[ 229 ] و من كلام له ع فی وصف بیعته بالخلافة قال الشریف و قد تقدم مثله بألفاظ مختلفة

وَ بَسَطْتُمْ یَدِی فَكَفَفْتُهَا وَ مَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَیَّ تَدَاكَّ اَلْإِبِلِ اَلْهِیمِ عَلَى حِیَاضِهَا یَوْمَ وِرْدِهَا حَتَّى اِنْقَطَعَتِ اَلنَّعْلُ وَ سَقَطَ اَلرِّدَاءُ وَ وُطِئَ اَلضَّعِیفُ وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ اَلنَّاسِ بِبَیْعَتِهِمْ إِیَّایَ أَنِ اِبْتَهَجَ بِهَا اَلصَّغِیرُ وَ هَدَجَ إِلَیْهَا اَلْكَبِیرُ وَ تَحَامَلَ نَحْوَهَا اَلْعَلِیلُ وَ حَسَرَتْ إِلَیْهَا اَلْكِعَابُ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و السابع و العشرون من المختار فى باب الخطب

فی وصف بیعته علیه السّلام بالخلافة و قد تقدّم مثله بألفاظ مختلفة و بسطتم یدى فكففتها ، و مددتموها فقبضتها ، ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الابل الهیم على حیاضها یوم وردها ، حتى انقطعت النّعل ،

و سقطت الرّداء ، و وطئ الضّعیف ، و بلغ من سرور النّاس ببیعتهم إیّاى أن ابتهج بها الصّغیر ، و هدج إلیها الكبیر ، و تحامل نحوها العلیل ،

و حسرت إلیها الكعاب .

اللغة

( التّداكّ ) الازدحام الشدید مأخوذ من الدّك و هو الدّق و ( الهیم ) بالكسر

[ 407 ]

العطاش و ( الورد ) بالكسر الشّرب أو الاشراف على الماء دخله أو لم یدخله ، و فی بعض النّسخ یوم ورودها و ( هدج ) یهدج من باب ضرب مشى مشیا ضعیفا مرتعشا قال الفیروز آبادی : الهدجان محرّكة و كغراب مشیة الشّیخ و ( تحامل ) فی الأمر تكلّفه على مشقّة و ( حسرت ) أى كشفت عن وجهها و فی نسخة الشّارح البحرانی و حسرت عن ساقها الكعاب و ( كعب ) الجاریة تكعب من باب ضرب و قعد كعوبا نهد ثدیها ، و جاریة كعاب وزان سحاب النّاهدة الثدى و الجمع كواعب قال تعالى و كواعب أتراباً .

الاعراب

فاعل بلغ محذوف و قوله : أن ابتهج أن مصدریّة و مدخولها فی تأویل المصدر و محلّ النّصب بنزع الخافض ، و مفعول حسرت محذوف بقرینة الكلام و قوله : الیها متعلّق بقوله حسرت على تضمین معنى الشوق و الرّغبة .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام كما قال الرّضیّ وارد ( فی وصف بیعته علیه السّلام بالخلافة و قد تقدّم مثله بألفاظ مختلفة ) الظاهر أنّ مراده بما تقدّم ما مرّ فی الكلام المأة و السّابع و الثّلاثین من قوله : قبضت یدی فبسطتموها و نازعتكم یدى فجاذبتموها ،

و یحتمل أن یكون مراده به ما مرّ فی الخطبة الثالثة و الخمسین من قوله : فتداكّوا علیّ تداكّ الابل الهیم یوم ورودها ، و لم یتقدّم فی الكتاب ما یشبه ألفاظ هذا الكلام غیر هذین .

نعم تقدّم منّا فی شرح الخطبة السّادسة و العشرین روایة طویلة عن كتاب الغارات لابراهیم الثّقفی و الأشبه أن یكون هذا الكلام ملتقطا منها لكنّها مختلفة الألفاظ جدّا كما یظهر بالرّجوع إلى ما تقدّم .

و كیف كان فهذا الكلام منه علیه السّلام وارد مورد الاحتجاج على النّاكثین لبیعته

[ 408 ]

و محصّله أنّكم قد كنتم على غایة الحرص و المیل إلى بیعتی مع إباء منّی فمن كان هذا حاله فكیف ینكث و أشار إلى مزید حرصهم علیها بقوله ( و بسطتم یدى فكففتها ) شوقا منكم إلى البیعة و تمانعا منّی ( و مددتموها فقبضتها ) رغبة منكم إلیها و استنكافا منّى ( ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الابل الهیم على حیاضها یوم وردها ) و هو من تشبیه المحسوس بالمحسوس أی ازدحمتم ازدحاما شدیدا یدكّ بعضكم بعضا كما یدكّ الابل العطاش بعضها لبعض على الحیاض عند شربها و وجه الشبه مزید الازدحام .

قال الشّارح البحرانی : و یمكن أن یلاحظ فی وجه الشبه كون ما عنده من الفضایل الجمّة العلمیّة و العملیة تشبه الماء و كون المزدحمین علیه فی حاجتهم و تعطّشهم إلى استفادة تلك الفضایل النّافعة لعلّتهم كالعطاش من الابل یوم ورودها انتهى ، و الأوّل أظهر و أشبه 1 .

أقول : و فی تخصیص الصغیر و الكبیر و العلیل و الكعاب بالذّكر زیادة توكید و تقریر للغرض المسوق له الكلام ، فانّ من شأن الصّغیر على ماله من عدم التمیز عدم الالتفات و التّوجه إلى كثیر من الامور ، و من شأن الكبیر على ما به من ضعف الكبر عدم المشى إلیها ، و كذلك المریض على ما فیه من ثقل المرض و من شأن الكعاب الاستحیاء عن كشف وجهها لا سیّما فی منتدى الرّجال و بین ملاء النّاس فسرور الأوّل بالبیعة و سعى الثّانیین إلیها بالتكلّف و المشقّة ، و حسر الرابعة إلیها كاشف عن فرط رغبة العامّة و حرصهم علیها فالبیعة الواقعة على هذا الوجه لیس لأحد أن یتخلّف أو ینكث عنه .

كما أشار علیه السّلام إلى ذلك فی كلامه الذى رواه فی الارشاد عن الشعبی قال :

لمّا اعتزل سعد بن أبی وقاص و عبد اللّه بن عمر و محمّد بن سلمة و حسّان بن ثابت و اسامة بن زید أمیر المؤمنین و توقفوا عن بیعته حمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

أیّها النّاس إنّكم بایعتمونی على ما بویع علیه من كان قبلی ، و انّما الخیار

-----------
( 1 ) الظاهر سقوط شى‏ء كثیر من هنا . المصحح .

[ 409 ]

للنّاس قبل أن یبایعوا فاذا بایعوا فلا خیار لهم ، و إنّ على الامام الاستقامة و على الرّعیّة التسلیم ، و هذه بیعة عامّة من رغب عنها رغب عن دین الاسلام و اتّبع غیر سبیل أهله و لم تكن بیعتكم إیّاى فلتة ، الحدیث ، هذا و قد تقدّم تفصیل كیفیّة بیعته علیه السّلام فی شرح الكلام الواحد و التّسعین فلیراجع ثمة .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست در تعریف بیعت كردن خلق باو بخلافت مى‏فرماید :

و گشادید دست مرا بجهت بیعت پس نگاه داشتم من آنرا ، و كشاندید آنرا بسوى خودتان پس بر چیدم من آن را ، بعد از آن ازدحام كردید بر من مثل ازدحام نمودن شتران عطشان بر سر حوضهاى خود وقت آب خوردن آنها تا اینكه گسیخت بند كفشهاى من و از دوش افتاد عباى من و زیر پا ماند ضعیفان و رسید كار از شدّت شادى مردمان به بیعت من بمقامى كه خوشنود شد بآن بیعت بچّها ، و مشى مرتعشانه نمود بسوى آن پیرها ، و مشى نمود با مشقّت و زحمت بطرف آن مریضها ، و نقاب از رو برداشت بجهت زیادى میل و رغبت بآن دختران نارپستان ، و اللّه أعلم بالصواب


[ 228 ] و من كلام له ع یرید به بعض أصحابه

لِلَّهِ بَلاَءُ فُلاَنٍ فَلَقَدْ قَوَّمَ اَلْأَوَدَ وَ دَاوَى اَلْعَمَدَ وَ أَقَامَ اَلسُّنَّةَ وَ خَلَّفَ اَلْفِتْنَةَ ذَهَبَ نَقِیَّ اَلثَّوْبِ قَلِیلَ اَلْعَیْبِ أَصَابَ خَیْرَهَا وَ سَبَقَ شَرَّهَا أَدَّى إِلَى اَللَّهِ طَاعَتَهُ وَ اِتَّقَاهُ بِحَقِّهِ رَحَلَ وَ تَرَكَهُمْ فِی طُرُقٍ مُتَشَعِّبَةٍ لاَ یَهْتَدِی بِهَا اَلضَّالُّ وَ لاَ یَسْتَیْقِنُ اَلْمُهْتَدِی


و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و السادس و العشرون من المختار فى باب الخطب

للّه بلاد فلان فقد قوّم الاود ، و داوى العمد ، خلّف الفتنة ،

و أقام السّنة ، ذهب نقىّ الثّوب ، قلیل العیب أصاب خیرها ، و سبق شرّها ، أدّى إلى اللّه طاعته ، و اتّقاه بحقّه ، رحل و تركهم فی طرق متشعّبة ، لا یهتدى فیها الضّالّ ، و لا یستیقن المهتدى .

اللغة

قوله ( للّه بلاد فلان ) اللاّم للاختصاص و هو كلام یقال فی معرض المدح مثل قولهم للّه درّه و للّه أبوه و للّه نادیه أى البلاد التی تولّد فیها مثله جدیرة بالانتساب إلیه تعالى و تكون مخصوصة به عزّ و جلّ ، و كذلك الثّدى الذى ارتضع منه ،

و الأب الّذى خرج من صلبه ، و المجلس الّذى ربّی فیه و روى للّه بلاء فلان أى عمل حسن .

و ( اود ) الشی‏ء اودا من باب فرح اعوج و ( عمد ) البعیر عمدا من باب فرح أیضا انفضح داخل سنامه من ركوب و حمل مع سلامة ظاهره و قوله ( اتّقاه بحقّه ) قال الطریحی : أى استقبله به فكأنّه جعل دفع حقّه إلیه وقایة له من المطالبة

[ 372 ]

و قوله ( و تركهم ) فی نسخة الشّارح المعتزلی و تركتم بدله بصیغة الخطاب ،

و البناء على المفعول .

الاعراب

قوله : للّه بلاد فلان تقدیم الخبر على المبتدء مبالغة فی الحصر و التخصیص ،

و الباء فی قوله : اتّقاه بحقه ، للآلة كما یوضحه ما نقلناه عن الطریحی آنفا ، أى أخذ الوقایة منه لنفسه بأداء حقّه و استعانته ، و أمّا ما قاله الشّارح المعتزلی من أنّ المراد أنّه اتّقى اللّه و دلّنا على أنّه اتّقاه بأداء حقّه فأداء الحقّ علة فی علّمنا بأنّه قد اتّقى اللّه سبحانه فتكلّف بارد ، و الواو فی جملة و تركهم ، تحتمل العطف و الحال و جملة لا یهتدى آه مجرورة المحل على أنّها نعت لطرق .

المعنى

اعلم أنّه قد اختلف الشارحون فی المشار إلیه بهذا الكلام و المكنّى به عنه قال الشّارح المعتزلی : المكنّى عنه عمر بن الخطاب ، و قد وجدت النّسخة الّتی بخطّ الرّضی جامع نهج البلاغة و تحت فلان : عمر ، حدّثنی بذلك فخار بن معد الموسوى .

