أبو كرز فما زال یقفو أثر رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حتى وقف بهم على باب الغار فقال لهم :

هذا قدم محمّد هى و اللَّه اخت القدم التى فى المقام ، و قال هذه قدم أبى قحافة أو ابنه و قال : ما جازوا هذا المكان اما أن یكونوا قد صعدوا فى السماء أو دخلوا فى الأرض و جاء فارس من الملائكة فى صورة الانس فوقف على باب الغار و هو یقول لهم :

اطلبوه فى هذه الشعاب و لیس ههنا و كانت العنكبوت نسجت على باب الغار و نزل رجل من قریش فبال على باب الغار فقال أبو بكر قد أبصرونا یا رسول اللَّه ، فقال صلّى اللَّه علیه و آله لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم .

ثمّ قال : و قال بعضهم : یجوز أن تكون الهاء الّتى فى « علیه » راجعة إلى أبى بكر و هذا بعید ، لأنّ الضمائر قبل هذا أو بعده تعود إلى النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله بلا خلاف ، و ذلك فى قوله « إلاّ تنصروه فقد نصره اللَّه » و فى قوله « إذ أخرجه » و قوله « لصاحبه » و قوله فیما بعده « و ایّده » فكیف یتخلّلها ضمیر عائد إلى غیره هذا و قد قال سبحانه فى هذه السورة ثمّ انزل اللَّه سكینته على رسوله و على المؤمنین و قال فى سورة الفتح فانزل اللَّه سكینته على رسوله و على المؤمنین و قد ذكرت الشیعة فى تخصیص النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فى هذه الآیة بالسكینة كلاما رأینا الاضراب عن ذكره أحرى لئلا ینسبنا ناسب إلى شی‏ء . انتهى .

أقول : و سیأتى طائفة من ذلك الكلام بعد ذا .

و قال فى قوله تعالى : و من الناس من یشرى نفسه ابتغاء مرضات اللَّه و اللَّه رؤف بالعباد ( یه 206 البقرة ) :

روى السّدی عن ابن عبّاس قال : نزلت هذه الآیة فى علىّ بن أبیطالب حین هرب النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله عن المشركین إلى الغار و نام علىّ علیه السّلام على فراش النبىّ صلّى اللَّه علیه و آله و نزلت هذه الآیة بین مكّة و المدینة ، و روی أنه لما نام على فراشه قام جبرئیل عند رأسه و میكائیل عند رجلیه و جبرائیل ینادى بخ بخ من مثلك یا ابن أبیطالب یباهى اللَّه بك الملائكة .

قال المفید ( ره ) فی الارشاد فی اختصاص أمیر المؤمنین علیه السّلام بمناقب كثیرة :

[ 142 ]

و من ذلك أن النّبی صلّى اللَّه علیه و آله لما امر بالهجرة عند اجتماع الملاء من قریش على قتله فلم یتمكن صلّى اللَّه علیه و آله من مظاهرتهم بالخروج عن مكة و أراد صلّى اللَّه علیه و آله الاستسرار بذلك و تعمیة خبره عنهم لیتمّ الخروج على السلامة منهم ألقى خبره إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و استكتمه إیاه و كلّفه الدفاع عنه بالمبیت على فراشه من حیث لا یعلمون أنه هو البائت على الفراش و یظنون أنّه النّبی صلّى اللَّه علیه و آله بایتا على حالته الّتی كان یكون علیها فیما سلف من اللیل ، فوهب أمیر المؤمنین علیه السّلام نفسه للَّه تعالى و شراها من اللَّه تعالى فی طاعته و بذلها دون نبیّه صلوات اللَّه و سلامه علیه و آله لینجوبه من كید الأعداء و یتمّ له بذلك السّلامة و البقاء و ینتظم له به الغرض فی الدعاء إلى الملّة و إقامة الدین و إظهار الشریعة .

فبات علیه السّلام على فراش رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله متستّرا بازاره و جاءه القوم الّذین تمالئوا على قتل النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فأحدقوا به و علیهم السلاح یرصدون طلوع الفجر لیقتلوه ظاهرا فیذهب دمه فرغا بمشاهدة بنی هاشم قاتلیه من جمیع القبائل و لا یتم لهم الأخذ بثاره منهم لاشتراك الجماعة فی دمه و قعود كلّ قبیل عن قتال رهطه و مباینة أهله ، فكان ذلك سبب نجاة النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و حفظ دمه و بقائه حتّى صدع بأمر ربّه صلّى اللَّه علیه و آله .

و لولا أمیر المؤمنین علیه السّلام و ما فعله من ذلك لما تمّ لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله التبلیغ و الأداء و لا استدام له العمر و البقاء ، و لظفر به الحسدة و الأعداء فلما أصبح القوم و أرادوا الفتك به علیه السّلام ثار إلیهم و تفرقوا حین عرفوه و انصرفوا و قد ضلّت حیلهم فی النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و انتقض ما بنوه من التدبیر فی قتله ، و خابت ظنونهم و بطلت آمالهم .

و كان بذلك انتظام الایمان ، و إرغام الشیطان ، و خذلان أهل الكفر و العدوان و لم یشرك أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذه المنقبة أحد من أهل الاسلام ، و لا احیط بنظیر لها على حال و لا مقارب لها فی الفضل بصحیح الاعتبار ، و فی أمیر المؤمنین علیه السّلام و مبیته على الفراش انزل اللَّه سبحانه و من النّاس من یشرى نفسه الآیة .

ثمّ قال المفید فی الارشاد أیضا فی الفصل الآخر : و من ذلك انّ النبىّ صلّى اللَّه علیه و آله

[ 143 ]

كان أمین قریش على ودائعهم فلما فجأه من الكفار ما احوجه إلى الهرب من مكّة بغتة لم یجد فی قومه و أهله من یأتمنه علی ما كان مؤتمنا علیه سوى أمیر المؤمنین علیه السّلام فاستخلفه فی ردّ الودائع إلى أربابها و قضاء ما كان علیه من دین لمستحقّیه و جمع بناته و نساء أهله و أزواجه و الهجرة بهم إلیه و لم یر انّ أحدا یقوم مقامه فی ذلك من كافة النّاس فوثق بأمانته و عوّل على نجدته و شجاعته و اعتمد فی الدفاع عن أهله و حامّته على بأسه و قدرته و اطمأنّ إلى ثقته على أهله و حرمه و عرف من ورعه و عصمته ما تسكن النفس معه إلى أمانته على ذلك فقام علیّ علیه السّلام به أحسن القیام و ردّ كلّ ودیعة إلى أهلها و اعطى كلّ ذى حقّ حقه و حفظ بنات نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله و حرمه و هاجر بهم ماشیا على قدمیه یحوطهم من الاعداء و یكلاءهم من الخصماء و یرفق بهم فی المسیر حتّى أوردهم علیه صلّى اللَّه علیه و آله المدینة على اتم صیانة و حراسة و رفق و رأفة و حسن تدبیر فأنزله النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله عند وروده المدینة داره و احلّه قراره و خلطه بحرمه و أولاده و لم یمیّزه من خاصّة نفسه و لا احتشمه فی باطن امره و سرّه و هذه منقبة توحّد بها علیه السّلام من كافة أهل بیته و أصحابه و لم یشركه فیها أحد من اتباعه و اشیاعه و لم یحصل لغیره من الخلق فضل سواها یعادلها عند السبر و لا یقاربها على الامتحان .

و روى الثعلبی فی تفسیره و الغزالى فی الاحیاء فی بیان الایثار و فضله و غیرهما من أعاظم الفریقین : انه لما بات علیّ علیه السّلام على فراش رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله اوحى اللَّه سبحانه إلى جبرئیل و میكائیل انى قد آخیت بینكما و جعلت عمر احدكما اطول من الآخر فایّكما یؤثر أحد كما بالحیاة ؟ فاختار كلاهما الحیاة فاوحی اللَّه الیهما ألا كنتما مثل علیّ بن أبیطالب علیه السّلام آخیت بینه و بین محمّد نبیّی صلّى اللَّه علیه و آله فبات على فراشه یفدیه بنفسه و یؤثره بالحیاة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه فهبطا إلیه فجلس جبرئیل عند رأسه و میكائیل عند رجلیه فقال جبرئیل بخ بخ من مثلك یا ابن أبیطالب یباهی اللَّه بك الملائكة فانزل اللَّه تعالى و من النّاس من یشرى نفسه الایة و العجب ما فی انسان العیون فی سیرة الامین و المأمون المعروف بالسیرة

[ 144 ]

الحلبیة تألیف علیّ بن برهان الدّین الحلبیّ الشافعی نقلا من ابن تیمیة من ان هذا الحدیث اعنی ما اوحى اللَّه إلى الملكین كذب باتفاق أهل العلم بالحدیث .

