[ 237 ] و من خطبة له ع فی المسارعة إلى العمل

فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِی نَفَسِ اَلْبَقَاءِ وَ اَلصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ اَلتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ وَ اَلْمُدْبِرُ یُدْعَى وَ اَلْمُسِی‏ءُ یُرْجَى قَبْلَ أَنْ یَخْمُدَ اَلْعَمَلُ وَ یَنْقَطِعَ اَلْمَهَلُ وَ یَنْقَضِیَ اَلْأَجَلُ وَ یُسَدَّ بَابُ اَلتَّوْبَةِ وَ تَصْعَدَ اَلْمَلاَئِكَةُ فَأَخَذَ اِمْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَ أَخَذَ مِنْ حَیٍّ لِمَیِّتٍ وَ مِنْ فَانٍ لِبَاقٍ وَ مِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ اِمْرُؤٌ خَافَ اَللَّهَ وَ هُوَ مُعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ وَ مَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ اِمْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا وَ زَمَّهَا بِزِمَامِهَا فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِی اَللَّهِ وَ قَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اَللَّهِ

المختار المأتان و الخامس و الثلاثون

و من خطبة له علیه السّلام : فاعملوا و أنتم فی نفس البقاء و الصّحف منشورة ،

و التّوبة مبسوطة ، و المدبر یدعى ، و المسی‏ء یرجى قبل أن یخمد العمل و ینقطع المهل ، و ینقضی الأجل ، و یسدّ باب التّوبة ، و تصعد الملائكة فأخذ امرؤ من نفسه لنفسه ، و أخذ من حیّ لمیّت ، و من فان لباق ، و من ذاهب لدائم ، امرؤ خاف اللّه و هو معمّر إلى أجله ، و منظور إلى عمله امرؤ ألجم نفسه بلجامها ، و زمّها بزمامها ، فأمسكها بلجامها عن معاصى اللّه ، و قادها بزمامها إلى طاعة اللّه .

[ 168 ]

اللغة

( فی نفس البقاء ) أى فى سعته . و النفس بالتحریك كالسبب السعة و الفرج و المهلة و الفسحة . فى الصحاح للجوهرى : و النفس بالتحریك ، یقال انت فى نفس من امرك أى فى سعة .

( الصحف ) جمع الصحیفة أى الكتاب و تجمع على الصحائف أیضا و المراد به هنا صحائف اعمال الانسان ( التوبة ) اصلها الرجوع عمّا سلف و لذا فسّر الزمخشرى قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب علیه ( البقرة یة 36 ) : أى فرجع علیه بالرحمة و القبول و فى الاصطلاح الندم على الذنب لقبحه عند العدلیة و لذا عرفوها على التفصیل بقولهم : هى الندم على المعصیة لكونها معصیة مع العزم على ترك المعاودة فى المستقبل و بعبارة اخرى الندم على القبیح مع العزم ان لا یعود إلى مثله فى القبح كما یأتى شرحها و تفسیرها . و التوبة إذا اسند إلى اللّه تعالى تكون صلته على كقوله تعالى : فتاب علیه و قوله تعالى : و ارنا مناسكنا و تب علینا ( البقرة یة 123 ) و إذا اسند إلى العبد تكون صلته إلى كقوله تعالى : یا أیّها الّذین آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحاً ( التحریم یة 8 ) فى صحاح الجوهرى : و تاب إلى اللّه توبة و متابا و قد تاب اللّه علیه وفّقه لها .

و قال الطبرسى فى المجمع : التوبة و الاقلاع و الانابة فى اللغة نظائر و ضدّ التوبة الاصرار و اللّه تعالى یوصف بالتواب و معناه انه یقبل التوبة عن عباده و اصل التوبة الرجوع عما سلف و الندم على ما فرط فاللّه تعالى تائب على العبد بقبول توبته و العبد تائب إلى اللّه تعالى بندمه على معصیته ( یدعى و یرجى ) كل واحد منهما ناقص واوى من دعو و رجو و یحتمل إن یكون یرجى من الارجاء اى التاخیر و الامهال و قلب الهمزة یاء لغة فیه فقلب الهمزة یاء ثمّ ابدل الفا و منه قوله تعالى فى الاعراف و الشعراء قالوا ارجه و اخاه قال الجوهرى فى صحاح اللغة ارجأت الامر : اخّرته ،

بالهمز و بعض العرب یقول ارجیت ، و لا یهمز .

( یخمد ) فى الصحاح : خمدت النار تخمد خمودا إذا سكن لهبها و لم یطفأ جمرها و خمدت الحمّى سكن فورانها ، و جاء من بابى نصر و علم قال یزید بن حمان

[ 169 ]

السكونى فی الحماسة الثالثة و التسعین .

انّی حمدت بنى شیبان اذ خمدت
نیران قومى و فیهم شبّت النار

و روى ( یحمد العمل ) بالهاء المهملة و الاول اولى و انسب بقرینة ینقطع ( المهل ) بالتحریك كالأجل : التّؤدة و قال المرزوقی فی شرحه على الحماسة المهل و المهل و المهلة تتقارب فی اداء معنى الرفق و السكون ، و المراد به ههنا العمر الّذی امهل الناس فیه .

( الاجل ) بالتحریك : مدّة الشی‏ء ، وقت الموت ، غایة الوقت .

( فاخذ ) امر فی صورة الخبر اى فلیأخذ .

( میت ) فیعل من الموت و اصله میوت كسیّد سیود من السودد ، قال نظام الدین النیشابورى فی شرحه على الشافیة لابن الحاجب : نحو سید لیس مكرر العین إذ لم یوجد فعل بكسر العین فی الاسماء الصحیحة و لا فعل بفتحها و فیعل بالكسر و ان لم یوجد فی الصحیح إلاّ انهم وجدوا فیعلا بالفتح نحو صیرف و ضیغم فكانهم خصّوا الاجوف بالكسر لمناسبة الیاء ( اللجام ) معرب لگام كما فی الصحاح اللجام فارسىّ معرّب .

( قادها ) قدت الفرس و غیره أقود قودا إذا مشیت أمامه آخذا بمقوده عكس ساق یقال ساق الدّابة سوقا من باب قال كقاد إذا حثّها على السیر من خلف .

الاعراب

كلمة الفاء فی قوله علیه السّلام فاعملوا لمجرد الترتیب و التقدیر انتم فی نفس البقاء و . . . فاعملوا قبل ان یخمد العمل .

الواو فی ( و انتم فی نفس البقاء ) للحال و الجملة مبتداء و خبر و الجمل الاربع بعدها معطوفة علیها اى و الحال انتم فی نفس البقاء و الحال الصحف منشورة و هكذا .

( قبل ان یخمد العمل ) الظرف متعلق بقوله فاعملوا ، و الجمل الاربع بعدها معطوفة علیها اى فاعملوا قبل ان ینقطع المهل و فاعملوا قبل ان ینقضى الاجل و هكذا

[ 170 ]

( فاخذ امرؤ من نفسه لنفسه ) اخذ فعل ماض اقیم مقام الامر اعنى انه امر فی صورة الخبر أى فلیأخذ و كلمة ( فا ) رابطة للجواب بالشرط و التقدیر إذا كان كذلك فلیأخذ ، و كلمتا من و اللام الجارتین متعلقان باخذ و اللام للتعلیل و كذا الجمل الثلاث التالیة .

( امرؤ خاف ) بدل لامرؤ فی قوله فاخذ امرؤ و كذا قوله امرؤ ألجم نفسه .

( و الواو ) فی و هو معمر للحال و منظور عطف على معمر .

و قوله ( فامسكها بلجامها ) الى قوله ( طاعة اللّه ) مفصلة و مبینة لقوله ألجم نفسه بلجامها و زمها بزمامها فالفاء فیها للترتیب لان تلك الفاء تكون فی عطف مفصل على مجمل كما فى مغنى اللبیب و هذا المقام كذلك كقوله تعالى فقد سئلوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا اللَّه جهرة و نحو قوله تعالى و نادى نوح ربّه فقال رب ان ابنى من أهلى الآیة .

و الباءات الاربع للاستعانة نحو كتبت بالقلم و نجرت بالقدوم و الاولى متعلقة بألجم و الثانیة بزمّ و الثالثة و الجارة تالیها بامسك و الرابعة و تالیها بقاد .

