[ 93 ]

كلّ باب منها ألف باب .

و فی الكافی عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال كان فی ذؤابه سیف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله صحیفة صغیرة فقلت لأبى عبد اللّه علیه السّلام أى شى‏ء كان فى تلك الصحیفة قال :

هى الاحرف الّتى یفتح كلّ حرف ألف حرف قال أبو بصیر : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فاخرج منها حرفان حتّى الساعة .

و فیه عن یونس بن رباط قال دخلت أنا و كامل التمار على أبى عبد اللّه علیه السّلام فقال له كامل جعلت فداك حدیث رواه فلان فقال اذكره فقال : حدثنى انّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله حدّث علیّا علیه السّلام بألف باب یوم توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كلّ باب یفتح ألف باب فذلك ألف ألف باب فقال لقد كان ذلك قلت جعلت فداك فظهر ذلك لشیعتكم و موالیكم فقال یا كامل باب أو بابان فقلت له جعلت فداك فما یروى من فضلكم من ألف ألف باب إلاّ باب أو بابان قال : فقال : و ما عسیتم أن ترووا من فضلنا ما تروون من فضلنا إلاّ ألفا غیر معطوفة .

بیان ، قال الفیض ( ره ) فى الوافى : من فضلكم ، أى من علمكم الفا غیر معطوفة یعنى الا حرفا واحدا ناقصا أى أقل من حرف واحد و انما اختار الألف لانه أقلّ الحروف و ابسطها و اخفها مؤنة و عدم عطفها كنایة عن نقصانها فانها تكتب فى رسم الخط الكوفى هكذا « ا » فاذا كان طرفها غیر مائل كان ناقصا .

و فى السیرة الحلبیة : أعتق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى مرضه هذا أربعین نفسا و كانت عنده صلّى اللّه علیه و آله سبعة دنانیر أو ستة فأمر عائشة أن تتصدق بها بعد أن وضعها صلّى اللّه علیه و آله فى كفه و قال : ما ظن محمّد بربه أن لو لقى اللّه و هذه عنده فتصدقت بها ، و قال : و فى روایة أمرها بارسالها إلى علىّ علیه السّلام لیتصدق بها فبعث إلیه فتصدق بها بعد وضعها فى كفّه .

ثمّ قال : و قد كان العبّاس رضى اللّه عنه قبل ذلك بیسیر رأى أن القمر قد رفع من الأرض إلى السماء فقصّها على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال له : هو ابن أخیك ، و نعم ما قاله الحافظ :

[ 94 ]

ستاره‏اى بدرخشید و ماه مجلس شد
دل رمیده ما را أنیس و مونس شد

قال المجلسى ( ره ) فى البحار و غیره من نقلة الآثار : انّه مما أكّد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لأمیر المؤمنین علىّ علیه السّلام من الفضل و تخصیصه منه بجلیل رتبته ماتلا حجّة الوداع من الامور المجددة لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و الاحداث التى اتفقت بقضاء اللّه و قدره .

و ذلك انّه صلّى اللّه علیه و آله تحقق من دنوّ أجله ما كان قدم الذكر به لامّته فجعل صلّى اللّه علیه و آله یقوم مقاما بعد مقام فى المسلمین یحذرهم الفتنة بعده و الخلاف علیه و یؤكّد وصایتهم بالتمسك بسنته و الاجماع علیها و الوفاق ، و یحثهم على الاقتداء بعترته و الطاعة لهم و النصرة و الحراسة و الاعتصام بهم فى الدین ، و یزجرهم عن الاختلاف و الارتداد .

و كان فیما ذكره من ذلك ما جاءت به الروایة على اتفاق و اجتماع قوله صلّى اللّه علیه و آله :

یا أیّها النّاس انّى فرطكم و أنتم واردون على الحوض ألا و إنّى سائلكم عن الثقلین فانظروا كیف تخلفونى فیهما فان اللطیف الخبیر نبأنى أنهما لن یفترقا حتّى یلقیانى و سألت ربّى ذلك فأعطانیه الأوانى قد تركتهما فیكم كتاب اللّه و عترتى أهل بیتى فلا تسبقوهم فتفرقوا و لا تقصروا عنهم فتهلكوا و لا تعلموهم فانهم أعلم منكم ، أیّها النّاس لا الفینّكم بعدى ترجعون كفارا یضرب بعضكم رقاب بعض فتلقونى فى كتیبة كبحر السیل الجرار ، ألا و إن علىّ بن ابیطالب أخى و وصیّى یقاتل بعدى على تأویل القرآن كما قاتلت على تنزیله .

و قال أبو جعفر الطبرى فى تاریخه : ثمّ ضرب صلّى اللّه علیه و آله فى المحرم من سنة احدى عشرة على النّاس بعثا إلى الشّام و أمّر علیهم مولاه و ابن مولاه اسامة بن زید بن حارثة و أمره أن یوطى‏ء الخیل تخوم البلقاء و الدّاروم من أرض فلسطین فتهجز الناس و أوعب مع اسامة المهاجرون الأوّلون ، فبینا النّاس على ذلك ابتدى‏ء صلّى اللّه علیه و آله شكواه الّتى قبضه اللّه عزّ و جلّ فیها إلى ما أراد به من رحمته و كرامته فى لیال بقین من صفر أو فى أوّل شهر ربیع الأوّل .

و قال الطبرى باسناده عن أبی مویهبة مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : رجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة بعد ما قضى حجّة التمام فتحلل به السیر و ضرب على النّاس بعثا و امّر

[ 95 ]

علیهم اسامة بن زید و أمره أن یوطى من آبل الزیت من مشارف الشام الأرض بالاردنّ فقال المنافقون فی ذلك و ردّ علیهم النبیّ صلّى اللّه علیه و آله انه لخلیق لها أى حقیق بالامارة و إن قلتم فیه لقد قلتم فی أبیه من قبل و إن كان لخلیقا لها ، فطار الأخبار بتحلل السیر بالنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قد اشتكى فوثب الأسود بالیمن و مسیلمة بالیمامة و جاء الخبر عنهما للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، ثمّ وثب طلیحة فی بلاد أسد بعد ما أفاق النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، ثمّ اشتكى فى المحرم وجعه الذی قبضه اللّه تعالى فیه .

و قال باسناده عن ابن عبّاس قال : كان النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قد ضرب بعث اسامة فلم یستتبّ لوجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لخلع مسیلمة و الأسود « و هو ذو الخمار عبهلة بن كعب » و قد أكثر المنافقون فى تأمیر اسامة حتّى بلغه فخرج النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله على النّاس عاصبا رأسه من الصداع لذلك من الشأن و انتشاره لرؤیا رآها فى بیت عائشة فقال : إنى رأیت البارحة فیما یرى النّائم أن فى عضدىّ سوارین من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما هذین الكذابین صاحب الیمامة و صاحب الیمن ، و قد بلغنى أن أقواما یقولون فى امارة اسامة ، و لعمرى لإن قالوا فى أمارته لقد قالوا فى أمارة أبیه من قبله و إن كان أبوه لخلیقا للامارة و أنه لخلیق لها ، فانفذوا بعث اسامة و قال : لعن اللّه الذین یتخذون قبور أنبیائهم مساجد ، فخرج اسامة فضرب بالجرف و انشأ النّاس فى العسكر و نجم طلیحة و تمهّل النّاس و ثقل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلم یستتمّ الأمر ینظرون أولهم آخرهم حتّى توفى اللّه عزّ و جلّ نبیّه صلّى اللّه علیه و آله .

و قال المجلسى فى البحار : ثمّ انه عقد لاسامة بن زید بن حارثة الامرة و أمره و ندبه أن یخرج بجمهور الامة إلى حیث اصیب أبوه من بلاد الروم ، و اجتمع رأیه علیه السّلام على اخراج جماعة من مقدمى المهاجرین و الأنصار فى معسكره حتى لا یبقى فى المدینة عند وفاته من یختلف فى الریاسة و یطمع فی التقدّم على النّاس بالامارة و یستتب الأمر لمن استخلفه من بعده و لا ینازعه فى حقّه منازع ، فعقد له الامرة على ما ذكرناه و جدّ فى اخراجهم و أمر اسامة بالبروز عن المدینة بمعسكره إلى الجرف و حث النّاس على الخروج معه و المسیر إلیه و حذّرهم من التلوم

[ 96 ]

و الابطاء عنه .

