[ 231 ] و من خطبة له ع خطبها بذی قار و هو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدی فی كتاب الجمل

فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَ بَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ فَلَمَّ اَللَّهُ بِهِ اَلصَّدْعَ وَ رَتَقَ بِهِ اَلْفَتْقَ وَ أَلَّفَ بِهِ اَلشَّمْلَ بَیْنَ ذَوِی اَلْأَرْحَامِ بَعْدَ اَلْعَدَاوَةِ اَلْوَاغِرَةِ فِی اَلصُّدُورِ وَ اَلضَّغَائِنِ اَلْقَادِحَةِ فِی اَلْقُلُوبِ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأتان و التاسعة و العشرون من المختار فى باب الخطب

خطبها بذی قار و هو متوجّه إلى البصرة ، ذكرها الواقدی فی كتاب الجمل :

فصدع بما أمر و بلّغ رسالة ربّه فلمّ اللّه به الصّدع ، و رتق به الفتق ، و ألّف به بین ذوی الأرحام بعد العداوة الواغرة فی الصّدور و الضّغائن القادحة فی القلوب .

اللغة

( ذو قار ) موضع بین الكوفة و واسط ، و فیه كانت وقعة العرب قبل إسلامهم مع الفرس و سنشیر إلیه ، و ( الصدع ) : الشق فی شی‏ء صلب ، و فی المجمع فی تفسیر قوله تعالى فی آخر سورة الحجر « فاصدع بما تؤمر » : الصدع و الفرق و الفصل نظائر و صدع بالحق إذا تكلّم به جهارا و فی السیرة الهشامیّة : اصدع أفرق بین الحقّ و الباطل قال أبو ذؤیب الهذلیّ و إسمه خویلد بن خالد یصف اتن وحش و فحلها

و كانّهنّ ربابة و كأنّه
یسر یفیض على القداح و یصدع 1

أی یفرّق على القداح و یبین انصباءها و هذا البیت فی قصیدة له ، و قال رؤبة

-----------
( 1 ) الربابة « بكسر الراء » خرقة تلف فیها القداح و تكون أیضا جلدا . و الیسر الذى یدخل فى المیسر . و القداح : جمع القدح و هو السهم .

[ 10 ]

ابن العجاج :

أنت الحلیم و الأمیر المنتقم
تصدع بالحقّ و تنفى من ظلم

و فی القاموس قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر أی شق جماعاتهم بالتّوحید أو اجهر بالقرآن أو اظهر أو احكم بالحق و افصل بالأمر أو اقصد بما تؤمر او افرق به بین الحق و الباطل ، و ( لمّ ) أی جمع و لمّ الصدع أی جمع المتفرق بعد الشق و ( الفتق ) فی الثوب نقض خیاطته حتّى انفصل بعضه من بعض و الفتق أیضا شق عصا الجماعة و وقوع الحرب بینهم . و ( الرّتق ) ضدّ الفتق و المراد بلم الصدع و رتق الفتق رفع ما كان بین العرب من تشتت الاهواء و تفرق الكلمة بالعداوة و الحقد و ( الواغرة ) ذات الوغرة و هی شدّة توقد الحرّ و الوغر و الوغر بالتحریك الحقد و الضغن و العداوة و التوقّد من الغیظ و ( الضغائن ) جمع الضغینة و هی الحقد كالضّغن .

( قدح ) بالزند رام الایراء به و الضغائن القادحة هی الّتی تثیر الفتن و الشرور و توقد نار الغضب فی القلوب كما تواری النّار بالمقدح .

الاعراب

كلمة ما فی قوله علیه السّلام فصدع بما أمر یمكن أن تجعل موصولة بمعنى الذی و أن تكون مصدریّة فعلى الأوّل یكون العائد من الصّلة إلى الموصول محذوفا و التقدیر « فصدع بما أمر بالصدع به » ثمّ حذفت الباء التی فی به فصارت الجملة « فصدع بما امر بالصدعه » و لما لم تجز الاضافة مع اللام اعنی اضافة الصدع إلى الضمیر فحذفت لام المعرفة توصلا بحذفه إلى الاضافة فصارت الجملة « فصدع بما امر بصدعه » ثمّ حذف المضاف و اقیم المضاف إلیه مقامه فبقیت الجملة « فصدع بما امر به » ثم حذف حرف الجر على حدّ قولك امرتك الخیر فی أمرتك بالخیر فصارت الجملة « فصدع بما امره » ثمّ حذف العائد المنصوب من الصلة و حذف العائد المنصوب فی كلام العرب كثیر ففی الالفیة لابن مالك : و الحذف عندهم كثیر منجلی فی عائد منتصب ان انتصب بفعل أو وصف كمن ترجویهب .

و أمّا على الثّانی فالتقدیر فصدع بالامر كما تقول عجبت ممّا فعلت و التقدیر

[ 11 ]

عجبت من فعلك و لا یحتاج ههنا إلى عائد یعود إلى ما لانه حرف . ذكره الطبرسی فی المجمع فی قوله تعالى « فاصدع بما تؤمر » .

و الباء فی به و اخویه للسّبب .

قوله علیه السّلام بعد العداوة متعلّق بكلّ واحد من الأفعال الثّلاثة أعنى لمّ و رتق و ألف .

و الواغرة صفة للعداوة . و فی الصّدور متعلّقة بالواغرة . و كذا الضغائن موصوفة بالقادحة و فی القلوب متعلّق بالقادحة .

المعنى

أشار علیه السّلام فی هذه الخطبة إلى شرذمة من أوصاف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أنّه أظهر و صرّح بما امر به جهارا غیر خائف من أحد و شق بما جاء به الرّسالة عصا الكفر و كلمة أهله و حجب الغفلة التی رانت على قلوبهم . و أنّه بلغ رسالة ربه و فیه مدح عظیم لأنّه أداء أمانة عظم قدرها و تبلیغها . و انّه لمّ اللّه به الصدع و رتق به الفتق أی رفع به تشتت الأهواء و اختلاف الكلمة بین العرب . و بأنّه ألّف بین ذوی الأرحام الخ أی رفع اللّه به الاحقاد و الضغائن و العداوات الّتی بها یقتل الرّجل ابنه و أباه و ذوی رحمه .

قال الشیخ الطّائفة ( ره ) فی التهذیب : و صدع صلّى اللّه علیه و آله بالرّسالة فی یوم السّابع و العشرین من رجب و له أربعون سنة .

لا ریب انّه صلّى اللّه علیه و آله بعث و أهل الأرض یومئذ ملل متفرّقة و أهواء منتشرة و طرائق متشتّتة بین مشبه اللّه بخلقه أو ملحد فی اسمه كما أشار إلیه علیّ علیه السّلام فی بعض خطبه الماضیة لا سیما العرب كانوا أصنافا شتى فمنهم من أنكر الخالق و البعث و الاعادة و قالوا ما قال اللّه فی القرآن الكریم عنهم « ما هی إلا حیوتنا الدّنیا نموت و نحیى و ما یهلكنا إلاّ الدّهر » و منهم من اعترف بالخالق سبحانه و أنكر البعث و هم الذین اخبر سبحانه عنهم بقوله : « قال من یحیى العظام و هى رمیم » و منهم من اقر بالخالق و نوع من الاعادة و أنكر الرّسل و عبد الأصنام ، و طائفة منهم زعموا ان

[ 12 ]