و سألت عن النقیب أبا « أبى ظ » جعفر یحیى بن أبى زید العلوى فقال لى : هو عمر ، فقلت له أثنى علیه أمیر المؤمنین هذا الثناء ؟ فقال : نعم ، أمّا الامامیّة فیقولون : إنّ ذلك من التقیة و استصلاح أصحابه ، و أمّا الصّالحیون من الزّیدیة فیقولون : انّه أثنى علیه حقّ الثّناء و لم یضع المدح إلاّ فى موضعه و نصابه ، و أمّا الجارودیّة من الزّیدیة فیقولون : إنّه كلام قاله فى أمر عثمان أخرجه مخرج الذّم و التنقص لاعماله كما یمدح الآن الأمیر المیّت فى أیّام الأمیر الحىّ بعده ، فیكون ذلك تعریضا به ، فقلت له : إلاّ أنّه لا یجوز التعریض للحاضر بمدح الماضى إلاّ إذا كان ذلك المدح صدقا لا یخالطه ریب و لا شبهة فاذا اعترف أمیر المؤمنین بأنّه أقام السّنة و ذهب نقىّ الثوب

[ 373 ]

قلیل العیب و أنّه أدّى إلى اللّه طاعته و اتّقاه بحقّه ، فهذا غایة ما یكون من المدح فلم یجبنى بشى‏ء و قال : هو ما قلت لك ، قال :

و قال الرّاوندى إنّه علیه السّلام مدح بعض أصحابه بحسن السیرة و أنّ الفتنة هى الّذى وقعت بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الاختیار و الاثرة ، و هذا بعید ، لأنّ لفظ أمیر المؤمنین یشعر إشعارا ظاهرا بأنّه یمدح والیا ذا رعیّة و سیرة .

ثمّ ذكر الشّارح مؤیّدات أخرى لكون المراد به عمر إلى أن قال فى آخر كلامه :

و هذه الصّفات إذا تأملها المنصف و أماط عن نفسه الهوى علم أنّ أمیر المؤمنین لم یعن بها إلاّ عمر لو لم یكن قد روى لنا توفیقا و نقلا انّ المعنى بها عمر فكیف و قد رویناه عمّن لا یتّهم فى هذا الباب ، انتهى .

و قال الشارح البحرانى : إرادته لأبى بكر أشبه لارادته لعمر ، لما ذكر علیه السّلام فى خلافة عمر و ذمّها به فى الخطبة المعروفة بالشقشقیة ، انتهى .

و أقول : أما ما قاله القطب الراوندى فاستبعاد الشارح المعتزلى له بموقعه ،

و كذلك ما زعمه الشارح البحرانى فانه أیضا بعید ، و تقریبه له بأنه ذمّ خلافة عمر فى خطبة الشقشقیة ، فیه أنه علیه السّلام ذمّ هناك خلافة أبى بكر أیضا حسبما عرفت أیضا و لو لم یكن فیها إلاّ قوله علیه السّلام : فصبرت و فى العین قذى و فى الحلق شجى أرى تراثى نهبا ، لكان كافیا فى الطعن و الازراء المنافى للمدح و الثناء فضلا من المطاعن و المذامّ الواردة عنه علیه السّلام فى مقامات اخر فى حقّ الأوّل كالثانى المتجاوزة عن حدّ الاحصاء و طور الاستقصاء .

و أما ما زعمه الشارح المعتزلى من أنّ المراد به عمر و مبالغته فیه و استظهاره له بما فصله فى كلامه ، ففیه أنه إن كان هذا الرّجل الجلف هو المراد به و أبقینا الكلام على ظاهره على ما توهّمه الظاهر من كون عمر أهلا للأوصاف المذكورة لا غیر ، كان هذا الكلام مناقضا صریحا لما تقدّم عنه فى الخطبة الشقشقیة من مثالب

[ 374 ]

عمر و معایب خلافته ، فلاحظ المقام و انظر ما ذا ترى .

بل كان منافیا لاصول مذهب الامامیّة رضوان اللّه علیهم المتلقّى عن أئمّتهم سلام اللّه علیهم و لأخبارهم المتواترة المأثورة عن أهل بیت العصمة و الطّهارة المفصحة عن كفر الأوّل و الثّانی كلیهما و كونهما منشأ جمیع الشّرور و المفاسد و البدعات الجاریة فی الامّة المرحومة إلى یوم القیامة .

قال كمیت بن زید الأسدی فیما رواه عنه فی البحار من الكافی : دخلت على أبی جعفر علیه السّلام قلت : خبّرنی عن الرّجلین ، قال : فأخذ الوسادة و كسرها فی صدره ثمّ قال : و اللّه یا كمیت ما اهریق محجمة من دم و ما اخذ مال من غیر حلّه و ما قلب حجر من حجر إلاّ ذاك فی أعناقهما ، و نحوه أخبار كثیرة .

بل المستفاد من بعض الأخبار أنّ جمیع الشّرور و المفاسد الواقعة فی الدّنیا من ثمرات تلك الشّجرة الخبیثة ، و قد مرّت طائفة منها فی شرح الخطبة المأة و الخمسین .

فبعد اللّتیا و اللّتى فاللاّزم على جعل المكنّی عنه عمر كما زعمه الشّارح هو صرف الجملات الآتیة عن ظواهرها المفیدة للمدح و الثّناء ، لتطابق اصول الامامیّة و قواعدهم المبنیّة على الذّم و الازراء ، و على إبقائها على ظواهرها فلابدّ من جعل المكنّى عنه شخصا آخر له أهلیّة الاتّصاف بهذه الأوصاف .

و علیه فلا یبعد أن یكون مراده علیه السّلام هو مالك بن الحرث الأشتر ، فلقد بالغ فی مدحه و ثنائه فی غیر واحد من كلماته .

مثل ما كتبه إلى أهل مصرحین ولى علیهم مالك حسبما یأتی ذكره فی باب الكتب تفصیلا إنشاء اللّه .

و مثل قوله علیه السّلام فیه لما بلغ إلیه خبر موته : مالك و ما مالك لو كان من جبل لكان فندا ، و لو كان من حجر لكان صلدا ، عقمت النساء أن یأتین بمثل مالك بل صرّح فی بعض كلماته بأنّه كان له كما كان هو لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من هذا

[ 375 ]

شأنه فالبتّة یكون أهل لأن یتّصف بالأوصاف الآتیة بل بما فوقها .

و الحاصل أنّه على كون المكنّى عنه عمر لا بدّ من تأویل كلامه و جعله من باب الایهام و التّوریة على ما جرت علیها عادة أهل البیت علیهم السّلام فی أغلب المقامات فانّهم لما رأوا من النّاس جمهورهم إلاّ النّادر من خواصّ أصحابهم الافتتان بمحبة صنمى قریش ، و أنّهم اشربوا قلوبهم حبّ العجلین ، و ولعوا بعبادة الجبت و الطاغوت سلكوا فی كلماتهم كثیرا مسلك التّوریة و التقیّة حقنا لدمائهم و دماء شیعتهم ، حیث لم یتمكّنوا من إظهار حقیقة الأمر .

و یشهد بذلك ما رواه فی البحار من الكافی باسناده عن فروة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : ذاكرته شیئا من أمرهما فقال : ضربوكم على دم عثمان ثمانین سنة و هم یعلمون أنّه كان ظالما فكیف یا فروة إذا ذكرتم صنمیهم .

و فیه من تقریب المعارف لأبی الصّلاح فی جملة كلام له قال : و رووا عن بشیر بن دراكة النّبال قال : سألت أبا جعفر علیه السّلام عن أبی بكر و عمر فقال : كهیئة المستهزء به ما ترید من صنمى العرب أنتم تقتلون على دم عثمان بن عفّان فكیف لو أظهرتم البراءة منهما لما ناظروكم طرفة عین قال و رووا عن أبی الجارود قال : سئل محمّد بن عمر بن الحسن بن علیّ بن أبیطالب عن أبی بكر و عمر فقال : قتلتم منذ ستّین سنة فی أن ذكرتم عثمان فو اللّه لو ذكرتم أبا بكر و عمر لكان دماؤكم أحلّ عندهم من دماء السنانیر .

بل كثیرا ما كانوا یتكّلمون علیهم السّلام بكلمات موهمة للمدح و الثّناء مماشاتا للنّاس و مداراتا لهم .

مثل ما روى من كتاب المثالب لابن شهر آشوب أنّ الصّادق علیه السّلام سئل عن أبی بكر و عمر ، فقال : كانا إمامین قاسطین عادلین كانا على الحقّ ، و ماتا علیه ،

فرحمة اللّه علیهما یوم القیامة ، فلمّا خلى المجلس قال له بعض أصحابه : كیف قلت یا ابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟ فقال : نعم أمّا قولی : كانا إمامین فهو مأخوذ من قوله تعالى

[ 376 ]

و جعلناهم أئمّة یدعون إلى النّار و أمّا قولی قاسطین فهو من قوله تعالى و أمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً و أمّا قولی : عادلین فهو مأخوذ من قوله تعالى :

و الّذین كفروا بربّهم یعدلون و أمّا قولی : كانا على الحقّ ، فالحقّ علیّ علیه السّلام و قولى : ماتا علیه ، المراد أنّه لم یتوبا عن تظاهرهما علیه ، بل ماتا على ظلمهما إیّاه ، و أمّا قولی : فرحمة اللّه علیهما یوم القیامة فالمراد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ینتصف له منهما أخذا من قوله تعالى و ما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمین .

و إذا عرفت ذلك فاستمع لما یتلى علیك من وجوه التّوریة و التأویل فی فقرات كلامه فأقول و باللّه التّوفیق و العصمة .

قوله علیه السّلام ( للّه بلاد فلان ) و إن كان بظاهره مفیدا للمدح حسبما بیّناه فی بیان اللّغة إلاّ أنّه لیس بذلك ، فانّ اللاّم فیه كاللاّم فی قوله تعالى للّه ملك السّموات و الأرض و الكنایة عن عمر بلفظة فلان مأخوذ من قوله تعالى یوم یعضّ الظّالم على یدیه یقول یالیتنی اتّخذت مع الرّسول سبیلا . یا ویلتی لیتنی لم أتّخذ فلاناً خلیلا فقد فسّر السّبیل فی أخبار أهل البیت علیهم السّلام بأمیر المؤمنین و الظالم بأبی بكر و فلانا بعمر .

قال علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیره و یوم یعضّ الظالم على یدیه قال :

الأوّل یقول یا لیتنی اتّخذت مع الرّسول سبیلا قال أبو جعفر علیه السّلام یقول : یا لیتنی اتّخذت مع الرسول علیّا یا ویلتى لیتنی لم اتّخذ فلانا خلیلا یعنی الثّانی لقد أضلّنی عن الذّكر بعد إذ جائنی یعنی الولایة و كان الشّیطان و هو الثّانی كان للانسان خذولا و روى مثله عن حمّاد عن حریز عن رجل عن أبی جعفر علیه السّلام أنّه قال یوم یعضّ الظّالم الآیة یقول الأوّل للثّانی .

و روى عن الرّضا علیه السّلام أیضا تفسیر الآیتین بالأوّل و الثّانی .

و قوله ( فقد قوّم الأود ) و إن كان ظاهره یدلّ على أنّه أصلح و عدل ما خرج من امور المسلمین عن حدّ الاعتدال و انحرف عن السّداد ، لكن المقصود به ترویجه

[ 377 ]

للاعوجاج من قولهم : قامت السّوق أى نفقت و راجت ، فانّ عمر لعدوله عن الصّراط المستقیم الذى هو صراط أمیر المؤمنین و غصبه للخلافة قد روّج العوج عن الدّین و الانحراف عن نهج الشّرع المبین .

و یوضح ذلك ما رواه فی الطرایف عن قتادة عن الحسن البصرى قال : كان یقرء هذا الحرف صراط علىّ مستقیم ، فقلت للحسن : ما معناه ؟ قال : یقول : هذا طریق علیّ بن أبیطالب و دینه طریق و دین مستقیم فاتّبعوه و تمسّكوا به فانه واضح لا عوج فیه و على إبقاء تقویم الاود على ظاهره فلا ملازمة له لمدح عمر أیضا لأنّ تقویم اعوجاج الناس و نظم أمر الرّعیة إنما یكون ممدوحا شرعا إذا كان جاریا على وفق القوانین الشرعیة ، و أما إذا لم یجر علیها كما هو رسم الجبابرة و سلاطین الجور فلا كما یشیر إلى ذلك قول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الكلام الثامن و الستّین مخاطبا لأهل الكوفة ، و إنّی لعالم بما یصلحكم و یقیم اودكم و لكنّی لا أرى إصلاحكم بافساد نفسی و لقد كان عمدة نظر عمر فى أحكامه و سیاساته إلى نظم أمر خلافته و استحكام أركان ریاسته و إن كان مخالفا لقانون الشرع .

