فقال عمر أعیدوا علیه و لا تجمعوا علیه القتل و العطش فقال لا حاجة لی فی الماء إنّما اردت أن أستأمن به فقال له عمر إنی قاتلك قد آمنتنی . قال خدعتنی إن للمخدوع فی الحرب حكمه لا و اللّه لا او منك حتى تسلم فایقن أنّه القتل أو الاسلام فأسلم ففرض له على الفین و أنزله المدینة .

و فى البحار نقلا عن المناقب كما فى سفینة البحار : أن عمر اراد قتل الهرمزان فاستسقى فاتى بقدح فجعل ترعدیده فقال له فى ذلك فقال إنّى خائف أن تقتلنى قبل أن أشربه فقال اشرب و لا بأس علیك فرمى القدح من یده فكسره فقال ما كنت لأشربه أبدا و قد أمنتنى فقال قاتلك اللّه لقد أخذت أمانا و لم اشعر به .

ثمّ قال و فى روایتنا أنه شكى ذلك إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فدعا اللّه تعالى فصار القدح صحیحا مملوّا من الماء فلمّا رأى الهرمزان المعجز أسلم .

و أبو لؤلؤة كان اسمه فیروز و لقبه بابا شجاع الدین و كان النهاوندى الأصل و المولد و تنوزع فى مذهبه .

قال المسعودى فى مروج الذهب : و كان عمر لا یترك احدا من العجم یدخل المدینة فكتب الیه المغیرة بن شعبة أن عندى غلاما نقاشا نجارا حدّادا فیه منافع لأهل المدینة فان رأیت أن تأذن لى فى الارسال به فعلت فأذن له و قد كان المغیرة جعل علیه كلّ یوم درهمین و كان یدعى أبا لؤلؤة و كان مجوسیا من أهل نهاوند فلبث ما شاء اللّه ثمّ أتى عمر یشكو إلیه ثقل خراجه فقال له عمر و ما تحسن من الاعمال ؟

قال نقاش نجار حداد فقال له عمر ما خراجك بكثیر فى كنه ما تحسن من الأعمال فمصى عنه و هو مدبر قال ثمّ مرّ بعمر یوما آخر و هو قاعد فقال له عمر ألم احدث عنك أنك تقول لو شئت أن أصنع رحا تطحن بالریح لفعلت ؟ فقال أبو لؤلؤة لأصنعن لك رحا یتحدّث الناس بها و مضى أبو لؤلؤة . فقال أمّا العلج فقد توعدنى آنفا فلمّا أزمع بالّذى أوعد به أخذ خنجرا فاشتمل علیه ثمّ قعد لعمر فى زاویة من زوایا المسجد إلى آخر ما نقلناه عنه آنفا .

و فی سفینة البحار : الّذی رأیت فی بعض الكتب أن أبا لؤلؤة كان غلام المغیرة

[ 250 ]

ابن شعبة اسمه الفیروز الفارسى اصله من نهاوند فأسرته الروم و اسره المسلمون من الروم و لذلك لما قدم سبى نهاوند إلى المدینة فى السنة الحادیة و العشرین كان أبو لؤلؤة لا یلقى منهم صغیرا إلا مسح رأسه و بكى و قال له اكل رمع كبدى و ذلك لأن الرجل « یعنى به عمر » وضع علیه من الخراج كلّ یوم درهمین فثقل علیه الامر فأتى إلیه فقال له الرجل « اى عمر » لیس بكثیر فی حقك فانّی سمعت عنك أنك لواردت أن تدیر الرحى بالریح لقدرت على ذلك فقال أبو لؤلؤة لادیرن لك رحى لا تسكن إلى یوم القیامة ، فقال إن العبد قد أوعد و لو كنت اقتل أحدا بالتهمة لقتلته و فی خبر آخر قال له أبو لؤلؤة لأعملن لك رحی یتحدّث بها من بالمشرق و المغرب ثمّ انّه قتله بعد ذلك .

ثمّ نقل عن بعض الاعلام : أن فیروز هذا قد كان من أكابر المسلمین و المجاهدین بل من خلّص اتباع أمیر المؤمنین علیه السّلام و كان أخا لذكوان و هو أبو أبی الزناد عبد اللّه ابن ذكوان عالم أهل المدینة بالحساب و الفرائض و النحو و الشعر و الحدیث و الفقه فراجع الاستیعاب .

و قال الذهبی فی كتابه المختصر فی الرجال : عبد اللّه بن ذكوان أبو عبد الرحمن هو الامام أبو الزناد المدنی مولى بنی امیة و ذكوان هو أخو أبی لؤلؤة قاتل عمر ثقة ثبت روى عنه مالك و السفیانان مات فجأة فی شهر رمضان فی السنة الحادیة و الثلاثین بعد المأة . ثم قال قال صاحب الریاض و هذا أجلی دلیل على كون فیروز المذكور من الشیعة و حینئذ فلا اعتماد بما قاله الذهبی من أن أبا لؤلؤة كان عبدا نصرانیا لمغیرة ابن شعبة و كذا لا اعتداد بما قاله السیوطی فی تاریخ الخلفاء من أن أبا لؤلؤة كان عبدا لمغیرة و یصنع الأرحاء ثمّ روى عن ابن عباس أن أبا لؤلؤة كان مجوسیّا .

ثمّ إن فی المقام كلام آخر و هو أن النّبی صلّى اللّه علیه و آله قد أمر باخراج مطلق الكفار من مكة و المدینة فضلا عن مسجدهما و العامة قد نقلوا ذلك و أذعنوا بصحة الخبر الوارد فی ذلك الباب فاذا كان أبو لؤلؤة نصرانیا مجوسیا كیف رخّصه عمر فی أیام خلافته أن یدخل مدینة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من غیر مضایقة و لا نكیر فضلا عن مسجده

[ 251 ]

و هذا منه إمّا یدلّ على عدم مبالاته فی الدین او على عدم صحة ما نسبوه الیه و لو تنزلنا عن ذلك نقول كان أوّل أمره من الكفار و من مجوس بلاد نهاوند ثمّ تشرف بعد بدین الاسلام انتهى ما أردنا نقله من السفینة .

و هذا جملة الأقوال فی قتل عبید اللّه بن عمر الهرمزان و مذهب أبی لؤلؤة و سبب قتله عمرو علة لحوق عبید اللّه بمعاویة .

و سیأتی ان علیّا علیه السّلام فی الصفین نادى عبید اللّه بن عمر و قال له ویحك یا ابن عمر علام تقتلنی و اللّه لو كان أبوك حیا ما قاتلنی قال اطلب بدم عثمان ، قال علیه السّلام أنت تطلب بدم عثمان و اللّه یطلب بدم الهرمزان ، و لنعد إلى القصة .

الیوم الخامس

و اخرج علیّ علیه السّلام فی الیوم الخامس من صفر و هو یوم الاحد عبد اللّه بن عباس فاخرج إلیه معاویة الولید بن عقبة بن أبی معیط فاقتتلوا قتالا شدیدا ، و دنا ابن عبّاس من الولید بن عقبة فاخذ الولید یسب بنی عبد المطلب و اخذ یقول یا ابن عبّاس قطعتم أرحامكم و قتلتم إمامكم « یعنی به عثمان بن عفان » فكیف رأیتم اللّه صنع بكم لم تعطوا ما طلبتم و لم تدركوا ما أملتم و اللّه إن شاء اللّه مهلككم و ناصر علیكم ، فأرسل إلیه ابن عباس أن ابرزلی یا صفوان و كان صفوان لقب الولید فأبى و قاتل ابن عباس یومئذ قتالا شدیدا و غشى الناس بنفسه و كانت الغلبة لابن عباس و كان یوما صعبا .