الأصنام شفعاء عند اللّه فى الآخرة و حجوا لها و نحروا لها الهدى و قربوا لها القربان و هم الذین قال اللّه تعالى عنهم : « و قالوا ما لهذا الرّسول یأكل الطعام و یمشى فی الاسواق » إلى غیر ذلك من المذاهب المشتّتة و الطرق المتبددة و الاهواء السخیفة و الآراء الردیّة فكانوا بمعزل عن الحقّ و الصراط المستقیم و النهج القویم بحیث تشمئز النفوس السلیمة عن استماعها و كیف لا و بنو الحنظلة و هم طائفة من العرب كانوا یصنعون بالرطب أصناما و یعبدونها أیّاما و لما انصرم أوان الرطب أخذوا فی أكلها حتّى لا یبقى من آلهتهم شی‏ء . فبعث اللّه رسوله الخاتم فهداهم به من الضّلالة و انقذهم بمكانه من الجهالة فدعاهم الرّسول صلّى اللّه علیه و آله إلى سبیل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتی هى أحسن و أنار نفوسهم بنور العلم و المعرفة و اثار ما فطروا به فطرة اللّه الّتی فطر الناس علیها و أوقد مصباح عقولهم باذن اللّه تعالى و أمره و وحیه و انزاله الرّوح المقدس علیه فهداهم للتى هی أقوم حتّى انتبهوا و تیقّظوا من رقد الغفلة و الجهالة و صدّقوا كلمته و أجابوا دعوته بان اللّه هو الحق و ان ما یدعون من دونه هو الباطل فرزقوا السّعادة فی الدّارین و بلغوا إلى ما بلغوا فلمّ اللّه به الصّدع و رتق به الفتق و أجمعهم على كلمة واحدة هی كلمة الاخلاص أعنی الكلمة الطیبة لا إله إلاّ اللّه و هی كلمة التّوحید الجامعة لجمیع الكمالات و الفضائل و الخیرات الدنیویّة و الاخرویّة قد أفلح القائل بها .

و ممّا یلیق ان نذكر فی المقام انموزجا من تنبّههم كما فی السیرة الهشامیّة و الحلبیة ان الأنصار لما قدموا المدینة أظهروا الاسلام و تجاهروا به و كان عمرو بن الجموح من سادات بنی سلمة « بكسر اللام » و اشرافهم و لم یكن اسلم و كان ممّن اسلم ولده معاذ بن عمرو و كان لعمرو بن الجموح فی داره صنم من خشب یقال له المناة لان الدماء كانت تمنى أی تصبّ عنده تقربا إلیه و كان یعظّمه فكان فتیان قومه ممّن أسلم كمعاذ بن جبل و ولده عمرو بن معاذ و معاذ بن عمرو یدلجون باللیل على ذلك الصّنم فیخرجونه من داره و یطرحونه فی بعض الحفر الّتی فیها خرء النّاس منكسا فإذا أصبح عمرو قال و یحكم من عدا على الهنا هذه اللّیلة ثمّ یعود یلتمسه حتّى

[ 13 ]

إذا وجده غسله فاذا أمسی عدوا علیه و فعلوا به مثل ذلك إلى أن غسله و طیبه و حماه بسیف علقه فی عنقه ثمّ قال له ما أعلم من یصنع بك فان كان فیك خیر فامتنع فهذا السیف معك فلما امسى عدوا علیه و أخذوا السیف من عنقه ثمّ أخذوا كلبا میتا فقرنوه به بحبل ثمّ القوه فی بئر من آبار بنی سلمة فیها خرء النّاس فلما اصبح عمرو غدا إلیه فلم یجده ثمّ تطلبه إلى أن وجده فی تلك البئر فلما رآه كذلك رجع إلى عقله و كلمه من أسلم من قومه فأسلم و حسن إسلامه و أنشد أبیاتا فی ما جرى علیه و على صنمه .

و اللّه لو كنت إلها لم تكن
أنت و كلب وسط بئر فی قرن

اف لملقاك إلها مستدنّ
الآن فتشناك عن سوء الغبن

الحمد للّه العلى ذی المنن
الواهب الرّزاق دیّان الدّین

هو الّذی انقذنی من قبل ان
أكون فی ظلمة قبر مرتهن

بأحمد المهدی النّبیّ المؤتمن

ثمّ إنّ هذا الرّجل بلغ فی جلالة شأنه مبلغا استشهد فی غزوة احد و روی عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه ما فیه :

ففی السیرة الهشامیّة : قال ابن إسحاق و حدّثنى أبى إسحاق بن یسار عن أشیاخ من بنى سلمة أن عمرو بن الجموح كان رجلا أعرج شدید العرج و كان له بنون أربعة مثل الاسد یشهدون مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله المشاهد فلما كان یوم احد أرادوا حبسه و قالوا له : إنّ اللّه عزّ و جلّ قد عذرك فأتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال إنّ بنىّ یریدون أن یحبسونى عن هذا الوجه و الخروج معك فیه فو اللّه إنّى لأرجو أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنّة فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أمّا أنت فقد عذرك اللّه فلا جهاد علیك ، و قال لبنیه : ما علیكم أن لا تمنعوه لعل اللّه أن یرزقه الشهادة فخرج معه فقتل یرم احد .

و فى مادة « عمر » من سفینة البحار نقلا عن الواقدی : كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج فلمّا كان یوم احد و كان له بنون أربعة یشهدون مع النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله

[ 14 ]

المشاهد أمثال الأسد أراد قومه أن یحبسوه و قالوا أنت رجل أعرج و لا حرج علیك و قد ذهب بنوك مع النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله . قال بخ یذهبون إلى الجنّة و أجلس عندكم ؟

فقالت هند بنت عمرو بن حزام امرأته كأنّی انظر إلیه مولّیا قد أخذ درقته و هو یقول : اللّهمّ لا تردّنی إلى أهلی فخرج و لحقه بعض قومه یكلّمونه فی القعود فأبى و جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال یا رسول اللّه إنّ قومی یریدون أن یحبسونی هذا الوجه و الخروج معك و اللّه إنّی لأرجو أن أطأ بعرجتی هذه فی الجنّة فقال له أمّا أنت فقد عذرك للّه و لا جهاد علیك فأبى . فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لقومه و بنیه : لا علیكم أن لا تمنعوه لعلّ اللّه یرزقه الشهادة فخلّوا عنه فقتل یومئذ شهیدا .

قال فحملته هند بعد شهادته و ابنها خلاد و أخاها عبد اللّه على بعیر فلما بلغت منقطع الحرة برك البعیر فكان كلما توجه إلى المدینة برك و إذا وجّهته إلى احد أسرع فرجعت إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فأخبرته بذلك . فقال صلّى اللّه علیه و آله : ان الجمل لمأمور هل قال عمرو شیئا ؟ قالت : نعم إنه لما توجه إلى احد استقبل القبلة ثمّ قال : اللّهم لا تردّنى إلى أهلی و ارزقنی الشهادة فقال صلّى اللّه علیه و آله : فلذلك الجمل لا یمضى . ان منكم یا معشر الأنصار من لو أقسم على اللّه لأبرّه منهم عمرو بن الجموح . یا هذه ما زالت الملائكة مظلّة على أخیك « و هو عبد اللّه بن عمرو بن حزام » من لدن قتل إلى الساعة فینظرون أین یدفن .

ثمّ مكث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی قبرهم ثمّ قال : یا هند قد ترافقوا فی الجنّة جمیعا بعلك و ابنك و أخوك . فقالت هند : یا رسول اللّه فادع اللّه لی عسى أن یجعلنى معهم .

قال : و كان جابر یقول : لما استشهد أبى جعلت عمتى تبكى فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ما یبكیها ما زالت الملائكة تظلّ علیه بأجنحتها حتّى دفن . و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یوم احد : ادفنوا عبد اللّه بن عمرو بن حزام و عمرو بن الجموح فى قبر واحد .