كما یشهد بذلك ما روته الخاصة و العامة من تسوّره حایط بیت الرّجل الذی اتّهمه بشرب الخمر حتى اعترض علیه صاحب البیت بقوله : إن كنت أخطأت فی واحدة فقد أخطأت فى ثلاث قال اللّه و لا تجسّسوا و قد تجسّست و قال و أتوا البیوت من أبوابها و قد تسوّرت و قال إذا دخلتم بیوتا فسلّموا و ما سلّمت ،

على ما تقدّم تفصیلا فى شرح الفصل الثانى من الخطبة الثالثة و غیر ذلك مما رووا من سیره المخالفة للشریعة ، و قد ذكر الشارح المعتزلى شطرا منها فى شرح هذا الكلام .

و قوله ( و داوى العمد ) ظاهره أنه أصلح ما فسد من الامور و خرج عن الصّحة

[ 378 ]

و السداد بمعالجات تدابیره ، و باطنه أنه عالج مرضه القلبى الذی كان علیه ، فقد استعیر العمد الذی هو عبارة عن انشداخ سنام البعیر لمرض القلب كما یستعار لمرض العشق یقال : فلان عمید القلب و معمود ، قال قیس العامری فى قصیدة عشقیة مشحونة بأبیات العشق و المحبة .

یلوموننى فى حبّ لیلى عواذل
و لكنّنى من حبّها لعمید

و الجامع بین المستعار منه و المستعار له كون كلّ منهما موجبا للألم و الأذى و المرض الذى كان فى قلب عمر هو المرض المزمن و الداء الدّوى أعنى مرض الشك و النفاق و معاداة النبیّ و الوصىّ علیهما السّلام فانّ قیح عداوتهما لا سیما عداوة أمیر المؤمنین علیه السّلام و بغضه كان یغلى فى صدره كغلى القیح فى سنام البعیر لا یكاد یندمل حتى مضى النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى لقاء ربّه ، فعالج مرضه و داوى عمده بما مهّده فى نفسه من صرف الخلافة عن أهل بیته و تغییر وصیته و إحراق بیت ابنته ، و تبدیل قوانین شریعته ، فنال ما أبطن فى قلبه و بلغ غایة المراد و منتهى المرام .

و إلى هذا المرض اشیر فى قوله تعالى و من الناس من یقول آمنّا باللّه و الیوم الآخر و ما هم بمؤمنین . یخادعون اللّه و الذین آمنوا و ما یخدعون إلاّ أنفسهم و ما . یشعرون . فى قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضاً و لهم عذاب ألیم بما كانوا یكذبون قال أمین الاسلام الطبرسى : المراد بالمرض فى الآیة الشكّ و النفاق بلا خلاف و إنما سمّى الشكّ فى الدّین مرضا لأنّ المرض هو الخروج عن حدّ الاعتدال ،

فالبدن ما لم تصبه آفة یكون صحیحا سویا و كذلك القلب ما لم یصبه آفة من الشكّ یكون صحیحا ، و قیل : أصل المرض الفتور فهو فى القلب فتوره عن الحقّ كما أنه فى البدن فتور الأعضاء و قال فى الصافى : قوله تعالى و من الناس من یقول الآیة أقول : كابن أبىّ و أصحابه و كالأوّل و الثانى و أضرابهما من المنافقین الذین زادوا على الكفر الموجب للختم و الغشاوة النفاق و لا سیّما عند نصب أمیر المؤمنین علیه السّلام للخلافة و الامامة .

[ 379 ]

و قال أیضا قوله فی قلوبهم مرض قیل : نفاق و شكّ و ذلك لأنّ قلوبهم كانت تغلى على النّبیّ و الوصیّ و المؤمنین حقدا و حسدا ، و فی تنكیر المرض و ایراد الجملة ظرفیّة إشارة إلى استقراره و رسوخه و إلاّ لقال مرض قلوبهم .

و قوله علیه السّلام ( أقام السّنة ) ظاهره إقامته لسنّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و طریقته قولا و فعلا و تقریرا و لكنّه توریة عن السّنن العمریة و هى بدعاته و أحداثه الّتی سنّها قبال سنّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بمقتضى أهوائه الفاسدة .

مثل تحریم المتعتین ، و العول فی الفرایض ، و صلاة الضّحى و صلاة التراویح و هى فعل نوافل شهر رمضان بالجماعة ، و وضع الخراج على سواد العراق ، و ترتیب الجزیة ، و إسقاط حىّ على خیر العمل من الأذان بایهامه أنّ هذه الكلمة تدعو النّاس إلى ترك الجهاد لأنّهم یزعمون إنّ الصّلاة أفضل من سایر الأعمال و لكنّ الدّاعى الحقیقی له إلى الاسقاط غیر ذلك .

و هو ما ورد فی روایة الصّادق علیه السّلام من أنّ عمر سمع من النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّ خیر العمل هو ولایة علیّ بن أبیطالب فموّه على النّاس فی تركه حتّى یترك ، إلى غیر هذه ممّا مرّ فی روایة الرّوضة المتقدّمة فی شرح الخطبة الخمسین فلیراجع هناك ، و ذكر شطرا منها الشارح المعتزلی فی شرح هذا الكلام .

و قوله علیه السّلام ( و خلّف الفتنة ) قال الشارح البحرانی : تخلیفه للفتنة موته قبلها و وجه كون ذلك مدحا له هو اعتبار عدم وقوعها بسببه و فی زمنه لحسن تدبیره .

و أقول : هذا ظاهره و باطنه من أمض الذّم فانّه توریة عن توریثه الفتنة العظیمة الّتی انشعبت منها جمیع الفتن و هى فتنة الشّورى كما صرّح به الشّارح المعتزلی أیضا فی شرح الكلام المأتین و الرّابع حسبما حكینا عنه هناك حیث قال : إنّ ما فعله عمر من أمر الشّورى سبب كلّ فتنة وقع و یقع إلى أن تنقضى الدّنیا .

و توضیحه أنّ عمر لو لم یجعل الخلافة شورى بین الستّة لما أفضى الأمر إلى عثمان و لم تقع فتنة قتله حتّى یكون الطلب بدمه عنوانا لوقعة صفّین و فتن بنی امیة

[ 380 ]

الشوهاء المظلمة و لوقعة البصرة و خروج الخاطئة المشار إلیها فی قوله تعالى أو كظلمات فی بحر لجىّ یغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج یده لم یكد یریها و فی قوله و ما جعلنا الرّؤیا الّتی أریناك إلاّ فتنة للنّاس و الشّجرة الملعونة فی القرآن و نخوّفهم فما یزیدهم إلاّ طغیاناً كبیراً .

ثمّ من التحكیم فی صفّین نشأت فتنة المارقین و خروجهم إلى أن انجرّ إلى شهادة أمیر المؤمنین و استیلاء معاویة على البلاد و إهراقه للدّماء و استحلاله للأموال و فشت المعاداة بین بنی هاشم و بنى امیّة حتّى انتهت إلى الرّزء الجلیل و المصیبة العظمى و الدّاهیة الدّهیاء المحرقة قلوب الشّیعة إلى یوم القیامة و هى وقعة الطّف و شهادة الحسین علیه السّلام و أصحابه ، بل النّار الموقدة فى الطّف لاحراق خیام آل الرّسول من قبسات النّار الّتى أوقدها عمر لاحراق باب فاطمة سلام اللّه علیها .

و بالجملة فجمیع هذه الفتن من ثمرات الشجرة الخبیثة الّتى غرسها عمر .

قال العلاّمة الحلّى فى كتاب نهج الحقّ : روى البلادری قال : لمّا قتل الحسین كتب عبد اللّه بن عمر إلى یزید بن معاویة لعنة اللّه علیهما و على أبیهما : أمّا بعد فقد عظمت الرّزیة و جلّت المصیبة و حدث فى الاسلام حدث عظیم و لا یوم كیوم الحسین فكتب إلیه یزید : أمّا بعد یا أحمق فاننا جئنا إلى بیوت مجدّدة و فرش ممهّدة و ساید منضّدة فقاتلنا عنها ، فان یكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا ، و إن كان الحقّ لغیرنا فأبوك أوّل من سنّ و ابتزّ و استأثر بالحقّ على أهله .

و قوله علیه السّلام ( ذهب نقىّ الثوب ) قال الشارح البحرانى استعار الثوب لعرضه و نقاه لسلامته عن دنس المذام .

و أقول : ربما یفرق بین النقى و التقى بأنّ التقى بالتاء من حسن ظاهره و النقى من حسن باطنه فیكون فى اضافة النقى إلى الثوب توریة لطیفة عن أنّ اتّصافه بالنقاوة و النزاهة إنما كان بحسب ظاهره فقط ، و أما فى الباطن فقد كان مدنسا بأدناس

[ 381 ]

الجاهلیّة و أقذار الشّك و النّفاق و الحقد و الحسد و السّخیمة لكونه رئیس المنافقین الّذین یظهرون بأفعالهم و یقولون بأفواههم ما لیس فی قلوبهم و اللّه أعلم بما یكتمون و قد وصفهم علیه السّلام فی الخطبة المأة و الثالثة و التسعین بهذا الوصف أى بحسن الظاهر و خبث الباطن حیث قال فی تعداد صفاتهم : قلوبهم ردیّة و صفاحهم نقیّة .

و قوله علیه السّلام ( قلیل العیب ) أراد به قلّة عیوبه الظاهرة بالاضافة إلى العیوب الكثیرة الّتی فى عثمان لأخذه بظاهر أحكام الشّریعة تخدیعا للنّاس و للتّزویر و الحیلة ،

و أمّا فى الباطن فقد كان غریقا فى بحر العیوب مغمورا فى تیّار الآثام و الذّنوب حسبما أشرنا و نشیر إلیه .

و قوله علیه السّلام ( أصاب خیرها و سبق شرّها ) قال البحرانى أصاب ما فى الخلافة من الخیر المطلوب و هو العدل و إقامة دین اللّه الّذى به یكون الثّواب الجزیل فى الآخرة و الشّرف الجزیل فی الدّنیا ، و سبق شرّها أى مات قبل وقوع الفتنة فیها و سفك الدّماء لأجلها .

و أقول : بل المراد به أنّه نال خیر الخلافة و لذّة الرّیاسة بما مهّده له أبو بكر من بساطها و صیّرها له من دون معارض و مصادم ، فانقاد له الكلّ و أسلم له الجمیع طوعا و كرها و حصلت له الرّیاسة العامة و فتح الأمصار و نفاذ الأحكام فى الأصقاع و البلدان كمثل غیث أعجب الكفّار نباته ثمّ یهیج فتراه مصفرّا ثمّ یكون حطاما و فى الآخرة عذاب شدید .

و المراد بسبقه الشّر الشّرور و المفاسد و الفتن التى ظهرت فى زمن عثمان علیه اللعنة و النیران من حمله بنى امیّة و مروان على رقاب الناس و خضمهم مال اللّه خضم الابل نبتة الرّبیع حسبما عرفت تفصیلا فى الخطبة الشقشقیة و شرحها إلى أن انجرّ الأمر إلى قتله و هلاكه ، و ظهرت فى خلافة أمیر المؤمنین سلام اللّه علیه و آله أجمعین من الناكثین و القاسطین و المارقین لعنة اللّه علیهم ملاء السماوات و الأرضین و قد عرفت فى شرح قوله : و خلف الفتنة أنّ جمیع هذه الشرور و المفاسد من بركة البرامكة و ثمرات الشجرة الخبیثة التى غرسها عمر .

[ 382 ]

و قوله علیه السّلام ( أدّى إلى اللّه طاعته و اتّقاه بحقّه ) أراد به مواظبته على مراسم الطاعة و التقوى و سلوكه مسالك الزهد و العبادة ، و لقد كان مجدّا فیها ظاهرا لما نذكره من النكتة ، و أمّا فی الباطن فلم یرفع یده كصاحبه عن الكفر و عبادة الصنم إلى أن مضى إلى سبیله .

