[ 316 ]

فتحاثوا بالتراب یحثّ بعضهم فى وجوه بعض التراب ثمّ تعانقوا و تكادموا و تراموا بالصخر و الحجارة ثمّ تحاجزوا فجعل الرجل من أهل العراق یمرّ على أهل الشام فیقول من أین آخذ إلى رایات بنى فلان فیقولون ههنا لا هداك اللَّه ، و یمرّ الرجل من أهل الشام على أهل العراق فیقول كیف آخذ إلى رایات بنى فلان فیقولون ههنا لا حفظك اللَّه و لا عافاك .

قال المسعودى : و لما قتل عمّار و من ذكرنا فى هذا الیوم حرض على علیه السّلام النّاس و قال لربیعة انتم درعى و رمحى فانتدب له ما بین عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربیعة و غیرهم قد جادوا بانفسهم للَّه عزّ و جلّ و على علیه السّلام أمامهم على البغلة الشهباء و هو یقول :

اىّ یومىّ من الموت افرّ
یوم لم یقدر ام یوم قدر

و حمل و حملوا معه حملة رجل واحد فلم یبق لأهل الشام صف إلاّ انتقض و اهمدوا كلّ ما أتوا علیه حتّى أتوا إلى قبة معاویة و علیّ علیه السّلام لا یمرّ بفارس إلا قده و هو یقول :

اضربهم و لا أرى معاویة
الاخزر العین العظیم الهاویة

تهوى به فى النار ام هاویة

و قیل إن هذا الشعر لبدیل بن ورقاء قاله فى ذلك الیوم .

ثمّ نادى على علیه السّلام یا معاویة علام یقتل الناس بین و بینك هلم احاكمك إلى اللَّه فأینا قتل صاحبه استقامت له الامور فقال له عمرو : قد أنصفك الرجل ، فقال له معاویة : ما أنصفت و انك لتعلم أنّه لم یبارزه رجل قط إلاّ قتله أو أسره فقال له عمرو و ما تجمل بك إلا مبارزته فقال له معاویة : طمعت فیها بعدى و حقدها علیه .

أقول : لا یخفى ان قوله علیه السّلام هذا ثمّ نادى على علیه السّلام یا معاویة علام یقتل النّاس اه غایة الكرم و الشجاعة و الانصاف و المروئة كما اعترف به الخصم العنود و یناسب المقام قول المتنبّی :

كلّ یرید رجاله لحیاته
یا من یرید حیاته لرجاله

و قال عبد الرحمن البرقوقی فی شرح دیوان المتنبّى ( ص 234 ج 3 طبع مصر 1357 ه )

[ 317 ]

و قد بنى المتنبّى هذا البیت على حكایة وقعت لسیف الدولة مع الاخشید و ذلك انّه جمع جیشا و زحف به على بلاد سیف الدولة فبعث الیه سیف الدولة یقول : لا تقتل النّاس بینی و بینك و لكن ابرز إلیّ فأینا قتل صاحبه ملك البلاد فامتنع الاخشید و وجه الیه یقول : ما رأیت أعجب منك أأجمع مثل هذا الجیش العظیم لأقی به نفسى ثمّ ابارزك ؟ و اللَّه لا فعلت ذلك ابدا .

ثمّ قال المسعودی : و قد قیل فی بعض الروایات ان معاویة اقسم على عمرو لما اشار علیه بهذا ان یبرز إلى علىّ فلم یجد عمرو من ذلك بدّا فبرز فلما التقیا عرفه علىّ علیه السّلام و شال السیف لیضربه به فكشف عمرو عن عورته و قال مكره اخوك لا بطل فحوّل على علیه السّلام وجهه و قال قبحت و رجع عمرو إلى مصافه .

و قد ذكر نصر بن مزاحم فى كتاب الصفین : ثمّ ان معاویة لما اسرع أهل العراق فی أهل الشام قال هذا یوم تمحیص ان القوم قد اسرع فیهم كما اسرع فیكم اصبروا یومكم هذا و خلاكم ذم و حضّض على علیه السّلام أصحابه فقام الیه الاصبغ بن نباتة التمیمى فقال یا أمیر المؤمنین انك جعلتنى على شرطة الخمیس و قدمتنی فی الثقة دون النّاس و انك الیوم لا تفقد لی صبرا و لا نصرا أما أهل الشام فقد هدّهم ما اصبنا منهم و نحن ففینا بعض البقیة فاطلب بنا امرك و اذن لی فی التقدم فقال له علی علیه السّلام تقدّم بسم اللَّه .

و اقبل الاحنف بن قیس السعدى فقال یا أهل العراق و اللَّه لا تصیبون هذا الامر اذل عنقا منه الیوم قد كشف القوم عنكم قناع الحیا و ما یقاتلون على دین و ما یصبرون الاحیاء فتقدموا فقالوا انا ان تقدّمنا الیوم فقد تقدمنا أمس فما تقول یا أمیر المؤمنین ؟

قال : تقدموا فی موضع التقدم و تأخروا فی موضع التأخر تقدموا من قبل ان یتقدموا الیكم و حمل أهل العراق و تلقاهم أهل الشام فاجتلدوا و حمل عمرو بن العاص معلما و هو یقول :

شدّوا علىّ شكّتى لا تنكشف
بعد طلیح و الزّبیر فاتلف

یوم لهمدان و یوم للصّدف
و فی تمیم نحوه لا تنحرف

[ 318 ]

أضربها بالسیف حتى تنصرف
إذا مشیت مشیة العود الصلف

و مثلها لحمیر او شنحرف
و الرّبعیون لهم یوم عصف

فاعترضه على علیه السّلام و هو یقول :

قد علمت ذات القرون المیل
و الحصر و الانامل الطفول

انّی بنصل السیف خنشلیل
أحمى و أرمی أوّل الرعیل

بصارم لیس بذى فلول

ثمّ طعنه فصرعه و اتّقاه عمرو برجله فبدت عورته فصرف علىّ علیه السّلام وجهه عنه وارتث فقال القوم افلت الرجل یا أمیر المؤمنین قال و هل تدرون من هو ؟ قالوا لا . قال :