فانظر أیّها الطالب نهج الصّواب و السّداد و السائل سبیل المعرفة و الرّشاد كیف تصنع الآیات الالهیّة و الحكم السّماویة و المواعظ القرآنیّة بأهلها حتّى

[ 15 ]

الرّجل المتوغل فى الاجسام و المتصلّب فی عبادة الأصنام بلغ إلى مرتبة كأنّه یرى اللّه بعین المعرفة و یعبده و یشتاقه و یقول : بخ بخ یذهبون إلى الجنّة و أجلس عندكم ؟ .

ثمّ إنّ الرّجل منهم یقتل أولاده خوفا من الفقر فانزل اللّه تعالى و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و ایاهم و الرّجل الآخر یأدبنته و فى المجمع فی التفسیر للطبرسى ( ره ) كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها فان ولدت بنتارمت بها فی الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته .

و فیه أیضا قال قتادة : جاء قیس بن عاصم التمیمی إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال انى و أدت ثمانی بنات فی الجاهلیّة فقال صلّى اللّه علیه و آله فأعتق عن كلّ واحدة رقبة قال انی صاحب ابل قال فاهد الى من شئت عن كلّ واحدة بدنة . فانزل اللّه تعالى توبیخا و تبكیتا لوائدها و إذا الموؤدة سئلت . بأى ذنب قتلت و قال تعالى فی سورة النحل . و إذا بشّر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودّاً و هو كظیم . یتوارى من القوم من سوء ما بشّر به أیمسكه على هون ام یدسّه فی التراب الآیة و كانوا یفعلون ذلك مخافة الفقر علیهن فیطمع غیر الاكفاء فیهن . و الأخبار و القصص فی قتلهم أولادهم كثیرة و لا نطیل الكلام بذكرها فهداهم اللّه تعالى بارسال الرّسول لطفا منه على العباد فانقذهم من هذه الورطة الهالكة المضلّة و لقّنهم كلمة الحكمة و أرشدهم إلى رحمته بقوله « نحن نرزقكم و ایاهم » و لنعم ما نظمه العارف السعدی

یكى طفل دندان بر آورده بود
پدر سر بفكرت فرو برده بود

كه من نان و برگ از كجا آرمش
مروّت نباشد كه بگذارمش

چو بیچاره گفت اینسخن نزد جفت
نگر تا زن او چه مردانه گفت

مخور هول إبلیس تا جان دهد
هم آنكس كه دندان دهد نان دهد

و أیضا ما كان حیّان من العرب الا و بینهما المعاداة و القتال و اشدّهما عداوة الأوس و الخزرج فببركة نبینا صلّى اللّه علیه و آله صاروا متوادین متحابین و جمع اللّه بمقدمه صلّى اللّه علیه و آله أشتاتهم و ألف بین قلوبهم و قال عزّ من قائل فى سورة الانفال الآیة 62 : هو الّذی

[ 16 ]

أیّدك بنصره و بالمؤمنین و ألّف بین قلوبهم لو انفقت ما فى الأرض جمیعا ما ألّفت بین قلوبهم و لكنّ اللَّه ألّف بینهم إنّه عزیز حكیم فی المجمع قال الزّجاج و هذا من الآیات العظام و ذلك ان النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بعث إلى قوم انفتهم شدیدة بحیث لو لطم رجل من قبیلة لطمة قاتل عنه قبیلته فالف الایمان بین قلوبهم حتّى قاتل الرّجل أباه و أخاه و ابنه فأعلم اللّه سبحانه ان هذا ما تولاه منهم الا هو .

و من تأمّل فی سیرته صلّى اللّه علیه و آله یجد أن دیدنه و شیمته كان ألیف القلوب و اصلاح ذات البین و إیجاد العلقة و الاخوة و المحبّة فى النّاس و رفع تشتت الآراء و اختلاف الكلمة قبل بعثه أیضا و كفاك شاهدا ما جاء فی السیرة الهشامیّة و السیرة الحلبیّة و غیرهما من الكتب المعتبرة المعتمدة عند المسلمین و غیرهم انه لما بلغ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خمسا و ثلاثین سنة جاء سیل حتّى أتى من فوق الرّدم الذی صنعوه لمنعه السبیل فاخربه و دخلها و صدع جدرانها بعد ترهینها من الحریق الذی أصابها و اجتمعت القبائل من قریش و اعدّو البناء البیت نفقة طیبة لیس فیها مهر بغى و لا بیع ربا و لا مظلمة أحد من النّاس و لما بلغ البنیان موضع الحجر الاسود اختصموا كلّ قبیلة ترید ان ترفعه إلى موضعه دون الاخرى حتى اعدوا القتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوأة دما ثم تعاقدواهم و بنو عدى أن تحالفوا على الموت و ادخلوا أیدیهم فی ذلك الدّم فى تلك الجفنة و مكث النّزاع بینهم أربع أو خمس لیال ثمّ اجتمعوا فی المسجد الحرام و كان أبو امیّة بن المغیرة و اسمه حذیفة اسنّ قریش كلّها فقال یا معشر قریش اجعلوا بینكم فیما تختلفون فیه أوّل من یدخل من باب هذا المسجد یقضى بینكم أی و هو باب بنى شیبة و كان یقال له فی الجاهلیة باب بنى عبد الشمس الذی یقال له الآن باب السلام فكان أول داخل منه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلما رأوه قالوا هذا الأمین رضینا هذا محمّد و انهم كانوا یتحاكمون إلیه فى الجاهلیة لأنه كان لا یداری و لا یماری فلما انتهى إلیهم و اخبروه الخبر قال هلمّ إلىّ ثوبا فاتى به و فى روایة فوضع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ازاره و بسطه فى الأرض فأخذ الحجر الأسود فوضعه فیه

[ 17 ]

بیده الشّریفة ثمّ قال لتأخذ كلّ قبیلة بناحیة من الثوب ثمّ ارفعوه جمیعا ففعلوا حتّى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو صلّى اللّه علیه و آله فی مكانه حیث هو الآن . و لا یخفى على ذی درایة حسن تدبیره و شیمته فی رفع ذلك الاختلاف و اللّه أعلم حیث یجعل رسالته .

و امّا ما وعدنا من الاشارة إلى وقعة العرب مع الفرس فی ذی قار فجملة الامر فیه ان كسرى ابرویز ملك العجم خطب بنت نعمان بن المنذر ملك العرب و أبی المنذر عن الاجابة فوقع بینهما خصومة و انجرّ إلى الجدال و القتال إلى أن استولی ارویز علیه و سجنه فی الساباط حتّى مات المنذر فی السجن و فی ذلك یقول الاعشى :

فذاك و ما انجى من الموت ربه
بساباط حتّى مات و هو محرزق

و قتله المنذر صار سببا لاثارة الحرب بین العجم و العرب فی ذى قار و كانت تلك الواقعة فی ذی قار بعد هجرة الرسول صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة و انهزم العجم من العرب باسمه صلّى اللّه علیه و آله مع أنّهم لم یكونوا بمسلمین بعد و ذلك أن الهانی و الحنظلة كانا من رؤساء العسكر من العرب و قالوا لجندهم سمعنا ان رجلا منّا یسمّى محمّدا أتى بشریعة و دین مدّعیا النّبوّة من اللّه و یدعو النّاس إلیه و سمعنا من نطق باسمه فی كلّ واقعة فقد فاز و من كان له حوائج فنطق باسمه فقد قضت و ان ضل عن الطریق فقد هدى ففی حربنا غدا نجعل شعارنا :

« محمّد معنا و النصر لنا » فلما اصبحوا و استقروا قبال عسكر العجم فاهلوا باسمه « محمّد معنا و النّصر لنا » فظفروا علیهم فهبط جبرئیل إلیه صلّى اللّه علیه و آله و سلم علیه و قال یا رسول اللّه قد غلبت العرب على العجم فی ذی قار باسمك فكبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثلاث كرّات و قال هذا أوّل یوم انتصفت العرب منه و من العجم و باسمی نصروا .