و یشهد به ما رواه فی البحار من كتاب سلیم بن قیس الهلالی عن أمیر المؤمنین فی حدیث طویل یذكر فیه شجاعته و نصرته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و جبن الثلاثة و رعبهم عند الكریهة و القتال و ساق الحدیث إلى أن قال :

و لقد ناداه ابن عبد ود باسمه یوم الخندق فحاد عنه و لاذ بأصحابه حتّى تبسّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما رأى به من الرّعب ، و قال : أین حبیبی علىّ تقدّم یا حبیبی یا علیّ و لقد قال لأصحابه الأربعة أصحاب الكتاب : الرّأى و اللّه أن ندفع محمّدا برّمته و نسلم من ذلك حین جاء العدوّ من فوقنا و من تحتنا كما قال اللّه تعالى و زلزلوا زلزالاً شدیداً ، و ظنّوا باللّه الظنّونا . و قال المنافقون و الذین فی قلوبهم مرض ما وعدنا اللّه و رسوله إلاّ غروراً فقال صاحبه لا و لكن نتّخذ صنما عظیما نعبده لأنّا لا نأمن أن یظفر ابن أبی كبشة فیكون هلاكنا ، و لكن یكون هذا الصّنم لنا ذخرا ، فان ظهرت قریش أظهرنا عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنّا لن نفارق دیننا ، و إن رجعت دولة ابن أبی كبشة كنا مقیمین على عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنا لن نفارق سرّا ، فنزل جبرئیل فأخبر النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بذلك ، ثمّ خبّرنى به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد عمرو بن عبد ود ،

فدعاهما فقال : كم صنم عبدتما فی الجاهلیة ؟ فقالا : یا محمّد لا تعیّرنا بما مضى فی الجاهلیّة ،

فقال : فكم صنم تعبدا وقتكما هذا ؟ فقالا : و الذى بعثك بالحقّ نبیّا ما نعبد إلاّ اللّه منذ أظهرنا لك من دینك ما أظهرنا ، فقال : یا علیّ خذ هذا السّیف فانطلق إلى موضع كذا و كذا فاستخرج الصنم الذی یعبدانه فاهشمه فان حال بینك و بینه أحد فاضرب عنقه ، فانكبّا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقالا : استرنا سترك اللّه ، فقلت أنا لهما أضمنا للّه و لرسوله ألاّ تعبدا إلاّ اللّه و لا تشركا به شیئا ، فعاهدا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على هذا ،

[ 383 ]

و انطلقت حتّى استخرجت الصنم من موضعه و كسرت وجهه و یدیه و جزمت رجلیه ثمّ انصرفت إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فو اللّه لقد عرفت ذلك فی وجههما حتّى ماتا و یشعر بما قلناه ما رواه العیاشى عن الصادق علیه السّلام فی قوله تعالى الذین كفروا أولیآؤهم الطاغوت یخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فیها خالدون انه قال فأعداء علیّ أمیر المؤمنین هم الخالدون فی النار و إن كانوا فى أدیانهم على غایة الورع و الزّهد و العبادة .

إلى غیر هذه من الرّوایات التى لا نطیل بذكرها المفیدة لكون عبادة هذا الرّجل للّه و زهده و ریاضته تزویرا و ریاء و سمعة ، بل الدلالة على أنه أبطن الكفر و أظهر الاسلام وصلة بذلك إلى ریاسة المسلمین و السلطنة علیهم و إلى ما أضمره فى قلبه من هدم أساس الدین و تخریب سوارى الیقین ضمنا بقدر الامكان و التمكن و إلى صرف الناس و اضلالهم عن الصراط المستقیم و المنهج القویم .

فانه لو لم یسلك مسلك العبادة و الرّیاضة و الزهد و القشف و الضیق على نفسه و التوسعة على غیره و ترك اللذات و الشهوات رأسا لم یتمكّن من ذلك كما لم یتمكّن عثمان منه لعدم سلوكه هذا المسلك .

و قد صرّح نفسه بهذه النكتة و أظهر هذا السر إلى بطانته المشارك له فى الكفر و الالحاد اللعین بن اللعین معاویة بن أبى سفیان فى العهد الطویل الذى رواه أصحابنا فى مؤلفاتهم و هو العهد الذى أخرجه یزید الملعون من خزانته و أبرزه لعبد اللّه بن عمر الملعونین لما جاء إلى الشام مستصرخا فى دم الحسین علیه السّلام و ثائرا فیه ، فسكّته بذلك العهد الذى كان بخطّ أبیه عمر فانه بعد ما كتب فیه إلى معاویة صریحا كفره و إلحاده و بقاءه على عبادة اللاّت و العزّى و تكذیبه للرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لما جاء به و نسبته له إلى السحر و أبرز عداوته المكنونة له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و آله و شرح صرفه الخلافة بتدبیراته و حیله عن وصیّه كتب فیه ما عین لفظه :

[ 384 ]

فبطل سحره یعنی سحر محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خاب سعیه و علاها أبوبكر و علوتها بعده و أرجو أن تكونوا معاشر بنی أمیّة عیدان أطنابها ، فمن ذلك قد ولّیتك و قلّدتك اباحة ملكها ، و عرفتك فیها و خالفت قوله فیكم ، و ما ابالى من تعریف شعره و نثره أنّه قال یوحى إلىّ منزل من ربّی فى قوله : و الشّجرة الملعونة فى القرآن فزعم أنّها أنتم یا بنى امیّة فبیّن عداوته حیث ملك كما لم یزل هاشم و بنوه أعداء بنى عبد شمس و أنا مع تذكیری إباك یا معاویة و شرحى لك ما قد شرحته ناصح لك و مشفق علیك من ضیق عطنك و حرج صدرك و قلّة حلمك أن تعجل فیما وصیّتك به و مكّنتك منه من شریعة محمّد و أمّته أن تبدى لهم مطالبته بطعن أو شماتة بموت أو ردّا علیه فیما أتى به أو استصغارا لما أتى به فتكون من الهالكین ، فتخفض ما رفعت و تهدم ما بنیت ، و احذر كلّ الحذر حیث دخلت على محمّد مسجده و منبره و صدّق محمّدا فى كلّ ما أتى به و أورده ظاهرا ، و أظهر التحرّز و الواقعة فى رعیتك و أوسعهم حلما و أعمّهم بروایح العطایا ، و علیك باقامة الحدود فیهم و تصفیف الجنایة منهم ،

لسبا محمّد من مالك و رزقك و لا ترهم أنك تدع للّه حقّا و لا تنقص فرضا و لا تغیّر لمحمد سنّة فتفسد علینا الامّة بل خذهم من مأمنهم و اقتلهم بأیدیهم و أیّدهم بسیوفهم و تطاولهم و لا تناجزهم ، و لن لهم و لا تبخس علیهم ، و افسح لهم فى مجلسك و شرّفهم فى مقعدك ، و توصّل إلى قتلهم برئیسهم و أظهر البشر و البشاشة ، بل اكظم غیظك ،

و اعف عنهم یجبّوك و یطیعوك ، فما آمن علینا و علیك شورة علىّ و شبلیه الحسن و الحسین ، فان أمكنك فى عدّة من الامة فبادر و لا تقنع بصغار الأمور ، و اقصد بعظیمها و احفظ وصیّتى الیك و عهدى و اخفه و لا تبده ، و امتثل أمرى و نهیى ، و انهض بطاعتی و إیّاك و الخلاف علىّ و اسلك طریق أسلافك ، و اطلب بثارك و اقتصّ آثارهم فقد أخرجت إلیك بسرّى و جهرى ، و شفّعت هذا بقولی :

معاوی إنّ القوم جلّت أمورهم
بدعوة من عمّ البریّة بالوتر

صبوت إلى دین لهم فأرابنی
فأبعد بدین قد قصمت من ظهرى

[ 385 ]

إلى أن قال :

توسل إلى التخلیط فی الملّة التی
أتانا به الماضی و المموّه بالسحر

و طالب بأحقاد مضت لك مظهرا
لعله دین عمّ كلّ بنى النفر

فلست تنال الثار الابد منهم
فتقتل بسیف القوم جند بنى عمر

فقد تحصّل بما ذكرنا كلّه أنّ طاعة الرّجل و ریاضته و تضییقه على نفسه و توفیره الفئ و الغنایم على غیره لم یكن إلاّ خدیعة و مكیدة و إطفاء لنور اللّه و هدما لأساس الاسلام و إغواء للمسلمین .

كالشیطان الذی أراد إضلال عابد بنی إسرائیل و إغواءه فتقرّب إلیه من جهة البرّ و العبادة لما یئس من سایر العبادات فانطلق إلى منزله فأقام حذاءه یصلّى و كان العابد ینام و الشّیطان لا ینام ، و هو یستریح و الشیطان لا یستریح ، فتحوّل إلیه العابد و قد تقاصرت إلیه نفسه و استصغر عمله ، فقال یا عبد اللّه بأیّ شی‏ء قویت على هذه الصّلاة ، فلم یجبه ، ثمّ عاد إلیه فلم یجبه ، ثم عاد إلیه فقال : إنّی أذنبت ذنبا و أنا تائب منه فاذا ذكرت الذّنب قویت علیها ، فاغترّ العابد المسكین بما أتى به من الصّلاة ، فلم یجبه ، ثمّ عاد إلیه فلم یجبه ، ثم عاد إلیه فقال : إنّی أذنبت ذنبا و أنا تائب منه فاذا ذكرت الذّنب قویت علیها ، فاغترّ العابد المسكین بما أتى به من الصّلاة على أن یأتی بفاحشة و یتوب منها فتوصّل بكثر صلاته إلى إضلاله .

و هكذا كان حال الاعرابی الجلف فمثله كما قال اللّه تعالى و من النّاس من یقول آمنّا باللّه و بالیوم الآخر و ما هم بمؤمنین . یخادعون اللّه و الّذین آمنوا و ما یخدعون إلاّ أنفسهم و ما یشعرون إلى قوله و إذا لقوا الذین آمنوا قالوا آمنّا و إذا خلوا إلى شیاطینهم قالوا إنّا معكم انّما نحن مستهزؤن . اللّه یستهزء بهم و یمدّهم فی طغیانهم یعمهون هذا .

و قوله ( رحل و تركهم فی طرق متشعّبة لا یهتدى فیها الضّال و لا یستیقن المهتدى ) قال الشارح البحرانی : إنّ المراد رحیله إلى الآخرة تاركا للناس بعده فی طرق متشعّبة من الجهات لا یهتدى فیها من ضلّ عن سبیل اللّه ، و لا یستیقن المهتدی فی سبیل اللّه انّه على سبیله ، لاختلاف طرق الضّلال و كثرة المخالف له إلیها .

[ 386 ]

أقول : هذا ظاهر معنى الكلام و أمّا باطنه فهو أنّ الأعرابی الجلف رحل عن الدّنیا و ترك النّاس حیارى و أوقعهم بما أبدعه من سننه و سیره و بدعاته و حیله و مكایده و تمویهاته فی الفتنة و الضّلال و الخزى و النكال ، لا سیّما ما قرّره من الشّورى و جعلها بین السّتة أوجب تفرّق النّاس عن الصّراط المستقیم أیادى سبا و أیدى سبا .

فمنهم من قد كان اشرب قلبه حبّ الشیخین و استحوذ علیه الشیطان فأنساه ذكر ربّه فضلّ عن السّبیل المقیم و هوى أسفل درك الجحیم .

و منهم من كان طالبا للهدایة إلاّ أنّه نظر إلى اختلاف طرق الضّلال و الهدى و كثرة السالكین إلى الأولى و قلّتها إلى الاخرى فبقى تائها متحیّرا بین السّبیلین فلم یتمكّن من تحصیل السّبیل و رفع الشك و التّحیر من البین كما أشار إلى ذلك فی الخطبة الخمسین بقوله :

إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع و أحكام تبتدع یخالف فیها كتاب اللّه و یتولّى علیها رجال رجالا على غیر دین اللّه ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم یخف على المرتادین و لو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندین ، و لكن یؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فهنالك یستولی الشیطان على أولیائه و ینجو الّذین سبقت لهم من اللّه الحسنى و الحاصل أنّ عمر بتلبیسه الحقّ بالباطل و الباطل بالحقّ و خلطه الصّالح بالسّی‏ء و ایقاعه الاشتباه بینهما أوقع النّاس فی الشكّ و الضّلال خصوصا جعله أمیر المؤمنین و باب علم النّبیین قرینا للخمسة الالواد ، و ترشیحه كلاّ منهم بأهلیّة الخلافة ألقى التفرقة بین الامّة و شقّ عصا الجماعة و اختلف بذلك الآراء و تشتّت الأهواء و تشعّب الطّرق و تفرّقت السبل .

