[ 192 ]

و الصواب صحة التوبة المجملة و القول باشتراط التفصیل موهون جدّا نظیر قصد الصوم إذ یكفى فیه نیة الكف عن المفطرات و ان لم یحضرها بباله على التفصیل على أنه لا دلیل على اشتراط التفصیل و انى لذلك البعض المعتزلى اثبات ذلك .

السابع اختلف فى أن المكلف إذا تاب عن معصیة ثمّ ذكرها هل یجب علیه تجدید التوبة أم لا ؟ قال المحقق الطوسى و فى وجوب التجدید أیضا اشكال . و قال العلامة ( ره ) فى الشرح ، قال أبو على نعم أی یشترط تجدید التوبة عند تذكر الذنب بناء على أن المكلف القادر بقدرة لا ینفك عن الضدین إما الفعل أو الترك فعند ذكر المعصیة إمّا أن یكون نادما علیها أو مصرّا علیها و الثّانی قبیح فیجب الأوّل .

و قال أبو هاشم لا یجب لجواز خلوّ القادر بقدرة عنهما فجاز أنه إذا ذكرها لم یندم علیها و لا یشتهى إلیها و لا یتبهج بها .

و قال فی ریاض السالكین فی الرّوضة الحادیة و الثلاثین عند قوله علیه السّلام « فاجعل توبتى هذه توبة لا احتاج بعدها إلى توبة » : قد یستفاد من قوله علیه السّلام فاجعل توبتى « الخ » عدم وجوب تجدید التوبة عند تذكر الذنب خلافا لمن ذهب إلى أن المتذكر للذنب كالمقارف له فیجب علیه تجدید التوبة .

قال الامدى یدل على بطلان ذلك أنا نعلم بالضرورة ان الصحابة و من اسلم بعد كفره كانوا یتذكرون ما كانوا علیه فی الجاهلیة من الكفر و لم یجب علیهم تجدید الاسلام و لا امروا بذلك و كذلك فى كل ذنب وقعت التوبة عنه .

أقول : و لا كلام ان التوبة انما تكون عن ذنب فمن عمل ذنبا فتاب عنه ثمّ تذكر ذلك الذنب لا یكون صرف تذكره ذنبا بالاتفاق فلم یفعل عملا قبیحا و لم یرتكب ذنبا حتّى یتوب عنه فما قال أبو على كان بمعزل عن التحقیق و ما توسل به الامدى مؤید سدید لما اخترناه و حققناه .

الثامن قال فى ریاض السالكین : قال شیخنا البهائى فى شرح الاربعین

[ 193 ]

العزم على عدم العود إلى الذنب فیما بقى من الامر لا بد منه فی التوبة و هل امكان صدوره منه فی بقیّة العمر شرط حتى لوزنا ثمّ جبّ و عزم على أن لا یعود إلى الزنا على تقدیر قدرته علیه لم تصح توبته أم لیس بشرط فتصح ؟ الأكثر على الثانی بل نقل بعض المتكلمین اجماع السلف علیه ، و أولى من هذا بصحّة التوبة من تاب فی مرض مخوف غلب على ظنّه الموت فیه .

أما التوبة عند حضور الموت و تیقن الفوت و هو المعبّر عنه بالمعاینة فقد انعقد الاجماع على عدم صحّتها و نطق بذلك القرآن العزیز قال سبحانه و لیست التوبة للذین یعملون السیئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن و لا الذین یموتون و هم كفّار اولئك اعتدنا لهم عذاباً ألیماً .

و فی الحدیث عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إن اللّه یقبل توبة العبد ما لم یغرغر ، و الغرغرة تردد الماء و غیره من الأجسام المائعة فى الحلق ، و المراد تردد الروح وقت النزع و قد روى محدثوا الامامیّة عن أئمة أهل البیت علیهم السّلام أحادیث كثیرة فى أنه لا تقبل التوبة عند حضور الموت و ظهور علاماته و مشاهدة أهواله .

و كذا قوله تعالى فى سورة یونس فى غرق فرعون و توبته : و جاوزنا ببنى إسرائیل البحر فأتبعهم فرعون و جنوده بغیا و عدواً حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنّه لا إله إلا الذی آمنت به بنو إسرائیل و أنا من المسلمین . الآن و قد عصیت قبل و كنت من المفسدین صریح فى أن التوبة حین الایقان بالهلاك و الموت و الیأس من الحیاة لیست بمقبولة ، لأنه یكون العبد هناك ملجئا إلى فعل الحسنات و ترك القبائح فیكون خارجا عن حدّ التكلیف إذا لا یستحق على فعله المدح و لا الذم و إذا زال عنه التكلیف لم تصحّ منه التوبة ، فعند ظهور علامات الموت و مشاهدة أهواله تصیر الأمر عیانا فیسقط التكلیف كما أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضروریة سقطت التكلیف عنهم .

و فی الفقیه سئل الصّادق علیه السّلام عن قول اللّه تعالى و لیست التوبة للذین یعملون السّیئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنی تبت الآن » قال ذلك إذا

[ 194 ]

عاین أمر الآخرة .

و فی الحدیث : من تاب قبل أن یعاین قبل اللّه توبته ، و فسّر قوله علیه السّلام قبل أن یعاین بمعاینة ملك الموت و هو المروی عن ابن عباس .

و یمكن أن یراد بالمعاینة علمه بحلول الموت و قطعه الطمع من الحیاة و تیقنه ذلك كانه یعاینه ، و أن یراد معاینة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و الوصی علیه السّلام فقد روی أنهما یحضران عند كل محتضر و یبشر انه بما یؤل إلیه من خیر و شرّ ، و معاینة منزلته فی الاخرة كما روی عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنه قال : لن یخرج أحدكم من الدّنیا حتّى یعلم این مصیره و حتى یرى مقعده من الجنّة أو النّار .

و بالجملة تصریح الآیات و الاخبار و برهان العقل و الاجماع على أنّ التوبة عند المعاینة لیست بمقبولة ، و لو كان فی ذلك خبر ظاهره یوهم خلافه فمأوّل إلى ذلك المعنى المبرهن الصحیح على العقل و النقل .