فبینا هو فى ذلك إذ عرضت له الشكاة التى توفى فیها ، فلما أحسّ بالمرض الّذى عراه أخذ بید علىّ بن أبیطالب و اتبعه جماعة من النّاس و توجه إلى البقیع فقال للذی اتبعه : إننى قد امرت بالاستغفار لأهل البقیع ، فانطلقوا معه حتى وقف بین أظهرهم و قال السّلام علیكم أهل القبور لیهنئكم ما أصبحتم فیه مما فیه النّاس أقبلت الفتن كقطع اللیل المظلم یتبع آخرها أولها ثمّ استغفر لأهل البقیع طویلا ، و أقبل على أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال : انّ جبرئیل علیه السّلام كان یعرض علىّ القرآن كلّ سنة مرة و قد عرضه علىّ العام مرّتین و لا أراه إلاّ لحضور أجلى ثمّ قال : یا علىّ إنّى خیّرت بین خزائن الدّنیا و الخلود فیها و الجنّة فاخترت لقاء ربّى و الجنة ، و إذا انا متّ فاغسلنى فاستر عورتى فانه لا یراها أحد الا أكمه ،

ثمّ عاد إلى منزله فمكث ثلاثة أیّام موعوكا .

ثمّ خرج إلى المسجد معصوب الرأس معتمدا على أمیر المؤمنین علیه السّلام بیمنى یدیه و على الفضل بن عبّاس بالید الاخرى حتّى صعد المنبر فجلس علیه ثمّ قال یا معشر النّاس و قد حان منّى خفوق من بین أظهركم من كان له عندى عدة فلیأتنى اعطه إیّاها و من كان له علىّ دین فلیخبرنى به ، معاشر الناس لیس بین اللّه و بین أحد شى‏ء یعطیه به خیرا أو یصرف عنه به شرا إلا العمل أیّها النّاس لا یدعى مدع و لا یتمنى متمن و الذی بعثنى بالحق نبیّا لا ینجى إلاّ عمل مع رحمة و لو عصیت لهویت ، اللهم هل بلغت ثم نزل فصلى بالناس صلاة خفیفة ثم دخل بیته .

و كان إذ ذاك فى بیت ام سلمة رضى اللّه عنها فأقام به یوما أو یومین فجائت عائشة إلیها تسألها أن تنقله إلى بیتها لتتولى تعلیله و سألت أزواج النّبی صلّى اللّه علیه و آله فی ذلك فأذنّ لها ، فانتقل إلى البیت الذی أسكنه عائشة و استمر به المرض فیه أیاما و ثقل فجاء بلال عند صلاة الصّبح و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مغمور بالمرض فنادى : الصلاة یرحمكم اللّه ، فاوذن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بندائه فقال : یصلّى بالنّاس بعضهم فانی مشغول بنفسی فقالت

[ 97 ]

عایشة : مروا أبا بكر و قالت حفصة : مروا عمر فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین سمع كلامهما و رأى حرص كلّ واحد منهما على التنویه بأبیهما و افتتانهما بذلك و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حىّ : اكففن فانكنّ صویحبات یوسف ، ثمّ قام مبادرا خوفا من تقدم أحد الرجلین و قد كان صلّى اللّه علیه و آله أمرهما بالخروج مع اسامة و لم یك عنده أنّهما قد تخلّفا . فلما سمع من عائشة و حفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره فبدر لكفّ الفتنة و إزالة الشبهة فقام صلّى اللّه علیه و آله و انّه لا یستقل على الأرض من الضعف ، فأخذ بیده علیّ بن أبیطالب و الفضل بن العبّاس فاعتمد علیهما و رجلاه یخطان الأرض من الضعف ، فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب ، فأومأ إلیه بیده أن تأخر عنه ، فتأخر أبو بكر و قام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مقامه فكبر و ابتدأ الصّلاة التی كان ابتدأها أبو بكر و لم یبن على ما مضى من فعاله ، فلما سلّم انصرف إلى منزله و استدعى أبا بكر و عمر و جماعة من حضر المسجد من المسلمین ثمّ قال : الم آمر أن تنفذوا جیش اسامة ؟ فقالوا : بلى یا رسول اللّه ، قال : فلم تأخرتم عن أمری ؟

قال أبو بكر : انى خرجت ثمّ رجعت لاجدد بك عهدا ، و قال : یا رسول اللّه انى لم اخرج لأننی لم احبّ أسأل عنك الركب فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله نفذوا جیش اسامة نفذوا جیش اسامة یكرّرها ثلاث مرات إلى آخره .

قال الشارح المعتزلی : بعد ما خطب الناس دخل بیت ام سلمة ثمّ انتقل إلى بیت عائشة یعلّله النساء و الرجال أمّا النساء فأزواجه و بنته و أمّا الرّجال فعلیّ علیه السّلام و العبّاس و الحسن و الحسین علیهما السّلام و كانا غلامین یومئذ و كان الفضل بن العبّاس یدخل احیانا إلیهم ثمّ حدث الاختلاف بین المسلمین أیّام مرضه فأوّل ذلك التنازع الواقع یوم قال صلّى اللّه علیه و آله ایتونی بدواة و قرطاس و تلا ذلك حدیث التخلف عن جیش اسامة .

أقول : لا خلاف بین المسلمین أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ولّى اسامة على جماعة منهم أبو بكر و عمر و عثمان و خالفوا الرسول صلّى اللّه علیه و آله فی تنفیذ جیش اسامة و كان قصد النبی صلّى اللّه علیه و آله بعدهم عن المدینة لئلا یدعو الامامة بعد موته صلّى اللّه علیه و آله و لذلك لم یجعل أمیر المؤمنین

[ 98 ]

علیا علیه السّلام فی جیش اسامة و هم تخلفوا عن أمر النّبی صلّى اللّه علیه و آله على ان امارة اسامة علیهم تدلّ على انه أفضل منهم و لم یرو و لم یقل أحد ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أمّر أحدا على علی علیه السّلام فعلى أفضل من غیرهم فمن كان اسامة أفضل علیه لا یلیق بالامارة مع أن فیهم من یكون أفضل من اسامة و غیره ، مع أنّهم عصوا النّبی صلّى اللّه علیه و آله و تخلفوا عن أمره ، و قبح تقدیم المفضول على الأفضل معلوم و امامة المفضول قبیحة عقلا و لا یرتاب فیه إلا الطغام قال عزّ من قائل : افمن یهدى إلى الحقّ احقّ ان یتبع أمن لا یهدّى إلاّ ان یهدى فما لكم كیف تحكمون .

و بذلك تعلم أن قول الشّارح المعتزلی فی خطبة شرحه : و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكلیف اختلاق محض و افتراء صرف و لا یعلم ایة مصلحة اقتضت ذلك أو لا یكون هذا الفعل نفسه قبیحا و ظلما و زورا ؟ تعالى اللّه عن ذلك .

قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه باسناده عن عبد اللّه بن كعب بن مالك انّ ابن عبّاس أخبره أن علیّ بن أبیطالب خرج من عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی وجعه الّذی توفّى فیه فقال النّاس : یا أبا حسن كیف أصبح رسول اللّه قال : أصبح بحمد اللّه بارئا فأخذ بیده عبّاس بن عبد المطلب فقال : ألا ترى انّك بعد ثلث عبد العصا و انى ارى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله سیتوفى فی وجعه هذا و انى لأعرف وجوه بنی عبد المطّلب عند الموت فاذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فسله فیمن یكون هذا الأمر فان كان فینا علمنا ذلك و إن كان فی غیرنا امر به فأوصى بنا ، قال علیّ علیه السّلام : و اللّه لئن سألناها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فمنعناها لا یعطیناها النّاس أبدا و اللّه لا أسألها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أبدا .

