[ 271 ]

یزولوا و قاتلوا قتالا شدیدا .

فلما رأى خالد بن المعمر ناسا من قومه انصرفوا انصرف فلما رأى أصحاب الرایات قد ثبتوا و رأى قومه قد صبروا رجع و صاح بمن انهزم و أمرهم بالرجوع فقال من أراد من قومه أن یتهمه اراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلینا و قال هو لما رأیت رجالا منا انهزموا رأیت أن أستقبلهم و أردهم إلیكم و اقبلت إلیكم فیمن أطاعنى منهم فجاء بأمر مشبه .

قال أبو مخنف حدثنى رجل من بكر بن وائل عن محرز بن عبد الرّحمن العجلى أن خالدا قال یومئذ یا معشر ربیعة إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أتى بكل رجل منكم من منبته و مسقط رأسه فجمعكم فی هذا المكان جمعا لم یجمعكم مثله منذ نشركم فی الأرض فإن تمسكوا بایدیكم و تنكلوا عن عدوكم و تزولوا عن مصافكم لا یرضى اللّه فعلكم و لا تقدموا من الناس صغیرا أو كبیرا الا یقول فضحت ربیعة الذمار و حاصت عن القتال و اتیت من قبلها العرب فإیاكم أن تتشأم بكم العرب و المسلمون الیوم و انكم إن تمضوا مقبلین مقدمین و تصیروا محتسبین فإن الاقدام لكم عادة و الصبر منكم سجیة و اصبروا و نیتكم أن توجروا فإن ثواب من نوى ما عند اللّه شرف الدنیا و كرامة الآخرة و لن یضیع اللّه أجر من أحسن عملا .

فقام رجل فقال ضاع و اللّه أمر ربیعة حین جعلت إلیك امورها تأمرنا ألا نزول و لا نحول حتّى تقتل أنفسنا و تسفك دماءنا ألا ترى الناس قد انصرف جلّهم .

فقام إلیه رجال من قومه فنهروه و تناولوه بألسنتهم فقال لهم خالد أخرجوا هذا من بینكم فان هذا إن بقى فیكم ضرّكم و إن خرج منكم لم ینقصكم هذا الذى لا ینقص العدد و لا یملا البلد برحك اللّه من خطیب قوم كرام كیف جنبت السداد .

و اشتد قتال ربیعة و حمیر و عبید اللّه بن عمر حتّى كثرت بینهم القتلى فقتل سمیر ابن الریان بن الحارث العجلى و كان من أشد الناس بأسا .

قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن أبی القاسم العبدى عن یزید بن علقمة عن زید بن بدر

[ 272 ]

العبدى أن زیاد بن خصفة أتى عبد القیس یوم صفین و قد عبیت قبائل حمیر مع ذى الكلاع و فیهم عبید اللّه بن عمر بن الخطاب لبكر بن وائل فقوتلوا قتالا شدیدا خافوا فیه الهلاك فقال زیاد بن خصفة یا عبد القیس لا بكر بعد الیوم فركبنا الخیول ثمّ مضینا فواقفنا .

فما لبثنا إلا قلیلا حتّى اصیب ذو الكلاع و قتل عبید اللّه بن عمر فقالت همدان قتله هانى‏ء بن خطاب الارحبى و قالت حضر موت قتله مالك بن عمرو التنعى و قالت بكر بن وائل قتله محرز بن الصحصح من بنی عائش بن مالك بن تیم اللّه بن ثعلبة و أخذ سیفه ذا الوشاح فأخذ به معاویة بالكوفة بكر بن وائل فقالوا إنما قتله رجل منا من أهل البصرة یقال له محرز بن الصحصح فبعث إلیه بالبصرة فأخذ منه السیف و كان رأس النمر بن قاسط عبد اللّه بن عمرو من بنی تمیم .

قال هشام بن محمّد الذی قتل عبید اللّه بن عمر محرز بن الصحصح و أخذ سیفه ذا الوشاح سیف عمرو فی ذلك قول كعب بن جعیل التغلبی :

ألا إنما تبكى العیون لفارس
بصفین أجلت خیله و هو واقف

یبدل من اسماء أسیاف وائل
و كان فتى لو أخطأته المتالف

تركن عبید اللّه بالقاع مسندا
تمجّ دم الخرق العروق الذّوارف

أقول : ان اسماء فی البیت الثانی هى زوجة عبید اللّه بن عمر كما سیأتی عنقریب و لنعد إلى القصة .

و قتل منهم یومئذ بشر بن مرة بن شرحبیل و الحارث بن شرحبیل و كانت اسماء ابنة عطارد بن حاجب التمیمی تحت عبید اللّه بن عمر ثمّ خلف علیها الحسن بن علیّ علیهما السّلام .

قال أبو مخنف حدثنى ابن أخی غیاث بن لفیط البكرى أن علیّا علیه السّلام حیث انتهى إلى ربیعة تبارت ربیعة بینها فقالوا إن اصیب علىّ فیكم و قد لجأ إلى رایتكم افتضحتم و قال لهم شقیق بن ثور یا معشر ربیعة لا عذر لكم فی العرب إن وصل إلى علیّ علیه السّلام فیكم و فیكم رجل حىّ و إن منعتموه فمجد الحیاة اكتسبتموه فقاتلوا قتالا

[ 273 ]

شدیدا حین جاءهم علیّ علیه السّلام لم یكونوا قاتلوا مثله ففی ذلك قال علیّ علیه السّلام .

لمن رایة سوداء یخفق ظلّها
إذا قیل قدمها حضین تقدما

یقدّمها فی الموت حتّى یزیرها
حیاض المنایا تقطر الموت و الدّما

أذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا
بأسیافنا حتى تولى و أحجما

جزى اللّه قوما صابروا فی لقائهم
لدا الموت قوما ما أعف و اكرما

و اطیب أحبارا و أكرم شیمة
إذا كان أصوات الرّجال تغمغما

ربیعة اعنی انهم أهل نجدة
و بأس إذا لاقوا جشیما عرمرما

مقتل أبى الیقظان عمار بن یاسر رضوان الله علیه و نسبه و اسلامه و طائفة ما جاء فیه من الاخبار و الاحوال

هو ( ره ) من كبار الفقهاء و عظام العلماء ، صحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أخذ منه و من علیّ علیه السّلام معالم الدین و معارف الیقین و كان من شیعة أمیر المؤمنین و قتله الفئة الباغیة فی صفّین مجاهدا فی سبیل اللّه ناصرا لولیه خیر خلقه بعد رسوله علیّ علیه السّلام و سیتّضح لك جلالة شأنه و علوّ مقامه و ثبات قدمه فی الدین و خلوصه فی حبّ علیّ أمیر المؤمنین علیه السّلام بما نذكر من الأخبار المأثورة عن الفریقین ، و فی الدر المنثور : و كان أبو هریرة یقول إن عمار بن یاسر أجاره اللّه من الشیطان على لسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله .

و قال ابن هشام فی السیرة اسلم قبل الهجرة فی مكّة بدعوة أبی بكر و قال فی موضعین من كتابه السیرة النبویة 1 : عمار بن یاسر عنسى من مذحج ، حلیف بنی مخزوم بن یقظة .

و قال المسعودی فی مروج الذهب و قد تنوزع فی نسبه فمن الناس من الحقه ببنی مخزوم و منهم من رأى أنه من حلفائهم و منهم من رأى غیر ذلك .

و عمار و الحویرث « مصغر حارث » و عبود : بنو یاسر ، و من ولد عمار عبد اللّه

-----------
( 1 ) ص 261 ج 1 و ص 683 ج 1 طبع 1357 ه .