الیوم السادس

و اخرج علىّ علیه السّلام فی الیوم السادس من صفر و هو یوم الاثنین سعید بن قیس الهمدانی و هو سید همدان یومئذ فاخرج إلیه معاویة ذا الكلاع فاقتتلا قتالا شدیدا و كانت بینهما إلى آخر النهار و اسفرت عن قتلى و انصرف الفریقان جمیعا .

الیوم السابع

و أخرج علیّ علیه السّلام فی الیوم السابع و هو یوم الثلاثاء الاشتر رضوان اللّه علیه فی النخع و غیرهم فاخرج إلیه معاویة حبیب بن مسلمة الفهری فكانت بینهم سجالا

[ 252 ]

و صبر كلا الفریقین و تكاثروا و توافقوا للحرب و اسفرت عن قتلی منهما و الجراح فی أهل الشام اعمّ و قال الطبرى انصرفا عند الظهر و كل غیر غالب .

قال الطبری قال أبو مخنف : حدثنی مالك بن أعین الجهنی عن زید بن وهب أن علیّا علیه السّلام قال حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا فقام فی الناس عشیة الثلاثاء لیلة الاربعاء بعد العصر فقال : الحمد للّه الذی لا یبرم ما نقض و ما أبرم لا ینقضه الناقضون لو شاء ما اختلف إثنان من خلقه و لا تنازعت الامة فی شی‏ء من أمره و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الاقدار فلفت بیننا فی هذا المكان فنحن من ربنا بمرأى و مسمع و لو شاء عجل النقمة و كان منه التغییر حتّى یكذب اللّه الظالم و یعلم الحق أین مصیره و لكنه جعل الدنیا دار الاعمال و جعل الآخرة عنده هى دار القرار لیجزى الّذین أساؤا بما عملوا و یجزى الّذین أحسنوا بالحسنى ألا إنّكم لاقوا القوم غدا فأطیلوا اللیلة القیام و أكثروا تلاوة القرآن و سلوا اللّه عزّ و جلّ النصر و الصبر و القوهم بالجد و الحزم و كونوا صادقین .

ثمّ انصرف و وثب الناس إلى سیوفهم و رماحهم و نبالهم یصلحونها و مرّ بهم كعب بن جعیل التغلبی و هو یقول :

أصبحت الامّة فی أمر عجب
و الملك مجموع غدا لمن غلب

فقلت قولا صادقا غیر كذب
إن غدا تهلك أعلام العرب

أقول : لما بلغت إلى قول ولی اللّه الأعظم و مظهره الاكمل الاتم أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام روحى له الفداء و نفسى له الوقاء : « فاطیلوا القیام و اكثروا تلاوة القرآن » اذكرنى قول من ربى فی حجره و نشأ من عنده و الولد سرّ أبیه مولانا أبی عبد اللّه الحسین بن علیّ سلام اللّه علیه و على اعوانه و انصاره و الارواح التی حلّت بفنائه : و هو كما ذكره أبو جعفر الطبرى فی تاریخه و الشیخ الجلیل محمّد بن محمّد بن النعمان الملقب بالمفید رحمه اللّه فی إرشاده و غیرهما من علماء الفریقین فی كتبهم مع اختلاف یسیر فی بعض الالفاظ :

انّ عشیة الخمیس لتسع مضین من المحرم 61 من الهجرة نادى عمر بن

[ 253 ]

عمر بن سعد یا خیل اللّه اركبی و أبشری فركب فی الناس ثمّ زحف نحوهم بعد صلاة العصر و حسین جالس أمام بیته محتبیا بسیفه إذ خفق برأسه على ركبتیه و سمعت اخته زینب الصیحة فدنت من أخیها فقالت یا أخی أما تسمع الاصوات قد اقتربت فرفع الحسین علیه السّلام رأسه فقال إنی رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الساعة فی المنام فقال لی إنك تروح إلینا قال فلطمت اخته وجهها و قالت یا ویلتا فقال لیس لك الویل یا اخیّتی اسكنى رحمك الرحمن ، ثمّ قال له العبّاس بن علیّ علیه السّلام یا أخى أتاك القوم فنهض ثمّ قال یا عباس اركب بنفسی أنت یا أخى حتى تلقاهم فتقول لهم مالكم و ما بدا لكم و تسألهم عما جاء بهم فاتاهم العباس فاستقبلهم فی نحو من عشرین فارسا فیهم زهیر بن القین و حبیب بن مظاهر فقال لهم العباس ما بدالكم و ما تریدون قالوا قد جاء أمر الامیر بأن نعرض علیكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم قال فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبی عبد اللّه علیه السّلام فأعرض علیه ما ذكرتم فوقفوا ثمّ قالوا ألقه فأعلمه ذلك ثم القنا بما یقول فانصرف العباس راجعا یركض إلى الحسین علیه السّلام یخبره بالخبر و وقف أصحابه یخاطبون القوم و یعظونهم و یكفونهم عن قتال الحسین علیه السّلام فجاء العباس إلى الحسین علیه السّلام فأخبره بما قال القوم ، فقال علیه السّلام ارجع إلیهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة و تدفعهم عنّا العشیة لعلّنا نصلّى لربّنا اللیلة و ندعوه و نستغفره فهو یعلم أنى قد كنت احبّ الصلاة له و تلاوة كتابه و كثرة الدعاء و الاستغفار .

و انظر ایها الاخ الكریم إلى سیرة اولیاء اللّه كیف یلجأون إلى اللّه و یفزعون إلیه و یدعونه و یسجدون له و یعبدونه و یستغفرونه حتّى فى هزائز الامور و شدائد الاحوال ، ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب فهؤلاء الموحدون المتألهون الفانون فى اللّه شأنهم اجلّ و قدرهم أعظم عن أن یقاتلوا فى غیر اللّه او ان یعملوا عملا لغیر رضا اللّه و بذلك فلیعمل العاملون و ییقظ النائمون و لنعد إلى القصة :

فلما كان من اللیل خرج علىّ علیه السّلام فعبّى الناس لیلته كلها حتى إذا أصبح زحف بالنّاس و خرج إلیه معاویة فى أهل الشام فاخذ علىّ علیه السّلام یقول من هذه

[ 254 ]

القبیلة و من هذه القبیلة ؟ فنسبت له قبائل أهل الشام حتى إذا عرفهم و رأى مراكزهم قال للازد اكفونى الازد و قال لخثعم اكفونی خثعم و أمر كل قبیلة من أهل العراق أن تكفیه اختها من أهل الشام إلا ان تكون قبیلة لیس منها بالشام أحد فیصرفها إلى قبیلة اخرى تكون بالشام لیس منهم بالعراق واحد مثل بجیلة لم یكن منهم بالشام الاعدد قلیل فصرفهم إلى لخم ثم تناهض الناس یوم الاربعاء و هو الیوم الثامن من صفر فاقتتلوا قتالا شدیدا نهارهم كلّه ثمّ انصرفوا عند المساء و كلّ غیر غالب .