أقول : و لعلّ وجه تكذیبه الحدیث انه ینافی نص الكتاب العزیز حیث قال عزّ من قائل فی سورة التحریم : لا یعصون اللَّه ما أمرهم و یفعلون ما یؤمرون و فی عبس : بأیدی سفرة . كرام بررة و كذا ینافی الاخبار الاخر القائلة بانهم لا یعصون اللَّه طرفة عین و لا یغشاهم سهو العقول و نحوها . فتأمل و اللَّه أعلم .

و فی الكافی للكلینی قدس سره عن سعید بن المسیب سأل علىّ بن الحسین علیهما السّلام عن علىّ علیه السّلام إلى أن قال علیه السّلام و خلف علیّا فى امور لم یكن یقوم بها أحد غیره و كان خروج رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله من مكّة فى أوّل یوم من شهر ربیع الأوّل و ذلك یوم الخمیس من سنة ثلاث عشرة من المبعث و قدم صلّى اللَّه علیه و آله المدینة لاثنتى عشرة لیلة خلت من شهر ربیع الأوّل مع زوال الشمس فنزل بقبا فصلى الظهر ركعتین و العصر ركعتین ثمّ لم یزل مقیما ینتظر علیّا علیه السّلام یصلى الخمس صلوات ركعتین ركعتین و كان نازلا على عمرو بن عوف فأقام عندهم بضعة عشر یوما یقولون له أتقیم عندنا فنتخذ لك منزلا و مسجدا فیقول لا إنی أنتظر علیّ بن أبیطالب و قد أمرته أن یلحقنی و لست مستوطنا منزلا حتى یقدم علىّ .

إلى أن قال : قال سعید بن المسیب لعلیّ بن الحسین علیهما السّلام جعلت فداك كان أبو بكر مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حین أقبل المدینة فأین فارقه ؟ فقال : إنّ أبا بكر لما قدم رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إلى قبا فنزل بهم انتظر قدوم علیّ علیه السّلام فقال له أبو بكر انهض بنا إلى المدینة فان القوم قد فرحوا بقدومك و هم یستریثون اقبالك الیهم فانطلق بنا و لا تقم ههنا تنتظر علیّا فما أظنه یقدم علیك إلى شهر ، فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله كلاّ ما اسرعه و لست اریم حتى یقدم ابن عمی و اخی فی اللَّه تعالى و احبّ أهل بیتی إلىّ فقد وقانى بنفسه من المشركین قال : فغضب عند ذلك أبو بكر و اشمأز و داخله من ذلك حسد لعلىّ علیه السّلام و كان ذلك أول عداوة بدت منه

[ 145 ]

لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فی علیّ علیه السّلام و أول خلاف على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فانطلق حتّى دخل المدینة و تخلف رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بقبا حتّى ینتظر علیا علیه السّلام الحدیث .

و فی الدیوان المنسوب إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام :

وقیت بنفسی خیر من وطأ الحصى
و من طاف بالبیت العتیق و بالحجر

رسول اله الخلق اذ مكروا به
فنجاه ذو الطول الكریم من المكر

و بتّ اراعیهم متى ینشروننی
و قد وطّنت نفسی على القتل و الاسر

و بات رسول اللَّه فی الغار آمنا
موقى و فی حفظ الاله و فی ستر

اقام ثلاثا ثمّ زمّت قلائص
قلائص یفرین الحصى اینما یفرى

اردت به نصر الإله تبتّلا
و اضمرته حتّى اوسّد فی قبری

طریقه صلّى اللَّه علیه و آله فى هجرته من مكة الى المدینة

فی السیرة النبویة لابن هشام و فی التاریخ للطبری : فلما خرج بهما دلیلهما عبد اللَّه بن ارقط سلك بهما اسفل مكّة .

ثمّ مضى بهما على الساحل حتّى عارض الطریق اسفل من عسفان ، ثمّ سلك بهما على اسفل امج ، ثمّ استجاز بهما حتّى عارض بهما الطریق بعد ان أجاز قدیدا ثمّ اجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرّاز ، ثمّ سلك بهما ثنیّة المرّة ، ثمّ سلك بهما لقفا ، ثمّ اجاز بهما مدلجة لقف ، ثم استبطن بهما مدلجة محاج ، ثمّ سلك بهما مرجح محاج ، ثمّ تبطّن بهما مرجح من ذی الغضوین ، ثمّ بطن ذى كشر . ثم اخذ بهما على الجداجد ، ثمّ على الاجرد ، ثمّ سلك بهما ذا سلم ، ثمّ على العبابید ، ثمّ اجاز بهما الفاجّة ، ثم هبط بهما العرج ثمّ خرج بهما دلیلهما من العرج فسلك بهما ثنیّة العائر حتى هبط بهما بطن رئم ثمّ قدم بهما قباء لاثنتى عشرة لیلة خلت من شهر ربیع الأوّل یوم الاثنین حین اشتدّ الضحاء ، و كادت الشمس تعتدل و نزل على كلثوم بن هدم فأقام رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بقباء فی بنی عمرو بن عوف یوم الاثنین و یوم الثلاثاء و یوم الاربعاء و یوم الخمیس و اسّس مسجده ثمّ خرج من قبا إلى المدینة و نزل على أبی أیّوب الأنصاری

[ 146 ]

و لا یسع المقام ذكره على التفصیل و اقام علیّ بن أبی طالب علیه السّلام بمكّة ثلاث لیال و أیّامها حتّى ادّى عن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله الودائع الّتی كانت عنده للناس حتّى إذا فرغ منها لحق برسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فنزل معه صلّى اللَّه علیه و آله على كلثوم بن هدم فی قباء .

قال المسعودى فی مروج الذهب : فخرج النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله من مكّة و معه أبو بكر و عامر بن فهیرة مولى أبی بكر و عبد اللَّه بن أرقط الدئلی دلیل بهم على الطریق و لم یكن مسلما و كان مقام علىّ بن أبیطالب بعده بمكة ثلاثة أیام إلى أن أدى ما أمر بأدائه ثمّ لحق بالرسول صلّى اللَّه علیه و آله و كان دخوله علیه السّلام إلى المدینة یوم الاثنین لاثنتی عشرة لیلة مضت من ربیع الأوّل ، فأقام بها عشر سنین كوامل و كان نزوله علیه السّلام فی حال موافاته المدینة بقبا على سعد بن خیثمة و كان مقامه بقباء یوم الاثنین و الثلاثاء و الأربعاء و الخمیس و سار یوم الجمعة ارتفاع النهار و أتته الأنصار حیّا حیّا یسأله كلّ فریق النّزول علیه و یتعلقون بزمام راحلته و هى تجذبه فیقول صلّى اللَّه علیه و آله خلوا عنها فانها مأمورة حتّى أدركته الصلاة فی بنی سالم فصلى بهم یوم الجمعة و كانت تلك أوّل جمعة صلیت فی الاسلام و هذا موضع تنازع الفقهاء فی العدد الّذی بهم تتم صلاة الجمعة فذهب الشافعی فی آخرین معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتّى یكون عدد المصلین أربعین فصاعدا و أقل من ذلك لا یجزی و خالفه غیره من الفقهاء من أهل الكوفة و غیرهم و كان فی بطن الوادی المعروف بوادی رائوناء إلى هذه الغایة .

أقول : فی كتاب إنسان العیون فی سیرة الأمین و المأمون المعروف بالسیرة الحلبیّة تألیف علیّ بن برهان الدین الحلبی الشافعی ، و عند مسیره صلّى اللَّه علیه و آله إلى المدینة أدركته صلاة الجمعة فی بنی سالم بن عوف فصلاها فی المسجد الذی فی بطن الوادی بمن معه من المسلمین و هم مأة و صلاها بعد ذلك فی المدینة و كانوا به صلّى اللَّه علیه و آله أربعین فعن ابن مسعود أنه صلّى اللَّه علیه و آله جمع بالمدینة و كانوا أربعین رجلا أى و لم یحفظ أنه صلاها مع النقض عن هذا العدد و من حینئذ صلّى الجمعة فی ذلك المسجد سمّى هذا المسجد بمسجد الجمعة و هو على یمین السالك نحو قباء فكانت أوّل جمعة صلاها بالمدینة « إلى أن

[ 147 ]

قال : » و كان هو صلّى اللَّه علیه و آله بالمدینة یخطب الجمعة بعد أن یصلّى مثل العیدین فبینما هو یخطب یوم الجمعة قائما إذ قدمت عیر دحیة الكلبی و كان إذا قدم یخرج أهله للقائه بالطبل و اللهو و یخرج النّاس للشراء من طعام تلك العیر فانفض الناس و لم یبق معه صلّى اللَّه علیه و آله إلا نحو اثنى عشرة رجلا .

و فی كنز العرفان للفاضل المقداد : فخرج النّاس فلم یبق فی المسجد الا اثنى عشر رجلا ، و عن ابن عبّاس لم یبق الا ثمانیة ، و عن ابن كیسان أحد عشر .