[ 274 ]

ابن سعد و هو المقتول بالاندلس قتله عبد الرّحمن بن معاویة ، و یكنى عمار ( ره ) بأبی الیقظان .

قال الواقدی و ابن الاثیر فی اسد الغابة و طائفة من أهل العلم بالنسب و الخبر إنّ یاسرا والد عمار عرنی قحطانی مذحجى من عنس فى مذحج إلا أن ابنه عمارا مولى لبنی مخزوم لأن أباه یاسرا تزوج امة لبعض بنی مخزوم فولدت له عمارا و ذلك أن یاسرا والد عمار قدم مكة مع أخوین له ، أحدهما یقال له الحارث و الثانی مالك فرجع الحارث و مالك إلى الیمن و أقام یاسر بمكة فحالف أبا حذیفة ابن المغیرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم فزوجه أبو حذیفة أمة له یقال لها سمیة « على التصغیر » بنت خیاط فولدت له عمار فاعتقه أبو حذیفة فمن هذا هو عمار مولى لبنی مخزوم ، و للحلف و الولاء الذی بین بنی مخزوم و ابن عمار و أبیه یاسر كان اجتماع بنی مخزوم إلى عثمان حین نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق فی بطنه فاجتمعت بنو مخزوم و قالوا و اللّه لئن مات ما قتلنا به أحدا غیر عثمان .

و كان اسم أبی حذیفة مولى سمیة : مهشم ، و هو عم أبى جهل و قال بعض أهل التحقیق : قد غلط ابن قتیبة فیها فزعم ان الازرق مولى الحارث بن كلدة خلف علیها بعد یاسر فولدت له سلمة بن الازرق ، و الصحیح أن ام سلمة بن الأزرق سمیة اخرى و هى ام زیاد بن أبى سفیان لا ام عمار .

قال أبو جعفر الطبرى فى تاریخه ( ص 428 ج 3 طبع 1357 ه ) : كتب إلى السریّ عن شعیب عن سیف عن عبد اللّه بن سعید بن ثابت و یحیى بن سعید قالا سأل سائل سعید بن المسیب عن عمار بن یاسر ما دعاه إلى الخروج على عثمان ؟ قال كان بینه و بین عبّاس بن عتبة ابن أبى لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذاك بین آل عمار و آل عتبة شرا حتى الیوم و كنا عما ضربا علیه و فیه .

و قال الشارح المعتزلى فى الجزء الثانى من شرحه : فضربهما عثمان فاورث ذلك تعادیا بین عمار و عثمان و قد كانا تقاذفا قبل ذلك

[ 275 ]

أقول : و فی كثیر من أسفار الفریقین أن عثمان بن عفان ضربه حتى غشى علیه و أنه أمر غلمانه فمدّوا بیدیه و رجلیه ثمّ ضربه برجلیه و هما فی الخفین على مذاكیره فاصابه الفتق و كسر ضلعا من اضلاعه ، و هذا هو غیر مختلف فیه بین رواة الفریقین و انما اختلفوا فی سببه و لعلنا نأتی بها فی مباحثنا الآتیة إن شاء اللّه تعالى و هذا احد المطاعن الواردة على عثمان بلا كلام و من اعذره فیه فقد تعصب فیه و تعسف و ما له فی قوله بسلطان .

و قال غیر واحد من المفسرین و منهم الطبرسی فی مجمع البیان ان قوله تعالى من كفر باللَّه من بعد إیمانه إلاّ من اُكره و قلبه مطمئن بالایمان ( الآیة 106 من النحل ) نزل فی جماعة اكرهوا و هم عمار و یاسر أبوه و امه سمیة و صهیب و بلال و خباب عذبوا و قتل أبو عمّار یاسر و امّه سمیّة و اعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ثم أخبر سبحانه بذلك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال قوم كفر عمار فقال صلّى اللّه علیه و آله كلاّ إنّ عمارا ملى‏ء إیمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الایمان بحلمه و دمه و جاء عمّار إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هو یبكى فقال صلّى اللّه علیه و آله و ما ورائك فقال شرّ یا رسول اللّه ما تركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخیر فجعل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یمسح عینیه و یقول إن عادوا لك فعدلهم بما قلت فنزلت الآیة عن ابن عبّاس و قتادة ، و كذا فی اسد الغابة باسناده إلى علیّ بن أحمد بن متویه .

و فی كتاب نصر بن مزاحم باسناده عن محمّد بن مروان عن الكلبى عن أبی صالح عن ابن عبّاس فی قول اللّه عزّ و جل و من الناس من یشری نفسه ابتغاء مرضات اللَّه و اللَّه رؤف بالعباد قال نزلت فی رجل و هو صهیب بن سنان مولى عبد اللّه بن جذعان أخذه المشركون فی رهط من المسلمین فیهم خیر مولى قریش لبنی الحضرمی و خبّاب بن الارتّ مولى ثابت بن ام انمار و بلال مولى أبی بكر و عایش مولى حویطب بن عبد العزى و عمار بن یاسر و ابى عمار و سمیة امّ عمار فقتل أبو عمار و امّ عمار و هما اوّل قتیلین قتلا من المسلمین و عذب الآخرون بعد ما خرج النبیّ صلّى اللّه علیه و آله من مكة إلى المدینة فأرادوهم على الكفر .

[ 276 ]

فاما صهیب فكان شیخا كبیرا ذا متاع فقال للمشركین هل لكم إلى خیر ؟

فقالوا ما هو ؟ قال : أنا شیخ كبیر ضعیف لا یضركم منكم كنت او من عدوّكم و قد تكلمت بكلام أكره أن انزل عنه فهل لكم أن تأخذوا مالى و تذرونی و دینی ففعلوا فنزلت هذه الایة ، فلقاه أبو بكر حین دخل المدینة فقال : ربح البیع یا صهیب ، و قال : و بیعك لا یخسر و قرأ هذه الایة ففرح بها .

و أما بلال و خبّاب و عایش و عمّار و أصحابهم فعذّبوا حتى قالوا بعض ما أراد المشركون ثمّ ارسلوا ففیهم نزلت هذه الایة و الذین هاجروا فی اللَّه من بعد ما فتنوا لنبوئنّهم فی الدنیا حسنة و لأجر الاخرة أكبر لو كانوا یعلمون .

أقول : اكثر المفسرین ذهبوا إلى أن الایة الاولى نزلت فی علیّ علیه السّلام لیلة المبیت و ان ما نزل فی عمار و أصحابه آیة النحل الماضیة و لا بعد أن یقال أن الراوی سهى فی ذلك و اخذ آیة و من الناس من یشری مكان آیة من كفر باللَّه من بعد ایمانه و اللّه تعالى یعلم .

و فی السیرة الهشامیة ( ص 319 ج 1 طبع مصر 1375 ه ) فی تعذیب قریش لعمار بن یاسر و تصبیر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله له : قال ابن اسحاق و كانت بنو مخزوم یخرجون بعمار بن یاسر و بأبیه و امه و كانوا أهل بیت اسلام إذا حمیت الظهیرة یعذبونهم برمضاء مكّة فیمرّ بهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیقول فیما بلغنی : صبرا آل یاسر ، موعدكم الجنة فأمّا امّه فقتلوها و هی تابی إلاّ الاسلام .

و روى غیره أن عمارا قال لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ فقال له النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله : صبرا أبا الیقطان ، ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله اللهم لا تعذب أحدا من آل عمار بالنار .

و روى الفریقان أن یاسرا و سمیة أبوى عمار رضوان اللّه علیهم أول شهیدین فی الاسلام بل قیل أوّل شهید استشهد فی الاسلام امّ عمّار سمیة طعنها أبو جهل بطعنة فی قبلها أو فی قلبها على اختلاف النسخ .

