[ 230 ] و من خطبة له ع فی مقاصد أخرى

فَإِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ وَ ذَخِیرَةُ مَعَادٍ وَ عِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ وَ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِهَا یَنْجَحُ اَلطَّالِبُ وَ یَنْجُو اَلْهَارِبُ وَ تُنَالُ اَلرَّغَائِبُ فضل العمل فَاعْمَلُوا وَ اَلْعَمَلُ یُرْفَعُ وَ اَلتَّوْبَةُ تَنْفَعُ وَ اَلدُّعَاءُ یُسْمَعُ وَ اَلْحَالُ هَادِئَةٌ وَ اَلْأَقْلاَمُ جَارِیَةٌ وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً فَإِنَّ اَلْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ وَ مُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ وَ مُبَاعِدُ طِیَّاتِكُمْ زَائِرٌ غَیْرُ مَحْبُوبٍ وَ قِرْنٌ غَیْرُ مَغْلُوبٍ وَ وَاتِرٌ غَیْرُ مَطْلُوبٍ قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ وَ تَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ وَ أَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ وَ عَظُمَتْ فِیكُمْ سَطْوَتُهُ وَ تَتَابَعَتْ عَلَیْكُمْ عَدْوَتُهُ وَ قَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ فَیُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِی ظُلَلِهِ وَ اِحْتِدَامُ عِلَلِهِ وَ حَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ وَ غَوَاشِی سَكَرَاتِهِ وَ أَلِیمُ إِرْهَاقِهِ وَ دُجُوُّ أَطْبَاقِهِ وَ جُشُوبَةُ مَذَاقِهِ فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِیَّكُمْ وَ فَرَّقَ نَدِیَّكُمْ وَ عَفَّى آثَارَكُمْ وَ عَطَّلَ دِیَارَكُمْ وَ بَعَثَ وُرَّاثَكُمْ یَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ بَیْنَ حَمِیمٍ خَاصٍّ لَمْ یَنْفَعْ وَ قَرِیبٍ مَحْزُونٍ لَمْ یَمْنَعْ وَ آخَرَ شَامِتٍ لَمْ یَجْزَعْ فضل الجد فَعَلَیْكُمْ بِالْجَدِّ وَ اَلاِجْتِهَادِ وَ اَلتَّأَهُّبِ وَ اَلاِسْتِعْدَادِ وَ اَلتَّزَوُّدِ فِی مَنْزِلِ اَلزَّادِ وَ لاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَیَاةُ اَلدُّنْیَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْمَاضِیَةِ وَ اَلْقُرُونِ اَلْخَالِیَةِ اَلَّذِینَ اِحْتَلَبُوا دِرَّتَهَا وَ أَصَابُوا غِرَّتَهَا وَ أَفْنَوْا عِدَّتَهَا وَ أَخْلَقُوا جِدَّتَهَا وَ أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً وَ أَمْوَالُهُمْ مِیرَاثاً لاَ یَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ وَ لاَ یَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ وَ لاَ یُجِیبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ فَاحْذَرُوا اَلدُّنْیَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ مُعْطِیَةٌ مَنُوعٌ مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ لاَ یَدُومُ رَخَاؤُهَا وَ لاَ یَنْقَضِی عَنَاؤُهَا وَ لاَ یَرْكُدُ بَلاَؤُهَا و منها فی صفة الزهاد كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ اَلدُّنْیَا وَ لَیْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَكَانُوا فِیهَا كَمَنْ لَیْسَ مِنْهَا عَمِلُوا فِیهَا بِمَا یُبْصِرُونَ وَ بَادَرُوا فِیهَا مَا یَحْذَرُونَ تَقَلَّبُ أَبْدَانِهِمْ بَیْنَ ظَهْرَانَیْ أَهْلِ اَلْآخِرَةِ وَ یَرَوْنَ أَهْلَ اَلدُّنْیَا یُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَ هُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْیَائِهِمْ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأتان و الثامنة و العشرون من المختار فى باب الخطب

فانّ تقوى اللّه مفتاح سداد ، و ذخیرة معاد ، و عتق من كلّ

[ 410 ]

ملكة ، و نجاة من كلّ هلكة ، بها ینجح الطّالب ، و ینجو الهارب و تنال الرّغائب ، فاعملوا و العمل یرفع ، و التّوبة تنفع ، و الدّعاء یسمع ،

و الحال هادئة ، و الاقلام جاریة ، و بادروا بالأعمال عمرا ناكسا و مرضا حابسا ، أو موتا خالسا ، فإنّ الموت هادم لذّاتكم ، و مكدّر شهواتكم ،

و مباعد طیّاتكم ، زائر غیر محبوب ، و قرن غیر مغلوب ، و واتر غیر مطلوب .

قد أعلقتكم حبائله ، و تكنّفتكم غوائله ، و أقصدتكم معابله ،

و عظمت فیكم سطوته ، و تتابعت علیكم عدوته ، و قلّت عنكم نبوته فیوشك أن تغشیكم دواجى ظلله ، و احتدام علله ، و حنادس غمراته ،

و غواشی سكراته ، و ألیم إرهاقه ، و دجّو أطباقه ، و جشوبة مذاقه ،

فكأن قد أتاكم بغتة فأسكت نجیّكم ، و فرّق ندیّكم ، و عفّى آثاركم ،

و عطّل دیاركم ، و بعث ورّاثكم ، یقتسمون تراثكم بین حمیم خاصّ لم ینفع ، و قریب محزون لم یمنع ، و آخر شامت لم یجزع .

فعلیكم بالجدّ و الاجتهاد و التّأهّب و الاستعداد و التّزوّد فی منزل الزّاد ، و لا تغرّنّكم الحیاة الدّنیا كما غرّت من كان قبلكم من الامم

[ 411 ]

الماضیة و القرون الخالیة الّذین احتلبوا درّتها ، و أصابوا غرّتها ، و أفنوا عدّتها و أخلقوا جدّتها ، أصبحت مساكنهم أجداثا ، و أموالهم میراثا ،

لا یعرفون من أتاهم ، و لا یحفلون من بكاهم ، و لا یجیبون من دعاهم ،

فاحذروا الدّنیا 1 فإنّها غدّارة غرّارة خدوع ، معطیة منوع ، ملبسة نزوع ، لا یدوم رخائها ، و لا ینقضى عنائها ، و لا یركد بلائها .

منها فى صفة الزهاد كانوا قوما من أهل الدّنیا و لیسوا من أهلها ،

فكانوا فیها كمن لیس منها ، عملوا فیها بما یبصرون ، و بادروا فیها ما یحذرون ، تقلّب أبدانهم بین ظهرانی أهل الآخرة ، یرون أهل الدّنیا یعظّمون موت أجسادهم و هم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحیائهم .

اللغة

( السّداد ) بالفتح الصّواب من القول و العمل و ( ملكه ) یملكه من باب ضرب ملكا مثلثة و ملكة بالتحریك احتواه قادرا على الاستبداد به و ( النجح ) بالضمّ الظفر بالمطلوب و أنجحه اللّه أى أظفر به و ( الرّغائب ) جمع الرّغیبة و هو الأمر المرغوب فیه و العطاء الكثیر و ( هدء ) هدءا من باب منع سكن و ( نكسه )

-----------
( 1 ) من قوله ( ع ) : « كما غرت » إلى قوله « فاحذروا الدّنیا » هذه الجملات كانت ساقطة من النسخة فى الطبعة الاولى و كم له فى هذا الجزء من نظیر أصلحناه ، نبهنا علیه فى بعض المقام . المصحح .

[ 412 ]

قلّبه على رأسه كنكّسه بالتشدید و النكس بضمّتین المدرهمّون من الشّیوخ بعد الهرم أى السّاقطون كثیرا قال تعالى و من نعمّره ننكّسه .

و ( خلست ) الشی‏ء اختطفته و ( الطیة ) بالكسر كالنیّة لفظا و معنى و قال الشّارح المعتزلی : هى منزل السّفر و ( القرن ) بالكسر كفوك فى الشّجاعة .

و ( الواتر ) القاتل و الموتور القتیل الذی لم یدرك دمه مأخوذان من الوتر بالكسر و الفتح و هی الجنایة الّتی یجنیها الرّجل على غیره من قتل أو نهب أو سبى و قد وتره یتره وترا و وترا وترة أفزعه و أدركه بمكروه ، و تره ماله نقصه إیاه .

