[ 238 ] و من كلام له ع فی شأن الحكمین و ذم أهل الشام

جُفَاةٌ طَغَامٌ وَ عَبِیدٌ أَقْزَامٌ جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ وَ تُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ مِمَّنْ یَنْبَغِی أَنْ یُفَقَّهَ وَ یُؤَدَّبَ وَ یُعَلَّمَ وَ یُدَرَّبَ وَ یُوَلَّى عَلَیْهِ وَ یُؤْخَذَ عَلَى یَدَیْهِ لَیْسُوا مِنَ اَلْمُهَاجِرِینَ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ لاَ مِنَ اَلَّذِینَ تَبَوَّؤُا اَلدَّارَ وَ اَلْإِیمانَ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ اَلْقَوْمِ مِمَّا تُحِبُّونَ وَ إِنَّكُمُ اِخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ اَلْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ وَ إِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ قَیْسٍ بِالْأَمْسِ یَقُولُ إِنَّهَا فِتْنَةٌ فَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَ شِیمُوا سُیُوفَكُمْ فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِیرِهِ غَیْرَ مُسْتَكْرَهٍ وَ إِنْ كَانَ كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ اَلتُّهَمَةُ فَادْفَعُوا فِی صَدْرِ عَمْرِو بْنِ اَلْعَاصِ بِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ وَ خُذُوا مَهَلَ اَلْأَیَّامِ وَ حُوطُوا قَوَاصِیَ اَلْإِسْلاَمِ أَ لاَ تَرَوْنَ إِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى وَ إِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى

الخطبة السادسة و الثلاثون و المأتان و من خطبة له علیه السّلام فى شأن الحكمین و ذم أهل الشام

جفاة طغام ، عبید قزام ، جمعوا من كلّ أوب ، و تلقّطوا من كلّ شوب ، ممّن ینبغی أن یفقّه و یؤدّب ، و یعلّم و یدرّب ، و یولّى علیه و یؤخذ على یدیه ، لیسوا من المهاجرین و الأنصار ، و لا من الّذین تبوّأو الدّار ، ألا و إنّ القوم اختاروا لأنفسهم أقرب القوم ممّا یحبّون ، و إنّكم اخترتم لأنفسكم أقرب القوم ممّا تكرهون ، و إنّما عهدكم بعبد اللّه بن قیس بالأمس یقول : « إنّها فتنة فقطّعوا أوتاركم و شیموا سیوفكم » فإن كان صادقا فقد أخطأ بمسیره غیر

[ 211 ]

مستكره ، و إن كان كاذبا فقد لزمته التّهمة ، فادفعوا فی صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العبّاس ، و خذوا مهل الأیّام ، و حوطوا قواصی الإسلام ، ألا ترون إلى بلادكم تغزى ، و إلى صفاتكم ترمى .

اللغة

( جفاة ) جمع جاف كقضاة جمع قاض و طغاة جمع طاغ من قولك جفوت الرجل أجفوه جفاء و قیل أصله من جفا الثوب یجفو اذا غلظ فهو جاف و منه جفاء البدو و هو غلظتهم و فظاظتهم .

أقول : و یمكن أن یكون الجفاء مهموز اللام و هو ما یعلو السیل و یحتمله من سقط الارض قال اللّه تعالى فأمّا الزبد فیذهب جفاء و قال الشاعر ( الحماسة 75 ) :

حمیت على العهار أطهار امّه
و بعض الرجال المدّعین جفاء

فیكون المراد أنّهم رذال الناس و سفلتهم .

( طغام ) بالطاء المشالة المهملة المفتوحة كطعام ، قال فی الصحاح الطغام أوغاد الناس « الاوغاد جمع الوغد بسكون الغین كوفد و أوفاد ، و الوغد الرجل الدنى الذی یخدم بطعام بطنه » و انشد ابو العبّاس : فما فضل اللبیب على الطّغام الواحد و الجمع سواء ، و الطغام أیضا رذال الطیر الواحدة طغامة للذكر و الانثى مثل نعامة و نعام و لا ینطق منه بفعل و لا یعرف له اشتقاق ، فالطغام : أراذل الناس و دنیّهم و خسیسهم .

( عبید ) جمع العبد ككلب و كلیب یقال : عبد و أعبد و عباد و عبید و عبدى و عبدّاء و عبدان و عبدان و معبوداء و معبدة و عبد ، فبعض هذه الاسماء مما صیغ للجمع و بعضها جمع فی الحقیقة .

و العبد فی أصل اللغة خلاف الحرّ و هم یكنون كثیرا عن اللئام و إن كانوا احرارا بالعبید و العبدان ، و بالقزم و القزمان كما صرّح به المرزوقی فی شرح

[ 212 ]

الحماسة قال معدان بن عبید ( الحماسة 613 ) .