و فی اسد الغابة و كان اسلام عمار بعد بضعة و ثلاثین رجلا و هو و أبوه و امّه من السابقین و اسلم عمار و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی دار الارقم هو و صهیب بن سنان فی وقت واحد .

و فیه : قال عمار لقیت صهیب بن سنان على باب دار الأقم و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله

[ 277 ]

فیها فقلت ما ترید ؟ فقال و ما ترید أنت ؟ فقلت اردت أن ادخل على محمّد و أسمع كلامه فقال و أنا ارید ذلك فدخلنا علیه فعرض علینا الاسلام فأسلمنا .

أقول : أرقم هذا هو أرقم بن أبی الأرقم و اسم أبى الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم القرشی المخزومی كان من السابقین الاولین إلى الاسلام قیل كان ثانی عشر .

و فی مجالس المؤمنین للقاضی نور اللّه الشهید ( ره ) نقلا عن الاستیعاب اسلم أرقم بعد سبعة أو عشرة .

و كان من المهاجرین الأولین و هو الّذی استخفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی داره و هی فی أصل الصفا و المسلمون معه بمكة لما خافوا المشركین فلم یزالوا بها حتّى كملوا أربعین رجلا و كان آخرهم اسلاما عمر بن الخطاب فلما كملوا به أربعین خرجوا و توفى الارقم سنة ثلاث و خمسین و هو ابن ثلاث و ثمانین سنة ، و لنعد إلى القصة :

و فی اسد الغابة باسناده إلى علقمة عن خالد بن الولید قال كان بینی و بین عمار كلام فاغلظت له فی القول فانطلق عمّار یشكونی إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فجاء خالد و هو یشكوه إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال فجعل یغلظ له و لا یزیده إلاّ غلظة و النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ساكت لا یتكلم فبكى عمار و قال یا رسول اللّه ألا تراه فرفع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله رأسه و قال من عادى عمارا عاداه اللّه و من أبغض عمارا أبغضه اللّه ، قال خالد فخرجت فما كان شی‏ء احب إلىّ من رضى عمار فلقیته فرضى .

و فیه باسناده عن عطاء بن یسار عن عائشة قالت قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما خیر عمار بین أمرین الا اختار أرشدهما .

و فی كتاب نصر بن مزاحم باسناده عن هانی بن هانی عن علیّ علیه السّلام قال :

جاء عمار بن یاسر یستأذن على النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال ائذنوا له مرحبا بالطیب ابن الطیب .

و فی اسد الغابة : مرحبا بالطیب المطیب .

و فی كتاب نصر : قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لقد ملى عمار ایمانا إلى مشاشه

[ 278 ]

و قال صلّى اللّه علیه و آله ان الجنة لتشتاق إلى ثلاثة : علىّ و عمار و سلمان .

شهد عمار قتال مسیلمة الكذاب و اصیبت اذنه یوم الیمامة فقطعت و تدلّت على كتفه ففی مجالس المؤمنین للقاضی نور اللّه و فی اسد الغابة لابن الاثیر باسناده عن ابن عمر قال رأیت عمّار بن یاسر یوم الیمامة على صخرة قد اشرف یصیح یا معشر المسلمین و كانوا قد هربوا من الحرب أمن الجنة تفرّون إلىّ إلىّ أنا عمّار ابن یاسر هلموا إلىّ قال و أنا أنظر إلى اذنه قد قطعت فهى تذبذب و هو یقاتل أشد القتال .

أقول : اما أن ما عنون فی الكتب الرجالیة فی كنیته رضوان اللّه علیه بأبی الیقظان فما وجدت فی كتاب أن یكون له ولد كان اسمه یقظان حتّى یكنى بأبی الیقظان و جاء فی كتب الادب و اللغة أن أبا الیقظان یكون كنیة للدّیك و ظنى أن عمار رضوان اللّه علیه لما كان رجلا نبیها یقظان عارفا بدین اللّه كنّى به و كان أیضا فی الحروب بطلا فحلا و شجاعا یهابه النّاس و كمّیا لم یر فى معسكر علیّ علیه السّلام بعد الأشتر مثله بل هو ممن قاتل فى سبیل اللّه من بدء ظهور الاسلام إلى یوم صفین فى المشاهد ممّا یتحیّر فیه العقول فى ثباته فى الدین و خلوصه و كان یتقیه و یحذره الابطال فى المعارك و المهالك ، كنى بأبى الیقظان كما نقول نحن فى الفارسیّة بالرجل الشجاع المصارع ، خروس جنگى ، و هذا ممّا تفردت به و لم اجده فى كتاب و ما سمعت من أحد و اللّه هو العالم .

و هاجر عمار إلى أرض الحبشة و قال ابن هشام فى السیرة : فلمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما یصیب أصحابه من البلاء و ما هو فیه من العافیة بمكانه من اللّه و من عمه أبى طالب و أنّه لا یقدر على أن یمنعهم ممّا هم فیه من البلاء ، قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكا لا یظلم عنده أحد و هى أرض صدق حتّى یجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فیه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة و فرارا إلى اللّه بدینهم فكانت أوّل هجرة كانت فى الاسلام « إلى أن قال » فى ( ص 330 ج 1 طبع 1375 ه ) بعد عدّ من هاجر من المسلمین إلى الحبشة : فكان

[ 279 ]

جمیع من لحق بأرض الحبشة و هاجر إلیها من المسلمین سوى ابنائهم الّذین خرجوا بهمم معهم صغارا و ولدوا بها ثلاثة و ثمانین رجلا ، إن كان عمار بن یاسر فیهم و هو یشك فیه .

و كذا قال فی ذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم اسلام أهل مكة ، بعد عد عدّة منهم : و من حلفاء بنی مخزوم : عمار بن یاسر ، یشكّ فیه أكان خرج إلى الحبشة أم لا ؟

و لقد شهد عمار رحمه اللّه تعالى بدرا و المشاهد كلها و أبلى ببدر بلاء حسنا و قتل فی بدر كما فی السیرة الهشامیة عامر ابن الحضرمیّ و رجلا شجاعا آخر أحد بنی عمرو بن تمیم و علیّ بن امیّة بن خلف .

قال ابن هشام : و یقال إن زید بن حارثة و عمار بن یاسر قتلا معاویة بن المغیرة بعد حمراء الأسد ، كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث و توارى فبعثهما النّبی صلّى اللّه علیه و آله و قال إنكما ستجد انه بموضع كذا و كذا فوجداه فقتلاه .

و فی غزوة ذات الرقاع كان عمار بن یاسر و عبّاد بن بشر 1 قاما على حراسة جیش الرسول صلّى اللّه علیه و آله و اصیبا فی ذلك من الالم و الاذى .

فی السیرة الهشامیة : قال ابن إسحاق و حدثنی عمّی صدقة بن یسار عن عقیل بن جابر عن جابر بن عبد اللّه الانصاری قال :

خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركین فلما انصرف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قافلا أتى زوجها و كان غائبا فلما اخبر الخبر حلف لا ینتهى حتّى یهریق فی أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله دما فخرج

-----------
( 1 ) قال ابن حجر فى التقریب : عباد بن بشر بن وقش ( بفتح الواو و القاف و بمعجمة ) الانصارى من قدماء الصحابة اسلم قبل الهجرة و شهد بدرا و ابلى یوم الیمامة ( یعنى یوم قتال المسلمین مع مسیلمة بن حبیب المتنبى الكذاب فى الیمامة بعد رحلة رسول اللّه « ص » ) فاستشهد بها .