و ( اعانتكم ) فی بعض النّسخ بغیر همزة و ( المعابل ) جمع معبلة و زان مكنسة و هو النّصل العریض الطّویل و ( العدوة ) التّعدى و ( نبا ) السّیف عن الضریبة نبوا و نبوة كلّ و لم یؤثر و ( یوشك ) الأمر أن یكون و أن یكون الأمر بكسر الشّین أى یقرب و لا تفتح شینه إلاّ فی لغة ردّیة و ( الظّلل ) جمع ظلّة و هی السّحاب و ( احتدم ) النّار التهبت و اشتدّ حرّها و ( الحنادس ) جمع حندس و زان زبرج الظلمة .

و ( إرهاقه ) بالرّاء المهملة مصدر أرهقته أى أعجلته و یقال أرهقه طغیانا أغشاه إیّاه و الحق ذلك به ، و فی بعض النّسخ بالزاء المعجمة من زهق الشّی‏ء بطل و ( أطباقه ) بالفتح جمع الطّبق بالتحریك غطاء كلّ شی‏ء و فی بعض النسخ بالكسر مصدر أطبقه أى غطاه .

و ( جشب ) الطّعام من باب ضرب جشوبة صار جشیبا و هو السّی‏ء الماكل و الخشن الغلیظ البشع من كلّ شی‏ء و الجشب بالضمّ قشور الرّمان ، و فی بعض النّسخ و خشونة مذاقه بالخاء المعجمة و النون و ( الدرة ) بالكسر كالدّر بالفتح اللّبن و كثرته و ( الجدّة ) بكسر الجیم كالجد الرّزق و العظمة و ( حفل ) القوم حفلا اجتمعوا و المحفل و زان مجلس و مقعد محل الاجتماع ، و الاحتفال بالشی‏ء

[ 413 ]

الاعتناء به و المبالغة فیه .

و ( تقلب ) فی بعض النسح على البناء على الفاعل من باب التفعل و حذف إحدى التائین و فی بعضها على البناء على المفعول و فلان بین ظهرى القوم و ( ظهرانیهم ) بفتح النون و بین أظهرهم أى فی وسطهم و فی معظمهم .

الاعراب

قوله : مفتاح سداد 1 و قوله : بها متعلّق بقوله ینجح و تقدیمه علیه لقصد الحصر و الفاء فی قوله فاعملوا فصیحة ، و جملة و العمل یرفع فی محلّ النصب على الحال و الباء فی قوله بالأعمال للمصاحبة ، و الفاء فی قوله : فانّ الموت للتعلیل ، و قوله :

زائر خبر رابع لأنّ ترك العاطف لحسن الوصف الذی هو من صناعة البلاغة .

و جملة قد أعلقتكم فی محلّ الانتصاب على الحال و قوله : فكأن قد أتاكم مخففة من المثقلة مفیدة للتقریب و اسمها ضمیر شأن مستتر ، و قوله : بین حمیم متعلّق بقوله یقتسمون لا بقوله أتاكم بغتة كما توهّمه الشارح البحرانی و قوله : فعلیكم بالجدّ اسم فعل أى خذوه و الزموه قال نجم الأئمة الرّضی : یقال علیك زیدا أى خذه كان الأصل علیك أخذه و قوله : أصبحت مساكنهم فعل ناقص بمعنى صارت و الجملة استینافیّة بیانیّة و مثلها جملة لا یعرفون من أتاهم .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة من محاسن خطبة علیه السّلام و فیها من نكات البلاغة و فنون البدیع ما لا یخفى على المصقع البارع ، و مدارها على فصلین :

الفصل الاول منها

فى الحثّ على البرّ و التقوى و أخذ الزاد لیوم المعاد بالتذكیر بالموت

-----------
( 1 ) الظاهر سقوط شى‏ء من هنا . المصحح .

[ 414 ]

الذی هو هادم اللذات و قاطع الامنیات و التحذیر من الدّنیا التی هی دار الغرور و المكاره و الآفات و هو قوله :

( فانّ تقوى اللّه مفتاح سداد و ذخیرة معاد ) و قد تقدّم تحقیق معنى التقوى و ما یترتّب علیها من الثمرات الدّنیویة و الاخرویة فی شرح الخطبة الرّابعة و العشرین و غیرها فلیراجع هناك و أقول هنا توضیحا لكلامه علیه السّلام : إنّ التقوى لما كانت عبارة عن اتّخاذ الوقایة من العقوبات و الحذر من الموبقات الاخرویة و بها یحصل التجنّب من المعاصی و الاتیان بالواجبات المتّصفة بالصلاح و السداد لا جرم استعار لها المفتاح الذی یوصل به إلى ما فى البیت قال تعالى یا أیّها الذین آمنوا اتّقوا اللّه و قولوا قولا سدیداً یصلح لكم أعمالكم و یغفر لكم ذنوبكم و من یطع اللّه و رسوله فقد فاز فوزاً عظیماً .

قال أمین الاسلام الطبرسیّ أمر اللّه سبحانه أهل الإیمان و التوحید بالتقوى و القول السدید فقال یا أیّها الذین آمنوا اتّقوا اللّه أى اتّقوا عقاب اللّه باجتناب معاصیه و فعل واجباته و قولوا قولا سدیدا أى صوابا برّیا من الفساد خالصا من شائب الكذب و اللّغو موافق الظاهر للباطن ، و قال الحسن و عكرمة صادقا یعنی كلمة التوحید لا إله إلاّ اللّه « یصلح لكم أعمالكم » معناه إن فعلتم ذلك یصلح لكم أعمالكم بأن یلطف لكم فیها حتّى تستقیموا على الطریقة المستقیمة السلیمة من الفساد و یوفقكم لما فیه الصلاح و الرشاد « و یغفر لكم ذنوبكم » باستقامتكم فی الأقوال و الأفعال « و من یطع اللّه و رسوله » فی الأوامر و النواهی « فقد فاز فوزا عظیما » أى فقد أفلح افلاحا عظیما ، و قیل فقد ظفر برضوان اللّه و كرامته .

و أما انها ذخیرة معاد فواضح لأنها أنفس ذخیرة معدّة لفاقة الآخرة و بها ینجى من ألیم العذاب و یفاز عظیم الزلفى و الثواب قال تعالى و یوم القیامة ترى الذین كذبوا على اللّه وجوههم مسودّة أ لیس فی جهنّم مثوى للمتكبّرین . و ینجّى اللّه

[ 415 ]

الذین اتّقوا بمفازتهم لا یمسّهم السّوء و لا هم یحزنون و قال للّذین اتّقوا عند ربّهم جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدین فیها و أزواج مطهّرة و رضوان من اللّه و اللّه بصیر بالعباد .

( و عتق من كلّ ملكة ) قال الشّارح البحرانی : استعار لفظ العتق لخلاص النفس العاقلة من استیلاء حكم شیاطینها المطبقة بها كخلوص القلب من استیلاء سیّده ثمّ جعل التقوى نفسها عتقا إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب انتهى و محصّله أنّ التقوى سبب الخلاص من قید رقیّة نفس الأمارة و عبودیة الهوى و مملوكیّة الشیطان فانه لیس له سلطان على الذین آمنوا و على ربّهم یتوكّلون إنّما سلطانه على الذین یتولّونه و الّذینهم به مشركون .

( و نجاة من كلّ هلكة ) أى سبب للنّجاة من الهلكات الدّنیویّة و الاخرویة فاطلق علیها النّجاة مبالغة من قبیل زید عدل قال تعالى و من یتّق اللّه یجعل له مخرجا و یرزقه من حیث لا یحتسب أى مخرجا من كلّ كرب فی الدّنیا و الآخرة .

و فى مجمع البیان عن النّبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قرأها و قال : مخرجا من شبهات الدّنیا و من غمرات الموت و شدائد الآخرة .

و فى البحار من الدّعوات للرّاوندى قال النّبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من اتّقى اللّه عاش قویا و صار فى بلاد عدوّه آمنا .

( بها ینجح الطالب ) للآخرة أى یفوز بمطلبه قال تعالى إنّ للمتّقین لحسن مآب .

جنات عدن مفتّحة لهم الأبواب و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : خصلة من لزمها أطاعته الدّنیا و الآخرة و ربح الفوز بالجنّة ، قیل : و ما هى یا رسول اللّه ؟ قال : التّقوى من أراد أن یكون أعز النّاس فلیتّق اللّه عزّ و جلّ ثمّ تلا و من یتّق اللّه الآیة .