ثمّ اخبره الجبرئیل القصة كما وقعت فاضبط أصحابه ذلك الیوم و السّاعة و القصّة فلما أخبروا بها وجدوها كما سمعوا .

ثمّ إنّ ذا قار هذا كان محل نزول علیّ علیه السّلام لما خرج من المدینة متوجها إلى البصرة فی واقعة الجمل . و جملة القول فیه أنّه علیه السّلام بویع فی المدینة یوم الجمعة

[ 18 ]

لخمس بقین من ذی الحجة و هو الیوم الذی قتل فیه عثمان فاجتمع المهاجرون و الأنصار فیهم طلحة و الزّبیر فأتوا علیّا علیه السّلام .

فقالوا و اللّه ما نختار غیرك و لا نجد الیوم أحدا أحق بهذا الأمر منك لا أقدم سابقة و لا أقرب من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فبایعه النّاس إلا نفیرا یسیرا كانوا عثمانیة و كان طلحة أوّل من صعد المنبر و بایع علیا علیه السّلام . ثمّ اتصلت بیعة علیّ علیه السّلام بالكوفة و غیرها من الامصار و كانت أهل الكوفة اسرع إجابة إلى بیعته و أخذ لها البیعة على أهلها أبو موسى الاشعری حتّى تكاثر النّاس علیه و كان علیها عاملا لعثمان و انتزع علیّ علیه السّلام أملاكا كان عثمان اقطعها جماعة من أتباء ، و أقاربه ، و قسم علیّ علیه السّلام ما فی بیت المال على النّاس و لم یفضّل أحدا على أحد ، ثمّ إنّ طلحة و الزّبیر نكثا العهد و البیعة و خرجا إلى مكّة بعد أشهر و كانت حینئذ عائشة بمكة و غرّاها فأغراها طلبا بدم عثمان و صنعوا ما صنعوا حتّى خرجوا فیمن تبعهم إلى البصرة قد خلعوا طاعة علیّ علیه السّلام و بغوا علیه ثمّ سمع علی علیه السّلام مكرهم و خدعتهم و نكثهم فخرج من المدینة إلى الكوفة و كان أحذ منازله ذا قار و فیه خطب تلك الخطبة مخاطبا لاعوانه من أهل الكوفة و غیرهم . و بعث علیّ علیه السّلام من ذی قار ابنه الحسن المجتبى علیه السّلام و عمّار بن یاسر رضوان اللّه علیه لیستنفرا له أهل الكوفة حتّى اقبلت وقعة الجمل و انهزم النّاكثون .

و كان مسیره علیه السّلام من المدینة إلى البصرة فی سنة ستّ و ثلاثین و فیها كانت وقعة الجمل و ذلك فی یوم الخمیس لعشر خلون من جمادی الاولى منها و كانت وقعة واحدة فی یوم واحد . و قال الطبری فی تاریخه : كان قتالهم من ارتفاع النّهار إلى قریب من العصر و یقال إلى أن زالت الشمس .

و قد تنازع النّاس فی مقدار ما قتل من الفریقین فی وقعة الجمل فمن مقلل و مكثر فالمقلل یقول قتل منهم سبعة آلاف . و المكثر یقول قتل منهم ثلاثة عشر ألفا و قال الطبری : كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علیّ علیه السّلام و نصفهم من أصحاب عائشة ، و كانت عایشة راكبة على الجمل المسمّى عسكرا فی هودج

[ 19 ]

و عرقب الجمل فی ذلك الیوم و وقع الهودج . و قیل انّه كان بین خلافة علیّ علیه السّلام إلى وقعة الجمل و بین أوّل الهجرة خمس و ثلاثون سنّة و خمسة أشهر و عشرة أیام و أمّا تفصیله فیأتی فی باب المختار من كتبه و رسائله علیه السّلام إن شاء اللّه تعالى .

ثمّ الظّاهر إن هذه الخطبة لجزء خطبة و إن لم نجدها مع الفحص الكثیر بعد و لم یحضرنی جمل الواقدی و لا جمل نصر و مضت خطبة اخرى خطبها علیه السّلام فی ذی قار و هی الخطبة الثالثة و الثلاثون أوّلها فی النهج : و من خطبة له علیه السّلام عند خروجه لقتال أهل البصرة « یعنی فی واقعة الجمل » قال عبد اللّه بن عباس دخلت على أمیر المؤمنین علیه السّلام بذی قار و هو یخصف نعله فقال لی ما قیمة هذه النعل إلى آخرها .

أقول : اتى ثقة الاسلام الكلینى رضوان اللّه علیه فى الكافى بخطبة عنه علیه السّلام خطبها بذی قار و نقلها الفیض قدّس سرّه فی الوافى « ص 22 م 14 » و لم تذكر فی النّهج فلا بأس بذكرها لكثرة فوائدها و عظم مطالبها و مناسبتها للمقام :

أحمد عن سعید بن المنذر بن محمّد عن أبیه عن جدّه عن محمّد بن الحسین عن أبیه عن جدّه عن أبیه قال خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام و رواها غیره بغیر هذا الإسناد و ذكر أنّه خطب بذی قار فحمد اللّه و اثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد فانّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بالحق لیخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته و من عهود عباده إلى عهوده و من طاعة عباده إلى طاعته و من ولایة عباده إلى ولایته بشیرا و نذیرا و داعیا إلى اللّه باذنه و سراجا منیرا عودا و بدوا عذرا و نذرا بحكم قد فصّله و تفصیل قد أحكمه و فرقان قد فرقه و قرآن قد بینه لیعلم العباد من ربّهم إذ جهلوه و لیقرّوا به إذ جحدوه و لیثبتوه بعد أن أنكروه فتجلى لهم سبحانه فى كتابه من غیر أن یكونوا رأوه فأراهم حلمه كیف حلم و أراهم عفوه كیف عفا و أراهم قدرته كیف قدر و خوّفهم من سطوته و كیف خلق ما خلق من الآیات و كیف محق من محق من العصات بالمثلات و احتصد مع احتصد بالنقمات و كیف رزق و هدى و اعطى و أراهم حكمه كیف حكم و صبر حتّى یسمع ما یسمع و یرى فبعث اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بذلك .

ثمّ إنّه سیأتى علیكم من بعدی زمان لیس فى ذلك الزمان شى‏ء أخفى من الحقّ

[ 20 ]

و لا أظهر من الباطل و لا أكثر من الكذب على اللّه و على رسوله صلّى اللّه علیه و آله و لیس عند أهل ذلك الزمان سلعة ابور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته و لا سلعة انفق بیعا و لا اغلا ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه و لیس فی العباد و لا فی البلاد شی‏ء هو أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر و لیس فیها فاحشة أنكر و لا عقوبة انكا من الهدى عند الضّلال فى ذلك الزّمان فقد نبذ الكتاب حملته و تناساه حفظته حتّى تمالت بهم الأهواء و توارثوا ذلك من الاباء و عملوا بتحریف الكتاب كذبا و تكذیبا فباعوه بالبخس و كانوا فیه من الزّاهدین ، فالكتاب و أهل الكتاب فی ذلك الزّمان طریدان منفیان و صاحبان مصطحبان فی طریق واحد و لا یؤویهما مؤو ، فحبذا ذانك الصّاحبان و اهالهما و لما یعملان له ، فالكتاب و أهل الكتاب فی ذلك الزّمان فی النّاس و لیسوا فیهم و معهم و لیسوا معهم ، و ذلك لانّ الضّلالة لا توافق الهدى و ان اجتمعا .