عجبت لعبدان هجونی سفاهة
أن اصطحبوا من شأنهم و تقیلوا

بجاد و ریسان و فهر و غالب
و عون و هدم و ابن صفوة أخیل

فسمى هؤلاء الستّ عبدانا مع انهم احرار تخضیعا و تشنیعا لهم .

( قزام ) فی الصحاح : القزم محركة رذال الناس و سفلتهم قال زیاد بن منقذ . 1

و هم إذا الخیل حالوا فی كواثبها
فوارس الخیل لا میل و لا قزم

یقال رجل قزم و الذكر و الانثى و الواحد و الجمع فیه سواء لأنّه فی الاصل مصدر ، و القزام : اللئام ، و فی أكثر النسخ المتداولة « عبید اقزام » و لكن لم یذكر المعاجم المتداولة هذا الجمع و لذا اخترنا روایة قزام و رجحناه على اقزام ، لان القزام قد ذكرت فی المعاجم قال الشاعر :

احصنوا امهم من عبدهم
تلك أفعال القزام الوكعة

على ان فی الجمع بین الطغام و القزام موازنة بدیعة أولى من الطغام و الاقزام و ذكر المرزوقی فی شرحه على الحماسة كما مر آنفا القزم و القزمان كسبحان على هیئة الجمع ، و قال بعض المحشین لم تذكر المعاجم المتداولة هذا الجمع و المعروف أقزام و قزامی و قزم بضمتین .

( أوب ) یقال جاؤا من كل أوب أى من كل ناحیة .

( تلقّطوا ) فی الصحاح تلقط فلان التمر أى التقطه من هاهنا و هاهنا .

( شوب ) الشوب : الخلط ، یقال شبت الشی‏ء اشوبه فهو مشوب أى مخلوط ،

و فى المثل هو یشوب و یروب یضرب لمن یخلّط فی القول أو العمل .

( یدرّب ) أى یؤدّب و یعوّد بالعادات الجمیلة و یمرّن بمحاسن الافعال ،

یقال دربته الشدائد حتّى قوى و مرن علیها و درّبت البازى على الصید أى ضرّیته

-----------
( 1 ) هذا البیت من ابیات الحماسة و نسب الى زیاد بن حمل ایضا و قد اضطرب أقوال الرواة فى نسب هذه الابیات .

[ 213 ]

و روى مكان یدرّب ، یذرّب بالذال المعجمة من ذریت معدته إذا فسدت و التذریب ( تبوئت ) منزلا أى اتخذته و المبائة المنزل .

و ( العهد ) : اللقاء و المعرفة ، و عهدته بمكان كذا أى لقیته ، و عهدى به قریب أى لقائی و هو قریب العهد بكذا أی قریب العلم و الحال ، و عهدت إلى فلان أی أوصیته .

( أوتار ) جمع الوتر بالتحریك و هو شرعة القوس و یقال بالفارسی « زه » فالمراد من أوتاركم أوتار قسیّكم حذف المضاف و اقیم المضاف إلیه مقامه .

( شیموا سیوفكم ) تقول شمت السیف كبعت إذا اغمدته و منه المشیمة أى الغرس و الشیام أى الكناس لا نشیامه فیه و دخوله و أیضا تقول شمت السیف إذا سللته و هو من الاضداد .

( مهل الایام ) المهل بالتحریك : التوءدة ، و مهل الایام : فسحتها ، یقال أمهله إذا انظره .

( قواصی ) جمع قاصیة كنواحی جمع ناحیة لفظا و معنى یقال كنت منه فی قاصیته أی فی ناحیته .

( تغزى ) من الغزو أى الحرب ، تغزی بلادكم أى تقاتل لها و یمكن أن یكون بمعنى القصد یقال عرفت ما یغزی من هذا الكلام أى یراد و مغزى الكلام مقصده فالمعنى تراد و تقصد بلادكم أى یطمع العدوّ فیها .

( صفاتكم ) الصفاة : الصخرة الملساء لا یؤثر فیها السهام و لا یرمیها الرامی الابعدان مهل غیرها یقال قد رمى فلان صفاة فلان إذا دهاه بداهیة قال الشاعر

و الدهر موتر قوسه
یرمى صفاتك بالمعابل

الاعراب

( جفاة طغام عبید قزام ) أخبار لمبتدء محذوف أى هم جفاة و العرب یأتون لمبتداء واحد باخبار كثیرة قال ابن مالك :

و اخبروا باثنین أو باكثرا
لواحد كهم سراة شعرا

[ 214 ]

جملتا جمعوا و تلقطوا فی محل رفع صفة لهم ، و كلمة من فی ممّن ینبغی ،

للتبیین و من موصولة أى هم هؤلاء و الظرف مستقرّ صفة لهم و لا یجوز أن تكون حالا لهم لانها محفوفة بالجمل التی كلها صفات لهم اعنى جمل جمعوا و تلقّطوا و لیسوا من المهاجرین الخ .

و قال المعربون الجمل بعد النكرات صفات و بعد المعارف أحوال فالجمل ههنا صفات فلو كان ذلك الظرف غیر الوصف للزم خروج الكلام عن اسلوبه المنساق له .