( و ینجو الهارب ) « 1 » الراهب من سخط اللّه و عقابه فانّ أولیاء اللّه لا خوف علیهم و لا هم یحزنون ، و من یتّق اللّه یكفّر عنه سیئاته و یعظم له أجرا .

( و تنال الرّغائب ) أى العطایا الكثیرة و الخیرات الدّنیویة و الاخرویة التى ترغب إلیها النفوس .

-----------
( 1 ) لا یخفى أن بین هذه الفقرة و سابقتها من محاسن البدیع حسن الطباق و الجناس اللاحق و السجع المتوازى و مثلها الفقرتان السابقتان علیها و أما الاولیان ففیهما السجع المتوازى فقط ، منه .

[ 416 ]

أمّا الدّنیویّة فقد قال الصّادق علیه السّلام : من أخرجه اللّه تعالى من ذلّ المعصیة إلى عزّ التقوى أغناه اللّه بلا مال ، و أعزّه بلا عشیرة ، و انسه بلا بشر ، أى من غیر أنیس من البشر بل اللّه مونسه .

و أما الاخرویة فقد قال اللّه تعالى مثل الجنّة التی وعد المتّقون فیها أنهار من ماء غیر آسن و أنهار من ماء لم یتغیّر طعمه و أنهار من خمر لذة للشاربین . و أنهار من عسل مصفّى و لهم فیها من كلّ الثمرات و مغفرة من ربّهم و قال عزّ و جلّ ادخلوا الجنة أنتم و أزواجكم تحبرون . یطاف علیهم بصحاف من ذهب و أكواب و فیها ما تشتهیه الأنفس و تلذّ الأعین و أنتم فیها خالدون هذا و لما نبّه على ثمرات التقوى و كانت التقوى ملازمة للعمل و رتّب علیه الحثّ على العمل فقال ( فاعملوا و العمل یرفع ) أى اعملوا صالحا فانّ الذین آمنوا و عملوا الصالحات فی روضات الجنّات لهم ما یشاؤن عند ربّهم ذلك هو الفضل الكبیر ، و معنى قوله : و العمل یرفع إنّ العمل الصّالح یرفع اللّه إلیه و یقبله من فاعله .

و قد أشیر إلى ذلك فی قوله عزّ و جلّ إلیه یصعد الكلم الطیّب و العمل الصالح یرفعه قال أمین الاسلام الطبرسى : معنى الصعود القبول من صاحبه و الاثابة علیه ، و كلّما یتقبله اللّه سبحانه من الطاعات یوصف بالرّفع و الصّعود لأنّ الملائكة یكتبون أعمال بنى آدم و یرفعونها إلى حیث شاء اللّه ، و هذا كقوله إنّ كتاب الأبرار لفى علّیّین و الكلم الطیّب الكلمات الحسنة من التعظیم و التقدیس و أحسن الكلم لا إله إلاّ اللّه و العمل الصّالح یرفعه قیل فیه وجوه : أحدها أنّ الكلم الطیّب یرفعه العمل الصالح فالضمیر یعود إلى الكلم ، و الثانى أنه على القلب من الأول 1 .

-----------
( 1 ) هذا آخر ما وفق الشارح المصنف العلامة الهاشمى الخوئى أعلا اللّه مقامه بشرحه و برز من قلمه الشریف و آخر المجلد السابع حسب تجزأته « قد » على ما فى الطبعه الاولى ،

و تتمة ما نقله هنا عن الطبرسى « قد » هكذا :

أى و العمل الصالح یرفعه الكلم الطیّب ، و المعنى أنّ العمل الصالح لا ینفع إلاّ إذا صدر عن التوحید عن ابن عباس ، و الثالث أنّ المعنى العمل الصالح یرفعه اللّه لصاحبه ، أى یقبله عن قتادة ،

و على هذا فیكون ابتداء اخبار لا یتعلّق بما قبله . المصحح .

[ 417 ]

بسم اللّه الرحمن الرحیم

بعد الحمد و الصّلاة على رسوله و آله یقول العبد المحتاج إلى رحمة ربّه أبو الحسن المدعوّ بالشعرانی عفى عنه إنی لما وقفت على هذا الشّرح النّفیس الجامع لشتات اللّطائف ، الحاوى لطرایف الظرائف و رأیت أنّ صاحبه لم یتمكّن من اتمامه و توقّف على شرح كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام : و العمل یرفع ، علمت أنّ عاقبته إلى رفع العمل و القبول كما ان ختم كلامه إلیه و هذا و ان كان فالا حسنا للشارح لكن الناظرین یرون عمله أبتر إذ لم یكمل شرح الكتاب بل الخطبة التی شرع فى شرحها فرأیت أن اعلّق علیه شیئا یتمّ به شرح الخطبة الأخیرة و أضمّ عملی إلى عمله المقبول و أتطفل فی تحصیل الثواب الحاصل له و سلكت فیه مسلكه من الاقتصار على ما یسهل تناوله بعون اللّه و حسن توفیقه و أقول ( و العمل یرفع ) فی كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام جملة حالیة فی محلّ النصب و كذلك ما یتلوها إلى قوله علیه السّلام : و الأقلام جاریة أى اعملوا فی هذا الوقت الذی یرفع العمل و أنتم أحیاء فى دار الدّنیا و أما بعد ذلك فلا یرفع العمل إذ لا عمل بعد الموت حتّى یرفع و هذا طریقة العرب فی كلامهم یقول شاعرهم : على لا حب لا یهتدى بمناره یعنی على طریق لا منار فیها حتى یهتدى به .

قوله ( و التوبة تنفع ) أى اعملوا فی هذه الحال التی تنفع التوبة قبل الموت فاذا مات ابن آدم انقطع عمله و لم یقبل منه التّوبة إذ لا تقع منه حتّى تقبل ( و الدعاء یسمع ) فی حال الحیاة یسمع الدّعاء ، و أمّا بعد الموت فلا یسمع و المقصود الدّعاء الذی یصیر سببا للنجاح و السعادة و غفران الذنوب و رفع الدّرجات .

و أمّا الدّعاء بمعنى آخر فقد یقع فی الآخرة و یسمع و قد ورد فی القرآن

[ 418 ]

الكریم ( و الحال هادئة ) فی الحیاة الدّنیا و سكون الحال كنایة عن السلامة و القدرة و الاختیار بحیث یتمكن من فعل الخیرات ( و الأقلام جاریة ) و الملائكة تكتب أعمال العباد فی الحیاة الدّنیا أى اغتنموا الحیاة و اعملوا فیها ثمّ أكّد علیه السّلام ذلك بقوله ( و بادروا بالأعمال عمرا ناكسا ) یعنی لا یتمكّن أحد من العمل فی الحیاة إذا هرم و شاخ و ضعف فبادروا بالعمل قبل أن یمنعكم منه الهرم ( و مرضا حابسا ) یسلبكم النشاط ( أو موتا خالسا ) یعرض بغتة فلا یبقى لكم فرصة التوبة و الاستغفار ( فانّ الموت هادم لذاتكم و مكدّر شهواتكم ) الدنیویة ( و مباعد طیاتكم ) و الطیة ما یطویه الانسان فی ضمیره من العزائم و النیات یعنی علیه السّلام یباعد الموت عنكم نیاتكم و عزائمكم فكم عزم للانسان یرید نفاذه و حال بینه و بین عزمه الموت و إن فسر الطیات بمنازل السفر فالمعنى یرجع إلى ما ذكر أیضا .

( زائر غیر محبوب و قرن غیر مغلوب و واتر غیر مطلوب ) أى قاتل لا یطلبه أحد حتى یقتصّ منه ( قد أعلقتكم حبائله ) شبه الانسان و عدم قدرته على التخلص من الموت بطیر وقع فی حبالة الصیاد و قد علق برجله و عنقه الحبل ( و تكنفتكم غوائله ) أحاطت بكم مصائبه ( و أقصدتكم معابله ) أصابتكم نصال الموت و معبلة بالفارسیة پیكان ( و عظمت فیكم سطوته ) واضح ( و تتابعت علیكم عدوته ) أى تراكمت علیكم الظلمة فوق الظلمة و هو كنایة عن شدّة الهول و المصیبة أو تكرر منه التعدی و المجاوزة على أحبابكم و أصدقائكم و أقاربكم و المعنى الأول أنسب و أولى ( و قلّت عنكم نبوته ) قل أن یتفق لأحدكم أن یعرض له الموت و یبدو علیه آثاره ثمّ یفلت عنه فان انفلت فسوف یعترض ثانیة .

