[ 118 ]

و فیه عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله یا علی ادفنى فی هذا المكان و ارفع قبری من الأرض أربع أصابع و رش علیه من الماء .

أقول : جائت الرّوایات من الفریقین فی تعیین رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مدفنه كما فی الرّوایة المرویة عن أبی جعفر الطبری المذكورة آنفا و من كتب الامامیّة أیضا و مع ذلك اختلافهم فی مدفنه صلّى اللّه علیه و آله غریب جدّا .

و فیه أیضا عن یحیى بن أبی العلا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : القى شقران مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى قبره القطیفة .

و فى الارشاد للمفید ( ره ) بعد ما قال صلّى علىّ علیه السّلام وحده على النّبى و لم یشركه معه أحد ثمّ صلّى المسلمون قال :

و لما صلّى المسلمون علیه أنفذ العبّاس بن عبد المطلب برجل إلى أبى عبیدة ابن الجراح و كان یحفر لأهل مكّة و یضرّح و كان ذلك عادة أهل مكة و انفذ إلى زید بن سهل و كان یحفر لأهل المدینة و یلحد فاستدعاهما و قال : اللهم خر لنبیك فوجد أبو طلحة زید بن سهل و قیل له احفر لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فحفر له لحدا و دخل أمیر المؤمنین و العبّاس بن عبد المطلب و الفضل بن العباس و اسامة بن زید لیتولّوا دفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فنادت الأنصار من وراء البیت یا علىّ إنا نذكرك اللّه و حقنا الیوم من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أن یذهب ادخل منا رجلا یكون لنا به حظ من مواراة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فقال لیدخل اوس بن خولى و كان بدریا فاضلا من بنى عوف من الخزرج فلما دخل قال له علىّ علیه السّلام : انزل القبر فنزل و وضع أمیر المؤمنین رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على یدیه و ولاه فى حفرته فلما حصل فى الأرض قال له اخرج فخرج و نزل علىّ علیه السّلام القبر فكشف عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و وضع خدّه على الأرض موجها إلى القبلة على یمینه ثمّ وضع علیه اللبن و أهال علیه التراب و كان ذلك فى یوم الاثنین للیلتین بقیتا من صفر سنة عشر من هجرته صلّى اللّه علیه و آله و هو ابن ثلاث و ستّین سنة و لم یحضر دفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أكثر الناس لما جرى بین المهاجرین و الأنصار من التشاجر فى أمر الخلافة وفات أكثرهم الصّلاة علیه لذلك و أصبحت

[ 119 ]

فاطمة علیها السّلام تنادى : و اسوء صباحاه ، فسمعها أبو بكر فقال لها : إنّ صباحك لصباح سوء و اغتنم القوم الفرصة لشغل علىّ بن أبیطالب علیه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و انقطاع بنی هاشم عنهم بمصابهم برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فتبادروا إلى ولایة الأمر و اتفق لأبی بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار فیما بینهم و كراهیة الطلقاء و المؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتّى یفرغ بنو هاشم فیستقر الامر مقرّه . فبایعوا أبا بكر لحضوره المكان وكالت أسباب معروفة تیسر للقوم منها .

ثمّ قال المفید ( ره ) : و قد جائت الرّوایة انه لمّا تم لأبى بكر ما تمّ و بایعه من بایع جاء رجل إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو یسوى قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمسحاة فی یده فقال له ان القوم قد بایعوا أبا بكر و وقعت الخذلة للانصار لاختلافهم و بدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من ادراككم الامر فوضع طرف المسحاة على الأرض و یده علیها ثمّ قال علیه السّلام بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم . الم احسب النّاس ان یتركوا . ان یقولوا آمنا و هم لا یفتنون . و لقد فتنا الذین من قبلهم فلیعلمن اللَّه الذین صدقوا . و لیعلمن الكاذبین . أم حسب الّذین یعملون السیئات أن یسبقونا ساء ما یحكمون .

و لقد مضى الكلام منه علیه السّلام فی الخطبة المأتین عند دفن سیدة نساء العالمین مخاطبا لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عند قبره : و لقد وسدتك فی ملحودة قبرك و فاضت بین نحرى و صدرى نفسك آه .

و قال علیه السّلام فی الخطبة السادسة و التسعین و المأة : و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله انّى لم ارد على اللّه و لا على رسوله ساعة قط و لقد واسیته بنفسى فی المواطن التى تنكص فیها الابطال و تتأخر الاقدام نجدة اكرمنى اللّه بها و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و ان رأسه على صدرى و لقد سالت نفسه فی كفّى فامررتها على وجهى و لقد ولّیت غسله صلّى اللّه علیه و آله و الملائكة اعوانی فضجّت الدار و الافنیة ملأ یهبط و ملأ یعرج و ما فارقت سمعى هینمة منهم یصلون علیه حتى و اریناه فی ضریحه فمن ذا احق به منّى حیّا و میتا .

قال الشّارح المعتزلی بعد نقل شرذمة من تلك الأخبار عن أبی جعفر الطبری :

[ 120 ]

من تأمل هذه الأخبار علم ان علیّا علیه السّلام كان الأصل و الجملة و التفصیل فی أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و جهازه ألا ترى ان اوس بن خولى لا یخاطب أحدا من الجماعة غیره فی حضور الغسل أو النزول فی القبر . ثمّ انظر إلى كرم علیّ علیه السّلام و سجاحة اخلاقه و طهارة شیمته كیف لم یضن بمثل هذه المقامات الشریفة عن اوس و هو رجل غریب من الانصار فعرف له حقه و اطلبه بما طلبه فكم بین هذه السجیّة الشریفة و بین قول من قال « یعنی بها عائشة كما مضى الخبر فی ذلك » لو استقبلت من أمری ما استدبرت ما غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الانساؤه و لو كان فی ذلك المقام غیره من اولى الطباع الخشنة و ارباب الفظاظة و الغلظة و قد سأل اوس لزجر و انتهر و رجع خائبا انتهى .

الكلام فى تجهیزه صلّى اللّه علیه و آله فى انه أى یوم كان و الحق فی ذلك

مضى الكلام فی یوم وفاته صلّى اللّه علیه و آله انه عند الاكثر الاشهر بل مما اتفقوا علیه كان یوم الاثنین .

ثمّ قال أبو جعفر الطبرى فى تاریخه : فلما بویع أبو بكر اقبل النّاس على جهاز رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و بویع أبو بكر یوم الاثنین فی الیوم الذی قبض فیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و قال بعضهم كان ذلك من فعلهم یوم الثلثاء و ذلك الغد من وفاته صلّى اللّه علیه و آله .

أقول : و ذلك البعض هو الواقدی حیث قال : و دفن صلّى اللّه علیه و آله من الغد نصف النهار حین زاغت الشمس و ذلك یوم الثلثاء .

و قال بعضهم انما دفن بعد وفاته بثلاثة أیام ثمّ دفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من وسط اللیل لیلة الأربعاء ، و روى فی دفنه صلّى اللّه علیه و آله لیلة الأربعاء عدّة روایات من عائشة و غیرها ، و قال بعضهم دفن یوم الأربعاء .