و ( یفقه ) و الافعال الخمسة الاخر منصوبة بان الناصبة تأوّلها إلى مصادرها فاعلا لینبغی و من المهاجرین ظرف مستقر منصوب محله خبر للیس ، و قوله علیه السّلام و لا من الذین عطف علیه و الجار للتبعیض لا مكان سدّ بعض مسدّه .

كلمة الجار فی مما یحبون و مما تكرهون متعلّقة بقرب لان صلته تكون من قال اللّه تعالى ان رحمة اللَّه قریب من المحسنین و كلمة ما فی الموضعین موصوفة أو موصولة و العائد محذوف أى مما یحبونه و تكرهونه ، و قوله علیه السّلام لانفسكم فی كلا الموضعین متعلق بیحبون و تكرهون أى یحبون لانفسكم و تكرهون لانفسكم قدم الظرف على عامله توسّعا للظروف و یمكن أن یكونا صلة لاخترتم ( بالامس ) متعلق بقوله علیه السّلام عهدكم و الجار للظرف بمعنى فی ، و الجار فی إلى بلادكم و صفاتكم متعلق بقوله ترون لا بقوله علیه السّلام تغزى و ترمى .

المعنى

الحكمان هما عمرو بن العاص و أبو موسى الأشعرى المسمى بعبد اللّه بن عباس و نذكر ترجمتهما بعد المعنی .

قال الطبری فی تاریخه : بایع عمرو بن العاص معاویة فی سنة ست و ثلاثین و وافقه على محاربة علىّ .

و كان السّبب فی ذلك أنّه لمّا احیط بعثمان خرج عمرو بن العاص من المدینة متوجها نحو الشام و قال و اللّه یا أهل المدینة ما یقیم بها احد فیدركه قتل هذا الرجل

[ 215 ]

إلا ضربه اللّه عزّ و جلّ بذلّ و من لم یستطع نصره فلیهرب ، فسار و سار معه ابناه عبد اللّه و محمّد و خرج بعده حسّان بن ثابت و تتابع على ذلك ما شاء اللّه .

فبینا عمرو بن العاص جالس بعجلان و معه ابناه إذ مرّ بهم راكب فقالوا من أین قال من المدینة فقال عمرو ما اسمك قال حصیرة قال عمرو حصر الرجل 1 قال فما الخبر قال تركت الرجل محصورا قال عمرو یقتل .

ثمّ مكثوا أیّاما فمر بهم راكب فقالوا من أین قال من المدینة قال عمرو ما اسمك قال قتال قال عمرو قتل الرجل فما الخبر قال قتل الرجل ثمّ لم یكن الا ذلك إلى ان خرجت .

ثمّ مكثوا أیّاما فمر بهم راكب فقالوا من أین قال من المدینة قال عمرو ما اسمك قال حرب قال عمرو یكون حرب فما الخبر قال قتل عثمان بن عفان و بویع لعلیّ بن أبیطالب قال عمرو أنا أبو عبد اللّه یكون حرب من حكّ فیها قرحة نكأها رحم اللّه عثمان و رضی اللّه عنه و غفر له فقال سلامة بن زنباع الجذامی یا معشر قریش انّه و اللّه قد كان بینكم و بین العرب باب فاتخذوا بابا إذا كسرت الباب فقال عمرو و ذاك الّذى نرید و لا یصلح الباب إلاّ أشاف تخرج الحقّ من حافرة البأس و یكون النّاس فی العدل سواء ثمّ تمثل عمرو فی بعض ذلك .

یا لهف نفسی على مالك
و هل یصرف اللّهف حفظ القدر

أنزع من الحرّ أودى بهم
فاعذرهم أم بقومى سكر

ثمّ ارتحل راجلا یبكى كما تبكى المرأة و یقول و اعثماناه أنعى الحیاء و الدین حتّى قدم دمشق و قد كان سقط الیه من الّذى یكون علم فعمل علیه .

ثمّ نقل عن الواقدى : لما بلغ عمرا قتل عثمان قال أنا عبد اللّه ( أنا أبو عبد اللّه ظ ) قتلته و أنا بوادى السباع من یلى هذا الأمر من بعده إن یله طلحة فهو فتى العرب سیبا ، و إن یله ابن أبی طالب فلا أراه إلاّ سیسینظف الحقّ و هو اكره من یلیه الىّ .

قال فبلغه ان علیّا قد بویع له فاشتدّ علیه و تربص أیاما ینظر ما یصنع النّاس

-----------
( 1 ) المراد بالرجل فى تلك المواضع هو عثمان بن عفان .

[ 216 ]

فبلغه مسیر طلحة و الزبیر و عائشة و قال استأنی و أنظر ما یصنعون فأتاه الخبر أن طلحة و الزبیر قد قتلا فارتج علیه أمره .

