[ 225 ]

عدة القوم أو اكثر قد سرحهم إلینا لیغنوا عنا یزید بن اسد و أصحابه علیهم شبث بن ربعی الریاحى فو اللّه ما ازداد القتال الاشدة و خرج إلینا عمرو بن العاص من عسكر معاویة فی جند كثیر فاخذ یمدّ أبا الاعور و یزید بن اسد و خرج الاشتر من قبل علیّ علیه السّلام فی جمع عظیم فلما رأى الأشتر عمرو بن العاص یمدّ أبا الاعور و یزید بن أسد امدّ الاشعث ابن قیس و شبث بن ربعی فاشتدّ قتالنا و قتالهم فما أنسى قول عبد اللّه بن عوف بن الأحمر الأزدى :

خلّوا لنا ماء الفرات الجاری
أو اثبتوا لجحفل جرّار

لكلّ قرم مستمیت شاری
مطاعن برمحه كرار

ضرّاب‏ها مات العدى مغوار

قال أبو مخنف و حدثنی رجل من آل خارجة بن التمیمی أن ظبیان بن عمارة جعل یومئذ یقاتل و هو یقول :

هل لك یا ظبیان من بقاء
فى ساكن الأرض بغیر ماء

لا و إله الأرض و السماء
فاضرب وجوه الغدر الأعداء

بالسیف عند حمس الوغاء
حتّى یجیبوك إلى السّواء

قال ظبیان فضربناهم و اللّه حتّى خلونا و ایاه و قال محمّد بن محنف بن سلیم فقاتلناهم فما أمسینا حتى رأینا سقاتنا و سقاتهم یزدحمون على الشریعة و ما یؤذی انسان انسانا ، و قال أبو الحسن علیّ بن الحسین بن علیّ المسعودی فی مروج الذهب : و علیّ علیه السّلام بدور فی عسكره باللیل فسمع قائلا و هو یقول :

أ یمنعنا القوم ماء الفرات
و فینا الرماح و فینا الحجف

و فینا علیّ علیه السّلام له صولة
إذا خوّفوه الردى لم یخف

و نحن غداة لقینا الزبیر
و طلحة خضنا غمار التلف

فما بالنا الامس اسد العرین
و ما بالنا الیوم شاء النجف

قال أبو مخنف و حدثنى یوسف بن یزید عن عبد اللّه بن عوف بن الأحمر قال لما قدمنا على معاویة و أهل الشّام بصفین وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستویا

[ 226 ]

بساطا واسعا أخذوا الشریعة فهى فی أیدیهم .

و قال المسعودی فی مروج الذهب و عسكر معاویة فی موضع سهل افیح اختاره قبل قدوم علیّ علیه السّلام على شریعة لم یكن على الفرات فی ذلك الموضع اسهل منها للوارد إلى الماء و ما عداها اخراق عالیة و مواضع إلى الماء وعرة و وكل أبا الاعور السلمی بالشریعة مع أربعین ألفا و كان على مقدمته .

و قال أبو مخنف و قد صفّ أبو الاعور السلمی علیها الخیل و الرجال و قد قدّم المرامیة امام من معه و صف صفا معهم من الرّماح و الدرق و على رؤوسهم البیض و قد اجمعوا على أن یمنعونا الماء ففزعنا إلى امیر المؤمنین فخبرناه بذلك فدعا صعصعة ابن صوحان فقال له ائت معاویة و قل له انا سرنا مسیرنا هذا إلیكم و نحن نكره قتالكم قبل الاعذار إلیكم و إنك قدمت إلینا خیلك و رجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك و بدأتنا بالقتال و نحن من رأینا الكف عنك حتّى ندعوك و نحتج علیك و هذه اخرى قد فعلتموها قد حلتم بین النّاس و بین الماء و الناس غیر منتهین أو یشربوا فابعث إلى أصحابك فلیخلّوا بین النّاس و بین الماء و یكفوا حتّى ننظر فیما بیننا و بینكم و فیما قدمنا له و قدمتم له و إن كان أعجب إلیك أن نترك ما جئنا له و نترك النّاس یقتتلون على الماء حتّى یكون الغالب هو الشارب فعلنا .

فقال معاویة لأصحابه ما ترون فقال الولید بن عقبة امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفان حصروه أربعین صباحا یمنعونه برد الماء و لین الطعام ، اقتلهم عطشا قتلهم اللّه عطشا ، فقال له عمرو بن العاص خلّ بینهم و بین الماء فان القوم لن یعطشوا و أنت ریّان و لكن بغیر الماء فانظر ما بینك و بینهم فاعاد الولید بن عقبة مقالته .

و قال المسعودی : و وكل معاویة أبا الاعور السلمی بالشریعة مع أربعین ألفا و كان على مقدمته و بات علیّ علیه السّلام و جیشه فی البر عطاشا قد حیل بینهم و بین الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاویة ان علیا لا یموت عطشا هو و تسعون الفا من أهل العراق و سیوفهم على عواتقهم و لكن دعهم یشربون و نشرب فقال معاویة لا و اللّه

[ 227 ]

أو یموتوا عطشا كما مات عثمان .

و قال عبد اللّه بن أبی سرح امنعهم الماء إلى اللیل فانهم ان لم یقدروا علیه رجعوا و لو قد رجعوا كان رجوعهم فلا امنعهم الماء منعهم اللّه یوم القیامة .

فقال صعصعة انما یمنعه اللّه عزّ و جلّ یوم القیامة الكفرة الفسقة و شربة الخمر ضربك و ضرب هذا الفاسق یعنى الولید بن عقبة قال فتواثبوا الیه یشتمونه و یتهدّدونه فقال معاویة كفوا عن الرجل فانّه رسول .

قال أبو مخنف و حدّثنی یوسف بن یزید عن عبد اللّه بن عوف بن الأحمر أن صعصعة رجع الینا فحدثنا عما قال لمعاویة و ما كان منه و ما ردّ فقلنا فما رد علیك فقال لما اردت الانصراف من عنده قلت ما ترد على ؟ قال معاویة سیأتیكم رأیی فو اللّه ما راعنا إلا تسریته الخیل إلى أبى الاعور لیكفهم عن الماء قال فأبرزنا علیّ علیه السّلام إلیهم فارتمینا ثمّ اطّعنا ثمّ اضطربنا بالسّیوف فنصرنا علیهم فصار الماء فی ایدینا فقلنا لا و اللّه لا نسقیهموه فأرسل إلینا علیّ أن خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا إلى عسكركم و خلّوا عنهم فان اللّه عزّ و جلّ قد نصركم علیهم بظلمهم و بغیهم .

و قال المسعودى فی مروج الذهب : قال معاویة لعمرو بن العاص یا أبا عبد اللّه ما ظنك بالرجل ( یعنی بالرجل علیّا علیه السّلام ) أتراه یمنعنا الماء لمنعنا ایاه و قد انحاز بأهل الشام إلى ناحیة فی البر نائیا عن الماء فقال له عمرو لا ان الرجل جاء لغیر هذا و انه لا یرضى حتّى تدخل فی طاعته او یقطع حبال عاتقك فارسل الیه معاویة یستأذنه فی وروده مشرعته و استقاء الناس من طریقه و دخل رسله عسكره فأباحه على كلّ ما سأل و طلب منه .

أقول انظر إلى سیرة ولی اللّه الأعظم أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام مع النّاس حتّى مع الاعداء بعین المعرفة و البصیرة و إلى دأب معاویة أیضا حتّى یتبین لك الفرق بین رجل الهی و بین الّذی استحوذ علیه الشیطان و تردّى فی هواه ، حیث ترى ان معاویة قدم أوّلا و اختار منزلا مستویا بساطا واسعا و اخذ الشریعة و منع علیّا علیه السّلام و أصحابه الماء مع أن النّبی صلّى اللّه علیه و آله جعل النّاس فی الماء و الكلاء و النار شرعا سواء

[ 228 ]

و لما غلب علیّ علیه السّلام و عسكره علیهم خلوا بینهم و بین الماء ثمّ وعظ علیّ عسكره بان الظالم و الباغی منكوب و مغلوب لا محالة و إن كان له جولان فی برهة من الزمان حیث قال علیه السّلام فان اللّه عزّ و جل قد نصركم علیهم بظلمهم و بغیهم .