و یدلّ على ذلك صریحا ما نقله العلامة الحلّی فی كتاب نهج الحقّ من كتاب العقد لابن عبد ربّه أنّ معاویة قال لابن أبی الحصین : أخبرنی ما الّذی شتّت أمر

[ 387 ]

[ 387 ]

المسلمین و جماعتهم و فرّق ملأهم و خالف بینهم ؟ فقال : قتل عثمان ، قال : ما صنعت شیئا قال : فسیر علیّ علیه السّلام إلیك قال ما صنعت شیئا قال : ما عندى غیر هذا یا أمیر المؤمنین فقال : فأنا اخبرك أنّه لم یشتّت بین المسلمین و لا فرّق أهواءهم الاّ الشّورى الّتی جعلها عمر فی ستّة .

ثمّ فسّر معاویة ذلك فی آخر الحدیث فقال : لم یكن من الستّة رجل إلاّ رجاها لنفسه و رجاها لقومه و تطلّعت إلى ذلك أنفسهم و لو أنّ عمر استخلف كما استخلف أبو بكر ما كان فی ذلك اختلاف ، انتهى .

فقد تحصّل بما ذكرنا كلّه أنّ المراد بتركه لهم فی طرق متشعّبة اثارته الفتنة العامة بین المسلمین و الضلالة العمیاء التی لم ینج منها أحد الاّ المخلصین فانّ عباد اللّه المخلصین لیس له سلطان علیهم كأخیه الشیطان اللعین و إنما سلطانه على الذین یتولّونه و هم به مقتدون ، و هو الهادى و أنّهم المهتدون ، لعنه اللّه و من تبعه من الملعونین المردودین .

تنبیهان

الاول

اعلم أنّ الشارح المعتزلی قد أطال الكلام فی شرح هذا الكلام لأمیر المؤمنین علیه السّلام و ذكر من مناقب عمر على زعمه و مثالبه و مطاعنه و الأخبار العامیة الواردة فی شأنه و من سیره و أخلاقه و كلماته فصلا طویلا أورث الاطناب المملّ للناظرین حتى صار شرح هذا الكلام مجلّدا منفردا من مجلّدات شرحه للنهج و هو المجلّد الثانی عشر منه .

و لما رأیت أنّ نقل ما أتى به و جرحه و الاعتراض علیه حسبما جرت علیه عادتنا فی الشرح یحتاج إلى مجلّد مستقلّ و بسط بسیط یشمئزّ منه الطباع و یملّ الأذهان طوینا عن التعرّض له كشحا و لكنّى أقول إجمالا :

أما سیر عمر و أخلاقه و أطواره فالعمر أعزّ و أنفس من أن یصرف إلى ذكرها و یضیع فی بیان مثلها .

[ 388 ]

و أمّا مطاعنه و مثالبه فهى صحیحة لا ریب فیها و أجوبة قاضی القضاة عنها مندفعة بما اعترض به المرتضى علیها فی الشافی حسبما حكاه تفصیلا .

و أمّا مناقشة الشّارح فی بعض تلك الاعتراضات فقد رواها العلامة المجلسی « ره » فی مجلّد الفتن من البحار و لا حاجة لنا إلى نقلها و من أراد الاطلاع علیها فلیراجع إلى محالّه الّتی نبّهنا علیها .

و أمّا الأحادیث الّتی رواها فی فضل عمر موضوعة مجهولة مجعولة ، و آثار الوضع علیها ظاهرة واضحة و قد مرّ الاشارة إلى بعضها فی شرح الكلام المأتین و التاسع نعم قد ذكر الشارح فی تضاعیف كلامه فی المقام أخبارا عامیّة صریحة فی حقیّة خلافة أمیر المؤمنین علیه السّلام و بطلان خلافة غیره ، و اتبعها بكلام طویل جرى بینه و بین النّقیب أبی جعفر و هو كلام لطیف كاشف عن سوءآت عمر و فضایحه و عن كفره و نفاقه و كونه فی مقام الاعتراض على ما یقوله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و المعارضة له و عن أنّ عمدة نظره فیما أسّسه و أتى به إنّما كانت إلى حبّ السلطنة و الرّیاسة لا الاشفاق على الاسلام و الامّة كما یزعمه العامّة ، فأحببت نقل هذا الكلام على طوله لأنّه من لسان من هواه مع عمر أثبت و أقوى و ألذّ و أحلى فأقول :

قال الشّارح بعد ما ذكر طائفة من الأخبار الدّالة على خلافة أمیر المؤمنین ما هذا لفظه :

سألت النّقیب أبی « أباظ » جعفر یحیى بن محمّد بن أبی زید و قد قرأت علیه هذه الأخبار فقلت له : ما أراها إلاّ تكاد تكون دالّة على النّص و لكنّی أستبعد أن یجتمع الصحابة على دفع نصّ رسول اللّه على شخص بعینه كما استبعدنا من الصحابة على ردّ نصّه على الكعبة و شهر رمضان و غیرهما من معالم الدّین .

فقال : أبیت إلاّ میلا إلى المعتزلة .

ثمّ قال : إنّ القوم لم یكونوا یذهبون إلى أنّها من معالم الدّین و انّها جاریة مجرى العبادات الشرعیة كالصّلاة و الصّوم و لكنّهم كانوا یجرونها مجرى الامور

[ 389 ]

الدّنیویّة مثل تأمیر الأمراء و تدبیر الحروب و سیاسة الرّعیة و ما كانوا بهذا الأمر و أمثال هذا من مخالفة نصوصه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذا رأوا المصلحة فی غیرها ألا تراه كیف نصّ على إخراج أبی بكر و عمر فی جیش اسامة و لم یخرجا لما رأیا أنّ فی مقامهما مصلحة للّه و له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و للملّة و حفظا للبیضة و دفعا للفتنة .

و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یخالف و هو حىّ فی أمثال ذلك فلا ینكره و لا یرى به بأسا .

ألست تعلم أنّه نزل فی غزوة بدر منزلا على أن یحارب قریشا فیه فخالفته الأنصار و قالت له : لیس الرأى فی نزولك هذا المنزل فاتركه و أنزل فی منزل كذا فرجع إلى آرائهم .

و هو الّذی قال للأنصار عام قدم إلى المدینة : لا توبروا النّخل ، فعملوا على قوله فخاست نخلهم فی تلك السّنة و لم تثمر حتّى قال لهم أنتم أعرف بأمر دنیاكم و أنا أعرف بأمر دینكم و هو الذى أخذ الفداء من اسارى بدر فخالفه عمر فرجع إلى تصویب رأیه بعد أن فات الأمر و خلص الاسارى و رجعوا إلى مكّة .

و هو الّذی أراد أن یصالح الأحزاب على ثلث تمر المدینة فرجعوا عنه فأتى سعد بن معاذ و سعد بن عبادة و خالفاه فرجع إلى قولهما .

و قد كان قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأبی هریرة : اخرج فناد فی الناس من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا بها قلبه دخل الجنّة ، فأخبر أبو هریرة عمر بذلك فدفعه فی صدره حتى وقع على الأرض فقال : لا تقلها فانّك إن تقلها یتكلوا علیها و یدعوا العمل فأخبر أبو هریرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بذلك فقال : لا تقلها و خلّهم یعملون فرجع إلى قول عمر .

و قد أطبقت الصّحابة إطباقا واحدا على ترك كثیر من النصوص لما رأوا المصلحة فی ذلك كاسقاطهم سهم ذوى القربى و إسقاطهم سهم المؤلفة قلوبهم و هذان الأمران أدخل فی باب الدّین منهما فی باب الدّنیا .

[ 390 ]

و قد عملوا بآرائهم امورا لم یكن لها ذكر فی السنّة ، كحدّ الخمر فانهم عملوه اجتهادا و لم یحدّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شاربى الخمر و قد شربها الجمّ الغفیر فی زمانه بعد نزول آیة التحریم ، و لقد كان أوصاهم فی مرضه أن اخرجوا نصارى نجران من جزیرة العرب فلم یخرجوهم حتّى مضى مدة من خلافة عمر و عملوا فی أیام أبی بكر برأیهم فی ذلك و استصلاحهم ، و هم الّذین هدموا المسجد بمدینة و حوّلوا المقام بمكّة و عملوا بمقتضى ما یغلب فی ظنونهم من المصلحة و لم یقفوا مع موارد النّص حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد ، فرجّح كثیر منهم القیاس على النص حتى استحالت الشریعة و صار أصحاب القیاس أصحاب شریعة جدیدة .

قال النقیب : و اكثر ما كانوا یعملون بآرائهم فیما یجرى مجرى الولایات و التأمیر و التدمیر و تقریر قواعد الدّولة و ما كانوا یقفون مع نصوص رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تدبیراته اذا رأوا المصلحة فی خلافها ، كانهم یقیدون نصوصه المطلقة بقید غیر مذكور لفظا و لأنهم كانوا یفهمونه من قراین أحواله و تقدیر ذلك القید افعلوا كذا إن رأیتموه مصلحة .

فأما مخالفتهم فیما هو محض الشرع و الدّین و لیس بمتعلق بامور الدّنیا ، فانه یقل جدّا نحو أن یقول : الوضوء شرط فی الصلاة ، فیجمعوا على ردّ ذلك و یجیزوا الصلاة من غیر وضوء ، أو یقول : صوم شهر رمضان واجب ، فیطبقوا على مخالفة ذلك و یجعلوه شوالا عوضا عنه ، فانه بعید إذ لا غرض لهم فیه و لا یقدرون على اظهار مصلحة عثروا علیها خفیت عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و القوم الذین كانوا قد غلب على ظنونهم أنّ العرب لا تطیع علیا ، فبعضها للحسد ، و بعضها للوتر و الثار ، و بعضها لاستحداثهم سنه علیه السّلام ، و بعضها لاستطالته علیهم و رفعه عنهم ، و بعضها كراهیة اجتماع النبوة و الخلافة فی بیت واحد ، و بعضها للخوف من شدة وطئه و شدته فی دین اللّه ، و بعضها لرجاء تداول قبایل العرب الخلافة اذا لم یقتصر بها على بیت مخصوص علیه فیكون رجاء كل حىّ لوصولهم إلیها ثابتا

[ 391 ]

مستمرّا ، و بعضها یبغضه لبغضهم من قرابته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هم المنافقون من النّاس و من فی قلبه زیغ من أمر النّبوة .

فأصفق الكلّ اصفاقا واحدا على صرف الأمر لغیره ، فقال رؤساؤهم بانّا خفنا الفتنة و علمنا أنّ العرب لا تطیعه و تتركه و تأوّلوا عند أنفسهم النّص و قالوا إنّه النّص و لكن الحاضر یرى ما لا یرى الغایب و الغایب قد یترك لأجل المصلحة الكلیّة .

و أعانهم إلى ذلك مسارعة الأنصار إلى ادّعائهم الأمر و إخراجهم سعد بن عبادة من بیته و هو مریض لینصبوه خلیفة فیما زعموا ، و اختلط النّاس و كثر الخبط و كادت الفتنة أن یضطرم نارها فوثب رؤساء المهاجرین و بایعوا أبابكر و كانت فلتة كما قال قائلهم و زعموا أنّهم أطفأوا نائرة الأنصار .

فمن سكت من المسلمین و اغضى و لم یتعرض فقد كفاهم أمر نفسه ، و من قال سرّا أو جهرا أو فلانا قد كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذكره أو نصّ علیه أو أشار إلیه أسكتوه فی الجواب بأنّا بادرنا إلى عقد البیعة مخافة الفتنة .

و اعتذروا عنده ببعض ما تقدّم ، إما أنّه حدیث السّن ، أو تبغّضه للعرب لأنّه وترها و سفك دماءها ، أو لأنّه صاحب زهو و تیه ، أو كیف یجتمع الخلافة و النبوّة فی غرس واحد .