المعنى

فى هذه الخطبة یحرّض علیه السّلام النّاس و یحثهم على طاعة اللّه و المتاب إلیه تعالى و نهى النفس عن الهوى و سوقها إلى الكمالات الانسانیة و یحذرهم عن القنوط من رحمة اللّه و سوء الظنّ به تعالى و الیأس من روح اللّه بأن باب التوبة مفتوح و وقت العمل باق فقال علیه السّلام :

( فاعملوا و انتم فى نفس البقاء ) اى فاعملوا لآخرتكم و خذوا من ممركم لمقركم و الحال انتم فى سعة من البقاء و الحیاة فلم یتصرم وقت العمل فاغتنموا الفرص و كونوا ابناء الوقت .

قوله علیه السّلام ( و الصحف منشورة ) أى الصحائف التى كتب فیها أعمال الخلائق منشورة لم یطو بعد و انما یطوى بانقضاء الاجل أى فاعملوا و انتم احیاء بعد لما علمت ان صحیفة اعمال الانسان لا یطوى الا إذا مات فالانسان متى لم یجى‏ء اجله فهو فى

[ 171 ]

سعة ان یعمل الصالحات .

قوله علیه السّلام ( و التوبة مبسوطة ) أى ان التوبة لیست مردودة علیكم و لا مقبوضة عنكم ان فعلتموها فهى مبسوطة و بابها مفتوح للانسان إلى قبیل موته .

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى آخر خطبة خطبها كما فى من لا یحضره الفقیه للصدوق قدس سره : من تاب قبل موته بسنة تاب اللّه علیه ثمّ قال و ان السنة لكثیرة من تاب قبل موته بشهر تاب اللّه علیه ثمّ قال و ان الشهر لكثیر من تاب قبل موته بیوم تاب اللّه علیه ثم قال و ان الیوم لكثیر من تاب قبل موته بساعة تاب اللّه علیه ثمّ قال الساعة لكثیرة من تاب و قد بلغت نفسه هذه و اهوى بیده إلى حلقه تاب اللّه علیه .

و فى مجمع البیان بعد نقل هذه الروایة عن الفقیه قال : و روى الثعلبى باسناده عن عبادة بن الصامت عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله هذا الخبر بعینه إلا انه قال فی آخره و الساعة لكثیرة من تاب قبل ان یغر غربها تاب اللّه علیه .

و فى الكافی لثقة الاسلام الكلینی قدس سرّه فی باب وقت التوبة : عن بكیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام او عن أبی جعفر علیه السّلام : قال ان آدم قال یا ربّ سلّطت علىّ الشیطان و اجریته مجرى الدم منّی فاجعل لی شیئا فقال یا آدم جعلت لك انّ من همّ من ذرّیتك بسیّئة لم یكتب علیه شی‏ء فان عملها كتبت علیه سیّئة و من همّ منهم بحسنة فان لم یعملها كتبت له حسنة فان هو عملها كتبت له عشرا قال یا ربّ زدنی قال جعلت لك انّ من عمل منهم سیّئة ثمّ استغفر غفرت له قال یا ربّ زدنى قال جعلت لهم التوبة و بسطت لهم التوبة حتى یبلغ النفس هذه قال یا ربّ حسبی .

و فیه أیضا فی ذلك الباب عن ابن وهب : قال خرجنا إلى مكّة و معنا شیخ متعبد متأله لا یعرف هذا الأمر یتمّ الصلاة فی الطریق و معه ابن اخ له مسلم فمرض الشیخ فقلت لابن اخیه لو عرضت هذا الأمر على عمّك لعل اللّه تعالى ان یخلّصه فقال كلّهم دعوا الشیخ حتّى یموت على حاله فانّه حسن الهیئة فلم یصبر ابن اخیه حتّى قال له یا عمّ إن النّاس ارتدّوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلاّ نفرا یسیرا و كان لعلیّ بن أبیطالب علیه السّلام من الطاعة ما كانت لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كان بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله

[ 172 ]

الحق و الطاعة له قال فتنفّس الشیخ و شهق و قال انا على هذا و خرجت نفسه فدخلنا على أبی عبد اللّه علیه السّلام فعرض علیّ بن السرّى هذا الكلام على أبی عبد اللّه علیه السّلام فقال هو رجل من أهل الجنة فقال له علیّ بن السرّى إنّه لم یعرف شیئا من ذلك غیر ساعته تلك قال فتریدون منه ماذا قد دخل و اللّه الجنّة .

و فی الكافی عن زرارة عن أبیجعفر علیه السّلام قال إذا بلغت النفس هذه و اومى بیده إلى حلقه لم یكن للعالم توبة و كانت للجاهل توبة .

و فی ریاض السالكین فی شرح الصحیفة لسیّد الساجدین علیه السّلام فی الدعاء الحادى و الثلاثین : قال بعض المفسرین و من لطف اللّه تعالى بالعباد ان أمر قابض الارواح بالابتداء فی نزعها من اصابع الرجلین ثمّ تصعد شیئا فشیئا إلى ان تصل إلى الصدر ثمّ تنتهى إلى الحلق لیتمكن فی هذه المهلة من الاقبال على اللّه تعالى و الوصیّة و التوبة ما لم یعاین و الاستحلال و ذكر اللّه سبحانه فتخرج روحه و ذكر اللّه على لسانه فیرجى بذلك حسن خاتمته .

و ههنا مباحث :

الاول كما فى المجلى و غیره ان التعلق بالجسمانیات موجب لبعد النفس عن المعقولات و اشتغالها بالمجردات لشدة تعلقها و عظم انغماسها فی عالم الطبیعة فیحصل البعد الموجب للحرمان عن الوصول إلى الكمال .

و فى الكافى للكلینى « ره » فى غوائل الذنوب و تبعاتها : عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال كان أبى یقول ما من شی‏ء افسد للقلب من خطیئة إن القلب لیواقع الخطیئة فما تزال به حتّى تغلب علیه فیصیر اعلاه اسفله .

و قال الفیض « ره » فى الوافى فى بیانه : یعنى فما تزال تفعل تلك الخطیئة بالقلب و تؤثر فیه بحلاوتها حتّى یجعل وجهه الّذى إلى جانب الحقّ و الآخرة إلى جانب الباطل و الدّنیا فحقیقة التوبة الاقلاع عن ذلك التعلق و نفى العلاقة و جذب النفس عن عالم الاجسام حتّى یصیر ذلك ملكة لها لیتعلق بعالم التطهیر و الحصول مع القدیسین و بذلك ینجو عن ورطة الحجاب و البعد بسبب الالتفات إلى

[ 173 ]

المعقولات و التعلق بالمجردات فان البعد عن احد الجانبین مقرب إلى الآخر و من هذا قوله صلّى اللّه علیه و آله الدنیا و الآخرة ككفتى میزان ایّهما رجحت نقصت الاخرى و قال بعض أهل الحكمة انهما كالضرّتین الانس بأحدهما یوجب الوحشة من الاخرى .

و بالجملة الامور الدّنیویة و التعلق بها توجب الحرمان و منع التعلق بالامور الاخرویة و بقدر ما یبعد عن احدهما یقرب من الاخرى و عبر صلّى اللّه علیه و آله عن هذه الجملة بقوله : الدنیا رأس كلّ خطیئة فلا یتحقق التوبة المعتبرة عند أهل اللّه إلاّ بالاعراض عن الاحوال الدّنیویة بالكلّیة بحیث لا یلتفت الیها و یبعدها عن مطمح نظره كما جاء فی الحدیث : الدّنیا محرمة على أهل الآخرة و الآخرة محرّمة على أهل الدّنیا و هما معا محرّمتان على أهل اللّه و لهذا قیل إن التوبة على ثلاثة أنواع عام للعبید كلّهم و هى التوبة عن ترك الطاعة و فعل القبیح ، و خاص بأهل الورع و هى التوبة عن فعل المكروه و ترك المندوب ، و أخص من الخاص و هى التوبة عن الالتفات إلى غیر اللّه و هى لأهل الولایة الّذین هم فى مرتبة الحضور فى اغلب الاوقات ، و توبة نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و اولیائه من هذا القبیل و منه قوله : صلّى اللّه علیه و آله إنّه لیغان على قلبى و إنّى لأستغفر اللّه فى الیوم سبعین مرة ، و أهل هذه الطبقة هم أهل المراقبة .