و قد اجتمع القوم على الفرقة و افترقوا عن الجماعة قد ولوا أمرهم و أمر دینهم من یعمل فیهم بالمنكر و المنكر و الرّشا و القتل لم یعظمهم على تحریف الكتاب تصدیقا لما یفعل و تزكیة لفضله و لم یولّوا أمرهم من یعلم الكتاب و یعمل بالكتاب و لكن ولیّهم من یعمل بعمل أهل النّار كانّهم أئمة الكتاب و لیس الكتاب امامهم لم یبق عندهم من الحق إلاّ اسمه و لم یعرفوا من الكتاب إلاّ خطّه و زبره یدخل الداخل لما یسمع من حكم القرآن فلا یطمئن جالسا حتّى یخرج من الدّین ینتقل من دین ملك إلى دین ملك و من ولایة ملك إلى ولایة ملك و من طاعة ملك إلى طاعة ملك و من عهود ملك إلى عهود ملك فاستدرجهم اللّه تعالى من حیث لا یعلمون و إن كیده متین بالأمل و الرّجاء حتّى توالدوا فی المعصیة و دانوا بالجور و الكتاب لم یضرب عن شی‏ء منه صفحا ضلالا تایهین قد دانوا بغیر دین اللّه تعالى و أدانوا لغیر اللّه مساجدهم فی ذلك الزّمان عامرة من الضّلالة خربة من الهدى قد بدّل ما فیها من الهدى ، فقرّاؤها و عمّارها اخائب خلق اللّه و خلیقته من عندهم جرت الضّلالة و إلیهم تعود فحضورهم مساجدهم و المشى إلیها كفر باللّه العظیم إلاّ من

[ 21 ]

مشى إلیها و هو عارف بضلالهم فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضّلالة قد بدّلت سنة اللّه و تعدّیت حدوده لا یدعون إلى الهدى و لا یقسمون الفى‏ء و لا یوفون بذمّة یدعون القتیل منهم على ذلك شهیدا فدانوا اللّه بالافتراء و الجحود و استغنوا بالجهل عن العلم و من قبل ما مثلوا بالصالحین كلّ مثلة و سموا صدقهم على اللّه فریة و جعلوا فی الحسنة العقوبة السّیئة .

و قد بعث اللّه تعالى إلیكم رسولا من أنفسكم عزیز علیه ما عنتّم حریص علیكم بالمؤمنین رؤف رحیم صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و انزل علیه كتابا عزیزا لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حكیم حمید قرآنا غیر ذی عوج لینذر من كان حیّا و یحق القول على الكافرین ، فلا یلهینّكم الأمل و لا یطولنّ علیكم الأجل فانّما أهلك من كان قبلكم امتداد املهم و تغطیة الآجال عنهم حتّى نزل بهم الموعود الّذی تردّ عنه المعذرة و ترفع عنه التوبة و تحل معه القارعة و النقمة و قد ابلغ اللّه تعالى إلیكم بالوعید و فصل لكم القول و علّمكم السّنة و شرع لكم المناهج لیزیح العلّة و حثّ على الذكر و دلّ على النّجاة و انّه من انتصح اللّه و اتخذ قوله دلیلا هداه للتى هى أقوم و وفقه للرّشاد و سدّده و یسّره للحسنى فان جار اللّه آمن محفوظ و عدوّه خائف مغرور فاحترسوا من اللّه بكثرة الذكر و اخشوا منه بالتقوى و تقرّبوا إلیه بالطّاعة فانّه قریب مجیب قال اللّه تعالى : « و إذا سألك عبادى عنّی فانّى قریب اجیب دعوة الدّاع إذا دعان فلیستجیبوا لی و لیؤمنوا بی لعلّهم یرشدون » .

فاستجیبوا للّه و آمنوا به و عظّموا اللّه الّذى لا ینبغی لمن عرف عظمة اللّه تعالى أن یتعظّم فان رفعة الّذین یعلمون ما عظمة اللّه ان یتواضعوا له و عزّ الّذین یعلمون ما جلال اللّه ان یذلّوا له و سلامة الذین یعلمون ما قدرة اللّه ان یستسلموا له فلا ینكرون انفسهم بعد حدّ المعرفة و لا یضلّون بعد الهدى فلا تنفروا من الحقّ نفار الصّحیح من الأجرب و البارى من ذى السقم .

و اعلموا علما یقینا انّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذى تركه و لن تأخذوا بمیثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذى نقضه و لن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الّذى

[ 22 ]

نبذه و لن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتّى تعرفوا الّذی حرّفه و لن تعرفوا الضّلالة حتّى تعرفوا الهدى و لن تعرفوا التقوى حتّى تعرفوا الّذى تعدى فاذا عرفتم ذلك عرفتم البدع و التكلف و رأیتم الفریة على اللّه و على رسوله و التحریف لكتابه و رأیتم كیف هدى اللّه من هدى ، فلا یجهلنّكم الّذین لا یعلمون فان علم القرآن لیس یعلم ما هو الاّ من ذاق طعمه فعلم بالعلم جهله و ابصر عماه و سمع به صممه و ادرك به علم ما فات و حیى به بعد إذ مات و اثبت عند اللّه تعالى ذكره به الحسنات و محى به السیّئات و ادرك به رضوانا من اللّه تعالى ، فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصّة فانّهم خاصّة نور یستضاء به أئمّة یهتدى بهم و هم عیش العلم و موت الجهل هم الّذین یخبركم حكمهم عن علمهم و صمتهم عن منطقهم و ظاهرهم عن باطنهم لا یخالفون الدّین و لا یختلفون فیه فهو بینهم شاهد صادق و صامت ناطق فهو من شانهم شهداء بالحق و مخبر صادق لا یخالفون الحقّ و لا یختلفون فیه قد خلت لهم من اللّه سابقة و مضى فیهم من اللّه تعالى حكم صادق و فی ذلك ذكرى للذّاكرین ، فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعایة و لا تعقلوه عقل روایة فان روات الكتاب كثیر و رعاته قلیل و اللّه المستعان .

الترجمة

از خطبه آنحضرت است كه آن را ذى قار در حالیكه از مكّه متوجّه بسوى بصره بود ( كه در این سفر جنگ جمل پیش آمده ) فرموده است . و این خطبه را واقدى در كتاب جمل ذكر كرده است :

پس رسول أكرم بدانچه از جانب حق متعال مأمور بود آشكار كرده است و رسالت پروردگار خود را برسانید . پس خداى تعالى بارسال آنحضرت تفرق و پراكندگى مردمان را بهم آورد . و شكاف جمعیتها را التیام و پیوستگى داد .

و میان خویشان و ارحام پس از آنكه عداوت در سینها جا كرده بود و آتش كینه در دلها شعله میزد الفت داد .