بل قد قالوا فی العذر ما هو أقوى منها و آكد قالوا : أبو بكر أقوى على هذا الأمر منه لا سیّما و عمر یعضده و یساعده و العرب یحبّ أبابكر و یعجبها لینه و رفقه و هو شیخ مجرّب للأمور لا یحسده أحد و لا یحقد علیه أحد و لا یبغضه أحد ، و لیس بذى شرف فى النسب فیشمخ على النّاس بشرفه ، و لا ذى قربى من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیدلّ بقربه و دع ذا كلّه فانّه فضل مستغنى عنه .

قالوا : لو نصبنا علیّا ارتدّ النّاس عن الاسلام و عادت الجاهلیّة كما كانت فأیّما أصلح فی الدّین الوقوف مع النّص المفضى إلى ارتداد الخلق و رجوعهم إلى الأصنام و الجاهلیة ؟ أم العمل بمقتضى الأصلح و استبقاء الاسلام و استدامة العمل بالدّین و إن

[ 392 ]

كان فیه مخالفة النّص ؟

قال : و سكت النّاس عن الانكار لأنّهم كانوا متفرّقین .

فمنهم من هو مبغض شانی‏ء لعلیّ فالذى ثمّ من صرف الأمر عنه قرّة عینه و برد فؤاده .

و منهم ذو الدّین و صحّة الیقین إلاّ أنّه لما رأى كبراء الصحابة قد اتّفقوا على صرف الأمر عنه ظنّ أنهم إنما فعلوا ذلك خلاف النصّ من رسول اللّه بنسخ ما قد كان سمعه من النصّ على أمیر المؤمنین لا سیما ما رواه أبو بكر من قول النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الأئمة من قریش ، فانّ كثیرا من الناس توهموا أنه ما ینسخ النصّ الخاص و أنّ معنى الخبر أنكم مجازون فی نصب إمام من قریش من أىّ بطون قریش كان فانه یكون إماما .

و اكد أیضا فی نفوسهم رفض النصّ الخاصّ ما سمعوه من قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما رواه « رآه‏ظ » المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن ، و قوله : سألت اللّه أن لا یجمع امتی على ضلال فأعطانیها فأحسنوا الظنّ بعاقدى البیعة و قالوا : هؤلاء أعرف بأغراض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من كلّ أحد فأمسكوا و كفّوا عن الانكار .

و منهم فرقة اخرى و هم أكثرون الأعراب و جفاة طغام أتباع كلّ ناعق یمیلون مع كل ریح ، فهؤلاء مقلّدون لا یسألون و لا ینكرون و لا یبحثون و هم مع امرائهم و ولاتهم لو أسقطوا عنهم الصّلاة الواجبة لتركوها .

فلذلك محق النصّ و خفى و درس و قویت كلمة العاقدین لبیعة أبی بكر .

و قواها زیادة على ذلك اشتغال علیّ و بنی هاشم برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اغلاق بابهم علیهم و تخلیتهم الناس یعملون ما شاؤوا و أحبّوا من غیر مشاركة لهم فیما هم فیه ،

لكنهم أرادوا استدراك ذلك بعد ما فات ، و هیهات الفایت لا رجعة له .

و أراد علىّ بعد ذلك نقض البیعة فلم یتم له ذلك ، و كانت العرب لا ترى الغدر و لا ینقض البیعة صوابا كانت أو خطاء ، و قد قالت له الأنصار و غیرها : أیها الرّجل لو دعوتنا

[ 393 ]

إلى نفسك قبل البیعة لما عدلنا بك أحدا و لكنا قد بایعنا فكیف السبیل إلى نقض البیعة بعد وقوعها .

قال النّقیب : و ممّا جرء عمر على بیعة أبی بكر و العدول عن علیّ علیه السّلام مع ما كان یسمعه من الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی أمره أنه أنكر مرارا على رسول اللّه أمورا اعتمدها فلم ینكر علیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنكاره بل رجع فی كثیر منها إلیه أشار علیه بأمور كثیرة نزل القرآن فیها بموافقته فأطمعه ذلك فی الاقدام على اعتماد كثیر من الامور التی كان یرى فیها المصلحة ممّا هى خلاف النّص .

و ذلك نحو إنكاره الصّلاة على عبد اللّه بن ابیّ المنافق ، و إنكاره فداء اسارى بدر ، و إنكاره علیه تبرّج نسائه للنّاس ، و إنكاره قضیة الحدیبیة ، و إنكاره أمان العباس لأبی سفیان بن حرب ، و إنكاره واقعة أبی حذیفة بن عتبة ، و إنكاره أمره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالنداء من قال : لا إله إلا اللّه دخل الجنّة ، و إنكاره أمره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بذبح النّواضح ، و إنكاره على النساء هیبتهنّ له دون رسول اللّه إلى غیر ذلك من أمور كثیرة تشتمل علیها كتب الحدیث .

و لو لم یكن إلاّ إنكاره قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مرضه : ائتونی بدواة و كتب أكتب لكم ما لا تضلّون بعدی ، و قوله ما قال و سكوت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عنه و أعجب الأشیاء أنّه قال ذلك الیوم : حسبنا كتاب اللّه ، فافترق الحاضرون من المسلمین فی الدّار فبعضهم یقول : القول ما قال عمر ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد كثر اللغط و علت الأصوات : قوموا عنّى فما ینبغى لنبیّ أن یكون عنده هذا التّنازع .

فهل بقى للنبوّة مزیّة أو فضل إذا كان الاختلاف قد وقع بین القولین و میل المسلمین بینهما فرجّح قوم هذا و قوم هذا أفلیس ذلك دالا على أنّ القوم سوّوا بینه و بین عمر و جعلوا القولین مسألة خلاف ذهب كلّ فریق منهم إلى نصرة واحد منهما كما یختلف اثنان من عرض المسلمین فی بعض الأحكام فینصر قوم هذا و ینصر ذاك آخرون

[ 394 ]

فمن بلغت قوّته و همّته إلى هذا كیف ینكر منه أن یبایع أبا بكر لمصلحة رآها و یعدل عن النّص و من الّذی ینكر علیه ذلك و هو فی القول الّذى قاله للرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی وجهه غیر خائف من الأنصار و لا أنكر علیه رسول اللّه و لا غیره و هو أشدّ من مخالفة النّص فی الخلافة و أفظع و أشنع .

قال النّقیب : على أنّ الرّجل ما أهمل أمر نفسه بل أعدّ أعذارا و أجوبة .

و ذلك لأنّه قال لقوم عرضوا له الحدیث النّص أنّ رسول اللّه رجع عن ذلك باقامته أبابكر فی الصّلاة مقامه و أوهمهم أنّ ذلك جار مجرى النّص علیه بالخلافة ، و قال یوم السّقیفة : أیّكم یطیب نفسا أن یتقدّم قدمین قدّمهما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الصّلاة .

ثمّ أكّد ذلك بأن قال لأبی بكر و قد عرض علیه البیعة : أنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی المواطن كلّها شدّتها و رخاتها ، رضیك لدیننا أفلا نرضاك لدنیانا .

ثمّ عاب علیّا بخطبة بنت أبی جهل فأوهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كرهه لذلك و وجد علیه و أرضاه عمرو بن العاص فروى حدیثا افتعله و اختلقه على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : سمعته یقول : إنّ آل أبی طالب لیسوا لی بأولیاء إنّما ولیّی اللّه و صالح المؤمنین فجعلوا ذلك كالناسخ لقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من كنت مولاه فهذا مولاه .

قلت للنقیب : أیصحّ النّسخ فی مثل هذا ألیس هذا نسخا للشی‏ء قبل تقضّى وقته ؟

فقال : سبحان اللّه من أین تعرف العرب هذا و أنّى لها أن یتصوّره فضلا عن أن تحكم بعدم جوازه فهل یفهم حذاق الأصولیّین هذه المسألة فضلا عن حمقى العرب ؟ هؤلاء قوم ینخدعون بأدنى شبهة و یستمالون بأضعف سبب و یبنى الامور معهم على ظواهر النّصوص و أوائل الأدلّة و هم أصحاب جمل و تقلید لا أصحاب تفصیل و نظر .

قال : ثمّ أكّد حسن ظنّ النّاس بهم أن خلعوا أنفسهم عن الأموال و زهدوا فی

[ 395 ]

فی متاع الدّنیا و زخرفها و سلكوا مسلك الرّفض لزینتها و الرّغبة و القناعة بالتّطفیف النّزر منها و أكلوا الخشن و لبسوا الكرابیس .

و لمّا ألقت إلیهم أفلا ذكبدها وفّروا الأمول على النّاس و قسّموها بینهم لم یتدنّسوا منها بقلیل و لا كثیر فمالت إلیهم القلوب و أحبّتهم النّفوس ، و حسنت فیهم الظنّون و قال من كانت فی نفسه شبهة منهم أو وقفة فی أمرهم : لو كانت هؤلاء قد خالفوا النّص لهوى أنفسهم لكانوا أهل الدّنیا و بسط علیهم المیل إلیها و الرغبة فیها و الاستیثار بها ، و كیف یجمعون على أنفسهم بین مخالفة النصّ و ترك لذّات الدنیا و مآربها ، فیخسروا الدّنیا و الآخرة ، و هذا لا یفعله عاقل و ذو لباب و آراء صحیحة .

فلم یبق عند أحد شكّ فی أمرهم و لا ارتیاب لفعلهم و ثبت العقاید على ولائهم و تصویب أفعالهم و نسو الذّة الرّیاسة و أن أصحاب الهمم العالیة لا یلتفتون إلى الماكل و المشرب و المنكح و إنّما یریدون الحكم و الریاسة و نفوذ الأمر كما قال الشاعر :

و قد رغبت عن لذّة المال أنفس
و ما رغبت عن لذّة الأمر و النهى

قال : و الفرق بین الرّجلین و بین الثالث ما اصیب الثالث و قتل تلك القتلة و خلعه النّاس و حصروه و ضیّقوا علیه بعد أن توالی إنكارهم أفعاله فی وجهه و فسّقوه و ذلك لأنّه استأثر هو و أهله بالأموال و انغمسوا فیها و استبدّوا بها فكانت طریقته و طریقتهم مخالفة لطریقى الأوّلین ، فلم تصبر العرب على ذلك .

و لو كان عثمان سلك مسلك عمر فى الزّهد و جمع النّاس ، و ردع الأمراء و الولاة عن الأهوال ، و تجنب استعمال أهل بیته ، و وفّر أعراض الدّنیا و ملاذها و شهواتها على الناس زاهدا فیها تاركا لها معرضا عنها لما ضرّه شی‏ء قطّ و لا أنكر علیه أحد قطّ و لو حوّل الصّلاة من الكعبة إلى بیت المقدس بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلاة الخمس و اقتنع منهم بأربع .

و ذلك لأنّ همم الناس مصروفة إلى الدّنیا و الأموال فاذا وجدوها سكتوا و إذا نفدوها هاجوا و اضطربوا .

[ 396 ]

ألست ترى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كیف قسّم قسایم هو اذن على المنافقین و على أعدائه الّذین یتمنّون قتله و موته و زوال دولته فلمّا اعطوه أحبّوه إمّا كلّهم أو أكثرهم ، و من لم یحبّه منهم بقلبه جاهله و داره و كفّ عن إظهار عداوته و الاجلاب علیه .

و لو أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام صانع أصحابه بالمال و إعطاء الوجوه و الرّؤساء لكان أمره إلى الانتظام أقرب ، و لكنّه رفض جانب التّدبیر الذی بنوا و آثر لزوم الدّین و تمسّك بأحكام الشّریعة ، و الملك أمر آخر غیر الدّین فاضطرب علیه أصحابه و هرب كثیر منهم إلى عدوّه .

قال الشّارح المعتزلی : و قد ذكرت فی هذا الفصل خلاصة ما حفظته عن النقیب أبی جعفر و لم یكن إمامیّ المذهب و لا كان یبرء من السّلف و لا یرتضى قول المسرفین من الشّیعة ، و لكنّه كلام أجراه على لسانه البحث و الجدل بینی و بینه على أنّ العلوى لو كان كرامیّا لابدّ أن یكون عنده نوع من تعصّب و میل على الصحابة و إن قلّ ، انتهى .