و أمّا منع النّاس عثمان من الطعام و الشراب و حصرهم ایاه أربعین صباحا او أكثر فیأتی كلامنا فیه فی المباحث الآتیة مع أن أمیر المؤمنین علی علیه السّلام قد انكر منع الماء و الطعام على عثمان و أنفذ من مكن من حمل ذلك لانه كان فى الدار من الحرم و النسوان و الصبیان من لا یحل منعه من الطعام و الشراب .

و قال ابن قتیبة الدینورى فى كتابه الامامة و السیاسة المعروف بتاریخ الخلفاء :

و بعث عثمان إلى علىّ علیه السّلام یخبره انه منع الماء و یستغیث به فبعث الیه على علیه السّلام ثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل الیه ، فقال طلحة ما أنت و هذا ؟ .

و العجب من هؤلاء الطغام كیف تمسكوا بالاباطیل و الاضالیل فخدعوا أتباعهم و من تتبع فى الاثار و الأخبار یرى بعین الیقین أن معاویة لم یلف شیئا یستضل و یستغوى به النّاس إلاّ أن یتمسك بتلك الأقوال كما استمسك بها سخلته یزید لما اراد أن یحرض النّاس فى قتل حسین بن على علیهما السّلام و العجب أن معاویة منع أمیر المؤمنین علیّا علیه السّلام و أصحابه من الماء و لما استولى علیه السّلام علیهم خلى بینهم و بین الماء و یزید بن معاویة منع حسین بن على و اشیاعه من الماء و هم سقوا قومه و ارووهم من الماء حتّى رشفوا خیلهم حذو النعل بالنعل .

قال الطبرى فى حدیث اقبال الحسین بن على علیهما السّلام إلى كربلاء و مجى‏ء الحرّ مع قومه الیه فى أثناء الطریق باسناده عن عبد اللّه بن سلیم و المذرى المشمعل الأسدیین قالا اقبل الحسین علیه السّلام حتّى نزل شراف فلما كان فى السحر أمر فتیانه فاستقوا من الماء فأكثروا ثمّ ساروا منها فرسموا صدر یومهم حتّى انتصف النهار ثمّ إن رجلا قال اللّه اكبر فقال الحسین علیه السّلام اللّه أكبر ما كبرت ؟ قال رأیت النخل فقال له الاسدیان إن هذا المكان ما رأینا به نخلة قط قالا فقال لنا الحسین علیه السّلام فما تریانه رأى ؟ قلنا نراه رأى هوادى الخیل فقال و أنا و اللّه أرى ذلك . فقال الحسین علیه السّلام

[ 229 ]

أمالنا ملجأ نلجأ الیه نجعله فى ظهورنا و نستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقلنا له بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تمیل إلیه عن یسارك فإن سبقت القوم إلیه فهو كما ترید .

قال فأخذ إلیه ذات الیسار قال و ملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علینا هوادى الخیل فتبیّناها و عدلنا فلمّا رأونا و قد عدلنا عن الطریق عدلوا إلینا كأن أسنتهم الیعاسیب و كان رایاتهم أجنحة الطیر . قال فاستبقنا إلى ذى حسم فسبقناهم إلیه فنزل الحسین علیه السّلام فأمر بأبنیته فضربت و جاء القوم و هم ألف فارس مع الحرّ بن یزید التمیمی الیربوعی حتّى وقف هو و خیله مقابل الحسین علیه السّلام فی حرّ الظهیرة و الحسین و أصحابه معتمون متقلّدوا أسیافهم . فقال الحسین علیه السّلام لفتیانه اسقوا القوم و ارووهم من الماء و رشفوا الخیل نر شیفا فقام فتیانه فرشفوا الخیل ترشیفا فقام فتیة و سقوا القوم من الماء حتّى أرووهم و اقبلوا یملؤن القصاع و الأتوار و الطّساس من الماء ثمّ یدنونها من الفرس فاذا عبّ فیه ثلاثا أو أربعا او خمسا عزلت عنه و سقوا آخر حتّى سقوا الخیل كلها .

ثمّ قال : قال علىّ بن الطعّان المحاربى كنت مع الحرّ بن یزید فجئت فى آخر من جاء من أصحابه فلمّا رأى الحسین علیه السّلام ما بى و بفرسى من العطش قال أنخ الراویة و الراویة عندى السقاء ثم قال یا ابن أخى أنخ الجمل فأنخته فقال اشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسین علیه السّلام اخنث السقاء اى اعطفه قال فجعلت لا أدرى كیف أفعل قال فقام الحسین علیه السّلام فخنثه فشربت و سقیت فرسى .

إلى أن قال الطبرى باسناده عن حمید بن مسلم الازدى قال :

جاء من عبید اللّه بن زیاد كتاب إلى عمر بن سعد : أمّا بعد فحل بین الحسین و أصحابه و بین الماء و لا یذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكى المظلوم أمیر المؤمنین عثمان بن عفان . قال فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمأة فارس فنزلوا على الشریعة و حالوا بین حسین و أصحابه و بین الماء أن یسقوا منه قطرة و ذلك قبل قتل الحسین بثلاث . قال و نازله عبد اللَّه بن أبى حصین الأزدى و عداده فی بجیلة فقال یا حسین ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء و اللّه لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا ، فقال حسین علیه السّلام اللّهم اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا . قال حمید بن مسلم و اللّه لعدته بعد ذلك فى مرضه فو اللّه الّذی لا إله إلاّ هو لقد رأیته یشرب حتّى بغر ثمّ

[ 230 ]

یقی‏ء ثمّ یعود فیشرب حتّى یبغر فما یروى فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصّته یعنى نفسه .

و أقول لا یخفى على الباحث فى السیر و الآثار أن دأب بنى هاشم كان على تألیف قلوب النّاس و الاخذ بایدیهم و ایصال الخیر الیهم و افشاء المعروف فیهم و كانوا من بیت علم و حلم و كرم و سخاوة بحیث یؤثرون النّاس فى شدائد الاحوال على انفسهم و خصال صفاتهم لا یحصى و أن شیمة بنى امیّة كانت على ضدّ ما كان فى بنى هاشم و كانوا عبید الدنیا و اسرة الهوى . و لنعد إلى القصة .

« دعاء على علیه السّلام معاویة الى الطاعة و الجماعة »

قال الطبرى : قال أبو مخنف حدّثنى عبد الملك بن أبى حرة الحنفى أن علیّا قال هذا یوم نصرتم فیه بالحمیة و جاء الناس حتّى أتوا عسكرهم فمكث على علیه السّلام یومین لا یرسل إلى معاویة أحدا و لا یرسل الیه معاویة .

ثمّ إنّ علیّا علیه السّلام دعا بشیر بن عمرو بن محصن الأنصارى و سعید بن قیس الهمدانى و شبث بن ربعى التمیمى فقال ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى اللّه و إلى الطاعة و الجماعة فقال له شبث بن ربعى یا أمیر المؤمنین ألا تطمعه فى سلطان تولیه إیاه و منزلة یكون له بها أثرة عندك إن هو بایعك ؟ فقال علیّ علیه السّلام ائتوه فالقوه و احتجوا علیه و انظروا ما رأیه و هذا فی أوّل ذى الحجة فأتوه و دخلوا علیه فحمد اللّه و اثنى علیه أبو عمرة بشیر ابن عمرو و قال یا معاویة إنّ الدّنیا عنك زائلة و إنّك راجع إلى الآخرة و إنّ اللّه عزّ و جلّ محاسبك بعملك و جازیك بما قدّمت یداك و إنّی انشدك اللّه عزّ و جل أن تفرّق جماعة هذه الامة و أن تسفك دماءها بینها فقطع علیه الكلام و قال هلا أوصیت بذلك صاحبك ؟ فقال أبو عمرة إن صاحبى لیس مثلك إن صاحبى احق البریة كلّها بهذا الأمر فى الفضل و الدین و السابقة فی الإسلام و القرابة من الرسول صلّى اللّه علیه و آله قال :

فیقول ماذا ؟ قال یأمرك بتقوى اللّه عزّ و جلّ و إجابة ابن عمّك إلى ما یدعوك إلیه من الحقّ فانّه اسلم لك فی دنیاك و خیر لك فی عاقبة أمرك .