الیوم الثامن

فی مروج الذهب للمسعودی : و خرج فی الیوم الثامن و هو یوم الأربعاء علیّ علیه السّلام بنفسه فی الصحابة من البدریین و غیرهم من المهاجرین و الانصار و ربیعة و همدان ، و قال ابن عباس رأیت فی هذا الیوم علیّا و علیه عمامة بیضاء و كان عیینه سراجا سلیط و هو یقف على طوائف الناس فی مراتبهم یحثهم و یحرضهم حتى انتهى الىّ و أنا فی كثیف من الناس فقال علیه السّلام یا معشر المسلمین عموا الاصوات و اكملوا اللامة و استشعروا الخشیة و اقلقوا السیوف فی الاجفان قبل السلة و الحظوا الشزر و اطعنوا الهبر و نافحوا الصبا و صلوا السیف بالخطاء و النبال بالرماح و طیبوا عن أنفسكم أنفسنا فانكم بعین اللّه و مع ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عاودوا الكرّ و استقبحوا الفرّ فانه عار فی الاحقاب و نار یوم الحساب و دونكم هذا السواد الأعظم و الرواق المطنب فاضربوا نهجه فان الشیطان راكب صعیده معترض ذراعیه قد قدّم للوثبة یدا و اخّر للنكوص رجلا فصبرا جمیلا حتّى تنجلى عن وجه الحق و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن یتركم اعمالكم ، و تقدم علیّ علیه السّلام للحرب على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الشهباء و خرج معاویة فی عدد أهل الشام فانصرفوا عند المساء و كلّ غیر ظافر .

أقول كلامه علیه السّلام هذا مذكور فی نهج البلاغة فی باب الخطب مع اختلاف فی بعض العبارات و الجمل و أوله فی نهج البلاغة : معاشر المسلمین استشعروا الخشیة و تجلببوا السكینة و عضّوا على النواجذ إلى آخره و لنعد إلى القصة :

[ 255 ]

و فی تاریخ الطبرى قال أبو مخنف حدثنی مالك بن أعین عن زید بن وهب الجهنى أن علیّا علیه السّلام خرج إلیهم غداة الاربعاء فاستقبلهم فقال :

اللهم رب السقف المرفوع المحفوظ المكفوف الّذی جعلته مغیضا للّیل و النهار و جعلت فیه مجرى الشمس و القمر و منازل النجوم و جعلت سكانه سبطا من الملائكة لا یسأمون العبادة و ربّ هذه الأرض التى جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الانعام و ما لا یحصى مما لا یرى و مما یرى من خلقك العظیم و ربّ الفلك التى تجرى فى البحر بما ینفع الناس و ربّ السحاب المسخر بین السماء و الأرض و ربّ البحر المسجور المحیط بالعالم و ربّ الجبال الرواسى التى جعلتها للأرض أوتادا و للخلق متاعا إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغى و سددنا للحق و إن أظهرتهم علینا فارزقنى الشهادة و اعصم بقیة أصحابى من الفتنة .

و ازدلف الناس یوم الاربعاء فاقتتلوا كأشد القتال یومهم حتى اللیل لا ینصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة و كثرت القتلى بینهم و تحاجزوا عند اللیل و كل غیر غالب .

أقول : كلامه علیه السّلام هذا مذكور أیضا فی نهج البلاغة فى باب الخطب مع تفاوت یسیر أوله : اللهم رب السقف المرفوع و الجو المكفوف الّذی جعلته مغیضا للّیل و النهار و مجرى للشمس و القمر إلى آخره ، و لنعد إلى القصة :

الیوم التاسع

قال الطبری فاصبحوا من الغد غداة الخمیس و هو الیوم التاسع فصلّى بهم علىّ علیه السّلام غداة الخمیس فغلس بالصلاة اشدّ التغلیس ، و قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن ابن جندب الازدی عن أبیه قال ما رأیت علیّا علیه السّلام غلّس بالصلاة أشدّ من تغلیسه یومئذ .

أقول : الغلس محركة كفرس : ظلمة آخر اللیل إذا اختلطت بضوء الصباح و فى النهایة الاثیریة انه صلّى اللّه علیه و آله كان یصلى الصبح بغلس و التغلیس : السیر بغلس یقال غلسنا الماء أی وردناه بغلس و منه حدیث الافاضة كنا نغلس من جمع

[ 256 ]

إلى منى أى نسیر إلیها ذلك الوقت كما فی النهایة و غلسنا الصلاة إذا فعلناها بغلس فالمراد أنّ أمیر المؤمنین علیّا علیه السّلام صلى بهم صلاة الصبح فی ذلك الیوم فى وقت كان اقدم من سائر أیامه الماضیة ، فلنعد إلى القصة .

ثمّ بدأ أهل الشام بالخروج فلمّا رأى علىّ علیه السّلام و جنوده انهم اقبلوا الیهم ،

خرجوا الیهم بوجوههم و على میمنتهم عبد اللّه بن بدیل و على میسرتهم عبد اللّه بن عبّاس و قراء أهل العراق مع ثلاثة نفر مع عمار بن یاسر و مع قیس بن سعد و مع عبد اللّه بن بدیل و الناس على رایاتهم و مراكزهم و على علیه السّلام فى القلب فى أهل المدینة بین أهل الكوفة و أهل البصرة و عظم من معه من أهل المدینة الانصار و معه من خزاعة عدد حسن و من كنانة و غیرهم من أهل المدینة ثمّ زحف الیهم بالناس .

و رفع معاویة قبة عظیمة قد ألقى علیها الكرابیس و بایعه عظم الناس من أهل الشام على الموت و بعث خیل أهل دمشق فاحتاطت بقبته و زحف عبد اللّه بن بدیل فی المیمنة نحو حبیب بن مسلمة فلم یزل یحوزه و یكشف خیله من المیسرة حتّى اضطرّهم إلى قبة معاویة عند الظهر .

قال أبو مخنف حدثنی مالك بن اعین عن زید بن وهب الجهنى أن ابن بدیل قام فی أصحابه فقال : ألا إن معاویة ادعى ما لیس أهله و نازع هذا الأمر من لیس مثله و جادل بالباطل لیدحض به الحقّ وصال علیكم بالاعراب و الأحزاب قد زین لهم الضلالة و زرع فی قلوبهم حبّ الفتنة و لبّس علیهم الأمر و زادهم رجسا إلى رجسهم و أنتم على نور من ربكم و برهان مبین فقاتلوا الطغاة الجفاة و لا تخشوهم فكیف تخشونهم و فى أیدیكم كتاب اللّه عزّ و جلّ طاهرا مبرورا أ تخشونهم فاللَّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنین . قاتلوهم یعذِّبهمُ اللَّه بأیدیكم و یخزهم و ینصركم علیهم و یشف صدور قوم مؤمنین و قد قاتلناهم مع النّبی صلّى اللّه علیه و آله مرة و هذه ثانیة و اللّه ما هم فی هذه بأتقى و لا ازكى و لا أرشد قوموا إلى عدوّكم بارك اللّه علیكم فقاتل قتالا شدیدا هو و أصحابه .

[ 257 ]

قال أبو مخنف حدّثنی عبد الرحمن بن أبی عمرة الأنصارى عن أبیه و مولى له أن علیّا علیه السّلام حرض النّاس یوم صفین فقال إن اللّه عزّ و جل قد دلكم على تجارة تنجیكم من عذاب الیم تشفى بكم على الخیر الایمان باللّه عزّ و جلّ و برسوله صلّى اللّه علیه و آله و الجهاد فی سبیل اللّه تعالى ذكره و جعل ثوابه مغفرة الذنب و مساكن طیبة فی جنات عدن ثمّ أخبركم أنه یحبّ الّذین یقاتلون فی سبیله صفّا كأنهم بنیان مرصوص فسوّوا صفوفكم كالبیان المرصوص و قدموا الدارع و أخر و الحاسر و عضوا على الأضراس فانّه أبنا للسیوف عن الهام و التووا فی اطراف الرماح فانه اصون للأسنة و غضوا الابصار فانه اربط للجاش و اسكن للقلوب و امیتوا الأصوات فانه اطرد للفشل و اولى بالوقار ، رایاتكم فلا تمیلوها و لا تزیلوها و لا تجعلوها إلا بایدى شجعانكم فان المانع للذمار و الصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الّذین یحفون برایاتهم و یكنفونها یضربون حفافیها خلفها و امامها و لا یضعونها اجزأ امرؤ و قد قرنه رحمكم اللّه و آسى أخاه بنفسه و لم یكل قرنه إلى أخیه فیكسب بذلك لائمة و یأتی به دناءة و أنی لا یكون هذا هكذا و هذا یقاتل اثنین و هذا ممسك بیده یدخل قرنه على اخیه هاربا منه او قائما ینظر الیه من یفعل هذا یمقته اللّه عزّ و جل فلا تعرّضوا لمقت اللّه سبحانه فانما مردّكم الى اللّه قال اللّه عزّ من قائل لقوم « لن ینفعكم الفرار إن فررتم من الموت او القتل و إذا لا تمتعون إلاّ قلیلا » و ایم اللّه لئن سئلتم « سلمتم ظ » من سیف العاجلة لا تسلمون من سیف الآخرة استعینوا بالصدق و الصبر فان بعد الصبر ینزل اللّه النصر .

