تخییلا و هو الأغراض و السهام ، و رشح بذكر ما هو من ملایمات المشبّه به و هو الرّمى و الاستهداف .

و محصّل المراد أنّ الناس فی الدّنیا بمنزلة أغراض منصوبة للهدفیة ترمى الدّنیا إلیهم بسهامها أى مصائبها و محنها و آلامها قال الشاعر :

رمانی الدّهر بالارزاء حتّى
فؤادى فی غشاء من نبال

فصرت إذا أصابتنى سهام
تكسّرت النصال على النصال

و قوله علیه السّلام ( و تفنیهم بحمامها ) ترشح آخر أى تهلكهم بموتها .

ثمّ ذكرهم بالاعتبار بأحوال السلف الماضین و ما جرت علیهم من تقلّبات الدّنیا و تصاریفها و تنكّر حالاتها و اغتیالها لهم و ما صار إلیه عاقبة أمورهم ایضاحا بذلك لما قدّمه سابقا من غدر الدّنیا و عدم دوام أحوالها و سلامة نزالها و انتفاء الأمان فیها و إفنائها بحمامها و تنبیها به على أنّ الباقین فیها سیحلقون بالماضین و یحذون حذوهم و ینقلون من القصور إلى القبور ، و یبدّلون السّرور بالویل و الثّبور .

فقال علیه السّلام ( و اعلموا عباد اللّه أنكم و ما أنتم فیه من هذه الدّنیا ) من متاعها و حطامها و زبرجها و زخارفها ( على سبیل من قد مضى قبلكم ) من أهل الدّیار الخالیة و الربوع الخاویة ( ممّن كان أطول منكم أعمارا ) منهم عوج بن عناق كان جبارا عدو اللّه و للاسلام ، و له بسطة فی الجسم و الخلق

[ 330 ]

و كان یضرب یده فیأخذ الحوت من أسفل البحر ثمّ یرفعه إلى السّماء فیشویه فی حرّ الشّمس و كان عمره ثلاثة آلاف و ستمأة سنة .

و منهم عاد قوم هود فقد كانت بلادهم فی البادیة و كان لهم زرع و نخل كثیر و لهم أعمار طویلة فعبدوا الأصنام و بعث اللّه إلیهم هودا یدعوهم إلى الاسلام و خلع الأنداد فأبوا .

و منهم شداد بن عاد الّذى بنى ارم ذات العماد فی عدّة ثلاثمأة سنة و كان عمره تسعمأة سنة قال فی إكمال الدّین : وجدت فی كتب معمر أنّه ذكر عن هشام بن سعید الرّحال ، قال : إنّا وجدنا حجرا بالاسكندریّة مكتوبا فیه : أنا شدّاد بن عاد أنا شیّدت إرم ذات العماد الّتی لم یخلق مثلها فی البلاد ، و جنّدت الأجناد و شددت بساعدى الواد .

و منهم لقمان بن عاد و كان من بقیّة عاد الاولى فقد روى أنّه عاش ثلاثة آلاف و خمسمأة سنة .

و منهم فرعون ذو الأوتاد قال فی مجمع البیان : قال الضحّاك : انّه عاش أربعمأة سنة و كان قصیرا ذمیما و هو أوّل من خضب بالسّواد .

و منهم عمرو بن عامر الملقّب بمزیقیا و ماء السّماء ملك أرض سبا فقد عاش ثمانمأة سنة أربعمأة سنة سوقة فی حیاة أبیه و أربعمأة سنة ملكا و كان یلبّس كلّ یوم حلیتین فی سنّى ملكه فاذا كان بالعشىّ مزق الحلیتین حتّى لا یلبسهما أحد غیره سمّى مزیقیّا و سمّى بماء السّماء أیضا لأنّه كان حیاة أینما نزل كمثل ماء السّماء .

و منهم أبو هبل بن عبد اللّه بن كنانة عاش ستمأة سنة .

و منهم جلهمة بن اود و یقال له طىّ و الیه تنسب قبیلة طىّ كلّها ، و كان له ابن أخ یقال له : بجابر بن ملك بن اود ، و قد عاش كلّ منهما خمسمأة سنة .