[ 280 ]

یتبع أثر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فنزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله منزلا فقال من رجل یكلؤنا لیلتنا هذه ؟ قال فانتدب رجل من المهاجرین و رجل آخر من الانصار فقالا نحن یا رسول اللّه ، قال فكونا فی فم الشعب ، قال و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد نزلوا إلى شعب من الوادى و هما عمار بن یاسر و عباد بن بشر فیما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الانصاری للمهاجرى « یعنی قال عباد بن بشر لعمار بن یاسر » أى اللیل تحب أن أكفیكه : أوّله أم آخره ؟ قال بل اكفنى أوله قال فاضطجع المهاجرى فنام و قام الأنصاری یصلّى قال : و أتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف انه ربیئة القوم « اى الطلیعة الذی یحرس القوم » قال فرمى بسهم فوضعه فیه ، قال : فنزعه و وضعه ، فثبت قائما ،

قال : ثمّ رماه بسهم آخر فوضعه فیه ، قال فنزعه فوضعه ، و ثبت قائما ، ثمّ عادله بالثالث ، فوضعه فیه ، قال : فنزعه فوضعه ثمّ ركع و سجد ، ثمّ أهبّ صاحبه « یعنی أیقظ عمارا » فقال اجلس فقد أثبتّ « یعنی جرحت جرحا لا یمكن التحرك معه » قال : فوثب فلمّا رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به « أى علما به » فهرب .

و لما رأى المهاجری ما بالأنصاری من الدماء ، قال : سبحان اللّه أفلا أهببتنی أول ما رماك ؟ قال : كنت فی سورة أقرؤها فلم احب أن أقطعها حتى أنفدها فلما تابع على الرمى ركعت فاذنتك و ایم اللّه لو لا أن اضیع ثغرا أمرنى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بحفظه لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفدها .

و فی السیرة الهشامیة ایضا فی تكنیة الرسول صلّى اللّه علیه و آله لعلی علیه السّلام بأبى تراب فی غزوة العشیرة :

قال ابن إسحاق فحدثنی یزید بن محمّد بن خیثم المحاربى عن محمّد بن كعب القرظی عن محمّد بن خیثم أبی یزید عن عمار بن یاسر ، قال :

كنت أنا و علىّ بن أبی طالب رفیقین فی غزوة العشیرة فلما نزلها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أقام بها رأینا اناسا من بنی مدلج یعملون فی عین لهم و فی نخل فقال لی علیّ بن أبی طالب یا أبا الیقظان هل لك فی أن تأتی هؤلاء القوم فنظر كیف یعملون ؟ قال

[ 281 ]

قلت إن شئت ، قال فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثمّ غشینا النوم فانطلقت أنا و علیّ حتّى اضطجعنا فی صور من النخل و فی دقعاقعاء من التراب فنمنا فو اللَّه ما أهبّنا إلا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یحركنا برجله و قد تترّبنا من تلك الدقعاء التی نمنا فیها فیومئذ قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله لعلیّ بن أبیطالب مالك یا أبا تراب لما یرى علیه من التراب ثمّ قال ألا احدّثكما بأشقى النّاس رجلین ؟ قلنا : بلى یا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله قال : احیمر ثمود الذی عقر النّاقة و الذی یضر بك یا علی على هذه و وضع یده على قرنه حتّى یبلّ منها هذه و أخذ بلحیته . « احیمر ثمود هو الذى عقر ناقة صالح و اسمه قدار بن سالف » .

و فی السیرة الهشامیة ( ص 392 ج 1 طبع 1375 ه ) قال ابن إسحاق و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إذا جلس فی المسجد فجلس إلیه المستضعفون من أصحابه : خبّاب و عمّار ، و أبو فكیهة یسار مولى صفوان بن امیّة بن محرّث ، و صهیب و أشباههم من المسلمین هزئت بهم قریش و قال بعضهم لبعض هؤلاء أصحابه كما ترون أهولاء منّ اللَّه علیهم من بیننا بالهدى و الحق لو كان ما جاء به محمّد صلّى اللَّه علیه و آله خیرا ما سبقنا هؤلاء إلیه و ما خصّهم اللَّه به دوننا فأنزل اللَّه تعالى فیهم : و لا تطرد الذین یدعون ربهم بالغداة و العشى یریدون وجهه إلى قوله تعالى فانّه غفور رحیم ( سورة الانعام من الآیة 53 إلى 55 ) .

و لما آخى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بین أصحابه من المهاجرین و الأنصار كان عمار ابن یاسر و حذیفة بن الیمان اخوین ، و یقال عمار و ثابت بن قیس كانا اخوین ،

و فی الدر المنثور كما فی مادّة « عمر » من سفینة البحار : و كان أبو هریرة یقول إن عمار بن یاسر أجاره اللَّه من الشیطان على لسان نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله .

و لما هاجر رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إلى المدینة أمر صلّى اللَّه علیه و آله أن یبنى فی المدینة مسجدا و فی السیرة الهشامیة ( ص 496 ج 1 ) و نزل رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله على أبی أیّوب حتى بنى مسجده و مساكنه فعمل فیه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله لیرغّب المسلمین فی العمل فیه فعمل فیه المهاجرون و الأنصار و دأبوا فیه ، « إلى أن قال : » فدخل عمار بن یاسر و قد

[ 282 ]

أثقلوه باللّبن ، فقال : یا رسول اللَّه قتلونی ، یحملون علىّ ما لا یحملون . قالت امّ سلمة زوج النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فرأیت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ینفض و فرته بیده و كان رجلا جعدا و هو صلّى اللَّه علیه و آله یقول : ویح ابن سمیة ، لیسوا بالّذین یقتلونك انما تقتلك الفئة الباغیة .

و فی تاریخ الطبرى : الناس ینقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و عمار ینقل حجرین حجرین و لبنتین لبنتین رغبة فی الأجر و سیأتی تفصیله ثمّ قال ابن هشام و ارتجز علیّ بن أبیطالب علیه السّلام یومئذ :

لا یستوى من یعمر المساجدا
یدأب فیه قائما و قاعدا

و من یرى عن الغبار حائدا

فأخذها عمار بن یاسر فجعل یرتجز بها فلما أكثر ظن رجل من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إنّما یعرّض به ، فقال له الرجل سمعت ما تقول منذ الیوم یا ابن سمیّة و اللَّه إنی لأرانی سأعرض هذه العصا لأنفك ، و فی یده عصا ، فغضب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ثمّ قال : ما لهم و لعمّار یدعوهم إلى الجنة و یدعونه إلى النار ، و إن عمارا جلدة ما بین عینیّ و أنفی فاذا بلغ ذلك من الرّجل فلم یستبق فاجتنبوه .

أقول : ذلك الرجل هو عثمان بن عفان كما صرّح به غیر واحد من الفریقین و قال السهیلی و قد سمى ابن إسحاق الرّجل و كره ابن هشام أن یسمّیه كى لا یذكر أحدا من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بمكروه ، و قال أبوذر : و قد سمى ابن إسحاق الرجل فقال إن هذا الرجل هو عثمان بن عفان . و فی المواهب اللدنیة ان الرجل هو عثمان ابن مظعون و هو خطأ جدا و ظن محض لا یساعده خبر و لا أثر و عدل إلیه لبعض شأنه .

قال ابن هشام فی السیرة : و ذكر سفیان بن عیینة عن زكریا عن الشّعبی قال : إن أوّل من بنى مسجدا عمار بن یاسر .