قال معاویة : و نطل دم عثمان لا و اللّه لا أفعل ذلك أبدا . فذهب سعید بن قیس

[ 231 ]

یتكلم فبادره شبث بن ربعى فتكلم فحمد اللّه و اثنى علیه و قال یا معاویة إنّی قد فهمت ما رددت على ابن محصن انه و اللّه لا یخفى علینا ما تغزو و ما تطلب إنّك لم تجد شیئا تستغوى به النّاس و تستمیل به أهوائهم و تستخلص به طاعتهم إلاّ قولك قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه فاستجاب له سفهاء طغام و قد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر و احببت له القتل لهذه المنزلة الّتی أصبحت تطلب و ربّ متمنى أمر و طالبه ، اللّه عزّ و جلّ یحول دونه بقدرته و ربّما اوتى المتمنى امنیته و فوق امنیّته و واللّه مالك فى واحدة منهما خیر لئن أخطات ما ترجوانك لشر العرب حالا فى ذلك و لئن أصبت ما تمنى لا تصیبه حتّى تستحق من ربّك صلیّ النّار فاتق اللّه یا معاویة ودع ما أنت علیه و لا تنازع الأمر أهله .

فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال أمّا بعد فان أوّل ما عرفت فیه سفهك و خفة حلمك قطعك على هذا الحسیب الشریف سیّد قومه منطقه ثمّ عنیت بعد فیما لا علم لك به فقد كذبت و لومت أیّها الأعرابی الجلف الجافى فى كلّ ما ذكرت و وصفت انصرفوا من عندى فانّه لیس بینی و بینكم إلاّ السیف و غضب .

و خرج القوم و شبث یقول أفعلینا تهول بالسیف اقسم باللّه لیعجلن بها إلیك فأتوا علیّا و أخبروه بالّذى كان من قوله و ذلك فی ذى الحجة .

فاخذ علیّ علیه السّلام یأمر الرجل ذا الشرف فیخرج معه جماعة و یخرج إلیه من أصحاب معاویة آخر معه جماعة فیقتلان فی خیلهما و رجالهما ثمّ ینصرفان و أخذوا یكرهون أن یلقوا بجمع أهل العراق أهل الشام لما یتخوفون أن یكون فی ذلك من الاستئصال و الهلاك فكان على علیه السّلام یخرج مرة الأشتر و مرّة حجر بن عدى الكندى و مرّة شبث بن ربعی و مرة خالد بن المعمر و مرة زیاد بن النضر الحارثی و مرة زیاد بن خصفة التیمى و مرة سعید بن قیس و مرة معقل بن قیس الریاحىّ و مرة قیس بن سعد و كان أكثر القوم خروجا الیهم الأشتر .

و كان معاویة یخرج الیهم عبد الرحمن بن خالد المخزومى و أبا الاعور السلمی و مرة حبیب بن مسلمة الفهرى و مرة ابن ذى الكلاع الحمیرى و مرة عبید اللّه بن

[ 232 ]

عمر بن الخطاب و مرة شرحبیل بن السمط الكندى و مرة حمزة بن مالك الهمدانى فاقتتلوا من ذى الحجة كلّها و ربما اقتتلوا فى الیوم الواحد مرتین اوله و آخره .

قال أبو مخنف : حدّثنى عبد اللّه بن عامر الفائشى قال حدّثنى رجل من قومى أن الأشتر خرج یوما یقاتل بصفین فی رجال من القراء و رجال من فرسان العرب فاشتدّ قتالهم فخرج علینا رجل و اللّه لقلّ ما رأیت رجلا قط هو اطول و لا أعظم منه فدعا إلى المبارزة فلم یخرج الیه احد إلا الأشتر فاختلفا ضربتین فضربه الأشتر فقتله و ایم اللّه لقد كنا اشفقنا علیه و سألناه ألا یخرج الیه فلما قتله الأشتر نادى مناد من أصحابه .

یا سهم سهم ابن أبى العیزار
یا خیر من نعلمه من زار

و زاره حى من الازد و قال اقسم باللّه لأقتلن قاتلك او لیقتلنى فخرج فحمل على الأشتر و عطف علیه الأشتر فضربه فاذا هو بین یدى فرسه و حمل علیه أصحابه فاستنقذوه جریحا فقال أبو رفیقة الفهمى هذا كان نارا فصادف إعصارا و اقتتل النّاس ذا الحجة كلّها فلما انقضى ذو الحجة تداعى النّاس إلى أن یكف بعضهم عن بعض المحرم لعل اللّه أن یجرى صلحا او اجتماعا فكف بعضهم عن بعض . و حج بالنّاس فی هذه السنة عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب بأمر على علیه السّلام ایاه بذلك .

ثمّ دخلت سنة سبع و ثلاثین فكان فی أوّل شهر منها و هو المحرم موادعة الحرب بین على علیه السّلام و معاویة قدتوا دعا على ترك الحرب فیه إلى انقضائه طمعا فی الصلح .

قال المسعودى فی مروج الذهب : و لما كان أوّل یوم من ذى الحجة بعد نزول على علیه السّلام هذا الموضع بیومین بعث إلى معاویة یدعوه إلى اتحاد الكلمة و الدخول فی جماعة المسلمین و طالت المراسلة بینهما فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم فی سنة سبع و ثلاثین و امتنع المسلمون عن الغزو فی البحر و البرّ لشغلهم بالحروب و قد كان معاویة صالح ملك الروم على مال یحمله الیه لشغله بعلى علیه السّلام و لم یتم بین علىّ و معاویة صلح على غیر ما اتفقا علیه من الموادعة فی المحرم و عزم القوم على الحرب

[ 233 ]

بعد انقضاء المحرم ففی ذلك یقول حابس بن سعد الطائی صاحب رایة معاویة :

فمادون المنایا غیر سبع
بقین من المحرم او ثمان

و قال أبو جعفر الطبرى : فذكر هشام بن محمّد عن أبی مخنف الازدى قال حدثنی سعد ابو المجاهد الطائی عن المحل بن خلیفة الطائی قال لما توادع علیّ علیه السّلام و معاویة یوم صفّین اختلف فیما بینهما الرسل رجاء الصلح فبعث على علیه السّلام عدیّ بن حاتم و یزید بن قیس الارحبى و شبث بن ربعى و زیاد بن خصفة إلى معاویة فلما دخلوا حمد اللّه عدیّ بن حاتم ثمّ قال أمّا بعد فإنا أتیناك ندعوك إلى أمر یجمع اللّه عزّ و جل به كلمتنا و امتنا و یحقن به الدماء و یأمن به السبل و یصلح به ذات البین إن ابن عمك سید المسلمین أفضلها سابقة و أحسنها فى الأسلام أثرا و قد استجمع له النّاس و قد أرشدهم اللّه عزّ و جل بالّذى رأوا فلم یبق احد غیرك و غیر من معك فانته یا معاویة لا یصبك اللّه و أصحابك بیوم مثل یوم الجمل .

فقال معاویة كأنك إنّما جئت متهدّدا لم تأت مصلحا هیهات یا عدیّ كلا و اللّه إنّى لابن حرب ما یقعقع لى بالشنان أما و اللّه إنّك لمن المجلبین على ابن عفان و إنّك لمن قتلته و إنّی لأرجو أن تكون ممن یقتل اللّه عزّ و جل به هیهات یا عدى ابن حاتم قد حلبت بالسّاعد الاشد .

فقال له شبث بن ربعى و زیاد بن خصفة و تنازعا جوابا واحدا أتیناك فیما یصلحنا و إیاك فأقبلت تضرب لنا الامثال دع ما لا ینتفع به من القول و الفعل واجبنا فیما یعمنا و إیاك نفعه .