[ 232 ] و من كلام له ع كلم به عبد الله بن زمعة و هو من شیعته و ذلك أنه قدم علیه فی خلافته یطلب منه مالا فقال ع

إِنَّ هَذَا اَلْمَالَ لَیْسَ لِی وَ لاَ لَكَ وَ إِنَّمَا هُوَ فَیْ‏ءٌ لِلْمُسْلِمِینَ وَ جَلْبُ أَسْیَافِهِمْ فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِی حَرْبِهِمْ كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ وَ إِلاَّ فَجَنَاةُ أَیْدِیهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَیْرِ أَفْوَاهِهِمْ

[ 23 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الثلاثون من المختار فى باب الخطب

كلم به عبد اللّه بن زمعة و هو من شیعته و ذلك انّه قدم علیه فی خلافته یطلب منه مالا فقال علیه السّلام :

إنّ هذا المال لیس لی و لا لك ، و إنّما هو فی‏ء للمسلمین و جلب أسیافهم ، فإن شركتهم فی حربهم كان لك مثل حظّهم ، و إلاّ فجناة أیدیهم لا تكون لغیر أفواههم .

اللغة

( الجلب ) ، المال المجلوب . و ( الجناة ) ما یقتطف من الثمر عن الشجر و هى استعارة لما اكتسبوه بأیدیهم من ذلك المال ( الفى‏ء ) ما كان شمسا فینسخه الظل و الغنیمة و الخراج و الرّجوع .

قال المرزوقى فی عدّة مواضع من شرح الحماسة : الفی‏ء الغنیمة و الرّجوع و قال فی شرحه على الحماسة 567 : الظل ما یكون للشجرة و غیرها بالغداة و الفی‏ء بالعشىّ و تمسك بقول حمید بن ثور :

فلا الظلّ من برد الضحى نستطیعه
و لا الفى‏ء من برد العشىّ نذوق

و كذا الطبرسی فی المجمع فی قوله تعالى یتفیّؤ اظلاله عن الیمین و الشمائل سجدا للَّه و هم داخرون من سورة النحل . و إلیه یفى‏ء ما فی القاموس من ان الفی‏ء ما كان شمسا فینسخه الظل . یعنی إن كان المحل شمسا فمحاه الظلّ فذلك الظل فی‏ء و لذا یقال إن الفى‏ء من زوال الشمس إلى غروبها ، و لا بعد أن یقال إنّ الفی‏ء

[ 24 ]

بحسب أصل اللّغة الرّجوع و لذا سمى فی الكتب الفقهیّة الظّل الحادث بعد الزوال فیئا لأنّه رجع و عاد بعد ما كان ضیاء الشمس نسخه و منه فى‏ء المسلمین لما یعود علیهم وقتا بعد وقت من الخراج و الغنائم كما فی المجمع فی تلك السورة المذكورة و قال فی سورة الحشر : الفى‏ء ردّ ما كان للمشركین على المسلمین بتملیك اللّه إیّاهم ذلك على ما شرط ، و كذا فی الصّافی « ما افاء اللَّه على رسوله » الآیة أی ردّه علیه فان جمیع ما بین السّماء و الارض للّه عزّ و جلّ و لرسوله و لاتباعه من المؤمنین فما كان منه فی أیدی المشركین و الكفّار و الظّلمة و الفجّار و هو حقّهم أفاء اللّه علیهم و ردّه إلیهم كذا عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث رواه فی الكافی .

و یعدّی فاء بالتّضعیف كما یعدّی بزیادة الهمزة كما فی قوله تعالى « و ما أفاء اللَّه على رسوله » الآیة ، و قال قیس بن الخطیم الاوسی ( حماسة 36 ) .

و ساعدنی فیها ابن عمرو بن عامر
زهیر فأدّى نعمة و أفاءها

و جمع الفى‏ء افیاء و فیوء كشیخ و اشیاخ و شیوخ .

الاعراب

قوله علیه السّلام لیس لی خبر انّ ، و قوله و لا لك عطف علیه ، و جلب اسیافهم عطف على فی‏ء أی هو جلب أسیافهم ، و قوله علیه السّلام كان لك جواب انّ الشّرطیّة ، و الفاء فی فان فصیحة ، و مثل اسم كان اخّر على خبره اعنی لك توسعة للظرف و قوله :

و الا فجناة أیدیهم ، تقدیره و ان لا شركتهم فجناة أیدیهم الخ .

ثمّ اختلف فی الفرق بین الفی‏ء و الغنیمة ، فی المجمع فی قوله تعالى و اعلموا انّما غنمتم من شى‏ء الآیة : الغنیمة ما اخذ من أموال أهل الحرب من الكفّار بقتال و هی هبة من اللّه تعالى للمسلمین و الفی‏ء ما اخذ بغیر قتال و هو قول عطا و مذهب الشّافعی و سفیان و هو المروی عن أئمتنا علیهم السّلام و قال قوم الغنیمة و الفی‏ء واحد و ادعوا ان هذه الآیة ناسخة للّتی فی الحشر من قوله تعالى : ما أفاء اللّه على رسوله « الخ » و كذا قال الشّهید الثّانی « ره » فی كتاب الخمس من شرح اللّمعة : الغنیمة

[ 25 ]

ما یحوزه المسلمون باذن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و الامام علیه السّلام من أموال أهل الحرب بغیر سرقة و لا غیلة من منقول و غیره و من مال البغاة إذا حواها العسكر عند الاكثر و من الغنیمة فداء المشركین و ما صولحوا علیه ، و قال فی كتاب الجهاد : الغنیمة أصلها المال المكتسب و المراد هنا ما أخذته الفئة المجاهدة على سبیل الغلبة لا باختلاس و سرقة فانّه لآخذه و لا بانجلاء أهله عنه بغیر قتال فانّه للامام علیه السّلام .

المستفاد من قوله : و لا بانجلاء أهله « الخ » انّه یشیر إلى الفى‏ء بانّ الفی‏ء ما یؤخذ بغیر قتال كما هو المستفاد من قول اللّه عزّ و جلّ فی سورة الحشر و ما أفاء اللَّه على رسوله منهم فما أوجفتم علیه من خیل و لا ركاب إلى آخر الآیتین حیث نزلت فی أموال كفار أهل القرى و هم قریظة و بنى النضیر و هما بالمدینة و فدك و هى من المدینة على ثلاثة أمیال و خیبر و قرى عرینة و ینبع جعلها اللّه لرسوله یحكم فیه ما أراد و اخبر أنها كلها له فقال اناس فهلا قسمها فنزلت الآیتان ردّا علیهم بانّ ما أفاء اللّه على رسوله من الیهود فما أوجفتم علیه من خیل و لا ركاب أى لم تسیروا إلیها على خیل و لا ابل و انما كانت ناحیة من نواحى المدینة مشیتم إلیها مشیا كما فی المجمع و غیره فیستفاد من الآیتین ان الفى‏ء ما أخذ بغیر قتال كما لا یخفى و فی المجمع أیضا فی سورة الانفال : و صحت الرّوایة عن أبی جعفر و أبی عبد اللّه علیهما السّلام أنّهما قالا إنّ الانفال كلّ ما اخذ من دار الحرب بغیر قتال و كلّ أرض انجلى أهلها عنها بغیر قتال و یسمیها الفقهاء فیئا ، و فی التهذیب عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی الغنیمة قال یخرج منه الخمس و یقسم ما بقى بین من قاتل علیه و ولی ذلك فأما الفى‏ء و الانفال فهو خالص لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

و فیه عن محمّد بن مسلم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّه سمع یقول : انّ الانفال ما كان من أرض لم یكن فیها هراقة دم أو قوم صولحوا و اعطوا بأیدیهم فما كان من أرض خربة أو بطون أودیة فهذا كلّه من الفی‏ء و الانفال للّه و للرّسول . الخبر .