ثمّ الظاهر أن المرض المهلك لیس من باب المعاینة لأن الموت منه لیس بمتحقق قطعا فیمكن انصراف بعض الأخبار المخالف ظاهرها الكتاب و العقل و الاجماع على تلك الحال .

و ما فی الكافی عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إذا بلغت النفس هذه و أومى بیده إلى حلقه لم یكن للعالم توبة و كانت للجاهل توبة ، فتشدید للعالم دون الجاهل للفرق البیّن بینهما .

التاسع المراد بقبول التوبة إسقاط العقاب المترتب على الذنب الّذى تاب منه و سقوط العقاب بالتوبة ممّا أجمع علیه أهل الاسلام و لكن اختلفوا فی أن التوبة تسقط العقاب بذاتها لا على معنی أنها لذاتها تؤثر فی اسقاط العقاب بل على معنی أنّها إذا وقعت على شروطها و الصفة الّتی بها تؤثر فی اسقاط العقاب من غیر اعتبار امر زائد و قال آخرون إنّها تسقط العقاب لكثرة ثوابها و ذهب المحقق الطوسی إلى الأول و استدلّ علیه كما فی التجرید و شرحه للعلامة بوجوه :

الأوّل ان التوبة قد تقع محبطة بغیر ثواب كتوبة الخارجی من الزنا فانّه یسقط

[ 195 ]

بها عقابه من الزنا و لا ثواب لها .

الثانی انّه لو اسقطت العقاب بكثرة ثوابها لم یبق فرق بین تقدم التوبة على المعصیة و تأخرها عنها كغیرها من الطاعات الّتی یسقط العقاب بكثرة ثوابها و لو صح ذلك لكان التائب عن المعاصی إذا كفر أو فسق اسقط عنه العقاب .

الثالث لو اسقطت العقاب لعظم ثوابها لما اختص بها بعض الذنوب عن بعض فلم یكن اسقاطها لما هی توبة عنه بأولى من غیره لأن الثواب لا اختصاص له ببعض العقاب دون بعض .

و المحقق الطوسى أجاب عن حجة المخالف و تقریر تلك الحجة أن التوبة لو اسقطت العقاب لذاتها لأسقطته فی حال المعاینة و فی الدار الآخرة . و الجواب عنها أنها تؤثر فی الاسقاط إذا وقعت على وجهها و هی ان تقع ندما على القبیح لقبحه و فی الآخرة یقع الالجاء فلا یكون الندم للقبیح .

و بالجملة لا خلاف فی سقوط العقاب بالتوبة و إنّما الخلاف فی انّه هل یجب على اللّه تعالى حتّى لو عاقب بعد التوبة كان ظلما او هو تفضل یفعله سبحانه كرما منه و رحمة بعباده ؟ المعتزلة على الأوّل و الاشاعرة على الثانی ، و الیه ذهب الشیخ أبو جعفر الطوسی قدس اللّه روحه فی كتاب الاقتصاد ، و العلامة فی بعض كتب الكلامیة ،

و توقف المحقق الطوسى فی التجرید و مختار الشیخین هو الظاهر و دلیل الوجوب مدخول .

قال ابن أبی جمهور الاحسائی فی المجلی : و المعتزلة بنوه على أصلهم من منع العفو عن الفاسق فلو لم یجب سقوط العقاب بها قبح تكلیف العاصی فان حسنه للتوصل به إلى حصول الثواب و هو لا یجتمع مع استحقاق العقاب عندهم فلا خلاص من العقاب حینئذ فیقبح التكلیف هذا خلف .

و أیضا فان سقوط الذنب عقیب التوبة واجب فكذا العقاب لانّهما معلولا علة واحدة هو فعل القبیح و سقوط أحد المعلولین یستلزم سقوط المعلول الآخر لارتفاع العلة بارتفاع أحدهما فیرتفع الآخر بارتفاعها و لهذا أنّه متى اعتذر إلى من اساء الیه و عرف صحة نیته و خلوص اعتذاره و ندمه وجب ان یسقط ذمه على تلك الاساءة و لهذا ان العقلاء یذمّون من یذمّه عقیب ذلك .

[ 196 ]

و الاعتراض علیه أمّا أوّلا فلابتنائه على منع العفو و هو ممنوع مع جوازان بعض القبائح یقتضی الذّم و لا یقتضی العقاب كما فی حقه تعالى مع العفو . و علم من هذا أن الذّم و العقاب لا تلازم بینهما فى الوقوع و مع عدم التلازم جاز ارتفاع أحدهما دون الآخر نعم هما ملازمان فی الاستحقاق فیتم الكلام على تقدیره . و قریب من ما فی المجلی فی كشف المراد فی شرح تجرید الاعتقاد .

فان قلت لو لم یجب قبولها وجب قبول الاسلام من الكافر فلا یصحّ تكلیفه و ذلك مخالف للاجماع ؟

قلت الفرق ثابت فانه لما ثبت دوام عقاب الكافر و عدم جواز انقطاعه بالأدلة النقلیة لم یكن ثمّ طریق إلى حسن تكلیفه إلاّ بوجوب قبول اسلامه و لا كذلك العاصی لوجوب انقطاع عقابه بل و جواز العفو عنه فلا یقبح تكلیفه حینئذ لثبوت استحقاق الثواب له و ان لم تجب قبول توبته فمع هذا الفرق لا یتحقق الایراد .

و الحقّ عندنا أن سقوط العقاب بالتوبة تفضّل من اللّه تعالى فانه لو وجب لكان :

إما لوجوب قبولها و القول بالوجوب ممنوع فان من عصى أمر غیره و اساء الیه بأعظم الاساءات ثمّ اعتذر الیه لا یجب عقلا على ذلك الغیر قبول عذره و الاغماض عنه و إن لم یعف عنه لا یذمه العقلاء بل قد یرون حسن رده المسى‏ء و عدم العفو عنه .