و تكلم یزید بن قیس فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إلیك و لنؤدى عنك ما سمعنا منك و نحن على ذلك لم ندع أن ننصح لك و أن نذكر ما ظننا أن لنا علیك حجة و أنك راجع به إلى الالفة و الجماعة إن صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله و لا أظنه یخفى علیك إن أهل الدین و الفضل لن یعدلوا بعلىّ علیه السّلام و لن یمیلوا بینك و بینه فاتّق اللّه یا معاویة و لا تخالف علیّا علیه السّلام فانا و اللّه ما رأینا رجلا قط اعمل بالتقوى و لا ازهد فى الدنیا و لا اجمع لخصال الخیر كلها منه .

[ 234 ]

فحمد اللّه معاویة و أثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد فانكم دعوتم إلى الطاعة و الجماعة فأمّا الجماعة الّتی دعوتم إلیها فمعنا هى و أمّا الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها إن صاحبكم قتل خلیفتنا و فرق جماعتنا و آوى ثأرنا و قتلتنا و صاحبكم یزعم انه لم یقتله فنحن لا نرد ذلك علیه أرایتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون انهم أصحاب صاحبكم فلیدفعهم الینا فلنقتلهم به ثمّ نحن نجیبكم إلى الطاعة و الجماعة .

فقال له شبث أیسرّك یا معاویة أنك أمكنت من عمار تقتله ؟ فقال معاویة و ما یمنعنى من ذلك و اللّه لو أمكنت من ابن سمیّة ما قتلته بعثمان و لكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان .

أقول : عمار هذا هو أبو الیقظان عمار بن یاسر رضى اللّه عنه و هو من خیار أصحاب النّبی صلّى اللّه علیه و آله الّذی قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیه : ان عمارا ملى‏ء إیمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الایمان بلحمه و دمه . و جلالة قدره و كثرة ثباته و استقامته فی الدین مما لا یخفى على احد .

و سمیة « على التصغیر » رضی اللّه عنها كانت امه و هی ممن عذب فی اللّه بل ذكر بقلة الاثار إن أول شهید استشهد فى الاسلام ام عمار سمیة طعنها أبو جهل بطعنة فی قبلها او قلبها . و إنّما قال شبث لمعاویة أیسرك أنك امكنت من عمار تقتله ، لأن النّبی صلّى اللّه علیه و آله قال فیه إنّما تقتلك الفئة الباغیة . و هذا هو المنقول عن الفریقین بلا كلام فكانما شبث قال لمعاویة أنت تعلم ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال فیه كذا أفترضى أن تكون أنت و قومك الفئة الباغیة و تحب ان تكونوا منهم و قاتل عمار بنصّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الفئة الباغیه .

فاجابه معاویة بقوله لو امكنت من ابن سمیة یعنى عمارا ما قتلته بدل عثمان بل كنت قاتله بدل ناتل مولى عثمان یعنى ان عمارا لا یلیق ان یقتل بدل عثمان بل بدل مولاه .

فانظر ایها البصیر فی الامور فی قساوة معاویة و تجرّیه و هتكه و فظاظته كیف یعترف ببغیه و عناده على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و مع ذلك ینسبه إلى الدّین و یعرّفه خلیفة المسلمین و أمیر المؤمنین .

[ 235 ]

و البصیر فی السیر یعلم أن علیّا علیه السّلام لم یكن فی قتل عثمان شریكا بل كان ناهیا عن ذلك و قال غیر واحد من نقلة الآثار من الفریقین إنّه علیه السّلام كان ینهى النّاس عن قتله و سیجى‏ء الكلام فیه فی محله و إنّما معاویة لم یجد شیئا یستغوى به النّاس و یستمیل به اهوائهم و تستخلص به طاعتهم إلاّ قوله : قتل إمامكم عثمان مظلوما فنحن نطلب بدمه .

و سیأتى من عمار رحمه اللّه كما فى تاریخ الطبرى حیث یقول عمار لقوم معاویة فی صفین : و لم یكن للقوم سابقة فی الاسلام یستحقون بها طاعة النّاس و الولایة علیهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوما لیكونوا بذلك جبابرة ملوكا و تلك مكیدة بلغوا بها ما ترون و لو لا هى ما تبعهم من النّاس رجلان .

و یأتی ترجمة عمار و أبوه یاسر و امّه سمیة و نسبه و قتله فی سبیل اللّه عن قریب فلنعد إلى القصة .

فقال له شبث و إله الأرض و إله السماء اما عدلت معتدلا لا و الّذى لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتّى تندر الهام عن كواهل الأقوام و تضیق الأرض الفضاء علیك برحبها .

فقال له معاویة انه لو قد كان ذلك كانت الأرض علیك اضیق . و تفرق القوم عن معاویة فلما انصرفوا بعث معاویة إلى زیاد بن خصفة التیمى فخلا به فحمد اللّه و اثنى علیه و قال أمّا بعد یا أخا ربیعة فإن علیّا قطع ارحامنا و آوى قتلة صاحبنا « یعنى بالصاحب عثمان » و إنى اسألك النصر علیه باسرتك و عشیرتك ثمّ لك عهد اللّه جل و عزّ و میثاقه أن اولیك إذا ظهرت « اى غلبت » اى المصرین احببت .

قال الطبرى قال أبو مخنف فحدثنى سعد أبو المجاهد عن المحل بن خلیفة قال سمعت زیاد بن خصفة یحدّث بهذا الحدیث قال فلما قضى معاویة كلامه حمدت اللّه عزّ و جل و اثنیت علیه ثمّ قلت : أما بعد فانى على بینة من ربّی و بما انعم علىّ فلن اكون ظهیرا للمجرمین ثمّ قمت .

فقال معاویة لعمرو بن العاص و كان إلى جنبه جالسا یكلم رجل منا رجلا

[ 236 ]

منهم فیجیب إلى خیر مالهم عضبهم اللّه بشر ما قلوبهم إلاّ كقلب رجل واحد .

قال الطبرى قال أبو مخنف فحدّثنى سلیمان بن راشد الأزدى عن عبد الرحمن ابن عبید أبى الكنود أن معاویة بعث إلى علىّ علیه السّلام حبیب بن مسلمة الفهرى و شرحبیل ابن السمط و معن بن یزید بن الأخنس فدخلوا علیه و أنا عنده فحمد اللّه حبیب و أثنى علیه ثمّ قال أما بعد فان عثمان بن عفان كان خلیفة مهدیا یعمل بكتاب اللّه عزّ و جل و ینیب إلى أمر اللّه تعالى فاستثقلتم حیاته و استبطأتم وفاته فعدوتم علیه فقتلتموه فادفع الینا قتلة عثمان إن زعمت أنّك لم تقتله نقتلهم به ثمّ اعتزل أمر النّاس فیكون امرهم شورى بینهم یولى الناس امرهم من اجمع علیه رأیهم .

فقال له علىّ بن أبیطالب علیه السّلام و ما أنت لا ام لك و العزل و هذا الأمر اسكت فإنك لست هناك و لا بأهل له .

فقام و قال له و اللّه لترینى بحیث تكره .

فقال علیّ علیه السّلام و ما أنت و لو اجلبت بخیلك و رجلك لا أبقى اللّه علیك إن أبقیت علىّ أحقره و سوءا اذهب فصوّب و صعّد ما بدالك .

و قال شرحبیل بن السمط إنّی إن كلمتك فلعمرى ما كلامى إلا مثل كلام صاحبى قبل فهل عندك جواب غیر الّذی أجبته به ؟ .

فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد فان اللّه جلّ ثناؤه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بالحق فانقذ به من الضلالة و انتاش به من الهلكة و جمع به من الفرقة ثمّ قبضه اللّه الیه و قد أدّى ما علیه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ استخلف النّاس أبا بكر و استخلف أبو بكر عمر فأحسنا السیرة و عدلا فی الامة و قد وجدنا علیهما أن تولیا علینا و نحن آل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فغفرنا ذلك لهما و ولی عثمان فعمل بأشیاء عابها الناس علیه فساروا الیه فقتلوه ثمّ أتانی الناس و أنا معتزل امورهم فقالوا لی بایع فأبیت علیهم فقالوا لى بایع فان الامة لا ترضى إلا بك و إنا نخاف إن لم تفعل أن یفترق النّاس فبایعتهم فلم یرعنى إلا شقاق رجلین قد بایعانى و خلاف معاویة الّذی لم یجعل اللّه عزّ و جل له سابقة فی الدّین و لا سلف صدق فى الاسلام طلیق ابن طلیق حزب من هذه الاحزاب لم یزل للّه عزّ و جل

[ 237 ]

و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله و للمسلمین عدو هو و ابوه حتّى دخلا فى الاسلام كارهین فلا غرو إلا خلافكم معه و انقیادكم له و تدعون آل نبیكم صلّى اللّه علیه و آله الّذین لا ینبغی لكم شقاقهم و لا خلافهم و لا أن تعدلوا بهم من النّاس أحدا ألا أنی أدعوكم إلى كتاب اللّه عز و جل و سنة نبیه صلّى اللّه علیه و آله و إماتة الباطل و إحیاء معالم الدین أقول قولی هذا و أستغفر اللّه لی و لكم و لكل مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة .

أقول كلامه علیه السّلام هذا لیس فی نهج البلاغة و كم له علیه السّلام من كلام لم یأت به الرضیّ رضوان اللّه علیه فی النهج و لم یعثر علیه و هو ( ره ) معترف بذلك حیث یقول فی مقدمته على النهج : مفضّلا فیه اوراقا لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه یشذّ عنّی عاجلا و یقع إلیّ آجلا . و لنعد إلى القصّة :

فقال شرحبیل أ تشهد أن عثمان قتل مظلوما ؟ فقال علیه السّلام لهما لا اقول انّه قتل مظلوما و لا انّه قتل ظالما قالا فمن لم یزعم أن عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء ثمّ قاما فانصرفا فقال علىّ علیه السّلام : « إنّك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا و لوا مدبرین . و ما أنت بهادى العمى عن ضلالهم إن تسمع إلاّ من یؤمن بآیاتنا فهم مسلمون » .

ثمّ أقبل علىّ علیه السّلام على أصحابه فقال لا یكون هؤلاء أولى بالجد فی ضلالهم منكم بالجد فی حقكم و طاعة ربّكم .

« تكتیب الكتائب و تعبیة الناس للقتال »

و مكث النّاس حتّى إذا دنا انسلاخ المحرم أمر على علیه السّلام مرثد بن الحارث الجشمی فنادى أهل الشام عند غروب الشمس ألا إن أمیر المؤمنین یقول لكم إنّی قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ و تنیبوا الیه و احتججت علیكم بكتاب اللّه عزّ و جل فدعوتكم إلیه فلم تناهوا عن طغیان و لم تجیبوا إلى حقّ و إنّی قد نبذت إلیكم على سواء إن اللّه لا یحب الخائنین .

ففزع أهل الشام إلى امرائهم و رؤسائهم و خرج معاویة و عمرو بن العاص فی

[ 238 ]

النّاس یكتّبان الكتائب و یعبّیان النّاس و اوقدوا النیران و بات على علیه السّلام لیلته كلها یعبّى النّاس و یكتب الكتائب و یدور فی الناس یحرضهم .

قال الطبرى قال أبو مخنف و حدثنی إسماعیل بن یزید عن أبی صادق عن الحضرمی قال سمعت علیّا یحرض النّاس فی ثلاثة مواطن یحرض النّاس یوم صفین و یوم الجمل و یوم النهر ، یقول : عباد اللّه اتقوا اللّه و غضوا الابصار و اخفضوا الأصوات و اقلوا الكلام و وطّنوا أنفسكم على المنازلة و المجاولة و المبارزة و المناضلة و المبالدة و المعانقة و المكارمة الملازمة فاثبتوا و اذكروا اللّه كثیرا لعلكم تفلحون و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ریحكم و اصبروا إن اللّه مع الصابرین اللهم الهمهم الصبر و انزل علیهم النصر و أعظم لهم الأجر فاصبح علیّ علیه السّلام من الغد فبعث على المیمنة و المیسرة و الرجالة و الخیل .

قال أبو مخنف فحدثنی فضیل بن خدیج الكندی أن علیا بعث على خیل أهل الكوفة الأشتر و على خیل أهل البصرة سهل بن حنیف و على رجالة أهل الكوفة عمار بن یاسر و على رجالة أهل البصرة قیس بن سعد و هاشم بن عتبة معه رایته و مسعر ابن فدكى التمیمی على قرّاء أهل البصرة و صار أهل الكوفة إلى عبد اللّه بن بدیل و عمار بن یاسر .

قال أبو مخنف و حدثنی عبد اللّه بن یزید بن جابر الازدی عن القاسم مولى یزید ابن معاویة أنّ معاویة بعث على میمنته ابن ذی الكلاع الحمیری ، و على میسرته حبیب بن مسلمة الفهری ، و على مقدمته یوم اقبل من دمشق أبا الاعور السلمی و كان على خیل أهل دمشق ، و عمرو بن العاص على خیول أهل الشام كلّها ، و مسلم بن عقبة المریّ على رجالة أهل دمشق ، و الضحاك بن قیس على رجالة النّاس كلها و بایع رجال من أهل الشام على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم فكان المعقلون خمسة صفوف و كانوا یخرجون و یصفون عشرة صفوف و یخرج أهل العراق أحد عشر صفا

[ 239 ]

فخرجوا أول یوم من صفر 1 فاقتتلوا و على من خرج یومئذ من أهل الكوفة الاشتر و على أهل الشام حبیب بن مسلمة الفهری و ذلك یوم الاربعاء فاقتتلوا قتالا شدیدا جل النهار ثم تراجعوا و قد انتصف بعضهم من بعض .

« الیوم الثانى »

فلما كان یوم الخمیس و هو الیوم الثانی من صفر ، أخرج علیّ علیه السّلام هاشم بن عتبة بن أبی وقاص الزهری المرقال فی خیل و رجال حسن عددها و عدتها و هو ابن أخی سد بن أبی وقاص و انما سمى المر قال لانه كان یرقل فی الحرب و كان أعور ذهبت عینه یوم الیرموك و كان من شیعة علیّ علیه السّلام ، فاخرج إلیه معاویة أبا الاعور السلمی و هو سفیان بن عوف و كان من شیعة معاویة و المنحرفین عن علیّ علیه السّلام و كان بینهم الحرب سجالا یحمل الخیل على الخیل و الرّجال على الرّجال و انصرفوا فی آخر یومهم عن قتلی كثیر .

« الیوم الثالث »

و أخرج علیّ علیه السّلام فی الیوم الثالث من صفر و هو یوم الجمعة أبا الیقظان عمار بن یاسر رضوان اللّه علیه فی عدّة من البدریین و غیرهم من المهاجرین و الأنصار فیمن شرع معهم من الناس ، و أخرج إلیه معاویة عمرو بن العاص فی تنوخ و نهر و غیرهما من أهل الشام فاقتتل الناس كأشد القتال و أخذ عمار یقول : یا أهل العراق أتریدون أن تنظروا إلى من عادى اللّه و رسوله و جاهدهما و بغى على المسلمین و ظاهر المشركین فلما رأى اللّه عزّ و جلّ یعزّ دینه و یظهر رسوله أتى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فاسلم و هو فیما نرى راهب غیر راغب ثمّ قبض اللّه عزّ و جل رسوله صلّى اللّه علیه و آله فو اللّه إن زال بعده معروفا بعداوة المسلم و هوادة المجرم فأثبتوا له و قاتلوه فإنه یطفى‏ء نور اللّه و یظاهر اعداء اللّه عزّ و جل .

-----------
( 1 ) فی تاریخ الطبرى : فخرجوا أول یوم من صفین . و الظاهر انه صحف من النساخ صفر بصفین و فى مروج الذهب و كتاب نصر بن مزاحم و تاریخ الطبرى و غیرها ما زبر فى المتن .