فقال له قائل ان معاویة بالشام لا یرید یبایع لعلیّ فلو قارنت معاویة فكانت معاویة احبّ الیه من علیّ بن أبیطالب و قیل له ان معاویة یعظّم شأن قتل عثمان بن عفان و یحرض على الطلب بدمه فقال عمرو ادعوا لى محمّدا و عبد اللّه فدعیا له فقال قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمان و بیعة النّاس لعلیّ و ما یرصد معاویة من مخالفة علیّ و قال ما تریان أمّا علیّ فلا خیر عنده و هو رجل یدل بسابقته و هو غیر مشركی فی شی‏ء من أمره .

فقال عبد اللّه بن عمرو توفى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و هو عنك راض و توفى أبو بكر و هو عنك راض و توفى عمر و هو عنك راض أرى أن تكفّ یدك و تجلس فى بیتك حتّى یجتمع النّاس على إمام فتبایعه . و قال محمّد بن عمرو أنت ناب من انیاب العرب فلا أرى أن یجتمع هذا الأمر و لیس لك فیه صوت و لا ذكر .

قال عمرو أمّا أنت یا عبد اللّه فأمرتنى بالّذى هو خیر لى فى آخرتى و أسلم فى دینى . و أما انت یا محمّد فأمرتنى بالّذى أنبه لى فى دنیاى و أشرّ لى فى آخرتى .

ثمّ خرج عمرو بن العاص و معه ابناه حتّى قدم على معاویة فوجد أهل الشام یحضّون معاویة على الطلب بدم عثمان فقال عمرو بن العاص أنتم على الحقّ اطلبوا بدم الخلیفة المظلوم و معاویة لا یلتفت إلى قول عمرو فقال ابنا عمرو لعمرو الا ترى إلى معاویة لا یلتفت إلى قولك انصرف إلى غیره فدخل عمرو على معاویة فقال و اللّه لعجب لك إنى أرفدك بما أرفدك و أنت معرض عنى أما و اللّه إن قاتلنا معك نطلب بدم الخلیفة إن فى النفس من ذلك ما فیها حیث نقاتل من تعلم سابقته و فضله و قرابته و لكنّا إنّما أردنا هذه الدّنیا فصالحه معاویة و عطف علیه .

و یأتی فی ذلك كتاب أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام إلى عمرو بن العاص فی باب المختار من كتبه علیه السّلام و هو الكتاب التاسع و الثلاثون حیث یقول علیه السّلام :

فانك جعلت دینك تبعا لدنیا امرء ظاهر غیّه مهتوك ستره یشین الكریم بمجلسه و یسفّه الحلیم بخلطته فاتبعت اثره و طلبت فضله اتباع الكلب للضرغام یلوذ إلى

[ 217 ]

مخالبه و ینتظر ما یلقى الیه من فضل فریسته إلى آخر ما قال علیه السّلام .

« حكم الحكمین و اجتماعهما و ما جرى فى ذلك »

و اعلم ان التحكیم كان برأى عمرو بن العاص حین رأى ان دلائل الفتح و النصر لأهل العراق أعنى عسكر علىّ علیه السّلام ظهرت و دلائل الخذلان و الادبار على أهل الشام و هم عسكر معاویة قد وضحت و كان ذلك عقیب لیلة الهریر و هى لیلة عظیمة یضرب بها المثل فرفع أهل الشام برأى عمرو مصاحف اعتصاما من سیوف أهل العراق حین رأوا ان عسكر العراق غلبوا علیهم .

فلا بد لنا الا ان نذكر ما جرى بینهما فى الصفین لأن عدّة من كتبه علیه السّلام یأتی فى ذلك من بعد ما مضت عدّة من الخطب فى ذلك من قبل و سنشیر إلى مواضعها و مداركها إنشاء اللّه تعالى و نحن نذكر ما اورده فى ذلك أبو جعفر الطبرى فى تاریخه و نصر بن مزاحم فى كتاب الصفین و المسعودى فى مروج الذهب حتى یتبیّن شأن الحكمین و خدیعة عمرو بن العاص لابى موسى الأشعرى و غیر ذلك مما تسمعه .

فى تاریخ أبى جعفر محمّد بن الجریر الطبرى : و فی هذه السنة یعنى السنة السادسة و الثلاثین وجّه علىّ علیه السّلام عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة و فراغه من الجمل جریر بن عبد اللّه البجلى إلى معاویة یدعوه إلى بیعته ، و كان جریر حین خرج علىّ إلى البصرة لقتال من قاتله بها بهمدان عاملا علیها كان عثمان استعمله علیها فلما قدم علىّ الكوفة منصرفا الیها من البصرة كتب الیهما یأمرهما بأخذ البیعة له على من قبلهما من النّاس و الانصراف الیه ففعلا ذلك و انصرفا الیه .