أقول : لما انجرّ كلامنا إلى هذا صادفنا عبد اللّه الأكبر یوم غدیر خم یوم الأحد الثامن عشر من ذی الحجّة من السنة 1382 من الهجرة النّبویّة على هاجرها السلام فتذكرنا أن واقعة غدیر خم حیث أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من عند اللّه تبارك و تعالى ان ینصب علیّا علیه السّلام للناس و یخبرهم بولایته فنزلت آیة یا أیّها الرّسول بلّغ ما انزل إلیك من ربّك فى ذلك فاعلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كل أبیض و أسود بقوله من

[ 99 ]

كنت مولاه فهذا علىّ مولاه على التفصیل الذی جاء فى أخبار الفریقین و مسلّم عند المسلمین و اشعار حسان فى ذلك المسطورة فى دیوانه و كتب الأخبار و نقلة الآثار مما لا ینكره احد و لا یابى عنه الا الخصم الألدّ : جاء حسان بن ثابت إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال یا رسول اللّه اتأذن لى ان اقول فى هذا المقام ما یرضاه اللّه ؟ فقال له قل یا حسان على اسم فوقف على نشز من الأرض و تطاول المسلمون لسماع كلامه فأنشأ یقول :

ینادیهم یوم الغدیر نبیّهم
بخمّ و اسمع بالنبىّ منادیا

و قال فمن مولاكم و ولیكم
فقالوا و لم یبدوا هناك التعادیا

الهك مولانا و أنت ولیّنا
و لن تجدن منا لك الیوم عاصیا

فقال له قم یا على فاننى
رضیتك من بعدی اماما و هادیا

فخصّ بها دون البریّة كلّها
علیّا و سمّاه الوزیر المواخیا

فمن كنت مولاه فهذا ولیّه
فكونوا له اتباع صدق موالیا

هناك دعى اللهمّ وال ولیّه
و كن للذی عادى علیا معادیا

فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لا تزال یا حسان مؤیدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك و انما اشترط رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى الدعاء له لعلمه بعاقبة أمره فى الخلاف و لو علم سلامته فى مستقبل الاحوال لدعا له على الاطلاق كما فى الارشاد للمفید ( ره ) .

و تلك الواقعة كانت فى السنة التى توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیها أعنى فى حجّة الوداع و لم یمض من تلك الواقعة إلى رحلة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلا شهران و بضعة أیام فكیف ذهل عباس بن عبد المطلب عن ذلك حتّى سأل علیا عن أن یسأل الرسول صلّى اللّه علیه و آله عن ذلك مع أن حدیث المنزلة و غیرهما فى حقّ علىّ علیه السّلام متواتر عند الفریقین و لذلك إنّ فى قلبى فى صحّة هذا الخبر شیئا على انّى أرى على تقدیر الصحة حرف قوله « فمنعناها » عن أصله و كان الأصل « فمنحناها » بقرینة لا یعطیناها فلیتأمّل .

و فى السیرة الحلبیّة : جاء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جبرئیل صحبة ملك الموت و قال له : یا أحمد ان اللّه قد اشتاق إلیك قال : فاقبض یا ملك الموت كما امرت فتوفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

[ 100 ]

و فی لفظ اتاه جبرئیل علیه السّلام فقال یا محمّد ان اللّه ارسلنی إلیك تكریما لك و تشریفا یسألك عما هو اعلم به منك یقول لك كیف تجدك قال اجدنى یا جبرئیل مغموما و اجدنى یا جبرئیل مكروبا ثمّ جاءه الیوم الثانی و الثالث فقال له ذلك فرد علیه صلّى اللّه علیه و آله بمثل ذلك و جاء معه فی الیوم الثالث ملك الموت فقال له جبرئیل علیه السّلام هذا ملك الموت یستأذن علیك ما استأذن على أحد قبلك و لا یستأذن على آدمى بعدك اتاذن له فدخل فسلم علیه ثم قال یا محمّد ان اللّه ارسلنی إلیك فإن امرتنى ان اقبض روحك قبضت و ان امرتنى ان اترك تركت قال او تفعل قال نعم و بذلك امرت فنظر النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال یا محمّد ان اللّه یقرؤك السّلام و یقول لك : إن شئت شفیتك و كفیتك ، و إن شئت توفیتك و غفرت لك قال ذلك إلى ربّی یصنع بی ما یشاء .

و فی روایة الخلد فی الدّنیا ثمّ فی الجنّة أحب إلیك أم لقاء ربك ثمّ الجنة فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقاء ربّی ثمّ الجنّة .

و فی الوافی ( م 14 ص 46 ) عن أبی جعفر علیه السّلام قال : لمّا حضرت النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله الوفاة نزل جبرئیل علیه السّلام فقال یا رسول اللّه هل لك فی الرجوع إلى الدّنیا فقال لا قد بلغت رسالات ربّی ، فأعادها علیه فقال : لا بل الرّفیق الأعلى ثمّ قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و المسلمون حوله مجتمعون : أیّها الناس انه لا نبى بعدى و لا سنة بعد سنّتی فمن ادّعى ذلك فدعواه و مدّعیه فی النار فاقتلوه و من اتبعه فانه فی النّار أیّها النّاس احیوا القصاص و احیوا الحق لصاحب الحق و لا تفرقوا اسلموا و سلّموا تسلّموا « كتب اللّه لأغلبن انا و رسلى انّ اللّه قوی عزیز » .

فی البحار : ثمّ ثقل صلّى اللّه علیه و آله و حضره الموت و أمیر المؤمنین علیه السّلام حاضر عنده فلما قرب خروج نفسه قال له : ضع یا علىّ رأسى فى حجرك فقد جاء امر اللّه تعالى فاذا فاضت نفسى فتناولها بیدك و امسح بها وجهك ثمّ وجهنى إلى القبلة و تولّ أمری و صل علىّ أوّل النّاس و لا تفارقنى حتّى توارینى فى رمسى و استعن باللّه تعالى ، فأخذ علىّ علیه السّلام رأسه فوضعه فی حجره فاغمى علیه فأكبّت فاطمة علیها السّلام تنظر فى

[ 101 ]

وجهه و تندبه و تبكى و تقول :

و ابیض یستسقى الغمام بوجهه
ثمال الیتامى عصمة للأرامل

ففتح رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عینه و قال بصوت ضئیل : یا بنیّة هذا قول عمك أبی طالب لا تقولیه و لكن قولی : « و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم » فبكت طویلا و أومأ الیها بالدنوّ منه فدنت منه فأسرّ الیها شیئا تهلّل وجهها له ثمّ قبض صلّى اللّه علیه و آله و ید أمیر المؤمنین الیمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه صلّى اللّه علیه و آله فیها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثمّ وجّهه و غمّضه و مدّ علیه ازاره و اشتغل بالنظر فی أمره صلّى اللّه علیه و آله .

و جائت الروایة انه قیل لفاطمة علیها السّلام : ما الّذی أسرّك إلیك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فسرى علیك به ما كنت علیه من الحزن و القلق بوفاته ؟ قالت : إنه اخبرنی أننی أول أهل بیته لحوقا به و انّه لن یطول المدة بی بعده حتّى ادركه فسرى ذلك عنّی .

و فی البحار انّه صلّى اللّه علیه و آله دعا الحسن و الحسین علیهما السّلام فقبّلهما و شممهما و جعل یترشفهما و عیناه تهملان .

و جائت الرّوایة المنقولة عن الفریقین انه كان عنده صلّى اللّه علیه و آله قدح فیه ماء و فی لفظ بدل قدح علباء و فى آخر ركوة فیها ماء فلمّا اشتدّ علیه صلّى اللّه علیه و آله الأمر صار یدخل یده الشریفة فی القدح ثمّ یمسح وجهه الشریف بالماء و یقول : اللهمّ اعنى على سكرات الموت و كذا فی تاریخ الطبری و بشارة المصطفى لشیعة المرتضى و فی غیرها من كتب الأخبار .

لما توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قالت فاطمة علیها السّلام : وا ابتاه اجاب داع دعاه یا ابتاه الفردوس مأواه یا ابتاه إلى جبرئیل ننعاه ، و فی السیرة الحلبیّة قال ابن كثیر هذا لا یعدّ نیاحة بل هو من ذكر فضائل الحقّ علیه علیه أفضل الصّلاة و السّلام قال و انّما قلنا ذلك لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نهى عن النیاحة انتهى ، أقول : و مضى الكلام منا آنفا فی ذلك .