و روى الطبرى عن زیاد بن كلیب عن إبراهیم النخعی انه لما قبض النّبی صلّى اللّه علیه و آله كان أبو بكر غائبا فجاء بعد ثلاث إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لم یجترء أحد ان یكشف عن

[ 121 ]

وجهه و قد اربدّ بطنه فكشف عن وجهه و قبل عینیه و قال بأبی أنت و امّی طبت حیا و طبت میتا ثمّ خرج إلى النّاس فقال من یعبد محمّدا فان محمّدا قد مات الحدیث .

و كذا أقوال الامامیة و أخبارهم مختلفة فی ذلك ففی بعضها ان النّاس دخلوا علیه عشرة عشرة فصلوا علیه یوم الاثنین و لیلة الثلثاء و فی آخر أنهم صلوا علیه یوم الاثنین و لیلة الثلثاء حتى الصباح و یوم الثلثاء .

و الصواب انه صلّى اللّه علیه و آله دفن فی الیوم الذی قبض و هو رأى المحققین من علمائنا الامامیّة كما صرّح به عماد الدّین الطبری فی كامل البهائی و تولى تجهیزه فی ذلك الیوم أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام على ما مضى الكلام فیه مفصلا و القوم قد اشتغلوا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بامر البیعة .

و إذا انضم قول أبی جعفر الطبرى و بویع أبو بكر یوم الاثنین فى الیوم الذی قبض فیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلى قول المفید فی الارشاد و قد جاءت الروایة انه لما تم لأبی بكر ما تمّ و بایعه من بایع جاء رجل إلى أمیر المؤمنین و هو یسوى قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمسحاة فى یده الحدیث ، ینتج ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله دفن فی الیوم الذی قبض .

على انه نهى ان یترك المیت و أمر بتعجیل الدفن الا لضرورة اقتضت خلافه حتى یحصل العلم الذی تطمئن به النفس و لا أقل ان یكون الامر بالتعجیل للاستحباب ان لم نقل بوجوبه و النهى للكراهة لا للحرمة ففی الوافی للفیض نقلا عن الكافی و التهذیب و الفقیه عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یا معشر النّاس لا الفینّ رجلا مات له میت لیلا فانتظر به الصبح و لا رجلا مات له میت نهارا فانتظر به اللیل لا تنتظروا بموتكم طلوع الشمس و لا غروبها عجلوا بهم إلى مضاجعهم رحمكم اللّه قال النّاس و أنت یا رسول اللّه یرحمك اللّه .

و فیه نقلا عن الاولین عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا مات المیّت أوّل النهار فلا یقیل إلاّ فی قبره .

و فیه نقلا عن الثالث قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كرامة المیت تعجیله .

و لم یكن موته صلّى اللّه علیه و آله مشتبها حتى یتربص فی تجهیزه ثلاثة أیام لحصول العلم

[ 122 ]

به و لا یقبل العقل السلیم ان یبقى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله میتا یوم الاثنین و الثلثاء و الأربعاء و أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام حاضر لا یقوم بتجهیزه و یتركه حتّى اربدّ بطنه صلّى اللّه علیه و آله و العجب من تلك الروایة المنقولة عن الطبری أنه لا یجترى‏ء أحد أن یكشف عن وجهه هل یقبله عاقل و یتسلم لبیب ان علیّا علیه السّلام لا یجتری فی ذلك ، و أنصف الشارح المعتزلى فى المقام و قال :

و كیف یبقى طریحا بین أهله ثلاثة أیام لا یجتری‏ء أحد منهم أن یكشف عن وجهه و فیهم علىّ بن أبیطالب و هو روحه بین جنبیه و العبّاس عمه القائم مقام أبیه و ابنا فاطمة و هما كولدیه و فیهم فاطمة بضعة منه أفما كان فى هؤلاء من یكشف عن وجهه و لا من یفكر فى جهازه . و لا من یانف له من انتفاخ بطنه و اخضرارها و ینتظر بذلك حضور أبى بكر لیكشف عن وجهه انا لا اصدق ذلك و لا یسكن قلبى إلیه .

ثمّ قال ذلك الشارح : و بقى الاشكال فى قعود علىّ علیه السّلام عن تجهیزه و إذا كان اولئك مشتغلین بالبیعة فما الذی شغله هو فاقول یغلب على ظنى ان صح ذلك ان یكون قد فعله شناعة على أبى بكر و اصحابه حیث فاته الأمر و استوثر علیه به فأراد ان یتركه صلّى اللّه علیه و آله بحاله لا یحدث فى جهازه امرا لیثبت عند الناس ان الدّنیا شغلتهم عن نبیهم ثلاثة أیام حتى آل أمره إلى ما ترون و قد كان علیه السّلام یتطلب الحیلة فى تهجین أمر أبى بكر حیث وقع فى السقیفة ما وقع بكل طریق و یتعلق بأدنى سبب من امور كان یعتمدها و أقوال كان یقولها فلعل هذا من جملة ذلك ، أو لعله إن صحّ ذلك فانما تركه صلّى اللّه علیه و آله بوصیته منه الیه و سرّ كانا یعلمانه فى ذلك .

فان قلت فلم لا یجوزان یقال ان صح ذلك انه اخر جهازه لیجتمع رأیه و رأى المهاجرین على كیفیة غسله و كفنه و نحو ذلك من اموره ؟

قلت لأن الروایة الاولى یبطل هذا الاحتمال و هى قوله صلّى اللّه علیه و آله لهم قبل موته یغسلنى أهلى الادنى منهم فالادنى و اكفن فى ثیابى أو فى بیاض مصر أو فى حلة یمنیّة انتهى .

أقول كیف اجتری هذا الرجل ان یتفوه بذلك و كان له شیطان یعتریه

[ 123 ]

و الا فكیف نطق بأنّ علیّا علیه السّلام تركه صلّى اللّه علیه و آله ثلاثة أیّام لذلك الغرض الذی بمراحل عنه علیه السّلام و هو شارح أقواله و عارف بأحواله فى الجملة و لا یخالف أحد فى أنّه علیه السّلام أزهد الناس و أعلمهم و أفضلهم و أتقاهم و أنّه طلق الدنیا ثلاثا و لا یعدّ مكارم أعماله و محاسن أخلاقه و فضائل أوصافه و مناقب آدابه كلّت ألسن الفصحاء عن توصیف مقامه الشاهق ، و حارت أفهام العقلاء فیه و كیف لا و هو كتاب اللّه الناطق ، و بالجملة لما كانت سخافة قول الرّجل و خرافته أظهر من الشمس فى رائعة النهار فلا یهمنا اطالة الكلام فى الرّد و الانكار ، و نستجیر باللّه من الهواجس النّفسانیّة و الوساوس الشیطانیّة .