فلما أراد علىّ توجیه الرسول إلى معاویة قال جریر بن عبد اللّه ابعثنى الیه فانّه لى ودّ حتّى آتیه فأدعوه إلى الدخول فى طاعتك فقال الاشتر لعلىّ لا تبعثه فو اللّه إنى لأظن هواه معه فقال علىّ دعه حتّى ننظر ما الّذى یرجع به الینا فبعثه الیه و كتب معه كتابا یعلمه اجتماع المهاجرین و الانصار على بیعته و نكث طلحة و الزبیر و ما كان من حربه ایاهما و یدعوه إلى الدخول فیما دخل فیه المهاجرون و الانصار من طاعته .

[ 218 ]

فشخص الیه جریر فلما قدم علیه ماطله و استنظره و دعا عمرا 1 فاستشاره فیما كتب به الیه فأشار علیه أن یرسل إلى وجوه الشام و یلزم علیا دم عثمان و یقاتله بهم ففعل ذلك معاویة و كان أهل الشام لما قدم علیهم النعمان بن بشیر بقمیص عثمان الّذى قتل فیه مخضبا بدمه و باصابع نائلة زوجته 2 مقطوعة بالبراجم اصبعان منها و شى‏ء من الكف و اصبعان مقطوعتان من اصولهما و نصف الابهام ، وضع معاویة القمیص على المنبر و كتب بالخبر إلى الاجناد و ثاب الیه الناس و بكوا سنة و هو على المنبر و الاصابع معلقه فیه .

و آلى الرجال من أهل الشام ألا یأتوا النساء و لا یمسهم الماء للغسل إلا من احتلام و لا یناموا على الفرش حتّى یقتلوا قتلة عثمان و من عرض دونهم بشى‏ء او تفنى ارواحهم فمكثوا حول القمیص سنة و القمیص یوضع كل یوم على المنبر و یجلّله احیانا فیلبسه و علق فى اردانه اصابع نائلة .

فلما قدم جریر بن عبد اللّه على علىّ فاخبره خبر معاویة و اجتماع أهل الشام معه على قتاله و انهم یبكون على عثمان و یقولون ان علیا قتله و آوى قتلته و انهم لا ینتهون عنه حتّى یقتلهم او یقتلوه .

فقال الاشتر لعلىّ قد كنت نهیتك ان تبعث جریرا و اخبرتك بعداوته و غشه و لو كنت بعثتنى كان خیرا من هذا الّذى اقام عنده حتى لم یدع بابا یرجو فتحه الافتحه و لا بابا یخاف منه إلا اغلقه .

فقال جریر لو كنت ثمّ لقتلوك لقد ذكروا انك من قتلة عثمان . فقال الاشتر لو أتیتهم و اللّه یا جریر لم یعینى جوابهم و لحملت معاویة على خطة اعجله فیها عن الفكر و لو اطاعنى فیك أمیر المؤمنین لحبسك و اشباهك فى محبس لا تخرجون منه حتّى

-----------
( 1 ) و هو عمرو بن العاص .

-----------
( 2 ) یعنى ان نائلة كانت زوجة عثمان و هى احدى زوجاته و نسبها كما قاله الطبرى فى تاریخه : هى نائلة ابنة الفرافصة بن الاحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم ابن عدى بن جناب بن كلب . و لذا یقال لها نائلة الكلبیة .

[ 219 ]

تستقیم هذه الامور فخرج جریر بن عبد اللّه إلى قرقیساء و كتب إلى معاویة فكتب الیه یأمره بالقدوم علیه و خرج أمیر المؤمنین علىّ علیه السّلام فعسكر بالنخیلة و قدم علیه عبد اللّه بن عبّاس بمن نهض معه من أهل البصرة .

و استخلف عبد اللّه بن عباس على البصرة ثمّ سارمنها إلى الكوفة فتهیأ فیها إلى صفین فاستشار النّاس فى ذلك فاشار علیه قوم ان یبعث الجنود و یقیم و اشار آخرون بالمسیر فأبى إلاّ المباشرة فجهّز الناس .

و قال المسعودى فى مروج الذهب و كان سیر على علیه السّلام من الكوفة الى صفین لخمس خلون من شوال سنة ست و ثلاثین و استخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر الانصارى .

فبلغ ذلك معاویة فدعا عمرو بن العاص فاستشاره فقال أمّا إذ بلغك انّه یسیر فسر بنفسك و لا تغب عنه برأیك و مكیدتك . قال أمّا إذا یا أبا عبد اللّه فجهز النّاس فجاء عمرو فحضّض النّاس و ضعف علیّا و أصحابه و قال : إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم و اوهنوا شوكتهم و فلّوا احدهم ثمّ إن أهل البصرة مخالفون لعلیّ قد وترهم و قللهم و قد تفانت صنادیدهم و صنادید أهل الكوفة یوم الجمل و إنّما سار فی شرذمة قلیلة منهم من قد قتل خلیفتكم فاللّه اللّه فی حقّكم ان تضیّعوه و فی دمكم ان تبطلوه و كتب فی اجناد أهل الشام و عقد لواءه لعمرو فعقد لوردان غلامه فیمن عقد و لابنیه عبد اللّه و محمّد و عقد علیّ لغلامه قنبر ثمّ قال عمرو :