و منهم عبید بن الأبرص عاش ثلاثمأة سنة فقال :

فنیت و أفنانى الزّمان و أصبحت
لدىّ بنو العشرون هنّ الفواقد

و منهم عزیز مصر الّذى كان فی زمن یوسف و أبوه و جدّه و هم الولید بن

[ 331 ]

الرّیان بن ذوسع و كان عمر العزیز سبعمأة سنة و عمر الرّیان ألف و سبعمأة سنة و عمر ذوسع ثلاثة آلاف سنة .

و منهم الضحّاك صاحب الحیّتین عاش ألفا و مأتى سنة .

و منهم افریدون العادل عاش فوق ألف سنة .

و منهم الملك الذى أحدث المهرجان فقد زعمت الفرس انّه عاش ألفى سنة و خمسمأة .

إلى غیر هؤلاء من المعمّرین الّذین لا نطول بذكرهم ، و انّما ذكرنا هؤلاء تاییدا لما قاله أمیر المؤمنین علیه السّلام و ایضاحا له ، لأنّ هؤلاء مع كونهم أطول أعمارا قد كانوا ( أعمر دیارا و أبعد آثارا ) أیضا حسبما أشرنا إلیه .

و المراد ببعد الآثار بعدها عن أن یقتدر على مثلها المخاطبون الّذین خاطبهم علیه السّلام بهذه الخطبة و كفى بذلك شاهدا بناء الهرمین بمصر ، و هما إلى الآن باقیان و قد بناهما عزیز مصر ولید بن الرّیان كما نقله تفصیلا الصّدوق فی كتاب اكمال الدّین و قد اشیر الى بعد آثار بعض من تقدّم ذكرهم فی قوله تعالى ألم تر كیف فعل ربّك بعاد . إرم ذات العماد . الّتی لم یخلق مثلها فی البلاد . و ثمود الّذین . جابوا الصخر بالواد . و فرعون ذى الأوتاد . الّذین طغوا فی البلاد . فأكثروا . فیها الفساد . فصبّ علیهم ربّك سوط عذاب .

قال أمین الاسلام الطّبرسی : الآیة خطاب للنّبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تنبیه للكفّار على ما فعله سبحانه بالامم السّالفة لما كفرت باللّه و بأنبیائه و كانت أطول أعمارا و أشدّ قوّة و عاد قوم هود .

و اختلفوا فی إرم على أقوال :

أحدها أنّه اسم قبیلة و قیل إنّه جدّ عاد و هو عاد بن عوص بن إرم بن سام ابن نوح .

و ثانیها أنّه اسم بلد و هو دمشق و قیل : هو مدینة الاسكندریّة و قیل مدینة شدّاد بن عاد فلمّا أتمّها و أراد أن یدخلها أهلكه اللّه بصیحة نزلت من السّماء

[ 332 ]

و ثالثها أنّه لقب عاد و قوله « ذات العماد » معناه ذات الطول و الشدّة و قیل : ذات الأبنیة العظام المرتفعة ، و قال ابن زید ذات العماد فی احكام البنیان « التی لم یخلق مثلها » أى مثل أبنیتها « فی البلاد و ثمود الذین جابوا الصخر بالواد » أى قطعوا الصخر و نقبوها بالوادى الذین كانوا ینزلونه و هو وادى القرى .

قال ابن عباس : كانوا ینحتون الجبال فیجعلون منها بیوتا كما قال تعالى و تنحتون من الجبال بیوتاً فارهین « و فرعون ذى الأوتاد » قال علیّ بن إبراهیم القمّی عمل الاوتاد التی أراد أن یصعد بها إلى السماء .

و قال الطبرسی قیل فی معناه أقوال :

أحدها أنه كانت له ملاعب من أوتاد یلعب له علیها .

و الثانی انه كان یعذّب بالأوتاد و ذلك أنه إذا غضب على أحد و تد یدیه و رجلیه و رأسه على الأرض و الثالث أنّ معناه ذو البنیان و البنیان أوتاد .

و الرّابع أنه ذو الجموع و الجنود الكثیرة بمعنى أنهم یشدّدون ملكه و یقوّون أمره كما یقوّى الوتد الشی‏ء .