الثانى إن التوبة عن المعاصى واجبة على العباد و هو مبتن على مقدمة و هى :

إن الحسن و القبح امران عقلیان و هذا حكم متفق علیه بین العدلیة من الامامیة و المعتزلة و ذهبت الاشاعرة إلى أن الحسن و القبح إنّما یستفادان من الشرع فكلما أمر الشرع به فهو حسن و كلما نهى عنه فهو قبیح و لو لا الشرع لم یكن حسن و لا قبیح و لو أمر اللّه تعالى بما نهى عنه لانقلب القبیح إلى الحسن و القول بثبوت الحسن و القبح عقلا مما یدّعى فیه أهل التحقیق الضرورة و مع ذلك نقول كما فى المجلى :

لا ریب إن الحسن و القبیح قد استعملا لما یلائم الطبع و لما ینافیه فیقال للأوّل حسن و للثانى قبیح و یقالان باعتبار النقص و الكمال فما هو كمال یقال له الحسن و ما هو نقص یقال له قبیح فمن الأوّل قولهم هذا طعم حسن و طعم قبیح و صورة حسنة و صورة قبیحة باعتبار ملائمة الطبع و منافرته ، و من الثانى قولهم العلم

[ 174 ]

حسن و الجهل قبیح و مدرك هذا الحسن و القبیح فى الموضعین هو العقل عند الكل بلا مریة و ریب .

و أمّا باعتبار استحقاق المدح و الذم بان یقال الحسن ما یستحق فاعله المدح و القبیح ما استحق فاعله الذم فهل هو مدرك بالعقل ذلك موضع نزاع 1 و أكثر العقلاء على ثبوتهما به بذلك المعنى و خالف الأشاعرة فیه و قالوا لا حكم للعقل فی ثبوتهما به بذلك المعنى بل انما الحاكم بذلك الشرع فما مدح فاعله الشرع فحسن و ما ذمّه فقبیح و هذا الأصل هو مبنى قواعد العدلیّة و مخالفوهم إذ مع تحقق ثبوت الحسن و القبح عقلا یمكن للعقل المجال فى البحث عن اثباتهما و نفیهما باعتبار حسن المدح و الذم عنده على تقدیر وقوعهما من الفاعل المختار و لذا اسندوا القبائح إلى مباشرها القریب و نفوا جمیع القبائح عن الحكیم تعالى نظرا إلى حكمته باعتبار ان وقوع القبیح مستلزم للذم عند العقل المنزه جناب الحق تعالى عنه المقدس عن النقائص و اثبتوا بذلك جمیع الواجبات العقلیة على اللّه تعالى و على غیره نظرا

-----------
( 1 ) و بعبارة اخرى الحسن و القبح یطلق على ثلاثة معان : الاول على صفة الكمال و النقص كما یقال العلم حسن و الجهل قبیح بمعنى ان العلم صفة توجب كمال صاحبه و ارتفاع شأنه و النقص سبب لنقص صاحبه و انخفاض شأنه . الثانى على ما یلائم الطبع و المطلب الذى یرید ان یفعله فما وافقه فهو حسن فما خالفه فهو قبیح . الثالث استحقاق المدح و جزاء الخیر او استحقاق الذم و جزاء الشر سواء كان من جانب العقلاء او من جانب اللّه تعالى سواء كان فى الدنیا او فى الاخرة و الحسن و القبح على الاولین لا خلاف فیه و الكل متفق فى ان الافعال بعضها فى نفس الامر متصف بالحسن او القبح العقلیین و بعضها یوافق الغرض المطلوب و بعضها لا یوافق و انما الاختلاف فى الثالث فذهب العدلیة و جمهور الحكما الى ان افعال العباد فى نفس الامر متصفة بالحسن و القبح العقلیین و الاشاعرة قالوا لا حكم للعقل فى ثبوتهما بذلك المعنى بل انما الحاكم بذلك هو الشرع فقط و بتعبیر اخصروا بین ان الاشاعرة قائلون بان الحسن و القبح على المعنیین الاولین عقلى و على الثالث شرعى لا حكم للعقل فیه .

[ 175 ]

إلى انّ العقل یقسم الحسن عنده إلى ما ینتهى إلى الرجحان فى جانب العقل إلى أن ینتهى إلى المنع من الترك فقالوا بوجوب التكلیف و جمیع فروعه على اللّه تعالى و اوجبوا على العاقل شكر المنعم و النظر فى الامور العقلیة و قالوا إنّه مكلّف بهما و إن لم یرد الشرع بذلك و لهذا سموهم العدلیّة .

و أمّا الاشعرى فلما لم یقل بثبوتهما عقلا لم یثبت شیئا من ذلك عنده بل قالوا إن اللّه تعالى اخبر فی الشرع بجمیع ذلك فكل قبیح و حسن انما یعلم باعلامه و لولاه لما كان للعقل علم بشی‏ء منهما فلا یقبح من اللّه شی‏ء و لا یجب علیه شی‏ء و كل ما سواه صادر عنه بناء على ما اصلوه و هذا تحقیق أصل مذهب الفریقین فی باب الافعال و لكل من الفریقین دلائل مذكورة فی مواضعها .

و قال العلامة الحلى قدس سرّه فى شرحه على تجرید الاعتقاد : و قد شنّع أبو الحسین على الاشاعرة باشیاء ردیّة و ما شنّع به فهو حقّ إذ لا تتمشى قواعد الاسلام بارتكاب ما ذهب إلیه الاشعریة من تجویز القبائح علیه تعالى و تجویز اخلاله بالواجب و ما ادرى كیف یمكنهم الجمع بین المذهبین و اعلم انّه لا یشك عاقل إن الصدق المشتمل على النفع حسن فی نفسه و الكذب المشتمل على الضرر قبیح فی نفسه سواء لا حظ الشرع أو لا فان العاقل متى عرض ذلك على نفسه و فرض نفسه خالیا عن الشرع جزم به من غیر أن یخالجه شكّ فیه و لا یعبأ بمن انكر الضرورة إذ هو مكابر بمقتضى عقله فلا یلتفت إلیه و لهذا إن العاقل متى خیر بین الصدق و الكذب عند اختیار ما استوت منفعته و مضرّته باعتبار وقوع أیّهما منه یمیل إلى الصدق و یختاره و ما ذلك إلاّ لعلمه بما فیه من الحسن الذاتی و بما فی الكذب من القبح الذاتى و إنّما یتغیران بعوارض تعوق العقل عن اتباعهما لا عن العلم بهما فقد یختار الكذب و یترك الصدق إمّا لاشتمال الأوّل على مصلحة او منفعة عاجلة و اشتمال الثانی علی مضرة عاجلة او حصول منفعة فیمیل بحسب الطبیعة إلى مخالفة العقل طلبا لتلك الفائدة و ترجیحا لها لا لتغیر فی الصدق و الكذب عن الحسن و القبح الذاتیین لهما و ذلك بیّن تشهد به العقول السلیمة عن آفة الالفة و المحبّة و التقلید .

[ 176 ]

و بوجه آخر لو كان مدرك الحسن و القبح هو الشرع وحده لزم أن لا یتحققا بدونه لكن اللازم باطل فالملزوم مثله بیان الملازمة إنّه على ذلك التقدیر یكون الشرع علة فی ثبوتهما او شرطا فی تحققهما و یستحیل وجود المعلول بدون وجود العلة و ثبوت المشروط بدون الشرط فعلى تقدیر أنهما شرعیان یجب أن لا یحصلا الابه و بیان بطلان اللازم أن من لا یعتقد الشرع من اصناف الكفار كاهل الهند و البراهمة و الملاحدة یجزمون بحسن الصدق و قبح الكذب و وجوب شكر المنعم و یذمّون فاعل الكذب و تارك الشكر و یمدحون فاعله و فاعل الحسن من غیر ان یتوقفون فی ذلك على الشرع لانهم لا یعتقدون به .

فان قلت جاز ان یكون المدرك لذلك طباعهم .