( فیوشك أن تغشاكم دواجى ظلله ) الموت قریب منكم كاد أن یحیط بكم ظلمات من ظلل الموت و الظلة هى السحاب ( و احتدام علله ) و یحیط بكم التهاب أمور لا بدّ للموت أن ینزل معها ( و حنادس غمراته ) ظلمات یكتنفكم من غمرات الموت ( و غواشى سكراته ) السكرة حالة كالغشى تعرض عند الاحتضار ( و ألیم ارهاقه ) مجیئه عاجلا ألیم ( و دجّو اطباقه ) الدجوّ الدّجى و الظلمة و المعنى تراكم

[ 419 ]

الظلمات طبقا بعد طبق ( و جشوبة مذاقه ) طعم الموت غیر مطبوع لو فرض كونه مذوقا .

( فكأن قد أتاكم بغتة فأسكت نجیّكم ) أسكت متكلّمكم فبینما هو یتكلّم إذا سكت ( و فرّق ندیّكم ) أى محفلكم ( و عفّى آثاركم ) العفا فی الأصل التراب و هنا كنایة عن الاندراس و المحو لأنّ المنزل إذا رحل عنه سكانه عملت الریاح و التراب فی محو آثارهم ( و عطل دیاركم ) الدّیار جمع الدّار و تعطیلها خلوها عن أهلها .

( و بعث وراثكم ) نسبة البعث إلى الموت مجاز لأنه سبب لبعث الوراث نظیر بنى الأمیر المدینة ( یقتسمون تراثكم بین حمیم خاص لم ینفع ) الوراث على ثلاثة أقسام بعضهم حمیم قریب من أقربائكم یحبّكم و یرید دفع الموت عنكم و لا یقدر علیه كالأب و الأمّ ( و ) الثّانی ( قریب محزون لم یمنع ) یهمه أمركم و یحزنه موتكم لكن لا مثل الأوّل كالأخ و الأخت و العمّ و لا یقدر أن یمنع عنكم الموت و الثالث قوله ( و آخر شامت لم یجزع ) یفرح لموتكم و لا یجزع علیكم كالولد العاق ینتظر موت أبیه الهرم حتى یفوز بمیراثه و یتخلّص من القیام بخدمته خصوصا إذا طال مرضه و لو لم یكن هذا تقسیما للوارث فقط بل لجمیع من یعرفك و تعرفه كان المعنى أنهم على ثلاثة : الصدیق و القریب و العدوّ ( فعلیكم بالجدّ و الاجتهاد ) و لعلّ الفرق بین الجدّ و الاجتهاد أنّ الأوّل صفة للعزم و النیة و الثّانی للعمل ( و التأهّب و الاستعداد ) الفرق بینهما نظیر الفرق بین الجدّ و الاجتهاد فالتأهّب للعزم و الاستعداد للعمل ( و التزوّد فی منزل الزاد و لا تغرّنكم الدّنیا كما غرّت من كان قبلكم من الامم الماضیة و القرون الخالیة ) معناه ظاهر ( الذین احتلبوا درتها ) الدّرة اللبن استعارة للمنافع و الاحتلاب إخراج اللبن من الضرع و الثدى استعارة للفوز و الانتفاع ( و أصابوا غرّتها ) أى اغتنموا فرصة غفلة الدّنیا عنهم فاستمتعوا بمنافعها و لو لم تكن غافلة عنهم لاختطفتهم ، شبههم بسارق ینتظر غفلة صاحب المتاع عن متاعه فیختلسه حین غفلته كذلك هؤلاء انتظروا

[ 420 ]

غفلة الدّنیا و أصابوا وقت غفلتها فانتفعوا بها ( و أفنوا عدّتها ) الافناء عبارة عن الانتفاع اذ لا ینتفع غالبا بما فی الدّنیا إلاّ بافنائه فأفنوا عدة منافعها ( و أخلقوا جدّتها ) و هذا أیضا عبارة عن الانتفاع ببعض متاع الدنیا كاللّباس الجدید یخلق بالاستعمال .

( أصبحت مساكنهم أجداثا ) أى قبورا ( و أموالهم میراثا ) و هو ظاهر ( لا یعرفون من أتاهم و لا یحفلون من بكاهم و لا یجیبون من دعاهم ) معناه واضح فان قیل : كیف الجمع بین هذا الكلام و ما روى فی التلقین و زیارة القبور فقد قال أبو عبد اللّه علیه السّلام على ما روى فی الكافی و التهذیب و الفقیه « إذا افرد المیّت فلیتخلّف عنده أولى الناس به فیضع فمه عند رأسه ثمّ ینادى بأعلى صوته یا فلان بن فلان أو یا فلانة بنت فلان هل أنت على العهد الذی فارقتنا علیه من شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله سیّد النبیّین و أنّ علیّا أمیر المؤمنین و سیّد الوصیّین و أنّ ما جاء به محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حقّ و أنّ الموت حقّ و أنّ البعث حقّ و أنّ اللّه یبعث من فی القبور فیقول منكر لنكیر انصرف بنا عن هذا فقد لقن حجّته انتهى و فی معناه أخبار اخر .

و لو لم یكن إلاّ هذا لسهل الجمع لكن ورد فی زیارة القبور فی الكافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّهم یأنسون بكم فاذا غبتم عنهم استوحشوا و هذا ینافی بظاهره قول أمیر المؤمنین علیه السّلام : لا یعرفون من أتاهم .

و روى فى الفقیه عن محمّد قال قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام الموتى نزورهم ؟ فقال نعم ،

فقلت : فیعلمون بنا إذا أتیناهم ؟ فقال : إى و اللّه إنهم یعلمون بكم و یفرحون بكم و یستأنسون إلیكم قال : قلت : فأیّ شى‏ء نقول آه .

و فى الكافى عن إسحاق بن عمار عن أبی الحسن علیه السّلام قال قلت : المؤمن یعلم من یزور قبره ؟ قال : نعم لا یزال مستأنسا به مادام عند قبره فاذا قام و انصرف عن قبره دخله من انصرافه عن قبره وحشة .

و فى الفقیه قال الصّادق علیه السّلام إذا قبضت الرّوح فهى مظلة فی الجسد روح

[ 421 ]

المؤمن و غیره ینظر إلى كلّ شی‏ء یصنع به فاذا كفن و وضع على السریر و حمل على أعناق الرّجال عادت الرّوح و دخلت فیه فیمدّ له فی بصره فینظر إلى موضعه من الجنة أو من النار فینادی بأعلى صوته إن كان من أهل الجنّة : عجّلونی عجّلونی ، و إن كان من أهل النّار ردّونی ردّونی و هو یعلم كلّ شی‏ء یصنع به و یسمع الكلام ،

انتهى .

و ردّ الرّوح إلى الجسد المحمول على الجنازة نظیر ردّ الرّوح إلیه فی القبر لسؤال منكر و نكیر و لا ینبغی أن یتعجّب من خفاء ذلك عن الأحیاء كالمشیّعین .

كما روى فی الكافی فی حدیث عن علىّ بن الحسین علیهما السّلام بعد أن نقل تكلّم المیّت لحملته قال ضمرة و هو أحد الحاضرین : یا أبا الحسن إن كان هذا یعنى المیّت یتكلّم بهذا الكلام یوشك أن یثب على أعناق الذین یحملونه قال : فقال علىّ بن الحسین علیهما السّلام : اللّهمّ إن كان ضمرة هزء من حدیث رسولك صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فخذه أخذة اسف ،

قال : فمكث أربعین یوما ثمّ مات فحضره مولى له فلما دفن أتى علىّ بن الحسین علیهما السّلام فجلس إلیه فقال له : من أین جئت یا فلان ؟ قال : جئت من عند قبر ضمرة فوضعت وجهى علیه حین سوى علیه فسمعت صوته و اللّه أعرفه كما كنت أعرفه و هو حىّ یقول : ویلك یا ضمرة بن معبد الیوم خذلك كلّ خلیل و صار مصیرك إلى الجحیم فیها مسكنك و مبیتك و المقیل قال : فقال علىّ بن الحسین علیهما السّلام : اسأل اللّه العافیة هذا جزاء من یهزء من حدیث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و مثل ذلك كثیر فى الروایات فما وجه كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام ؟

و الجواب أنّ كلامه علیه السّلام لأهل الدّنیا المغترّین بها ، و غرضه علیه السّلام قطع طمعهم عن الدّنیا و بیان انقطاع لذاتها و انصرام شهواتها و مفارقة الخلاّن فیها ، و لا ریب أنّ الموت یهدم اللذات و یفرّق بین الجماعات و لا یحسّ الأموات بسمعهم الدنیوى و أبصارهم الجسمانیة شیئا من هذا العالم المادّى ، بل المیّت جماد مثل سنّك إذا قلعت و شعر رأسك إذا حلق ، و أظافیرك إذا قصت و بهذا الاعتبار قال أمیر المؤمنین علیه السّلام :

لا یعرفون من أتاهم و لا یحفلون من بكاهم

[ 422 ]

و أمّا بالنظر إلى أنّ للانسان حسّا برزخیا یسمع و یبصر و یتلذّذ و یتألم به من غیر وساطة عصب و دماغ و جارحة و لا یمنعه حجاب اللحد و ظلمة القبر و بعد المنازل شرّع التلقین و ورد ما ورد من الروایات ذكرناها أو لم نذكرها .