و الخامس أنه سمّى ذو الأوتاد لكثرة جیوشه السائرة فی الأرض و كثرة أوتاد خیامهم فعبر بكثرة الأوتاد عن كثرة الأجناد و كیف كان فقد ظهر بذلك كلّه أنّ السلف الماضین كانوا طویلة الأعمار عامرة الدّیار بعیدة الآثار من أن یصفها الواصفون أو یقوى على إتیان مثلها الغابرون و مع اتّصافهم بهذه الابهة و العظمة و القوّة و الجلال :

( أصبحت أصواتهم هامدة ) و هذه الجملة استینافیة بیانیة فانه لما نبّه المخاطبین على أنهم على سبیل من قد مضى قبلهم فكان لقائل أن یستفهم و یقول : كیف كان حال الماضین و مآل أمرهم ؟ أجاب علیه السّلام بأنّ أصواتهم العالیة الجهوریة بالأمر

[ 333 ]

و النّهى و الحكم و الالزام صارت ساكتة ذاهبة الاثر بالمرّة .

( و ریاحهم راكدة ) قال الشارح البحرانی : ركود ریاحهم كنایة عن سكون أحوالهم و خمول ذكرهم بعد العظمة فی الصّدور انتهى .

و الأظهر أن یراد أنّ أعاصیرهم العاصفة الشدیدة الهبوب التى كانت تهب بالرّتق و الفتق و السّیاسات صارت ساكنة .

( و أجسادهم بالیة ) بعد بضاضتها و نضارتها ( و دیارهم خالیة ) من أهلها بعد عمارتها ( و آثارهم عافیة ) مندرسة بعد عظمتها و جلالتها .

( فاستبدلوا بالقصور المشیدة ) المجصّصة الرّفیعة البنیان المحكمة القواعد و الأركان ( و النمارق الممهّدة ) أى الوسائد المهیئة للمتكئین ( الصخور و الأحجار المسنّدة ) اى المستندة بعضها إلى بعض أو أنها كانت لهم سنادا ( و القبور اللاّطئة الملحدة ) أى اللاصقة بالأرض المعمول لها اللّحد ( التى قد بنى بالخراب فناؤها ) أى على الخراب ، و المراد خراب نفس القبور و تسرّع انهدامها ، و انما نسب البناء إلى الفناء و لم یقل قد بنیت بالخراب ، لأنّه من باب الكنایة باقتضاء البلاغة و قد عرفت فی دیباجة الشرح فی مبحث الكنایة أنّهم یقصدون إثبات شی‏ء لشی‏ء فیتركون التصریح باثباته له و یثبتونه لمتعلّقه كما فی قول الشّاعر :

إنّ المروّة و السّماحة و الندى
فی قبّة ضربت على ابن الحشرج

جعل الأوصاف الثلاثة فی قبّة الممدوح و كنى به عن ثبوتها له و قول الآخر فی وصف الخمر

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
لو مسّها حجر مسّته سرّاء

كنى عن نفى الحزن عنها بنفیها عن ساحتها و هو أبلغ من التّصریح به و یحتمل أن یكون المراد خراب الأبدان المدفونة فیها و فناؤها بالبلى ( و شیّد بالتراب بناؤها ) و فی وصفها بذلك أى بكون شیدها التراب دون الجصّ ایماء إلى هوانها و هوان من دفن فیها .

[ 334 ]

( فمحلّها مقترب و ساكنها مغترب ) یحتمل أن یكون المراد أنّ محلّ القبور و مكانها قریب من الأحیاء و لكن ساكنها غریب عنهم ، و أن یكون المراد أنّ محلّ كلّ منها قریب من الآخر و لكن ساكنوها غرباء ، یعنی أنّهم تدانوا فی خططهم و قربوا فی مزارهم و بعدوا فی لقائهم .

( بین أهل محلّة موحشین ) أى ذوى وحشة لیس بینهم مودّة و لا الفة و على كون موحشین بصیغة المفعول فالمعنى استیحاش الاحیاء منهم ، و حاصله أنّهم لا یستأنسون بأحد و لا یستأنس بهم أحد لا من الأحیاء و لا من الأموات ( و أهل فراغ متشاغلین ) أى فراغ من الأمور الدّنیویّة متشاغلین بالامور البرزخیّة من السؤال و الجواب و الثواب و العقاب .