[ 102 ]

فی البحار ناقلا عن المناقب لابن شهر آشوب و الطبرسى فی المجمع فی ضمن قوله تعالى و اتقوا یوما ترجعون الآیة ( 281 البقرة ) : عن ابن عبّاس و السّدی لما نزل قوله تعالى انّك میّت و انّهم میّتون قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لیتنی أعلم متى یكون ذلك فنزل سورة النصر فكان یسكت بین التكبیر و القراءة بعد نزل هذه السورة فیقول : سبحان اللّه و بحمده استغفر اللّه و أتوب إلیه فقیل له انك لم تكن تقوله قبل هذا فقال أمّا نفسی نعیت إلىّ ثمّ بكا بكاء شدیدا فقیل : یا رسول اللّه أو تبكى من الموت و قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر ؟ قال : فأین هو المطلع و أین ضیقة القبر و ظلمة اللّحد و أین القیامة و الأهوال ، فعاش بعد نزول هذه السّورة عاما انتهى .

« آخر آیة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله »

أقول : آخر آیة نزلت من السّماء على خاتم النبیین صلّى اللّه علیه و آله بلا خلاف عند قاطبة المسلمین قوله تعالى : و اتّقوا یوما ترجعون فیه إلى اللَّه ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت و هم لا یظلمون ، و لا خلاف أیضا فى أن جبریل علیه السّلام قال له صلّى اللّه علیه و آله ضعها فی رأس الثمانین و المأتین من البقرة كما فی المجمع و البیضاوی و الكشاف و غیرها عن ابن عبّاس و السّدی .

و انما الخلاف فی أنّه صلّى اللّه علیه و آله كم عاش من الأیام بعد نزولها ، و الاكثر على انه صلّى اللّه علیه و آله عاش بعدها أحدا و عشرین یوما و قال : ابن جریح : تسع لیال ، و قال سعید بن جبیر و مقاتل : سبع لیال ، و فى الكشاف و البیضاوی و قیل أحدا و ثمانین یوما ، و فی الكشاف و قیل ثلاث ساعات .

أقول : قول جبرئیل علیه السّلام له صلّى اللّه علیه و آله ضع هذه الآیة فی رأس الثمانین و المأتین من البقرة یدل على أن تركیب السور و ترتیب الآیات القرآنیة كما هو الآن بین أیدینا كان بأمر اللّه تعالى و بأمر رسوله صلّى اللّه علیه و آله و ما نقص منه شی‏ء و لا زید فیه شی‏ء ، و من تفحص فی كتب الأخبار للمسلمین یجد أن السور كانت عند ارتحال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مرتّبة منظّمة باذن اللّه تعالى

[ 103 ]

و بأمر رسوله صلّى اللّه علیه و آله موسومة بأسامیها ، و لنا فی ذلك من الأخبار و الآیات و أقوال أهل الخبرة شواهد و براهین لعلّنا نبحث فی ذلك مفصلا ان شاء اللّه تعالى فی محلّه .

ثمّ نقول إنّ هذا القول أعنی آخر آیة نزلت على الرّسول صلّى اللّه علیه و آله هی تلك الآیة المذكورة لا ینافی ما فی العدّة الفهدیة و غیرها أوّل ما نزل « بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم اقرأ باسم ربك » و آخره « إذا جاء نصر اللَّه » لأنّ كلامنا فی آخر آیة نزلت و هذا القول من ابن الفهد و غیره فی آخر سورة نزلت .

قال المسعودی فی مروج الذهب : و قد قیل انّه انزل علیه صلّى اللّه علیه و آله بالمدینة من القرآن اثنتان و ثلاثون سورة .

أقول : و سیأتی إنشاء اللّه تعالى بحثنا فی ذلك على التفصیل و التحقیق .

الاقوال فى مدة شكواه صلّى اللّه علیه و آله

كانت مدة شكواه صلّى اللّه علیه و آله ثلاث عشرة لیلة و قیل أربع عشرة لیلة و قیل اثنتى عشرة لیلة و قیل عشرا و قیل ثمانیة .

الاخبار فى مبلغ سنه صلّى اللّه علیه و آله یوم وفاته

الأكثر من الفریقین ذهبوا إلى أنّه صلّى اللّه علیه و آله كان حین قبض ابن ثلاث و ستین سنة و هو الحقّ فی ذلك قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه بإسناده عن ابن عبّاس قال أقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمكّة ثلاث عشرة سنة یوحى إلیه و بالمدینة عشرا و مات و هو ابن ثلاث و ستین سنة .

و فیه عنه أیضا : بعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأربعین سنة و أقام بمكّة ثلاث عشرة یوحى إلیه و بالمدینة عشرا و مات و هو ابن ثلاث و ستین سنة و كذا نقل عدة أخبار اخر فی انه صلّى اللّه علیه و آله كان یومئذ ابن ثلاث و ستین سنة .

و فی البحار للمجلسى « قد » عن أبی جعفر الباقر علیه السّلام قال قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هو ابن ثلاث و ستین سنة فی سنة عشر من الهجرة فكان مقامه بمكّة أربعین سنة ثمّ نزل

[ 104 ]

علیه الوحى فی تمام الأربعین و كان بمكّة ثلاث عشرة سنة ثمّ هاجر إلى المدینة و هو ابن ثلاث و خمسین سنة فاقام بالمدینة عشر سنین الحدیث و كذا غیره من الأخبار المرویّة من أصحابنا رضوان اللّه علیهم و كبار علماء العامّة .

و نقل الطبری عن بعض أنه صلّى اللّه علیه و آله كان حینئذ ابن خمس و ستین سنة ، و عن بعض آخر هو ابن ستین ، و لكن الصواب ما ذهب إلیه الاكثر و لا یعبأ بهذه الأقوال الشاذّة النادرة .

ذكر الاقوال عن الیوم و الشهر الذین توفى فیهما صلّى اللّه علیه و آله

قال أبو جعفر الطبرى فى حدیث عن ابن عبّاس انّه قال : ولد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله یوم الاثنین ، و استنبى‏ء یوم الاثنین ، و رفع الحجر یوم الاثنین ، و خرج مهاجرا من مكة إلى المدینة یوم الاثنین ، و قدم المدینة یوم الاثنین ، و قبض یوم الاثنین .

و فی المصباح للكفعمی قال الشیخ المفید ( ره ) فی مزاره اتق السفر یوم الاثنین فانه یوم الذی قبض فیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و انقطع الوحى فیه و ابتز أهل بیته الامر و قتل فیه الحسین علیه السّلام و هو یوم نحس و كذا المنقول عن أبی جعفر الباقر علیه السّلام من كشف الغمة كما فی البحار أنّه قبض صلّى اللّه علیه و آله فی شهر ربیع الأوّل یوم الاثنین للیلتین خلتا منه .

و قال شیخ الطائفة قدّس سرّه فی التهذیب : قبض صلّى اللّه علیه و آله بالمدینة مسموما یوم الاثنین للیلتین بقیتا من صفر سنة عشر من الهجرة و ولد بمكّة یوم الجمعة السابع عشر من شهر ربیع الاول فی عام الفیل .

أقول : و انما قال ( ره ) : قبض صلّى اللّه علیه و آله مسموما لانه روى فی البحار نقلا عن بصائر الدرجات عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمت الیهودیة النّبیّ فی ذراع قال :

و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یحب الذراع و الكتف و یكره الورك لقربها من المبال قال لما اتى بالشواء أكل من الذراع و كان یحبّها فاكل ما شاء اللّه و ما زال ینتفض به سمه حتى مات الخبر .

[ 105 ]

و قال ثقة الاسلام الكلینی رضوان اللّه علیه : انّه قبض صلّى اللّه علیه و آله لاثنتى عشرة لیلة مضت من ربیع الأوّل یوم الاثنین و هو ابن ثلاث و ستین سنة .

و قال المسعودى فی مروج الذهب : قبضه اللّه یوم الاثنین لاثنتى عشر لیلة مضت من ربیع الأوّل سنة عشر فى الساعة التى دخل فیها المدینة « یعنى مهاجرا من مكّة إلى المدینة زاد اللّه لهما شرفا » فی منزل عائشة و كان علته اثنى عشرة یوما .