و بالجملة فكلام أمیر المؤمنین علیه السّلام ناظر إلى الحسّ الدّنیوى و ما ورد فى تلك الروایات ناظر إلى الادراك الاخروى و لا منافاة بینهما و لا یریدون أنّ المیّت لم یمت و لا أنّه إذا مات فات و الروح مدرك بذاته و البدن مدرك بالروح و المدرك بالذات أقوى و أشدّ فى الادراك من المدرك بالغیر كما فى كلّ صفة .

و الطبیعیون یزعمون أنّ الادراك عبارة عن تأثر العصب من المحسوس الخارجى كتأثر عصب البصر عن النور ، فاذا لم یكن عصب لم یكن إدراك و لذلك إذا خدر الأعصاب بالأدویة المخدّرة زال البصر و كلّ حس آخر .

و الجواب أنّه لو كان الأمر كذلك لم یكن اللّه تعالى و الملائكة المقرّبون مدركین عالمین بشى‏ء إذ لا عصب لهم و لا انفعال و العصب لا یستطیع أن یدرك إلاّ بواسطة الروح و إذا تقطعت العلاقة بین العصب و الروح زال الادراك عن العصب لا عن الروح كالشمس إذا غاب عن الجدران زال الضوء عن الجدران لا عن الشمس فلم یزل الادراك عن المیّت مطلقا بل بمقدار أن لا یكون دفنه فى التراب أو القائه فى البحر ظلما و اجحافا علیه و تعذیبا له كالقاء الاحیاء فى البحر .

( فاحذروا الدّنیا فانها غدّارة غرّارة خدوع معطیة منوع ملبسة نزوع ) وزن فعول إذا كان بمعنى الفاعل یستوى فیه المذكر و المؤنّث و لذلك وصف به الدّنیا ( لا یدوم رخاؤها و لا ینقضى عناؤها و لا یركد بلاؤها ) و هذا الكلام بالغ فى البلاغة غایتها فى وصف الدّنیا و التزهید عنها و الوصف بعینه مما یعرفه أصحاب الهوى و القائلون بالطبائع و أمثالهم و یجعلونه عذرا فى لزوم اللّذات و متابعة الشهوات و یقولون إذا كانت الدّنیا منقلبة غیر ثابتة لا تدوم أحوالها وجب اغتنام الفرصة مهما أمكن فى الاستمتاع باللذات و المبادرة إلى الشهوات لئلا یفوت الفرصة و یحرم الانسان منها فمادام حیا شابا ذا قدرة و مقدرة یتسرّع إلى ما لا یتمكن منه بعد ذلك و أمّا

[ 423 ]

أمیر المؤمنین علیه السّلام جعل هذه الصفة بعینها موجبا لتنفیر النّاس و سببا لتزهیدهم قال طرفة :

ألا أیّهذا اللائمى احضر الوغى
و ان اشهد اللّذات هل أنت مخلدى

یعنی إذا لم یكن الانسان خالدا فی الدّنیا فعلیه أن یشهد اللذات لئلاّ یفوته و أن یحضر الوغی لیتنقم عن أعدائه و یظفر بالمال بالاغارة و مثله كثیر فی أشعارهم بالعربیة و الفارسیّة خصوصا فی أشعار الخیام ، و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إنها غرّارة خدوع و لذاتها لیست لذّة بل عذاب ألیم و یخدع بها الجهال و لیس شی‏ء منها دائما فلا ینبغى أن یعرج العاقل علیه .

و كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام یفید أرباب العقول و أصحاب الأدیان القائلین بالآخرة و الحیاة الدّائمة فیها یستبدلون اللّذة الخالصة الباقیة باللّذة المكدّرة الفانیة و أمّا أصحاب الطبائع الذین لا یعترفون بالآخرة یقولون : اللّذة الفانیة غیر الدائمة أولى من عدم اللّذة مطلقا .

و مما یناسب ذلك فی أنّ خصلة واحدة یجعلها كلّ أحد دلیلا على شى‏ء یقتضیه طباعه الحدیث المروى عن الحسن بن علىّ علیهما السّلام : اعمل لدنیاك كأنك تعیش أبدا ، حمله أهل الدّین على الأمر بالمسامحة و التعلّل و عدم الحرص فى الدّنیا ،

لأن من یزعم أنه یعیش أبدا لا یتعجّل فى الامور ، و حمله أهل النفاق و المتجدون على الأمر بالحرص فى الدّنیا لأنّ الذی یعلم أنّه یعیش أبدا یسعى فى جمع المال و عمارة مسكنه و تدبیر ماله و اجادة معاشه أكثر ممن یعلم أنه سیرحل عن منزله .

الفصل الثانى

( منها فى صفة الزهاد : كانوا قوما من أهل الدّنیا و لیسوا من أهلها فكانوا فیها كمن لیس منها ) و منه اخذ أبو على بن سینا كلامه فى وصف العارفین : فكأنهم و هم فى جلابیب أبدانهم قد نضوها و تجرّدوا عنها و قال السعدى :

[ 424 ]

هرگز وجود حاضر و غائب شنیده
من در میان جمع و دلم جاى دیگر است

( عملوا فیها بما یبصرون ) الفرق بین أهل الدّنیا و أهل الآخرة أنّ بناء الأولین على الشكّ و بناء الآخرین على الیقین كما قال تعالى فی صفة الدهریّة :

و قالوا إن هى إلاّ حیاتنا الدّنیا نموت و نحیى و ما یهلكنا إلاّ الدّهر ما لهم بذلك من علم إن هم إلاّ یظنّون فانهم یشكّون فی اللّه و ملائكته و كتبه و رسله و الیوم الآخر و الجنّة و النّار و یعملون عمل المستیقن بالعدم و الشاك فی شی‏ء حقّه أن یحتاط كمن یشكّ فی وجود سبع فی الطریق أو بئر فی ظلمة إذ لا یجوّز له العقل الاقتحام فی المهلكة و أصحاب الدّهر ما لهم علم بالعدم إن هم إلاّ یظنّون و دلیلهم انا لا نؤمن بما لا نحسّ مع أنّ عدم الوجدان لا یدلّ على عدم الوجود و هذا بخلاف أهل الآخرة فانهم آمنوا بالدلیل الیقینی و البرهان العلمی فعملوا بما یبصرون .

( و بادروا فیها ما یحذرون ) سبقوا الموت إلى فعل الخیرات أى خافوا أن یفجاهم الموت فبادروا ( تقلب أبدانهم بین ظهرانى أهل الآخرة ) لا یجالسون غیرهم و لا یخالطون أحدا سواهم ( یرون أهل الدّنیا یعظمون موت أجسادهم ) یعدون موتهم عظیما شدیدا إذ یسلبهم مشتهیاتهم و یمنعهم التمتع بلذاتهم ( و هم ) أهل الآخرة ( أشدّ إعظاما لموت قلوب أحیائهم ) إذ یسلبهم مشتهیاتهم الحقیقیة و یمنعهم التمتع باللّذات الدّائمة .