قال ابن قتیبة الدینوری و هو من أكابر علماء العامة المتعصب جدّا فى مذهبه كما هو الظاهر لأهل التتبع و التفحص فی حال الرجال فی كتابه الامامة و السیاسة المعروف بتاریخ الخلفاء « المتوفى سنة 276 » فی إبایة علیّ علیه السّلام بیعة أبی بكر :

ثمّ إن علیّا علیه السّلام اتى به إلى أبی بكر و هو یقول : أنا عبد اللّه و أخو رسوله فقیل له بایع أبا بكر فقال علیه السّلام : أنا أحق بهذا الأمر منكم لا ابایعكم و أنتم أولى بالبیعة لی ، أخذتم هذا الامر من الأنصار و احتججتم علیه بالقرابة من النّبی صلّى اللّه علیه و آله و تأخذونه منّا أهل البیت غصبا ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لما كان محمّد صلّى اللّه علیه و آله منكم فأعطوكم المقادة و سلموا إلیكم الإمارة و أنا أحتج علیكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار . نحن اولى اللّه برسول اللّه حیّا و میّتا فأنصفونا إن كنتم تؤمنون ، و إلاّ فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون « إلى أن قال : » فقال علیه السّلام : اللّه اللّه یا معشر المهاجرین لا تخرجوا سلطان محمّد فی العرب عن داره و قعر بیته إلى دوركم و قعور بیوتكم و لا تدفعوا أهله عن مقامه فی الناس و حقه ، فو اللّه یا معشر المهاجرین لنحن أحق النّاس به لأنا أهل البیت و نحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فینا القارى‏ء لكتاب اللّه الفقیه فى دین اللّه ، العالم

[ 124 ]

بسنن رسول اللّه ، المضطلع بأمر الرعیّة المدافع عنهم الامور السیئة ، القاسم بینهم بالسویّة ، و اللّه إنه لفینا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبیل اللّه فتزدادوا من الحق بعدا .

فقال بشیر بن سعد الأنصارى لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك یا علیّ قبل بیعتها لأبی بكر ، ما اختلف علیك اثنان .

قال : و خرج علیه السّلام یحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على دابة لیلا فی مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا یقولون : یا بنت رسول اللّه قد مضت بیعتنا لهذا الرجل و لو أنّ زوجك و ابن عمك سبق إلینا قبل أبی بكر ما عدلنا به فیقول علیّ علیه السّلام : أفكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی بیته لم أدفنه ، و أخرج أنازع الناس سلطانه ؟

فقالت فاطمة علیها السّلام : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ینبغى له و لقد صنعوا ماللّه حسیبهم و طالبهم .

و فی الدیوان المنسوب إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فی مرثیة سید المرسلین :

نفسى على زفراتها محبوسة
یا لیتها خرجت مع الزفرات

لا خیر بعدك فی الحیاة و انما
ابكى مخافة ان تطول حیاتی

و اسند إلى فاطمة علیها السّلام فی مرثیة أبیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله :

إذا اشتد شوقی زرت قبرك باكیا
انوح و اشكو لا اراك مجاوبى

فیا ساكن الصحراء علّمتنى البكا
و ذكرك انسانى جمیع المصائب

فان كنت عنى فى التراب مغیبا
فما كنت عن قلب الحزین بغائب .


و قالت علیها السلام فى رثاه صلّى اللّه علیه و آله و ندبته بقولها یوم موته و بعده بألفاظ منها :

یا أبتاه جنة الخلد مثواه ، یا أبتاه عند ذى العرش مأواه ، یا أبتاه كان جبریل یغشاه یا أبتاه لست بعد الیوم أراه .

فى الكافى للكلینى ( ره ) عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جاءهم جبرئیل علیه السّلام و النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله مسجّى و فى البیت علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السّلام فقال السّلام علیكم یا أهل بیت الرّحمة « كلّ نفس ذائقة الموت

[ 125 ]

و انما توفون اجوركم یوم القیمة فمن زحزح عن النار و ادخل الجنّة فقد فاز و ما الحیوة الدنیا إلا متاع الغرور » ان فى اللّه تعالى عزاء من كلّ مصیبة و خلفا من كل هالك و دركا مما فات فباللّه فثقوا و ایاه فارجوا فان المصاب من حرم الثّواب هذا آخر وطیى من الدنیا قالوا سمعنا الصوت و لم نر الشخص .

الترجمة

از كلام آن بزرگوار است ، در حالى كه مباشر غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و تكفین و تدفین او بود فرموده است :

پدر و مادرم فداى تو باد هر آینه بموت تو نبوّت و خبر دادن بحقائق و وحى آسمانى قطع شد كه بموت دیگر پیغمبران قطع نشده بود « زیرا آنحضرت خاتم انبیاء است و تا قیام قیامت شریعت او منسوخ نمیشود و دیگر بر كسى كتاب آسمانى وحى نمیشود » ، مصیبت تو مصیبت مخصوص و ممتازى است كه دیگر مصیبتها را تسلّى دهنده است و عام است كه همه آدمیان را فرا گرفت و هیچكس از آن فارغ نیست ، و اگر امر بشكیبائى و نهى از بیتابى نمیفرمودى هر آینه آب چشم را « كه از درزهاى كاسه سر فرود میآید و از مجراى عین خارج میشود » در مصیبت تو تمام میكردیم ، و هر اینه درد و غم پیوسته همدم بود « و در بر طرف شدن مماطله و امروز و فردا میكرد » و اندوه و الم هم قسم و ملازم بود ، و این درد پیوسته و اندوه همیشه براى تو اندكست « یا آن گونه گریستن و همدم اندوه و ماتم بودن براى تو اندكست » و براى بیش از این سزاوار و درخورى .

و لكن مرگ تو چیزیست كه ردّ آن مقدور كسى نیست و دفع آن در استطاعت احدى نه ، « و یا اینكه : آن مقدار كه گریستیم و با غم و اندوه همدم بودیم دفع آن میسور نبود ، به بیانى كه در شرح گفته‏ایم » .

[ 126 ]

و من كلامه علیه السّلام اقتص فیه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبى صلّى اللّه علیه و آله ثم لحاقه به

فجعلت أتبع مأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فأطأ ذكره حتّى انتهیت إلى العرج « فی كلام طویل » .

« قال الرضى ( ره ) » : قوله علیه السّلام : فأطا ذكره من الكلام الذی رمى به إلى غایتى الایجاز و الفصاحة ، و أراد أننى كنت اعطى خبره صلّى اللّه علیه و آله من بدء خروجى إلى أن انتهیت إلى هذا الموضع فكنى عن ذلك بهذه الكنایة العجیبة .

اللغة

( جعلت ) أى اخذت و شرعت ( مأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) أى الصوب الّذی سلكه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی هجرته من مكّة إلى المدینة .

( اطأ ) من وطئت الشى‏ء برجلى وطا ، سقطت الواو فیه و فى اخواته ، قال الجوهری فى الصحاح سقطت الواو من یطأ كما سقطت مع یسع لتعدّیهما لأن فعل یفعل مما اعتل فاؤه لا یكون إلاّ لازما فلمّا جاءه من بین أخواتهما متعدیین خولف بهما نظائرهما .

و فى بعض النسخ « قاطّا » مكان « فاطا » و كانه تصحیف لأن القطّ كما قال الخلیل : فصل الشى‏ء عرضا ، یقال قططت الشى‏ء اقطه إذا قطعته عرضا و منه قط القلم ، كما قیل فى علیّ علیه السّلام كان یقطّ الهام قطّ الاقلام ، لكنه لا یناسب المقام و ان تكلف و تعسف بعض فى تفسیره .