أقول كلامه علیه السّلام هذا مذكور فی نهج البلاغة فی باب الخطب مع اختلاف فی الكم و بعض الالفاظ و الجمل و اوّله : فقدّموا الدارع و أخروا الحاسر و عضّوا على الاضراس فانه ابنا للسیوف إلى آخره و لنعد إلى القصة :

قال المسعودى فی مروج الذهب : و خرج فی الیوم التاسع علىّ و هوم یوم الخمیس و خرج معاویة فاقتتلوا إلى ضحوة من النهار و برز أمام الناس عبید اللّه بن عمر ابن الخطاب فی أربعة آلاف من الحضریة معمّمین بشق الحریر الاخضر متقدمین للموت یطلبون بدم عثمان و ابن عمر یقدمهم و هو یقول :

[ 258 ]

أنا عبید اللّه ینمینی عمر
خیر قریش من مضی و من غبر

غیر نبی اللّه و الشیخ الأغر
قد أبطأت فی نصر عثمان مضر

و الربعیون فلا أسقوا المطر

فناداه علىّ ویحك یا ابن عمر علام تقاتلنى و اللّه لو كان أبوك حیا ما قاتلنی .

قال : أطلب بدم عثمان . قال علیه السّلام أنت تطلب بدم عثمان و اللّه یطلبك بدم الهرمزان .

و أمر علىّ علیه السّلام الأشتر النخعى بالخروج الیه فخرج الاشتر الیه و هو یقول :

إنّی أنا الأشتر معروف السیر
إنّى أنا الأفعى العراقى الذكر

لست من الحى ربیع او مضر
لكننى من مذحج البیض الغرر

فانصرف عنه عبید اللّه و لم یبارزه و كثرت القتلى یومئذ قال الطبرى : قال أبو مخنف حدّثنى أبو روق الهمدانى أن یزید بن قیس الأرحبى حرّض الناس فقال إن المسلم السلیم من سلم دینه و رأیه و إن هولاء القوم و اللّه إن یقاتلوننا على إقامة دین رأونا ضیّعناه و إحیاء حقّ رأونا أمتناه و إن یقاتلوننا إلا على هذه الدنیا لبكونوا جبابرة فیها ملوكا فلو ظهروا علیكم لا أراهم اللّه ظهورا و لا سرورا لزموكم بمثل سعید و الولید و عبد اللّه بن عامر السفیه الضال یجیز أحدهم فی مجلسه بمثل دیته و دیة ابیه و جدّه یقول هذا لى و لا إثم علىّ كأنما اعطى تراثه عن أبیه و امّه و إنما هو مال اللّه عز و جل أفاءه علینا بأسیافنا و أرماحنا فقاتلوا عباد اللّه القوم الظالمین الحاكمین بغیر ما أنزل اللّه و لا یأخذكم فى جهادهم لوم لائم فانهم إن یظهروا علیكم یفسدوا علیكم دینكم و دنیاكم و هم من قد عرفتم و خبرتم و أیم اللّه ما ازدادوا إلى یومهم هذا إلا شرا .

و قاتلهم عبد اللّه بن بدیل فى المیمنة قتالا شدیدا حتّى انتهى إلى قبة معاویة .

ثمّ إن الّذین تبایعوا معاویة على الموت اقبلوا إلى معاویة فامرهم أن یصمدوا لابن بدیل فى المیمنة و بعث معاویة إلى حبیب بن مسلمة الفهرى فى المیسرة فحمل بهم و بمن كان معه على میمنة الناس فهزمهم و انكشف أهل العراق من قبل المیمنة حتّى لم یبق منهم إلاّ ابن بدیل فى مأتین أو ثلاثمأة من القراء قد أسند بعضهم ظهره إلى

[ 259 ]

بعض و انجفل الناس فأمر على علیه السّلام سهل بن حنیف فاستقدم فیمن كان معه من أهل المدینة فاستقبلهم جموع لأهل الشام عظیمة فاحتملتهم حتّى ألحقتهم بالمیمنة و كان فى المیمنة إلى موقف على علیه السّلام فى القلب أهل الیمن فلما كشفوا انتهت الهزیمة إلى على علیه السّلام فانصرف یتمشى نحو المیسرة فانكشفت عنه مضر من المیسرة و ثبتت ربیعة .

قال أبو مخنف حدّثنى مالك بن أعین الجهنى عن زید بن وهب الجهنى قال مرّ على علیه السّلام معه بنوه نحو المیسرة و إنّى لأرى النبل یمرّ بین عاتقه و منكبه و ما من بنیه أحد إلاّ یقیه بنفسه فیتقدم فیحول بین أهل الشام و بینه فیأخذه بیده إذا فعل ذلك فیلقیه بین یدیه او من ورائه فبصر به أحمر مولى أبى سفیان او عثمان أو بعض بنى امیة فقال و رب الكعبة قتلنى اللّه إن لم أقتلك أو تقتلنى فأقبل نحوه فخرج الیه كیسان مولى على علیه السّلام فاختلفا ضربتین فقتله مولى بنى امیة ، و ینتهزه علىّ علیه السّلام فیقع بیده فى جیب درعه فیجذبه ثمّ حمله على عاتقه فكأنى أنظر إلى رجیلتیه تختلفان على عنق على علیه السّلام ثمّ ضرب به الأرض فكسر منكبه و عضدیه و شدا ابنا علىّ علیه السّلام علیه حسین علیه السّلام و محمّد فضرباه بأسیافهما فكأنى أنظر إلى على علیه السّلام قائما و إلى شبیله یضربان الرجل حتّى إذا قتلاه و اقبلا إلى أبیهما و الحسن علیه السّلام قائما ، قال له یا بنیّ ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك ؟ قال كفیانى یا أمیر المؤمنین .

ثمّ إن أهل الشام دنوا منه و واللّه ما یزیده قربهم منه سرعة فی مشیه فقال له الحسن علیه السّلام ما ضرك لو سعیت حتّى تنتهى إلى هؤلاء الّذین قد صبروا لعدوك من أصحابك ؟ فقال یا بنیّ إن لأبیك یوما لن یعدوه و لا یبطی‏ء به عنه السعی و لا یعجل به إلیه المشی إنّ أباك و اللّه ما یبالی أوقع على الموت أو وقع الموت علیه .

قال أبو مخنف حدّثنی فضیل بن خدیج السكندی عن مولى للأشتر قال لما انهزمت میمنة العراق و أقبل علیّ علیه السّلام نحو المیسرة مرّ به الأشتر یركض نحو الفزع قبل المیمنة . فقال له علیّ علیه السّلام یا مالك قال لبیك قال ائت هؤلاء القوم فقل لهم أین فراركم من الموت الّذى لن تعجزوه إلى الحیاة الّتی لن تبقی لكم فمضی فاستقبل الناس منهزمین فقال لهم هذه الكلمات الّتی قالها له علیّ علیه السّلام .