و فى تفسیر الثعلبى یوم الاثنین للیلتین خلتا من ربیع الأوّل حین زاغت الشّمس .

و قال أبو جعفر الطبری أمّا الیوم الذی مات فیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلا خلاف بین أهل العلم بالاخبار فیه انّه كان یوم الاثنین من شهر ربیع الأوّل غیر أنّه اختلف فی أی الاثنین كان موته صلّى اللّه علیه و آله ففقهاء أهل الحجاز قالوا قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نصف النهار یوم الاثنین للیلتین مضتا من شهر ربیع الأوّل .

و قال الواقدی توفى یوم الاثنین لثنتى عشرة لیلة خلت من شهر ربیع الاوّل و دفن من الغد نصف النهار حین زاغت الشمس و ذلك یوم الثلثاء .

و قال أبو جعفر الطبرى فى تاریخه : ثمّ ضرب صلّى اللّه علیه و آله فی المحرم من سنة 11 على النّاس بعثا إلى الشام و امّر علیهم مولاه و ابن مولاه اسامة بن زید بن حارثة و أمره أن یوطى‏ء الخیل تخوم البلقاء و الدّاروم من أرض فلسطین فتجهّز النّاس و أوعب مع اسامة المهاجرون الأوّلون فبینا الناس على ذلك ابتدى صلّى اللّه علیه و آله شكواه التی قبضه اللّه عزّ و جلّ فیها إلى ما أراد به من رحمته و كرامته فى لیال بقین من صفر أو فی أوّل شهر ربیع الاول .

و فیه فی الخبر الآخر عن أبی مویهبة مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى أن قال :

ثم اشتكى فی المحرم وجعه الّذی قبضه اللّه تعالى فیه .

و فیه باسناده عن هشام بن عروة عن أبیه قال اشتكى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله وجعه الّذی توفاه اللّه به فی عقب المحرم .

و قال الواقدی بدى‏ء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله وجعه للیلتین بقیتا من صفر

[ 106 ]

و قال الطبرسى فى المجمع فى قوله تعالى و اتقوا یوماً ترجعون فیه إلى اللَّه الآیة 281 من البقرة : ثمّ مات صلّى اللّه علیه و آله یوم الاثنین للیلتین خلتا من ربیع الأوّل حین بزغت الشمس ، قال : و روى أصحابنا للیلتین بقیتا من صفر سنة احدى عشرة من الهجرة و لسنة واحدة من ملك أردشیر بن شیرویه بن ابرویز بن هرمز بن أنوشیروان و قال المفید ( ره ) فى الارشاد : و كان ذلك فی یوم الاثنین للیلتین بقیتا من صفر سنة عشر من هجرته صلّى اللّه علیه و آله و هو ابن ثلاث و ستین سنة و قال الخوارزمی توفّى أوّل شهر ربیع الأوّل .

و فى السیرة الحلبیّة : قال السهیلى : لا یصح أن یكون وفاته یوم الاثنین إلا فى ثالث عشرة أو رابع عشرة لاجماع المسلمین على ان وقفة عرفة كانت یوم الجمعة و هو تاسع ذی الحجّة و كان المحرم اما بالجمعة و إما بالسبت ، فان كان السبت فیكون أوّل صفر إما الأحد أو الاثنین فعلى هذا لا یكون الثانى عشر من شهر ربیع الأول بوجه .

هذه طائفة من الأقوال فى یوم وفاته صلّى اللّه علیه و آله و شهره و جملة القول فیهما انه مما لا ینبغى ان یشك ان وفاته صلّى اللّه علیه و آله كان یوم الاثنین و هذا اتفاقى و المخالف فیه مكابر نفسه ، و المشهور عند الجمهور انه كان فى شهر ربیع الاوّل لاثنتى عشرة لیلة خلت من شهر ربیع الاول ، و عند أصحابنا الامامیّة للیلتین بقیتا من صفر إلاّ الكلینى و المسعودى فانّهما وافقا العامة فى ذلك 1 .

-----------
( 1 ) المسعودى صاحب مروج الذهب هو أبو الحسن على بن الحسین بن على المسعودى الهذلى امامى ثقة بقى الى سنة ثلاث و ثلاثین و ثلاثمأة و له كتب : كتاب فى الامامة المسمى باثبات الوصیة ، و مروج الذهب و معادن الجوهر ، كتاب الهدایة الى تحقیق الولایة و غیرها مما عدها النجاشى فى كتاب الرجال و ذكره العلامة قدس سره فى القسم الاول من الخلاصة و وضعه أن یذكر الثقات من أصحابنا الامامیة فى القسم الاول منها فارجع الى كتب الرجال الامامیة من كتاب النجاشى و تنقیح المقال للمامقانى و جامع الرواة للاردبیلى و غیرها حتى یتضح لك انه من العلماء الكبار الاخیار و فى ذكرى أن صاحب الجواهر فى كتابه الصلاة أو الارث ذكر منه قولا . و بالجملة أن ما كتب فى ظهر مروج الذهب المطبوع فى مصر من أنه شافعى و هم و مختلق .

[ 107 ]

قال العلامة المجلسى فى البحار : لعل قول سنة عشر مبنى على اعتبار سنة الهجرة من أوّل ربیع الاول حیث وقعت الهجرة فیه و الذین قالوا سنة احدى عشرة بنوه على المحرم و هو اشهر .

أقول : و بذلك یرتفع الاختلاف كما هو واضح و یأتى فى المباحث الآتیة التحقیق فى مبدء تاریخ الهجرة .

و خلاصة القول فیه ان ما بنى علیه المسلمون هو من أوّل المحرّم و قول الآخر أعنى أوّل ربیع الأوّل شاذّ لم یعمل به و إن ذهب إلیه شرذمة من النّاس و منهم محمّد بن إسحاق المطلبی كما فی السّیرة النبویّة لابن هشام التی أصلها لابن إسحاق و انتخبها ابن هشام قال : قدم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله المدینة یوم الاثنین حین اشتدّ الضحى و كادت الشمس تعتدل لثنتى عشرة لیلة مضت من شهر ربیع الأوّل و هو التّاریخ .

و لكن هذا القول غیر مقبول عند الجمهور و المبدء المعمول به عند المسلمین هو المحرّم .

قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه : قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال :

أرّخوا فقال عمر : ما أرّخوا قال شی‏ء تفعله الاعاجم یكتبون فی شهر كذا من سنة كذا فقال عمر : حسن فأرّخوا فقال من ایّ السنین نبدأ قالوا من مبعثه صلّى اللّه علیه و آله و قالوا من وفاته صلّى اللّه علیه و آله ثمّ أجمعوا على الهجرة ثمّ قالوا فأیّ الشهور نبدأ فقالوا رمضان ثمّ قالوا المحرّم فهو منصرف النّاس من حجهم و هو شهر حرام فأجمعوا على المحرم .

ثمّ أقول : و لا غرابة أن یقال انّه اشتبه الامر على القائل بوفاته صلّى اللّه علیه و آله فی شهر ربیع الاوّل و كذا على راوى هذا الخبر لانّ ولادته صلّى اللّه علیه و آله كان فی ذلك الشهر فاخذ الوفاة مكان الولادة .

« الكلام فى أن عمر أنكر موت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لم یكن عارفا بالقرآن »

قال أبو جعفر الطبرى فی تاریخه عن أبی هریرة : لما توفّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله

[ 108 ]

كان أبو بكر بالسنح و عمر حاضرا فقام عمر بن الخطاب فقال ان رجالا من المنافقین یزعمون ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله توفى و ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و اللّه ما مات و لكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعین لیلة ثمّ رجع بعد ان قیل قد مات و اللّه لیرجعنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلیقطعنّ أیدی رجال و أرجلهم یزعمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مات .