( العرج ) بفتح أوله و سكون ثانیه و هو كما قال الجوهری فی الصحاح و غیره

[ 127 ]

منزل بطریق مكّة و إلیه ینسب العرجىّ الشاعر و هو عبد اللّه بن عمر بن عثمان ابن عفّان و هو أحد الأمكنة التى وقع فى طریقه صلّى اللّه علیه و آله فى هجرته و هو قریب من المدینة كما یأتى ذكر طریقه صلّى اللّه علیه و آله فى هجرته و لذا قال علیه السّلام : حتّى انتهیت إلى العرج و فى النسخ المطبوعة من النهج اعرب العرج بفتح الراء و الصواب سكونها كما ذكرنا ، قال زراح بن ربیعة فى قصیدة له 1

و جاوزن بالركن من ورقان
و جاوزن بالعرج حیا حلولا

الاعراب

الظاهر أن كلمة حتّى متعلقة بكلّ واحد من اتبع و أطأ و لا تختصّ بالأخیر .

المعنى

یقتص و یروى فى هذا الفصل حاله فى خروجه من مكة إلى المدینة بعد هجرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كان قد تخلف عنه صلّى اللّه علیه و آله بمكّة لقضاء دینه و ردّ ودائعه و ما أمره به ثمّ لحق به فى قباء راجلا و قد تورمت قدماه و قد نزل على كلثوم بن هدم حیث نزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علیه ثمّ جاء معه صلّى اللّه علیه و آله المدینة و نزلوا على أبى أیّوب الأنصاری كما یأتى شرحه .

( فجعلت اتبع مأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) یعنى به خرجت من مكّة زادها اللّه شرفا مهاجرا إلى المدینة فأخذت أتبع الطریقة و الجهة التى سلكها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و یأتى فى طریقه أنّه صلّى اللّه علیه و آله أتى العرج و قال علىّ علیه السّلام : حتّى انتهیت إلى العرج فسلك تلك الجهة و خرج على ذلك الطریق و ایتسى به فی ذلك أیضا .

( فاطأ ذكره ) اغنانا بشرحه كلام الرضى ( ره ) فی بیانه و لا حاجة إلى التطویل .

( حتّى انتهیت إلى العرج ) أى اننی كنت اعطى خبره من بدء خروجی من

-----------
( 1 ) السیرة النبویة لابن هشام ج 1 ص 127 طبع مصر 1375 ه .

[ 128 ]

مكّة ثمّ اطا الطریق على النحو الذى اخبرت فی سیره و جهته یعنی انی لازمت ذلك الطریق الّذی سلكه صلّى اللّه علیه و آله على حذوه غیر مفارق ایاه حتّى انتهیت على ذلك المسیر إلى العرج و الظاهر انه علیه السّلام لما وصل إلیه اطمأن قلبه على أنه ورد المدینة سالما لأن ذلك المكان كان قریبا منها و لذا قال حتى انتهیت إلى العرج .

الكلام فى هجرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الى المدینة و ما جرى فى ذلك على الایجاز

« بدء اسلام الانصار »

فی السیرة الهشامیّة و فی تاریخ الطبری : لما أراد اللّه عزّ و جلّ اظهار دینه و إعزاز نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و انجاز موعده له خرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی الموسم الّذی لقیه فیه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان یصنع فی كل موسم فبینما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد اللّه بهم خیرا .

لما لقیهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لهم : من انتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال :

أمن موالى یهود ؟ قالوا : نعم ، قال : أفلا تجلسون اكلّمكم ؟ قالوا : بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى اللّه عزّ و جلّ و عرض علیهم الاسلام و تلا علیهم القرآن .

و كان مما صنع اللّه بهم فی الاسلام أن یهود كانوا معهم فی بلادهم و كانوا أهل كتاب و علم و كانوا هم أهل الشرك و أصحاب أوثان و كانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بینهم شی‏ء قالوا لهم إن نبینا مبعوث الآن قد أظلّ زمانه تتّبعه فنقتلكم معه قتل عاد و إرم .

فلما كلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله اولئك النفر و دعاهم إلى اللّه قال بعضهم لبعض یا قوم تعلموا و اللّه انه للنبی الذی توعدكم به یهود فلا تسبقنّكم إلیه فأجابوه فیما دعاهم إلیه بأن صدقوه و قبلوا منه ما عرض علیهم من الاسلام و قالوا إنا قد تركنا قومنا و لا قوم بینهم من العداوة و الشر ما بینهم فعسى أن یجمعهم اللّه بك فسنقدم علیهم فندعوهم إلى أمرك و تعرض علیهم الّذی اجبناك إلیه من هذا الدین فان یجمعهم اللّه علیه فلا

[ 129 ]

رجل أعزّ منك .

ثمّ انصرفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله راجعین إلى بلادهم و قد آمنوا و صدّقوا و هم ستة نفر من الخزرج .

فلما قدموا المدینة إلى قومهم ذكروا لهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و دعوهم إلى الاسلام حتّى فشا فیهم فلم یبق دار من دور الأنصار الا و فیها ذكر من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

« أمر العقبة الاولى »

حتّى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنى عشر رجلا فلقوه بالعقبة و هی العقبة الاولى فبایعوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على بیعة النساء 1 و ذلك قبل أن تفترض علیهم الحرب .

قال عبادة بن الصامت : بایعنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لیلة العقبة الاولى على أن لا نشرك باللّه شیئا و لا نسرق و لا نزنی و لا نقتل أولادنا و لا نأتی ببهتان نفتریه من بین أیدینا و أرجلنا و لا نعصیه فی معروف ، فان وفیتم فلكم الجنّة ، و إن غشیتم من ذلك شیئا فاخذتم بحدّه فی الدّنیا فهو كفارة له ، و إن سترتم علیه یوم القیامة فأمركم إلى اللّه عزّ و جلّ إن شاء عذّب و إن شاء غفر .

فلمّا انصرف عنه القوم بعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله معهم مصعب بن عمیر بن هاشم ابن عبد مناف و أمره أن یقرأهم القرآن و یعلمهم الاسلام و یفقههم فی الدّین فكان یسمّى المقرى بالمدینة مصعب .

-----------
( 1 ) و المراد من العبارة أنهم بایعوا رسول اللّه ( ص ) على الشروط التى ذكرت فى بیعة النساء فى الممتحنة : « یا أیها النبى اذا جاءك المؤمنات یبایعنك على أن لا یشركن باللَّه شیئا و لا یسرقن و لا یزنین و لا یقتلن أولادهن و لا یأتین ببهتان یفترینه بین أیدیهن و أرجلهن و لا یعصینك فى معروف فبایعهن و استغفر لهن ان اللَّه غفور رحیم » .

و كان بیعة النساء یوم فتح مكة لما فرغ النبى ( ص ) من بیعة الرجال و هو على الصفا جاءته النساء یبایعنه فنزلت هذه الایة فشرط اللّه تعالى فى مبایعتهن أن یأخذ علیهن هذه الشروط .