و فی السیرة الهشامیّة لم یذكر عددهم .

و قال الجصّاص الحنفی فی أحكام القرآن : و اختلفوا فى عدد من تصحّ به الجمعة من المأمومین : أبو حنیفة و زفر و محمّد و اللیث ثلاثة سوى الإمام ، و روى عن أبى یوسف اثنان سوى الإمام و به قال الثورى ، و قال الحسن بن صالح إن لم یحضر الإمام الا رجل واحد فخطب علیه و صلّى به أجزأهما ، و أما مالك فلم یجد فیه شیئا و اعتبر الشافعی أربعین رجلا .

ثمّ قال : روى جابر أن النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله كان یخطب یوم الجمعة فقدم عیر فنفر النّاس و بقى معه اثنا عشر رجلا فأنزل اللَّه تعالى : و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إلیها و معلوم أنّ النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله لم یترك الجمعة منذ قدم المدینة و لم یذكر رجوع القوم فوجب أن یكون قد صلّى باثنى عشر رجلا .

و نقل أهل السیر ان أوّل جمعة كانت بالمدینة صلاها مصعب بن عمیر بأمر النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله باثنى عشر رجلا و ذلك قبل الهجرة فبطل بذلك اعتبار الأربعین ، و أیضا الثلاثة جمع صحیح فهى كالأربعین لاتفاقهما فى كونهما جمعا صحیحا و ما دون الثلاثة مختلف فى كونه جمعا صحیحا فوجب الاقتصار على الثلاثة و اسقاط اعتبار مازاد ، انتهى .

و فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة : المالكیة قالوا أقل الجماعة الّتى تنعقد بها الجمعة اثنا عشرة رجلا غیر الامام .

و الحنفیة قالوا یشترط فى الجماعة التى تصح بها الجمعة أن تكون بثلاثة

[ 148 ]

غیر الامام .

الشافعیة قالوا أن یكونوا أربعین و لو بالامام فلا تنعقد الجمعة بأقلّ من ذلك .

و الحنابلة قالوا أن لا یقل عددهم عن أربعین و لو بالامام انتهى و قوله المالكیة قالوا تنعقد الجمعة باثنى عشرة رجلا لا ینافى ما ذهب عن الجصاص و ما قاله الشیخ الطوسى ( ره ) فى الخلاف و لم یقدر مالك فى هذا شیئا كما لا یخفى .

و هذه مذاهب العامّة فى عدد من تصح به الجمعة ، و عند أصحابنا الامامیة لا تنعقد الجمعة بأقلّ من خمسة و الإمام أحدهم ، و تجب علیهم بسبعة و الإمام أحدهم قطعا و إنّما الكلام فى بلوغ العدد مع الامام خمسة هل تجب تخییرا و جوازا أو تجب عینا ، و ذلك لأن من أهل البیت علیهم السّلام فى العدد روایتین :

ففى التهذیب باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السّلام قال : تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمین و لا تجب على أقل منهم الامام و قاضیه و المدعى حقا و المدعى علیه و الشاهدان و الذی یضرب الحدود بین یدی الامام .

و فیه عن البقباق عن أبى عبد اللَّه علیه السّلام قال : أدنى ما یجزی فی الجمعة سبعة أو خمسة أدناه .

و فى الكافى و التهذیب عن زرارة كان أبو جعفر علیه السّلام یقول : لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتین على أقل من خمسة رهط الامام و أربعة .

و فى الفقیه قال زرارة : قلت له علیه السّلام : على من تجب الجمعة ؟ قال : تجب على سبعة نفر من المسلمین و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمین أحدهم الامام فاذا اجتمع سبعة و لم یخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم .

و فى التهذیب عن منصور بن حازم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : یجمع القوم یوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد فان كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم الحدیث .

و كذا اخبار اخر بعضها یفید أن الجمعة لا تنعقد بأقل من خمسة ، و بعضها یفید أنها تنعقد من سبعة ، و لا تنافى بینهما لأن الخبر الذی یتضمن اعتبار سبعة أنفس

[ 149 ]

فهو على طریق الفرض و الوجوب ، و الخبر الأخیر على طریق الندب و الاستحباب و على جهة الأولى و الأفضل كما فى التهذیبین و الخلاف ، و غیرها من أسفار الامامیة من غیر واحد من علمائنا ، و بالجملة هؤلاء قالوا بأن السبعة شرط للوجوب العینى و الخمسة للتخییری ، و هذا لا یخلو عندى من قوة .

و قال آخرون إذا كانوا خمسة تجب عینا لا تخییرا و فى الریاض أنه قول الأكثر ، و اعلم أن هذا الشرط یختص بالابتداء دون الاستدامة بلا خلاف فیه بیننا الامامیة .

ثمّ إن الامامیة اختلفوا فى إقامة الجمعة فى زمن الغیبة فبعضهم أسقطوها لأن صلاة الجمعة عند حصول شرائطها لا تجب إلاّ عند حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان للصلاة و یعنون بالسلطان العادل الامام علیه السّلام ، و بعضهم أوجبوها عند الغیبة أیضا و هذا لا یخلو عندى من قوة و یكون مجزیا عن الظهر و الاختلاف بین الفقهاء فى مسائل الجمعة كثیر و لیطلب فى الكتب الفقهیّة .

المؤاخاة بین المهاجرین و الانصار

ثمّ آخى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بین أصحابه من المهاجرین و الأنصار فقال تآخوا فى اللَّه أخوین أخوین ، ثمّ أخذ بید علىّ بن أبیطالب علیه السّلام فقال : هذا أخى ، فكان رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله سید المرسلین و امام المتقین و رسول ربّ العالمین الذی لیس له خطیر و لا نظیر من العباد و علىّ بن أبیطالب علیه السّلام أخوین ، و كان حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و زید بن حارثة مولى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله أخوین ، و جعفر بن أبیطالب و معاذ بن جبل أخوین ، و كذا غیر واحد من المهاجرین و الأنصار أخوین على التفصیل المذكور فیهما .

كلام ابن أبى جمهور الاحسائى فى المجلى

قال السالك الموحد الفقیه المتكلم المتأله المرتاض الرّاوی للأحادیث

[ 150 ]

المرویّة عن الأئمة الهداة المعروف بابن أبى جمهور الاحسائى فى كتابه الجامع للاصول الیقینیّة و المنازل العرفانیّة بالبراهین العقلیّة و النقلیة المعروف بالمجلى ،

فى أدلّة اثبات الخلافة لعلىّ بن أبیطالب علیه السّلام :

و یوم المواخاة یوم مشهور و موقف معلوم مبناه على تمییز الأشباه و النظائر و الاطّلاع على الخصائص و الضمائر و لم تكن المواخاة یومئذ عن الهوى بل إنما هو وحى یوحى ، فواخى بین أصحابه فقرن كلّ شبه إلى شبهه ، و جعل كلّ نظیر مع نظیره ، و لم یقرن بین علیّ علیه السّلام و بین أحد من الصحابة ، بل عدل به عن جمیعهم ثمّ اختاره لنفسه و قرن بینه و بینه و میزه من بینهم باخوته ، و شرفه علیهم بقربه ، إظهارا لشأنه و احتجاجا علیهم ببیان حاله و كان ذلك بوحى من اللَّه و نصّه فكان ذلك موجبا له استحقاق الولایة و القیام فیهم مقامه ، اذ كلّ أخ قائم مقام أخیه فیماله من المزایا ، فان الاخوة مشاكلة و مشابهة فى الصفات ، فیقال للشى‏ء أخو الشى‏ء إذ كان بینه و بینه مشابهة كلّیة فى جمیع صفاته ، و لما كانت الولایة من أجلّ الصفات الّتى كان صلّى اللَّه علیه و آله متصفا بها وجب أن یكون أخوه و مماثله و مشاكله موصوفا بها ، و إلا لما تحققت الاخوة و لا ثبت معناها و لم یكن للمماثلة و المشاكلة حینئذ معنى ، فتضیع الفائدة من ذلك الفعل الصّادر عن الحكیم بنصّ أحكم الحاكمین .

فان قلت : یلزم على ما قرّرتموه إدخال النبوّة لأنها من جملة الصفات و هو خلاف الاجماع .

قلت : النّبوة معلومة الاستثناء بالأصل لما ثبت عند الكل من عدم جواز المشاركة فیها لتحقق معنى الختم به فانحجب ما سواه عن بلوغ مرتبتها فلا تصحّ المشاركة و المماثلة فیها و یبقى ما عداها داخلا فى عموم الاخوة هذا مع ان الولایة المطلقة الثابتة له صلّى اللَّه علیه و آله كما عرفت أعلى و أجلّ و أعظم من مرتبة النّبوّة ما عرفت أن مقام الاولى مقام الوحدة و أن مقام الثانیة مقام الكثرة و الوحدة أجلّ و أعلى من الكثرة ، فاذا ثبت أن الولایة له فقد ثبت له مقام الوحدة

[ 151 ]

الذی هو مبدء الكثرة .