أقول : یعنی بهذا الحدیث مسجد قبا لأن عمارا هو الذی أشار على النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله ببنیانه و هو جمع الحجارة له فلما أسّسه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله استتم بنیانه عمار ، كما

[ 283 ]

فی روض الأنف ، و قال فی اسد الغابة : و من مناقبه أنه أوّل من بنى مسجدا فی الاسلام ، و قال باسناده عن الحكم بن عیینة قال قدم رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله المدینة أوّل ما قدمها ضحى فقال عمار ما لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بدّ من أن نجعل له مكانا إذا استظل من قائلته لیستظلّ فیه و یصلى فیه فجمع حجارة فبنى مسجد قبا فهو أوّل مسجد بنى و عمار بناه .

و فی مادة « عمر » من سفینة البحار : عن أبی عبیدة بن محمّد بن عمار عن أبیه عن جدّه عمار قال كنت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فی بعض غزواته و قتل علیّ علیه السّلام أصحاب الألویة و فرّق جمعهم و قتل عمرو بن عبد اللَّه الجمحى و قتل شیبة بن نافع اتیت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فقلت یا رسول اللَّه إنّ علیّا علیه السّلام قد جاهد فی اللَّه حق جهاده فقال صلّى اللَّه علیه و آله لانه منى و أنا منه وارث علمی و قاضی دینی و منجز وعدى و الخلیفة بعدی و لولاه لم یعرف المؤمن المحض بعدی ، حربه حربی و حربی حرب اللَّه و سلمه سلمى و سلمی سلم اللَّه الا انه أبو سبطی و الأئمة بعدی من صلبه یخرج اللَّه تعالى الأئمة الراشدین و منهم مهدیّ هذه الامّة .

فقلت بأبی أنت و امی یا رسول اللَّه ما هذا المهدی ؟


قال صلّى اللَّه علیه و آله یا عمّار إنّ اللَّه تبارك و تعالى عهد إلىّ انّه یخرج من صلب الحسین علیه السّلام أئمة تسعة و التاسع من ولده یغیب عنهم و ذلك قوله عزّ و جلّ قل أرایتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن یأتیكم بماء معین یكون له غیبة طویلة یرجع عنها قوم و یثبت علیها آخرون فاذا كان فی آخر الزمان یخرج فیملا الدنیا قسطا و عدلا و یقاتل على التاویل كما قاتلت على التنزیل و هو سمیّى و أشبه الناس بی یا عمار ستكون بعدى فتنة فاذا كان كذلك فاتّبع علیا و حزبه فانه مع الحق و الحق معه یا عمّار إنك ستقاتل مع علیّ علیه السّلام صنفین : الناكثین و القاسطین ، ثمّ تقتلك الفئة الباغیة قلت یا رسول اللَّه ألیس ذلك على رضا اللَّه و رضاك ؟ قال نعم على رضا اللَّه و رضاى و یكون آخر زادك شربة من لبن تشربه .

فلمّا كان یوم صفین خرج عمار بن یاسر إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال له یا أخا

[ 284 ]

رسول اللَّه أتأذن لی فی القتال قال مهلا رحمك اللَّه فلمّا كان بعد ساعة اعاد علیه الكلام فأجابه بمثله فأعاده ثالثا فبكى أمیر المؤمنین علیه السّلام فنظر إلیه عمّار فقال یا أمیر المؤمنین انه الیوم الّذی وصف لى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله .

فنزل أمیر المؤمنین علی بغلته و عانق عمّارا و ودّعه ثمّ قال یا أبا الیقظان جزاك اللَّه عن اللَّه و عن نبیّك خیرا فنعم الاخ كنت و نعم الصاحب كنت ثمّ بكى علیه السّلام و بكى عمار ثمّ برز إلى القتال و ذكر قتاله إلى أن قتل رضى اللَّه عنه فلما كان اللیل طاف أمیر المؤمنین علیه السّلام فی القتلی فوجد عمّارا ملقى فجعل رأسه على فخذه ثمّ بكى و أنشأ :

أیا موت كم هذا التفرق عنوة
فلست تبقى لى خلیل خلیل

الا یا أیها الموت الذی لیس تاركى
ارحنى فقد افنیت كلّ خلیل

اراك بصیرا بالذین احبهم
كانك تمضى نحوهم بدلیل

و فی روایة ابن أعثم فأتاه علىّ علیه السّلام و قال إنّا للَّه و إنّا إلیه راجعون إن امرءا لم یدخل علیه مصیبة من قتل عمار فما هو فى الاسلام من شى‏ء ثمّ صلّى علیه و قرء هاتین البیتین .

و نقل انه لما قتل یوم صفین احتمله أمیر المؤمنین علیه السّلام إلى خیمته و جعل یمسح الدم عن وجهه و یقول :

و ما ظبیة تسبى الظباء بطرفها
إذا نبعثت خلنا باجفانها سحرا

بأحسن ممّن خضّب السیف وجهه
دما فى سبیل اللَّه حتّى قضى صبرا

و قتل ( ره ) فى صفین فى الیوم التاسع من صفر عند المساء سنة سبع و ثلاثین و سنّه إذ ذاك تزید على التسعین فقال بعض و هو یومئذ ابن أربع و تسعین سنة و قال آخر و له ثلاث و تسعون سنة و الظاهر أن الثانی أخذ السنین تامّة دون الاوّل و نقل ابن الاثیر فى اسد الغابة قولا آخر بعد القولین : و قیل احدى و تسعون .

قال أبو جعفر الطبری فى تاریخه : قال أبو مخنف حدثنى عبد الملك بن أبى حر الحنفى أن عمّار بن یاسر خرج إلى النّاس فقال اللهمّ إنك تعلم أنى لو أعلم أن

[ 285 ]

رضاك فى أن أقذف بنفسى فى هذا البحر لفعلته ، اللهم إنّك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك فى أن أضع ظبة سیفى فى صدرى ثمّ انحنى علیها حتى تخرج من ظهری لفعلت و إنى لا أعلم الیوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقین و لو أعلم أن عملا من الأعمال هو أرضى لك منه لفعلته .

ثمّ قال : قال أبو مخنف و حدّثنی الصقعب بن زهیر الأزدى قال سمعت عمارا یقول و اللَّه إنّى لأرى قوما لیضربنكم ضربا یرتاب منه المبطلون و ایم اللَّه لو ضربونا حتى یبلغوا بناسعفات هجر لعلمنا أنا على الحق و أنهم على الباطل .

و فى مروج الذهب قال عمّار بن یاسر إنّی لأرى وجوه قوم لا یزالون یقاتلون حتّى یرتاب المبطلون و اللَّه لو هزمونا حتى یبلغوا بناسعفات هجر لكنا على الحق و كانوا على الباطل .

أقول : هرج محركة بلد بالیمن مذكر مصروف و قد یؤنث و یمنع من الصرف و هجر هذه معروفة بكثرة التمر و النخیل و منه المثل المعروف : كناقل التمر إلى هجر ، و فى النهایة الاثیریة هجر اسم بلد معروف بالبحرین و هو مذكر مصروف ،

و الظاهر انما صحف من النساخ الیمن بالبحرین و لا بعد فیه و كم له من نظیر ،

و هجر أیضا قریة من قرى المدینة تنسب الیها القلال ، و المراد هنا هجر الاولى بقرینة السعفات كما هو ظاهر كلام ابن الانیر فى مادة « سعف » من النهایة قال : و فى حدیث عمار لو ضربونا حتّى یبلغوا بنا سعفات هجر ، السعفات جمع سعفة بالتحریك و هى أغصان النخیل و قیل إذا یبست سمیت سعفة و إذا كانت رطبة فهى شطبة و إنما خصّ هجر للمباعدة فى المسافة و لانها موصوفة بكثرة النخیل .