او لكثرة ثوابها فهو أیضا ممنوع لابتنائه على التحابط و هو باطل كما حقق فی محلّه .

العاشر قال فی ریاض السالكین : صرّح أكثر علمائنا باستحباب الغسل للتوبة بعدها سواء كان عن كفر او فسق و سواء كان الفسق عن صغیرة او كبیرة ، بل صرّح الشهید الثانی رحمه اللّه فی شرح اللمعة باستحبابه للتوبة عن مطلق الذنب و إن لم یوجب الفسق كالصغیرة النادرة و خصّه المفید بالتوبة عن الكبائر قیل و لعل ملحوظه إن الذنوب كلّها كبائر لاشتراكها فی الخروج عن طاعة اللّه و إنّما یطلق الكبر و الصغر على الذنب بالاضافة إلى ما تحته و ما فوقه ، فالقبلة صغیرة بالنسبة إلى الزنا و كبیرة بالنسبة إلى النظر ، و قد نسب الشیخ أبو على الطبرسى رضوان اللّه علیه القول بذلك إلى أصحابنا رضى اللّه عنهم .

[ 197 ]

الحادیعشر فی ریاض السالكین أیضا : قال بعض الناصحین إذا أردت توبة فبرّى‏ء نفسك من التبعات و قلبك من الذنوب و وجّه وجهك إلى علام الغیوب بعزم صادق و رجاء واثق و عدّ انك عبد آبق من مولى كریم رحیم حلیم یجب عودك إلى بابه و استجارتك به من عذابه و قد طلب منك العود مرارا عدیدة و أنت معرض عن الرجوع الیه مدة مدیدة مع أنّه وعدك إن رجعت الیه و أقلعت عمّا أنت علیه بالعفو عن جمیع ما صدر عنك و الصفح عن كلّ ما وقع منك ، و قم و اغتسل احتیاطا و طهر ثوبك و صلّ بعض الفرائض و اتبعها بشی‏ء من النوافل و لتكن تلك الصلاة على الأرض بخشوع و خضوع و استحیاء و انكسار و بكاء و فاقة و افتقار فی مكان لا یراك فیه و لا یسمع صوتك إلاّ اللّه سبحانه ، فاذا سلمت فعقب صلاتك و انت حزین مستحى رجل راج ثمّ اقرء الدعاء المأثور عن زین العابدین علیه السّلام الّذى اوله « یا من برحمته یستغیث المذنبون » .

ثمّ ضع وجهك على الأرض و اجعل التراب على رأسك و مرغ وجهك الّذى هو اكرم أعضائك فی التراب بدمع جار و قلب حزین و صوت عال و أنت تقول :

عظم الذنب من عبدك فلیحسن العفو من عندك ، تكرر ذلك و تعدد ما تذكره من ذنوبك لائما نفسك موبّخا لها نائحا علیها نادما على ما صدر منها ، و ابق على ذلك ساعة طویلة ثمّ قم و ارفع یدیك إلى التواب الرحیم و قل الهى عبدك الآبق رجع إلى بابك عبدك العاصی رجع إلى الصلح عبدك المذنب أتاك بالعذر و أنت أكرم الأكرمین و أرحم الراحمین ، ثمّ تدعو و دموعك تنهمل بالدعاء المأثور عن زین العابدین علیه السّلام و هو الّذى أوّله « اللّهم یا من لا یصفه نعت الواصفین » .

و اجهد فی توجه قلبك الیه و اقبالك بكلّیتك علیه مشعرا نفسك سعة الجود و الرحمة ، ثمّ اسجد سجدة تكثر فیها البكاء و العویل و الانتحات بصوت عال لا یسمعه إلا اللّه تعالى ، ثمّ ارفع رأسك واثقا بالقبول فرحا ببلوغ المأمول و اللّه ولىّ التوفیق .

الثانى عشر و فیه أیضا : قال بعض أرباب القلوب : النّاس فی التوبة على أحوال : رجل مسوّف بالتوبة مدافع بها اغترّ بطول الامل و نسى هجوم الأجل ،

[ 198 ]

فهذا متى ادركه الموت ادركه على الإصرار فهو هالك ، و آخر تائب ما لم یجد شهوة فإذا وجد ركب هواه و أضاع المحاسبة لنفسه ، فهذا مستوجب للعقوبة من اللّه ،

و رجل تائب بقلبه إلاّ أن نفسه تدعوه إلى الشی‏ء مما یكره ، فهذا یحتاج إلى الأدب لنفسه ، و فائدته على قدر مجاهدته ، و رجل مدیم للحساب قد قام على ساق مقام الخصم فهذا مستوجب للعصمة من اللّه ، و رجل قد هام به خوفه من ذنوبه و لم تبق فیه باقیة فهذا المتوحّد بولایة اللّه .

و قال العلامة الشیخ البهائى قدس سرّه : من أهمل المبادرة إلى التوبة و سوّفها من وقت إلى وقت فهو بین خطرین عظیمین إن سلم من واحد فلعله لا یسلم من الآخر :

أحدهما أن یعاجله الأجل فلا یتنبّه من غفلته إلاّ و قد حضره الموت وفات وقت التدارك و انسدّت أبواب التلافی و جاء الوقت الّذی أشار الیه سبحانه بقوله « و حیل بینهم و بین ما یشتهون » و صار یطلب المهلة یوما أو ساعة فلا یجاب الیها كما قال تعالى « من قبل ان یأتی أحدكم الموت فیقول ربّ لو لا أخّرتنی إلى اجل قریب » .

قال بعض المفسرین فی تفسیره هذه الآیة : إن المحتضر یقول عند كشف الغطاء یا ملك الموت أخّرنی یوما اعتذر فیه إلى ربّی و اتوب الیه و أتزوّد صالحا ،

فیقول فنیت الأیام فیقول أخرنی ساعة ، فیقول : فنیت الساعات ، فیغلق عنه باب التوبة و یغرغر بروحه إلى النار و یتجرع غصّة الیأس و حسرة الندامة على تضییع العمر و ربما اضطرب أصل إیمانه فی صدمات تلك الاهوال .