هل یغنین وردان عنى قنبرا
و تغنی السكون عنى حمیرا

إذا الكماة لبسوا السّنوّرا

فبلغ ذلك علیّا علیه السّلام فقال :

لأصبحنّ العاصى بن العاصى
سبعین ألفا عاقدى النواصى

مجنّنین الخیل بالقلاص
مستحقین حلق الدّلاص

فلمّا سمع ذلك معاویة قال ما أرى ابن أبى طالب إلاّ قد وفى لك فجاء معاویة یتأنى فى مسیره و كتب إلى كلّ من كان یرى أنه یخاف علیّا او طعن علیه و من

[ 220 ]

اعظم دم عثمان و استعواهم الیه .

فبعث علىّ زیاد بن النضر الحارثى طلیعة فى ثمانیة آلاف و بعث معه شریح ابن هانى فى أربعة آلاف و خرج علىّ من النخیلة بمن معه فلما دخل المدائن شخص معه من فیها من المقاتلة و ولى على المدائن سعد بن مسعود الثقفى عم المختار بن أبى عبید و وجه علىّ من المدائن معقل بن قیس فى ثلاثة آلاف و أمره أن یأخذ على الموصل حتّى یوافیه .

قال المسعودى فى مروج الذهب و قد تنوزع فى مقدار ما كان مع على علیه السّلام من الجیش فمكثّر و مقلّل و المتفق علیه من قول الجمیع تسعون ألفا و قال رجل من أصحاب على علیه السّلام لما استقروا ممایلى الشام من ابیات كتب بها إلى معاویة .

اثبت معاوى قد اتاك الحافل
تسعون ألفا كلّهم مقاتل

عما قلیل یضمحلّ الباطل

و سار معاویة من الشام و قد تنوزع فى مقدار من كان معه فمكثّر و مقلّل و المتفق علیه من قول الجمیع خمس و ثمانون ألفا .

« ما أمر به على بن أبیطالب من عمل الجسر على الفرات »

فلمّا انتهى علىّ علیه السّلام إلى الرقة قال لأهل الرّقة اجسروا لى جسرا حتّى اعبر من هذا المكان إلى الشام فابوا و قد كانوا ضموا الیهم السفن فنهض من عندهم لیعبر من جسر منبج و خلف علیهم الأشتر و ذهب لیمضى بالنّاس كیما یعبر بهم على جسر منبج فنادا هم الأشتر فقال یا أهل هذا الحصن ألا انّى اقسم لكم باللّه عزّ و جل لئن مضى أمیر المؤمنین و لم تجسروا له عند مدینتكم جسرا حتّى یعبر لأجرّدن فیكم السیف ثمّ لأقتلن الرجال و لأخربن الأرض و لآخذن الأموال فلقى بعضهم بعضا فقالوا البس الاشتر یفى بما حلف علیه او یأتى بشرّ منه قالوا نعم فبعثوا الیه انا ناصبون لكم جسرا فاقبلوا و جاء علىّ فنصبوا له الجسر فعبر علیه بالاثقال و الرجال ثمّ أمر علىّ الأشتر فوقف فى ثلاثة آلاف فارس حتّى لم یبق من النّاس احد إلا عبر ثمّ انه عبر آخر النّاس رجلا قال أبو جعفر الطبرى : قال أبو مخنف فحدّثنی خالد بن قطن الحارثى : ان

[ 221 ]

علیّا لما قطع الفرات دعا زیاد بن النضر و شریح بن هانى فسرحهما امامه نحو معاویة على حالهما الّتی كانا خرجا علیه من الكوفة قال و قد كانا حیث سرحهما من الكوفة أخذا على شاطى‏ء الفرات من قبل البر مما یلى الكوفة حتّى بلغا عانات فبلغهما اخذ علىّ على طریق الجزیرة و بلغهما ان معاویة قد اقبل من دمشق فی جنود أهل الشام لاستقبال علىّ علیه السّلام فقالا لا و اللّه ما هذا لنا برأى ان نسیر و بیننا و بین المسلمین و أمیر المؤمنین هذا البحر و ما لنا خیر فی ان نلقى جنود أهل الشام بقلة من معنا منقطعین من العدد و المدد فذهبوا لیعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات و حبسوا عنهم السفن فأقبلوا راجعین حتّى عبروا من هیت ثمّ لحقوا علیّا بقریة دون قرقیسیاء و قد ارادوا أهل عانات فتحصنوا و فروا و لما لحقت المقدمة علیّا قال مقدمتى تأتینى من ورائى .

فتقدم الیه زیاد بن النضر الحارثى و شریح بن هانى فأخبراه بالّذى رأیا حین بلغهما من الأمر ما بلغهما فقال سددتما .