( لا یستأنسون بالأوطان ) كاستیناس الاحیاء بأوطانهم ( و لا یتواصلون تواصل الجیران ) كتوصّل أهل الدّنیا بجیرانهم ( على ما بینهم من قرب الجوار و دنوّ الدّار ) و حاصله أنّهم جیران لا یتأنسون و أحیاء لا یتزاورون ، بلیت بینهم عرى التّعارف ، و انقطعت منهم أسباب التّواصل ، فكلّهم و حیدوهم جمیع ، و بجانب الهجران و هم جیران ( و كیف یكون بینهم تزاور ) و تأنّس ( و قد طحنهم بكلكله البلى ) استعارة بالكنایة شبّه البلى بالجمل الضّروس الّذى یرضّ و یدقّ ما یركب علیه بكلكله أى صدره فأثبت له الكلكل تخییلا ، و الطحن ترشیحا ، و الجامع أنّ البلى یجعل الأجساد أجزاء دقاقا مثل الدّقیق و الطّحین ، و كذلك یجعل الضّروس بكلكله ما برك علیه عند الصّیال ، و محصّله استبعاد تزاورهم مع اضمحلال أجسامهم و انحلالها بالبلى و كونهم ممزّقین كلّ ممزّق ( و أكلتهم الجنادل و الثرى ) استعارة تبعیّة كما فی قولهم : نطقت الحال ،

و المراد إفناؤها لهم ، فاستعار لفظ الاكل للافناء أى كیف یكون بینهم تزاور و قد أفنتهم الجنادل و التّراب هذا .

و لا یخفى علیك أنّ إنكار التّزاور و التأنس إمّا مخصوص بغیر المؤمنین

[ 335 ]

أو محمول على التزاور بالأجساد ، و هو الأظهر ، لأنّ المستفاد من الأخبار الكثیرة ثبوت التّزاور بین أرواحهم ، و قد مضت عدّة منها فی أواخر التّذییل الثالث من شرح الفصل السّابع من فصول الخطبة الثانیة و الثّمانین فلیراجع ثمّة .

و رویت هنا مضافا إلى ما سبق من البحار من المحاسن عن ابن محبوب عن إبراهیم بن إسحاق الجازى قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام أین أرواح المؤمنین ؟

فقال : أرواح المؤمنین فی حجرات الجنّة یأكلون من طعامها و یشربون من شرابها و یتزاورون فیها و یقولون ربّنا أقم لنا السّاعة لتنجز لنا ما وعدتنا ، قال : قلت :

فأین أرواح الكفار ؟ فقال : فی حجرات النّار یأكلون من طعامها و یشربون من شرابها و یتزاورون فیها و یقولون : ربّنا لا تقم لنا السّاعة لتنجز لنا ما وعدتنا .

و من المحاسن أیضا عن ابن فضّال عن حماد بن عثمان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : ذكر الأرواح أرواح المؤمنین فقال : یلتقون ، قلت : یلتقون ؟ قال : نعم یتسائلون و یتعارفون حتى إذا رأیته قلت فلان .

و فیه من الكافی باسناده عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام إنّ الأرواح فی صفة الأجساد فی شجر الجنة تعارف و تسائل ، فاذا قدمت الرّوح على الأرواح تقول :

دعوها فانها قد أقبلت من هول عظیم ، ثمّ یسألونها ما فعل فلان و ما فعل فلان ، فان قالت لهم : تركته حیا ارتجوه ، و إن قالت لهم : قد هلك ، قالوا : قد هوى هوى و الاخبار فی هذا المعنى كثیرة و لا حاجة إلى الاطالة .

ثمّ إنه علیه السّلام لما ذكر المخاطبین بشرح أحوال الماضین و عظم ما حلّ بهم من احوال القبر و دواهیه عقّب علیه السّلام ذلك بالتنبیه على قرب لحاقهم بهم فقال ( و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إلیه ) أى انتقلتم من ذروة القصور إلى وهدة القبور و بدّلتم النمارق الممهّدة بالأحجار المشیدة ، و دار الانس و العیش و السعة ببیت الوحدة و الوحشة و الضیق و الغربة ( و ارتهنكم ذلك المضجع ) أى أخذكم أخذ المرتهن لرهنه ( و ضمّكم ذلك المستودع ) أى ضغطكم القبر الذى هو محلّ الاستیداع

[ 336 ]

قال الشارح البحرانی : و اطلق علیه لفظ المستودع باعتبار كونهم سیخرجون منه یوم القیامة ، انتهى .