و ثانیهما أن یتراكم ظلم المعاصی على قلبه إلى أن تصیر رینا و طبعا فلا یقبل المحو ، فان كلّ معصیة یفعلها الانسان تحصل منها ظلمة فی قلبه كما تحصل من نفس الانسان ظلمة فی المرآة ، فاذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رینا كما یصیر بخار النفس عند تراكمه على المرآة صدءا ، و إذا تراكم الرین صار طبعا فیطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض و طال مكثه و غاض

[ 199 ]

فی جرمها و أفسدها ، فصارت لا تقبل الصیقل أبدا .

و قد یعبر عن هذا بالقلب المنكوس و القلب الاسود كما روى عن الباقر علیه السّلام :

ما من شى‏ء أفسد للقلب من خطیئة إن القلب لیواقع الخطیئة فلا تزال به حتّى تغلب علیه فیصیر أعلاه أسفله .

و عنه علیه السّلام ما من عبد الاوفی قلبه نكتة بیضاء فاذا أذنب ذنبا خرج فی النكتة نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد و ان تمادى فی الذنوب زاد ذلك السواد حتّى یغطی البیاض فاذا غطی البیاض لم یرجع صاحبه إلى خیر ابدا و هو قول اللّه عزّ و جلّ « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا یكسبون » .

فقوله علیه السّلام لم یرجع صاحبه إلى خیر ابدا یدل على أن صاحب هذا القلب لا یرجع عن المعاصى و لا یتوب منها أبدا و لو قال بلسانه تبت إلى اللّه یكون هذا القول منه مجرد تحریك اللسان من دون موافقة القلب فلا أثر له أصلا كما أن قول الغسال غسلت الثوب لا یصیر الثوب نقیّا من الأوساخ .

و ربما یؤل صاحب هذا القلب إلى عدم المبالاة بأوامر الشریعة و نواهیها فیسهل أمر الدین فی نظره و یزول وقع الأحكام الالهیة من قلبه و ینفر عن قبولها طبعه و ینجر ذلك إلى اختلال عقیدته و زوال ایمانه فیموت على غیر الملّة و هو المعبر عنه بسوء الخاتمة ، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و سیئآت أعمالنا .

و من كلام بعضهم : اغتنموا التوبة قبل أن یصیر القریب تائبا و المقیم ماضیا و قبل أن یكون المحصول ندما و الموجود عدما و قبل ان یضرب الادبار على المصرین سرادق الخسار فلا اقالة عثار و لا توفیق انابة و اعتذار .

و فی آخر كشكول الشیخ البهائى قدس سرّه : فی الحدیث إذا تاب الشیخ الهرم قالت الملائكة الآن و قد خمدت حواسك و بردت أنفاسك .

ذكر العطبی أنّه قیل لرجل عند الوفاة : قل لا إله إلا اللّه ، فقال آه و یلى على الشباب و فی أی زمان فقدت شرخ الشباب حین مات الغیور و ارتخص المهر و غاب الحجاب عن كل باب .

[ 200 ]

و قیل لآخر و قد قرب خروج نفسه و انقطاع نفسه قل : لا إله إلا اللّه ، فقال لهف نفسی على الزمان و فی أى زمان دهتنی الأزمان حین ولّی الشتاء و استقبل الصیف و طاب المدام و الریحان .

و احتضر آخر فقیل له قل : لا إله إلا اللّه ، فقال برد اللیل و طاب الماء و التذ الشراب و مضی عنا حزیران و تموز و آب ثمّ قضى لوقته .

و قالت امرأة لرجل كان منزله قریبا من حمام منجاب ببغداد : یا رجل أین الطریق إلى حمام منجاب ؟ فأومى الیها و أرشدها إلى طریق غیره فی سكّة خراب لا منفذ لها و تبعها الیها ففجر بها فلما حضرته الوفاة قیل له قل : لا إله إلا اللّه فقال :

یا ربّ قائلة یوما و قد لقیت
أین الطریق إلى حمّام منجاب

و مات لوقته . هكذا یدرك سوء الخاتمة و تهوى بالمخذولین مدرجة العاقبة نعوذ باللّه من ذلك .

قال بعض أرباب القلوب : التائبون المنیبون على أنواع : تائب یتوب من الذنوب و السیئات ، و تائب یتوب من الزلل و الغفلات ، و تائب یتوب من رؤیة الحسنات و مشاهدة الطاعات و على هذا سئل بعضهم أى الاعمال أرفع ثوابا فأنشد :

إذا محاسنی اللاتی أدلّ بها
كانت ذنوبی فقل لی كیف اعتذر

قوله : أدلّ بها ، من الدلال أى التغنج و بالفارسیة ناز كردن و كأنه یشیر الى الحدیث المشهور حسنات الابرار سیئات المقربین .

الثالث عشر فی ذكر بعض الآیات و الاخبار فی الحث على التوبة .

قال عزّ من قائل ( سورة الزمر الآیة 54 ) « قل یا عبادى الّذین اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه ان اللَّه یغفر الذنوب جمیعا انه هو الغفور الرحیم » .

و قال جل جلاله ( البقرة الایة 222 ) « ان اللَّه یحبّ التوابین و یحب المتطهرین » .

و قال تعالى شانه ( التوبة الایة 105 ) « الم یعلموا ان اللَّه هو یقبل التوبة عن عباده و یأخذ الصدقات و ان اللَّه هو التواب الرحیم » .

و قوله تعالى « الذین یحملون العرش و من حوله یسبحون بحمد ربهم و یؤمنون

[ 201 ]

به و یستغفرون للذین آمنوا ربنا وسعت كلّ شی‏ء رحمة و علماً فاغفر للذین تابوا و اتبعوا سبیلك و قهم عذاب الجحیم . ربّنا و أدخلهم جنات عدن الّتی و عدتهم و من صلح من آبائهم و ازواجهم و ذریاتهم إنك أنت العزیز الحكیم . و قهم السیئات و من تق السیئات یومئذ فقد رحمته و ذلك هو الفوز العظیم .