ثمّ مضى علیّ علیه السّلام فلما عبر الفرات قدمهما امامه نحو معاویة فلما انتهیا إلى سور الروم لقیهما أبو الاعور السلمی عمرو بن سفیان فی جند من أهل الشام فأرسلا إلى علیّ علیه السّلام أنا قد لقینا أبا الاعور السلمی فی جند من أهل الشام و قد دعوناهم فلم یجبنا منهم أحد فمرنا بامرك .

فارسل علیّ علیه السّلام إلى الاشتر فقال یا مالك ان زیادا و شریحا ارسلا إلىّ یعلمانی انهما لقیا أبا الاعور السلمی فی جمع من أهل الشام و انبأنی الرسول انه تركهم متواقفین فالنجاء إلى أصحابك النجاء فاذا قدمت علیهم فأنت علیهم و إیاك ان تبدء القوم بقتال إلاّ أن یبدأوك حتى تلقاهم فتدعوهم و تسمع و لا یجرمنكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم و الاعذار إلیهم مرة بعد مرة ، و اجعل على میمنتك زیادا و على میسرتك شریحا وقف من أصحابك وسطا و لا تدنو منهم دنوّ من یرید أن ینشب الحرب و لا تباعد منهم بعد من یهاب الناس حتّى اقدم علیك فانی حثیث السیر فى اثرك إن شاء اللّه .

قال و كان الرسول الحارث بن جمهان الجعفی فكتب علیّ علیه السّلام إلى زیاد و شریح

[ 222 ]

أما بعد فانی قد أمّرت علیكما مالكا فاسمعاله و اطیعا فانه مما لا یخاف رهقه و لا سقاطه و لا بطؤه عما الاسراع إلیه احزم و لا الاسراع إلى ما البطاء عنه امثل و قد امرته بمثل الّذی كنت امرتكما به ألاّ یبدأ القوم حتى یلقاهم فیدعوهم و یعذر إلیهم .

أقول : قال نصر فی كتاب صفین باسناده عن عبد اللّه بن جندب عن أبیه ،

و كذا الطبری فی تاریخه باسناده عن عبد الرحمن بن جندب الازدی عن أبیه : أن علیّا علیه السّلام كان یأمرنا فی كلّ موطن لقینا معه عدوّه یقول :

لا تقاتلوا القوم حتّى یبدؤكم فانكم بحمد اللّه على حجّة و ترككم إیاهم حتى یبدؤكم حجة اخرى لكم علیهم فاذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جریح و لا تكشفوا عورة و لا تمثلوا بقتیل فاذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا إلا باذن و لا تأخذوا شیئا من أموالهم إلا ما وجدتم فی عسكرهم و لا تهیجوا امرأة بأذى و إن شتمن أعراضكم و تناولن امراءكم و صلحاءكم فانهن ضعاف القوى و الانفس و لقد كنا و انا لنؤمر بالكف عنهنّ و انهن لمشركات و إن كان الرجل لیتناول المرأة فی الجاهلیة بالهراوة أو الحدید فیعیر بها عقبه من بعده .

أقول : یأتی شرح كلامه علیه السّلام هذا فی باب المختار من كتبه و رسائله بعون الملك الوهاب . و قال الرضی رضی اللّه عنه قال علیه السّلام لعسكره قبل العدو بصفین .

قال نصر باسناده عن الحضرمی قال سمعت علیا علیه السّلام عرض فی النّاس فی ثلاثة مواطن : فی یوم الجمل و یوم صفین و یوم النهروان فقال : عباد اللّه اتقوا اللّه عزّ و جلّ و غضّوا الأبصار و اخفضوا الاصوات و اقلّوا الكلام و وطّنوا أنفسكم على المنازلة و المجاولة و المبارزة و المعانقة و المكارمة و اثبتوا و اذكروا اللّه كثیرا لعلّكم تفلحون و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ریحكم و اصبروا إنّ اللّه مع الصابرین اللّهمّ ألهمهم الصبر و أنزل علیهم النصر و أعظم لهم الأجر . و لنعد إلى قول الطبری :

و خرج الاشتر حتّى قدم على القوم فاتبع ما أمره علیّ علیه السّلام و كف عن القتال فلم یزالوا متواقفین حتى إذا كان عند المساء حمل علیهم أبو الاعور السلمى

[ 223 ]

فثبتوا له و اضطربوا ساعة ثم إن أهل الشام انصرفوا ثم خرج إلیهم من الغد هاشم ابن عتبة الزّهری فی خیل و رجال حسن عددها و عدتها و خرج إلیه أبو الأعور فاقتتلوا یومهم ذلك تحمل الخیل على الخیل و الرجال على الرجال و صبر القوم بعضهم لبعض ثمّ انصرفوا و حمل علیهم الاشتر فقتل عبد اللّه بن المنذر التنوخی قتله یومئذ ظبیان بن عمّار التمیمی و ما هو إلا فتى حدث و إن كان التنوخی لفارس أهل الشام .

و أخذ الاشتر یقول و یحكم أرونى أبا الاعور . ثمّ انّ أبا الاعور دعا لناس فرجوا نحوه .