ثمّ إنّ الولایة الّتی هی مقام الوحدة الثّابت له باعتبار الاخوة یستلزم ثبوت مقام الكثرة بواسطة الرد إلى الخلق بعد المرور على مقام الوحدة الثابت له بقوله صلّى اللّه علیه و آله لعلىّ علیه السّلام یا علیّ إنك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى إلاّ أنك لست بنبیّ .

فمقام النّبوّة الخاص بعد الولایة المطلقة استثنى و لم یستثن مقتضاه أعنی الرد إلی الخلق لأنه إذا كان له مقام الولایة الخاصة كانت السیاسة بیده و هی مقتضى الكثرة بواسطة إهداء الخلق و القیام علیهم بما یكلمهم و یصلح معاشهم و معادهم ، فلا یكون مقتضى مقام الكثرة مسلوبا عنه و ذلك هو مقتضی مقام النّبوة و لازمه لا هو ، فالواجب للولیّ هو مقتضى مقام النّبوّة و لازمه لا هو فما فاته علیه السّلام شی‏ء من معانی الاخوة و لا خصائص كمال الأخ سوا الاسم المحجوب عنه و عن كلّ ما سواه للمصلحة المقتضیة لسلبه ، انتهى ما أردنا نقله من المجلى .

قال العلامة الحلیّ قدس سره فی شرح تجرید الاعتقاد لنصیر الحق و الملّة و الدین الخواجة الطوسی قدس اللّه روحه القدسی عند قوله : و علیّ علیه السّلام أفضل :

اختلف النّاس ههنا فقال عمر و عثمان و ابن عمر و أبو هریرة من الصحابة :

إنّ أبا بكر أفضل من علىّ علیه السّلام ، و به قال من التابعین الحسن البصری و عمرو بن عبید و هو اختیار النظام و أبی عثمان الجاحظ ، و قال الزبیر و المقداد و سلمان و جابر ابن عبد اللّه و عمّار و أبوذر و حذیفة من الصحابة : إنّ علیّا علیه السّلام أفضل ، و به قال من التابعین عطاء و مجاهد و سلمة بن كهیل ، و هو اختیار البغدادیین كافة و الشیعة بأجمعهم و أبى عبد اللّه البصری ، و توقف الجبائیان و قاضی القضاة ، قال أبو على الجبائی ان صحّ خبر الطائر فعلیّ أفضل .

و نحن نقول : إن الفضائل إما نفسانیة أو بدنیة ، و علیّ علیه السّلام كان أكمل و أفضل من باقی الصحابة فیهما ، و الدلیل على ذلك وجوه ذكرها المصنف رحمه اللّه « إلى أن قال فی وجه الثامن عشر : » .

[ 152 ]

انّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لما و اخی بین الصحابة و قرن كلّ شخص إلى مماثله فی الشرف و الفضیلة رأى علیّا علیه السّلام متكدرا ( متفكرا خ ل ) فسأله عن سبب ذلك فقال : انك آخیت بین الصحابة و جعلتنی متفردا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : ألا ترضى أن تكون أخی و وصیّی و خلیفتی من بعدی ؟ فقال : بلى یا رسول اللّه ، فواخاه من دون الصحابة فیكون أفضل منهم .

و قال الشاعر العارف الحكیم مجدود بن آدم السنائی فی الحدیقة بالفارسیة :

مرتضائى كه كرد یزدانش
همره جان مصطفى جانش

هر دو یكقبله و خردشان دو
هر دو یكروح و كالبدشان دو

دو رونده چو أختر گردون
دو برادر چو موسى و هارون

هر دو یكدرّ ز یك صدف بودند
هر دو پیرایه شرف بودند

تا نه بگشاد علم حیدر در
ندهد سنّت پیمبر بر

و قال فى دیوانه :

آنكه او را بر سر حیدر همى خوانى أمیر
كافرم گر میتواند كفش قنبر داشتن

تا سلیمان وار باشد حیدر اندر صدر ملك
زشت باشد دیو را بر تارك أفسر داشتن

چون همیدانى كه شهر علم را حیدر در است
خوب نبود جز كه حیدر میر و مهتر داشتن

كى روا باشد بناموس و حیل در راه دین
دیو را بر مسند قاضى أكبر داشتن

روى عمرو بن القناد عن محمّد بن فضیل عن أشعث بن سوار قال : سبّ عدى ابن أرطاة علیّا علیه السّلام على المنبر فبكى الحسن البصری و قال لقد سبّ هذا الیوم رجل انه لأخو رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى الدّنیا و الآخرة .

و روى عبد السلم بن صالح عن إسحاق الأزرق عن جعفر بن محمّد عن آبائه علیهم السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لما زوج فاطمة دخل النساء علیها فقلن یا بنت رسول اللّه خطبك فلان و فلان فردّهم عنك و زوّجك فقیرا لا مال له ، فلما دخل علیها أبوها صلّى اللّه علیه و آله رأى ذلك فى وجهها فسألها فذكرت له ذلك ، فقال : یا فاطمة إنّ اللّه أمرنى

[ 153 ]

فأنكحتك أقدمهم سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما ، و ما زوّجتك إلاّ بأمر من السماء أما علمت أنّه أخى فى الدّنیا و الآخرة ؟ .

الكلام فى أن مبیت على علیه السّلام على فراش رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله منقبة لم یحصل لغیره من الخلق فضل یعادلها

لا یخفى على ذى درایة أن مبیته علیه السّلام على فراش رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حیث وهب نفسه للّه تعالى و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله فضیلة لا یقاس الیها بذل المال و نعم ما قیل :

جادوا بأنفسهم فى حبّ سیّدهم
و الجود بالنفس أقصى غایة الجود

و للّه درّ قائله :

مبیت علىّ بالفراش فضیلة
كبدر له كلّ الكواكب تخضع

و من أعرض عن ذلك و اعترض فیه فهو مكابر نفسه ، و لیلة المبیت متواتر لا یریبه عاقل و بذل علىّ علیه السّلام نفسه دون نبیه صلّى اللّه علیه و آله فى اللیلة مسلم عند الكلّ و بلغ مبلغ الضرورة .

و للمغفلین فى بذل أبى بكر طائفة من ماله و مصاحبته رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله تعسفات استدلوا على ذلك من آیة الغار و استنبطوا منها صورا مشوّهات و استمسكوا بتلك العرى الواهیة على تفضیل من قال : اقیلونى فلست بخیركم و علىّ فیكم ، على من كلّت فیه ألسن العالمین .

و آیة الغار عندهم من أشهر الدلائل على فضل أبی بكر بستّة أوجه :

الأوّل انّ اللّه تعالى جعله ثانی رسوله بقوله « ثانی اثنین » ، الثانی وصف اجتماعهما فی مكان واحد بقوله « اذ هما فى الغار » ، الثالث جعله مصاحبا له صلّى اللّه علیه و آله بقوله « لصاحبه » الرابع قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله له رحمة و محبة بقوله « لا تحزن » .

الخامس ان اللّه كان لهما فی التصرف و الاعانة على نسبة واحدة بقوله « انّ اللّه معنا » السادس نزول السكینة علیه بارجاع الضمیر الیه دون الرسول صلّى اللّه علیه و آله .

و للإمامیّة رضوان اللّه علیهم فی ردّ هذه الوجوه الستّة علیهم بل استدلالهم

[ 154 ]

على نقیض ما ذهبوا الیه مباحث رأینا الاعراض عنها ههنا أجدر و لكن نكتفى بذكر بعض ما أورده الشارح المعتزلی فی المقام فی المقام فی ضمن بعض الخطب الماضی ناقلا عن الجاحظ ما تشمئزّ منها النفوس و یأبی عنها الفطرة السلیمة و عن شیخه أبى جعفر فی جوابها ما لا یخلو عن الانصاف و الاعتدال و نذكر بعض ما خطر ببالى فى المقام و اللّه ولىّ التوفیق و الهادی إلى خیر السبیل .

قال الشارح المعتزلى : قال الجاحظ : فان احتج محتج لعلیّ علیه السّلام بالمبیت على الفراش فبین الغار و الفراش فرق واضح ، لأن الغار و صحبة أبی بكر للنّبی صلّى اللّه علیه و آله قد نطق به القرآن فصار كالصلاة و الزكاة و غیرهما ممّا نطق به الكتاب و أمر علىّ علیه السّلام و نومه على الفراش و إن كان ثابتا صحیحا إلاّ أنّه لم یذكر فی القرآن و إنّما جاء مجى‏ء الروایات و السیر و هذا لا یوازن هذا و لا یكائله .