فی الكافی عن ابن وهب قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه اللّه تعالى فستر علیه فقلت و كیف یستر علیه قال ینسى ملكیه ما كانا یكتبان علیه ثمّ یوحى اللّه إلى جوارحه و إلى بقاع الأرض أن اكتمى علیه ذنوبه فیلقى اللّه تعالى حین یلقاه و لیس شی‏ء یشهد علیه بشی‏ء من الذنوب .

و فیه عن محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السّلام قال : یا محمّد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فلیعمل المؤمن لما یستأنف بعد التوبة و المغفرة أما و اللّه انها لیست إلا لأهل الایمان ، قلت فان عاد بعد التوبة و الاستغفار فی الذنوب و عاد فی التوبة ، فقال : یا محمّد بن مسلم أترى العبد المؤمن یندم على ذنبه و یستغفر اللّه تعالى منه و یتوب ثمّ لا یقبل اللّه تعالى توبته ؟ قلت : فانّه فعل ذلك مرارا یذنب ثمّ یتوب و یستغفر فقال : كلّما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد اللّه تعالى علیه بالمغفرة و إن اللّه غفور رحیم یقبل التوبة و یعفو عن السیئات قال : فایاك ان تقنط المؤمنین من رحمه اللّه تعالى .

و فیه عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : سمعته یقول : التائب من الذنب كمن لا ذنب له و المقیم على الذنب و هو یستغفر منه كالمستهزى‏ء . إلى غیر ذلك من الآیات و الأخبار و فیما ذكرناه كفایة انشاء اللّه تعالى .

قوله علیه السّلام ( و المدبر یدعى ) أى من أسرف على نفسه فادبر عن طاعة اللّه و أعرض عن جانب جنابه یدعى إلیه و ینادی یا فلان أقبل إلى طاعة اللّه و ارجع إلى رحمه اللّه و إلى ما یصلحك من الكمالات اللائقة لك و خلّص نفسك من سجن الدّنیا و قید الهوى .

بال بگشا و صفیر از شجر طوبى زن
حیف باشد چو تو مرغی كه اسیر قفسى

[ 202 ]

قوله علیه السّلام ( و المسى‏ء یرجى ) أى من اساء یرجى عوده عن الاسائة و اقلاعه عن المعصیة فانه جلّ جلاله أرحم الرّاحمین و یحبّ التوابین ، هذا إن أخذ یرجى من رجو و إن كان من الارجاء بمعنى التأخیر و الامهال كما مرّ بیانه فی اللّغة فمعناه ان من عصى فأساء یؤخّر عقابه فلعله یتوب كما هو مضمون عدة الاخبار فی ذلك و مضى بعضها من قبل و هذا كلّه تحضیض و حثّ على الرجوع عن المعصیة و التوبة إلیه تعالى و اللّه برحمته الواسعة یعفو عن السیئات و سبقت رحمته غضبه و یقبل التوبة عن عباده و هو أرأف من الوالد بولده و نعم ما نظمه العارف السعدى :

خداوند بخشنده دستگیر
كریم خطا بخش پوزش پذیر

نه گردنكشانرا بگیرد بفور
نه عذر آوران را براند بجور

و گر خشم گیرد ز كردار زشت
چو باز آمدى ما جرى در نوشت

و گر با پدر جنگ جوید كسى
پدر بیگمان خشم گیرد بسى

و گر خویش راضى نباشد ز خویش
چو بیگانگانش براند ز پیش

و گر بنده چابك نیاید بكار
عزیزش ندارد خداوندگار

و گر بر رفیقان نباشى شفیق
بفرسنگ بگریزد از تو رفیق

و گر ترك خدمت كند لشكرى
شود شاه لشكر كش از وى برى

و لیكن خداوند بالا و پست
بعصیان در رزق بر كس نبست

و فی مجمع البیان للطبرسی رضوان اللّه علیه فی ضمن قول اللّه عزّ و جلّ :

و اكتب لنا فى هذه الدنیا حسنة و فى الآخرة إنا هدنا إلیك قال عذابى اصیب به من أشاء و رحمتى وسعت كل شى‏ء الآیة ( سورة الاعراف الآیة 157 ) قال :

و فى الحدیث انّ النبىّ صلّى اللّه علیه و آله قام فى الصّلاة فقال أعرابى و هو فی الصلاة : اللهمّ ارحمنى و محمّدا و لا ترحم معنا أحدا ، فلما سلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال للأعرابى :

لقد تحجّرت واسعا یرید رحمه اللّه عزّ و جلّ أورده البخارى فى الصحیح انتهى .

و جاء فى بعض الأخبار كما فى باب العقل و الجهل من الوافى : لو لا أنكم تذنبون لذهب اللّه بكم و جاء بقوم یذنبون فیستغفرون فیغفر اللّه لهم .

أقول : و ذلك لأن أسماء اللّه الحسنى و صفاته العلیا یقتضى مظاهر حتّى تظهر

[ 203 ]

آثارها و بعض تلك الصفات العفوّ و الغفور و التّواب و نعم ما قاله الشیخ العارف فرید الدین العطّار فى هذا المعنى :

بود عین عفو تو عاصى طلب
عرصه عصیان گرفتم را نسبب

چون بستّاریت دیدم پرده ساز
هم بدست خود دریدم پرده باز

رحمتت را تشنه دیدم آبخواه
آبروى خویش بردم از گناه

و فى المقام كلام لا یدركه إلاّ أهل الشهود العارفین بأسرار الأخبار ، و الأولى أن نعرض عن بیانه و نطویه طیّا خوفا من أن یزّل بعض الأقدام و ما مرت من الاشارة إلیه ایجازا كفایة لمن أخذت الفطانة بیده .

قوله علیه السّلام ( قبل أن یخمد العمل ) الظرف متعلق بقوله علیه السّلام فاعملوا أى فاعملوا قبل ان یخمد العمل أى فاغتنموا العمل و بادروا إلیه قبل أن یطفأ مصباح العمل و یأتى الاجل فانكم تنتقلون إلى دار لیست بدار العمل بل دار الجزاء .