و قد تقدّم بیان ضغطة القبر تفصیلا و تحقیقا مع الأخبار الواردة فیها فی التذییل الثالث من شرح الفصل السابع من الخطبة الثانیة و الثمانین و لا حاجة إلى الاعادة .

ثمّ ذكرّهم علیه السّلام بدواهی القیامة و أفزاعها فقال ( فكیف بكم لو تناهت بكم الأمور ) أى الامور البرزخیة ( و بعثرت القبور ) أى قلب ترابها و بعث الموتى الذین فیها و جدّدوا بعد اخلاقهم و جمعوا بعد افتراقهم لنقاش الحساب و معاینة الجزاء و هذه اللفظة من ألفاظ الكتاب العزیز قال سبحانه إذا السّماء انفطرت .

و إذا الكواكب انتثرت . و إذا البحار فجّرت . و إذا القبور بعثرت . علمت نفس . ما قدّمت و أخّرت و قال أیضا أفلا یعلم إذا بعثر ما فی القبور . و حصّل ما فی . الصّدور . إنّ ربّهم بهم یومئذ لخبیر أى بحث عن الموتى فاخرجوا عنها یعنی عند البعث .

( هنا لك تبلو كلّ نفس ما أسلفت و ردّوا إلى اللّه مولیهم الحقّ و ضلّ عنهم ما كانوا یفترون ) اقتباس من الآیة الشّریفة فی سورة یونس أى فی ذلك المقام یعنی مقام البعث تختبر كلّ نفس ما قدّمت من عمل فتعاین نفعه و ضرّه ، و قرء بعضهم تتلو أى تقرء من التلاوة أو تتبع من التّلو ، و ردّوا إلى اللّه مولیهم الحقّ أى إلى ربّهم الصّادق ربوبیّته المتولّی لأمرهم على الحقیقة لا ما اتّخذوه مولى و ضلّ عنهم ما كانوا یفترون ، أى ضاع عنهم ما كانوا یدعونه أنّهم شركاء اللّه و أنّهم تشفع لهم روى فى البحار من كتاب مطالب السّؤول عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قال :

انظروا إلى الدّنیا نظر الزّاهدین فیها فانّها و اللّه عن قلیل تشقى المترف ، و تحرّك السّاكن ، و تزیل الثّاوى ، صفوها مشوب بالكدر ، و سرورها منسوج بالحزن ،

و آخر حیاتها مقترن بالضعف ، فلا یعجبنّكم ما یغرّنكم منها فعن كثب تنقلون

[ 337 ]

عنها ، و كلّ ما هو آت قریب ، و هنا لك تبلو كلّ نفس مأ اسلفت و ردّوا إلى اللّه مولیهم الحقّ و ضلّ عنهم ما كانوا یفترون .

تكملة

هذه الخطبة رواها المحدّث العلامة المجلسی قدّس سرّه فی المجلّد السابع عشر من البحار من كتاب عیون الحكمة و المواعظ لعلیّ بن محمّد الواسطی قال :

و من كلام له علیه السّلام : إنكم مخلوقون اقتدارا ، و مربوبون اقتسارا ، و مضمّنون أجداثا ، و كائنون رفاتا ، و مبعوثون افرادا ، و مدینون جزاء ، و ممیّزون حسابا ،

فرحم اللّه عبدا اقترف فاعترف ، و وجل فعمل ، و حاذر فبادر ، و عبّر فاعتبر ، و حذّر فازدجر ، و أجاب فأناب ، و راجع فتاب ، و اقتدى فاحتذى ، فأسرع طلبا ، و نجا هربا فأفاد ذخیرة ، و أطاب سریرة ، و تأهّب للمعاد ، و استظهر بالزّاد ، لیوم رحیله ، و وجه سبیله ، و حال حاجته ، و موطن فاقته ، تقدّم امامه لدار مقامه فمهّدوا لأنفسكم فی سلامة الأبدان ، فهل ینتظر أهل غضارة الشّباب إلاّ حوانى الهرم ، و أهل بضاضة الصحّة إلاّ نوازل السّقم ، و أهل مدّة البقاء إلاّ مفاجاة الفناء ، و اقتراب الفوت و دنوّ الموت ، و ازوف الانتقال ، و اشفاء الزّوال ، و حفى الأنین ، و رشح الجبین ،

و امتداد العرنین ، و علز القلق ، و فیض الرّمق ، و ألم المضض ، و غصص الجرض .