[ 260 ]

و قال إلیّ أیّها النّاس أنا مالك بن الحارث أنا مالك بن الحارث ، ثمّ ظن أنّه بالأشتر أعرف فی الناس فقال أنا الأشتر إلىّ أیّها الناس فأقبلت إلیه طائفة و ذهبت عنه طائفة فنادى أیّها الناس عضضتم بهن آباءكم ما أقبح ما قاتلتم منذ الیوم أیّها الناس أخلصوا إلىّ مذحجا فاقبلت إلیه مذحج فقال عضضتم بصم الجندل ما أرضیتم ربّكم و لا نصحتم له فی عدوكم و كیف بذلك و أنتم أبناء الحروب و أصحاب الغارات و فتیان الصباح و فرسان الطراد و حتوف الاقران و مذحج الطعان الّذین لم یكونوا یسبقون بثارهم و لا تطل دماؤهم و لا یعرفون فی موطن بخسف و أنتم حد أهل مصركم و أعد حیّ فی قومكم و ما تفعلوا فی هذا الیوم فانّه مأثور بعد الیوم فاتقوا مأثور بعد الیوم فاتقوا مأثور الأحادیث فی غد و اصدقوا عدوكم اللقاء فإن اللّه مع الصادقین و الّذی نفس مالك بیده ما من هؤلاء و أشار بیده إلى أهل الشام رجل على مثال جناح بعوضة من محمّد صلّى اللّه علیه و آله أنتم ما أحسنتم القراع اجلوا سواد وجهی یرجع فی وجهی دمی علیكم بهذا السواد الاعظم فإن اللّه عزّ و جل لو قد فضه تبعه من بجانبیه كما یتبع مؤخر السیل مقدمه قالوا خذ بنا حیث احببت و صمد نحو عظمهم فیما یلى المیمنة فأخذ یزحف إلیهم و یردهم و یستقبله شباب من همدان و كانوا ثمانمأة مقاتل یومئذ و قد انهزموا آخر الناس و كانوا قد صبروا فی المیمنة حتّى اصیب منهم ثمانون و مأة رجل و قتل منهم أحد عشر رئیسا كلّما قتل منهم رجل أخذ الرایة آخر فكان الأوّل كریب بن شریح ثمّ شرحبیل ابن شریح ثمّ مرثد بن شریح ثمّ هبیرة بن شریح ثمّ یریم بن شریح ثمّ سمیر بن شریح فقتل هؤلاء الاخوة الستة جمیعا ثمّ أخذ الرایة سفیان بن زید ثمّ عبد بن زید ثمّ كریم بن زید فقتل هؤلاء الاخوة الثلاثة جمیعا ثمّ أخذ الرایة عمیر بن بشیر ثمّ الحارث بن بشیر فقتلا ثمّ أخذ الرایة وهب بن كریب أخو القلوص فأراد أن یستقبل فقال له رجل من قومه انصرف بهذه الرایة رحمك اللّه فقد قتل أشراف قومك حولها فلا تقتل نفسك و لا من بقی من قومك فانصرفوا و هم یقولون لیت لنا عدّتنا من العرب یحالفوننا على الموت ثمّ نستقدم نحن و هم فلا ننصرف حتّى نقتل أو نظفر فمرّوا بالأشتر و هم یقولون هذا القول فقال لهم الأشتر إلىّ أنا احالفكم و اعاقدكم

[ 261 ]

على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك فأتوه فوقفوا معه .

و زحف الأشتر نحو المیمنة و ثاب الیه ناس تراجعوا من أهل الصبر و الحیاء و الوفاء فأخذ لا یصمد لكتیبة إلا كشفها و لا لجمع الاحازه و ردّه فانّه لذلك إذ مرّ بزیاد بن النضر یحمل إلى العسكر فقال من هذا فقیل زیاد بن النضر استلحم عبد اللّه ابن بدیل و أصحابه فی المیمنة فتقدم زیاد فرفع لأهل المیمنة رایته فصبروا و قاتل حتّى صرع ثمّ لم یمكثوا إلاّ كلا شی‏ء حتّى مرّ بیزید بن قیس الأرحبى محمولا نحو العسكر فقال الأشتر من هذا فقالوا یزید بن قیس لما صرع زیاد بن النضر رفع لأهل المیمنة رایته فقاتل حتّى صرع فقال الأشتر هذا و اللّه الصبر الجمیل و الفعل الكریم ألا یستحى الرجل أن ینصرف لا یقتل و لا یقتل او یشفی به على القتل .

قال أبو مخنف حدّثنی أبو جناب الكلبی عن الحرّ بن الصیاح النخعی أن الأشتر یومئذ كان یقاتل على فرس له فی یده صفیحة یمانیة إذا طأطأها خلت فیها ماء منصبا و إذا رفعها كاد یغشى البصر شعاعها و جعل یضرب بسیفه و یقول : الغمرات ثمّ ینجلینا . قال فبصر به الحارث بن جمهان الجعفی و الأشتر متقنع فى الحدید فلم یعرفه فدنا منه فقال له جزاك اللّه خیرا منذ الیوم عن أمیر المؤمنین و جماعة المسلمین فعرفه الأشتر فقال ابن جمهان فعرفه فكان من اعظم الرجال و أطوله و كان فی لحیته حفّها قلیلا فقال جعلت فداك لا و اللّه ما علمت بمكانك إلا الساعة و لا افارقك حتّى اموت . قال و رآه منقذ و حمیر ابنا قیس الناعطیان فقال منقذ لحمیر ما فى العرب مثل هذا إن كان ما أرى من قتاله فقال له حمیر و هل النیّة إلاّ ما تراه یصنع قال إنّی اخاف أن یكون یحاول ملكا .

قال أبو مخنف حدّثنی فضیل بن خدیج عن مولى للأشتر أنه لمّا اجتمع الیه عظم من كان انهزم عن المیمنة حرضهم ثمّ قال عضوا على النواجذ من الأضراس و استقبلوا القوم بهامكم و شدوا شدة قوم موتورین ثأرا بآبائهم و إخوانهم حناقا على عدوهم قد وطنوا على الموت انفسهم كیلا یسبقوا بوتر و لا یلحقوا فی الدنیا عارا و أیم اللّه ما وتر قوم قط بشى‏ء أشدّ علیهم من أن یوتروا دینهم و إن هؤلاء القوم لا یقاتلونكم

[ 262 ]

إلاّ عن دینكم لیمیتوا السنة و یحیوا البدعة و یعیدوكم فی ضلالة قد أخرجكم اللّه عزّ و جل منها بحسن البصیرة فطیبوا عباد اللّه أنفسا بدمائكم دون دینكم فإن ثوابكم على اللّه و اللّه عنده جنات النعیم و إن الفرار من الزحف فیه السلب للعز و الغلبة على الفى‏ء و ذل المحیا و الممات و عار الدنیا و الآخرة و حمل علیهم حتّى كشفهم فألحقهم بصفوف معاویة بین صلاة العصر و المغرب و انتهى إلى عبد اللّه بن بدیل و هو فى عصبة من القراء بین المأتین و الثلاثمأة و قد لصقوا بالأرض كأنّهم جثا فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم قد دنوا منهم فقالوا ما فعل أمیر المؤمنین قالوا حى صالح فى المیسرة یقاتل الناس أمامه ، فقالوا الحمد للّه قد كنا ظننا أن قد هلك و هلكتم .