و فى مادة ولد من سفینة البحار عن الصّادق علیه السّلام قال لیس یتبع الرجل بعد موته من الاجر الاثلاث خصال : صدقة اجراها فى حیاته فهى تجرى بعد موته ،

و سنة هدى سنّها فهى تعمل بها بعد موته ، و ولد صالح یستغفر له .

و فى أمالى الصّدوق عن أبى عبد اللّه الصّادق علیه السّلام قال : ست خصال ینتفع بها المؤمن من بعد موته : ولد صالح یستغفر له ، و مصحف یقرء منه ، و قلیب یحفره ،

و غرس یغرسه ، و صدقة ماء یجریه ، و سنة حسنة یؤخذ بها بعده .

و لعل ما فى الروایة الاولى من قوله علیه السّلام صدقة أجراها یشمل بعض ما فى الرّوایة الثانیة كانّ الاولى اجمال و الثانى تفصیل له فتأمل .

و یتنبّه النبیه من قوله علیه السّلام قبل أن یخمد العمل بأنّ الدنیا متجر أولیاء اللّه و مكسب أولى الالباب فطوبى لمن أخذها متجره و اغتنم حیاته قبل موته و خسرت صفقة من باع حظّه بالارذل الادنى و شرى آخرته بالثمن الاوكس .

و الشارح المعتزلی قرأ یحمد بالحاء المهملة و علمه أولى من المعجمة و قال :

[ 204 ]

قبل أن یحمد العمل استعارة ملیحة لأن المیّت یحمد عمله و یقف ، و یروى یخمد بالخاء من خمدت النار و الأوّل أحسن . و مضى الكلام منّا ان المعجمة اولى من المهملة بقرینة ینقطع .

قوله علیه السّلام ( و ینقطع المهل ) أی قبل ان ینقطع عمركم الّذی امهلتم فیه كانما شبه علیه السّلام العمر بالسبب أی قبل ان ینقطع سبب عمركم قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأبی ذر :

كن على عمرك أشحّ منك على درهمك و دینارك .

قوله علیه السّلام ( و ینقضى الأجل ) أی اعملوا قبل ان یفنى و ینصرم أجلكم المضروب و إذا انصرم لا یستاخرون ساعة .

قوله علیه السّلام ( و یسدّ باب التوبة ) أى اعملوا قبل أن یسدّ باب التوبة و ذلك لما مرّ من أن التوبة حین المعاینة و اشراف الموت لیست بمقبولة قال اللّه تعالى :

حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلى اعمل صالحا فیما تركت كلا انها كلمة هو قائلها الآیة ( المؤمنون یة 101 ) .

قوله علیه السّلام ( و تصعد الملائكة ) أى اعملوا قبل ان یصعد الملائكة الّذین هم حفظة اعمالكم من الطاعات و المعاصی إلى السماء لانه إذا مات الانسان لم یبق لكتبة أفعاله و اقواله فی الأرض شغل .

أقول : لا ریب إن الانسان لم یترك سدى و وكل بكل فرد منه ملائكة یكتبون أعماله و هم موكلون لذلك الأمر نطق بذلك الفرقان العظیم و الاخبار من الرسول الكریم و آله الطاهرین علیهم السّلام قال عزّ من قائل و إن علیكم لحافظین . كراماً كاتبین .

یعلمون ما تفعلون ( الانفطار ) و قال جل جلاله : إذ یتلقى المتلقیان عن الیمین و عن الشمال قعید . ما یلفظ من قول إلا لدیه رقیب عتید ( ق ) .

و فی مجمع البیان فی التفسیر للطبرسی ره فی ضمن هذه الآیة : عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إن اللّه تعالى وكّل بعبده ملكین یكتبان علیه فاذا مات قالا یا ربّ قد قبضت عبدك فلانا فالى أین قال سمائی مملوءة بملائكتی یعبدوننی

[ 205 ]

و ارصی مملوءة من خلقی یطیعوننی إذهبا إلى قبر عبدی فسبّحانی و كبرانی و هلّلانی فاكتبا ذلك فی حسنات عبدى إلى یوم القیامة .

و فیه عن أبی أمامة عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله قال ان صاحب الشمال لیرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطی‏ء أو المسى‏ء فان ندم و استغفر اللّه منها القاها و إلا كتب واحدة . و فی روایة اخرى قال صاحب الیمین أمیر على صاحب الشمال فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب الیمین بعشر امثالها و إذا عمل سیئة فاراد صاحب الشمال ان یكتبها قال له صاحب الیمین امسك فیمسك عنه سبع ساعات فان استغفر اللّه منها لم یكتب علیه شى‏ء و إن لم یستغفر اللّه كتب له سیئة واحدة .

و فی الكافی عن زرارة عن احدهما علیهما السّلام قال إن اللّه تعالى جعل لآدم فی ذریته من هم بحسنة و لم یعملها كتبت له حسنة و من هم بحسنة و عملها كتبت له عشرا و من همّ بسیّئة و لم یعملها لم تكتب علیه و من عمل بها كتبت علیه سیّئة .

و قال فی الوافی فی بیان كون الحسنة بعشر امثالها و السیئة بمثلها و للّه درّ قائله : و لعل السرّ فی كون الحسنة بعشر امثالها و السیئة بمثلها ان الجوهر الانسانی بطبعه مائل إلى العالم العلوى لانه مقتبس منه و هبوطه إلى القالب الجسمانی غریب من طبیعته و الحسنة إنما یرتقى إلى ما یوافق طبیعة ذلك الجوهر لأنها من جنسه و القوة الّتی تحرك الحجر مثلا إلى ما فوق ذراعا واحدا هی بعینها ان استعملت فی تحریكه إلى اسفل حركته عشرة اذرع و زیادة فلذلك كانت الحسنة بعشر امثالها إلى سبعمأة ضعف و منها ما یوفی اجرها بغیر حساب و الحسنة الّتی لا یدفع تأثیرها سمعة او ریاء او عجب كالحجر الّذی ید حرج من شاهق لا یصادفه دافع فانه لا یتقدر مقدار هویه بحساب حتّى یبلغ الغایة .