قلت الطباع مختلفة فلو كان المدرك لذلك طباعهم لما تحقق اتفاقهم فیه لكن الأمر لیس كذلك فلا یكون إلا عقلیا .

إن قلت جاز ان یكون ذلك ثابتا عندهم بشریعة سابقة نسختها هذه الشریعة .

قلت إنما تجد هذا الحكم عند من ینفى الشرائع البته بل و یقبح النبوات فلا یكون ذلك الوهم حاصلا بالنسبة إلیه مع أن هذا المعتقد فی هذا الوقت لا یعرف تلك الشریعة و لا النّبیّ الّذى جائها حتّى یكون حكمه باعتبار الشرع .

فان قلت إن اللّه تعالى اجرى عادته بخلق هذه العلوم عند تصوراتهم .

قلت لا یجدى ذلك نفعا إذ لا یسمى ذلك شرعا إتفاقا فلا یكون إلاّ حكما عقلیا .

ثمّ نقول إن كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع و یعاضد العقل فیما حكم به كوحدة الصانع و حسن الاحسان و شكر المنعم و وفاء العهد و اداء الامانة و قبح الكذب و الظلم و نقض العهد و الخیانة و كفر النعمة و غیرها من الامور المدركة عند العقل و أمّا كلّ ما حكم به الشرع من الأحكام الخمسة المتعلقة على افعال العباد فیحكم به العقل إن وصل إلیه و ادركه . مثلا إن الشارع تعالى احلّ اكل الغنم بشرط أن یذبح على شرائط الذبح و إن مات هذا الغنم حتف انفه او لم یراع بعض تلك الشروط

[ 177 ]

للذبح فهو میتة فحرّمها لمفسدة كامنة فیها فان ادرك العقل ما فى المیتة من المفسدة یقضى على وجوب اجتنابها و یذمّ آكلها و یقبح عمله و كذا إن الشارع تعالى اوجب صوم شهر رمضان و لا ریب إنّه حسن فی نفس الأمر و حرم صیام یوم الفطر و هو قبیح فی نفس الأمر فلو ادركها العقل حقّ الإدراك لحكم بحسن الأوّل و وجوبه و قبح الثانی و حرمته .

و لذا قال المتكلمون إن البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد و عدّوا من تلك الفوائد هذین : معاضدة العقل فیما یدلّ علیه ، و استفادة الحكم فیما لا یدلّ .

و الاحكام الخمسة مبتنیة على مصالح و مفاسد كامنة فی الافعال و الاشیاء خلافا للاشاعرة قائلین بأن الحسن و القبح یستفادان من الشرع فكلما امر الشرع به فهو حسن و كلما نهى عنه فهو قبیح و لو لا الشرع لم یكن حسن و لا قبیح كما دریت .

و بالجملة العدلیّة أعنی الامامیة و المعتزلة و جمهور الحكماء ذهبوا إلى أن الأحكام معللة بالمصالح و المفاسد الذاتیة الكامنة فی الأشیاء و ان أفعال العباد متصفة فی نفس الأمر بالحسن و القبح أدركهما العقل أم لا لأنّه لو كان جمیع الأفعال فی الحسن و القبح و النفع و الضرّ على السواء و مع ذلك كان بعضها مأمورا به و فعله مطلوبا و بعضها الآخر منهیا عنه و تركه مطلوبا للزم الترجیح بلا مرجح و التخصیص بلا مخصص و هو فی نفسه محال و صدوره من الحكیم العلیم القدیر قبیح و ممتنع و للحكماء و المتكلمین من العدلیة فی إبرام هذا المعنی ورد أدلة الاشاعرة ادلّة اخر أعرضنا عنها خوفا للاطالة .

و قد حصرت على سبیل الاجمال فی الضروریات الخمس الكلیّة الّتی علّلت بها الأحكام الشرعیّة الكلیّة فان كلّ واحد منها حرم لحفظ شى‏ء من تلك الكلیّات الّتی هی الضروریات الّتی لا یستقیم النوع إلاّ بحفظها ففی من لا یحضره الفقیه لرئیس المحدثین الصدوق رضوان اللّه علیه و فى باب علل تحریم الكبائر من الوافی للفیض قدس سرّه نقلا عنه :

كتب علیّ بن موسى الرضا علیه السّلام إلى محمّد بن سنان فیما كتب من جواب مسائله :

[ 178 ]

حرّم اللّه قتل النفس لعلة فساد الخلق فی تحلیله لو احلّ و فنائهم و فساد التدبیر .

و حرّم اللّه تعالى عقوق الوالدین لما فیه من الخروج من التوقیر للّه تعالى و التوقیر للوالدین و كفر النعمة و إبطال الشكر و ما یدعو من ذلك إلى قلة النسل و انقطاعه لما فی العقوق من قلة توقیر الوالدین و العرفان بحقهما و قطع الأرحام و الزهد من الوالدین فی الولد و ترك التربیة لعلّة ترك الولد برّهما .

و حرّم اللّه الزنا لما فیه من الفساد من قتل الأنفس و ذهاب الأنساب و ترك التربیة للأطفال و فساد المواریث و ما أشبه ذلك من وجوه الفساد .

و حرّم اللّه عزّ و جلّ قذف المحصنات لما فیه من فساد الأنساب و نفی الولد و إبطال المواریث و ترك التّربیة و ذهاب المعارف و ما فیه من الكبائر و العلل الّتی تؤدی إلى فساد الخلق .

و حرّم اللّه أكل مال الیتیم ظلما لعلل كثیرة من وجوه الفساد : أوّل ذلك إذا أكل الانسان مال الیتیم ظلما فقد اعان على قتله إذا لیتیم غیر مستغن و لا متحمّل لنفسه و لا قائم بشأنه و لا له من یقوم علیه و یكفیه كقیام والدیه فاذا أكل ماله فكانه قد قتله و صیّره إلى الفقر و الفاقة مع ما حرّم اللّه علیه و جعل له من العقوبة فی قوله تعالى و لیخش الّذین لو تركوا من خلفهم ذرّیة ضعافاً خافوا علیهم فلیتقوا اللَّه و لیقولوا قولاً سدیداً و لقول أبی جعفر علیه السّلام إن اللّه تعالى اوعد فی أكل مال الیتیم عقوبتین عقوبة فی الدّنیا و عقوبة فی الآخرة ففی تحریم مال الیتیم استبقاء الیتیم و استقلاله لنفسه و السلامة للعقب أن یصیبهم ما أصابه لما أوعد اللّه عزّ و جلّ فیه من العقوبة مع ما فی ذلك من طلب الیتیم بثاره إذا ادرك وقوع الشحناء و العداوة و البغضاء حتّى یتفانوا .

و حرّم اللّه الفرار من الزحف لما فیه من الوهن فی الدّین و الاستخفاف بالرسل صلوات اللّه و سلامه علیهم و الائمة العادلة علیهم السّلام و ترك نصرتهم على الاعداء و العقوبة لهم على إنكار ما دعوا إلیه من الاقرار بالربوبیة و اظهار العدل و ترك الجور

[ 179 ]


و اماتته و الفساد و لما فی ذلك من جرأة العدوّ على المسلمین و ما یكون فی ذلك من السى و القتل و إبطال حق اللّه تعالى و غیره من الفساد .

و حرّم اللّه تعالى التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدّین و ترك الموازرة للأنبیاء و الحجج علیهم أفضل الصلوات و ما فی ذلك من الفساد و إبطال حقّ كلّ ذی حقّ حقّه لا لعلة سكنى البدو و لذلك لو عرف الرجل الدّین كاملا لم یجز له مساكنة أهل الجهل و الخوف علیه لانه لا یؤمن إن وقع منه ترك العلم و الدخول مع أهل الجهل و التمادى فی ذلك .

و علة تحریم الربا لما نهى اللّه تعالى و لما فیه من فساد الأموال لان الانسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمین كان ثمن الدرهم درهما و ثمن الآخر باطلا فبیع الربا و شراؤه و كس على كلّ حال على المشترى و على البائع فحظر اللّه تعالى على العباد الربا لعلة فساد الأموال كما حظر على السفیه أن یدفع إلیه ماله لما یتخوف علیه من إفساده حتّى یو ؟ ؟ منه رشده فلهذه العلة حرّم اللّه تعالى الربا و بیع الربا بیع الدرهم بالدرهمین .