و قال عبد اللّه بن بدیل لأصحابه استقدموا بنا فأرسل الأشتر الیه أن لا تفعل اثبت مع الناس فقاتل فانه خیر لهم و أبقى لك و لاصحابك فأبى فمضى كما هو نحو معاویة و حوله كأمثال الجبال و فى یده سیفان و قد خرج فهو امام أصحابه فأخذ كلّما دنا منه رجل ضربه فقتله حتّى قتل سبعة و دنا من معاویة فنهض الیه الناس من كلّ جانب و احیط به و بطائفة من أصحابه فقاتل حتّى قتل و قتل ناس من أصحابه و رجعت طائفة قد خرجوا منهزمین فبعث الأشتر ابن جمهان الجعفى فحمل على أهل الشام الّذین یتبعون من نجا من أصحاب ابن بدیل حتّى نفسوا عنهم و انتهوا إلى الأشتر فقال لهم ألم یكن رأیى لكم خیر من رأیكم لأنفسكم ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس و كان معاویة قال لابن بدیل و هو یضرب قدما أترونه كبش القوم فلمّا قتل أرسل الیه فقال انظروا من هو فنظر الیه ناس من أهل الشام فقالوا لا نعرفه فأقبل الیه حتّى وقف علیه فقال بلى هذا عبد اللّه بن بدیل و اللّه لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلا على رجالها لفعلت مدّوه فمدّوه فقال هذا و اللّه كما قال الشاعر :

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها . و إن شمّرت یوما به الحرب شمّرا

و البیت لحاتم طیى‏ء ، و أن الأشتر زحف الیهم فاستقبله معاویة بعكّ و الأشعرین فقال الأشتر لمذجح اكفونا عكّا و وقف فى همدان و قال لكندة اكفونا الأشعرین فاقتتلوا قتالا شدیدا و أخذ یخرج إلى قومه فیقول إنّما هم عكّ فاحملوا علیهم فیجثون

[ 263 ]

على الركّب و یرتجزون :

یا ویل امّ مذحج من عكّ
هاتیك امّ مذحج تبكىّ

فقاتلوهم حتّى المساء ثمّ إنّه قاتلهم فى همدان و ناس من طوائف الناس فحمل علیهم فأزالهم عن مواقفهم حتّى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاویة ثمّ شد علیهم شدة اخرى فصرع الصفوف الأربعة و كانوا معقلین بالعمائم حتّى انتهوا إلى الخامس الّذى حول معاویة و دعا معاویة بفرس فركب و كان یقول أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الأطنابة من الأنصار كان جاهلیا و الأطنابة امرأة من بلقین .

أبت لى عفّتى و حیاء نفسى
و إقدامى على البطل المشیح

و إعطائى على المكروه مالى
و أخذى الحمد بالثمن الربیح

و قولى كلما جشأت و جاشت
مكانك تحمدى او تستریحى

فمنعنى هذا القول من الفرار .

قال أبو مخنف حدّثنى مالك بن أعین الجهنى عن زید بن وهب أن علیّا علیه السّلام لما رأى میمنته قد عادت إلى مواقفهم و مراكزهم أقبل حتّى انتهى إلیهم . فقال إنّى قد رأیت جولتكم و انحیازكم عن صفوفكم یحوزكم الطغاة الجفاة و أعراب أهل الشام و أنتم لها میم العرب و السنام الاعظم و عمار اللیل بتلاوة القرآن و أهل دعوة الحقّ إذ ضلّ الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم و كرّكم بعد انحیازكم وجب علیكم ما وجب على المولّى یوم الزحف دبره و كنتم من الهالكین ، و لكن هون وجدى و شفى بعض أحاح نفسى أنى رأیتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم و أزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم بالسیوف تركب اولاهم اخراهم كالابل المطردة فالآن فاصبروا نزلت علیكم السكینة و ثبتكم اللّه عزّ و جلّ بالیقین لیعلم المنهزم أنّه مسخط ربّه و موبق نفسه إن فى الفرار موجدة اللّه عزّ و جلّ علیه و الذل اللازم و العار الباقى و اعتصار الفى‏ء من یده و فساد العیش علیه و أن الفارّ منه لا یزید فی عمره و لا یرضى ربّه فموت المرء محقا قبل إتیان هذه الخصال خیر من الرضا بالتأنیس لها و الاقرار علیها .

قال الطبری : قال أبو مخنف حدّثنا عبد السلام بن عبد اللّه بن جابر الأحمسى

[ 264 ]

أن رایة بجیلة بصفین كانت فی أحمس بن الغوث بن أنما رمع أبى شداد و هو قیس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن علیّ بن اسلم بن احمس بن الغوث و قال له بجیلة خذ رایتنا فقال غیرى لكم منى قالوا ما نرید غیرك قال و اللّه لئن أعطیتمونیها لا أنتهى بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا اصنع ما شئت فاخذها ثمّ زحف حتّى انتهى بهم إلى صاحب الترس المذهب و كان فى جماعة عظیمة من أصحاب معاویة و ذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد بن الولید المخزومى فاقتتل الناس هنالك قتالا شدیدا فشد بسیفه نحو صاحب الترس فتعرض له رومى مولى لمعاویة فیضرب قدم أبى شداد فیقطها و یضربه أبو شداد فیقتله و اشرعت الیه الأسنة فقتل و أخذ الرایة عبد اللّه بن قلع الاحمسى و هو یقول :

لا یبعد اللّه أبا شدّاد
حیث أجاب دعوة المنادى

و شدّ بالسیف على الأعادى
نعم الفتى كان لدى الطراد

و فى طعان الرّجل و الجلاد

فقاتل حتّى قتل فأخذ الرایة أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتّى قتل ثمّ أخذها عفیف بن إیاس فلم تزل فى یده حتّى تحاجز الناس و قتل حازم بن أبى حازم الأحمسى أخو قیس بن أبى حازم یومئذ و قتل نعیم بن صهیب بن العلیة البجلى یومئذ فأتى ابن عمه و سمیّه نعیم بن الحارث ابن العلیة معاویة و كان معه فقال إن هذا القتیل ابن عمى فهبه لى أدفنه فقال لا تدفنه فلیسوا لذلك أهلا و اللّه ما قدرنا على دفن ابن عفان إلا سرا . قال و اللّه لتأذنن فى دفنه أولا لحقن بهم و لا دعنك . قال معاویة أ ترى أشیاخ العرب قد أحالتهم امورهم فأنت تسألنى فى دفن ابن عمّك ادفنه إن شئت او دع فدفنه .

قال أبو مخنف حدّثنى الحارث بن حصیرة الأزدى عن أشیاخ من النمر من الأزد أن مخنف بن سلیم لما ندبت الازد للأزد حمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال ان من الخطأ الجلیل و البلاء العظیم أنا صرفنا إلى قومنا و صرفوا إلینا و اللّه ما هى إلا أیدینا نقطعها بأیدینا و ما هى إلاّ اجنحتنا نجدّها باسیافنا فان نحن لم نواس جماعتنا و لم نناصح صاحبنا كفرنا و إن نحن فعلنا فعزنا أبحنا و نارنا أخمدنا فقال له جندب بن

[ 265 ]

زهیر و اللّه لو كنا آباءهم و ولدناهم أو كنا أبناءهم و ولدونا ثمّ خرجوا من جماعتنا و طعنوا على إمامنا و إذا هم الحاكمون بالجور على أهل ملّتنا و ذمّتنا ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتى یرجعوا عماهم علیه و یدخلوا فیما ندعوهم او تكثر القتلى بیننا و بینهم .

فقال له مخنف و كان ابن خالته عزّ اللّه بك النیّة أما و اللّه ما علمت صغیرا و كبیرا إلاّ مشئوما و اللّه ما میلنا الرأى قط أیهما نأتى أو أیّهما ندع فی الجاهلیة و لا بعد أن أسلمنا إلاّ اخترت أعسرهما و أنكدهما اللّهم إن تعافى أحبّ الینا من أن تبتلى فاعط كلّ امرى‏ء منا ما یسألك و قال أبو بریدة بن عوف اللّهم احكم بیننا بما هو أرضى لك یا قوم إنكم تبصرون بما یصنع الناس و إن لنا الاسوة بما علیه الجماعة إن كنا على حقّ و إن یكونوا صادقین فان اسوة فی الشر و اللّه ما علمنا ضرر فى المحیا و الممات .