ثمّ قال : قال شیخنا أبو جعفر : هذا فرق غیر مؤثر لأنه قد ثبت بالتواتر حدیث الفراش فلا فرق بینه و بین ما ذكر فى نص الكتاب و لا یجحده إلاّ مجنون أو غیر مخالط لأهل الملّة ، أرأیت كون الصلوات خمسا و كون زكاة الذهب ربع العشر و كون خروج الریح ناقضا للطهارة و أمثال ذلك مما هو معلوم بالتواتر حكمه هل هو مخالف لما نصّ فى الكتاب علیه من الأحكام ؟ هذا مما لا یقوله رشید و لا عاقل .

على أن اللّه تعالى لم یذكر اسم أبى بكر فى الكتاب و انما قال « إذ یقول لصاحبه » و إنما علمنا انه أبو بكر بالخبر و ما ورد فى السیرة و قد قال أهل التفسیر إن قوله تعالى : و یمكر اللَّه و اللَّه خیر الماكرین كنایة عن علىّ علیه السّلام لأنه مكربهم و أوّل الآیة و إذ یمكر بك الذین كفروا لیثبتوك أو یقتلوك أو یخرجوك و یمكرون و یمكر اللَّه و اللَّه خیر الماكرین انزلت فى لیلة الهجرة و مكرهم كان توزیع السیوف على بطون قریش و مكر اللّه تعالى هو منام علىّ علیه السّلام على الفراش فلا فرق بین الموضعین فى أنهما مذكوران كنایة لا تصریحا ، و قد روى المفسّرون كلّهم ان قول اللّه تعالى : و من الناس من یشرى نفسه ابتغاء مرضات اللَّه انزلت

[ 155 ]

فی علیّ علیه السّلام لیلة المبیت على الفراش فهذه مثل قوله تعالى : إذ یقول لصاحبه لا فرق بینهما .

و قال : و قال الجاحظ : و فرق آخر و هو أنّه لو كان مبیت علیّ علیه السّلام على الفراش جاء مجى‏ء كون أبی بكر فی الغار لم یكن له فی ذلك كبیر طاعة لأن الناقلین نقلوا أنه صلّى اللّه علیه و آله قال له : نم فلن یخلص إلیك شی‏ء تكرهه . و لم ینقل ناقل أنّه قال لأبی بكر فی صحبته إیّاه و كونه معه فی الغار مثل ذلك و لا قال له أنفق و أعتق فانك لن تفتقر و لن یصل إلیك مكروه .

ثمّ قال : و قال شیخنا أبو جعفر : هذا هو الكذب الصراح و التحریف و الادخال فی الرّوایة ما لیس منها و المعروف المنقول أنه صلّى اللّه علیه و آله قال له : اذهب فاضطجع فی مضجعى و تغش ببردى الحضرمى فان القوم سیفقدوننى و لا یشهدون مضجعى فلعلّهم إذا رأوك یسكّنهم ذلك حتى یصبحوا فاذا أصبحت فاغد فى أداء أمانتى ، و لم ینقل ما ذكره الجاحظ و إنما ولّده أبو بكر الأصمّ و أخذه الجاحظ و لا أصل له .

و لو كان هذا صحیحا لم یصل إلیه منهم مكروه و قد وقع الاتفاق على أنّه ضرب و رمى بالحجارة قبل أن یعلموا من هو حتى تضور ، و أنهم قالوا له : رأینا تضورك فانا كنا نرمى محمّدا و لا یتضور ، و لأن لفظة المكروه إن كان قالها إنما یراد بها القتل فهب أنه أمن القتل كیف یأمن من الضرب و الهوان و من أن ینقطع بعض أعضائه و بأن سلمت نفسه ألیس اللّه تعالى قال لنبیّه بلّغ ما انزل إلیك من ربّك و ان لم تفعل فما بلّغت رسالته و اللَّه یعصمك من النّاس و مع ذلك فقد كسرت رباعیته و شجّ وجهه و ادمیت ساقه و ذلك لانها عصمة من القتل خاصّة ، و كذلك المكروه الّذی او من علىّ علیه السّلام منه إن كان صحّ ذلك فى الحدیث إنما هو مكروه القتل .

ثمّ یقال له : و أبو بكر لا فضیلة له أیضا فی كونه فی الغار لأنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال له « لا تحزن إنّ اللّه معنا » و من یكن اللّه معه فهو آمن لا محالة من كلّ سوء فكیف قلت و لم ینقل ناقل انه قال لأبی بكر فی الغار مثل ذلك ، فكلّ ما یجب به عن هذا فهو جوابنا عمّا أورده فنقول له : هذا ینقلب علیك فى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لأنّ اللّه تعالى

[ 156 ]

وعده بظهور دینه و عاقبة أمره فیجب على قولك أن لا یكون مثابا عند اللّه تعالى على ما یحتمله من المكروه و لا ما یصیبه من الاذى إذ كان قد ایقن بالسلامة و الفتح فی عدته .

و قال : قال الجاحظ : و من جحد كون أبی بكر صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقد كفر ، لأنّه جحد نصّ الكتاب ثمّ انظر إلى قوله تعالى ان اللَّه معنا من الفضیلة لأبی بكر لأنه شریك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی كون اللّه تعالى معه ، و انزل السكینة قال كثیر من النّاس انّه فی الآیة مخصوص بأبی بكر لانّه كان محتاجا إلى السكینة لما تداخله من رقة الطبع البشری و النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله كان غیر محتاج إلیها لأنّه یعلم أنّه محروس من اللّه تعالى فلا معنى لنزول السكینة علیه و هذه فضیلة ثالثة لأبی بكر .

ثمّ قال : قال شیخنا أبو جعفر : ان أبا عثمان یجرّ على نفسه مالا طاقه له به من مطاعن الشیعة و لقد كان فی غنیة عن التعلق بما تعلق به لانّ الشیعة تزعم أن هذه الآیة بأن تكون طعنا و عیبا على أبی بكر أولى من أن تكون فضیلة و منقبة له لأنه لما قال له لا تحزن دل على أنه قد كان حزن و قنط و أشفق على نفسه و لیس هذا من صفات المؤمنین الصابرین و لا یجوز أن یكون حزنه طاعة ، لان اللّه تعالى لا ینهى عن الطاعة فلو لم یكن ذنبا لم ینه عنه .

و قوله ان اللَّه معنا اى ان اللّه عالم بحالنا و ما نضمره من الیقین أو الشكّ كما یقول الرجل لصاحبه لا تضمرنّ سوءا و لا تنوین قبیحا فان اللّه یعلم ما نسرّه و ما نعلنه ، و هذا مثل قوله تعالى و لا أدنى من ذلك و لا أكثر الا هو معهم اینما كانوا أى هو عالم بهم .

و أمّا السكینة فكیف یقول إنها لیست راجعة إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و بعدها قوله و أیّده بجنود لم تروها ا ترى المؤید بالجنود كان أبا بكر أم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ؟ .

و قوله : إنّه مستغن عنها لیس بصحیح و لا یستغنى أحد عن ألطاف اللّه و توفیقه و تأییده و تثبیت قلبه و قد قال اللّه تعالى فی قصة حنین و ضاقت علیكم الأرض بما

[ 157 ]

رحبت ثمّ ولّیتم مدبرین . ثمّ أنزل اللَّه سكینته على رسوله .

و أمّا الصحبة فلا تدلّ إلاّ على المرافقة و الاصطحاب لا غیر ، و قد یكون حیث لا ایمان كما قال تعالى قال له صاحبه و هو یحاوره اكفرت بالّذی خلقك .

أقول : و قد مضى من قبل ص 141 أن القول بجواز رجوع الضمیر فی علیه فأنزل اللَّه سكینته علیه إلى أبی بكر بعید جدّا ، بل لیس بصحیح قطعا ، لان الضمائر قبله و بعده كلّها راجعة إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بلا خلاف فیه فكیف یتخلل تلك الضمائر ضمیر عائد إلى غیره فی البین و هل هذا الا الخروج عن اسلوب الفصاحة و البلاغة ؟

فذلك القول تهافت بتّا و لا یجنح إلیه إلا من لیس بعارف فی أسالیب الكلام أو یحرفه لتحصیل المرام و إن أفضى إلى الطعن فی النّبوّة و الاسلام و قد تقدم فیه الكلام ، و نسأل اللّه نور الایمان و العرفان ، و من لم یجعل اللّه له نورا فماله من نور .

مبدء تاریخ المسلمین و الفرق بین الهجرى القمرى و الهجرى الشمسى

كلمة التاریخ كما قال الفاضل البرجندی رضوان اللّه علیه فی شرحیه على زیج الغ بیك و على التذكرة فی الهیئة لبطلیموس الثّانی المحقق الطوسی قدس سره : فی اللغة تعریف الوقت ، و قیل هو قلب التأخیر و قیل التاریخ مشتق من أرخ و هو فی اللغة ولد البقر الوحش و التفعیل قد یأتی للازالة و التاریخ بمعنى ازالة الجهالة فی مبدء شی‏ء و وقت صدوره .