و فى اسد الغابة : « حتى یبلغوا بناشعاب هجر » و لكن فى كتاب نصر بن مزاحم و نهایة ابن الأثیر و تاریخ الطبری و بحار المجلسى و غیرها « سعفات هجر » و هذه اولى من الاولى لمكان النخیل و یشبه ان تكون الاولى مصحفة و یؤید قولنا ترجمة القاضى نور اللَّه الشهید الحدیث بالفارسیة حیث قال فى مجالس المؤمنین : و اللَّه اگر شما بر ما چنان غالب میشدید كه تا نخلستان هجر ما را میگریزانید بیقین خواهیم

[ 286 ]

دانست كه ما بر حقیم و شما بر باطل .

و معنى قوله رضوان اللَّه علیه « حتّى یرتاب المبطلون » أن هؤلاء الفئة الباغیة اعنى جنود معاویة لما ضربوا و قتلوا من كان ناصرا و ممدا لأهل الحق اعنى احزاب علیّ علیه السّلام فعند ذلك یقول من لم یكن على النهج القویم و الصراط المستقیم لو لم یكن معاویة و اتباعه على حق لما ظهروا على علیّ علیه السّلام و أشیاعه و هذا ریب یعتریه كما نرى كثیرا من رذلة الناس و سفلتهم عند منازعة أهل الحق و الباطل فی أمر لو منع أهل الحق من عمله و انفاذ أمره یقولون لو كانوا على حق لما ظهر هؤلاء علیهم و أما من كان على بصیرة فی دینه فیقول : و اللَّه لو هزمونا حتّى یبلغوا بنا سعفات هجر لكنا على الحق و كانوا على الباطل . و لنعد إلى القصة :

قال الطبرى باسناده عن زید بن وهب الجهنی : أن عمار بن یاسر رحمه اللَّه قال یومئذ أین من یبتغی رضوان اللَّه علیه و لا یؤب إلى مال و لا ولد ؟ فاتته عصابة من الناس فقال أیها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الّذین یبغون دم ابن عفان و یزعمون انه قتل مظلوما و اللَّه ما طلبتم بدمه و لكن القوم ذاقوا الدنیا فاستحبوها و استمرؤها و علموا أن الحق إذا لزمهم حال بینهم و بین ما یتمرغون فیه من دنیاهم و لم یكن للقوم سابقة فی الاسلام یستحقون بها طاعة الناس و الولایة علیهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوما لیكونوا بذلك جبابرة ملوكا و تلك مكیدة بلغوا بها ما ترون و لو لا هی ما تبعهم من النّاس رجلان ، اللهم إن تنصرنا فطال ما نصرت و إن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا فى عبادك العذاب الألیم ، ثمّ مضى و مضت تلك العصابة التى أجابته حتى دنا من عمرو فقال یا عمرو بعت دینك بمصر تبّا لك تبّا طالما بغیت فی الاسلام عوجا .

و قال الطبرى و نصر بن مزاحم : ثمّ قال عمار لعبید اللَّه بن عمر بن الخطاب صرعك اللَّه بعت دینك من عدو الأسلام و ابن عدوّه .

قال كلا و لكن أطلب بدم عثمان بن عفان الشهید المظلوم قال له أشهد على علمى فیك أنك أصبحت لا تطلب بشی‏ء من فعلك وجه اللَّه عزّ و جلّ و أنك ان لم تقتل

[ 287 ]

الیوم فستموت غدا فانظر إذا أعطى اللَّه العباد على قدر نیّاتهم ما نیّتك .

و قال الطبری فی تاریخه باسناده عن أبی عبد الرّحمن السلمی قال سمعت عمار بن یاسر بصفین و هو یقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الرایة ثلاثا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و هذه الرابعة ما هی بأبرّ و لا أتقى .

أقول : كان عمرو بن العاص عامل عمر بن الخطاب على مصر إلى السنة التی قتل فیها فلما ولى عثمان اقره سنتین من إمارته ثمّ عزل عمرا و استعمل عبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح و كان عثمان لا یعزل أحدا إلاّ عن شكاة أو استعفاء من غیر شكاة و لم یكن عزله عمرا عن استعفائه ، و كتب عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان یقول إن عمرا كسر الخراج فكتب عثمان إلى عمرو انصرف و ولى عبد اللَّه بن السعد الخراج و الجند فقدم عمرو مغضبا فدخل عمرو على عثمان و علیه جبة یمانیة محشوة قطنا فقال له عثمان : ما حشوجبتك ؟ قال عمرو . قال عثمان : قد علمت أن حشوها عمرو و لم ارد هذا إنما سألت أقطن هو أم غیره . قال الطبری فى تاریخه بعث عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قد حشد فیه ، فدخل عمرو على عثمان فقال عثمان یا عمرو هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك ؟ فقال عمرو إن فصالها هلكت .

ثمّ شایع عمر و معاویة فى حرب علىّ علیه السّلام طمعا أن یجعل عاملا على مصر ثانیا و یتولى أمرها فمراد عمار ( ره ) من قوله « یا عمرو بعت دینك بمصر » أن عمرا باع دینه بازاء امارة مصر كقولك بعت هذا الثوب بهذا الدرهم و اصدق شاهد لنا على ذلك ما نص به نصر بن مزاحم فى كتابه صفین و النصر هذا من رجال أصحاب الحدیث الاقدمین و كان من معاصری محمّد بن علىّ بن الحسین علیهم السّلام باقر علوم الاولین و الآخرین و كتابه سند لمن جاء بعده من المورخین و تعرض لترجمته و توثیقه غیر واحد من العلماء الشامخین كالشیخ الطوسى ( ره ) فى الفهرست و العلامة فى الخلاصة و النجاشىّ فى رجاله و ابن الندیم فى الفهرست و قال ابن أبى الحدید فى شرحه على النهج : نصر بن مزاحم فى نفسه ثبت صحیح النقل غیر منسوب إلى هوى و لا ادغال و هو من رجال أصحاب الحدیث .

و بالجملة قال نصر فى ذلك الكتاب ( ص 22 الطبع الناصری ) بإسناده قال

[ 288 ]

قال معاویة لعمرو یا ابا عبد اللَّه إنى ادعوك إلى جهاد هذا الرّجل الّذى عصى ربه و قتل الخلیفة و اظهر الفتنة و فرق الجماعة و قطع الرحم ، قال عمرو : إلى من ؟ قال إلى جهاد علىّ ، قال : فقال عمرو و اللَّه یا معاویة ما أنت و علىّ بعكمى بعیر 1 مالك هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا جهاده و لا فقهه و لا علمه و اللَّه إن له مع ذلك حدا و حدودا و حظا و حظوة و بلاء من اللَّه حسنا ، فما تجعل لى إن شایعتك على حربه و أنت تعلم ما فیه من الغرر و الخطر و قال حلمك قال مصر طعمة فتلكا علیه معاویة .

و مضى من تاریخ الطبری أیضا أن عمرا قال لمعاویة : ان فى النفس من ذلك ما فیها حیث نقاتل من تعلم سابقته و قرابته و لكنّا انما اردنا هذه الدنیا فصالحه معاویة و عطف علیه .