[ 130 ]

« أمر العقبة الثانیة »

ثمّ إن مصعب بن عمیر رجع إلى مكّة و خرج من خرج من الأنصار من المسلمین إلى الموسم مع حجّاج قومهم من أهل الشرك حتّى قدموا مكّة فواعدوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله العقبة من أوسط أیّام التشریق حین أراد اللَّه بهم ما أراد من كرامته و النصر لنبیه صلّى اللّه علیه و آله و إعزاز الاسلام و أهله و إذلال الشرك و أهله .

و اجتمع فی الشعب عند العقبة ثلاثة و سبعون رجلا فی اللّیلة الّتی كانوا و اعدوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیها فبعد ما توثق العبّاس بن عبد المطلب و هو یومئذ على دین قومه للنّبی صلّى اللّه علیه و آله تكلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فتلا القرآن و دعا إلى اللّه و رغّب فی الاسلام ثمّ قال : ابایعكم على أن تمنعونی مما تمنعون منه نساءكم و أبناءكم ،

فأخذ البراء بن معرور بیده ثمّ قال : نعم و الّذی بعثك بالحق نبیا لنمنعنّك ممّا نمنع منه ازرنا فبایعنا یا رسول اللّه فنحن و اللّه أبناء الحروب و أهل الحلقة و رثناها كابرا عن كابر .

فاعترض القول و البراء یكلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، أبو الهیثم بن التّیهان فقال :

یا رسول اللّه إن بیننا و بین الرّجال حبالا و انّا قاطعوها یعنى الیهود فهل عسیت ان نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك و تدعنا ؟ فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثم قال : بل الدم الدم و الهدم الهدم أنا منكم و أنتم منى احارب من حاربتم و اسالم من سالمتم .

فبایعهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی العقبة الأخیرة على حرب الأحمر و الأسود أخذ لنفسه و اشترط على القوم لربّه و جعل لهم على الوفاء بذلك الجنّة .

« بیان » قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : بعثت إلى الأسود و الأحمر و هی من الألفاظ التی جائت عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من باب الكنایات یرید بعثت إلى العرب و العجم فكنى عن العرب بالسود و عن العجم بالحمر ، و العرب تسمى العجمى أحمر لأن الشقرة تغلب علیه و قال جریر حیث یذكر العجم :

یسموننا الأعراب و العرب اسمنا
و أسماهم فینا رقاب المزاود

[ 131 ]

إنّما یسمونهم رقاب المزاود لأنها حمرة .

نزول الامر لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى القتال

و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قبل بیعة العقبة لم یؤذن له فی الحرب و لم تحلل له الدماء إنما یؤمر بالدعاء إلى اللّه و الصبر على الأذى و الصفح عن الجاهل و كانت قریش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرین حتّى فتنوهم عن دینهم و نفوهم من بلادهم فهم بین مفتون فی دینه و من بین معذب فی أیدیهم و بین هارب فی البلاد فرارا منهم ، منهم من بأرض الحبشة ، و منهم من بالمدینة و فی كلّ وجه .

فلما عتت قریش على اللّه عزّ و جلّ و ردّوا علیه ما أرادهم به من الكرامة و كذبوا نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و عذّبوا و نفوا من عبده و وحّده و صدّق نبیّه و اعتصم بدینه أذن اللّه عزّ و جلّ لرسوله صلّى اللّه علیه و آله فی القتال و الانتصار ممّن ظلمهم و بغى علیهم فكانت أول آیة انزلت فی اذنه له فی الحرب و احلاله له الدماء و القتال لمن بغى علیهم قول اللّه تعالى : « اذن للَّذین یقاتلون إلى قوله تعالى : و للَّه عاقبة الامور ( الحج آیة 42 و 43 ) .

فلمّا أذن اللّه تعالى له صلّى اللّه علیه و آله فی الحرب و بایعه هذا الحىّ من الأنصار على الاسلام و النّصرة له و لمن اتبعه و آوى إلیهم من المسلمین أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أصحابه من المهاجرین من قومه و من معه بمكة من المسلمین بالخروج إلى المدینة و الهجرة إلیها و اللحوق من الأنصار ، و قال : إنّ اللّه عزّ و جلّ قد جعل لكم إخوانا و دارا تأمنون بها فخرجوا ارسالا و أقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمكة ینتظر أن یأذن له ربّه فی الخروج من مكّة و الهجرة إلى المدینة .

و لم یتخلّف معه بمكّة أحد من المهاجرین إلاّ من حبس أو فتن إلاّ أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و أبو بكر بن أبی قحافة و كان أبو بكر كثیرا ما یستأذن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی الهجرة فیقول له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لا تعجل لعل اللّه یجعل لك صاحبا فیطمع أبو بكر ان یكونه .

[ 132 ]

و لما رأت قریش أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد صارت له شیعة و أصحاب من غیرهم بغیر بلدهم و رأوا خروج أصحابه من المهاجرین إلیهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا و أصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و عرفوا أنهم قد أجمع لحربهم فاجتمعوا له فی دار الندوة و هی دار قصى بن كلاب التی كانت قریش لا تقضى أمرا إلاّ فیها یتشاورون فیها ما یصنعون فی أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین خافوه .

و عن عبد اللّه بن عبّاس لما أجمعوا لذلك و اتعدوا أن یدخلوا فی دار الندوة لیتشاوروا فیها فی أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله غدوا فی الیوم الذی اتّعدوا له ، و كان ذلك الیوم یسمى یوم الزّحمة فاعترضهم إبلیس فی هیئة شیخ جلیل علیه بتلة فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا : من الشیخ ؟ قال : شیخ من أهل نجد سمع بالّذی اتّعدتم له فحضر معكم لیسمع ما تقولون و عسى أن لا یعدمكم منه رأیا و نصحا ، قالوا : أجل فادخل فدخل معهم و قد اجتمع فیها أشراف قریش و غیرهم ممّن لا یعدّ من قریش .

فقال بعضهم لبعض إن هذا الرّجل قد كان من أمره ما قد رأیتم فانّا و اللّه ما نأمنه على الوثوب علینا فیمن قد اتبعه من غیرنا فاجمعوا فیه رأیا قال :

فتشاوروا .

ثمّ قال قائل منه : احبسوه فی الحدید و اغلقوا علیه بابا ثمّ تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذین كانوا قبله زهیرا و النابغة و من مضى منهم من هذا الموت حتّى یصیبه ما أصابهم ، فقال الشّیخ النجدی : لا و اللّه ما هذا لكم برأى و اللّه لئن حبستموه كما تقولون لخیرجنّ أمره من وراء الباب الّذی أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن یثبوا علیكم فینزعوه من أیدیكم ثمّ یكاثروكم به حتى یغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأى فانظروا فی غیره فتشاوروا .