و فیه أیضا عن الحلبیّ عن أبی عبد اللّه علیه السّلام الفى‏ء ما كان من أموال لم یكن فیها هراقة دم أو قتل و الانفال مثل ذلك هو بمنزلته ، و غیر ذلك من الاخبار المرویة

[ 26 ]

عن أئمّتنا علیهم السّلام كما أشار إلیه فی المجمع ممّا هو مصرّح بانّ الفى‏ء ما یؤخذ بغیر قتال و لم یكن فیه هراقة دم بخلاف الغنیمة ، و لكن لا یخفى انّ فى هذه الخطبة أطلق علیه السّلام الفى‏ء على الغنیمة كما هو الظّاهر من قوله علیه السّلام جلب أسیافهم فجناة أیدیهم فتفید انّهما بمعنى واحد فتأمّل .

ثمّ انّ المستفاد من الاخبار الامامیة و عبارات الفقهاء و المفسّرین من الامامیّة رضوان اللّه علیهم أنّ الانفال أعم شمولا من الفى‏ء و الانفال یشمل الفى‏ء و غیره لان الفى‏ء كلّ ما اخذ من دار الحرب بغیر قتال و كلّ أرض انجلى عنها أهلها و الانفال یشملهما و الارضین الموات و تركات من لا وارث له من الاهل و القربات و الآجام و المفاوز و المعادن و قطایع الملوك و صفایاهم إذا فتحت دار الحرب و بطون الأودیة و رؤوس الجبال و سیف البحار و ما یغنمه الغانون بقتال بغیر اذن الامام علیه السّلام و غیرها ممّا هى مذكورة فى مواضعها مع شرائطها و إن كان حكم كلّ واحد من الفى‏ء و الانفال فى الحكم مساویا كما یستفاد من ظاهر بعض الاخبار و التعاریف تساویهما فى الشمول أیضا بل فى بعض التعابیر أن الانفال مطلق الغنائم .

ثمّ إنّ استعمال الغنیمة بمعناها اللّغوی أعنى المال المكتسب فى الروایات و عبارات الفقهاء كثیر و فى التهذیب عن حكم موذن بنى عبس عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال قلت له : « و اعلموا أنّما غنمتم من شى‏ء » الآیة قال علیه السّلام : هى و اللّه الافادة یوما بیوم .

و قال الشّیخ فى المقنعة : الخمس واجب فی كلّ مغنم ثمّ قال و الغنائم كلّ ما استفید بالحرب من الاموال و السلاح و الاثواب و الرّقیق و ما استفید من المعادن و الغوص و الكنوز و العنبر و كلّ ما فضل من أرباح التّجارات و الزّراعات و الصناعات من المؤنة و الكفایة فى طول السنة على الاقتصاد انتهى و یمكن أن یستدل على ذلك بهذه الآیة فانّ فى عرف اللّغة یطلق على جمیع ذلك اسم الغنم و الغنیمة إلاّ ما استثنى بالأدلّة الخاصّة مما لا خمس فیه .

[ 27 ]

عبد الله بن زمعة من هو ؟

عبد اللّه بن زمعة بفتح المیم كان من أصحاب علیّ أمیر المؤمنین علیه السّلام و شیعته كما صرح به الرّضی رضوان اللّه علیه و قال ابن الأثیر فی أسد الغابة فی معرفة الصّحابة : عبد اللّه بن زمعة بن الاسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزى بن قصی القرشی الأسدی امّه قریبة بنت أبی امیّة بن المغیرة اخت أمّ سلمة امّ المؤمنین كان من أشراف قریش و كان یأذن على النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، و أبو زمعة هو الأسود بن المطّلب و قتل زمعة یوم بدر كافرا و كان الأسود من المستهزئین الّذین قال اللّه تعالى فیهم :

إنّا كفیناك المستهزئین و قتل عبد اللّه مع عثمان یوم الدّار قاله أبو أحمد العسكری عن أبی حسان الزیادی و كان لعبد اللّه ابن اسمه یزید قتل یوم الحرّة صبرا قتله مسلم ابن عقبة المرّی . انتهى .

و كذا قال ابن الحجر فی التقریب انّ عبد اللّه بن زمعة بن الأسود بن المطّلب ابن أسد القرشی الاسدی صحابی مشهور استشهد یوم الدّار مع عثمان .

و لا یخفى ان ما ذكرا من أن عبد اللّه قتل مع عثمان یوم الدّار لا یوافق ما فی هذه الخطبة من انّه قدم علیه علیه السّلام فی خلافته .

المعنى

فدم عبد اللّه بن زمعة على علیّ علیه السّلام فی خلافته و استماحه مالا فاعتذر إلیه و اجابه بان ذلك المال لیس له علیه السّلام و لم یجمعه لنفسه بل و لم یجمع مالا لنفسه یخصه حتّى یعطیه منه و أنّی له أن یخون مال الغیر ابتغاء مرضاة رجل من شیعته و هو علیه السّلام خلیفة اللّه و أمینه و الفائز بالخواصّ النّبویّة و المتّصف بالاوصاف الالهیّة و بها صار ربّا إنسانیّا .

و قد مرّ فى الخطب الماضیة من كلامه علیه السّلام : و اللّه لان أبیت على حسك السعدان مسهدا أو أجر فی الاغلال مصفّدا احبّ إلىّ من ألقی اللّه و رسوله یوم القیامة ظالما لبعض العباد و غاصبا لشی‏ء من الحطام ، و فی تلك الخطبة یقول علیه السّلام ان أخاه عقیلا

[ 28 ]

افتقر حتّى استماحه من بیت المال للمسلمین صاعا من برّ فاحمى له حدیدة على ما ذكر فیها بل نعلم أنه علیه السّلام فعل بأحبّ النّاس إلیه و أقربهم منه ولده الحسین علیه السّلام ما توجل به القلوب و تقشعرّ به النفوس و ذلك ان معاویة سأل یوما عقیلا عن قصة الحدیدة المحماة المذكورة فبكى و قال أنا حدثك یا معاویة عنه ثمّ احدثك عما سألت ، نزل بالحسین ابنه ضیف فاستسلف درهما اشترى به خبزا و احتاج إلى الادام فطلب من قنبر خادمهم ان یفتح له زقاق عسل جاءتهم من الیمن فاخذ منه رطلا فلمّا طلبها علیه السّلام لیقسمها قال یا قنبر اظن انّه اخذت قال نعم یا أمیر المؤمنین و اخبره ، فغضب علیه السّلام و قال على بحسین الدّرة فقال بحقّ عمّی جعفر و كان إذا سئل بحقّ جعفر سكن فقال له ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة قال ان لنا فیه حقّا فإذا اعطیناه رددناه قال فداك أبوك و إن كان لك فیه حقّ فلیس لك ان تنتفع بحقّك قبل أن ینتفع المسلمون بحقوقهم أما لو لا انّی رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقبل ثنیتك لأوجعتك ضربا ثمّ دفع إلى قنبر درهما كان مصرورا فی ردائه و قال اشتر به خیر عسل تقدر علیه ، قال عقیل و اللّه لكانّی انظر إلى یدی علىّ و هی على فم الزّق و قنبر یقلب العسل فیه ثمّ شدّه و جعل یبكى و یقول : اللّهم اغفر لحسین فانّه لم یعلم فقال معاویة ذكرت من لا ینكر فضله رحم اللّه أبا حسن فلقد سبق من كان قبله و اعجز من یأتی بعده هلم حدیث الحدیدة فذكر له حدیثها و هذا ما ذكره الشارح المعتزلی ابن أبی الحدید فی ضمن كلامه فی الحدیدة المحماة و أمثاله و نظائره من ولیّ اللّه الاعظم أرواحنا له الفداء عند المؤالف و المخالف كثیر بحیث لا یرتاب فیه فمن كان هذا دیدنه مع أخیه و بنیه فكیف یصفح عن الحق فی شیعته و موالیه .