فانه عمرو بن العاص تلقانی بعورته فصرفت وجهی عنه و رجع عمرو إلى معاویة فقال له ما صنعت یا عمرو قال لقانی علیّ فصر عنی قال احمد اللَّه و عورتك أما و اللَّه ان لو عرفته ما اقتحمت علیه و قال معاویة فی ذلك شعر :

ألا للَّه من هفوات عمرو
یعاتبنی على تركى برازى

فقد لاقى أبا حسن علیّا
فآب الوائلى مآب خازى

فلو لم یبد عورته للاقى
به لیثا یذلّل كلّ نازى

له كفّ كانّ براحتیها
منایا القوم یخطف خطف بازى

فان تكن المنیّة أخطأته
فقد غنّی بها أهل الحجاز

فغضب عمرو و قال ما اشدّ تعظیمك علیّا فی كسرى هذا هل هو الارجل لقاه ابن عمه فصرعه افترى السماء فاطرة لذلك دما قال و لكنها تعقّبك جبنا .

أقول : كان عمرو بن العاص فى المكر و الخدیعة اروغ من الثعلب و به یضرب المثل فی الحیلة و الشیطنة و لما رأى ان لا محیص له فی ید اسد اللَّه احتال حیلة شنیعة غیر لائقة للابطال و الرجال و یلیق ان یقال له :

اى روبهك چرا ننشستى بجاى خویش
با شیر پنجه دادى و دیدى سزاى خویش

قال أبو الفضل نصر بن مزاحم فی كتاب الصفین : ان عمرو بن العاص مرّ بالحرث ابن نصر الجشمی و كان عدوا لعمرو و كان عمرو قل ما یجلس مجلسا الا ذكر فیه الحرث

[ 319 ]

فقال الحرث فی ذلك .

لیس عمرو بتارك ذكره الحرب
مدى الدّهر او یلاقى علیا

واضع السیف فوق منكبه
الایمن لا یحسب الفوارس شیئا

لیس عمرو یلقاه فی حمس النقع
و قد صارت السیوف عصیّا

حیث یدعو البراز حامیة القوم
إذا كان بالبراز ملیّا

فوق شهب مثل السحوق من
النخل ینادى المبارزین إلیّا

ثمّ یا عمرو تستریح من الفخر
و تلقى به فتى هاشمیا

فالقه إن اردت مكرمة الدّهر
او الموت كلّ ذاك علیّا

فلما سمع عمرو شعره قال و اللَّه لو علمت انى اموت الف موتة لبارزت علیّا فی اوّل ما القاه فلما بارزه طعنه علىّ علیه السّلام فصرعه و اتّقاه عمرو بعورته فانصرف علىّ علیه السّلام عنه و قال علىّ حین بدت له عورة عمرو فصرف وجهه عنه :

ضرب ثبا الابطال فی المشاغب
ضرب الغلام البطل الملاعب

این الضراب فی العجاج الثائب
حین احمرار الحدق الثواقب

بالسیف فی تهتهة الكتائب
و الصبر فیه الحمد للعواقب

قال المسعودى : و قد ذكر هشام بن محمّد الكلبى عن الشرقى بن القطامى ان معاویة قال لعمرو بعد انقضاء الحرب هل غششتنى منذ نصحتنى ؟ قال : لا ، قال : بلى و اللَّه یوم اشرت علىّ بمبارزة علیّ و أنت تعلم ما هو قال : دعاك الى المبارزة فكنت من مبارزته علی احدى الحسنیین إما ان تقتله فتكون قد قتلت قاتل الاقران و تزداد شرفا إلى شرفك و إما ان یقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء و الصالحین و حسن اولئك رفیقا . فقال معاویة یا عمرو الثانیة اشرّ من الاولى .

و بالجملة كان فی هذا الیوم من القتال ما لم یكن قبل . و لیعلم انه مضت منه علیه السّلام الخطبة التاسعة و الستین معنونا من الشریف الرضى رضوان اللَّه علیه : و من كلام له علیه السّلام یقوله لاصحابه فی بعض أیام صفین : معاشر المسلمین استشعروا الخشیة و تجلببوا السكینة و عضّوا النواجذ اه و اجمل الرضى ( ره ) ذلك الیوم ، و قال الشارح

[ 320 ]

المعتزلى : هذا الكلام خطب به أمیر المؤمنین علیه السّلام فى الیوم الّذی كان عشیته لیلة الهریر فی كثیر من الروایات . انتهى یعنى به الیوم التاسع . و مضى الكلام منا عن مروج الذهب و غیره خطب به علیه السّلام فی الیوم الثامن و هو یوم الاربعاء . و قال نصر فی كتاب صفین انّه علیه السّلام خطب به فی أوّل أیام اللقاء و الحرب بصفین و ذلك فی صفر من سنة سبع و ثلاثین و الاختلاف فی الفاظ الخطبة كثیر أیضا و اللَّه أعلم .

« الیوم العاشر و لیلتها : لیلة الهریر و یومها »

و هی اللیلة العظیمة التی یضرب بها المثل و كانت لیلة الجمعة و یومها و قال المسعودى فكان جملة من قتل على علیه السّلام بكفّه فی یومه و لیلته خمسمأة و ثلاثة و عشرین رجلا أكثرهم فی الیوم و ذلك انه كان إذا قتل رجلا كبّر إذا ضرب و لم یكن یضرب إلاّ قتل ذكر ذلك عنه من كان یلیه فى حربه و لا یفارقه من ولده و غیرهم .