[ 240 ]

أقول : الظاهر ان كلمه إن فی قوله إن زال نافیة اى ما زال ، ثم نقول قد مضى الكلام منا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی حق عمار انه ملى‏ء ایمانا من قرنه إلى قدمه الحدیث فهو صادق مصدق فی قوله ان معاویة كان كذا و كذا و ان اسلامه لم یكن عن رغبة بل عن رهبة لانه لما رأى اللّه عزّ و جلّ یعز دینه و یظهر رسوله اتى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فأسلم و لما آخى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بین نفر من أصحابه من المهاجرین آخى بین معاویة بن أبی سفیان و الحتات بن یزید المجاشعی فمات الحتات عند معاویة فی جلافته فأخذ معاویة ما ترك وارثة بهذه الاخوة فقال الفرزدق لمعاویة .

أبوك و عمّى یا معاوى أورثا
تراثا فیحتاز التراث أقاربه

فما بال میراث الحتات أكلته
و میراث حرب جامدلك ذائبه

و كذا كان اسلام أبیه أبی سفیان عن رهبة من المسلمین و لم یؤمن واقعا و ما نقلنا من عمار فی معاویة نقله أبو جعفر الطبری فی تاریخه و غیر واحد من حملة الاخبار و نقلة الآثار .

فالعجب من شرذمة من المسلمین قائلین بانا نتوقف فی معاویة و لا نقول فیه شیئا بل نرى عن قوم بله فى تصانیفهم یترحمون له و یذكرونه بالخیر و الرحمة ، نعم من لم یجعل اللّه له نورا فماله من نور ، و سیأتی من عمّار رحمه اللّه فى هؤلاء السفهاء كلام آخر ، فلنعد إلى القصة .

فكان مع عمار زیاد بن النضر على الخیل فامره أن یحمل فى الخیل فحمل و قاتله النّاس و صبروا له و شد عمار فى الرجال فازال عمرو بن العاص عن موقفه و بارز یومئذ زیاد بن النضر أخا له لامه یقال له عمرو بن معاویة المنتفق بن عامر بن عقیل و كانت امهما امرأة من بنى یزید فلما التقیا تعارفا فتوافقا ثمّ انصرف كل واحد منهما عن صاحبه و تراجع الناس .

« الیوم الرابع »

و أخرج على علیه السّلام فى الیوم الرابع من صفر و هو یوم السبت ، ابنه محمّد ابن

[ 241 ]

الحنفیة فى همدان و غیرها ممن خف معه من الناس فأخرج إلیه معاویة عبید اللّه بن عمر بن الخطاب فى حمیر و لخم و جذام فاقتتلوا كأشد القتال .

أقول : انما اشتهر محمّد بن علىّ علیه السّلام بابن الحنفیة لان امّه كانت خولة الحنفیة و حنیفة كان جدّها الاعلى و هى خولة بنت جعفر بن قیس بن مسلمة بن عبید بن ثعلبة بن یربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنیفة بن لجیم بن صعب بن على بن بكر ابن وائل .

و قال الشارح المعتزلی فی الجزء الأوّل من شرحه : و اختلف فی امر خولة فقال قوم انها سبیة من سبایا الردّة قوتل أهلها على ید خالد بن الولید فی أیام أبى بكر لما منع كثیر من العرب الزكاة و ارتدت بنو حنیفة و ادعت نبوة مسیلمة و ان أبا بكر دفعها إلى علیّ علیه السّلام من سهمه فی المغنم .

و قال قوم منهم أبو الحسن علیّ بن محمّد بن سیف المدائنی هی سبیة فی أیام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قالوا بعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علیّا علیه السّلام إلى الیمن فاصاب خولة فی بنی زبید و قد ارتدوا مع عمر بن معدى كرب و كانت زبید سبّتها من بنی حنیفة فی غارة لهم علیهم فصارت فی سهم علیّ علیه السّلام فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ان ولدت منك غلاما فسمّه باسمى و كنّه بكنیتی فولدت له بعد موت فاطمة علیها السلام محمّدا فكنّاه أبا القاسم .

و قال قوم و هم المحققون و قولهم الاظهر ان بنی اسد أغارت على بنی حنیفة فی خلافة أبی بكر فسبوا خولة بنت جعفر و قدموا بها المدینة فباعوها من على علیه السّلام و بلغ قومها خبرها فقدموا المدینة على علیّ علیه السّلام فعرفوها و اخبروه بموضعها منهم فاعتقها و مهرها و تزوّجها فولدت له محمّد فكنّاه أبا القاسم و هذا القول هو اختیار أحمد ابن یحیى البلاذرى فی كتابه المعروف بتاریخ الأشراف .

دفع أمیر المؤمنین علیه السّلام یوم الجمل رایته إلى ابنه محمّد ابن الحنفیة و قد استوت الصفوف و قال له احمل فتوقف قلیلا فقال له احمل فقال یا أمیر المؤمنین أما ترى السهام كانها شابیب المطر فدفع فی صدره فقال ادركك عرق من امّك ثمّ أخذ الرایة فهزّها ثمّ قال :

[ 242 ]

اطعن بها طعن أبیك تحمد
لا خیر فی الحرب إذا كم توقد

بالمشر فی و القنا المسدّد

و فی مادة « حنف » من سفینة البحار : و قریب منه ما فی المجلی لابن أبى جمهور الاحسائى لما حضرت السبى و قد ادخلت الحنفیة فیمن ادخل عدلت إلى تربة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فرنّت رنة و زفرت زفرة و اعلنت بالبكاء و النحیب تشكو الیها ذلّ الاسر .

و قالت یا رسول اللّه نشكو الیك افعال هؤلاء القوم سبونا من غیر ذنب و نحن مسلمون .

ثمّ قالت أیها النّاس لم سبیتمونا و نحن نشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أن محمّدا رسول اللّه ؟

فقال أبو بكر منعتم الزكاة فقال لیس الأمر على ما زعمت وهب الرجال منعوكم الزكاة فما بال النساء المسلمات تسبین .

ثمّ ذهب الیها طلحة و خالد یرمیان بالتزویج إلیها ثوبین فقالت لست بعریانة فتكسونى قیل انهما یریدان ان یتزایدا علیك فایّهما زاد على صاحبه اخذك من السبى قالت هیهات و اللّه لا یكون ذلك ابدا و لا یملكنى و لا یكون لى ببعل إلاّ من یخبرنى بالكلام الّذی قتله ساعة خرجت من بطن امّى فسكت النّاس ینظر بعضهم إلى بعض و أخذ طلحة و خالد ثوبیهما و جلست الحنفیّة ناحیة من القوم فدخل علىّ ابن أبیطالب علیه السّلام فذكروا له حالها فقال هى صادقة فیما قالت و كان حالها و قصّتها كیت و كیت فى حال ولادتها و كلّ ذلك مكتوب على لوح معها فرمت باللوح الیهم لما سمعت كلامه علیه السّلام فقراوها على ما حكى أمیر المؤمنین علیه السّلام لا یزید حرفا و لا ینقص فقال أبو بكر خذها یا أبا الحسن بارك اللّه لك فیها فبعث علىّ علیه السّلام خولة إلى أسما بنت عمیس قال لها خذى هذه المرأة و اكرمى مثواها فلم تزل خولة عندها إلى ان قدم اخوها فتزوّجها أمیر المؤمنین علیه السّلام . انتهى و القصة بالتفصیل مذكورة فى المجلى فراجع . 1 و لا یخفى ان فى صحة هذا النقل الاخیر كلاما و لو سلمنا و لا یبعدان یقال ان فیه بعض

-----------
( 1 ) ص 425 طبع طهران عاصمة ایران سنة 1329 ه ق .

[ 243 ]

زیادات كتكلّمها حین ولادتها و یمكن أن یكون فیها علامات ذكرها علىّ علیه السّلام فحرّف إلى هذه الصورة و اللّه تعالى اعلم .