و نقل المطرزى عن بعض أهل اللغة : التاریخ بمعنى الغایة یقال : فلان تاریخ قومه أى ینتهى إلیه شرفهم فمعنى قولهم فعلت فی تاریخ كذا فعلت فی وقت الشی‏ء الّذی ینتهى إلیه .

و قیل هو لیس بعربی فانه مصدر المورخ و هو معرب ماه روز و ذلك أنه كتب أبو موسى الأشعرى و كان من قبل عمر حاكما فی الیمن انه تأتینا منك صكوك محلّها فی شعبان و ما ندرى أىّ الشعبانین هو الماضی أو الآتی ؟ فجمع عمر النّاس

[ 158 ]

للمشورة و كان فیهم ملك أهواز اسمه الهرمزان و قد أسلم على یده حین اسر فقال :

إن لنا حسابا نسمّیه ماه روز أى حساب الشهور و الأعوام و شرح لهم كیفیة استعماله فصوّبوه و عرّبوا ماه روز بقولهم مورخ و أمّا فی الاصطلاح فهو تعیین یوم ظهر فیه أمر شائع من ملّة أو دولة أو حدث فیه هائل كزلزلة و طوفان لینسب إلیه ما یراد تعیین وقته فی مستأنف الزّمان أو فی مستقدمه .

و لما كان أشهر الاجرام السّماویة النیرین اعتبر الامم فی وضع الشهور و السنین دورهما ، و أكثرهم اعتبروا فی وضع الشهور دور القمر و فی وضع السنین دور الشمس المقتضی لعود حال السنة بحسب الفصول لكنهم لم یعتبروا عودة القمر فی نفسه بل عودته إلى الشمس القریبة من عودته فی نفسه لیكون استنارة القمر فی أوایل الشهور و أواسطه و أواخره بل فی جمیع اجزائها على نسق واحد ، ثمّ لما كان عودة الشمس فى اثنى عشر شهرا قمریا تقریبا قسموا السنة اثنى عشر قسما و سموا كلا منها شهرا مجازا و ركبوا اثنى عشر شهرا قمریا و سموها سنة على التشبیه .

و لم یكن للمسلمین بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله تاریخ فی حوادثهم و امورهم و كان قبل الاسلام بین الأعراب عدة تواریخ كتاریخ بناء الكعبة و تاریخ ریاسة عمرو بن ربیعة و هو الذی وضع عبادة الاصنام فی العرب و كان هذا التاریخ متداولا به إلى عام الفیل ثمّ صار عام الفیل مبدءا ، فلما حدث التباس بعض الأمور فى زمان عمر كما دریت أمر بوضع التاریخ .

فأشار بعض الیهود إلى تاریخ الروم فلم یقبله لما فیه من الطول ، و بعضهم إلى تاریخ الفرس فردّه لعدم استناده إلى مبدء معین فانهم كانوا یجددونه كلما قام ملك و طرحوا ما قبله .

فاستقر رأیهم على تعیین یوم من أیامه علیه الصلاة و السّلام لذلك و لم یصلح وقت للمبعث لكونه غیر معلوم ، و لا وقت الولادة لاختلاف فیه فقیل إنه ولد لیلة الثانی أو الثامن أو الثالث عشر من شهر الرّبیع الاوّل سنة أربعین أو اثنتین و أربعین أو ثلاث و أربعین من ملك أنوشروان إلى غیر ذلك من الأقوال ، و لا وقت الوفاة لتنفر الطبع عنه .

[ 159 ]

فجعل مبدءه الهجرة من مكّة إلى المدینة باشارة علیّ علیه السّلام إلى ذلك كما سیأتی نقل الأخبار فیه إذ بها ظهرت دولة الاسلام فأجمعوا علیه .

ثمّ قالوا : فأىّ الشهور نبدأ فقالوا : رمضان ثمّ قالوا : المحرم فهو منصرف الناس من حجهم و هو شهر حرام فأجمعوا على المحرم .

و اعلم أن أوّل تلك السنة أعنى أوّل المحرم كان یوم الخمیس بحسب الامر الأوسط بالاتفاق لانّه ممّا لا یعتریه خلاف و لو بسطنا الكلام فیه لا نجرّ إلى بحث طویل الذیل .

و أمّا بحسب الرؤیة ففی بعض الأحادیث أنه كان یوم الخمیس و هذا ممكن لانه قد یتفق أول الشهر بحسب الامر الاوسط و الرؤیة معا ، و فی بعض الروایات أنّه كان یوم الجمعة و هذا أیضا ممكن لانه قد یختلف بین یوم الأمر الأوسط و یوم الرّؤیة فى یوم بأن یكون أوّل الشهر الوسطى خمیسا و الحقیقى المبنى على الرؤیة جمعة مثلا أو یومین بأن یكون أوّل الحقیقى سبتا .

و فى بعض الروایات أنه كان أول المحرم من تلك السنة یوم الاثنین و هذا محال لانه لا یمكن اختلافهما فى أكثر من یومین على ما برهن و حقق فى محلّه .

و لم یتفق لى طول ستّ سنوات استخراجى إلى الآن أن یقدم أوّل الشهر الحقیقى على الوسطى و لو بیوم بل قد یتفقان فى أوّل الشهر أو یقدم الوسطى على الحقیقى اما یوما أو یومین .

الفرق بین الشهر القمرى الحقیقى و الوسطى

و اعلم أن الشهر القمرى مأخوذ من تشكلات القمر النوریة بحسب أوضاعه من الشمس ، و دریت أنه لما كان أشهر الاجرام السماویة النیرین اعتبر الناس فى وضع الشهور و الأعوام دورهما .

فمستعملوا الشهر القمرى بعضهم و هم الترك أخذوا مبدئه من اجتماع حقیقى فالشهر عندهم من اجتماع حقیقى بین النّیرین إلى اجتماع حقیقى بعده ، فان وقع الاجتماع قبل

[ 160 ]

نصف النهار فذلك الیوم هو أوّل الشهر ، و إن كان بعده فالیوم الّذی بعده ، و لكن فیه تعذرا لتوقفه على استخراج التقویمین فی رأس كل شهر و اعمال كثیرة اخر حتى یعلم أن الاجتماع فی أیّ یوم و أیّ ساعة ، و هذا لا یتیسر الا للأوحدى من الناس ممّن رزقهم اللّه التفكر فى خلق السموات و الأرض .

و المسلمون و أهل البادیة من الأعراب اخذوه من لیلة رؤیة الهلال إلى لیلتها لأن أقرب أوضاع القمر من الشمس إلى الادراك هو الهلال ، فالأوضاع الاخرى من المقابلة و التربیع و غیر ذلك لا یدرك إلاّ بحسب التخمین ، فان القمر یبقى على النور التام قبل المقابلة و بعدها زمانا كثیرة و كذلك غیره من الأوضاع و أما وضعه منها عند وصوله فی تحت الشعاع و إن كان یشبه وضع الهلال فی ذلك لكنه فی وضع الهلال یشبه الموجود بعد العدم و المولود الخارج من الظلم فجعله مبدء أولى .

قال اللّه تعالى یسئلونك عن الأهلّة قل هی مواقیت للنّاس الآیة ، و كان اتفاق المسلمین ان أوّل شهر الصیام لیلة رؤیة الهلال إلى لیلة رؤیتها و یكون الصوم للرؤیة و الفطر للرؤیة و هذا الشهر لا یزید عن ثلاثین یوما و لا ینقض على تسعة و عشرین یوما .

و لیعلم انه على هذا الوجه اعنى أخذ الشهر القمرى من لیلة رؤیة الهلال إلى لیلتها كما ذهب الیه المسلمون یمكن أن تكون أربعة أشهر متوالیات ثلاثین یوما و لا یزید على ذلك قط كما یمكن أن تكون ثلاثة أشهر متوالیات تسعة و عشرین یوما و لا یزید على هذا المقدار أیضا قطّ على ما حقق فی محلّه ، و ذكر الدلیل ینجرّ إلى بحث طویل . و هذا هو الشهر القمرى الحقیقى المبتنى على وضع القمر مع الشمس و أما الوسطى فهو مصطلح أهل الحساب فیأخذون مبدء الشهر من الاجتماع الوسطى و یجعلون المحرم ثلاثین یوما و الصفر تسعة و عشرین یوما ، و هكذا كل فرد ثلاثین یوما و كلّ زوج تسعة و عشرین یوما ، و فی طول ثلاثین سنة یأخذون ذا الحجة إحدى عشر مرة ثلاثین یوما و یسمونها كبائس ، و برهانه مذكور فی الكتب

[ 161 ]

المبرهنة فی الفنّ ، و هذا الشهر الوسطى هو مبنی الجداول فی كتب الأعمال أعنی الزیجات .