و اعلم أنّ أهل الدّنیا یظنون أن لا موجود وراء الجسم و لا دلیل على شی‏ء غیر الحسّ و یكدون كلّ كدّهم و یجدون جدّهم لعمارتها و التمتّع بها ، و العقلاء عرفوا بعقولهم و بما أخبرهم أصحاب الوحى أنّ وراء هذا العالم المحسوس عالما آخر بل عوالم اخرى لا یحصى عددها إلاّ اللّه .

و نظیر ذلك أنّ جماعة زعموا أنّ الشمس واحدة ، و قد ورد فی الأخبار و أثبتت الارصاد أن وراء هذه الشمس شموسا لا یحصى عددها إلاّ اللّه تعالى و قد فتح اللّه على عقول المتوسطین بابا إلى بعض تلك العوالم غیر المحسوسة و هى باب الرؤیا الصادقة فانّ الانسان فی منامه قد یطلع على امور غائبة لا یمكن

[ 425 ]

أن یطلع علیها أحد بحواسه و عقله لعدم وجودها بعد ، كموت زید بعد سنة مثلا و لیس العلم به و انتقاش ذهن أحد بمثله ممكنا فی زمان الرؤیا إلاّ أن یكون صورا و نقوشا مسطورة فی ذهن عال من موجود عالم بالغیب غیرنا و غیر من فی عالمنا ،

فیدرك الانسان بعقله أن فی الوجود عالما غیر عالمنا و فی ذلك العالم علماء بما لم یوجد بعد و لیس ما رآه النّائم فی منامه إلاّ مأخوذا من ذلك العالم و لیست الرؤیا أوهاما و خیالات باطلة لا أصل لها دائما إذ لو كان كذلك لم یكن ینطبق على الحقیقة و لم یكن للرؤیا تعبیر أصلا و بالجملة أدرك الانسان بحسّه المشترك عالما آخر غیر هذا العالم الجسمانی ، و عرف أنّ نفسه یناسب ذلك العالم فی الجملة حیث یرتبط به و یأخذ منه ، و هذا باب واسع حقّقه الحكماء خصوصا الشیخ أبو علیّ بن سینا فی الاشارات .

ثمّ بعد الاعتقاد بوجود عالم ما غیر هذا العالم المادى المحسوس زال الاستعجاب من كلّ ما أخبرنا به الأنبیاء و أصحاب النوامیس الالهیة من بقاء الرّوح و دخولها فی عالم آخر و تمتّعها باللذات و انتفاعها بالمشتهیات هناك و لا یتصوّر أن یكون سعادة الموجود الكامل الرّوحانی أدنى و أقلّ من الانسان المخلوط من الرّوح و الجسم كما أنّ سعادة الانسان المخلوط لیس أقلّ من سعادة الجمادات ،

فان عرف الانسان انه مستعدّ لادراك تلك السعادة العظمى اشتدّت حسرته من فواته و خاف من موت قلبه المانع من النیل بتلك السعادة أشدّ من خوف أهل الدّنیا من الموت الطبیعی ، و لذلك قال أمیر المؤمنین علیه السّلام علیهم : و هم أشدّ إعظاما لموت قلوب احیائهم .

و إذا انتهینا إلى ذلك حقّ لنا أن نختم الكلام بالدّعاء لجمیع من تصدّى لترویج الدین و تعلیم المؤمنین بالتوفیق و السداد ، و لم نذكر مما اختلج فى الذّهن حین قراءة الخطبة من نكتة علمیة و دقّة عقلیة لئلاّ نخرج من سیاق الكتاب ، فانّ الشّارح رحمه اللّه اكتفى بما هو سهل الوصول قریب المأخذ من روایة تاریخیة و حكایة أدبیة او حدیث فى الأخلاق و تفسیر یتعلّق بظواهر الألفاظ و غیر ذلك مما یفید أكثر الناس

[ 426 ]

و أما التحقیق العمیق و البحث الدّقیق فممّا ینفر الطباع .

الترجمة

بدرستیكه پرهیزكارى كلید صلاح است و توشه آخرت و آزادى از بند بندگى و رهائى از دام هلاكت ، آنكه خواهنده خیر است بتقوى بمقصود نائل آید و آنكه از شر گریزان است بتقوى از آن رهائى جوید مقاصد مردمان بتقوى حاصل گردد پس اكنون كه عمل صالح بدرگاه الهى بالا میرود و گناهكاران را توبه سود دارد آرامش حال برقرار و قلم فرشتگان بنوشتن اعمال بندگان روان است بكوشید و بشتابید پیش از آنكه عمر از شما روى بگرداند و پشت كند و بیمارى مانع عمل شود و مرگ ناگهان فرود آید .

مرگ لذات شما را تباه سازد و شهوات شما را مكدّر كند و شما را از مقاصد خود باز دارد ، بدیدن آید آنكه دوستش ندارید ، و با شما بكشتى در آویزد آنكه هرگز پشتش بزمین نیاید ، خون ریزد و كسى بكین او برنخیزد دام‏هاى او در شما آویخته و مصائب او شما را احاطه كرده است پیكان او بنشانه رسیده و حمله او بر شما گران است و تاختن او پى در پى ، كم افتد كه ضربت او نافذ نشود بزودى ابرهاى تیره مرگ شما را فراگیرد و بیمارى‏ها از جوانب درآیند و امواج تاریك آن بر گرد شما احاطه كند و سكرات موت شما را از خود باز گیرد و بشتاب ببرد و بحسرت براند در میان طبقات تاریك و طعم آن بسیار ناگوار است ، گوئى اینك شما را دریافته گوینده شما را خاموش كرد و انجمن شما را پراكنده ساخت و آثار شما را محو كرد و سراهاى شما را خالى گذاشت وارثان را برانگیخت تا میراث شما را تقسیم كردند ، یكى دوست نزدیك شماست اما سود بحال شما ندارد ، دیگرى خویش است و از مرگ شما اندوهناك اما دفع مرگ نمیتواند كرد ، و سیمى از مرگ شما شاد است و جزع نمى‏كند .

بر شما است كه بجان بكوشید و آماده گردید و در جائى كه باید توشه

[ 427 ]

گرفت توشه گیرید و زندگى دنیا شما را فریب ندهد چنانكه پیش از شما بسیار فریب داد ، از پستان او شیر خوردند و در غفلت او فرصت جستند و آنچه آماده كرده بود تباه ساختند و جامه‏هاى نو آنرا كهنه و فرسوده كردند آخر مسكن آنها گور شد و مال آنها را بمیراث بردند .

بى وفاست و مكار و فریبنده ، مى‏دهد و مى‏ستاند ، مى‏پوشاند و برهنه میسازد آسایش او پیوسته نماند و سختى آن نگذرد و بلاى آن ثابت نماند .

و در صفت زاهدان فرمود : گروهى بودند از اهل دنیا اما اهل دنیا نبودند در دنیا بودند مانند كسى كه در دنیا نبود بآنچه دیدند و دانستند عمل كردند و از آنچه میترسیدند درگذشتند تن آنها میان أهل آخرت میگردد چون دیدند مردم این جهان از مرگ تن میترسند آنها از مرگ دل در حال زندگى ترسان گشتند ثمّ إنّ حضرة الفاضل الأدیب العالم الأریب الجامع بین العلوم العقلیة و النّقلیة و الحائز للملكة العلمیة و العملیة الشیخ المؤتمن الشیخ حسن الآملى ضاعف اللّه قدره و أجزل أجره تصدّى لشرح باقى كتاب نهج البلاغة و هو الحرى به و المتوقّع منه و هو كما قال بعض الأنصار كما قیل : عذیقها المرجب و جذیلها المحكك فقد جرّبته سنوات عند قراءة مختلف العلوم علىّ حتى حاز الرتبة القصوى و فاز بالقدح المعلى و نرجو من اللّه له التوفیق و لنا العبد أبو الحسن الشعرانى هذا آخر المجلد الرابع عشر من هذه الطبعة الجدیدة القیمة ، و تم تصحیحه و ترتیبه و تهذیبه بید العبد السید ابراهیم المیانجى عفى عنه و عن والدیه و ذلك فى 25 من الربیع المولود 1383 و یلیه انشاء الله الجزء الخامس عشر و أوله :

« و من خطبة له ( ع ) خطبها بذى قار » و الحمد للّه ربّ العالمین

[ 2 ]

ج 15

تقدمة و تقریظ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ بعد الحمد و الصّلوة یقول العبد أقل خدمة أهل العلم أبو الحسن بن محمّد المدعوّ بالشعرانی عفى عنه :