و یأتى فى ذلك كتابه علیه السّلام إلى عمرو حیث یقول : فانك جعلت دینك تبعا لدنیا امرء ظاهر غیه إلى آخر ما قال علیه السّلام ، نعوذ باللَّه من الوساوس النفسانیة و التسویلات الشیطانیة فانظر كیف استحوذ الشیطان على ابن العاصى الداهى المارد فباع حظه بالارذل الادنى و شرى آخرته بالثمن الاوكس و تغطرس و تردى فى هواه قال المسعودى فى مروج الذهب : و قد كان عمرو بن العاص انحرف عن عثمان لانحرافه و تولیة مصر غیره فنزل الشام فلمّا اتصل به امر عثمان و ما كان من بیعة على كتب إلى معاویة یهزه و یشیر إلیه بالمطالبة بدم عثمان و كان فیما كتب به إلیه : ما كنت صانعا إذا قشرت من كل شى‏ء تملكه فاصنع ما أنت صانع ،

فبعث إلیه معاویة فسار إلیه فقال له معاویة بایعنى قال و اللَّه لا أعینك من دینى حتّى أنال من دنیاك ، قال سل ، قال مصر طعمة فاجابه إلى ذلك و كتب له به كتابا و قال عمرو بن العاص فى ذلك .

معاوى لا أعطیك دینى و لم أنل
به منك دنیا فانظرن كیف تصنع

فان تعطنى مصرا فاربح صفقة
اخذت بها شیخا یضرّ و ینفع

-----------
( 1 ) العكم بالكسر وثاق الجمل و العكمان العدلان و قوله : ما أنت و على علیه السلام بعكمى بعیر أى لست ممن تعادله و تساویه

[ 289 ]

و مراد عمّار ( ره ) من قوله « عدو الاسلام و ابن عدوه » : معاویة و أبوه أبو سفیان و مراده من قوله « لقد قاتلت صاحب هذه الرایة ثلاثا » المواطن الثلاثة : بدر واحد و حنین . كما فی كتاب نصر بن مزاحم حیث قال باسناده عن زید بن أبی رجاء عن أسماء بن الحكم الفزاری قال كنّا بصفّین مع علیّ بن أبیطالب تحت رایة عمّار بن یاسر ارتفاع الضحى استظلنا ببرد أحمر إذ أقبل رجل یستقری الصف حتّى انتهى إلینا فقال أیكم عمّار بن یاسر ؟ فقال عمار بن یاسر هذا عمار ، قال أبو الیقظان ؟ قال : نعم ، قال : إن لی حاجة إلیك فأنطق بها علانیة أو سرا ؟ قال اختر لنفسك أىّ ذلك شئت قال لا بل علانیة قال فانطق ، قال : إنى خرجت من أهلی مستبصرا فی الحق الّذی نحن علیه لا أشك فی ضلالة هؤلاء القوم و إنهم على الباطل فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى كان لیلتی هذه صباح یومنا هذا فتقدم منادینا فشهد ان لا إله إلا اللَّه و أن محمّدا رسول اللَّه و نادى بالصلاة فنادى منادیهم بمثل ذلك ثمّ اقیمت الصّلاة فصلّینا صلاة واحدة و دعونا دعوة واحدة و تلونا كتابا واحدا و رسولنا واحد فأدركنى الشك فی لیلتى فبت بلیلة لا یعلمها إلا اللَّه حتى أصبحت فأتیت أمیر المؤمنین فذكرت ذلك له فقال هل لقیت عمار بن یاسر قلت لا قال فالقه فانظر ما یقول لك فاتبعه فجئتك لذلك قال له عمّار هل تعرف صاحب الرایة السوداء لمقابلتی فانها رایة عمرو بن العاص قاتلتها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ثلاث مرّات و هذه الرابعة ما هى بخیرهن و لا أبرهن بل هى شرهن و أفجرهن أشهدت بدرا واحدا و حنینا أو شهدها لك أب فیخبرك عنها ؟ قال : لا ، قال فإن مراكزنا على مراكز رایات رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یوم بدر و یوم احد و یوم حنین و إن هؤلاء على مراكز رایات المشركین من الاحزاب هل ترى هذا العسكر و من فیه فو اللَّه لوددت أن جمیع من أقبل مع معاویة ممن یرید قتالنا مفارقا للّذى نحن علیه كانوا خلقا واحدا فقطعته و ذبحته و اللَّه لدماؤهم جمیعا أحلّ من دم عصفور أفترى دم عصفور حراما ؟ قال لا بل حلال قال فانهم كذلك حلال دماؤهم ، أترانى قد بیّنت لك ؟ قال : قد بیّنت لی ، قال : فاختر أى ذلك أحببت قال فانصرف الرجل ثمّ دعاه عمّار بن یاسر فقال

[ 290 ]

أما إنهم سیضربوننا بأسیافهم حتى یرتاب المبطلون منكم فیقولون لو لم یكونوا على حق ما ظهروا علینا و اللَّه ما هم من الحق على ما یقذی عین ذباب و اللَّه لو ضربونا بأسیافهم حتّى یبلغونا سعفات هجر لعرفت أنا على حق و هم على باطل و أیم اللَّه لا یكون سلما سلما أبدا حتّى یبؤ أحد الفریقین ( كذا ) على أنفسهم بأنهم كانوا كافرین و حتى یشهدوا على الفریق الآخر بأنهم على الحق و أن قتلا هم فی الجنة و موتاهم و لا ینصرم أیام الدنیا حتى یشهدوا بأن موتاهم و قتلاهم فی الجنة و أن موتى أعدائهم و قتلاهم فی النار و كان أحیاؤهم على الباطل .

و قال نصر بن مزاحم باسناده عن عبد خیر الهمدانی قال نظرت إلى عمار بن یاسر یوما من أیّام صفین رمى رمیة فاغمى علیه و لم یصلّ الظهر و العصر و المغرب و لا العشاء و لا الفجر ثمّ أفاق فقضاهن جمیعا یبدء باول شی‏ء فاته ثم التی یلیها .

أقول : انّ عمارا متى ضربه عثمان غشى علیه و ادركته هذه الحالة أیضا كما فی الشافی للشریف المرتضى علم الهدى كما نقله الشارح المعتزلی فی الجزء الثالث من شرح النهج فی مطاعن عثمان .

قال علم الهدى : و هذا الفعل اعنى ضرب عمار لم تختلف الرواة فیه و انّما اختلفوا فی سببه فروى عباس بن هشام الكلبی عن أبی مخنف فى إسناده أنه كان فی بیت المال بالمدینة سفط فیه حلى و جوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله فاظهر الناس الطعن علیه فى ذلك فكلموه فیه بكلّ كلام شدید حتى غضبوه فخطب فقال لناخذن حاجتنا من هذا الفى‏ء و ان رغمت به انوف اقوام فقال له إذن تمنع من ذلك و یحال بینك و بینه فقال عمار اشهد اللَّه ان انفى أوّل راقم « غم ظ » من ذلك فقال عثمان أعلىّ یا ابن یاسر تجرى ؟ خذوه فاخذ و دخل عثمان فدعابه فضربه حتى غشى علیه ثمّ اخرج فحمل حتى اتى به منزل ام سلمة فلم یصلّ الظهر و العصر و المغرب فلما أفاق توضأ و صلّى و قال الحمد للَّه لیس هذا أوّل یوم او ذینا ، انتهى .

و فى البحار كما فی السفینة نقلا عن رجال الكشىّ عن قیس بن أبى حازم قال : قال عمار ادفنونى فى ثیابى فانى مخاصم و كذا فى اسد الغابة و عن أبى البخترى

[ 291 ]

قال : اتى عمّار یومئذ بلبن فضحك ثمّ قال قال لى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله آخر شراب تشربه من الدنیا مذقة من لبن حتى تموت .