و مقدار الشهر الوسطى ما حوسب و استخرج فی الزیج البهادری و هو أدق الزیجات :

یكون تسعة و عشرین یوما و احدى و ثلاثین دقیقة و خمسین ثانیة و ثمانی ثوالث على أن كلّ یوم ستون دقیقة و كلّ دقیقة ستون ثانیة .

« فائدتان »

الاولى

انك دریت أن وضع الجداول فی الزیجات على الامر الاوسط و لا مساس له فى الرؤیة اعنى ان المنجمین یرتّبون حركات الكواكب فى الجداول على ذلك النهج الاوسط فاذا أرادوا ان یعلموا رؤیة هلال أو تقویم كوكب او خسوف و كسوف او مقدار الایام و اللیالى و غیر ذلك من الامور احتاجوا إلى محاسبة ثانیة من تلك الجداول باعمال التعدیلات على الطرق المعلومة عند العالمین بها فلیس مبنی الجداول أولا على السیر الحقیقی و التقویم الواقعی للكواكب .

و یعبر الزیج فی تعابیر الفقهاء بالجدول و ما فی كتب الفقهیّة كاللمعة للشهید الاول ( ره ) فی كتاب الصوم فی رؤیة الهلال لا عبرة بالجدول ، حق لان مبنی الجداول أعنی الزیجات على عدّ شهر تامّا و شهر ناقصا حتى یمكن ضبطها و وضعها فی الجداول فالجدول فی تعابیر الفقهاء كان بهذا المعنی و لا اعتبار به قبل المحاسبة ثانیة لكل امر لا انه لیس على مبنی صحیح و معتبر و ذلك كما ترى ان محاسبا یخبران فی یوم كذا و ساعة كذا ینكسف الشمس مثلا فی مقدار كذا و مدة كذا فترى ما اخبر مطابقا للواقع و ان ظهر خلافه فغلّط هو فى عمله .

الفائدة الثانیة

ان شهر رمضان كسائر الشهور تارة یكون ثلاثین یوما و تارة تسعة و عشرین یوما لان الشهر القمرى كما دریت یكون من لیلة رؤیة الهلال إلى لیلة رؤیة الهلال و القمر قد یخرج تحت شعاع الشمس فى الیوم التاسع و العشرین فیرى الهلال عند مغیب الشمس و قد لا یخرج فی ذلك الیوم فیصیر الشهر ثلاثین یوما و لیس للنّیرین فی شهر رمضان وضع خاص حتى یكون دائما ثلاثین یوما و لیس لشهر رمضان تأثیر خاص فی ذلك .

[ 162 ]

و فی التهذیب عن محمّد بن الفضیل قال سألت أبا الحسن الرضا علیه السّلام عن الیوم الّذی یشكّ فیه لا یدری اهو من شهر رمضان أو من شعبان فقال : شهر رمضان شهر یصیبه ما یصیب الشهور من الزیادة و النقصان فصوموا للرؤیة و افطروا للرؤیة الحدیث .

و ذهب رئیس المحدثین الصدوق رضوان اللّه علیه إلى ان شهر رمضان لا ینقص عن ثلاثین یوما ابدا و روى فى الخصال بإسناده عن إسماعیل بن مهران قال سمعت جعفر بن محمّد علیهما السّلام یقول و اللّه ما كلّف اللّه العباد إلا دون ما یطیقون انما كلفهم فى الیوم و اللیلة خمس صلوات و كلفهم فى كلّ الف درهم خمسة و عشرین درهما و كلفهم فى السنة صیام ثلاثین یوما و كلفهم حجة واحدة و هم یطیقون أكثر من ذلك .

ثمّ قال ( ره ) مذهب خواصّ الشیعة و أهل الاستبصار منهم فی شهر رمضان انه لا ینقص عن ثلاثین یوما ابدا و الاخبار فی ذلك موافقة للكتاب و مخالفة العامة فمن ذهب من ضعفة الشیعة إلى الاخبار التی وردت للتقیّة فی انه ینقص و یصیبه ما یصیب الشهور من النقصان و التمام اتقى كما یتقى العامة و لم یكلم الا بما یكلم به العامة .

و قریب من قوله هذا ما فی الفقیه .

أقول : و هذا الكلام منه قدس سرّه مع جلالة شأنه غریب جدّا و الاخبار الناطقة فی ذلك إما یشیر إلى صوم یوم الشك حیث تغیّمت السماء او إلى امور اخر ذكروها شراح الاحادیث على ان شیخ الطائفة قدس سرّه ردّ تلك الاخبار فی التهذیب بوجوه فمن شاء فلیرجع الیه او إلى الوافى و غیره من الكتب المبسوطة .

ثمّ ان شراح الأحادیث و فقهاء الامامیّة لا سیما الشیخ الطوسی فی الهذیبین و ان ذكروا فى ردّ تلك الاخبار القائلة بان شهر رمضان لا ینقص عن ثلاثین ابدا و توجیهها وجوها كثیرة و لكن ههنا دقیقة تبصّر بها و ذكرها فی حاشیة الوافی شیخنا الاجل و استادنا الاعظم الجامع للعلوم النقلیة و العقلیة و المتبحر فی الفنون الغریبة الحاج المیرزا أبو الحسن الشعرانی متعنا اللّه بطول بقائه یعجبنی ان اذكرها تیمنا بما قال و تمثلا له فی البال ، قال مدّ ظله :

أقول : عادة المنجمین ان یحاسبوا الشهور الهلالیة اولا على الامر الاوسط و یرتبون الایام و یستخرجون مواضع الكواكب فی تلك الایام ثم یرجعون و یستخرجون

[ 163 ]

رؤیة الأهلة و یرتبون الشهور و یعینون غرة كل شهر على حسب الرؤیة فاذا بنوا على الامر الاوسط حاسبوا شهر محرم تاما و صفر ناقصا فهكذا فیكون شعبان ناقصا و رمضان تاما و هذا بحسب الأمر الاوسط و هو عادتهم من قدیم الدهر الا ان هذا عمل یبتدون به فی الحساب قبل ان یستخرج الأهلة فإذا استخرج الهلال بنوا على الرؤیة و كان بعض الرواة سمع ذلك من عمل المنجمین فاستحسنه لان نسبة النقصان إلى شهر رمضان و هو شهر اللّه الأعظم یوجب التنفیر و اسائة الادب فنسبه إلى بعض الائمة علیهم السّلام سهوا و زادوا فیه و العجب ان الصدوق رحمه اللّه روى الأحادیث فى الصوم للرؤیة و الافطار لها و روى أحادیث الشهادة على الهلال و روى احكام یوم الشك و لو كان شعبان ناقصا ابدا و شهر رمضان تاما ابدا لا تنفى جمیع هذه الاحكام و بطلت جمیع تلك الروایات و لا یبقى یوم الشك و لم یحتج إلى الرؤیة .

و أمّا الفرق بین السنة الهجریة القمریة و الهجریة الشمسیة فنقول : مبدءهما الأوّل واحد و هو مهاجرة نبیّنا خاتم الأنبیاء صلّى اللّه علیه و آله من مكة إلى المدینة كما مرّ بیانه مفصّلا إلاّ انهم فی صدر الاسلام جعلوا مبدء القمریة من المحرّم و جعل فی قرب عصرنا مبدء الشمسیة من تحویل الشمس إلى الحمل و ما كان الاصل فی ذلك هو السنة الهجریة القمریة لما دریت ان العرب اعتبروا الشهور و الاعوام من دور القمر فالشهر من لیلة رؤیة الهلال إلى لیلتها ثمّ ركّبوا اثنى عشرة شهرا قمریا و سموها سنة و مضى من هجرة نبینا صلّى اللّه علیه و آله إلى هذا الیوم الّذی نحرّر ذلك المطلب و هو یوم الاثنین ثامن ربیع الاوّل یوم وفاة امامنا أبی محمّد الحسن بن علىّ العسكرى علیه السّلام ،

اثنان و ثمانون و ثلاثمأة و الف سنة و شهران و ثمانیة أیام .

و أمّا الهجریة الشمسیة و إن كان مبدءهما الأوّل هجرة الرسول صلّى اللّه علیه و آله إلاّ انّه تاریخ حدیث وضعوه فى طهران عاصمة ایران و كان مبدءه السنة 1304 الشمسیة و هو مبنی على اثنى عشرة شهرا شمسیا كتاریخ الجلالى و اسامى الشهور بعینها اسامى الیزدجردى و هى : فروردین ، اردیبهشت ، خوردا ، تیر ، مرداد ، شهریور ، مهر ،

آبان ، آذر ، دى ، بهمن ، اسفند و جعلوا الشهور الستّ الأوّل احدا و ثلاثین یوما

[ 164 ]

و الست الآخر ثلاثین یوما إلاّ ان شهر اسفند یكون فى الكبیسة ثلاثین یوما و فى غیره تسعة و عشرین یوما و بهذه الحیلة نشروا الخمس المسترقة فى الشهور تسهیلا للامر و مبدء السنة یكون من یوم تحویل الشمس إلى أوّل الحمل إن كان تحویلها قبل نصف النهار و إلاّ فالیوم الذى بعده و مضى من تلك السنة إلى الیوم احدى و أربعون و ثلاثمأة و الف سنة .