فوقف من وراء المكان الّذی كان فیه أول مرّة و جاء الاشتر حتّى صف أصحابه فی المكان الّذی كان فیه أبو الاعور فقال الاشتر لسنان بن مالك النخعی انطلق إلى أبی الاعور فادعه إلى المبارزة فقال إلى مبارزتی أو مبارزتك فقال له الاشتر لو امرتك بمبارزته فعلت قال نعم و اللّه لو امرتنی ان اعترض صفهم بسیفی ما رجعت أبدا حتى اضرب بسیفی فی صفهم قال له الاشتر یا ابن اخی اطال اللّه بقاءك قد و اللّه ازددت رغبة فیك لا أمرتك بمبارزته انما امرتك ان تدعوه إلى مبارزتی انه لا یبرز ان كان ذلك من شأنه إلاّ لذوی الاسنان و الكفاءة و الشرف و أنت لربك الحمد من أهل الكفاءة و الشرف غیر أنك فتى حدث السن فلیس بمبارز الاحداث و لكن ادعه إلى مبارزتی ، فأتاه فنادى آمنونى فانی رسول فاومن فجاء حتى انتهى إلى أبی الأعور قال أبو مخنف فحدثنی النضر بن صالح أبو زهیر العبسى قال حدثنی سنان قال فدنوت منه فقلت ان الاشتر یدعوك إلى مبارزته قال فسكت عنى طویلا ثمّ قال إن خفة الاشتر و سوء رأیه هو حمله على اجلاء عمال ابن عفان من العراق و انتزائه علیه بقبح محاسنه ، و من خفة الاشتر و سوء رأیه أن سار إلى ابن عفان فی داره و قراره حتى قتله فیمن قتله فاصبح متبعا بدمه ألا لا حاجة لی فی مبارزته .

قال قلت انك قد تكلمت فاسمع حتّى اجیبك فقال لا حاجة لی فی الاستماع منك و لا فی جوابك اذهب عنى فصاح بی أصحابه فانصرفت عنه و لو سمع إلىّ لأخبرته بعذر صاحبی و لحجته .

[ 224 ]

فرجعت إلى الاشتر فأخبرته انه قد أبی المبارزة فقال لنفسه نظر . فوافقناهم حتّى حجز اللیل بیننا و بینهم و بتنا متحارسین فلما اصبحنا نظرنا فاذا القوم قد انصرفوا من تحت لیلتهم و یصبحنا علیّ بن أبیطالب غدوة فقدم الاشتر فیمن كان معه فی تلك المقدمة حتى انتهى إلى معاویة فوافقه و جاء علىّ فی اثره فلحق بالأشتر سریعا فوقف و تواقفوا طویلا .

ثمّ ان علیّا علیه السّلام طلب موضعا لعسكره فلما وجده امر الناس فوضعوا الأثقال فلما فعلوا ذهب شباب الناس و غلمتهم یستقون فمنعهم أهل الشام فاقتتل النّاس على الماء و قد كان الاشتر قال له قبل ذلك إن القوم قد سبقوا إلى الشریعة و إلى سهولة الارض و سعة المنزل فان رأیت سرنا نجوزهم إلى القریة التی خرجوا منها فانهم یشخصون فی اثرنا فاذاهم لحقونا نزلنا فكنا نحن و هم على السواء فكره ذلك علیّ علیه السّلام و قال لیس كل الناس یقوى على المسیر فنزل بهم .

« القتال على الماء »

قال الطبری قال أبو مخنف و حدثنی تمیم بن الحارث الأزدى عن جندب بن عبد اللّه قال إنا لما انتهینا إلى معاویة وجدناه قد عسكر فی موضع سهل افیح قد اختاره قبل قدومنا إلى جانب شریعة فی الفرات لیس فی ذلك الصقع شریعة غیرها و جعلها فی حیزة و بعث علیها أبا الاعور یمنعها و یحمیها فارتفعنا على الفرات رجاء أن نجد شریعة غیرها نستغنى بها عن شریعتهم فلم نجدها فأتینا علیّا علیه السّلام فاخبرناه بعطش النّاس و أنا لا نجد غیر شریعة القوم قال فقاتلوهم علیها فجاءه الاشعث بن قیس الكندی فقال أنا اسیر إلیهم فقال له علیّ علیه السّلام فسر إلیهم فسار و سرنا معه حتى إذا دنونا من الماء ثاروا فی وجوهنا ینضحوننا بالنبل و رشقناهم و اللّه بالنبل ساعة ثمّ اطعنّا و اللّه بالرماح طویلا ثمّ صرنا آخر ذلك نحن و القوم إلى السیوف فاجتلدنا بها ساعة .

ثمّ ان القوم اتاهم یزید بن أسد البجلی ممدا فی الخیل و الرجال فأقبلوا نحونا فقلت فی نفسى فأمیر المؤمنین لا یبعث إلینا بمن یغنی عنّا هؤلاء فذهبت و التفت فاذا