و اعلموا عباد اللّه أنكم و ما أنتم فیه من هذه الدّنیا على سبیل من قد مضى ممّن كان أطول منكم أعمارا ، و أشدّ بطشا ، و أعمر دیارا ، و أبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة جامدة من بعد طول تقلبها ، و أجسادهم بالیة ، و دیارهم خالیة ،

و آثارهم عافیة ، و استبدلوا بالقصور المشیّدة ، و السّرور و النّمارق الممهّدة ،

الصخور و الأحجار المسندة ، فی القبور اللاطئة الملحدة التی قد بین الخراب فنائها و شید التراب بنائها ، فمحلّها مقترب و ساكنها مغترب ، بین أهل عمارة موحشین ،

و أهل محلّة متشاغلین ، لا یستأنسون بالعمران ، و لا یتواصلون الجیران و الاخوان على ما بینهم من قرب الجوار و دنوّ الدّار .

[ 338 ]

و كیف یكون بینهم تواصل و قد طحنهم بكلكله البلى ، فأكلهم الجنادل و الثرى ، فأصبحوا بعد الحیاة أمواتا ، و بعد غضارة العیش رفاتا ، فجع بهم الأحباب و سكنوا التراب ، و ظعنوا فلیس لهم ایاب ، هیهات هیهات « كلاّ إنها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى یوم یبعثون » .

و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إلیه من البلى و الوحدة فى دار الموت ، و ارتهنتهم فی ذلك المضجع ، و ضمّكم ذلك المستودع ، فكیف بكم لو قد تناهت الامور ، و بعثرت القبور و حصّل ما فی الصّدور و وقعتم للتحصیل ، بین یدى الملك الجلیل ، فطارت القلوب لاشفاقها من سلف الذنوب ، هتكت منكم الحجب و الأستار ، و ظهرت منكم العیوب و الأسرار « هنا لك تجزى كلّ نفس بما كسبت » إنّ اللّه یقول لیجزى الذین أساؤوا بما عملوا و یجزى الّذین أحسنوا بالحسنى .

اغتنموا أیّام الصحّة قبل السقم ، و أیام الشیبة قبل الهرم ، و بادروا بالتوبة قبل النّدم ، و لا یحملنّكم المهلة على طول الغفلة ، فان الأجل یهدم الأمل ،

و الأیّام موكلة بنقص المدّة ، و تفریق الأحبّة .

فبادروا رحمكم اللّه بالتوبة قبل حضور النوبة ، و بروز اللّعبة التى لا ینتظر معه الأوبة و استعینوا على بعد المسافة بطول المخافة .

فكم من غافل وثق لغفلته ، و تعلّل بمهلته ، فأمّل بعیدا ، و بنى مشیدا ، فنقص بقرب أجله بعد أمله ، فأجابه منیّته ، فصار بعد العزّ و المنعة و الشرف و الرفعة مرتهنا بموبقات عمله ، قد غاب فما رجع ، و ندم فما انتفع ، و شقى بما جمع فی یومه و سعد به غیره فی غده ، و بقى مرتهنا بكسب یده ، زاهلا عن أهله و ولده ، لا یغنى عنه ما ترك فتیلا ، و لا یجد إلى مناص سبیلا فعلهم عباد اللّه التعرّج و الدّلج و إلى أین المفرّ و المهرب ، و هذا الموت فی الطلب یخترم الأوّل فالأوّل ، لا یتحنّن على ضعیف ، و لا یعرّج على شریف ، و الجدید ان یحثّان الأجل تحثیثا ، و یسوقانه سوقا حثیثا ، و كلّ ما هو آت فقریب ، و من وراء ذلك العجب العجب فأعدّوا الجواب یوم الحساب ، و أكثروا الزّاد لیوم المعاد ، عصمنا اللّه و إیاكم بطاعته ، و أعاننا و ایاكم