قد عنت العرب خاصّة و المسلمون عامّة بكلام أمیر المؤمنین علیه السّلام سواء فی ذلك خطبه و كتبه و كلماته القصار منذ صدر منه علیه السّلام إلى یومنا هذا لما اشتمل علیه من علم غزیر و مواعظ حسنة و احتجاجات مقنعة و تعلیم محاسن الآداب و مكارم الاخلاق و تحریك الهمم و تشحیذ العزائم و دقائق المعرفة و غیر ذلك مما یقصر عن إدراكه ذهننا و من احصائه وسعنا مع عبارة بلیغة لا یدانیها غیرها و قد أحسن من قال : هو فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق و یعنى غیر كلام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حیث قال : أنا أفصح من نطق بالضاد بید أنی من قریش و استرضعت فی بنی سعد و قد اعتنی المؤلفون بجمع خطبه أو كتبه و ذكر ناشیئا من ذلك فی مقدمة شرح المولى صالح القزوینی على نهج البلاغة بالفارسیّة و قلنا هناك ان أوّل من جمع خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام على ما ذكره الشیخ الطوسی فی الفهرست زید بن وهب الجهنی قال له كتاب خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام على المنابر فی الجمع و الأعیاد و زید بن وهب كان ممّن أدرك الجاهلیة و الاسلام و قد اسلم على عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و قصد التشرف بخدمته لكن لم یوفق و اختار اللّه لرسوله صلّى اللّه علیه و آله دار كرامته قبل وصوله

[ 3 ]

إلیه و لذلك لم یعد فی الصحابة بل من التابعین من كبارهم و نزل الكوفة و توفّی سنة 96 و كان من أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام و كان كتابه موجودا فی زمان الشّیخ الطّوسی ( ره ) إذ رواه بإسناده عن أبی مخنف لوط بن یحیى عن أبی منصور الجهنی عن زید بن وهب قال خطب أمیر المؤمنین إلى آخر الكتاب .

و ممّن جمع خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام إبراهیم بن حكم بن ظهیر الفزاری و كان فی حدود سنة ثمانین و مأة .

و منهم اصبغ بن نباتة روى عهد أمیر المؤمنین علیه السّلام للأشتر و وصیّته لمحمّد بن الحنفیّة .

و ممّن جمع خطبه علیه السّلام أیضا إسماعیل بن مهران بن محمّد بن زید السّكونی من اصحاب الرضا علیه السّلام .

و منهم صالح بن أبی حمّاد الرّازی كان ممّن رأى الامام أبا الحسن علیّ ابن محمّد العسكری علیه السّلام .

و منهم السیّد الشّریف الصّالح الكریم عبد العظیم بن عبد اللّه الحسنی رضى اللّه عنه النزیل بالرّى و المدفون بها و قبره هنا ملجأنا و نفتخر بوجوده فی جوارنا و هو ممّن جمع خطب جدّه أمیر المؤمنین علیه السّلام على ما قاله النّجاشی .

و منهم إبراهیم بن محمّد بن سعید الثقفی جمع خطبه و رسائله و سائر أخباره و توفّى سنة 283 .

و منهم عبد العزیز بن یحیى الجلودی البصری من مشاهیر المورخین و أصحاب الأخبار ألف كتابا فی خطبه علیه السّلام و كتابا فی رسائله و كتابا فی أشعاره و كتابا فی أدعیته و كتابا فی مواعظه و سائر كلامه .

و منهم هشام بن محمّد بن سائب الكلبی و كان قد ادرك الصّادق علیه السّلام و كان أبوه صاحب تفسیر روى أهل السنّة أیضا قوله فی تفاسیرهم مع كونه رافضیا فی اصطلاحهم و منهم محمّد بن خالد الباقى والد أحمد صاحب المحاسن .

و منهم محمّد بن عیسى الأشعری والد أحمد بن محمّد بن عیسى صاحب النّوادر .

و منهم محمّد بن أحمد بن إبراهیم الجعفى الصّابونى الفقیه .

[ 4 ]

و منهم المدائنى أبو الحسن علىّ بن محمّد المتوفّى سنة 225 له كتب منها كتاب خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام و رسائله إلى عماله .

ثمّ إنّ كثیرا من المورّخین و المحدّثین نقلوا فی سیاق ما نقلوا من الحوادث و الوقائع كلامه و خطبه علیه السّلام كالیعقوبى و الطبری و أصحاب أخبار الجمل و صفین و نهروان و كتاب الكافى و غیره و لما وصلت نوبة الأمر إلى السیّد الرّضى « قدّس سرّه » اختار من جملة ما تقدّم و غیره جملا ضمّنها كتاب نهج البلاغة و شرحه العلماء شروحا كثیرة لا حاجة إلى ذكرها و من جملتها هذا الشرح المسمّى بمنهاج البراعة فانّه أطول شرح رأیناه لم یترك شارحه شیئا یلیق أن یذكر من شرح لغة و اعراب و توضیح معنى و قصّة تناسب مورد الكلام و روایة یقوى بها المرام إلاّ أتى به لكنه لم یوفق لاتمامه و بقیت كتبه علیه السّلام و وصایاه و كلماته القصار بل بعض خطبه علیه السّلام غیر مشروحة و تاقت نفوس الطالبین إلى تمامه و استشرقت أنظارهم على إكماله و تمنت رجال ان لو كان شارحه حیا إلى أن یقضى الوطر من تكملة الشرح لكن لم یكن قیّض له ذلك فتوفاه اللّه و اختار له الآخرة على الدّنیا و ختم عمله بقوله علیه السّلام : و العمل یرفع و تفألت من ذلك قبول عمله كما ذكرت ذلك فى آخر المجلد الرّابع عشر و لما كانت الخطبة التى شرع فیها غیر مشروحة بتمامها إلى آخرها اردت ان اضمّ شیئا من كلامى إلى كلامه فأشترك معه فى رفع العمل فشرحت تمام الخطبة و ترجمتها بالفارسیّة على منواله و ألحقتها به حتّى یكمل الخطبة التى أخذ فی شرحها و اطلع علیه بعض الاصدقاء و كان ذا ظن حسن بى فاستحسن عملى و ترجمتى فوق ما انا لائق به و زعم أن ترجمتى غیر قاصرة عن بیان المراد مع حفظ السلاسة و بعده عن السّماجة التى تعرض عند نقل لغة الى اخرى و اقترح علىّ إتمام الشرح إلى آخر كتاب نهج البلاغة و كان ذلك دون طوقى مع كمال شوقى و بینت له ان هذا قد قضى وقته وفات اوانه لأنّ كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام مشتمل على فنون شتى من العلم تقصر عن إدراكه الهمم و تقف دون نیله الفطن كیف و هذا الشّرح مع طوله و اشتماله على ما یحتاج إلیه فی حلّ ظاهر الكتاب عادم اسرار و فاقد نكت

[ 5 ]

و تارك حقائق تستفاد من خطبه علیه السّلام فی التّوحید و المعارف و امثالها و قد مضت أكثرها فى المجلّدات السّابقة وفات أو ان استدراكها و قد یلتزم الشارح فی الامامة باشیاء لم یذكرها علماؤنا قدّس اللّه اسرارهم فى عقائد الطائفة الحقة أیدهم اللّه تعالى أو ردّوها و نفوا ان یكون الشّیعة قائلة به و ربما عدل عن الحجج القویة مثل ما أورده السّیّد المرتضى و الشّیخ الطوسى و نصیر الدّین و العلامة رحمهم اللّه الى نقول غیر متواترة و لا متفق على نقلها مع ان الغرض من بیان الاصول اما أن یكون اعتقاد الانسان بها فی نفسه فیجب أن یكون دلیله موجبا للیقین و لیس الا الخبر المتواتر و امّا أن یكون الغرض تبكیت الخصم فى مقام المجادلة فیجب أن یكون الخبر المحتج به ممّا یعترف به الخصم و أما الرّوایات غیر المتواترة و لا متفق علیها فتناسب كتب المحاضرة و الطرایف و اللّطائف و أمثال ذلك و لا یناسب شرح نهج البلاغة الا ذكر الحقائق و قد فاتت و حلّ محلّ الحقائق امور لترویح الخاطر و اعجاب الناظر لا لبیان معضل و ایضاح مشكل و تأیید حق و ازهاق باطل و ما اردت بذكر ذلك الازراء و التنقیص لأن فوائت الكتاب بالنسبة الى فوائده قلیلة جدا بل لا یعتد بها بل أردت بیان عذرى فی الامساك عن قبول الاقتراح اذ لا بدّ لمكمّل هذا الشرح من تتبّع طریقته و انّى ارى ابداء الخفى و ما لو سكت عنه بقى على ابهامه أولى و أوجب من نقل امور موجودة فى كتاب مشهور الى موضع آخر و مع ذلك فانّى أستصوب عمل من یتصدّی لتكمیل هذا الشرح نیلا لفوائده العظیمة و لما اطلعت على اهتمام حضرة الفاضل الأدیب البارع العالم الجامع الحائز لقصبات السبق فی مضمار اكتناه الحقائق و الفائز بالقدح المعلى فى استهام العلوم و الدّقائق ذو الفكرة النقادة و الفطنة الوقادة اللوذعى الألمعى الحبر الموتمن الحاج شیخ نجم الدّین حسن الآملى الطبری ضاعف اللّه قدره استبشرت به لما كنت اعرف من حذاقته و تتبعه و تبحره فى العلم و اناته فى مقاساة العمل و قد جربته سنین و عرفت دخلة أمره فقد قرء علىّ فنونا ممّا یهتمّ به غیره من المشتغلین و ما لا یهتمّ به لغموضه و لم یكن یقصر على اصول الفقه كغیره فان أبناء زماننا قاصرو الهمة یقنعون