و فی الكافی عن عبد اللّه بن موسى بن جعفر عن أبیه علیهما السّلام قال و سألته عن الملكین هل یعلمان بالذنب إذا أراد العبد ان یعمله او الحسنة ؟ فقال ریح الكنیف و ریح الطیب سواء فقلت لا قال ان العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفسه طیب الریح فقال صاحب الیمین لصاحب الشمال قف فانّه قد همّ بالحسنة فاذا هو عملها كان لسانه قلمه

[ 206 ]

و ریقه مداده فأثبتها له و إذا هم بالسیّئة خرج نفسه منتن الریح فیقول صاحب الشمال لصاحب الیمین قف فانّه قدهمّ بالسیئة فاذا هو عملها كان ریقه مداده و لسانه قلمه فاثبتها علیه .

و فی الوافی فی بیانه : انما جعل الریق و اللسان آلة لاثبات الحسنة و السیّئة لأن بناء الاعمال انما هو على ما عقد فی القلب من التكلم بها و الیه الاشارة بقوله سبحانه : إلیه یصعد الكلم الطیب و العمل الصالح یرفعه و هذا الریق و اللسان الظاهر صورة لذلك المعنی كما قیل :

إن الكلام لفی الفؤاد و إنّما
جعل اللسان على الفؤاد دلیلا

و فی الكافی أیضا عن الفضیل بن عثمان المرادی قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أربع من كنّ فیه لم یهلك على اللّه عزّ و جلّ بعد هنّ إلاّ هالك :

یهمّ العبد بالحسنة فیعملها فان هو لم یعملها كتب اللّه له حسنة بحسن نیّته و ان هو عملها كتب اللّه عزّ و جل له عشرا ، و یهمّ بالسیّئة ان یعملها فان لم یعملها لم یكتب علیه و إن هو عملها اجّل سبع ساعات و قال صاحب الحسنات لصاحب السیئات و هو صاحب الشمال لا تعجل عسى ان یتبعها بحسنة تمحوها فان اللّه یقول إن الحسنات یذهبن السیئات او الاستغفار فان هو قال : استغفر اللّه الّذی لا إله هو عالم الغیب و الشهادة العزیز الحكیم الغفور الرحیم ذو الجلال و الاكرام و اتوب الیه لم یكتب علیه شى‏ء و إن مضت سبع ساعات و لم یتبعها بحسنة و استغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السیئات اكتب على الشقى المحروم .

و فیه أیضا عن أبی النعمان قال : قال أبو جعفر علیه السّلام یا أبا النعمان لا یغرنك النّاس من نفسك فان الأمر یصل الیك دونهم و لا تقطع نهارك بكذا و كذا فان معك من یحفظ علیك عملك فاحسن فانی لم ار شیئا احسن دركا و لا اسرع طلبا من حسنة محدثة لذنب قدیم .

قوله علیه السّلام ( فاخذ امرؤمن نفسه لنفسه ) هذا تحضیض منه علیه السّلام إلى طاعة اللّه و التوجه إلى جناب الرّب و التزوّد للدار الآخرة . أى إذا كان كذلك فلیأخذ

[ 207 ]

امرؤ من نفسه لنفسه أى یتعب نفسه فى الطاعات و ترك الشهوات و عمل الخیرات و المبرّات و ینفق ماله فی سبیل اللّه لانه بمنزلة نفسه ذخیرة لنفسه یوم المعاد قال اللّه عزّ و جلّ فأما من اوتى كتابه بیمینه فیقول هاؤم اقرؤا كتابیه . انى ظننت انى ملاق . حسابیه . فهو فى عیشة راضیة . فى جنة عالیة . قطوفها دانیة . كلوا و اشربوا هنیئاً بما اسلفتم فى الأیام الخالیة .

و لما كان الانسان فى عباداته و ریاضاته یأخذ من قوى نفسه اى ینقص و یضعف تلك القوى حیث انفقها فى سبیل اللّه ذخرة له یوم المعاد فحقّ انّه اخذ من نفسه لنفسه و لا یخفى لطف كلامه علیه السّلام و حسن افادته لفظا و معنى .

فى الكافى ( فى الوافى ص 63 م 3 ) عن الشحام قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام :

خذ لنفسك من نفسك خذ منها فى الصحة قبل السقم و فى القوة قبل الضعف و فى الحیاة قبل الممات .

و فیه أیضا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام احمل نفسك لنفسك فان لم تفعل لم یحمل غیرك .

قوله علیه السّلام ( و اخذ من حیّ لمیّت ) المراد بالحى و المیّت هو المرء نفسه اى یأخذ فی حال حیاته لحال مماته كما مر الحدیث عن أبی عبد اللّه علیه السّلام و فی الحیاة قبل الممات و كقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأبی ذر رضی اللّه عنه اغتنم خمسا قبل خمس إلى أن قال صلّى اللّه علیه و آله حیاتك قبل موتك .

قوله علیه السّلام ( و من فان لباق و من ذاهب لدائم ) المراد بالفانى و الذاهب هذه الدار الدنیا و بالاخیرین الآخرة و للدنیا و الآخرة أسام عدیدة باعتبارات شتى اى فلیأخذ من دنیاه لآخرته . فالدنیا ممدوحة من حیث انها متجر و مكسب لمن اخذها كذلك و سیأتی البحث فی الدنیا المذمومة و الممدوحة إن شاء اللّه تعالى فی قوله علیه السّلام : و قد سمع رجلا یذم الدنیا : أیّها الذام للدنیا المغترّ بغرورها اه او المراد من الفانی و الذاهب البدن و من الاخیرین الروح فیكون إشارة إلى بقاء الروح و تجرّده .