و علة تحریم الربا بعد البیّنة لما فیه من الاستخفاف بالحرام المحرم و هی كبیرة بعد البیان و تحریم اللّه تعالى لها لم یكن ذلك منه إلاّ استخفافا بالمحرّم الحرام و الاستخفاف بذلك دخول فی الكفر .

و علة تحریم الربا بالنّسیة لعلّة ذهاب المعروف و تلف الأموال و رغبة النّاس فی الربح و تركهم للقرض و القرض صنائع المعروف و لما فی ذلك من الفساد و الظلم و فناء الأموال .

و فى الفقیه أیضا عن جابر عن زینب بنت علیّ علیه السّلام قالت قالت فاطمة علیها السلام فی خطبتها فی معنی فدك : للّه بینكم عهد قدّمه الیكم و بقیة استخلفها علیكم كتاب اللّه بیّنة بصائره و آى منكشفة سرائره و برهان منجلیة ظواهره مدیم للبریة استماعه و قائد إلى الرضوان اتّباعه مؤدّیا إلى النجاة أشیاعه فیه تبیان حجج اللّه المنورة و محارمه المحذورة و فضائله المندوبة و جمله الكافیة و رخصه الموهوبة و شرائعه المكتوبة و بیناته الجالیة ففرض اللّه الایمان تطهیرا من الشرك و الصلاة

[ 180 ]

تنزیها عن الكبر و الزكاة زیادة فی الرزق و الصیام تبیینا للاخلاص و الحجّ تسنیة للدّین و العدل تسكینا للقلوب و الطاعة نظاما للملّة و الامامة لمّا من الفرقة و الجهاد عزّ الاسلام و الصبر معونة على الاستیجاب و الأمر بالمعروف مصلحة للعامة و برّ الوالدین وقایة عن السخط و صلة الاحارم منماة للعدد و القصاص حقنا للدماء و الوفاء بالنذر تعریضا للمغفرة و توفیة المكاییل و الموازین تعبیرا للحنیفیّة « تعییرا للبخسة ظ » و قذف المحصنات حجبا عن اللعنة و السرقة ایجابا للعفّة و أكل أموال الیتامی إجارة من الظلم و العدل فی الأحكام ایناسا للرعیّة و حرّم اللّه الشرك إخلاصا له بالرّبوبیة فاتقوا اللّه حقّ تقاته فیما أمركم اللّه به و انتهوا عمانهاكم .

و فیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام : إنّما حرّم الربا كیلا یمتنعوا من صنائع المعروف .

و فیه عن أبی جعفر علیه السّلام إنّما حرّم اللّه عزّ و جلّ الربا لئلا یذهب المعروف .

و فیه أیضا : سأل هشام بن الحكم أبا عبد اللّه علیه السّلام عن علّة تحریم الربا فقال إنّه لو كان الربا حلالا لترك النّاس التجارات و ما یحتاجون إلیه فحرّم اللّه الربا لیفرّ النّاس من الحرام إلى الحلال و التجارات و إلى البیع و الشرى فیبقى ذلك بینهم فی القرض .

و قال الفیض قدس سرّه فی الوافی : و لتحریم الربا علّة اخرى ذكرها بعض أهل المعرفة حیث قال آكل الربا اسوء حالا من جمیع مرتكبى الكبائر فان كل مكتسب له توكل ما فی كسبه قلیلا كان أو كثیرا كالتاجر و الزارع و المحترف لم یعیّنوا أرزاقهم بعقولهم و لم یتعیّن لهم قبل الاكتساب فهم على غیر معلوم فی الحقیقة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أبى اللّه أن یرزق المؤمن إلاّ من حیث لا یعلم و أمّا آكل الربا فقد عیّن مكسبه و رزقه و هو محجوب عن ربّه بنفسه و عن رزقه بتعیینه لا توكّل له اصلا فوكلّه اللّه تعالى إلى نفسه و عقله و أخرجه من حفظه و كلائته فاختطفته الجن و خبلته فیقوم یوم القیامة و لا رابطة بینه و بین اللّه عزّ و جلّ كسائر النّاس المرتبطین به بالتوكّل فیكون كالمصروع الّذى مسّه الشیطان فیخبطه لا یهتدى إلى مقصد .

[ 181 ]

فإذا دریت إن أفعال العباد متصفة فی نفس الأمر بالحسن و القبح العقلیین فنقول إن الأحكام المتعلقة بها تكون على خمسة أقسام لان الحسن ینقسم إلى الأحكام الأربعة الواجب و المندوب و المباح و المكروه و القبیح حرام فتصیر أحكام الحسنة مع القبیح خمسة و وجه الحصر كما فی المجلى و شرح التجرید للعلامه :

ان العقل عند حدوث الفعل إما أن یصفه بوصف زائد على حدوثه أولا یصفه بغیر الحدوث و الثانی حركات غیر القاصد كالساهى و النائم و الأوّل لا یخلو ذلك الوصف إمّا جزم العقل بالنفرة منه و هو القبح و إلاّ فهو الحسن ثمّ الحسن إن رجّح جانب الفعل إلى حدّ یمنع العقل من تركه فهو الواجب و الافندب و إن كان راجح الترك رجحانا لا یصل إلى المنع من فعله حتّى ینفر العقل منه فمكروه و إن تساوى طرفى الفعل و الترك فمباح فالقبیح ما كان على حدّ ینفر العقل منه بحیث یذم فاعله و الحسن ما لیس كذلك .

فالواجب منه ما یحكم العقل بوجوب المدح لفاعله و الذمّ لتاركه و المكروه ما لا یستحق الذمّ بفعله و یستحق المدح بتركه و الندب ما یستحق المدح بفعله و لا ذم فی تركه و المباح ما لا یستحق بفعله و لا بتركه مدحا و لا ذما .

و لیعلم أن هذا التقسیم منطبق على تقسیم القضایا الثلاث العقلیة أعنی الوجوب و الامكان و الامتناع فان الواجب لمّا كان راجح الفعل ممنوع من تركه كان نظیر الواجب لذاته الّذى هو راجح الوجود غیر جائز العدم .

و الحرام لما كان راجح الترك غیر جائز فعله كان كالممتنع الّذى هو راجح العدم و لا یصحّ وجوده .

و المندوب لما كان راجح الفعل مع جواز الترك كان كالممكن الواجب بعلته مع جواز العدم علیه باعتبار ذاته .

و المكروه لما كان راجح الترك مع جواز الفعل كان كالممتنع بغیره فانه راجح العدم مع جواز الوجود باعتبار ذاته .

و المباح لما كان متساوى طرفى الفعل و الترك من غیر ترجیح لاحدهما كان كالممكن الصرف الّذى لم یلاحظ معه علّة الوجود و لا علّة العدم .

[ 182 ]

فاذا علمت فى هذه المقدمة أن الاحكام الخمسة مبتنیة على المصالح و المفاسد الكائنة فى الأشیاء و أفعال العباد و حرّم هذه لمفسدة و ضرر و أحلّ ذلك لمصلحة و نفع و ما حرّم فهو قبیح فی نفس الأمر و أن ارتكاب القبائح و المعاصی یبعد الانسان عن اللّه تعالى و یوجب الحرمان و عن كماله اللائق له و كذا الاخلال بالواجب و لا ریب ان إزالة المضار واجبة فی العقول لان الذنوب سموم مهلكة فیجب علیه عقلا و شرعا أن یتوب إلى اللّه أی یندم على ترك الواجب و فی القبیح فی الماضی لقبحه و أن یعزم على ترك المعاودة إلیه فالتوبة واجبة لدفعها الضرر و لوجوب الندم على كلّ قبیح لقبحه او اخلال بالواجب و على هذا التحقیق یستفاد فوریة وجوب التوبة أیضا كما لا یخفى .

و إنّما قلنا و لوجوب الندم على كلّ قبیح لیشمل الدلیل الصغایر لو اعترض معترض أن قولنا لدفعها الضرر لا یشمل الصغائر .