ثمّ قال قائل منهم و هو أبو الاسود ربیعة بن عامر نخرجه من بین أظهرنا فننفیه من بلادنا فاذا اخرج عنّا فو اللّه ما نبالی أین ذهب و لا حیث وقع إذا غاب عنّا و فرغنا منه فاصلحنا أمرنا و الفتنا كما كانت ، فقال الشّیخ النجدی : لا و اللّه ما

[ 133 ]

هذا لكم برأى ألم تروا حسن حدیثه و حلاوة منطقه و غلبته على قلوب الرجال بما یأتى به و اللّه لو فعلتم ذلك ما امنتم أن یحلّ على حىّ من العرب فیغلب علیهم بذلك من قوله و حدیثه حتّى یتابعوه علیه ثم یسیر بهم إلیكم حتّى یطأكم بهم فی بلادكم فیأخذكم أمركم من أیدیكم ثمّ یفعل بكم ما أراد ، دبّروا فیه رأیا غیر هذا .

قال : فقال أبو جهل بن هشام : و اللّه إن لى فیه لرأیا ما أراكم وقعتم علیه بعد ، قالوا : و ما هو یا أبا الحكم ؟ قال : أرى ان نأخذ من كلّ قبیلة فتى شابا جلیدا نسیبا وسیطا فینا ، ثمّ نعطى كلّ فتى منهم سیفا صارما ثمّ یعمدوا إلیه فیضربوه بها ضربة رجل واحد فیقتلوه فنستریح منه فانهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه فی القبائل جمیعا فلم یقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جمیعا فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم ، قال : فقال الشیخ النجدی : القول ما قال الرجل هذا الرأى الّذی لا رأى غیره فتفرّق القوم على ذلك و هم مجمعون له .

« خروج النبى صلّى اللّه علیه و آله و استخلافه علیا علیه السّلام على فراشه »

فأتى جبرئیل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال : لا تبت هذه اللیلة على فراشك الذی كنت تبیت علیه قال : فلمّا كانت عتمة من اللیل اجتمعوا على بابه یرصدونه متى ینام فیثبون علیه ، فلما رأى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مكانهم قال لعلیّ بن أبیطالب : نم على فراشى و تسجّ ببردى هذا الحضرمیّ الأخضر فنم فیه فانّه لن یخلص إلیك شی‏ء تكرهه منهم ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ینام فی برده ذلك إذا نام .

و لما اجتمعوا له و فیهم أبو جهل بن هشام فقال و هم على بابه : إن محمّدا یزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب و العجم ثمّ بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الاردنّ ، و إن لم تفعلوا كان له فیكم ذبح ثمّ بعثتم من بعد موتكم ثمّ جعلت لكم نار تحرقون فیها .

و خرج علیهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فأخذ حفنة من تراب فى یده ثمّ قال أنا أقول

[ 134 ]

ذلك أنت أحدهم و أخذ اللّه تعالى على أبصارهم عنه فلا یرونه فجعل ینثر ذلك التراب على رؤوسهم و هو یتلو هؤلاء الآیات من یس : یس و القرآن الحكیم إلى قوله :

« فأغشیناهم فهم لا یُبصرون » حتّى فرغ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من هؤلاء الایات و لم یبق منهم رجل إلاّ و قد وضع على رأسه ترابا ثمّ انصرف إلى حیث أراد أن یذهب ،

فأتاهم آت ممن لم یكن معهم فقال . ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا : محمّدا قال :

خیّبكم اللّه قد و اللّه خرج علیكم محمّد ثمّ ما ترك منكم رجلا إلاّ و قد وضع على رأسه ترابا و انطلق لحاجته أفما ترون ما بكم ؟ فوضع كلّ رجل منهم یده على رأسه فاذا علیه تراب ثمّ جعلوا یتطلعون فیرون علیّا على الفراش مستحبّا ببرد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیقولون : و اللّه إن هذا لمحمّد نائما علیه برده فلم یبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علیّ علیه السّلام عن الفراش فقالوا : و اللّه لقد كان صدقنا الّذی حدّثنا .

أقول : فان قلت : إذا علم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علیّا علیه السّلام لن یصیبه المكروه فی منامه على الفراش حیث قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله له علیه السّلام : فنم فیه فانه لن یخلص إلیك شی‏ء تكرهه و كان علیّا علیه السّلام على یقین من صدق قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فهل لعلیّ فی ذلك فضیلة و منقبة و كیف یكون كذلك مع انهما كانا عالمین بعدم اصابة مكروه لهما و كیف یصح ان یقال انّ علیّا بذل نفسه دون النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و وقاه بنفسه ؟

على أنّه ورد فی أخبار الامامیّة ان الأئمّة الاثنى عشر یعلمون علم ما كان و ما یكون و لا یخفى علیهم شی‏ء كما جاء فی ذلك باب فی الكافی لثقة الاسلام الكلینی و باب آخر إن اللّه تعالى لم یعلم نبیّه صلّى اللّه علیه و آله علما الا أمره أن یعلّمه أمیر المؤمنین علیه السّلام و أنه كان شریكه فی العلم ثمّ انتهى إلیهم صلوات اللّه علیهم .

و فی هذا الباب عن الصّادق علیه السّلام ان جبرئیل أتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله برمانتین فأكل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إحداهما و كسر الاخرى بنصفین فأكل نصفا و أطعم علیّا نصفا ثمّ قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : یا أخى هل تدرى ما هاتان الرمّانتان ؟ قال :

لا ، قال : أمّا الاولى فالنبوّة لیس لك فیها نصیب و أما الاخرى فالعلم أنت شریكى

[ 135 ]

فیه فقلت أصلحك اللّه كیف كان یكون شریكه فیه قال : لم یعلم اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله علما الا و أمره أن یعلمه علیا و غیر ذلك من الأبواب المشتملة على الأخبار الّتی جیئت فی علمهم بما كان و ما یكون .

قلت : إنّ الأخبار الواردة فی تلك الأبواب لا یدلّ على أن الأئمة الاثنى عشر كانوا عالمین بجمیع ما یعلمه الامام الحىّ الّذی كان قبله ما دام ذلك الامام حیّا فلا یستفاد منها أن علیّا علیه السّلام كان عالما بجمیع ما علمه الرسول صلّى اللّه علیه و آله مادام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حیّا كما ورد فی ذلك بابان آخران فی الكافی أولهما باب وقت ما یعلم الامام جمیع علم الامام الّذی قبله و ثانیهما باب أن الامام متى یعلم أن الامر قد صار إلیه ، و الأخبار فی هذین البابین مبیّنة و مخصّصة لتلك الأخبار فی البابین الأولین ، كما روى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام متى یعرف الأخیر ما عند الأوّل قال فی آخر دقیقة تبقى من روحه .

عن صفوان قال : قلت للرضا علیه السّلام أخبرنى عن الامام متى یعلم أنه إمام حین یبلغه أن صاحبه قد مضى أو حین یمضى مثل أبی الحسن قبض ببغداد و أنت ههنا قال : یعلم ذلك حین یمضى صاحبه قلت : بأىّ شی‏ء ؟ قال : یلهمه اللّه .

و من الأخبار الدالّة على ذلك روایة اخرى فی الكافی فی باب الاشارة و النص على علیّ أمیر المؤمنین علیه السّلام : یحیى الحلبیّ عن بشیر الكناسی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی مرضه الّذی توفى فیه : ادعوا لى خلیلی ، فأرسلنا إلى أبویهما « یعنى أبوى عائشة و حفصة أبا بكر و عمر » فلما نظر إلیهما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أعرض عنهما ثمّ قال : ادعوا لى خلیلی فارسل إلى علیّ علیه السّلام فلما نظر إلیه أكبّ علیه یحدّثه فلمّا خرج لقیاه فقالا له ما حدّثك خلیلك ؟ فقال :

حدّثنی ألف باب یفتح كلّ باب ألف باب .