ثمّ قال خطابا لعبد اللّه و هذا المال لیس لك أیضا و إنّما هو غنیمة المسلمین اقترفوه بسیوفهم مجاهدین فی اللّه و مباشری القتال مع أعداء اللّه و ان شركتهم فی حربهم و جهادهم فلك مثل حظهم و إلاّ فما اكتسبوه بایدیهم من مال الكفّار و اتعبوا أنفسهم فی الجهاد فی سبیل اللّه فاغتنموا فلیس لغیرهم فیه نصیب و عبره بأحسن العبارات و افصح الاستعارات و الا فجناة أیدیهم لا تكون لغیر أفواههم .

[ 29 ]

و ذلك لأنّه إذا اغتنم المسلمون شیئا من أهل الكفر بالسّیف قسمه الامام على خمسة أسهم فجعل أربعة منها بین من قاتل علیه و من حضر القتال على الشرط الذی ذكر فی الكتب الفقهیة فى الجهاد ، و جعل السهم الخامس ثلاثة منها له خاصة سهمان وراثة و سهم له و ثلاثة أسهم الاخر لأیتامهم و مساكینهم و ابناء سبیلهم لا یشركهم فى ذلك غیرهم لانّ اللّه سبحانه حرّم علیهم الصّدقات لكونها أوساخ النّاس و عوضهم من ذلك الخمس ، هذا عند أصحابنا الامامیة المستفاد من قوله تعالى فى سورة الانفال و اعلموا أنّما غنمتم من شى‏ء فان للَّه خمسه و للرسول و لذى القربى و الیتامى و المساكین و ابن السبیل و من الاخبار المرویّة عن أئمّتنا علیهم السّلام امّا السّهمان الموروثان فهو سهم اللّه و سهم رسوله و امّا السّهم له فهو سهم ذی القربى و المراد بذی القربى فى الكتاب و السّنّة هو الإمام علیه السّلام بلا خلاف معتد به عندنا .

و روى عن الحسن و قتادة انّ سهم اللّه و سهم الرسول و سهم ذی القربى للإمام القائم من بعده ینفقه على نفسه و عیاله و مصالح المسلمین و هو مثل ما ذهب إلیه الإمامیّة ، و أمّا غیرهم فالمروی عن ابن عبّاس و إبراهیم و قتادة و عطا انّ الخمس یقسم على خمسة اسهم و انّ سهم اللّه و الرسول واحد و یصرف هذا السهم إلى الكراع و السلاح ، و مذهب الشافعى على انّ الخمس یقسم على أربعة أسهم سهم ذى القربى لقرابة النّبیّ و الاسهم الثلاثة لمن ذكروا بعد ذلك من سائر المسلمین و ذهب أبو حنیفة إلى أنّه یقسم على ثلاثة أسهم لان سهم الرّسول قد سقط بوفاته عندهم لأنّ الانبیاء لا یورثون فیما یزعمون و سهم ذی القربى قد سقط لان أبا بكر و عمر لم یعطیا سهم ذى القربى و لم ینكر ذلك أحد من الصحابة علیهما .

و أمّا كیفیّة تقسیم ما عدا الخمس من الاقسام الاربعة الباقیة فعند علمائنا الامامیّة ان النّبیّ و الامام القائم مقامه بعده یصطفى من الغنیمة ما یختاره من فرس جواد أو ثوب مرتفع أو جاریة حسنا و غیر ذلك ثم یقسم الباقى بین الغانمین مما ینقل و یحول بین الغانمین للراجل سهم واحد و للفارس سهمان و من كان له فرسان فصاعدا كان له سهم و لافراسه و ان تعدّدت سهمان و لا سهم للابل و البغال

[ 30 ]

و الحمیر و ذهب ابن الجنید إلى أن للفارس ثلاثة أسهم اتكالا على خبر لنا انّ علیّا علیه السّلام كان یجعل للفارس ثلاثة أسهم و للراجل سهما و هو مذهب الشافعی أیضا و حمل شیخ الطّائفة فی التهذیب ذلك الخبر على انّه علیه السّلام كان یجعل للفارس ثلاثة أسهم إذا كان معه فرسان فصاعدا فلا ینافی الأخبار الاخر و أمّا ممّا لا ینقل و لا یحول من الأرضین و العقارات فهى للمسلمین قاطبة و ذهب أبو حنیفة أیضا أن للراجل سهما و للفارس سهمین كالامامیّة .

فنقول : إنّ الظاهر من كلامه علیه السّلام انّ هذا المال لیس لی و لا لك انّما هو فى‏ء المسلمین انّ الخمس كان قد قسم و انّ عبد اللّه بن زمعة طلب من الاقسام الأربعة الباقیة من مال المقاتلة اعنی الغانمین فمنعه علیه السّلام عنه لانّه لم یكن منهم و قال فإن شكرتهم فی حربهم كان لك مثل حظّهم و مع الفرض على عدم القسمة انه لم یك ممن یستحقه لانه ان كان من الطوائف الثلاثة اعنى الیتامى و المساكین و ابن السّبیل فیعتبر انتسابهم إلى عبد المطّلب بالابوّة و یعتبر انتسابهم إلى هاشم أبی عبد المطّلب بالابوّة و هذا أیضا صحیح و الخلاف لفظی لانّ ذریّة هاشم محصورة فی ولده عبد المطّلب .

و عبد اللّه لیس منتسبا إلیه نعم هو من بنی المطلب أخى هاشم و لكن فى استحقاق بنى المطّلب الخمس خلاف و تردّد و مع المماشاة انّه لم یكن من المساكین و هم أهل الفاقة و الفقر و لا ابن السبیل و هو المنقطع فى سفره و ظاهر انّه لیس من الیتامى و اولى القربى فما بقى إلا سهم اللّه و رسوله و ذى القربى اعنى سهم الامام علیه السّلام و الظاهر بل المصرّح من كلامه علیه السّلام ان هذا المال فى‏ء المسلمین و لیس منه و مع بقائه انّه لم یك مستحقّه و بالجملة انّ هذا الرّجل مع أنّه كان من شیعته علیه السّلام لم یبلغ بعد الى مقامات العارفین به علیه السّلام فلما رأى انّه توسدت له الوسادة و حاز منصب الخلافة و أخذ ازمة الامور جاء طالبا لشى‏ء من الحطام كما هو دأب عبید الدّنیا فأجابه علیه السّلام بما فیه تعلیم و عبرة لمن كان له قلب و درایة .

[ 31 ]

الترجمة

از كلام آن حضرت است كه بدان با عبد اللّه بن زمعه سخن گفت و این مرد بیوقوف اگر چه از پیروان آن حضرت بود ولی بمقام شامخ آن ولیّ اللّه أعظم و قبله‏نماى طالبان كعبه حق و مجسمه عدل و مظهر اتم اله كمال معرفت حاصل نكرده بود ، در ایام خلافتش از حضرتش بى جهت استحقاق مالى طلب كرد پس آن كلام اللّه ناطق و فیصل حق و باطل در جوابش فرمود :

كه این مال نه از آن من است و نه از آن تو این غنیمت مسلمانان و أندوخته شمشیر ایشان است پس اگر در كار زار با ایشان أنباز بوده‏اى در بهره از آن نیز انبازى وگرنه حاصل دست‏رنج آنان طعمه دیگران نخواهد شد .

هر كو عمل نكرد و عنایت امید داشت
دانه نكشت ابله و دخل انتظار كرد

نا برده رنج گنج میسّر نمى‏شود
مزد آن گرفت جان برادر كه كار كرد