و قال العلامة الشّیخ البهائی قدس سره كما فی ریاض السالكین لا ریب فی وجوب التوبة على الفور فان الذنوب بمنزلة السموم المضرّة بالبدن و كما یجب على شارب السمّ المبادرة إلى الاستفراغ تلافیا لبدنه المشرف على الهلاك كذلك یجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى تركها و التوبة منها تلافیا لدینه المشرف على الاضمحلال قال و لا خلاف فی أصل وجوبها سمعا للامر الصریح بها فی القرآن و الوعید و الحتم على تركها فیه قال تعالى یا أیها الّذین آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحاً و قال و من لم یتب فاولئك هم الظالمون و انما الخلاف فی وجوبها عقلا فأثبته المعتزلة لدفعها ضرر العقاب .

و هذا كما لا یخفى لا یدلّ على وجوب التوبة عن الصغایر ممن یجتنب الكبائر لانها تكفره حینئذ و لذا ذهب البهشمیة إلى وجوبها عن الصغائر سمعا لا عقلا نعم الاستدلال بأن الندم على القبیح من مقتضیات العقل الصحیح یعم القسمین .

و أمّا فوریة الوجوب فقد صرّح به المعتزلة و قالوا یلزم بتأخیرها ساعة اثم آخر تجب التوبة منه أیضا حتى أن من أخّر التوبة عن الكبیرة ساعة واحدة فقد

[ 183 ]

فعل كبیرتین و ساعتین أربع كبائر الأولیان و ترك التوبة عن كل منهما و ثلاث ساعات ثمان كبائر و هكذا و أصحابنا یوافقونهم على وجوب الفوریة لكنهم لم یذكروا هذا التفصیل فیما رأیته من كتبهم الكلامیّة .

ثمّ ان التوبة عن الذنوب تكون على صور تختلف بحسب اختلاف المعاصی و ذلك كما فی شرح التجرید للعلامة و المجلى لابن أبی جمهور الاحسائی و احیاء العلوم للغزالی و غیرها من الكتب الكلامیة و غیرها : انّ التوبة اما ان تكون من ذنب یتعلق به حقه تعالى خاصّة أو یتعلق به حق الآدمی ، و الأوّل إما أن تكون من فعل قبیح كشرب الخمر و الزنا ، أو اخلال بواجب كترك الزكاة و لصلاة فالأول یكفى فی التوبة منه الندم علیه و العزم على ترك العود إلیه .

و اما الثانی فیختلف أحكامه بحسب القوانین الشرعیّة فان الذنب إذا لم یكن مستتبعا لأمر آخر یلزم الاتیان به شرعا كلبس الحریر و شرب الخمر و سماع الغناء كفى الندم علیه و العزم على عدم العود إلیه و لا یجب سوى ذلك و ان كان مستتبعا لأمر آخر من حقوق اللّه أو من حقوق النّاس مالیا أو غیر مالى وجب مع التوبة الاتیان به فمنه ما لا بدّ مع التوبة منه أداءه كالزكاة و منه ما یجب معه القضاء كالصلاة و منه ما یسقطان عنه كالعیدین و هذا الأخیر یكفى فیه الندم و العزم على ترك المعاودة كما فی فعل القبیح و إما یتعلق به حق الادمی فیجب فیه الخروج إلیهم منه فان كان أخذ مال وجب ردّه على مالكه أو على ورثته إن مات ، و لو لم یتمكن من ذلك وجب العزم علیه و كذا إن كان حد قذف و إن كان قصاصا وجب الخروج إلیهم منه بأن یسلم نفسه إلى أولیاء المقتول فإما أن یقتلوه أو یعفوا عنه بالدیة أو بدونها و إن كان فی بعض الأعضاء وجب تسلیم نفسه لیقتص منه فی ذلك العضو إلى المستحق من المجنى علیه أو الورثة .

بل فی حقوق النّاس غیر المالیة ان كانت غیر حدّ كقضاء الفوات و صوم الكفارة و نحوهما یجب الاتیان بها مع القدرة كالمالیة و إن كان حدّا فالمكلف مخیّر بین الاتیان بذلك الأمر و بین الاكتفاء بالتوبة من الذنب المستتبع له ،

فالمكلف مخیّر فی الحدود إن شاء اقرّ بالذنوب عند الحاكم لیقام علیه و ان شاء

[ 184 ]

ستره و اكتفی بالتوبة فلا حدّ حینئذ علیه ان تاب قبل قیام البینة به عند الحاكم .

و ان جنى علیه فی دینه بان یكون قد أضلّه بشبهة استنزله بها وجب إرشاده من الضلال و ارجاعه عما اعتقده بسببه من الباطل ان امكن ذلك فان مات قبل التمكن أو تمكن منه و اجتهد فی حلّ الشبهة فلم تنحل من نفس ذلك الضال فلا عقاب علیه لانه قد استفرغ جهده .

و ان اغتاب أحدا فان بلغ المغتاب اغتیابه یلزم علیه الاعتذار عنه إلیه و الاستحلال منه لانه أوصل إلیه مضرة الغم فوجب علیه ازالة ذلك بالاعتذار منه و الندم علیه و ان لم یبلغه لا یلزم علیه الاعتذار و لا الاستحلال منه لأنه لم یفعل به ألما و فی كلا القسمین یجب الندم للّه تعالى لمخالفته النهى و العزم على ترك المعاودة . و كذلك الكلام ان یسمع غیبته ، كذا قال غیر واحد من الامامیة و غیرهم فی الغیبة .

و قال ابن أبی جمهور الاحسائی فی المجلی : و روى وجوب الاستغفار له ،

یعنی یجب على المغتاب « على الفاعل » الاستغفار للمغتاب « على المفعول » .

و فی الكافی و الفقیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال سئل النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ما كفارة الاغتیاب قال تستغفر اللّه لمن اغتبته كلّما ذكره .

و فی مجمع البیان فی سورة الحجرات فی قوله تعالى و لا یغتب بعضكم بعضاً و عن جابر قال قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ایاكم و الغیبة فان الغیبة اشد من الزنا ثم قال ان الرجل یزنى ثمّ یتوب فیتوب اللّه علیه و ان صاحب الغیبة لا یغفر له حتّى یغفر له صاحبه و سیأتی الكلام فی الغیبة فی محلّه إنشاء اللّه تعالى على التفصیل و البسط و نقل الأقوال و الأخبار و جمعها .

و لیعلم أن الاتیان بما یستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت و اداء حقوق اللّه و الناس و غیرها لیس شرطا و شطرا فی صحة التوبة .

و لذا قال المحقق الطوسی فی التجرید بعد ذكر أداء الحقوق مطلقا : و لیس ذلك اجزاء ، یعنی لیس تلك الامور اجزاء التوبة حتّى لا یصح التوبة بدونها لانتفاء الكل بدون الجزء .

[ 185 ]

و هذا ردّ على المعتزلة لانهم ذهبوا كما فی ریاض السالكین فی شرح صحیفة سید الساجدین علیه السّلام إلى أن ردّ المظالم شرط فی صحة التوبة فقالوا لا تصح التوبة عن مظلمة دون الخروج عن تلك المظلمة كردّ المال و الاستبراء منه أو الاعتذار إلى المغتاب و استرضائه ان بلغه الغیبة و نحو ذلك .

و ذهب أصحابنا الامامیة و وافقهم الاشعریة إلى أن ذلك واجب برأسه لا مدخل له فی الندم على ذنب آخر .

قال الامدی : إذا أتى بالمظلمة كالقتل و الضرب مثلا وجب علیه أمران :

التوبة و الخروج عن المظلمة ، و هو تسلیم نفسه مع الامكان لیقنص منه و من أتى بالتوبة فقد أتى بأحد الواجبین و من أتى بأحد الواجبین فلا تكون صحة ما أتى به متوقفة على الاتیان بالواجب الآخر كما لو وجب علیه صلاتان فأتى باحدیهما دون الاخرى .

و قال شیخنا البهائی قدس سرّه : و اعلم أن الاتیان بما یستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت و أداء الحقوق و التمكین من القصاص و الحدّ و نحو ذلك لیس شرطا فی صحة التوبة بل هذه واجبات برأسها و التوبة صحیحة بدونها و بها تصیر أكمل و أتم .