[ 6 ]

من العلم بأقلّ شى‏ء منه كالمقتصر على قدر الضّرورة فى أكل المیتة و ترى كثیرا منهم لا یقتنون من العلوم الّتی ینسب إلى الشرع الا مسائل محدودة فى الاصول كالفرق بین المعنى الحرفى و الاسمى و الصحیح و الاعم و الترتب و اجتماع الأمر و النّهی و مقدمة الواجب و الفرق بین التعارض و الحكومة و الأصل المثبت و غیرها ممّا لا یجاوز عقد العشرة و من الفقه مسألة بیع المعاطاة و الفضولى و الخیارات و أمّا شیخنا المنوّه بذكره فلم یضنّ بوقته و لم یبخل بعمره بل صرفه فى العلوم الدّینیّة و أتقنها فهو استاد فى الأدب و اللّغة عارف بالقرآن و قراآته و تفسیره متقن لعلم الكلام و سائر العلوم العقلیّة ناظر فى الحدیث و الرّجال و سائر ما یعده غیره فضلا و لا یعتدون به مع انّ احتیاج الدّین الیه اشدّ و أكثر ممّا یحتاجون الیه فى كسب الشهرة و تحصیل عنوان الاجتهاد و زاد على جمیع ذلك فقرأ علىّ مع العلوم الشرعیة كثیرا من الكتب الرّیاضیة كالمجسطى و اقلیدس و شرح التذكرة و الاكر و غیرها و اتقن العمل بالزیجات الجدیدة و استخراج تقویم الكواكب و سیرها و ما یتعلّق بها بالبراهین و بالجملة فهو حرىّ بأن یتصدّى معالى الامور و نرجو منه ان یكمل هذا الشرح بأحسن وجه و أجود طریق و قد أصلح قبل ذلك بعض الكتب و شرحها فأثبت مهارته و فقه اللّه لترویج العلم و الدین بمحمّد و آله الطاهرین .

[ 7 ]

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ الحمد للّه الّذی علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم یعلم ، و جعله خلیفة له و مظهره الأكمل الأتمّ ، و أنزل القرآن لیكون نبراسا للظلم ، و هادیا للأمم و للحقّ و الباطل فرقانا ، و للمعروف و المنكر میزانا ، و لذوى العقول و العلوم برهانا و إنّه لكتاب عزیز لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حكیم حمید قرآنا عربیّا غیر ذی عوج لینذر من كان حیّا و یحق القول على الكافرین . و كلّفنا بما هو مقرون بالخیر و الشرّ ، فأوجب الأوّل و حرّم الآخر ، و أمرنا بالعدل و الاحسان ، و نهانا عن الظلم و العدوان ، فتعالى أن یرجّح الآخر على الأوّل ،

أو یقدّم المفضول على الفاضل فضلا على الأفضل ، أعاذنا اللّه من الخبل و الحول .

و الصّلاة و السّلام على من ارسل شاهدا و مبشّرا و نذیرا ، و داعیا إلى اللّه باذنه و سراجا منیرا ، محمّد المصطفى خاتم النبیین ، و سیّد المرسلین ، و خلفائه الحجج الهادین المهدیّین ، المنصوبین من عند علاّم الغیوب ، و المعصومین من الرجس و الذّنوب ، و المنزّهین عن الدّنس و العیوب ، الأئمّة الإثنى عشر ، سیّما على أبیهم خیر البشر ، باب مدینة العلم ، یعسوب الدّین ، أمیر المؤمنین ، ولیّ كلّ مؤمن و مؤمنة ، سیّد المسلمین ، إمام المتّقین ، قائد الغرّ المحجّلین ، و علینا و على عباد اللّه الصّالحین .

و بعد فیقول الرّاجی إلى رحمة ربّه العلىّ ، المتمسّك بولایة مولاه أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام الحسن بن عبد اللّه الطبری الآملی عاملهما اللّه بلطفه الخفی و الجلیّ : إنّ كلام مولى الموحدین لمنهج البلاغة و مسلك الفصاحة ،

[ 8 ]

كلّت ألسن الخطباء عن ان یأتوا بمثل أوامره و خطبه ، و زلّت أقدام اقلام الامراء دون مبارزة رسائله و كتبه ، و حارت عقول العقلاء فی بیداء مواعظه و حكمه ،

كیف لا و القائل مقتبس بالأنوار الالهیّة ، و مستضى‏ء بالمشكاة المحمّدیة ، و الكلام مستفاض من الصقع الرّبوبی ، و مستفاد من الحضرة النّبویّة ، فهو تالى القرآن و ثانی الفرقان ، صدق ولىّ اللّه حیث قال : إنا لامراء الكلام ، و فینا تنشّبت عروقه و علینا تهدّلت غصونه .

ثمّ إنّ العلماء قد خاضوا قدیما و حدیثا فی هذا القاموس العظیم لاقتناء درره ، و اجتهدوا حقّ الاجتهاد بما تیسّر لهم فی بیانه و تفسیره ، و سلك كلّ واحد مسلكا فی شرحه و تقریره ، و الكلّ میسر لما خلق له ، قل كلّ یعمل على شاكلته ، و الّفوا فیها رسائل و كتبا قیمة منها : كتاب منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة لمؤلّفه العالم الجلیل و الحبر النبیل المیرزا حبیب اللّه الخوئی رضوان اللّه علیه و یكفی فی جودة هذا السفر النفیس اقبال الفضلاء إلیه حتّى طبع فی أمد قلیل غیر مرّة فللّه درّ مصنّفه .

و لكن لما بلغ رحمه اللّه إلى الخطبة المأتین و التّاسعة و العشرین انقطع مهله و انقضى أجله و قضى نحبه و جف قلمه فبقى هذا الأثر القویم أبتر فعزمت متوكّلا على اللّه المتعال و مستعینا به لاتمامه على النهج المذكور لكى یكون تكملة له و تماما فكتابنا هذا « تكملة منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة » و أسأل اللّه التّوفیق فی إكماله و إتقانه إنّه ولیّ التّوفیق و الهادی إلى خیر طریق .

ثمّ أسأله أن یوفق ناشر الآثار الجعفریّة ، مروّج الأسفار الإمامیّة ،

مدیر المكتبة الاسلامیّة ، الوجیه المؤید : الحاج السّیّد إسماعیل الموسویّ الكتابچی و اخوانه أطال اللّه بقائهم اخلاف المغفور المبرور مؤسّس المكتبة الإسلامیّة خادم الشّریعة النّبویّة و الآثار الجعفریّة الحاج السّیّد أحمد الموسویّ الكتابچی رضوان اللّه علیه ، و قد أقدموا إلى طبع هذه التكملة على نفقتهم ناوین فی ذلك ترویج شعائر الدّین و نشر آثار سیّد المرسلین فجزاهم اللّه و ایانا عن الاسلام

[ 9 ]

و المسلمین خیر جزاء آمین ربّ العالمین و نشرع الآن فی شرح الكتاب بعون اللّه الملك الوهّاب . ربّ اشرح لی صدری و یسّرلی أمری و احلل عقدة من لسانی یفقهوا قولی .