و قال الطبرى : ثمّ اقتتل الناس بعد المغرب قتالا شدیدا فما صلّى أكثر النّاس إلا ایماء . و قال نصر حدثنا عمرو بن شمر قال حدّثنى أبو ضرار قال حدّثنى عمار بن ربیعة قال غلس على علیه السّلام بالنّاس صلاة الغداة یوم الثلاثا عاشر شهر ربیع الأوّل سنة سبع و ثلاثین و قیل عاشر شهر صفر ثمّ زحف إلى أهل الشام بعسكر العراق و الناس على رایاتهم و زحف الیهم أهل الشام و قد كانت الحرب اكلت الفریقین و لكنها فى أهل الشام اشد نكایة و اعظم وقعا فقد ملّوا الحرب و كرهوا القتال و تضعضعت اركانهم .

قال : فخرج رجل من أهل العراق على فرس كمیت ذنوب علیه السلاح لا یرى منه الاعیناه و بیده الرمح فجعل یضرب رؤوس أصحاب علىّ بالقناة و یقول : سوّوا صفوفكم حتّى إذا عدل الصفوف و الرایات استقبلهم بوجهه و ولى أهل الشام ظهره ثمّ حمد اللَّه و اثنى علیه ثمّ قال : الحمد للَّه الّذی جعل فیكم ابن عم نبیكم اقدمهم هجرة و اوّلهم اسلاما سیف من سیوف اللَّه صبّه اللَّه على اعدائه فانظروا إذا حمى الوطیس

[ 321 ]

و ثار القتام و تكسران المران و جالت الخیل بالابطال فلا أسمع الاغمغمة او همهمة قال ثمّ حمل على أهل الشام و كسر فیهم رمحه ثمّ رجع فاذا هو الاشتر .

أقول : شجاعة الأشتر رضوان اللَّه علیه بلغ مبلغ التواتر و لا یتاتى لاحد انكاره و یسمیه المورخون كبش العراق و ذكرنا شمة من شجاعته یوم اخذ الماء و قتله ابطال أهل الشام و فوارس قائد أهل الكفر و النفاق و شجعان رائد قوم البغی و الشقاق و كان هو « ره » شدید الباس فارسا شجاعا و من تتبع و بحث عن وقائع الجمل و الصفین و غیرهما علم ان الأشتر كان بعد أمیر المؤمنین علیه السّلام اشجع النّاس فقد قال علیّ علیه السّلام بعد موته :

رحم اللَّه مالكا فلقد كان لی كما كنت لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ، و من هذا التشبیه و المقایسة یعلم جلالة شانه « ره » و علو قدره إلى حدّ فوق أن یحوم حوله العبارة و قال الشارح المعتزلی ابن ابى الحدید فی شرح النهج : لو أن انسانا یقسم أن اللَّه تعالى ما خلق فی العرب و لا فی العجم اشجع منه « یعنی من الأشتر » إلا استاذه علیه السّلام لما خشیت علیه الإثم .

و للَّه در القائل و قد سئل عن الاشتر : ما أقول فی رجل هزمت حیاته أهل الشام و هزم موته أهل العراق و بحقّ ما قال فیه أمیر المؤمنین علیه السّلام : كان الأشتر لی كما كنت لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله .

و هذا هو الأشتر مجاهدا فى اللَّه قبال الفئة الباغیة و لینظر إلى تخلّقه باخلاق اللَّه و اتّصافه باوصافه كیف ارتقى فی المدرسة الالهیة العلویة إلى الدرجات العلى و المراتب القصوى ففی مجموعة ورام 1 حكى ان مالكا الأشتر رضی اللَّه عنه كان مجتازا بسوق الكوفة و علیه قمیص خام و عمامة منه فرآه بعض أهل السوق فازدرى بزیّه فرماه ببندقة تهاونا به فمضی و لم یلتفت فقیل له ویلك اتدرى بمن رمیت فقال لا فقیل له هذا مالك صاحب أمیر المؤمنین علیه السّلام فارتعد الرجل و مضی الیه لیعتذر منه فرآه و قد دخل المسجد و قائم یصلّی فلمّا انفتل أكبّ الرجل على قدمیه لیقبلهما فقال ما هذا الأمر ؟ فقال اعتذر الیك مما صنعت فقال لا بأس علیك فو اللَّه ما دخلت

-----------
( 1 ) ورام هذا من اولاد مالك الاشتر و هو : ورام بن أبى فراس ورام بن حمدان بن عیسى بن أبى نجم بن ورام بن حمدان بن خولان بن ابراهیم بن مالك الاشتر النخعى .

[ 322 ]

المسجد إلاّ لأستغفرنّ لك . انتهى و سیأتی ترجمته مستوفاة انشاء اللَّه تعالى فی محله و لنعد إلى القصّة :

قال نصر بإسناده السابق و خرج رجل من أهل الشام ینادى بین الصفین یا أبا حسن یا على ابرز لى فخرج الیه على علیه السّلام حتّى إذا اختلف اعناق دابتیهما بین الصفین فقال یا على ان لك قدما فى الاسلام و هجرة فهل لك فى الامر اعرضه علیك یكون فیه حقن هذه الدماء و تأخیر هذه الحروب حتّى ترى من رأیك ؟ فقال له على علیه السّلام و ما ذاك ؟ قال ترجع إلى عراقك فنخلى بینك و بین العراق و نرجع إلى شامنا فتخلى بیننا و بین شامنا ، فقال له على علیه السّلام لقد عرفت انما عرضت هذا نصیحة و شفقة و لقد أهمّنى هذا الامر و اسهرنى و ضربت أنفه و عینه فلم اجد إلا القتال او الكفر بما انزل على محمّد صلّى اللَّه علیه و آله إنّ اللَّه تبارك و تعالى لم یرض من اولیائه ان یعصى فى الأرض و هم سكوت مذعنون لا یأمرون بالمعروف و لا ینهون عن المنكر فوجدت القتال اهون علىّ من معالجة الاغلال فی جهنم ، فرجع الشامی و هو یسترجع .