فائدة ادبیة

تكتب الف الوصل من « ابن » خطّا فى سبعة مواضع الأوّل إذا اضیف إلى مضمر كقولك هذا ابنك . الثانى إذا نسب الى الاب الأعلى كقولك محمّد ابن شهاب التابعى فشهاب جدّ جدّه . الثالث إذا اضیف إلى غیر أبیه كقولك المقداد ابن الاسود ، أبوه الحقیقى عمرو و الاسود جدّه و كقولك محمّد ابن الحنفیة فعلى علیه السّلام أبوه و الحنفیة امّه على البیان الّذی دریت الرابع إذا عدل به عن الصفة إلى الخبر كقولك اظن زیدا ابن عمرو . الخامس إذا عدل به عن الصفة إلى نحو الاستفهام كقولك هل تمیم ابن عمرو . السادس إذ اثنى كقولك زید و عمرو ابنا محمّد . السابع إذا ذكرته دون اسم قبله كقولك جائنى ابن عبد اللّه .

و فى ما عداها تسقط الالف بین العلمین خطّا كما تسقط لفظا مطلقا إلاّ ما اصطلح فى المطابع من انّه إذا وقعت كلمة ابن أوّل السطر تكتب الفها مطلقا ، فلنعد إلى القصة . ثمّ ان عبید اللّه بن عمر أرسل إلى ابن الحنفیة أن اخرج إلىّ فقال نعم ثمّ خرج یمشى فبصر به أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال من هذان المبارزان ؟ فقیل ابن الحنفیة و عبید اللّه بن عمر فحرّك دابته ثمّ نادى محمّدا فوقف له فقال أمسك دابتی فامسكها ثمّ مشی الیه علیّ علیه السّلام فقال أبرز لك هلم الیّ فقال لیست لی فی مبارزتك حاجة فقال بلى فقال لا فرجع ابن عمر فاخذ ابن الحنفیّة یقول لأبیه یا أبت لم منعتنى من مبارزته فو اللّه لو تركتنى لرجوت أن أقتله فقال لو بارزته لرجوت أن تقتله و ما كنت آمن أن یقتلك فقال یا أبت أو تبرز لهذا الفاسق و اللّه لو أبوه سألك المبارزة لرغبت بك عنه فقال علیّ علیه السّلام یا بنى لا تقل فیه إلاّ خیرا .

ثمّ إن الناس تجاجزوا و تراجعوا قال المسعودى : فاقتتلوا فی ذلك الیوم و كانت على أهل الشام و نجا ابن عمر فی آخر النهار هربا .

[ 244 ]

أقول إنّما لحق عبید اللّه بن عمر بمعاویة خوفا من علیّ علیه السّلام أن یقیده بالهرمزان و ذلك أن ابا لؤلؤة غلام المغیرة بن شعبة قاتل عمر كان فى أرض العجم غلاما للهرمزان فلما قتل عمر شد عبید اللّه على الهرمزان فقتله و كذلك قتل جفینة و ابنة أبی لؤلؤة و قال لا أترك بالمدینة فارسیا و لا فی غیرها إلاّ قتلته و كان الهرمزان علیلا فی الوقت الّذی قتل فیه عمر فلما صارت الخلافة إلى علىّ علیه السّلام اراد قتل عبید اللّه ابن عمر بالهرمزان لقتله إیاه ظلما من غیر سبب استحقه فلجأ إلى معاویة .

و فى تاریخ الطبرى لما بویع لعثمان بالخلافة دعا عبید اللّه بن عمرو كان محبوسا فی دار سعد بن أبی وقاص و هو الّذی نزع السیف من یده بعد قتله جفینة و الهرمزان و ابنة أبی لؤلؤة و كان یقول و اللّه لأقتلن رجالا ممّن شرك فی دم أبی یعرض بالمهاجرین و الأنصار فقام الیه سعد فنزع السیف من یده و جذب شعره حتّى أضجعه إلى الأرض و حبسه فی داره حتّى أخرجه عثمان الیه فقال عثمان لجماعة من المهاجرین و الأنصار أشیروا علىّ فى هذا الّذى فتق فى الأسلام ما فتق « یعنى به عبید اللّه بن عمر » فقال علی علیه السّلام أرى أن تقتله فقال بعض المهاجرین قتل عمر امس و یقتل ابنه الیوم فقال عمرو بن العاص یا أمیر المؤمنین إن اللّه قد أعفاك أن یكون هذا الحدث كان و لك على المسلمین سلطان انما كان هذا الحدث و لا سلطان لك . قال عثمان أنا ولیهم و قد جعلتها دیة و احتملتها فى مالى .

و قال الطبرى باسناده إن عبد الرحمن بن أبى بكر قال غداة طعن عمر مررت على أبی لؤلؤة عشی أمس و معه جفینة و الهرمزان و هم نجى فلما رهقتهم ثاروا و سقط منهم خنجر له رأسان نصابه فى وسطه فانظروا بأی شی‏ء قتل و قد تخلل أهل المسجد و خرج فی طلبه رجل من بنی تمیم فرجع إلیهم التمیمی و قد كان ألظ بأبی لؤلؤة منصرفه عن عمر حتّی أخذه فقتله و جاء بالخنجر الّذى وصف عبد الرحمن بن أبی بكر فسمع بذلك عبید اللّه بن عمر فأمسك حتّى مات عمر ثمّ اشتمل على السیف فأتى الهرمزان فقتله فلمّا عضّه السیف قال لا إله إلا اللّه ثمّ مضى حتّى أتى جفینة و كان نصرانیا من أهل الحیرة ظئرا لسعد بن مالك أقدمه إلى المدینة للصلح الّذی بینه و بینهم و لیعلّم بالمدینة الكتابة فلمّا علاه بالسیف صلب بین عینیه و بلغ ذلك صهیبا فبعث

[ 245 ]

إلیه عمرو بن العاص فلم یزل به و عنه و یقول السیف بأبى و امى حتّى ناوله إیاه و ثاوره سعد فأخذ بشعره و جاؤا إلى صهیب .

و قال كتب إلىّ السرى عن شعیب عن سیف عن أبی منصور قال سمعت القماذبان یحدث عن قتل أبیه الهرمزان قال كانت العجم بالمدینة یستروح بعضها إلى بعض فمرّ فیروز « و هو أبو لؤلؤة » بأبى و معه خنجر له رأسان فتناوله منه و قال ما تصنع بهذا فى هذه البلاد فقال أبس به فرآه رجل فلما اصیب عمر قال رأیت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فیروز فأقبل عبید اللّه فقتله فلمّا ولّى عثمان دعانى فأمكننى منه ثمّ قال یا بنى هذا قاتل أبیك و أنت اولى به منا فاذهب فاقتله فخرجت به و ما فى الأرض أحد إلاّ معى إلاّ أنّهم یطلبون إلى فیه فقلت لهم ألى قتله ؟ قالوا نعم و سبوا عبید اللّه فقلت أفلكم أن تمنعوه ؟ قالوا لا و سبوه فتركته للّه و لهم فاحتملونى فو اللّه ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال و أكفهم .

و فى البحار كما فى السفینة : عبید اللّه بن عمر قتل هرمزان مولى على علیه السّلام فأراد على علیه السّلام قتله فامتنع عثمان من تسلیمه فلمّا صارت الخلافة لعلى علیه السّلام لحق عبید اللّه بمعاویة و قتل بصفین .

و فیه أیضا قال ابن الأثیر فى الكامل و ابن عبد البر فى الاستیعاب و صاحب روضة الأحباب و كثیر من أرباب السیر : قتل عبید اللّه بن عمر بأبیه ابنة أبى لؤلؤة و قتل جفینة و الهرمزان و اشار علىّ على عثمان بقتله بهم فأبى .

و قال ابن أبى جمهور الاحسائى فى المجلى : و من قوادح عثمان قصة قتل الهرمزان و ذلك ان الهرمزان كان من عظماء فارس و كان قد اسر فى بعض الغزوات و جى‏ء به إلى المدینة فأخذه على علیه السّلام فاسلم على یدیه فاعتقه على علیه السّلام و كان عمر قد منعه من قسمة الفى‏ء فلم یعطه منه شی‏ء بسبب میله الى على علیه السّلام فلمّا ضرب عمر فى غلس الصبح و اشتبه الأمر فى ضاربه سمع ابنه عبید اللّه قوم یقولون قتله العلج فظن أنّهم یعنون الهرمزان فبادر عبید اللّه الیه فقتله قبل أن یموت عمر فسمع عمر بما فعله ابنه فقال قد أخطأ عبید اللّه إن الّذى ضربنى أبو لؤلؤة و ان عشت لأقیدنه به فان علیا علیه السّلام لا یقبل منه الدیة و هو مولیه .