قال بعض العلماء : التوبة تنتظم من امور ثلاثة : علم و حال و عمل أما العلم فهو الیقین بان الذنوب سموم مهلكة و حجاب بین العبد و محبوبه و هذا الیقین یثمر حالة ثانیة هى التألم لفوات المطلوب و التأسف عن فعل الذنوب و یعبر عن هذه الحالة بالندم و هى تثمر حالة ثالثة هى ترك الذنوب فى الحال و العزم على عدم العود إلیها فى الاستقبال و تدارك فى الماضى من حقوق اللّه تعالى و حقوق الناس و لو لم یمكنه ذلك أى تدارك حقوق النّاس كان علیه أن یكثر من العبادة لیبقى له قدر الكفایة فى القیامة بعد أخذ حقوقهم منها .

و هذه الامور مرتبة فى الحصول و یطلق اسم التوبة تارة على مجموعها و تارة على الندم وحده و یجعل العلم كالمقدمة و الترك كالثمرة فیكون الندم محفوفا

[ 186 ]

بالطرفین الطرف الأول مثمر الندم و الطرف الآخر ثمرته كما قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إن الندم على الشرّ یدعو الى تركه .

و ترتب هذه الامور غیر مختص بالتوبة بل انتظام الصبر و الشكر و التوكل و الرضا و غیر ذلك من المقامات الدینیّة ینتظم من علم و حال و عمل .

و هذه الامور الثلاثة إذا قیس بعضها إلى بعض لاح للنّاظرین إلى الظواهر ان العلوم مطلقا انما تراد للأحوال و الاحوال انما تراد للأعمال و أما أهل البصائر و اولوالالباب فالأمر عندهم بالعكس فان الاعمال عندهم تراد للأحوال و الأحوال تراد للعلوم فالافضل العلوم ثمّ الاحوال ثمّ الأعمال لأن كل مراد لغیره یكون ذلك الغیر لا محالة أفضل منه .

الثالث اختلفوا فى أن التوبة المبعّضة أى التوبة من قبیح دون قبیح تصحّ أم لا فذهب أبو هاشم المعتزلى و جماعة إلى عدم صحّتها و ذهب أبو على و جماعة إلى جواز ذلك و صحتها .

و احتج القائلون بعدم الجواز على أن التوبة و الندم عن القبیح إنما هو لقبحه و إلا لم یكن توبة حقیقة و القبح عام متحقق فی الكلّ و حاصل فی الجمیع فلو تاب من بعضها دون بعض كشف ذلك عن كونه غیر تائب عن القبیح لعلة القبح لان الاشتراك فی العلّة یوجب الاشتراك فی المعلول و عند التبعیض تنتفى التوبة لانها لم تحصل لعلة القبح بل لامر آخر یوجد فی هذا دون ذاك كمن یتوب من المعصیة حفظا لسلامة بدنه أو لعرضه بحیث لا ینثلم عند الناس أو لأمر آخر فان مثل هذا لا یعدّ توبة لانتفاء الندم على القبیح لقبحه فلو كان لكان عامّا فی الجمیع حتى قالوا ان تاب خوفا من النّار فان كان الخوف هو الغایة فی توبته بحیث لولا خوفها لم یتب من الذنوب فلا تصح توبته لانه لم یتب منها و لم یندم عنها لقبحها و إن لم یكن خوف النّار هو الغایة للتوبة بل یندم و یتوب لانها قبیح و مع ذلك فیها عذاب النار بحیث لو لم یكن القبح لما ندم علیها و إن كان فیها عذاب النّار صحّت توبته .

[ 187 ]

و كذلك الحكم فى الاخلال بالواجب بمعنى انه إن ندم علیه لانه اخل بالواجب و اجمع على فعل الواجب فالتوبة صحیحة و إن تاب خوفا من النار أو من فوات الجنة فان كان ذلك الخوف هو الغایة لم تصحّ توبته أیضا و إلا لكانت صحیحة و لذا لو اعتذر المسى‏ء إلى المظلوم لا لاجل إساءته بل لخوفه من عقوبة لم یقبل العقلاء عذره كما فی شرح التجرید للعلامة ( ره ) و المجلى و غیرهما .

و احتج المثبتون على جوازه قیاسا على جواز الاتیان بواجب دون واجب یعنون بذلك أنه لو لم یصحّ التوبة عن قبیح دون قبیح لم یصحّ الاتیان بواجب دون واجب و التالی باطل فالمقدم مثله بیان الشرطیّة إذ كما یجب على التائب ترك القبیح لقبحه كذا یجب علیه فعل الواجب لوجوبه فلو لزم من اشتراك القبائح فی القبح عدم صحّة التوبة من بعضها دون بعض لزم من اشتراك الواجبات فی الوجوب عدم صحّة الاتیان بواجب دون واجب آخر و أما بطلان التالی فبالاجماع إذ لا خلاف فی صحّة صلاة من أخل بالصّوم .

و أجابهم القائلون بعدم الجواز بالفرق بین ترك القبیح لقبحه و فعل الواجب لوجوبه بان التعمیم فی الترك واجب دون الفعل فان من قال لا آكل الرمان لحموضته یجب علیه الامتناع من مجموعه لعلّة الحموضة التی هی سبب لجهة الاتحاد فی الترك و المنع بخلاف من قال أنا آكله لحموضته فانه لا یجب ان یأكل جمیعه بل یحصل الفعل بأكل رمانة واحدة فافترقا .

قال فی المجلی مع أن القیاس لا یكون حجّة فی أمثال هذه المباحث فقال :

أقول تحقیق حصول الفرق فی هذا القیاس أن التعلیل المذكور كان قیاسا لترك القبیح على فعل الواجب لاشتراكهما فی العلّة و هی وجوب فعل الواجب لوجوبه و وجوب ترك القبیح لقبحه و هذا القیاس لا یتمّ لحصول الفرق بین الاصل و الفرع فیه لأن أحدهما فی باب الفعل و الآخر فی باب الترك فلا یتحدان فی العلة لان الاختلاف فی الاصل و الفرع موجب لاختلافهما فی العلة فیوجب الاختلاف فی الحكم فلا یتم القیاس مع وجود الفارق فلا یتمّ التعلیل به .

[ 188 ]

أقول و الصواب صحة التوبة المبعّضة كما ذهب إلیه المحقق الطوسى و العلامة الحلی و الشّیخ البهائی فی شرح الأربعین و الجمهور من الفریقین ، و ذلك لأنّ الافعال تقع بحسب الدواعی و تنتفی بحسب الصوارف فاذا ترجّح الداعی وقع الفعل فجاز أن یرجّح فاعل القبائح دواعیه إلى الندم علیها و ذلك بأن یقترن بعض القبائح بامر زائد كعظم الذنب و كثرة الزواجر عنه أو الشناعة عند العقلاء فعله فان الافعال الكثیرة قد تشترك فی الدواعی ثمّ یوثر صاحب الدواعی بعض تلك الافعال على بعض بأن یرجح دواعیه إلى ذلك الفعل بما یقترن به من زیادة الدواعی فلا استبعاد فی كون قبح الفعل داعیا إلى الندم على ذلك البعض و لو اشتركت القبائح فی قوة الدواعی اشتركت فی وقوع الندم و لم یصح الندم على بعض دون آخر .

و قال العلامة الشیخ البهائی فی شرح الاربعین : و الاصحّ صحّة المبعّضة و الا لما صحّت عن الكفر مع الاصرار على صغیرة و قال العلامة الحلّی و لان الیهودى لو سرق درهما ثمّ تاب عن الیهودیة دون السرقة فانه یكون مسلما بالاجماع .

و المحقق الطوسی ( ره ) فی التجرید بعد ما اختار هذا المذهب اعنی صحّة التوبة المبعّضة قال : و به یتأول كلام أمیر المؤمنین و أولاده علیهم السّلام و هو أن التوبة لا تصحّ عن بعض دون بعض و إلاّ لزم الحكم ببقاء الكفر على التائب منه المقیم على صغیرة .