اقول : فانظر أیّها القارى الكریم نظر التامل و التدبّر فی كلامه علیه السّلام : إن اللَّه تبارك و تعالى لم یرض من اولیائه اه حتّى تقف على سرّ بعثة الأنبیاء و اولیائه فهم بعثوا لینقذوا النّاس من الوسواس و الكفر و الشقاق و النفاق و لیعالجوا نفوسهم من داء الجهل و ینوّروا عقولهم بنور العلم و المعارف و الحكم و یهدوهم إلى الصراط المستقیم و یوصلوهم إلى النهج القویم لطفا من اللَّه على العباد لیفوزوا فوزا عظیما و لیهلك من هلك عن بینة و یحیى من حىّ عن بینة ، و یتمّ الحجّة علیهم و لم یخلق اللَّه النّاس عبثا و لم یتركهم سدى و لم یرض من اولیائه ان یعصى فی الأرض و هم سكوت و العلماء بعدهم قائمون مقامهم فلم یرض اللَّه منهم أن یعصی فی الأرض و هم سكوت ، لانهم حصون الاسلام كحصن سور المدینة لها فاذا ظهرت البدع فعلیهم أن یظهروا علمهم و یحثوا الناس إلى الطاعة و یزجروهم عن المعصیة و إذا ظهرت البدع كانت الظلمات غالبة .

و فی الكافی لثقة الاسلام الكلینی ( ره ) باسناده عن عبد الرحیم القصیر عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة فی النار .

و فیه قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله : إذا ظهرت البدع فی امّتی فلیظهر العالم علمه فمن

[ 323 ]

لم یفعل فعلیه لعنة اللَّه .

و فیه باسناده عن داود بن سرحان عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إذا رأیتم أهل البدع و الریب من بعدى فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم و القول فیهم و الوقیعة و باهتوهم حتّى لا یطمعوا فى الفساد فى الاسلام و یحذر الناس و لا یتعلمون من بدعهم یكتب اللَّه لكم بذلك الحسنات و یرفع لكم به الدرجات .

و فی البحار عن أبی محمّد العسكرى علیه السّلام قال : قال جعفر بن محمّد الصادق علیهما السّلام : علماء شیعتنا مرابطون بالثغر الّذى یلى ابلیس و عفاریته یمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شیعتنا مرابطون بالثغر الّذى یلى ابلیس و عفاریته یمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شیعتنا و عن ان یتسلط علیهم ابلیس و شیعته النواصب ألا فمن انتصب لذلك من شیعتنا كان افضل ممن جاهد الروم و الترك و الخزر الف الف مرّة لانّه یدفع عن أدیان محبینا و ذلك یدفع عن أبدانهم .

و سیأتی الكلام فی الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر و البحث عنهما و شرائطهما انشاء اللَّه تعالى و لنعد إلى القصة :

قال نصر : و زحف النّاس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل حتّى فنیت ثمّ تطاعنوا بالرماح حتّى تكسرت و اندقت ثمّ مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسیف و عمد الحدید فلم یسمع السامع الا وقع الحدید بعضه على بعض لهو أشدّ هو لا فی صدور الرجال من الصواعق و من جبال تهامة یدكّ بعضها بعضا و انكسفت الشمس و ثار القتام و ضلّت الالویة و الرایات و الأشتر یسیر فیما بین المیمنة و المیسرة فیأمر كلّ قبیلة او كتیبة من القراء بالاقدام على الّتی تلیها فاجتلدوا بالسیوف و عمد الحدید من صلاة الغداة إلى نصف اللیل لم یصلّوا للَّه صلاة فلم یزل یفعل ذلك الأشتر بالناس حتّى أصبح و المعركة خلف ظهره و افترقوا على سبعین الف قتیل فی ذلك الیوم و تلك اللیلة و هی لیلة الهریر و الأشتر فى میمنة النّاس و ابن عبّاس فى المیسرة و علىّ فى القلب و النّاس یقتلون ثمّ استمر القتال من نصف اللیل الثانى إلى ارتفاع الضحى و الأشتر یقول لاصحابه و هو یزحف بهم نحو أهل الشام ازحفوا قیدر محى هذا و إذا فعلوا قال ازحفوا قاب هذا القوس فاذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتّى ملّ أكثر النّاس من الاقدام فلمّا

[ 324 ]

رأى ذلك قال اعیذكم باللَّه أن ترضعوا الغنم سائر الیوم ثمّ دعا بفرسه و ركز رایته و كانت مع حیان بن هودة النخعى و خرج یسیر فى الكتائب و یقول : ألا من یشرى نفسه للَّه و یقاتل مع الاشتر حتى یظهر أو یلحق باللَّه فلا یزال الرجل من النّاس یخرج الیه و یقاتل معه .

قال نصر باسناده عن عمّار بن ربیعة قال مرّ بى و اللَّه الأشتر و اقبلت معه حتّى رجع إلى المكان الّذى كان به فقام فى أصحابه فقال شدّوا فدالكم عمّى و خالى شدّة ترضون بها اللَّه و تعزون بها الدین فاذا شددت فشدّوا ثمّ نزل و ضرب وجه دابته ثمّ قال لصاحب رایته اقدم فاقدم بها ثمّ شدّ على القوم و شدّ معه أصحابه یضرب أهل الشام حتّى انتهى بهم إلى معسكرهم ثمّ انّهم قاتلوا عند المعسكر قتالا شدیدا فقتل صاحب رایتهم و أخذ على علیه السّلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله یمدّه بالرجال و ان علیّا علیه السّلام قال خطیبا فحمد اللَّه و اثنى علیهم ثمّ قال :

أیّها الناس قد بلغ بكم الامر و بعدوّكم ما قد رأیتم و لم یبق منهم إلاّ آخر نفس و ان الامور إذا اقبلت اعتبر آخرها بأوّلها و قد صبر لكم القوم على غیر دین حق بلغنا منهم ما بلغنا و أنا غار علیهم بالغداة احاكمهم إلى اللَّه عزّ و جل .