و تقدّم جندب بن زهیر فبارز رأس أزد الشام فقتله الشامی و قتل من رهطه عجل و سعد ابنا عبد اللّه من بنی ثعلبة و قتل مع مخنف من رهطه عبد اللّه و خالد ابنا ثاجد و عمرو و عامر ابنا عویف و عبد اللّه بن الحجاج و جندب بن زهیر و أبو زینب بن عوف بن الحارث و خرج عبد اللّه بن أبی الحصین الأزدى فی القراء الذین مع عمار بن یاسر فاصیب معه .

قال أبو مخنف و حدّثنی الحارث بن حصیرة عن أشیاخ النمر أن عقبة بن حدید النمرى قال یوم صفین ألا إن مرعی الدنیا أصبح هشیما و أصبح شجرها خضیدا و جدیدها سملا و حلوها مرّ المذاق ألا و إنّی انبئكم نبأ امرى‏ء صادق إنّی قد سئمت الدنیا و عزفت نفسی عنها و قد كنت أتمنی الشهادة و أتعرض لها فی كلّ جیش و غارة فأبى اللّه عزّ و جل إلاّ أن یبلغنی هذا الیوم ألا و إنّی متعرض لها من ساعتی هذه قد طمعت ألا احرمها فما تنتظرون عباد اللّه بجهاد من عادى اللّه خوفا من الموت القادم علیكم الذاهب بأنفسكم لا محالة أو من ضربة كف بالسیف تستبدلون الدنیا بالنظر فی وجه اللّه عزّ و جل و موافقة النبیین و الصدیقین و الشهداء و الصالحین فی دار القرار ما هذا بالرأى السدید .

ثمّ مضی فقال یا إخوتی قد بعت هذه الدار بالّتی أمامها و هذا وجهى إلیها لا تبرح وجوهكم و لا یقطع اللّه عزّ و جل رجاءكم فتبعه إخوته عبید اللّه و عوف و مالك و قالوا لا نطلب رزق الدنیا بعدك فقبح اللّه العیش بعدك اللّهم إنا نحتسب أنفسنا عندك

[ 266 ]

فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا .

قال أبو مخنف حدثنی ملة بن زهیر النهدى عن أبی مسلم بن عبد اللّه الضبابی قال شهدت صفین مع الحىّ و معنا شمر بن ذى الجوشن الضبابی فبارزه أدهم بن محرز الباهلی فضرب أدهم وجه الشمر بالسیف و ضربه شمر ضربة لم تضرره فرجع شمر إلى رحله فشرب شربة و كان قد ظمى‏ء ثمّ أخذ الرمح فأقبل و هو یقول :

إنی زعیم لأخی بأهله
بطعنة إن لم أصب عاجله

أو ضربة تحت القنا و الوغى
شبیهة بالقتل أو قاتله

ثمّ حمل على أدهم فصرعه ثمّ قال هذه بتلك .

قال أبو مخنف حدّثنى عمرو بن عوف بن مالك الجشمى أن بشر بن عصمة المزنى كان لحق بمعاویة فلمّا اقتتل الناس بصفین بصر بشر بن عصمة بمالك العقدیة و هو مالك بن الجلاح الجشمى و لكن العقدیة غلبت علیه فرآه بشر و هو یفرى فی أهل الشام فریا عجیبا و كان رجلا مسلما شجاعا فغاظ بشر ما رأى منه فحمل علیه فطعنه فصرعه ثمّ انصرف فندم لطعنته إیاه جبارا فقال :

و إنى لأرجو من ملیكى تجاوزا
و من صاحب الموسوم فى الصدر هاجس

دلفت له تحت الغبار بطعنة
على ساعة فیها الطعان تخالس

فبلغت مقالته ابن العقدیة فقال :

ألا أبلغا بشر بن عصمة أنّنی
شغلت و ألهانی الّذین امارس

فصادفت منّی غرّة و أصبتها
كذلك و الأبطال ماض و خالس

ثمّ حمل عبد اللّه بن الطفیل البكائی على جمع لأهل الشام فلما انصرف حمل علیه رجل من بنی تمیم یقال له قیس بن قرة ممن لحق بمعاویة من أهل العراق فیضع الرمح بین كتفى عبد اللّه بن الطفیل و یعترضه یزید بن معاویة ابن عمّ عبد اللّه ابن الطفیل فیضع الرمح بین كتفى التمیمی فقال و اللّه لئن طعنته لأطعننك فقال علیك عهد اللّه و میثاقه لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عنى فقال له نعم لك بذلك عهد اللّه فرفع السنان عن ابن الطفیل و رفع یزید السنان عن التمیمی

[ 267 ]

فقال ممّن أنت قال من بنی عامر فقال له جعلنى اللّه فداكم أبتما إلفكم الفكم كراما و إنى لحادى عشر رجلا من أهل بیتى و رهطى قتلتموهم الیوم و أنا كنت آخرهم فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب على یزید بن الطفیل فی بعض ما یعتب فیه الرجلّ على ابن عمّه فقال :

ألم ترنی حامیت عنك مناصحا
بصفّین إذ خلاك كلّ حمیم

و نهنهت عنك الحنظلیّ و قد أتى
على سابح ذى میعة و هزیم

قال أبو مخنف حدثنى فضیل بن خدیج قال خرج رجل من أهل الشام یدعو إلى المبارزة فخرج إلیه عبد الرّحمن بن محرز الكندی ثمّ الطحمى فتجا و لا ساعة ثمّ إن عبد الرحمن حمل على الشامی فطعنه فی ثغرة نحره فصرعه ثمّ نزل إلیه فسلبه درعه و سلاحه فإذا هو حبشی فقال إنا للّه لمن اخطرت نفسى لعبد أسود و خرج رجل من عكّ یسأل المبارزة فخرج إلیه قیس بن فهدان الكنانی ثمّ البدنی فحمل علیه العكىّ فضربه و احتمله أصحابه فقال قیس بن فهدان :

لقد علمت عكّ بصفین أنّنا
إذا التقت الخیلان نطعنها شزرا

و نحمل رایات الطعان بحقها
فنوردها بیضا و نصدرها حمرا

قال أبو مخنف و حدّثنی فضیل بن خدیج أن قیس بن فهدان كان یحرض أصحابه فیقول شدوا إذا شددتم جمیعا و إذا انصرفتم فاقبلوا معا و غضوا الأبصار و أقلوا اللفظ و اعتوروا الاقران و لا یؤتین من قبلكم العرب ، قال و قتل نهیك بن عزیز من بنی الحارث بن عدى و عمرو بن یزید من بنی ذهل و سعید بن عمرو و خرج قیس بن یزید و هو ممّن فرّ إلى معاویة من على فدعا إلى المبارزة فخرج إلیه أخوه أبو العمرصة بن یزید فتعارفا فتواقفا و انصرفا إلى الناس فأخبر كلّ واحد منهما أنّه لقى أخاه .

قال أبو مخنف حدثنی جعفر بن حذیفة من آل عامر بن جوین الطائى أن طیئا یوم صفین قاتلت قتالا شدیدا فعبّیت لهم جموع كثیرة فجاءهم حمزة بن مالك الهمدانی فقال ممن أنتم للّه أنتم ؟ فقال عبد اللّه بن خلیفة البولانی و كان شیعیا شاعرا

[ 268 ]

خطیبا نحن طیى‏ء السهل و طیى‏ء الرمل و طیى‏ء الجبل الممنوع ذی النخل نحن حماة الجبلین إلى ما بین العذیب و العین نحن طیى‏ء الرماح و طیى‏ء النطاح و فرسان الصباح .