و التفاوت بینهما ناش من حیث إن الأوّل مبتن على حركة القمر و تكون السنة مركبة من اثنى عشر شهرا قمریا و الثانى على حركة الشمس فالسنة مركبة من اثنى عشر شهرا شمسیّا .

و الشهر القمرى الحقیقى على الزیج البهادرى هو تسعة و عشرون یوما و اثنتى عشر ساعة و أربع و أربعون دقیقة و ثلاث ثوانى و ثلاث ثوالث و تسع روابع و ست و ثلاثون خامسة .

فلا جرم ان السنة القمریة الحقیقیة أربع و خمسون و ثلاثمأة یوم و ثمانی ساعات و ثمانی و أربعون دقیقة و ست و ثلاثون ثانیة و سبع و ثلاثون ثالثة و خمس و خمسون رابعة و اثنتا عشر خامسة الحاصلة من ضرب عدد الشهر القمری فی اثنى عشرة .

و السنة الشمسیة الحقیقیة على ما رصد فی الزیج البهادرى و صرّح به فی الصفحة الثامنة و الثلاثین منه :

خمسة و ستون و ثلاثمأة یوما و خمس ساعات و ثمانی و أربعون دقیقة و ست و أربعون ثانیة و ست ثوالث و عشر روابع .

فالتفاوت بین السنة الشمسیّة الحقیقیة و القمریة الحقیقیة هو عشرة أیام و احدى و عشرون ساعة و تسع ثوانى و ثمانی و عشرون ثالثة و اربع عشرة رابعة و ثمانی و اربعون خامسة . و هذا هو التحقیق فی ذلك المقام بما لا مریة فیه و لا كلام و بالجملة مبدء تاریخ المسلمین المعمول به عند جمهورهم هو أوّل شهر المحرّم من سنة هجرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من مكة زادها اللّه شرفا إلى المدینة الطیّبة .

و ذهب محمّد بن إسحاق المطلبی كما فی السیرة النبویة لابن هشام التی هی منتخبة ممّا الفه ابن إسحاق ، و غیره إلى ان مبدأه یكون شهر ربیع الأوّل حیث

[ 165 ]

قال : قدم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله المدینة یوم الاثنین حین اشتدّ الضّحاء و كادت الشمس تعتدل لثنتی عشرة لیلة مضت من شهر ربیع الأوّل و هو التاریخ و هذا متروك عند المسلمین .

و یمكن ان یكون الضمیر اعنی هو فی قوله و هو التاریخ راجعا إلى قدومه و هجرته من مكة إلى المدینة فلا تنافی

« ذكر الاخبار فى ذلك »

قال أبو جعفر الطبرى فی تاریخه المعروف : قال عبید اللّه بن أبی رافع قال سمعت سعید بن المسیب یقول جمع عمر بن الخطّاب الناس فسألهم فقال من أىّ یوم نكتب فقال على علیه السّلام من یوم هاجر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و ترك أرض الشرك ففعله عمر .

و فیه بإسناده عن الشعبى قال كتب ابو موسى الأشعرى إلى عمر انه تأتینا منك كتب لیس لها تاریخ قال فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم ارخ لمبعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و قال بعضهم لمهاجر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال عمر لابل نؤرخ لمهاجر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فان مهاجره فرق بین الحق و الباطل .

و فیه عن میمون بن مهران قال رفع إلى عمر صكّ محله فی شعبان فقال عمر أیّ شعبان الّذى هو آت او الّذى نحن فیه ؟ قال ثمّ قال لأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ضعوا للناس شیئا یعرفونه فقال بعضهم اكتبوا على تاریخ الروم فقیل انهم یكتبون من عهد ذى القرنین فهذا یطول و قال بعضهم اكتبوا على تاریخ الفرس فقیل إنّ الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله فاجتمع رأیهم على ان ینظرواكم اقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالمدینة فوجدوه عشر سنین فكتب التاریخ من هجرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

و فیه قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال ارّخوا فقال عمر ما أرخوا قال شی‏ء تفعله الاعاجم یكتبون فى شهر كذا من سنة كذا فقال عمر حسن فارّخوا فقالوا من أىّ السنین نبدأ قالوا من مبعثه و قالوا من وفاته ثمّ اجمعوا على الهجرة ثمّ قالوا فأىّ الشهور نبدأ فقالوا رمضان ثمّ قالوا المحرّم فهو منصرف الناس من حجهم و هو شهر حرام فاجمعوا على المحرّم .

[ 166 ]

الترجمة

از كلام آنحضرت است كه رفتن خود را در پى پیغمبر صلّى اللّه علیه و آله و رسیدن بآن جناب بعد از مهاجرت حضرتش از مكه بسوى مدینه حكایت میكند :

پس شروع كردم ، پیروى میكردم آن راهى را كه پیمبر خدا رفته بود ، پس بیاد او گام مینهادم تا به عرج رسیدم ( كنایة از اینكه از ابتداء خروج از مكّه تا این موضع پیوسته از آنجناب خبر میگرفتم و بر اثر نشان او قدم میزدم عرج بر وزن خرج موضعى است بین مكه و مدینه و بمدینه نزدیكتر است ) .

سید رضى رضوان اللّه علیه در مدح كلام مولى میگوید : این جمله گفتار آن حضرت ( فاطأ ذكره ) كلامى است كه در نهایت اعجاز و غایت فصاحت از آنجناب صادر شد . اراده كرده است از آن كه من ابتداء بیرون آمدن از مكه تا رسیدن بدین موضع همواره از آنحضرت خبر میگرفتم ، این مطلب را باین كنایه عجیب اداء فرموده است .

هجرت پیغمبر ( ص ) از مكه بمدینه و جانشین شدن على علیه السّلام آن بزرگوار را و در فراش او خفتن باختصار

كفار مكه از هر قبیله‏اى تنى چند برگزیدند كه پیغمبر اكرم صلّى اللّه علیه و آله را شبانه در بستر خوابش بقتل رسانند و چون بنو عبد مناف قوه مقابله و مقاتله با جمیع قبائل ندارند بدیت راضى شوند ، جبرئیل رسول خدا صلّى اللّه علیه و آله را از سوء نیت آن گروه اعلام فرمود و حضرتش را به مهاجرت اشارت كرد .

پیغمبر اكرم صلّى اللّه علیه و آله على علیه السّلام را از آن اخبار فرمود و وى را جانشین خود قرار داد و زن و فرزندان و ودائعى را كه مردم از جهت اطمینان و اعتمادى كه به پیغمبر داشتند در نزد وى بامانت نهاده بودند بدست على علیه السّلام سپرد ، أمیر المؤمنین امر آنجناب را بیدریغ امتثال كرد و در جاى رسول خدا صلّى اللّه علیه و آله بخفت و در حقیقت جانش را وقایه و فداى پیغمبر اكرم صلّى اللّه علیه و آله گردانید كه رسول اللّه شبانه با ابو بكر بغار ثور رفته و سه شب در غار بسر برد تا جان بسلامت بدر برد و سپس بسوى مدینه مهاجرت فرمود .

و آیه كریمه و من الناس من یشرى نفسه ابتغاء مرضات اللَّه و اللَّه رؤف بالعباد در شأن

[ 167 ]

على علیه السّلام در این موضوع نازل شد .

كفار چون گرد خانه پیغمبر صلّى اللّه علیه و آله را گرفتند و على علیه السّلام را بجاى پیغمبر دیدند نا امید شدند . أمیر المؤمنین علیه السّلام سه روز در مكه بود و ودائع را بصاحبانش برگردانید و سپس با زن و فرزندان پیغمبر بسوى مدینه بدان راهى كه رسول خدا صلّى اللّه علیه و آله گام نهاد رهسپار شد . و مبدء تاریخ هجرى چه قمرى چه شمسى از اینجا آغاز میگردد .

بر مسلمان خردمند پوشیده نیست كه این عمل أمیر المؤمنین علیه السّلام موجب انتظام دین و ایمان و سبب خذلان اهل كفر و عدوان شد . على علیه السّلام جان خویش را در طاعت خدا و حفظ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بخشیده و در فراش رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بخفت تا حضرتش را از كید اعداء برهانید و امر ملّت و دین و سلامت و بقاء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كتاب اللّه بدان انتظام یافت و حافظ و حامى شریعت سید المرسلین صلّى اللّه علیه و آله گردید چه خداوند فرمود نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون و بر خردمند هوشیار معلوم است كه بذل مال و كالا در ازاء بذل نفس بیمقدار است و الجود بالنفس اقصى غایة الجود .