« رأى عمرو بن العاص فى رجوع الناس الى كتاب الله لما ظهرت هزیمة أهل الشام »

فبلغ ذلك معاویة فدعا عمرو بن العاص فقال یا عمرو انما هى اللیلة حتّى یغدو على علیه السّلام علینا بالفیصل فما ترى ؟ قال أرى ان رجالك لا یقومون لرجاله و لست مثله هو یقاتلك على امر و انت تقاتله على غیره انت ترید البقاء و هو یرید الفناء و أهل العراق یخافون منك ان ظفرت بهم و أهل الشام لا یخافون علیّا ان ظفر بهم و لكن الق الیهم امرا ان قبلوه اختلوا و ان ردّوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب اللَّه حكما فیما بینك و بینهم فانك بالغ به حاجتك فى القوم فانى لم ازل اؤخر هذا الامر لحاجتك الیه فعرف ذلك معاویة فقال صدقت .

أقول : كلامه علیه السّلام المذكور آنفا : أیّها الناس قد بلغ بكم الامراء غیر مذكور

[ 325 ]

فى نهج البلاغة .

« حملة الجعفى على أهل الشام »

قال نصر : و فی حدیث عمر بن سعد قال ثمّ إن علیّا صلّى الغداة ثمّ زحف الیهم فلمّا ابصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالا شدیدا ثمّ ان خیل أهل الشام حملت على خیل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علىّ علیه السّلام الف رجل او أكثر فاحاطوا بهم و حالوا بینهم و بین أصحابه فلم یروهم فنادى علىّ علیه السّلام یومئذ ألا رجل یشرى نفسه للَّه و یبیع دنیاه بآخرته ؟ فاتاه رجل من جعف یقال له عبد العزیز بن الحارث على فرس أدهم كأنه غراب مقنعا فى الحدید لا یرى منه الا عیناه فقال یا أمیر المؤمنین مرنى بأمرك فو اللَّه ما ترانى بشی‏ء الا صنعته فقال على علیه السّلام :

سمحت بامر لا یطاق حفیظة
و صدقا و اخوان الحفاظ قلیل

جزاك إلیه النّاس خیرا فقد وفت
یداك بفضل ما هناك جزیل

أبا الحارث شدّ اللَّه ركنك احمل على أهل الشام حتّى تأتى أصحابك فتقول لهم : أمیر المؤمنین یقرأ علیكم السلام و یقول لكم هلّلوا و كبّروا من ناحیتكم و نهلل نحن و نكبّر من ههنا و احملوا من جانبكم و نحمل نحن من جانبنا على أهل الشام فضرب الجعفى فرسه حتّى إذا قام على السنابك حمل على أهل الشام المحیطین باصحاب على علیه السّلام فطاعنهم ساعة و قاتلهم فانفرجوا له حتى أتى أصحابه فلما رأوه استبشروا به و فرحوا و قالوا ما فعل أمیر المؤمنین ؟ قال صالح یقرئكم السلام و یقول لكم هلّلوا و كبّروا و هلّل علىّ و أصحابه من ذلك الجانب و نهلل نحن من جانبنا و نكبر و نحمل من خلفكم فهلّلوا و كبّروا و هلل علىّ و أصحابه من ذلك الجانب و حملوا على أهل الشام من ثمّ و حمل علىّ من ههنا فى أصحابه فانفرج أهل الشام عنهم فخرجوا و ما اصیب منهم رجل واحد و لقد قتل من فرسان أهل الشام یومئذ زهاء سبع مأة رجل .

قال : و قال علىّ من أعظم الناس عناء ؟ فقالوا أنت یا أمیر المؤمنین ، قال : كلاّ و لكنه الجعفى .

[ 326 ]

« ضرب على علیه السّلام و قتله الناس فى یوم واحد »

قال نصر عن عمرو بن شمر عن جابر بن نمیر الأنصارى قال و اللَّه لكأنى اسمع علیّا یوم الهریر حین سار أهل الشام و ذلك بعد ما طحنت رحى مذحج فیما بیننا و بین عك و لخم و جذام و الاشعریین بامر عظیم تشیب منه النواصی من حین استقبلت الشمس حتّى قام قائم الظهیرة . ثمّ ان علیّا قال حتّى متى نخلى بین هذین الحیّین قد فنیا و انتم وقوف تنظرون الیهم اما تخافون مقت اللَّه ثمّ انفتل إلى القبلة و رفع یدیه إلى اللَّه ثم نادى :

یا اللَّه یا رحمن یا واحد یا صمد یا اللَّه یا اله محمّد اللّهم الیك ثقلت الاقدام و افضت القلوب و رفعت الایدى و امتدّت الاعناق و شخصت الابصار و طلبت الحوائج إنا نشكو الیك غیبة نبیّنا صلّى اللَّه علیه و كثرة عدوّنا و تشتت اهوائنا ربّنا افتح بیننا و بین قومنا بالحق و انت خیر الفاتحین سیروا على بركة اللَّه ثمّ نادى لا اله إلا اللَّه و اللَّه اكبر كلمة التقوى .

ثمّ قال : لا و اللَّه الّذى بعث محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله بالحق نبیا ما سمعنا برئیس قوم منذ خلق اللَّه السماوات و الارض اصاب بیده فی یوم واحد ما اصاب انه قتل فیما ذكر العادّون زیادة على خمسة مأة من اعلام العرب یخرج بسیفه منحنیا فیقول معذرة إلى اللَّه عزّ و جل و الیكم من هذا لقد هممت أن أفلقه و لكن حجزنى عنه أنى سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یقول كثیرا : لا سیف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا على و أنا اقاتل به دونه . قال فكنا نأخذه ثمّ یتناوله من ایدینا فیقتحم به فی عرض الصف فلا و اللَّه ما لیث بأشد نكایة فی عدوّه منه رحمة اللَّه علیه رحمة واسعة .