قال : و اقبل أبو بكر حتّى نزل على باب المسجد حین بلغه الخبر و عمر یكلم النّاس فلم یلتفت إلى شی‏ء حتّى دخل على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی بیت عائشة و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مسجّى فی ناحیة البیت علیه برد حبرة فاقبل حتّى كشف عن وجهه ثمّ أقبل علیه فقبّله ثمّ قال بأبی أنت و امّی أما الموتة التی كتب اللّه علیك فقد ذقتها ثمّ لن یصیبك بعدها موتة أبدا ثمّ ردّ الثوب على وجهه ثمّ خرج و عمر یكلّم النّاس فقال على رسلك یا عمر فأنصت فأبى إلاّ أن یتكلّم ، فلمّا رآه أبو بكر لا ینصت أقبل على النّاس فلمّا سمع النّاس كلامه أقبلوا علیه و تركوا عمر فحمد اللّه و اثنى علیه ثمّ قال :

أیّها النّاس انّه من كان یعبد محمّدا فان محمّدا قد مات و من كان یعبد اللّه فانّ اللّه حىّ لا یموت ثمّ تلا هذه الآیة : و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ینقلب على عقبیه فلن یضرّ اللّه شیئاً و سیجزى اللّه الشاكرین » .

قال . فواللّه لكان النّاس لم یعلموا أن هذه الآیة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حتّى تلاها أبو بكر یومئذ قال و أخذها النّاس عن أبی بكر فانّما هی أفواههم .

قال أبو هریرة قال عمر : و اللّه ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر یتلوها فعقرت حتى وقعت إلى الارض ما تحملنى رجلاى و عرفت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد مات .

و كذا روی أبو جعفر الطبری عن أبی أیوب عن إبراهیم خبرا آخر قریبا من الاوّل .

و كذا فی آخر عن عبد الرّحمن الحمیری قال توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أبو بكر فی المدینة فجاء فكشف الثوب عن وجهه فقبّله و قال فداك أبى و امّى ما أطیبك حیّا و میّتا

[ 109 ]

مات محمّد و رب الكعبة .

قال : ثمّ انطلق إلى المنبر فوجد عمر بن الخطّاب قائما یوعد النّاس و یقول انّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حىّ لم یمت و أنّه خارج إلى من أرجف به و قاطع أیدیهم و ضارب أعناقهم و صالبهم قال : فتكلّم أبو بكر و قال : انّ اللّه قال لنبیّه صلّى اللّه علیه و آله « إنّك میّت و إنّهم میّتون . ثمّ انّكم یوم القیمة عند ربّكم تختصمون » و قال : « و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت » الآیة حتى ختم الایة فمن كان یعبد اللّه لا شریك له فانّ اللّه حىّ لا یموت الخبر .

قال الشهرستانی فی المقدّمة الرابعة من الملل و النحل : الخلاف الثالث فی موته صلّى اللّه علیه و آله قال عمر : من قال أن محمّدا قد مات قتلته بسیفی هذا و انما رفع إلى السماء كما رفع عیسى بن مریم علیه السّلام ، و قال أبو بكر : من كان یعبد محمّدا فانّ محمّدا قد مات و من كان یعبد إله محمّد فانه حىّ لا یموت و قرأ هذه الآیة : « و ما محمّد إلاّ رسول » الخ .

أقول : و الأخبار فی ذلك المضمون اعنى انكار عمر موته صلّى اللّه علیه و آله فی كتبهم المعتبرة عندهم بلغت إلى مبلغ التواتر معنى و لا سبیل إلى إنكاره و إن كانت عباراتهم مختلفة ، و لنا فی هذا المقام كلام و هو :

ان من لم یكن عارفا للآیات القرآنیّة و متدبرا لها و حافظا للكتاب العزیز كما اعترف به نفسه كیف یلیق للامامة على الامّة و الخلافة عن اللّه و رسوله ؟

و هل هذا الا تهافت و اختلاق ؟ جلّ جناب الرّب عن أن ینال عهده الجاهلین .

الكلام فى ان علیا علیه السّلام هو الذى ولى غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هو الاصل فى ذلك .

و قال أبو جعفر الطبرى عن عبد اللّه بن عبّاس ان علیّ بن أبیطالب و العبّاس ابن عبد المطلب و الفضل بن عبّاس و قثم بن العبّاس و اسامة بن زید و شقران مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله هم الّذین ولّوا غسله و انّ اوس بن خولى احد بنى عوف بن الخزرج قال لعلیّ بن ابیطالب انشدك اللّه یا علیّ و حظّنا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كان اوس

[ 110 ]

من أصحاب بدر و قال ادخل فدخل فحضر غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فاسنده علیّ بن أبیطالب إلى صدره و كان العبّاس و الفضل و قثم هم الذین یقلّبونه معه و كان اسامة بن زید و شقران مولیاه هما الذان یصبّان الماء و علىّ یغسله قد اسنده إلى صدره و علیه قمیصه یدلك من ورائه لا یفضى بیده إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و علیّ یقول : بأبی أنت و امّی ما أطیبك حیّا و میّتا و لم یر من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله شی‏ء ممّا یرى من المیّت .

و قال الشّارح المعتزلی : و روی محمّد بن حبیب فی أمالیه قال تولى غسل النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله علیّ علیه السّلام و العبّاس رضى اللّه عنه و كان علیّ علیه السّلام یقول بعد ذلك ما شممت اطیب من ریحه و لا رأیت اضوء من وجهه حینئذ و لم أره یعتاد فاه ما یعتاد أفواه الموتى .

أقول : و قد مضى الخبر الآخر من أبی جعفر الطبرى عن عبد اللّه بن مسعود حیث سأل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عمن یغسله فقال صلّى اللّه علیه و آله أهلى الأدنى فالأدنى الخبر .

فحیث ضم ذلك الخبر إلى هذا الذی نقله الطبری عن عبد اللّه بن عباس و محمّد ابن حبیب فی أمالیه و غیرهما ینتج ان علیّ بن أبیطالب كان أقرب النّاس منه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ انه یعلم من خطاب اوس علی علیه السّلام انشدك اللّه یا علیّ و حظّنا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أن أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام كان هو الّذی تولى غسله و هو الاصل فی ذلك و العبّاس و الفضل و قثم و اسامة و شقران كانوا أعوانه فی ذلك كما یدلّ علیه أیضا قوله و كان العبّاس و الفضل و قثم هم الذین یقلبونه معه و كان اسامة و شقران مولیاه هما اللذان یصبّان الماء و قوله و علیّ علیه السّلام یغسله صریح فى ذلك .

فی الكافی للكلینی ( قده ) عن عبد اللّه بن مسعود قال : قلت للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله یا رسول اللّه من یغسلك إذا مت ؟ فقال : یغسل كلّ نبى وصیّه قلت : فمن وصیّك یا رسول اللّه ؟ قال : علیّ بن أبیطالب ، فقلت : كم یعیش بعدك یا رسول اللّه ؟ قال ثلاثین سنة ، فان یوشع بن نون وصىّ موسى عاش من بعده ثلاثین سنة و خرجت علیه صفراء بنت شعیب زوج موسى فقالت أنا أحق بالأمر منك فقاتلها فقتل مقاتلیها و اسرها فأحسن اسرها ، و ان ابنة أبی بكر ستخرج على علیّ علیه السّلام فى كذا و كذا

[ 111 ]

ألفا من امتى فیقتل مقاتلیها و یأسرها فیحسن أسرها و فیها انزل اللّه تعالى « و قرن فی بیوتكن و لا تبرّجن تبرّج الجاهلیة الاولى » یعنی صفراء بنت شعیب .

فی التهذیب بإسناده عن یعلی بن مرة عن أبیه عن جدّه قال قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فستر بثوب و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خلف الثوب و علیّ علیه السّلام عند طرف ثوبه و قد وضع خدّه على راحتیه یضرب طرف الثوب على وجه علیّ علیه السّلام قال و النّاس على الباب و فی المسجد ینتحبون و یبكون و إذا سمعنا صوتا فی البیت ان نبیكم طاهر مطهر فادفنوه و لا تغسلوه ،

قال : فرأیت علیّا علیه السّلام حین رفع رأسه فزعا فقال اخسأ عدوّ اللّه فانّه أمرنى بغسله و كفنه و ذاك سنة قال ثم نادى مناد آخر غیر تلك النغمة یا علی بن أبیطالب استر عورة نبیّك و لا تنزع القمیص ، و روایات اخر قریبة منها اتى بها فى كتب العامّة أیضا .

قال فى البحار : فى الاحن و المحن بإسناده عن إسماعیل بن عبد اللّه عن أبیه عن علیّ علیه السّلام قال : أوصانی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا أنا مت فاغسلنی بسبع قرب من بئرى بئر غرس .