[ 246 ]

فلمّا مات عمر و تولى عثمان طالبه على علیه السّلام بقود عبید اللّه و قال انّه قتل مولاى ظلما و أنا ولیه فقال عثمان قتل بالأمس عمرو الیوم تقتل ابنه حسب آل عمر مصابهم به و امتنع من تسلیمه إلى علىّ علیه السّلام و منع علیّا حقه ظلما و عدوانا و لهذا قال على علیه السّلام لئن أمكننى الدهر منه یوما لأقتلنه به .

فلما ولى علىّ علیه السّلام هرب عبید اللّه منه إلى الشام و التجأ إلى معاویة و خرج معه إلى حرب صفین فقتله علىّ علیه السّلام فى حرب صفین .

فانظر إلى عثمان كیف عطل حق علىّ علیه السّلام و خالف الكتاب و السنة برأیه و اللّه تعالى یقول و من قتل مظلوماً فقد جعلنا لولیه سلطانا انتهى كلامه .

و لا یخفى على البصیر فی احكام خاتم النبیین و العارف بشریعة سید المرسلین ان القصاص یجب أن یكون بمثل ما عمل من الجنس و المقدار و الصفة لانه دین عدل لیقوم الناس بالقسط فلا یجوز معاقبة أحد على وجه المجازاة بأكثر ما جنى . قال عزّ من قائل فمن اعتدى علیكم فاعتدوا علیه بمثل ما اعتدى علیكم ( البقرة الآیة 192 ) .

و قال عزّ من قائل : و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ( النحل الایة 128 ) .

قال ابن هشام فی السیرة فی قتلی احد و تمثیل هند بنت عتبة زوج أبی سفیان بحمزة بن عبد المطلب اسد اللّه و اسد رسوله رضوان اللّه علیه :

إن هندا و النسوة اللاتی معها یمثلن بالقتلى من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یجدّ عن الآذان و الانف حتّى اتخذت هند من آذان الرّجال و انفهم خدما و قلائد و اعطت خدمها و قلائدها و قرطها وحشیّا غلام جبیر بن مطعم قاتل حمزة رضوان اللّه علیه و بقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسیغها فلفظتها ، إلى أن قال :

و خرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده و مثّل به فجدع أنفه و اذناه ، إلى أن قال :

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین رأى ما رأى و لئن أظهرنی اللّه على قریش فی موطن من المواطن لامثلنّ بثلاثین رجلا منهم فلمّا رأى المسلمون حزن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و غیظه على من فعل بعمّه ما فعل قالوا و اللّه لئن أظفرنا اللّه بهم یوما من الدهر لنمثّلن

[ 247 ]

بهم مثلة لم یمثّلها احد من العرب ، إلى أن قال :

إنّ اللّه عزّ و جل أنزل فی ذلك من قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و قول أصحابه و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خیر للصابرین . و اصبر و ما صبرك إلاّ باللَّه و لا تحزن علیهم و لا تك فی ضیق مما یمكرون فعفا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و صبر و نهى عن المثلة .

و فی مجمع البیان : قال المسلمون لئن أمكننا اللّه منهم لنمثلن بالأحیاء فضلا عن الأموات فنزلت الآیة . و قیل إن الآیة عامة فی كلّ ظلم كغصب أو نحوه فانما یجازى بمثل ما عمل .

و فی تفسیر الصافى للفیض ( ره ) و عن النبى صلّى اللّه علیه و آله انّه قال یوم احد من له علم بعمّى حمزة فقال الحرث الصمت أنا أعرف موضعه فجاء حتّى وقف على حمزة فكره أن یرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیخبره فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأمیر المؤمنین علیه السّلام یا على اطلب عمّك فجاء على علیه السّلام فوقف على حمزة فكره أن یرجع إلیه فجاء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حتّى وقف علیه فلما رأى ما فعل به بكى ثمّ قال ما وقفت موقفا قط اغیظ علىّ من هذا المكان لئن أمكننى اللّه من قریش لامثّلن سبعین رجلا منهم فنزل علیه جبرئیل علیه السّلام فقال و ان عاقبتم الآیة .

و العیاشى عن الصادق علیه السّلام لما رأی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما صنع بحمزة بن عبد المطلب قال اللّهم لك الحمد و الیك المشتكى و انك المستعان على ما نرى ثمّ قال لئن ظفرت لامثلن و امثلن قال فانزل اللّه و إن عاقبتم الآیة .

و بالجملة و عبید اللّه بن عمر لم یكن فی قتل الهرمزان و جفینة و ابنة أبی لؤلؤة بمصاب و ما عمله إلاّ التجاوز عن النهج القویم و المخالف عن الكتاب الكریم و علیه أن یعاقب أبا لؤلؤة بمثل ما عوقب به فقط مع أن فیروز أبا لؤلؤة لما طعن عمر نحر نفسه وقتئذ أیضا كما قال المسعودى فی مروج الذهب : أخذ خنجرا فاشتمل علیه ثمّ قعد لعمر فی زاویة من زوایا المسجد فی الغلس و كان عمر یخرج فی السحر فیوقظ الناس فمرّ به فثار إلیه فطعنه ثلاث طعنات إحداهنّ تحت سرّته و هی

[ 248 ]

الّتی قتلته و طعن إثنى عشر رجلا من أهل المسجد فمات منهم ستة و بقی ستة و نحر نفسه بخنجره فمات فأنی لابن عمر أن یقتل غیر واحد من الناس .

قال الطبرى : و كان رجل من الأنصار یقال له زیاد بن لبید البیاضی إذا رأى عبید اللّه بن عمر قال :

الا یا عبید اللّه مالك مهرب
و لا ملجأ من ابن أروى و لا خفر

اصبت دما و اللّه فی غیر حلّه
حراما و قتل الهرمزان له خطر

على غیر شی‏ء غیر أن قال قائل
أتتهمون الهرمزان على عمر

فقال سفیه و الحوادث جمة
نعم أتّهمه قد أشار و قد أمر

و كان سلاح العبد فی جوب بیته
یقلّبها و الأمر بالأمر یعتبر

فشكا عبید اللّه بن عمر إلى عثمان زیاد بن لبید و شعره فدعا عثمان زیاد بن لبید فنهاه فأنشأ زیاد یقول فی عثمان :

أبا عمرو عبید اللّه رهن
فلا تشكك بقتل الهرمزان

فانك إن غفرت الجرم عنه
و أسباب الخطا فرسارهان

أتعفو إذ عفوت بغیر حقّ
فمالك بالّذی تحكى یدان

فدعا عثمان زیاد بن لبید فنهاه و شذبه .

ثمّ إن الهرمزان كان ملك فارس و فى تاریخ الطبرى كان الهرمزان أحد البیوتات السبعة فی أهل فارس و كانت أمته مهر جان قذق و كور الأهواز فهولاء بیوتات دون سائر أهل فارس ، و الهرمزان انهزم فی خلافة عمر من المسلمین غیر مرة و نقض العهد كلّ مرة و حارب المسلمین إلى أن حاصره و جنده المسلمون فی قلعة بتستر فأخذوه و شدوه وثاقا على التفصیل الّذى ذكر فی السیر و التواریخ فاتوا به فی المدینة عند عمر و قال له عمر ما عذرك و حجتك فی انتقاضك مرة بعد مرة فقال أخاف أن تقتلنی قبل أن اخبرك . قال : لا تخف ذلك و استسقى ماء فاتى به فی قدح غلیظ فقال لومت عطشا لم أستطع أن أشرب فی مثل هذا فاتى به فی إناء یرضاه فجعلت یده ترجف و قال إنی أخاف أن اقتل و أنا أشرب الماء . فقال عمر لا بأس علیك حتّى تشربه فأكفاه

[ 249 ]