أقول : اتى بكلامه علیه السّلام المذكور آنفا : یا اللَّه یا رحمن اه فی باب الكتب و الرسائل من نهج البلاغة و هو الكلام الخامس عشر منه .

« رفع أهل الشام المصاحف على الرماح و دعائهم الى الحكومة لما ظهرت هزیمتهم و استبان ذلهم »

قال نصر عن عمرو بن شمر عن جابر قال سمعت تمیم بن حذیم یقول : لما اصبحنا

[ 327 ]

من لیلة الهریر نظرنا فاذا اشباه الرایات امام صف أهل الشام وسط الفیلق من حیال موقف معاویة فلما ان اسفرنا فاذا هى المصاحف قد ربطت على اطراف الرماح و هى عظام مصاحف العسكر و قد شدوا ثلاثة رماح جمیعا و قد ربطوا علیها مصحف المسجد الاعظم یمسكه عشرة رهط و قال أبو جعفر و أبو الطفیل استقبلوا علیّا بمأة مصحف و وضعوا فی كلّ مجنبة مأتی مصحف و كان جمیعها خمس مأة مصحف قال أبو جعفر ثم قام الطفیل بن ادهم حیال علىّ و قام أبو شریح الجذامى من حیال المیمنة و قام ورقاء ابن المعمر حیال المیسرة ثمّ نادوا : یا معشر العرب اللَّه اللَّه فی نسائكم و بناتكم فمن للروم و الاتراك و أهل فارس غدا إذا فنیتم اللَّه اللَّه فی دینكم هذا كتاب اللَّه بیننا و بینكم فقال علىّ علیه السّلام اللهم انّك تعلم انّهم ما الكتاب یریدون فاحكم بیننا و بینهم انك انت الحكیم الحق المبین فاختلف أصحاب علیّ فی الرأی طائفة قالت القتال و طائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب و لا یحلّ لنا الحرب و قد دعینا إلى حكم الكتاب فعند ذلك بطلت الحروب و وضعت أوزارها فقال محمّد بن علیّ فعند ذلك حكم الحكمان .

قال نصر : و فی حدیث عمرو بن شمر باسناده قال فلمّا أن كان الیوم الاعظم قال أصحاب معاویة و اللَّه ما نحن لنبرح الیوم العرصة حتّى یفتح اللَّه لنا او نموت و قال أصحاب علیّ علیه السّلام و اللَّه ما نحن بتاركى العرصة الیوم إن شاء اللَّه حتّى یفتح لنا او نموت فباكروا القتال غدا یوما من أیام الشعرى طویلا شدید الحرّ فتراموا حتّى فنیت النبل ثمّ تطاعنوا حتّى تقصفت رماحهم ثمّ نزل القوم عن خیولهم فمشی بعضهم إلى بعض بالسیوف حتّى كسرت جفونها و قامت الفرسان فی الركب ثمّ اضطربوا بالسیوف و بعمد الحدید فلم یسمع السامع إلاّ تغمغم القوم و صلیل الحدید فی الهام و تكادم الافواه و كسفت الشمس و ثار القتام و ضلّت الالویة فی الرایات و مرّت مواقیت أربع صلوات لم یسجد للَّه فیهن إلاّ تكبیرا و نادت المشیخه فی تلك الغمرات یا معشر العرب اللَّه اللَّه فی الحرمات من النساء و البنات .

قال جابر : فبكى أبو جعفر و هو یحدّثنى بهذا الحدیث قال و اقبل الأشتر على فرس كمیت محذوف قد وضع مغفره على قربوس السرج و هو یقول : اصبروا یا معشر

[ 328 ]

المؤمنین فقد حمى الوطیس و رجعت الشمس من الكسوف و اشتدّ القتال و اخذت السباع بعضها بعضا فانتم كما قال الشاعر :

مضت و استأخر الفرعاء عنها
و خلّی بینهم إلاّ الوزیع

قال یقول واحد فی تلك الحال أى رجل هذا لو كانت له نیة فیقول له صاحبه و أىّ نیة أعظم من هذه ثكلتك امّك و هبلتك ان رجلا فیما قد ترى قد سبح فی الدماء و ما اضجرته الحرب و قد غلت هام الكماة من الحرّ و بلغت قلوب الحناجر و هو كما ترى جذعا یقول هذه المقالة اللّهم لا تبقنا بعد هذا .

أقول : قوله : یوما من ایام الشعرى طویلا شدید الحرّ . بیانه : ان الشعری اسم لكوكبین إحداهما اكبر من الاخرى و هى الشعرى الیمانیة من كواكب الكلب الاكبر الواقعة عقیب الجبار و لذا یسمى الكلب الاكبر بكلب الجبّار أیضا كما ان الشعرى الیمانیة وحدها قد تسمّى بكلب الجبار . و هی من كواكب القدر الاوّل و احد كوكبی ذراع الاسد و فم المرزم و انّما وصف بالیمانی لان مغیبها یكون إلى جانب الیمن و كواكب الكلب الاكبر ثمانیة عشر كوكبا و الشعرى واقعة فی فیها و هذا الكواكب هو الذى قال فیه عزّ من قائل فی سورة النجم الآیة 49 : « انّه هو ربّ الشعرى » و قال المفسّرون كانوا یعبدونها فی الجاهلیّة و ان خزاعة كانت تعبدها و أوّل من عبدها أبو كبشة احد أجداد النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله من قبل امهاته و كان المشركون یسمّونه صلّى اللَّه علیه و آله ابن أبی كبشة لمخالفته إیاهم فی الدین كما خالف أبو كبشة غیره فی عبادة الشعرى فانزل اللَّه تعالى انّه هو ربّ الشعرى أی خالق الشعرى و مخترعها و مالكها فلا تتخذوا المربوب المملوك إلها .