و فی السیرة الحلبیّة : و عند ابن ماجة أنّه صلّى اللّه علیه و آله قال لعلیّ علیه السّلام إذا أنا مت فاغسلنی بسبع قرب من بئرى بئر غرس .

فی الكافی و التهذیب عن فضیل سكرة قال قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : جعلت فداك هل للماء الذی یغسل به المیت حدّ محدود ؟ قال : ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لعلیّ علیه السّلام : إذا أنامت فاستق ستّ قرب من ماء بئر غرس « غرس بئر بالمدینة » فغسلنى و كفّنى و حنطنى فاذا فرغت من غسلى و كفنى فخذ بجوامع كفنى و اجلسنى ثمّ سلنى عمّا شئت فو اللّه لا تسألنى عن شى‏ء الا اجبتك فیه .

و فى البحار : أبان بن بطة قال یزید بن بلال قال علىّ علیه السّلام : اوصى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله الاّ یغسله احد غیری فانّه لا یرى أحد عورتى الا طمست عیناه قال : فما تناولت عضوا إلاّ كانما كان یقلّه معى ثلاثون رجلا حتّى فرغت من غسله ، و كذا فی خبر قریب منه فى السیرة الحلبیّة .

[ 112 ]

أقول : و المراد من هذا الخبر ان علیّا علیه السّلام لو رأى عورته لا تطمس عینه كان على فرض الوقوع لا ان یجوز له ذلك .

و فیه أیضا : و روى انه لما أراد علىّ علیه السّلام غسله استدعى الفضل بن عبّاس لیعینه كان مشدود العینین و قد امره علىّ علیه السّلام بذلك اشفاقا علیه من العمى .

و فیه نقلا عن تفسیر العیاشى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله سمعوا صوتا من جانب البیت و لم یروا شخصا یقول : « كلّ نفس ذائقة الموت » إلى قوله « فقد فاز » ثمّ قال : فى اللّه خلف و عزاء من كلّ مصیبة و درك لما فات فباللّه فثقوا و إیّاه فارجوا انما المحروم من حرم الثواب و استروا عورة نبیكم فلما وضعه على السریر نودی یا علىّ لا تخلع القمیص قال فغسّله علىّ علیه السّلام فى قمیصه .

و روى أبو جعفر الطبرى فى تاریخه باسناده عن عائشة قالت لما أرادوا ان یغسلوا النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله اختلفوا فیه فقالوا و اللّه ما ندرى أنجرّد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من ثیابه كما نجرّد موتانا أو نغسّله و علیه ثیابه ، فلمّا اختلفوا القى علیهم السّنة حتى ما منهم رجل إلا و ذقنه فى صدره ، ثمّ كلمهم متكلم من ناحیة البیت لا یدرى من هو أن اغسلوا النّبیّ و علیه ثیابه ، قالت : فقاموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : فغسلوه و علیه قمیصه یصبّون علیه الماء فوق القمیص و یدلكونه و القمیص دون أیدیهم ، و كذا مر منه آنفا نقلا عن عبد اللّه بن عبّاس أن علیّا علیه السّلام یغسله صلّى اللّه علیه و آله و علیه قمیصه یدلك من ورائه لا یفضى بیده إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الخبر .

و قال المفید ( ره ) فى الارشاد : لما أراد أمیر المؤمنین علیه السّلام غسل الرسول صلّى اللّه علیه و آله استدعى الفضل بن العبّاس فأمره أن یناوله الماء لغسله بعد أن عصّب عینیه ثمّ شق قمیصه من قبل جیبه حتّى بلغ إلى سرّته و تولّى غسله و تحنیطه و تكفینه و الفضل یعاطیه الماء و یعینه علیه .

و فى التهذیب لشیخ الطّائفة الامامیة قدس سره عن یعلى بن مرّة عن أبیه عن جدّه قال : قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فستر بثوب و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خلف الثوب و علىّ علیه السّلام

[ 113 ]

عند طرف ثوبه قد وضع خدیه على راحته قال و الرّیح یضرب طرف الثوب على وجه علیّ علیه السّلام قال : و النّاس على الباب و فی المسجد ینتحبون و یبكون و إذا سمعنا صوتا فی البیت ان نبیكم طاهر مطهر فادفنوه و لا تغسلوه قال فرایت علیا علیه السّلام حین رفع رأسه فزعا فقال اخسأ عدو اللّه فانه امرنی بغسله و كفنه و دفنه و ذاك سنة قال ثم نادى مناد آخر غیر تلك النغمة یا علیّ بن أبیطالب استر عورة نبیّك و لا تنزع القمیص .

أقول : ما یستفاد من جملة تلك الاخبار انّ علیّا علیه السّلام تولّى غسله بیده بلا كلام فیه و انه غسله صلّى اللّه علیه و آله فی قمیصه و لا تنافی لها مع ما فی الارشاد ، و أمّا المرویة عن عائشة من اختلافهم و أخذهم السنة و یدلك من ورائه لا یفضى بیده فلا یخلو عن اختلاق و افتعال و البصیر الناقد فی الأحادیث المرویة عنها فی ذلك الباب من الطبری و غیره یرى ما لا یخفى علیه و كانت تقولها لبعض شانها و لا جرم انهم جردوه عاقبة الأمر و كفنوه .

فالحق فیها ما أنصف الشارح المعتزلى فی المقام حیث بعد نقل شرذمة من تلك الأحادیث المرویة عنها و نقلها فكانت عایشة تقول لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسله الا نساؤه كما رواها الطبرى و غیره أیضا ، قال : قلت : حضرت عند محمّد بن معدّ العلوی فی داره ببغداد و عنده حسن بن معالی الحلی المعروف بابن الباقلاوی و هما یقرآن هذا الخبر « یعنی خبر عائشة عن اختلافهم و أخذهم السنة و قولها لو استقبلت من امرى الخ » و هذه الأحادیث من تاریخ الطبرى فقال محمّد بن معد لحسن بن معالی : ما تراها قصدت بهذا القول قال : حسدت أباك على ما كان یفتخر به من غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فضحك محمّد و قال : هبها استطاعت أن تزاحمه فی الغسل هل تستطیع أن تزاحمه فی غیره من خصائصه انتهى .

ثمّ قال أبو جعفر الطبرى : قال ابن إسحاق و حدثنى الزهری عن علیّ بن الحسین قال فلما فرغ من غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كفن فی ثلاثة اثواب ثوبین صحاریّین و برد حبرة ادرج فیها ادراجا .

و كذا فی الكافی للكلینی ( قده ) عن زید الشّحام قال سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام

[ 114 ]

عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بم كفن قال فی ثلاثة أثواب ثوبین صحاریین و برد حبرة .

و فى السیرة الحلبیة ذكر أقوالا اخر تنتهى إلى سبعة .

« بیان » قال ابن اثیر فی النهایة : فى الحدیث كفن رسول اللّه فی ثوبین صحاریین صحار قریة بالیمن نسب الثوب إلیها و قیل هو من الصحرة و هى حمرة خفیة كالغبرة یقال ثوب اصحر و صحارى .

فی البحار نقلا عن مجالس الصّدوق بإسناده الى عبد اللّه بن عبّاس رضى اللّه عنه قال لما توفّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله تولّى غسله علیّ بن أبیطالب و العباس معه فلما فرغ علیّ علیه السّلام من غسله كشف الازار عن وجهه ثمّ قال بأبی أنت و امّی طبت حیّا و طبت میتا انقطع بموتك ما لم ینقطع بموت أحد ممّن سواك من النبوّة و الانباء خصصت حتى صرت مسلّیا عمن سواك و عممت حتّى صار النّاس فیك سواء و لو لا انك امرت بالصبر و نهیت عن الجزع لا نفدنا علیك الشؤن و لكن مالا یدفع كمد و غصص مخالفان و هما داء الاجل و قلا لك بأبی أنت و امی اذكرنا عند ربك و اجعلنا من همّك ثمّ اكبّ علیه فقبّل وجهه و مد الازار علیه .