فقال حمزة بن مالك بخ بخ إنك لحسن الثناء على قومك فقال :

إن كنت لم تشعر بنجدة معشر
فاقدم علینا و یب غیرك تشعر

ثمّ اقتتل الناس أشد القتال فأخذ ینادیهم و یقول یا معشر طیى فدى لكم طار فی و تالدى قاتلوا على الأحساب و أخذ یقول

أنا الذی كنت إذ الداعى دعا
مصمّما بالسیف ندبا أروعا

فأنزل المستلئم المقنّعا
و أقتل المبالط السّمیدعا

و قال بشر بن العسوس الطائى ثمّ الملقطى :

یا طیى‏ء السهول و الأجبال

ألا انهدوا بالبیض و الموالی
و بالكماة منكم الابطال

فقارعوا أئمة الجهّال
السالكین سبل الضلال

ففقئت یومئذ عین أبی العسوس فقال فی ذلك :

ألا لیت عینی هذه مثل هذه
فلم أمش فی الآناس إلاّ بقائد

و یا لیتنی لم أبق بعد مطرف
و سعد و بعد المستنیرین خالد

فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم
إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد

و یا لیت رجلى ثمّ طنّت بنصفها
و یا لیت كفىّ ثم طاحت بساعدى

قال أبو مخنف حدثنی أبو الصلت التیمى قال حدثنی أشیاخ محارب أنه كان منهم رجل یقال له خنثر بن عبیدة بن خالد و كان من اشجع الناس فلما اقتتل الناس یوم صفین جعل یرى أصحابه منهزمین فأخذ ینادى یا معشر قیس أطاعة الشیطان آثر عندكم من طاعة الرحمن الفرار فیه معصیة اللّه سبحانه و سخطه و الصبر فیه طاعة اللّه عز و جل و رضوانه فتختارون سخط اللّه تعالى على رضوانه و معصیته على طاعته فانّما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبا لنفسه و قال :

لا و ألت نفس امرى‏ء ولّى الدّبر
انا الّذی لا ینثنى و لا یفرّ

[ 269 ]

و لا یرى مع المعازیل الغدر

فقاتل حتّى ارتث ثم إنّه خرج مع الخمسمأة الذین كانوا اعتزلوا مع فروة ابن نوفل الأشجعی فنزلوا بالدسكرة و البندنیجین فقاتلت النخع یومئذ قتالا شدیدا فاصیب منهم یومئذ بكر بن هوذة و حیان بن هوذة و شعیب بن نعیم من بنی بكر النخع و ربیعة بن مالك بن و هبیل و أبی بن قیس أخو علقمة بن قیس الفقیه و قطعت رجل علقمة یومئذ فكان یقول ما احب أن رجلى أصح ما كانت و إنها لمما أرجوبه حسن الثواب من ربى عزّ و جلّ و قال لقد كنت احب أن أرى فى نومى أخى أو بعض إخوانى فرأیت أخى فى النوم فقلت یا أخى ماذا قدمتم علیه ؟ فقال لى إنا التقینا نحن و القوم فاحتججنا عند اللّه عزّ و جلّ فحججناهم فما سررت منذ عقلت سروری بتلك الرؤیا .

قال أبو مخنف حدثنى سوید بن حیة الأسدى عن الحضین بن المنذر أن اناسا كانوا اتوا علیّا علیه السّلام قبل الوقعة فقالوا له إنا لا نرى خالد بن المعمر إلاّ قد كاتب معاویة و قد خشینا أن یتابعه فبعث إلیه علیّ علیه السّلام و إلى رجال من أشرافنا ، فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

أما بعد یا معشر ربیعة فأنتم أنصارى و مجیبو دعوتى و من أوثق حى فى العرب فى نفسى و قد بلغنى أن معاویة قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر و قد أتیت به و جمعتكم لأشهدكم علیه و لتسمعوا أیضا ما أقوله .

ثمّ أقبل علیه فقال علیه السّلام یا خالد بن المعمر إن كان ما بلغنى حقا فإنّى اشهد اللّه و من حضرنى من المسلمین انك آمن حتى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرض لا سلطان لمعاویة فیها و إن كنت مكذوبا علیك فان صدورنا تطمئن إلیك فحلف باللّه ما فعل و قال رجال منا كثیر لو كنّا نعلم أنه فعل أمثلناه .

فقال شقیق بن ثور السدوسى ما وفق خالد بن المعمر إن نصر معاویة و أهل الشام على علیّ علیه السّلام و ربیعة فقال زیاد بن خصفة التیمى یا أمیر المؤمنین استوثق من ابن المعمر بالأیمان لا یغدرنك فاستوثق منه ثمّ انصرفنا .

[ 270 ]

فلما كان یوم الخمیس « و هو الیوم التاسع من صفر » انهزم الناس من قبل المیمنة فجاءنا علىّ علیه السّلام حتى انتهى إلینا و معه بنوه فنادى بصوت عال جهیر كغیر المكترث لما فیه الناس : لمن هذه الرایات ؟ قلنا رایات ربیعة فقال بل هى رایات اللّه عزّ و جلّ عصم اللّه اهلها فصبرهم و ثبت اقدامهم ، ثمّ قال لى یافتى ألا تدنى رایتك هذه ذراعا ؟ قلت : نعم و اللّه و عشر أذرع ، فقمت بها فأدنیتها حتى قال إن حسبك مكانك فثبت حیث أمرنى و اجتمع أصحابى .

قال أبو مخنف حدثنا أبو الصلت التیمى قال سمعت أشیاخ الحىّ من تیم اللّه ابن ثعلبة یقولون إن رایة ربیعة أهل كوفتها و بصرتها كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة قال و سمعتهم یقولون إن خالد بن المعمر و سفیان بن ثور اصطلحا على أن ولیا رایة بكر بن وائل من أهل البصرة الحضین بن المنذر الذهلى و تنافسا فى الرایة و قالا هذا فتى مناله حسب نجعلها له حتى نرى من رأینا .

ثمّ إنّ علیا ولى خالد بن المعمر بعد رایة ربیعة كلها و ضرب معاویة لحمیر بسهمهم على ثلاث قبائل لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عددا منها یومئذ على ربیعة و همدان و مذحج فوقع سهم حمیر على ربیعة فقال ذو الكلاع قبحك اللّه من سهم كرهت الضراب فاقبل ذو الكلاع فی حمیر و من تعلقها و معهم عبید اللّه بن عمر بن الخطاب فی أربعة آلاف من قراء أهل الشام و على میمنتهم ذو الكلاع فحملوا على ربیعة و هم میسرة أهل العراق و فیهم ابن عبّاس و هو على المیسرة فحمل علیهم ذو الكلاع و عبید اللّه بن عمر حملة شدیدة بخیلهم و رجلهم فتضعضعت رایات ربیعة الا قلیلا من الأخیار و الأبدال .

ثمّ إن أهل الشام انصرفوا فلم یمكثوا الا قلیلا حتى كرّوا و عبید اللّه بن عمر یقول یا أهل الشام إن هذا الحى من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان و انصار علیّ بن أبیطالب و إن هزمتم هذه القبیلة أدركتم ثاركم فی عثمان و هلك علیّ بن أبیطالب و أهل العراق فشدوا على الناس شدة فثبتت لهم ربیعة و صبروا صبرا حسنا إلاّ قلیلا من الضعفاء و الفشلة و ثبت أهل الرایات و أهل الصبر منهم و الحفاظ فلم