فبما ذكرنا دریت أن لیس بمعلوم قطعا أن علیا علیه السّلام كان فی لیلة المبیت عالما بتّا على أن المشركین لا یقتلونه حیث نام على فراشه صلّى اللّه علیه و آله .

على أن أنبیاء اللّه و أولیاءه لا یعلمون من عندهم شیئا و لا یقدرون بذاتهم على

[ 136 ]

شی‏ء و لا یطلعون على الغیب بل اللّه تعالى یظهرهم على غیبه عند المصلحة كظهور المعجزات فی أیدیهم كما نرى فی كثیر من الأخبار أن اناسا لمّا اتوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سألوه عن أشیاء و امور استمهلهم و انتظر الوحى فی ذلك و لا ینطق عن الهوى إن هو إلا وحى یوحى .

و فی المجمع للطبرسی : قیل إنّ أهل مكّة قالوا یا محمّد ألا یخبرك ربّك بالسعر الرخیص قبل أن یغلو فنشتریه فنربح فیه و الأرض التى ترید أن تجدب فنرتحل منها إلى أرض قد اخصبت فأنزل اللّه هذه الآیة :

« قل لا املك لنفسی نفعاً و لا ضرّاً إلا ما شاء اللَّه و لو كنت أعلم الغیب لاستكثرت من الخیر و ما مسّنى السوء إن أنا إلا نذیر و بشیر لقوم یؤمنون » و فی سورة الجن : « قل إن أدرى أقریب ما توعدون أم یجعل له ربی أمداً .

عالم الغیب فلا یظهر على غیبه أحداً إلا من ارتضى من رسول » الآیة .

و قال اللّه تعالى : « ذلك من أنباء الغیب نوحیها إلیك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك » الآیة .

و فی الكافی فی باب أنّهم لا یعلمون الغیب إلاّ أنهم متى شاؤا أن یعلموا اعلموا ، و فی الوافی ص 137 م 2 ، عن أبی عبیدة المدائنى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

إذا أراد الامام أن یعلم شیئا أعلمه اللّه عزّ و جلّ ذلك .

و عن معمّر بن خلاد قال سأل أبا الحسن علیه السّلام رجل من أهل فارس فقال له أتعلمون الغیب ؟ فقال أبو جعفر علیه السّلام : یبسط لنا العلم فنعلم و یقبض عنّا فلا نعلم و قال : سرّ اللّه أسرّه إلى جبرئیل علیه السّلام و أسرّه جبرئیل إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله و أسرّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله إلى ما شاء اللّه .

و نعم ما نظمه العارف السعدی فی هذا المعنى :

یكى پرسید از آن گم گشته فرزند
كه اى روشن روان پیر خردمند

ز مصرش بوى پیراهن شنیدى
چرا در چاه كنعانش ندیدى

بگفت أحوال ما برق جهان است
دمى پیدا و دیگر دم نهان است

[ 137 ]

گهى بر طارم أعلى نشینیم
گهى تا پشت پاى خود نبینیم

و أمّا ما نقلناه عن السیرة الهشامیة من أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لعلیّ علیه السّلام « نعم فیه فانه لن یخلص إلیك شی‏ء تكرهه » فنقول فیه أوّلا انه ذكر ابن أبی الحدید المعتزلى فی ضمن بعض الخطب الماضیة عن شیخه أبی جعفر النقیب : هذا هو الكذب الصراح و التحریف و الادخال فی الروایة ما لیس منها و المعروف المنقول أنه صلّى اللّه علیه و آله قال له اذهب فاضطجع و تغش ببردی الحضرمی فان القوم سیفقدوننی و لا یشهدون مضجعی فلعلّهم إذا رأواك یسكنّهم ذلك حتّى یصبحوا فاذا أصبحت فاغد فی أداء أمانتی و ما قیل إنه صلّى اللّه علیه و آله قال له نم فیه فانه لن یخلص إلیك شی‏ء تكرهه كلام مولد لا أصل له .

و لو كان هذا صحیحا لم یصل إلیه منهم مكروه و قد وقع الاتفاق على أنّه ضرب و رمى بالحجارة قبل أن یعلموا من هو حتّى تضور و أنهم قالوا له رأینا تضورك فانا كنا نرمى محمّدا و لا یتضور .

و لأن لفظة المكروه إن كان قالها إنما یراد بها القتل فهب أنه أمن القتل كیف یأمن من الضرب و الهوان و من أن ینقطع بعض أعضائه و بان سلمت نفسه أ لیس اللّه تعالى قال لنبیّه « بلّغ ما انزل إلیك من ربك و ان لم تفعل فما بلّغت رسالته و اللّه یعصمك من النّاس » و مع ذلك فقد كسرت رباعیّته و شج وجهه و ادمیت ساقه و ذلك لأنها عصمة من القتل خاصّة و كذلك المكروه الّذی او من علیّ علیه السّلام منه إن كان صحّ ذلك فی الحدیث .

و قال ابن ابی الحدید : سألت النقیب أبا جعفر یحیى بن أبی زید الحسنی فقلت إذا كانت قریش قد محضت رأیها و القى إلیها إبلیس كما روى ذلك الرأى و هو أن یضربوه بأسیاف من أیدی جماعة من بطون مختلفة لیضیع دمه فی بطون قریش فلا تطلبه بنو عبد مناف فلما ذا انتظروا به تلك اللّیلة الصبح فانّ الروایة جاءت بأنهم كانوا تسوروا الدار فعاینوا فیها شخصا مسجّى بالبرد الحضرمی الأخضر فلم یشكوا أنه هو فرصدوه إلى أن أصبحوا فوجدوه علیا و هذا طریق لأنهم كانوا قد اجمعوا على قتله تلك اللیلة فما بالهم لم یقتلوا ذلك الشخص المسجّى و انتظارهم

[ 138 ]

به النهار دلیل على أنهم لم یكونوا أرادوا قتله تلك اللیلة .