قوله علیه السّلام ( امرؤ خاف اللّه و هو معمّر إلى اجله و منظور إلى عمله ) بدل امرؤ

[ 208 ]

فی قوله علیه السّلام فأخذ امرؤ اى فلیأخذ امرؤ خاف اللّه اه اى یأخذ من نفسه لنفسه و من دنیاه لآخرته رجل یخاف اللّه و هو امهل إلى اجله و فی الغد ینظر إلى عمله لأن كلّ نفس بما كسبت رهینة فان خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فان الجنّة هی المأوى ، و ان طغى و آثر الحیوة الدنیا فان الجحیم هی المأوى .

قوله علیه السّلام : ( امرؤ الجم نفسه ) إلى آخره شبّه علیه السّلام النفس بالدّابة الحرون فان الجمتها و امسكتها عن معاصی اللّه و قدتها إلى طاعته و إلاّ فهی تذهب بك إلى حیث شاءت و لنعم ما نظم العارف الرومى فى المثنوى حیث شبه الروح بعیسى روح اللّه علیه السّلام و النفس بالحمار الحرون فقال :

ترك عیسى كرده خر پرورده
لا جرم چون خر برون پرده

طالع عیسى است علم و معرفت
طالع خر نیست اى تو خر صفت

ناله خر بشنوى رحم آیدت
پس ندانى خر خرى فرمایدت

رحم بر عیسى كن و بر خر مكن
طبع را بر عقل خود سرور مكن

طبع را هل تا بگرید زار زار
تو از و بستان و وام جان گذار

سالها خر بنده بودى بس بود
ز انكه خر بنده ز خر واپس بود

هم مزاج خر شدت این عقل پست
فكرش اینكه چون علف آرد بدست

گردن خر گیر و سوى راه كش
سوى رهبانان و رهدانان خوش

هین مهل خر را و دست از وى مدار
ز انكه عشق او است سوى سبزه‏زار

گر یكى دم تو بغفلت و اهلیش
او رود فرسنگها سوى حشیش

دشمن راهست خر مست علف
اى بسا خر بنده كز وى شد تلف

گر ندانى ره هر آنچه خر بخواست
عكس آنرا كن كه هست آن راه راست

نقل نفیس بن عوض الطبیب فی شرح الاسباب فی الطب لعلاء الدین علىّ بن أبی الحزم القرشی المتطبب فی مبحث العشق ، عن الحكماء : النفس ان لم تشتغلها شغلتك و ذلك لانّها لا یكاد تفتر ساعة من تدبیر فان شغلتها بالامور النافعة اشتغلت بها

[ 209 ]

و الا اشتغلت بالامور الفاسدة المهلكة . و النفس خصم ألدّ و امّارة بالسوء و قطاع الطریق للسالك إلى اللّه فلو تركها الانسان بحالها و لم یمسكها عن معاصی اللّه و عن ما تشتهیه لذهبت به إلى المهالك فالحرىّ بالعاقل الیقظان أن یجاهد أولا هذا العدوّ الفظّ الّذی كان جاره فی داره .

تو با دشمن نفس همخانه
چه در بند پیكار بیگانه

و روى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی كتاب الأربعین للعلامة بهاء الدین العاملی ( ره ) إن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بعث سریّة فلما رجعوا قال مرحبا بقوم قضوا الجهاد الاصغر و بقی علیهم الجهاد الأكبر قیل یا رسول اللّه و ما الجهاد الأكبر قال جهاد النفس ثمّ قال علیه السّلام افضل الجهاد من جاهد نفسه الّتی بین جنبیه .

و مما قلته فی ذم متابعة النفس على صنعة التعریب :

من كرّد نفسه پیرویّا
فلیقعدن فی الدّوزخ جثیّا

من افكند بدستها زمامه
فماله الخوشىّ و السّلامة

لأنّها لحیّة لدغاء
ان بگزد لیس لها دواء

إن جاوزت عن حدّها بموئى
فانّها أمّارة بالسّوء

ربّ پنهت بك من هواها
بدبخت من لا یترس عقباها

الترجمة

یكى از خطبهاى آنحضرت است : اكنون كه در فراخی بقا هستید ( كنایه از اینكه زنده‏اید ) و نامهاى أعمال گسترده است و پیچیده نشده ، و توبه پهن است و در آن بسته نشد ( كنایه از اینكه هنوز اجل شما فرا نرسیده ) و آنكه از حق تعالى و فرمان او پشت كرده خوانده میشود كه برگرد و بسوى ما بیا ، و آنكه بد كرده است امیدوارى باو داده شد كه اگر دست از بدى بردارد و بخوبى گراید و تدارك كند از او پذیرفته است و عاقبت بخیر خواهد بود پس كار كنید و تلافی گذشته نمائید پیش از آنكه مرگ گریبان شما را بگیرد و چراغ عمل خاموش گردد ، و طناب عمر بریده شود و وقت بسر آید و فرصت از دست رود و در توبه بسته

[ 210 ]

شود ، و فرشتگان اعمال دست از كار بكشند و بآسمان برشوند ( كنایه از اینكه تن بكار دهید پیش از آنكه عمر بسر آید و مرگ بدر آید ) . پس باید بگیرد هر كسى از خود براى خود ( یعنى خویشتن را رنج دهد و كار كند تا در آخرت او را بكار آید ) ، و باید بگیرد از زنده براى مرده ( یعنى تا زنده است كارى كند كه چون بمیرد او را بكار آید ) . و از دنیاى فانى براى سراى جاودانى یا از بدن فانی براى روح باقى ، و از رونده و گذرنده براى دائم همیشگى ( یعنى از دنیا براى عقبى یا از تن براى جان ) .

مردیكه از خدا بترسد و حال آنكه تا هنگام اجل فرصت دارد و عمل او مورد نظر است ( یعنى تا زنده است بعمل كوشد و براى روز تنگدستى خویش كارى كند ) مردیكه چارپاى سركش نفس را لگام زده و مهار كرده پس بلگامش ویرا از معاصى باز میدارد و بمهارش بسوى طاعت خدا میكشاند .