و نقل هذه الخطبة الشارح المعتزلی على صورة اخرى قال :

قال محّد بن حبیب فلما كشف الازار عن وجهه بعد غسله انحنى علیه فقبله مرارا و بكى طویلا و قال : بأبی أنت و امّی طبت حیا و طبت میتا انقطع بموتك ما لم ینقطع بموت أحد سواك من النبوّة و الأنبیاء ( و الانباء ظ ) و اخبار السماء خصصت حتّى صرت مسلیا عمّن سواك و عممت حتى صارت المصیبة فیك سواء و لو لا انك امرت بالصبر و نهیت عن الجزع لانفدنا علیك ماء الشؤن و لكن اتى ما لا یدفع اشكو إلیك كمدا و ادبارا مخالفین و داء الفتنة فانها قد استعرت نارها و داءها الداء الاعظم بأبی أنت و امّی اذكرنا عند ربّك و اجعلنا من بالك و همك .

ثمّ نظر إلى قذاة فی عینه فلفظها بلسانه ثمّ ردّ الازار على وجهه .

أقول : لا یخفى ان هذه الرّوایة تخالف ما فی النهج فی بعض ألفاظه و لا بعد

[ 115 ]

أن یقال متى دار الأمر بین ما فى النّهج و بین ما فی غیره یكون ما فى النّهج اضبط و أصحّ .

الكلام فى من صلّى اللّه علیه و آله

و لما فرغ علىّ علیه السّلام من غسله و تجهیزه تقدم فصلّى علیه وحده و لم یشركه معه فى الصلاة علیه و كان المسلمون فى المسجد یخوضون فیمن یؤمّهم فى الصلاة علیه و این یدفن فخرج إلیهم أمیر المؤمنین و قال لهم ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله امامنا حیّا و میتا فیدخل علیه فوج بعد فوج منكم فیصلّون علیه بغیر امام و ینصرفون و ان اللّه تعالى لم یقبض نبیا فى مكان إلا و قد ارتضاه لرمسه فیه و انى لدافنه فى حجرته الّتى قبض فیها فسلم القوم لذلك و رضوا به كما فى الارشاد للمفید و فى غیره .

و روى ثقة الاسلام الكلینى فى الكافى باسناده عن الحلبى عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال اتى العباس أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال یا علىّ ان النّاس قد اجتمعوا ان یدفنوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى بقیع المصلى و ان یؤمهم رجل منهم فخرج أمیر المؤمنین علیه السّلام إلى النّاس فقال یا أیّها النّاس ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله امامنا حیا و میتا و قال انّى ادفن فى البقعة الّتى قبض فیها ثمّ قام على الباب فصلّى علیه ثمّ أمر النّاس عشرة عشرة یصلّون علیه ثمّ یخرجون .

و فى الكافى أیضا باسناده عن جابر عن أبى جعفر علیه السّلام قال لما قبض النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله صلّت علیه الملائكة و المهاجرون و الأنصار فوجا فوجا و قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول فى صحته و سلامته انما انزلت هذه الآیة على فى الصّلاة بعد قبض اللّه لى « انّ اللَّه و ملئكته یصلّون على النّبى یا أیّها الذین آمنوا صلوا علیه و سلموا تسلیما » .

و فى روایة الامالى ان أوّل من یصلى علیه هو اللّه سبحانه ثمّ الملائكة ثمّ المسلمون .

قال الطبرى : و دخل النّاس على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یصلون علیه أرسالا حتّى إذا

[ 116 ]

فرغ الرّجال ادخل النّساء حتّى إذا فرغ النساء ادخل الصبیان ثمّ ادخل العبید و لم یؤمّ الناس على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أحد .

و فی البحار : و لما أراد علیّ علیه السّلام غسله استدعى الفضل بن العبّاس فامره ان یناوله الماء بعد ان عصب عینیه فشق قمیصه من قبل جیبه حتى بلغ به إلى سرّته و تولّى غسله و تحنیطه و تكفینه و الفضل یناوله الماء فلما فرغ من غسله و تجهیزه تقدّم فصلّى علیه .

فی البحار : سئل الباقر علیه السّلام كیف كانت الصّلاة على النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال :

لما غسله أمیر المؤمنین و كفنه سجّاه و ادخل علیه عشرة فداروا حوله ثمّ وقف أمیر المؤمنین علیه السّلام فی وسطهم فقال « إنَّ اللَّه و ملئكته یصلّون على النّبیّ یا أیّها الّذین آمنوا صلّوا علیه و سلّموا تسلیماً » فیقول القوم مثل ما یقول حتّى صلّى علیه أهل المدینة و أهل العوالى .

ان قلت نقل فی البحار روایة عن سلیم بن قیس نقلا عن سلمان الفارسى ( ره ) انّه قال اتیت علیّا علیه السّلام و هو یغسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و قد كان اوصى ان لا یغسله غیر على « إلى أن قال : » فلمّا غسله و كفّنه ادخلنى و ادخل أباذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسینا علیهم السّلام فتقدم و صففنا خلفه و صلّى علیه و عائشة فی الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئیل ببصرها ثمّ ادخل عشرة عشرة من المهاجرین و الانصار فیصلون و یخرجون حتّى لم یبق أحد من المهاجرین و الأنصار إلا صلّى علیه الخبر . فكیف یوافق هذا الخبر ما ذكر من قبل ان علیّا صلّى علیه صلّى اللّه علیه و آله وحده و لم یشركه معه أحد فی الصّلاة ؟

قلت : یمكن الجمع بینهما انّه لم یشركه أحد فی ان یؤم النّاس فلم یؤم النّاس على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أحد إلاّ علیّ علیه السّلام على أن فی سلیم بن قیس كلاما .

و بالجملة لا یخفى على المتدرب البصیر فی الأخبار المرویة عن الفریقین أن الصّلاة الحقیقیّة هی التی صلاها علیّ علیه السّلام على النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله أوّلا و ان صلّى علیه بعده غیره من الرّجال و النساء فوجا بعد فوج .

[ 117 ]

الكلام فى دفنه صلّى اللّه علیه و آله

و اختلف الاقوال فى موضع دفنه فذهب قوم إلى أن یدفنوه صلّى اللّه علیه و آله بمكّة لانها مسقط رأسه و قال الآخرون فی المدینة فمنهم من رأى ان یدفن فی البقیع عند شهداء احد و منهم من قال ان یدفنوه فی صحن المسجد و قال أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام انّ اللّه لم یقبض نبیا إلاّ فی أطهر البقاع فینبغی ان یدفن فی البقعة التی قبض فیها فاخذوا بقوله .

قال الطبری نقلا عن عبد اللّه بن عبّاس لما أرادوا ان یحفروا لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كان أبو عبیدة بن الجراح یضرح كحفر أهل مكّة و كان أبو طلحة زید بن سهل هو الّذی یحفر لأهل المدینة و كان یلحد فدعا العبّاس رجلین فقال لأحدهما اذهب إلى أبی عبیدة و للآخر اذهب إلى أبی طلحة اللهم خر لرسولك .

و قال الطبری قال ابن إسحاق و كان الّذی نزل قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علیّ بن أبیطالب و الفضل بن العبّاس و قثم بن العباس و شقران مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و قد قال اوس بن خولى انشدك اللّه یا علیّ و حظنا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال له انزل فنزل مع القوم و قد كان شقر ان مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین وضع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی حفرته و بنى علیه قد اخذ قطیفة كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یلبسها و یفترشها ققذفها فی القبر و قال و اللّه لا یلبسها أحد بعدك أبدا قال فدفنت مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

فى التهذیب لشیخ الطّائفة الامامیة فی روایة عن أبی جعفر علیه السّلام « إلى أن قال : » ثمّ دخل علیّ علیه السّلام القبر فوضعه على یدیه و ادخل معه الفضل بن العبّاس فقال رجل من الأنصار من بنى الخیلاء یقال له اوس بن الخولی انشدكم اللّه ان تقطعوا حقنا فقال له علیّ علیه السّلام ادخل فدخل معهما الخبر .

و فیه عن جعفر عن أبیه علیهما السّلام ان قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله رفع شبرا من الأرض .

و فی الكافی للكلینى رضوان اللّه علیه عن أبان بن تغلب قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول جعل علىّ علیه السّلام على قبر النّبیّ لبنا .