أقول : لا یبعد ان یكون القرآن الكریم ناظرا أیضا إلى عظمة قدرته عزّ و جل بانّه هو ربّ الشعرى ، و ذلك لان الشعرى من اكبر الثوابت المرصودة و فی رصد معاصرینا أنّها أعظم من الشمس 1500 مرة مع أن الشمس أعظم من الأرض بكثیر فاخط جنابا تبهرك عجائبه و یناسب ما ذهبنا الیه اسلوب الآى الاخرى : و أنّه هو أضحك و أبكى .

و أنه هو أمات و أحیى . و أنه خلق الزوجین الذكر و الأنثى . من نطفة إذا تمنى . و أن علیه

[ 329 ]

النشأة الاخرى . و أنه هو اغنى و اقنى . و أنه هو رب الشعرى و ظاهر أنها مسوقة لبیان لطائف صنعه و عظم قدرته فی خلقه .

و الاخرى هى الشعرى الشامیّة .

و هى من صورة كواكب الكلب الاصغر و یسمى الكلب المتقدّم أیضا و هی واقعة على جهة جنوب الجوزاء مشتملة على أربعة عشر كوكبا احدها من القدر الأوّل و هو الشعرى الشامیة لان مغیبها من جانب الشام و تسمى غمیضا أیضا كما أنّ الیمانیة تسمّى عبورا أیضا لان من الاسمار المنقولة من العرب ان الشعریین كانتا اختین لسهیل و تزوج أخوهما سهیل جوزاء فوقع بین سهیل و زوجته جوزاء نزاع فضربها سهیل فكسّر ظهرها ففرّ من الشمال إلى الجنوب ثمّ ان اخته الشعرى الیمانیة ذهبت فی أثرها فعبرت من المجرة حتّى قربت منه و لذا سمیت عبورا و ان اخته الاخرى الشعرى الشامیّة بكت من فراقه حتّى عمیت عینها و لذا سمیت غمیضا .

و المراد من الشعرى هو الأوّل و إنّما كان أیام الشعرى طویلا شدید الحرّ لانّ الشعرى الیمانیة واقعة فی اواخر برج الجوزاء فاذا بلغت الشمس الیها كان الیوم قریبا من أطول أیام السنة للآفاق الشمالیة لانّ الجوزاء من البروج الشمالیة .

ثمّ انّ الكواكب الثابتة تتحرك بحركتها الخاصّة نحو المغرب فاسرعها حركة كما فی ص 565 من الزیج البهادرىّ فی ثمانیة أیام و ثمانیة أشهر واحدى و ستین سنة وسطیّة یقطع درجة واحدة ، و ابطأها فی سبعة عشر یوما و ثلاثة أشهر و اثنتین و ثمانین سنة یقطع درجة واحدة و لذا تنتقل الصور عن مواضعها من البروج فیأتی الفرق بین البرج و الصورة و لم یحضرنی الآن ذلك الزیج و لا سائر ازیاجى احاسب تقویم الشعرى دقیقا فی سنة غزوة الصفین .

ثمّ ان تثنیة الشعرى شعریان فاذا ثنیت فالمراد بهما الشعرى الیمانیة و الشامیة و فی دیوان ان المنوچهرى الدامغانی :

چو پاسى از شب دیرنده بگذشت
بر آمد شعریان از كوه موصل

فلنعد إلى القصة :

[ 330 ]

« خطبة اشعث بن قیس »

نصر عن عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبى عن صعصعة قال : قام الاشعث بن قیس الكندى لیلة الهریر فی أصحابه من كندة فقال :

الحمد للَّه أحمده و استعینه و اومن به و اتوكل علیه و استنصره و استغفره و استخیره و استهدیه فانّه من یهدى اللَّه فلا مضل له و من یضلل فلا هادى له و أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شریك له و اشهد أن محمّدا عبده و رسوله صلّى اللَّه علیه و آله ثمّ قال قد رأیتم یا معشر المسلمین ما قد كان فی یومكم هذا الماضی و ما قذفنی فیه من العرب فو اللَّه لقد بلغت من السنّ ما شاء اللَّه ان ابلغ فما رأیت مثل هذا الیوم قط ، ألا فلیبلغ الشاهد الغائب إنا نحن توافقنا غدا أنه لفناء العرب وضیعة الحرمان أما و اللَّه ما أقول هذه المقالة جزعا من الحنف و لكنى رجل مسن اخاف على النساء و على الذرارى غدا إذا فنینا اللّهم إنك تعلم أنّى قد نظرت لقومی و لأهل دینی فلم آل و ما توفیقی إلا باللَّه علیه توكلت و الیه انیب و الرأی یخطی و یصیب و إذا قضى اللَّه امرا أمضاه ما احبّ العباد أو كرهوا أقول قولى هذا و أستغفر اللَّه لی و لكم .

قال قال صعصعة فانطلقت عیون معاویة الیه بخطبة الاشعث فقال أصاب و ربّ الكعبة لئن نحن التقینا غدا لنمكن الروم على ذرارینا و نسائنا و لنمكن أهل الفارس على نساء أهل العراق و ذراریهم و انما یبصر هذا ذوو الاحلام و النهى اربطوا المصاحف على رؤوس الرماح و قلّدوها الخیل و النّاس على الرأیات قد اشتهوا ما دعوا الیه و رفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رؤوس الرماح و نادوا یا أهل العراق بیننا و بینكم .

و أقبل أبو الاعور السلمى على برذون أبیض و قد وضع المصحف على رأسه ینادى یا أهل العراق كتاب اللَّه بیننا و بینكم .

و أقبل عدى بن حاتم فقال یا أمیر المؤمنین إن كان أهل الباطل لا یقومون بأهل الحق فانه لم یصب عصبة منا إلا و قد اصیب مثلها منهم و كل مقروح و لكنّا أمثل بقیة منهم و قد جزع القوم و لیس بعد الجزع إلاّ ما تحبّ فناجز القوم .