[ 339 ]

على ما یقرّب إلیه و یزلف لدیه ، فانما نحن به و له إنّ اللّه وقّت لكم الآجال ، و ضرب لكم الأمثال ، و ألبسكم الرّیاش ، و أرفع لكم المعاش ، و آثركم بالنعم السوابغ ، و تقدم إلیكم بالحجج البوالغ ، و أوسع لكم فی الرفد الرافع ، فتنهزوا فقد أحاط بكم الاحصاء ، و ارتهن لكم الجزاء القلوب قاسیة عن حظها ، لاهیة عن رشدها ، اتّقوا اللّه تقیّة من شمّر تجریدا ، و جدّ تشمیرا و انكمش فی مهل ، و أشفق فی وجل ، و نظر فی كرّة الموئل ، و عافیة الصبر ، و معیة المرجع ، و كفى باللّه منتقما و نصیرا ، و كفى بكتاب اللّه حجیجا و خصیما .

رحم اللّه عبدا استشعر الحزن ، و تجلبب الخوف و أضمر الیقین ، و عرى من الشك فی توهم الزّوال ، فهو منه على وبال ، فزهر مصباح الهدى فی قلبه ، و قرّب على نفسه البعید ، و هوّن الشدید ، فخرج من صفة العمى ، و مشاركة الموتى و اجتاز من مفاتیح الهدى ، و مغالیق أبواب الرّدى ، و استفتح بما فتح العالم به أبوابه ، و خاض بحاره ، و قطع غماره ، و وضحت له سبیله و مناره ، و استمسك من العرى بأوثقها ،

و استعصم من الحبال بأمتنها ، خواض غمرات ، فتاح مبهمات ، دافع معضلات امة و لا مطیة إلاّ قصدها

تنبیه

قد تقدّم أوایل فقرات هذا الكلام بهذه الرّوایة إلى قوله و غصص الجرض فی ضمن فقرات الخطبة الثانیة و الثمانین باختلاف أیضا فانظر ماذا ترى و بما ذكرناه فی شرح هذه الخطبة و الخطب المتقدّمة یتّضح لك قریب « غریب ظ » ما فى هذه الروایة و لا حاجة إلى الاعادة هذا .

و یستفاد من بعض الرّوایات كون هذه الخطبة مع الكلام الثانی و الأربعین ملتقطین من خطبة طویلة ، و هو ما رواه أیضا فی المجلّد السابع عشر من البحار فی موضع آخر من مناقب ابن الجوزى قال : خطبة و یعرف بالبالغة .

[ 340 ]

روى ابن أبی ذئب عن أبی صالح العجلی قال : شهدت أمیر المؤمنین كرّم اللّه وجهه و هو یخطب فقال بعد أن حمد اللّه تعالى و صلّى على محمّد رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

أیّها النّاس إنّ اللّه أرسل إلیكم رسولا لیربح به علیكم ، و یوقظ به غفلتكم و إنّ أخوف ما أخاف علیكم اتّباع الهوى و طول الأمل ، أمّا اتّباع الهوى فیصدّكم عن الحقّ ، و أمّا طول الأمل فینسیكم الآخرة ، ألا و انّ الدّنیا قد ترحّلت مدبرة ،

و إنّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة ، و لكلّ واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنیا ، فانّ الیوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل .

و اعلموا أنّكم میّتون و مبعوثون من بعد الموت و محاسبون على أعمالكم و مجازون بها ، فلا یغرّنكم الحیاة الدّنیا و لا یغرّنكم باللّه الغرور .

فانّها دار بالبلاء محفوفة ، و بالعناء و الغدر موصوفة ، و كلّ ما فیها إلى زوال ،

و هی بین أهلها دول و سجال ، لا تدوم أحوالها ، و لا یسلم من شرّها نزّالها ، بینا أهلها فی رخاء و سرور ، إذا هم فی بلاء و غرور ، العیش فیها مذموم ، و الرّخاء فیها لا یدوم ، أهلها فیها أغراض مستهدفة ، كلّ حتفه فیها مقدور ، و حظّه من نوائبها موفور .