و قال العلامة فی شرحه بعد تفسیر مختاره : و على هذا ینبغی أن یحمل كلام أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام و كلام أولاده كالرضا و غیره علیهم السّلام حیث نقل عنهم نفى تصحیح التوبة عن بعض القبائح دون بعض لانه لو لا ذلك لزم خرق الاجماع و التالی باطل فالمقدم مثله بیان الملازمة أن الكافر إذا تاب عن كفره و اسلم و هو مقیم على الكذب فاما أن یحكم باسلامه و یقبل توبته عن الكفر أولا و الثانی خرق للاجماع لاتفاق المسلمین على اجراء أحكام المسلمین علیه فالأول هو المطلوب ، و قد التزم أبو هاشم استحقاقه عقاب الكفر و عدم قبول توبته و اسلامه لكن لا یمتنع إطلاق اسم الاسلام علیه .

[ 189 ]

نقل ابن أبی جمهور الاحسائی فی المجلى عن بعض المشایخ ان القبیحین إذا اشتركا فی علة القبیح لم یصحّ التوبة من أحدهما دون الآخر و لو اختلفا فی العلّة بان یكون علة القبح فى أحدهما غیر علّة قبح الآخر صحّ التوبة من أحدهما دون الاخر مثال الاوّل الزنا و اللواط فان العلة فی قبحهما لحفظ النسب فاتحدا فی علة القبح و مثال الثانی الزنا و الشرب فان العلة فی الثانی لحفظ العقل و الاول لحفظ النسب و لا تعلق لاحدهما بالاخر .

ثم قال ابن أبی جمهور و هذا القول عن ذلك البعض قریب من الصواب بل هو التحقیق و حمل كلام أئمة الهدى علیهم السّلام على هذا الوجه انسب مما ذكر فی الاوّل یعنی على ما ذهب إلیه المحقق الطوسی و غیره فی حمل كلامهم علیهم السّلام علیه فتأمل .

فان قلت یأتی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حكمه و مواعظه : قال علیه السّلام لقائل قال بحضرته « أستغفر اللّه » : ثكلتك امّك أتدرى ما الاستغفار ؟ إن الاستغفار درجة العلیین و هو اسم واقع على ستة معان : أوّلها الندم على ما مضى ، و الثانی العزم على ترك العود إلیه أبدا ، و الثالث ان تؤدّی إلى المخلوقین حقوقهم حتى تلقى اللّه املس لیس علیك تبعة ، و الرابع ان تعمد إلى كلّ فریضة علیك ضیّعتها فتؤدّی حقّها ، و الخامس ان تعمد إلى اللحم الذی نبت على السحت فتذیبه بالاحزان حتى تلصق الجلد بالعظم و ینشأ بینهما لحم جدید ، و السادس ان تذیق الجسم ألم الطّاعة كما اذقته حلاوة المعصیة فعند ذلك تقول أستغفر اللّه .

و كلامه علیه السّلام هذا دلیل على عدم جواز التوبة عن قبیح دون قبیح و ان تلك الشرائط الستة كلها شروط فی حصول حقیقة التوبة و الانتفاع بالاستغفار و أنّه بدون اجتماعها غیر نافع فكیف التوفیق ؟

قلت هذا اشارة إلى حقیقة التوبة الكاملة لا مطلق التّوبة كما دریت اجماع المسلمین على قبول توبة یهودی لو سرق درهما حیث تاب عن الیهودیّة دون السرقة و نظائرها .

الرابع اختلف فی التوبة الموقّتة مثل ان لا یذنب إلى سنة فذهب بعضهم إلى بطلانها

[ 190 ]

لأنها إذا ندم على ذنب فی وقت و لم یندم علیه فی وقت آخر ظهر أنه لم یندم علیه لقبحه و إلا ندم علیه فی جمیع الاوقات و إذ لم یكن ندمه لقبحه لم یكن توبة ، و ذهب آخرون إلى صحّتها كما فی الواجبات فانه قد یأتی المأمور ببعضها فی بعض الاوقات دون بعضها و یكون المأتی به صحیحا فی نفسه بلا توقف على غیره مع ان العلة المقتضیة للاتیان بالواجب هی كون الفعل حسنا واجبا غایته أنه إذا عصى بعد ذلك جدّد ذلك الذنب وجوب توبة اخرى علیه .

و تحقیق الحق فی ذلك یبتنی على تمهید مقدمة و هی ان الامامیة و المعتزلة و بالجملة العدلیة اشترطوا فی صحة التوبة ترك المعاودة لذلك الذنب الذی تاب منه أىّ ذنب كان و منعه الاشاعرة لان الشخص قد یندم على الامر زمانا ثمّ یبدو له و اللّه مقلب القلوب قال الامدى التوبة مأمور بها فتكون عبادة و لیس من شرط صحة العبادة المأتى بها فی وقت عدم المعصیة فی وقت آخر بل غایته إذا ارتكب ذلك الذنب مرة ثانیة وجب علیه توبة اخرى و إذا دریت هذه المقدمة فنقول :

الحق فی ذلك عند أصحابنا الامامیّة رضى اللّه عنهم و المعتزلة : الاوّل أى بطلان التوبة الموقتة لانهم قالوا التوبة هی الندم على المعصیة لكونها معصیة و العزم على ترك المعاودة فی المستقبل كما علمت فهم اشترطوا العزم على عدم العود أبدا و هذا الشرط یقتضى بطلانها و اما الاشاعرة فحیث لم یشترطوا ذلك قالوا بالصحة لكن صرّح بعضهم ان الادم على المعصیة لا یخلو من ذلك العزم البتة على تقدیر الخطور و الاقتدار .

فی الكافی للكلینی ( قده ) عن الكنانی قال سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه تعالى یا أیها الذین آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحا قال یتوب العبد من الذنب ثمّ لا یعود فیه .

قال محمّد بن الفضیل سألت عنها أبا الحسن علیه السّلام فقال یتوب من الذنب ثم لا یعود فیه و احب العباد إلى اللّه تعالى المنیبون التوابون .

و فیه أبو بصیر سأل أبا عبد اللّه علیه السّلام عنها فقال هو الذنب الذی لا یعود إلیه أبدا قال

[ 191 ]

قلت و اینا لم یعد ؟ فقال یا با محمّد ان اللّه تعالى یحب من عباده المفتن التواب . « المفتن » من الافتنان أو التفتین بمعنى الایقاع فی الفتنة أى الذنب . فتأمل .

الخامس ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن التوبة إنما تجب من الكبائر المعلوم كونها كبائر و المظنون فیها ذلك و لا تجب من الصغائر المعلوم كونها صغائر لأن التوبة انما تجب رفعا للضرر و هو غیر حاصل فی الصغیرة . و قال آخرون إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل .

و الحقّ عندنا الامامیة أنها تجب من جمیع الكبائر و الصغائر و الاخلال بالواجب سواء تاب عنها قبل أو لم یتب لان ترك التوبة من المعصیة صغیرة كانت أو كبیرة إصرار علیها و هو قبیح لاخلاص منه إلاّ بالتوبة فهى واجبة فی جمیع المعاصى ، و لأن التوبة عن القبیح إنما تجب لكونه قبیحا و هو عام ، و لأن وجه الوجوب هو اشتمال الصغیرة على القبح سواء اشتمل على ضرر أم لا .

السادس ذهب قاضى القضاة المعتزلی إلى أن التائب إن كان عالما بذنوبه على التفصیل وجب علیه التوبة عن كلّ واحد منها مفصلا و ان علم بعضها مفصلا و بعضها مجملا وجب علیه التفصیل فیما علم مفصلا و الاجمال فیما علم مجملا .

و قال العلامة البهائى قدس سره أمّا التوبة المجملة كان یتوب عن الذنوب على الاجمال من دون تفصیلها و هو ذاكر للتفصیل فقد توقف فیها المحقق الطوسى و القول بصحتها غیر بعید إذ لا دلیل على اشتراط التفصیل .

أقول : و لعله قدس سره استفاد توقف المحقق الطوسی فیها من قوله فی التجرید : و فی إیجاب التفصیل مع الذكر اشكال ، حیث إنه لم ینجّز فى ذلك بل عبّر بلفظة اشكال ، و قال العلامة الحلّى فى شرحه بعد ما نقل مذهب قاضى القضاة على ما مرّ آنفا : و استشكل المصنّف یعنى به المحقق الطوسى ایجاب التفصیل مع الذكر لامكان الاجراء بالندم على كلّ قبیح وقع منه و إن لم یذكره مفصّلا . انتهى .