فقال فی الجواب لقد كانوا هموا من النهار بقتله تلك اللیلة و كان إجماعهم على ذلك و عزمهم فی حقنه من بنی عبد مناف لأن الّذین محضوا هذا الرأى و اتفقوا علیه النضر بن الحارث من بنی عبد الدار و أبو البختری بن هشام و حكیم بن حزام و زمعة بن الأسود بن المطلب هؤلاء الثلاثة من بنى سهم ، و امیة بن خلف و أخوه ابىّ بن خلف هذان من بنی جمح فنما هذا الخبر من اللیل إلى عتبة بن ربیعة بن عبد شمس فلقى منهم قوما فنهاهم عنه و قال إن بنى عبد مناف لا تمسك عن دمه و لكن صفدوه فی الحدید و احبسوه فی دار من دوركم و تربّصوا به أن یصیبه من الموت ما أصاب أمثاله من الشعراء و كان عتبة بن ربیعة سید بنى عبد شمس و رئیسهم و هم من بنی عبد مناف و بنوعم الرجل و رهطه ، فاحجم أبو جهل و أصحابه تلك اللیلة عن قتله احجاما ثم تسوروا علیه و هم یظنونه فی الدار فلما رأوا انسانا مسجّى بالبرد الحضرمی الأخضر لم یشكّوا أنّه هو و ائتمروا فی قتله فكان أبو جهل یذمرهم علیه فیهمون ثمّ یحجمون ثمّ قال بعضهم لبعض : ارموه بالحجارة فرموه فجعل على یتضوّر منها و یتقلّب و یتأوّه تأوّها خفیفا فلم یزالوا كذلك فی إقدام علیه و إحجام عنه لما یریده اللّه تعالى من سلامته و نجاته حتّى أصبح و هو وقیذ من رمى الحجارة و لو لم یخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة و أقام بینهم بمكة و لم یقتلوه تلك اللیلة لقتلوه فی اللیلة التی تلیها و إن شبّت الحرب بینهم و بین عبد مناف فان أبا جهل لم یكن بالّذی لیمسك عن قتله و كان فاقد البصیرة شدید العزم على الولوع فی دمه ثمّ قال : قلت للنقیب : أفعلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و علیّ علیه السّلام بما كان من نهى عتبة لهم ؟ .

قال : لا إنّهما لم یعلما ذلك تلك اللیلة و إنما عرفاه من بعد و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یوم بدر لما رأى عتبة و دعا له ما كان منه ان یكن فی القوم خیر ففی صاحب الجمل الأحمر و لو قدّرنا أن علیّا علم ما قال لهم عتبة لم یسقط ذلك فضیلة فی المبیت لأنّه لم یكن على ثقة من أنّهم یقبلون قول عتبة بل كان ظن الهلاك

[ 139 ]

و القتل أغلب .

و كان ممّا أنزل اللّه عزّ و جلّ من القرآن فی ذلك الیوم و ما كانوا أجمعوا له : و اذ یمكر بك الّذین كفروا لیثبتوك أو یقتلوك الایة ( یه 30 الانفال ) و قول اللّه عزّ و جلّ : أم یقولون شاعر نتربص به ریب المنون . قل تربصوا فانى معكم من المتربّصین ( یه 30 الطور ) .

و أذن اللّه تعالى لنبیّ صلّى اللّه علیه و آله عند ذلك فی الهجرة و كان أبو بكر رجلا ذا مال و لما قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد اذن لى فى الخروج و الهجرة و صحبته ایاه اعدّ راحلتین كان احتبسهما فى داره ثمّ استاجرا عبد اللّه بن أرقط یدلهما على الطریق فدفعا إلیه راحلتیهما فكانتا عنده یرعاهما لمیعادهما .

فلما أجمع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الخروج أتى أبا بكر بن أبى قحافة فخرجا من خوخة لأبی بكر فى ظهر بیته ثمّ عمد إلى غار بثور جبل باسفل مكه و الغار هو الذی سماه اللّه فى القرآن فدخلاه و أمر أبو بكر ابنه عبد اللّه بن أبی بكر أن یتسمع لها ما یقول النّاس فیهما نهاره ثمّ یأتیهما إذا أمسى بما یكون فى ذلك الیوم من الخبر ، و أمر عامر بن فهیرة مولاه أن یرعى غنمه نهاره ثمّ یریحها علیهما یأتیهما إذا أمسى فى الغار ، و كانت أسماء بنت أبى بكر تأتیهما من الطعام إذا أمست بما یصلحهما .

فأقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى الغار ثلاثا و معه أبو بكر و جعلت قریش فیه حین فقدوه مأة ناقة لمن یردّه علیهم و كان عبد اللّه بن أبى بكر یكون فى قریش نهاره معهم یسمع ما یأتمرون به و ما یقولون فى شأن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أبى بكر ثمّ یأتیهما إذا أمسى فیخبرهما الخبر و كان عامر بن فهیرة مولى أبى بكر یرعى فى رعیان أهل مكة فاذا أمسى أراح علیهما غنم أبى بكر فاحتلبا و ذبحا فاذا عبد اللّه بن أبى بكر غدا من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهیرة أثره بالغنم حتّى یعفّى علیه حتّى إذا مضت الثلاث و سكن عنهما النّاس و هدأت عنهما الأصوات أتاهما صاحبهما الذی استأجراه ببعیریهما و بعیر له

[ 140 ]

فلما قرّب أبو بكر الراحلتین إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله‏صلى اللّه علیه و آله قدّم له أفضلهما ثمّ قال :

اركب فداك أبى و امى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنى لا أركب بعیرا لیس لى قال :

فهى لك یا رسول اللّه ، قال : لا و لكن ما الثمن الّذی ابتعتها به قال : كذا و كذا قال : قد أخذتها به ، قال : هى لك یا رسول اللّه فركبا و انطلقا و اردف أبو بكر عامر ابن فهیرة مولاه خلفه لیخدمهما فى الطریق ، فكانوا أربعة : رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أبو بكر و عامر بن فهیرة مولا أبی بكر و عبد اللّه بن أرقط دلیلهما ، و احتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف . كل ذلك نقلناه عن السیرة لابن هشام و تاریخ الطبری .

و فى المجمع فى قوله تعالى و إذ یمكر بك الذین كفورا لیثبتوك ( الانفال آیة 30 ) : قال المفسرون إنها نزلت فى قصة دار الندوة « إلى أن قال : » و جاء جبرئیل فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فخرج إلى الغار و أمر علیّا علیه السّلام فبات على فراشه فلمّا أصبحوا و فتشوا عن الفراش و جدوا علیّا علیه السّلام و قدرد اللّه مكرهم فقالوا أین محمّد ؟ فقال : لا أدرى فاقتصوا أثره و ارسلوا فى طلبه فلما بلغوا الجبل و مروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا : لو كان هاهنا لم یكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فیه ثلاثا ثمّ قدم المدینة .

و قال فى قوله تعالى الاّ تنصروه فقد نصره اللَّه إذ أخرجه الذین كفروا ثانى اثنین إذ هما فى الغار إذ یقول لصاحبه لا تحزن ان اللَّه معنا فأنزل اللَّه سكینته علیه و أیّده بجنود لم تروها و جعل كلمة الّذین كفروا السفلى و كلمة اللَّه هى العلیا و اللَّه عزیز حكیم » التوبة 40 : قال الزهری لما دخل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أبو بكر الغار ارسل اللَّه زوجا من حمام حتّى باضافى اسفل الثقب و العنكبوت حتّى تنسج بیتا فلما جاء سراقة بن مالك فى طلبهما فرآى بیض الحمام و بیت العنكبوت قال لو دخله أحد لانكسر البیض و تفسخ بیت العنكبوت فانصرف ، و قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله اللّهم أعم أبصارهم ، فعمیت أبصارهم عن دخوله و جعلوا یضربون یمینا و شمالا حول الغار ،

و قال أبو بكر : لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا .

و روى علىّ بن إبراهیم بن هاشم قال : كان رجل من خزاعة فیهم یقال له

[ 141 ]