و أنتم عباد اللّه على محجّة من قد مضى ، و سبیل من كان ثمّ انقضى ، ممّن كان أطول منكم أعمارا و أشدّ بطشا ، و أعمر دیارا ، أصبحت أجسادهم بالیة ، و دیارهم خالیة ، فاستبدلوا بالقصور المشیّدة ، و النّمارق الموسّدة ، بطون اللّحود ، و مجاورة الدّود ، فی دار ساكنها مغترب ، و محلّها مقترب ، بین قوم مستوحشین ، متجاورین غیر متزاورین ، لا یستأنسون بالعمران ، و لا یتواصلون تواصل الجیران ، على ما بینهم من قرب الجوار ، و دنوّ الدّار .

و كیف یكون بینهم تواصل و قد طحنتهم البلى ، و أظلتهم الجنادل و الثرى ،

فأصبحوا بعد الحیاة أمواتا ، و بعد غضارة العیش رفاتا ، قد فجع بهم الأحباب ،

و اسكنوا التّراب ، و ظعنوا فلیس لهم ایاب ، و تمنّوا الرّجوع فحیل بینهم و بین ما یشتهون

[ 341 ]

كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى یوم یبعثون .

قال و قد أخرج أبو نعیم طرفا من هذه الخطبة فی كتابه المعروف بالحلیة .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرتست در تنفیر أز دنیا و تنبیه بسرعت زوال آن مى‏فرماید :

دنیا خانه‏ایست ببلا احاطه كرده شده ، و با مكر و حیله اشتهار یافته ، ثبات ندارد حالات آن ، و سلامت نمیماند نازل شوندگان آن ، حالهاى آن حالتهاى مختلف است ، و مرّات متغیّر و متبدّل تعیّش و التذاذ در آن مذموم است ، و أیمنى در آن معدوم است ، و جز این نیست كه أهل دنیا در دنیا نشانگاهانى هستند كه نصب شده‏اند بنشانگی می‏اندازد دنیا بایشان با تیرهاى خود ، و فانى مى‏سازد ایشان را با مرگ خود .

و بدانید أى بندگان خدا بدرستى كه شما با چیزى كه هستید در آن از متاع این دنیا بر طریقه و روش كسانى هستید كه گذشته‏اند پیش از شما از أشخاصى كه درازتر بودند از شما از حیثیّت عمرها ، و معمورتر بودند از حیثیّت خانها ، و دورتر بودند از حیثیّت أثرها ، گردید آوازهاى ایشان خاموش ، و بادهاى غرور ایشان ساكن ، و بدنهاى ایشان پوسیده ، خانه‏هاى ایشان خالى ، و أثرهاى ایشان مندرس پس عوض كردند بقصرهاى محكم شده با گج و متّكاهاى مهیا شده ، سنگها و حجرهاى تكیه كرده بهم قبرهاى هموار شده بزمین صاحب لحد را ، چنان قبرهائی كه بنا كرده شده بر خرابى أطراف آنها ، و بخاك محكم كرده شد بناى آنها ، پس مكان آن قبرها نزدیكست ، و ساكن آنها غریبست در میان أهل محله كه صاحبان وحشتند ، و در میان أهل فراغتى كه مشغولند بهولهاى برزخ ، انس نمیگیرند ایشان بوطنها ، و وصلت نمى‏كنند مثل وصلت كردن همسایها ، با وجود اینكه در میان ایشانست از قرب همسایگى و نزدیكى خانه .

[ 342 ]

و چگونه مى‏شود در میان ایشان زیارت كردن یكدیگر و حال آنكه مثل آرد كرده بدنهاى ایشان را پوسیدگى بسینه خود ، و خورده است ایشان را خاكها و سنگها ، و گویا گردیدید شما بسوى آنچه كه گردیدند ایشان بسوى آن و بگرو گرفت شما را آن خوابگاه قبر ، و فشار داد شما را آن امانت گاه .

پس چگونه باشد حال شما اگر بپایان برسد بشما كارها ، و بیرون آورده شود مردهاى قبرها ، در آن زمان امتحان مى‏كند هر نفس آن چیزیرا كه پیش فرستاده و رد كرده شوند بسوى خدا كه مولاى بحقّ ایشانست ، و گم شود از ایشان آنچیزیكه افترا مى‏گفتند یعنى شریكى كه قرار میدادند براى خدا .