و فیه و فى خبر آخر أنّه قال آخر زادك من الدنیا ضیاح لبن ، و فى كشف الغمة عن حبة العرنى قال شهدته یوم قتل یقول إیتونى بآخر رزق لى من الدنیا فاتى بضیاح من لبن فى قدح اروح بحلقة حمراء فقال الیوم القى الاحبة محمّدا و حزبه و قال و اللَّه لو ضربونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمت انا على الحق و أنهم على الباطل ثمّ قتل رضى اللَّه عنه قتله أبو العادیة و احتز رأسه أبو جوى السكسكى . 1 و فیه و كان الّذی قتل عمارا أبو عادیة المرى طعنه برمح فسقط و كان یومئذ یقاتل و هو ابن أربع و تسعین سنة فلما وقع أكبّ علیه رجل فاحتزر رأسه فأقبلا یختصمان كلاهما یقول أنا قتلته فقال عمرو بن العاص و اللَّه ان یختصمان إلاّ فى النار .

و فى تاریخ الطبری باسناده عن حبة بن جوین العرنى قال انطلقت أنا و أبو مسعود إلى حذیفة بالمدائن فدخلنا علیه فقال مرحبا بكما ما خلفتما من قبائل العرب أحدا أحبّ إلىّ منكما فاسندته إلى أبى مسعود فقلنا یا أبا عبد اللَّه حدثنا فانا نحاف الفتن فقال علیكما بالفتنة التى فیها ابن سمیة انى سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یقول تقتله الفئة الباغیة الناكبة عن الطریق و ان آخر رزقه ضیاح من لبن ، قال حبة فشهدته یوم صفین و هو یقول : ائتونى بآخر رزق لى من الدنیا فاتى بضیاح من لبن فى قدح أروح له حلقة حمراء فما أخطأ حذیفة مقیاس شعرة فقال الیوم ألقى الأحبة محمّدا و حزبه و اللَّه لو ضربونا حتى یبلغوا بناسعفات هجر لعلمنا أنا على الحق و أنهم على الباطل و جعل یقول الموت تحت الأسل و الجنة تحت البارقة .

-----------
( 1 ) اختلفت النسخ فى اسمهما لعنهما اللَّه ففى مروج الذهب ابو الهادیة العاملى و ابو حواء السكسكى و فى كشف الغمة أبو العادیة و أبو جوى السكسكى و فى بعضها أبو عادیة المرى و فى كتاب صفین لنصر بن مزاحم ابو العادیة الفزارى و ابن جون السكسكى و یشبه ان یكون ابو حواء اصح لمكان الشعر الاتى للحجاج بن عربة الانصارى و اما الاخر فما فى كتاب صفین .

[ 292 ]

و فیه باسناده عن الأعمش قال : قال أبو عبد الرّحمن السلمی كنا مع علیّ علیه السّلام بصفین فكنّا قد و كلنا بفرسه رجلین یحفظانه و یمنعانه من أن یحمل فكان إذا حانت منهما غفلة یحمل فلا یرجع حتّى یخضب سیفه و إنه حمل ذات یوم فلم یرجع حتى انثنى سیفه فألقاه إلیهم و قال لو لا أنه انثنى ما رجعت فقال الاعمش هذا و اللَّه ضرب غیر مرتاب فقال أبو عبد الرحمن سمع القوم شیئا فأدوه و ما كانوا بكذا بین ، قال :

و رأیت عمارا لا یأخذ وادیا من أودیة صفین إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و رأیته جاء إلى المر قال هاشم بن عتبة و هو صاحب رایة علیّ علیه السّلام فقال یا هاشم أعورا و جبنا لا خیر فی أعور لا یغشى البأس فاذا رجل بین الصفین قال هذا و اللَّه لیخلفن إمامه و لیخذلن جنده و لیصرنّ جهده اركب یا هاشم فركب و مضى هاشم یقول :

أعور یبغى أهله محلاّ
قد عالج الحیاة حتى ملاّ

لا بد أن یفلّ أو یفلاّ

و عمّار یقول تقدم یا هاشم الجنّة تحت ظلال السیوف و الموت فی أطراف الاسل و قد فتحت أبواب السماء و تزینت الحور العین ألیوم ألقى الأحبة محمّدا و حزبه فلم یرجعا و قتلا یفید لك علیهما من كان هناك من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله أنهما كانا علما فلما كان اللیل قلت لأدخلن إلیهم حتّى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا و كنّا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلینا و تحدثنا إلیهم فركبت فرسى و قد هدأت الرجل ثم دخلت فإذا أنا بأربعة یتسایرون : معاویة و أبو الأعور السلمی و عمرو بن العاص و عبد اللَّه بن عمرو هو خیر الأربعة فأدخلت فرسى بینهم مخافة أن یفوتنی ما یقول أحد الشقین فقال عبد اللَّه لأبیه یا أبت قتلتم هذا الرجل فی یومكم هذا و قد قال فیه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ما قال ، قال : و ما قال ؟ قال أ لم تكن معنا و نحن نبنى المسجد و النّاس ینقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و عمار ینقل حجرین حجرین و لبنتین لبنتین فغشى علیه فأتاه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فجعل یمسح التراب عن وجهه و یقول ویحك یا ابن سمیة الناس ینقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و أنت تنقل حجرین حجرین و لبنتین لبنتین رغبة منك فى الأجر و أنت ویحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغیة فدفع عمرو صدر فرسه

[ 293 ]

ثمّ جذب معاویة إلیه فقال یا معاویة أما تسمع ما یقول عبد اللَّه ؟ قال و ما یقول ؟

فأخبره الخبر ، فقال معاویة إنك شیخ اخرق و لا تزال تحدث بالحدیث و أنت تدحض فی بولك أو نحن قتلنا عمارا إنما قتل عمارا من جاء به فخرج الناس من فساطیطهم و أخبیتهم یقولون إنما قتل عمارا من جاء به فلا أدرى من كان أعجب هو أوهم .

و فی كتاب نصر بن مزاحم باسناده عن حبیب بن أبی ثابت قال لما بنى المسجد جعل عمار یحمل حجرین فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یا أبا الیقظان لا تشقق على نفسك قال یا رسول اللَّه انى احب أن أعمل فی هذا المسجد قال ثمّ مسح ظهره ثمّ قال انك من أهل الجنّة تقتلك الفئة الباغیة .

و قال نصر باسناده عن ابن أبی ملیكة قال : قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص لو لا أن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله أمر بطواعیتك ما سرت معك هذا المسیر أما سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یقول لعمار : یقتلك الفئة الباغیة .

أقول : الطّواعیة مثل الثمانیة : الطاعة ، یقال فلان حسن الطواعیة أى حسن الطاعة .

و روى أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله قال له : أطع أباك كما فی أسد الغابة حیث قال :

و شهد عبد اللَّه بن عمرو مع أبیه فتح الشام و كانت معه رأیة أبیه یوم الیرموك و شهد معه أیضا صفین و كان على المیمنة ، قال له أبوه : یا عبد اللَّه اخرج فقاتل فقال یا أبتاه أتامرنی أن أخرج فاقاتل و قد سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یعهد إلىّ ما عهد ؟ قال : انشدك باللَّه یا عبد اللَّه أ لم یكن آخر ما عهد الیك رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله أن أخذ بیدك فوضعها فى یدى و قال : أطع أباك ، قال : اللهم بلى قال فانی أعزم علیك أن تخرج فتقاتل فخرج فقاتل و تقلد بسیفین و ندم بعد ذلك فكان یقول مالی و لصفین مالى و لقتال المسلمین لوددت انى مت قبله بعشرین سنة .

و فیه أیضا بإسناده عن إسماعیل بن رجاء عن أبیه قال كنت فى مسجد الرسول صلّى اللَّه علیه و آله فى حلقة فیها أبو سعید الخدری و عبد اللَّه بن عمرو فمرّ بنا حسین بن علىّ علیهما السّلام فسلّم فرد القوم السلام فسكت عبد اللَّه حتّى فرغوا رفع صوته و قال و علیك السلام و رحمة اللَّه و بركاته .