و أقول : للّه درّ النقیب فلقد أجاد فیما أفاد و جانب العصبیة و العناد و أبان عن مخّ ما یقوله الفرقة الحقّة الامامیة و تذهب إلیه و تدین به ببیان لیس فوقه بیان ،

و قد اتّضح بما ذكره كلّ الوضوح أنّ عمر كان دائما فی مقام المعارضة لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الطعن و الازراء علیه و الرّد لأقواله و أفعاله فی حیاته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بعد موته ، و أنه أنكر النصّ على خلافة أمیر المؤمنین علیه السّلام و أوّله بتأویلات سخیفة بأحادیثه المختلقة المجعولة و معاذیره الباطلة ، كما اتّضح أنّ نكتة زهده فی الدّنیا إنما كانت حبّ الملك و الرّیاسة و نفوذ الأمر لا الزّهد الحقیقی الذی أوهمه للناس و ظنه فی حقّه الهمج الرّعاء ، فویل له ثمّ ویل له من دیّان یوم الدّین ، و لعنة اللّه على جمیع الظالمین و الغاصبین لحقّ آل محمّد سلام اللّه علیهم أجمعین .

[ 397 ]

التنبیه الثانى

قد ظهر لك بما حققناه و اتّضح لك كلّ الوضوح أن هذا الكلام الذی نحن فی شرحه إن كان نظره علیه السّلام فیه إلى عمر فلیس هو ثنإله كما توهّمه الشارح المعتزلی و غیره ، و إن كان إشارة إلى أبی بكر كما زعمه الشارح البحرانی فلا یكون ثناء له أیضا .

و أقول تأكیدا لهذا المعنى : كیف یمكن أن یمدحهما أمیر المؤمنین مع ما صدر عنهما من الالحاد و الارتداد و الشّقاق و النّفاق و المحادّة للّه عزّ و جلّ و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لأولیائه علیهم السّلام و اتیانه من الكبائر و الجرائر العظیمة الّتی لا یحصیها الألسنة و الأفواه و لا یحیط بها الدّفاتر و الأقلام و قد أفصح عنها أئمّتنا الأطهار فی أخبارهم و صرّح بها علماؤنا الأبرار فی زبرهم و آثارهم .

و أوّل من أبدى سوآتهما بعد اللّه و بعد رسوله هو أمیر المؤمنین علیه السّلام فاحتذى حذوه ذرّیته البررة و شیعته الطیّبة و سلكوا مسلكه و كلماته المتضمّنة للعنهما و الطّعن و القدح و الازراء علیهما و التّظلم و الشكوى منهما فی النّهج و غیره كثیرة جدّا .

و أكثرها احتواء لذلك دعاؤه المعروف بدعاء صنمى قریش الّذى كان یواظب علیه السّلام علیه فی قنوته و سایر أوقاته ، و قد رواه غیر واحد من أصحابنا قدّس اللّه أرواحهم فی مؤلّفاتهم ، و أحببت نقله هنا لكونه أنقض لظهر النّاصبین و أرغم أنف المعاندین و أبطل لزعم من توهّم ثناء أمیر المؤمنین لهذین الذین لا حریجة لهما فی الدّین .

فأقول و باللّه التوفیق :

فی كتاب البلد الأمین و جنّة الأمان الواقیة المشتهر بالمصباح للشّیخ العالم الفاضل الكامل إبراهیم بن علی بن الحسن بن محمّد الكفعمى رضى اللّه عنه إنّ هذا الدّعاء رفیع الشّأن عظیم المنزلة ، و رواه عبد اللّه بن عبّاس عن علیّ علیه السّلام أنّه كان یقنت به و قال : إنّ الدّاعی به كالرّامی مع النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی بدر و احد و حنین بألف ألف سهم و هو :

[ 398 ]

اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و العن صنمى قریش وجبتیها و طاغوتیها و افكیها و ابنتیها اللّذین خالفا أمرك ، و أنكرا وحیك و جحدا أنعامك ، و عصیا رسولك ،

و قلّبا دینك ، و حرّفا كتابك ، و عطلا أحكامك ، و أبطلا فرائضك ، و ألحدا فی آیاتك و عادیا أولیاءك ، و والیا أعداءك ، و خرّبا بلادك ، و أفسدا عبادك .

اللّهمّ العنهما و اتباعهما و أولیاءهما و أشیاعهما و محبّیهما فقد أخربا بیت النبوّة و ردما بابه و نقضا سقفه ، و ألحقا سماءه بأرضه و عالیه بسافله ، و ظاهره بباطنه ، و استأصلا أهله ، و أبادا أنصاره ، و قتلا أطفاله ، و أخلیا منبره من وصیّه ، و داریا علمه ، و جحدا إمامته ، و أشركا بربّهما ، فعظّم ذنبهما ، و خلّدهما فی سقر ، و ما أدریك ما سقر لا تبقى و لا تذر .

اللّهمّ العنهم بعدد كلّ منكر أتوه ، و حقّ أخفوه ، و منبر علوه ، و مؤمن ارجوه ، و منافق ولوه ، و ولىّ آذوه ، و طرید آووه ، و صادق طردوه ، و كافر نصروه و إمام قهروه ، و فرض غیّروه ، و أثر أنكروه ، و شرّ آثروه ، و دم أراقوه ، و خبر بدّلوه ، و كفر نصبوه ، و إرث غصبوه ، و فى‏ء اقتطعوه ، و سحت أكلوه ، و خمس استحلّوه ، و باطل أسّسوه ، و جور بسطوه ، و نفاق أسرّوه ، و غدر أضمروه ، و ظلم نشروه ، و وعد أخلفوه ، و أمان خانوه ، و عهد نقضوه ، و حلال حرّموه ، و حرام أحلّوه ، و بطن فتقوه ، و جنین أسقطوه ، و ضلع دّقوه ، و صكّ مزقوه ، و شمل بدّدوه و عزیز أذلّوه ، و ذلیل أعزّوه ، و حقّ منعوه ، و كذب دلّسوه ، و حكم قلّبوه ،

و إمام خالفوه .

اللّهمّ العنهم بكلّ آیة حرّفوها ، و فریضة تركوها ، و سنّة غیّروها ، و رسوم منعوها ، و أحكام عطّلوها ، و بیعة نكثوها ، و دعوى أبطلوها ، و بینة أنكروها ،

و حیلة أحدثوها ، و خیانة أوردوها ، و عقبة ارتقوها ، و دباب دحرجوها ، و ازیاف لزموها ، و شهادات كتموها ، و وصیّة ضیّعوها اللّهمّ العنهما فی كمون السرّ و ظاهر العلانیة لعنا كثیرا أبدا دائما دائبا

[ 399 ]

سرمدا لا انقطاع لأمده ، و لا نفاد لعدده ، لعنا یغدو أوّله و لا یروح آخره ، لهم و لأعوانهم و أنصارهم و محبّیهم و موالیهم و المسلمین لهم و المائلین إلیهم و النّاهضین باحتجاجهم و المقتدین بكلامهم و المصدّقین بأحكامهم .

ثمّ قل أربع مرّات :

اللّهمّ عذّبهم عذابا یستغیث منه أهل النّار آمین ربّ العالمین .

بیان

قال الشّیخ عند نقله هذا الدّعاء من غوامض الأسرار و كرایم الأذكار و كان أمیر المؤمنین علیه السّلام مواظبا علیه فی لیله و نهاره و أوقات أسحاره .

قال شارح هذا الدّعاء الشیخ العالم أبو السّعادات أسعد بن عبد القادر فی كتابه رشح البلاء فی شرح هذا الدّعاء : « الصّنمان » الملعونان هما الفحشاء و المنكر و إنّما شبّههما بالجبت و الطّاغوت لوجهین : إمّا لكون المنافقین یتبعونهما فی الأوامر و النواهی الغیر المشروعة كما اتّبع الكفّار هذین الصّنمین ، و إمّا لكون البراءة منهما واجبة لقوله تعالى : فمن یكفر بالطّاغوت و یؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى .

و قوله « الّذین خالفا أمرك » إشارة إلى قوله تعالى یا أیّها الّذین آمنوا أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول فخالفا اللّه و رسوله فی وصیّه بعد ما سمعا من النّص علیه ما لا یحتمله هذا المكان ، و منعاه من حقّه فضلّوا و أضلّوا و هلكوا و أهلكوا و « إنكارهما الوحى » إشارة إلى قوله تعالى بلّغ ما أنزل إلیك من ربّك و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته و « جحودهما الانعام » إشارة إلى أنّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رحمة للعالمین لیتّبعوا أوامره و یجتنبوا نواهیه ، فاذا أبوا أحكامه و ردّوا كلمته فقد جحدوا نعمته

[ 400 ]

و كانوا كما قال سبحانه كلّما جائهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فریقا كذّبوا و فریقاً یقتلون .

و أمّا « عصیانهما الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم » فلقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا علیّ من أطاعك فقد أطاعنى و من عصاك فقد عصانی ، و أمّا « قلبهما الدّین » فهو إشارة إلى ما غیّراه من دین اللّه كتحریم عمر المتعتین و غیر ذلك ممّا لا یحتمله هذا المكان .

و قوله « و حرّفا كتابك » یرید به حمل الكتاب على خلاف مراد الشّرع و ترك أوامره و نواهیه ، « و محبتهما الأعداء » إشارة إلى الشجرة الملعونة بنی امیّة و محبّتهما لهم حتّى عهدا لهم أمر الخلافة من بعدهما ، و جحدهما الآلاء كجحدهما النّعماء و قد مرّ ذكره ، و « تعطیلهما الأحكام » یعلم ممّا تقدّم و یأتی و كذا إبطال الفرائض .

و « الالحاد فی الدّین » المیل عنه و « معاداتهما الأولیاء » إشارة إلى قوله تعالى إنّما ولیّكم اللّه و رسوله الآیة ، و « تخریبهما البلاد و إفسادهما العباد » بما هدموا من قواعد الدّین و تغییرهم أحكام الشّریعة و أحكام القرآن و تقدیم المفضول على الأفضل .

و قوله « فقد أخربا بیت النّبوة » إشارة إلى ما فعله الأوّل و الثّانی مع علیّ و فاطمة من الایذاء و أرادا إحراق بیت علیّ بالنار و قادوه قهرا كالجمل المخشوش و ضغطا فاطمة فی بابها حتّى اسقطت بمحسن و أمرت أن تدفن لیلا لئلاّ یحضر الأوّل و الثانی جنازتها و غیر ذلك من المناكیر .

و عن الباقر علیه السّلام ما اهرقت محجمة دم إلاّ و كان وزرها فی أعناقهما إلى یوم القیامة من غیر أن ینتقص من وزر العالمین شی‏ء ، و سئل زید بن علیّ بن الحسین و قد أصابه سهم فی جبینه : من رماك به ؟ قال : هما رمیانی هما ضلانی .

و أمّا « المنكرات التی أتوها » فكثیرة جدّا و غیر محصورة عدّا حتى روى

[ 401 ]

أنّ عمر قضى فی الجدّة بسبعین قضیّة غیر مشروعة ، و قد ذكر العلاّمة قدّس اللّه سرّه فی كتاب كشف الحقّ و نهج الصّدق فمن أراد الاطلاع على جملة من مناكرهم و ما صدر من الموبقات من أوّلهم إلى آخرهم فعلیه بالكتاب المذكور و كذا كتاب الاستغاثة فی بدع الثلاثة ، و كذا كتاب مطالب العواصب فی مثالب النّواصب ، و كتاب الفاضح و كتاب صراط المستقیم و غیر ذلك ممّا لا یحتمل المكان ذكر الكتب فضلا عما فیها .

و « الحقّ المخفی » إشارة إلى فضایل علیّ علیه السّلام و ما نصّ علیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الغدیر و كحدیث الطّایر و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأعطینّ الرّایة غدا الحدیث و حدیث السّطل و المندیل و هوى النّجم فی داره و نزول هل أتى فیه و غیر ذلك مما لا یتسع لذكره هذا الكتاب .

و « ارجاؤهم المؤمن » إشارة إلى أصحاب علیّ علیه السّلام كسلمان و مقداد و عمّار و أبی ذر ، و الارجاء التأخیر و منه قوله تعالى أرجه و أخاه مع أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان یقدم هؤلاء و أشباههم على غیرهم .

و « تولیتهم المنافق » إشارة إلى معاویة و عمرو بن العاص و المغیرة بن شعبة و الولید بن عقبة و عبد اللّه بن أبی سرح و النعمان بن بشیر ، و « ایذاؤهم الولیّ » یعنی علیا علیه السّلام و « ایواؤهم الطرید » هو الحكم بن أبی العاص طرده النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلما تولّى عثمان آواه ، و « طردهم الصادق » إشارة إلى أبی ذر و طرده عثمان إلى الرّبذة و قد قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حقه : ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء الحدیث و « نصرهم الكافر » إشارة إلى كلّ من خذل علیا و حادّ اللّه سبحانه و رسوله و هو سبحانه یقول لا تجد قوما یؤمنون باللّه و الیوم الآخر یوادّون من حادّ اللّه و رسوله الآیة و « الامام المقهور » منهم یعنی نفسه علیه السّلام .

قوله علیه السّلام : « و فرض غیّروه » تغییرهم الفرض اشارة إلی ما روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنه رأى لیلة الاسرى مكتوبا على ورقة من آس : أنى افترضت محبة علىّ على امتك فغیّروا فرضه و مهّدوا لمن بغّضه و سبّه حتى سبّوه على منابرهم ألف شهر .

و « الاثر الذی أنكروه » إشارة إلى استیثار النبیّ علیّا من بین أفاضل أقاربه و جعله أخا و وصیا و قال له أنت منّی بمنزلة هارون من موسى أو غیر ذلك ، ثمّ بعد

[ 402 ]

ذلك كلّه أنكروه .

و « الشرّ الذی آثروه » هو ایثارهم الغیر علیهم و هو ایثار شرّ مجهول متروك على خیر مأخوذ و معلوم هذا مثل قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : علىّ خیر البشر من أبی فقد كفر .

و « الدّم المهراق » هو جمیع ما قتل من العلویّین لأنّهم أسّسوا ذلك كما ذكرنا من قبل من كلام الباقر علیه السّلام ما اهرقت محجمة دم آه حتّى قیل : اریتكم إنّ الحسین اصیب فی یوم السّقیفة .

و « الخبر المبدّل » منهم عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كثیر كقولهم : أبو بكر و عمر سیّدا كهول أهل الجنّة و غیر ذلك ممّا هو مذكور فی مظانّه ، و « الكفر المنصوب » هو أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نصب علیا علما للناس و هادیا فنصبوا كافرا و فاجرا ، و « الارث المغصوب » هو فدك فاطمة و إرثها من أبیها ، و كذا « الفى‏ء المقتطع » هو فدك و « السّحت المأكول » هى التصرفات الفاسدة فی بیت مال المسلمین ، و كذا ما حصلوه من ارتفاع فدك من التمر و الشعیر فانها كانت سحتا محضا .

و « الخمس المستحلّ » هو الذی جعله سبحانه لآل محمّد فمنعهم إیاه و استحلّوه حتى اعطى عثمان مروان بن الحكم خمس افریقیة و كان خمسمأة ألف دینار بغیا و جورا ، و « الباطل المؤسّس » هی الأحكام الباطلة التی أسّسوها و جعلوها قدوة لمن بعدهم و « الجور المبسوط » هو بعض جورهم الذی مرّ ذكره .

و « النفاق الذی أسرّوه » هو قولهم فی أنفسهم لما نصب النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیا علما للخلافة قالوا : و اللّه لا نرضى أن یكون النبوّة و الخلافة فی بیت واحد ، فلما توفّى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أظهروا ما أسّروه من النفاق ، و لهذا قال علیّ علیه السّلام : و الذى فلق الحبّة و برء النسمة ما أسلموا و لكن استسلموا أسرّوا الكفر فلما رأوا أعوانا علیه أظهروه .

و أما « الغدر المضمر » فهو ما ذكرناه من اسرارهم النفاق ، و « الظلم المنشور » كثیر أوّله أخذهم الخلافة منه علیه السّلام بعد فوت النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم « و الوعد المخلف » هو ما وعدوا النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من قبولهم ولایة علیّ و الایتمام به فنكثوه و « الأمان الذى خانوه »

[ 403 ]

هو ولایة علیّ فی قوله تعالى : إنّا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض الآیة ،

و الانسان فیها هم لعنهم اللّه ، و « العهد المنقوض » هو ما عاهدهم به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم الغدیر على محبة علیّ و ولایته فنقضوا ذلك و « الحلال المحرّم » كتحریم المتعتین ، و عكسه كتحلیل الفقاع و غیر ذلك .

و « البطن المفتوق » بطن عمار بن یاسر ضربه عثمان على بطنه فأصابه الفتق و « الجنین المسقط » هو محسن و « الضلع المدقوق و الصكّ الممزوق » إشارة إلى ما فعلاه مع فاطمة علیهما السّلام من مزق صكّها و دقّ ضلعها ، و « الشمل المبدّد » هو تشتیت شمل أهل البیت و كذا شتتوا بین التأویل و التنزیل و بین الثقلین الأكبر و الأصغر .

و « إعزاز الذّلیل » و عكسه معاویة و كذا الحقّ الممنوع قد تقدّم ما یدلّ علیه و « الكذب المدلّس » مرّ معناه فی قوله : و خبر بدّلوه و « الحكم المقلّب » مرّ معناه فی أوّل الدّعاء فی قوله علیه السّلام و قلّبا دینك .

و « الآیة المحرّفة » مرّ معناه فی قوله : و حرّفا كتابك « و الفریضة المتروكة » هی موالاة أهل البیت لقوله تعالى : قل لا أسئلكم علیه أجراً إلاّ المودّة فی القربى و « السنّة المغیرة » كثیرة لا تحصى و « الرّسوم الممنوعة » هی الفى‏ء و الخمس و نحو ذلك و « تعطیل الأحكام » یعلم ممّا تقدّم ، و « البیعة المنكوثة » هى نكثهم بیعته كما فعل طلحة و الزّبیر و « الدّعوى المبطلة » إشارة إلى دعوى الخلافة و فدك ، و « البینة المنكرة » هی شهادة علیّ و الحسنین علیهم السّلام و أمّ أیمن لفاطمة فلم یقبلوها .

و « الحیلة المحدثة » هی اتّفاقهم أن یشهدوا على علیّ بكبیرة توجب الحدّ إن لم یبایع .

قوله « و خیانة أوردوها » إشارة إلى یوم السّقیفة لما احتجّ الأنصار على أبی بكر بفضایل ، علیّ علیه السّلام و أنّه أولى بالخلافة فقال أبو بكر : صدقتم ذلك

[ 404 ]

و لكنّه نسخ بغیره لأنّی سمعت النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : إنّا أهل بیت أكرمنا اللّه بالنبوّة و لم یرض لنا الدّنیا و إنّ اللّه تعالى لا یجمع لنا بین النبوّة و الخلافة و صدّقه عمر و أبو عبیدة و سالم مولى حذیفة على ذلك و زعموا أنّهم سمعوا هذا الحدیث من النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كذبا و زورا فشبهوا على الأنصار و الامّة و النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : من كذب علیّ متعمّدا فلیتبوّء مقعده من النّار .

و قوله « و عقبة ارتقوها » إشارة إلى أصحاب العقبة و هم أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزّبیر و أبو سفیان و عتبة بن أبی سفیان و أبو الأعور السّلمی و المغیرة بن شعبة و سعد بن أبی وقاص و أبو قتادة و عمرو بن العاص و أبو موسى الأشعری لعنهم اللّه جمیعا اجتمعوا فی غزوة تبوك على كؤد لا یمكن أن یجتاز علیها إلاّ فرد رجل أو فرد جمل ، و كان تحتها هوّة على مقدار ألف رمح من تعدّى عن المجرى هلك من وقوعه فیها ، و تلك الغزوة كانت فی أیام الصّیف و العسكر تقطع المسافة لیلا فرارا من الحرّ فلمّا وصلوا إلى تلك العقبة أخذوا دبابا كانوا هیّئوها من جلد حمار و وضعوا فیها حصى و طرحوها بین یدى ناقة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لینفروها به فتلقاه فی تلك الهوّة فیهلك فنزل جبرئیل على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بهذه الآیة : یحلفون باللّه ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد إسلامهم و همّوا بما لم ینالوا ، الآیة و أخبره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بمكیدة القوم فأظهر اللّه تعالى برقا مستطیلا دائما حتى نظر النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى القوم فعرفهم .

و إلى هذه الدّباب التی ذكرناها أشار بقوله « و دباب دحرجوها » و سبب فعلهم هذا مع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كثرة نصّه على علیّ علیه السّلام بالولایة و الامامة و الخلافة و كانوا من قبل نصّه أیضا یسبونه لأنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سلّطه على كلّ من عصاه من طوایف العرب فقتل مقاتلیهم و سبى ذراریهم فما من بیت إلاّ و فی قلبه 1 فانتهزوا فی هذه الغزوة الفرصة و قالوا إذا هلك محمّد رجعنا إلى المدینة و نرى رأینا فی هذا الأمر من بعده ، و كتبوا بینهم كتابا فعصم اللّه نبیّه منهم و كان من فضیحتهم ما ذكرناه .

-----------
( 1 ) الظاهر سقوط شى‏ء من هنا . المصحح .

[ 405 ]

و قوله « و أزیاف لزموها » الأزیاف جمع زیف و هو الدّرهم الردىّ غیر المسكوك الّذی لا ینتفع به أحد شبّه أفعالهم الردّیة بالدّرهم الزیف الذى لا یظهر فی البقاع و لا یشترى به متاع فلأفعالهم الفظیعة و أقوالهم الشّنیعة ذكرهم اللّه تعالى فی قوله و الذین كفروا أعمالهم كسراب بقیعة ، الآیة و « الشهادات المكتومة » هی ما كتموا من فضایله و مناقبه الذى ذكره النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هی كثیرة جدّا و غیر محصورة عدّا و « الوصیّة المضیعة » هى قول النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أوصیكم بأهل بیتى خیرا و أمرهم بالتمسك بالثقلین و أنهما لن یفترقا حتى یردا علىّ الحوض ، و أمثال ذلك ، انتهى كلامه رفع اللّه مقامه .

اقول : و قد كان الشارح ذكر شرح فقرات الدّعاء بلا مراعاة الترتیب بینها فأوردته على ترتیب تسهیلا للأمر بلا تغییر و تبدیل فیما أتاه ، هذا .

و قال المحدّث العلاّمة المجلسی فی قوله : و أزیاف لزموها ، فی بعض النسخ بالراء المهملة جمع ریف بالكسر و هى أرض فیها زرع و خصب و السعة فی المأكل و المشرب و ما قارب الماء من أرض العرب أو حیث الماء و الخضر و الزّرع و لا یخفى مناسبة الكلّ .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست مى‏فرماید :

خدا راست شهرهاى فلان شخص بقول بعض شارحین مراد از این عمر بن الخطاب است ، و بقول بعضى غیر اوست پس بتحقیق كه راست گردانید كجى را و مداوا نمود مرض را ، و برپا داشت سنّت را ، و باز پس انداخت فتنه را ، رفت بزیر خاك در حالتى كه پاك لباس بود و كم عیب ، رسید بخیر خلافت ، و سبقت نمود بشرّ خلافت ، ادا كرد بسوى خداى تعالى طاعت و عبادت او را ، و پرهیز كرد از او با

[ 406 ]

أدا كردن حقّ او ، و رحلت نمود از دنیا و واگذاشت مردمان را در طرق مختلفه و راههاى متفرّقه كه هدایت نمى‏یابد در آنها شخص گمراه ، و یقین تحصیل نمیتواند بكند شخص طالب هدایت .

شارح گوید : اگر نظر إمام علیه السّلام در این كلام بعمر باشد و لفظ فلان كنایه از او باشد چنانچه بعض شرّاح همچنین فهمیده‏اند باید بتوریة حمل نمود چنانچه عادت أئمه علیهم السّلام در كلماتیكه در حقّ خلفاى جور وارد شده بر این جاریست .