[ 331 ]

فقام الأشتر النخعى فقال یا أمیر المؤمنین إن معاویة لا خلف له من رجاله و لك بحمد اللَّه الخلف و لو كان له مثل رجالك لم یكن له مثل صبرك و لا بصرك فاقرع الحدید بالحدید و استعن باللَّه الحمید .

ثمّ قام عمرو بن الحمق فقال یا أمیر المؤمنین إنا و اللَّه ما اخترناك و لا نصرناك عصبیة على الباطل و لا أجبنا إلا اللَّه عزّ و جل و لا طلبنا إلا الحق و لو دعانا غیرك إلى ما دعوت الیه لكان فیه اللجاج و طالت فیه النجوى و قد بلغ الحق مقطعه و لیس لنا معك رأى .

فقام الاشعث بن قیس مغضبا فقال یا أمیر المؤمنین انا لك الیوم على ما كنا علیه أمس و لیس آخر أمرنا كأوّله و ما من القوم أحد أحنى على أهل العراق و لا أوتر لأهل الشام منّی فأجب القوم إلى كتاب اللَّه فانك أحق به منهم و قد أحب النّاس البقاء و كرهوا القتال فقال على علیه السّلام إن هذا امر ینظر فیه .

« جزع أهل الشام من أهل العراق و كلام عبد اللَّه بن عمرو »

قال نصر : و ذكروا أن أهل الشام جزعوا فقالوا یا معاویة ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم الیه فاعدها جذعة فانك قد غمرت بدعائك القوم و أطمعتهم فیك فدعا معاویة عبد اللَّه بن عمرو بن العاص و أمره ان یكلم أهل العراق فاقبل حتّى إذا كان بین الصفین نادى یا أهل العراق أنا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص إنّها قد كانت بیننا و بینكم امور للدین و الدنیا فان تكن للدین فقد و اللَّه اعذرنا و اعذرتم و إن تكن للدنیا فقد و اللَّه اسرفنا و اسرفتم و قد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا الیه لأجبناك فان یجمعنا و إیاكم الرضا فذلك من اللَّه فاغتنموا هذه الفرجة لعلّه أن یعیش فیها المحترف و ینسى فیها القتیل فان بقاء المهلك بعد الهالك قلیل .

« جواب سعید بن قیس عبد الله بن عمرو بامر أمیر المؤمنین علیه السّلام »

فخرج سعید بن قیس الهمدانى فأتى علیّا علیه السّلام فاخبره بقول عبد اللَّه بن عمرو فقال على علیه السّلام أجب الرجل . فتقدم سعید بن قیس فقال یا أهل الشام انه قد كان بیننا و بینكم امور حامینا فیها على الدین و الدنیا سمیتموها غدرا و سرفا و قد دعوتمونا

[ 332 ]

الیوم إلى ما قاتلناكم علیه بالامس و لم یكن لیرجع أهل العراق إلى عراقهم و لا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل من أن یحكم بما أنزل اللَّه فالامر فی أیدینا دونكم و إلا فنحن نحن و أنتم أنتم .

و قام الناس إلى علىّ علیه السّلام فقالوا : أجب القوم إلى ما دعوك الیه فانا قد فنینا و نادى انسان من أهل الشام فی سواد اللیل بشعر سمعه النّاس و هو :

رؤوس العراق أجیبوا الدعاء
فقد بلغت غایة الشدّة

و قد أودت الحرب بالعالمین
و أهل الحفائظ و النجدة

فلسنا و لستم من المشركین
و لا المجمعین على الردّة

و لكن اناس لقوا مثلهم
لنا عدّة و لهم عدّة

فقاتل كلّ على وجهه
تقحّمه الجدّ و الجدّة

فان تقبلوها ففیها البقاء
و أمن الفریقین و البلدة

و ان تدفعوها ففیها الفناء
و كلّ بلاء إلى مدّة

و حتّى متى مخض هذا السقاء
و لا بدّ أن یخرج الزبدة

ثلاثة رهط هم أهلها
و إن یسكتوا تخمد الوقدة

سعید بن قیس و كبش العراق
و ذاك المسوّد من كندة

فحمد هؤلاء النفر المسمون فی الصلح قال فاما المسوّد من كندة و هو الاشعث فانّه لم یرض بالسكوت بل كان من أعظم الناس قولا فی اطفاء الحرب و الركون إلى الموادعة . و أمّا كبش العراق و هو الاشتر فلم یكن یرى إلا الحرب و لكنه سكت على مضض و أمّا سعید بن قیس فتارة هكذا و تارة هكذا .

قال نصر : ذكروا ان النّاس قالوا اكلنا الحرب و قتلت الرجال و قال قوم نقاتل القوم على ما قاتلناهم علیه أمس و لم یقل هذا إلاّ قلیل من النّاس ثمّ رجعوا عن قولهم مع الجماعة و ثارت الجماعة بالموادعة فقام على أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال :

انه لم یزل أمرى معكم على ما احب إلى ان أخذت منكم الحرب و قد و اللَّه اخذت منكم و تركت و اخذت من عدوّكم و انّها فیهم أنكى و أنهك ألا إنى كنت أمس

[ 333 ]

أمیر المؤمنین فاصبحت الیوم مأمورا و كنت ناهیا فاصبحت منهیّا و قد أحببتم البقاء و لیس لى أن أحملكم على ما تكرهون ثمّ قعد .

أقول كلامه علیه السّلام المذكور آنفا .

« كلام رؤساء القبائل »

قال نصر : ثمّ تكلم رؤساء القبائل فاما من ربیعة و هی الجبهة العظیم فقام كردوس بن هانی البكرى فقال : أیّها النّاس إنا و اللَّه ما تولینا معاویة منذ تبرئنا منه و لا تبرئنا من علىّ منذ تولیناه و إن قتلانا لشهداء و ان أحیاءنا لأبرار و إن علیّا لعلى بینة من ربّه و ما أحدث إلا الانصاف و كلّ محق منصف فمن سلم له نجا و من خالفه هلك .

ثمّ قام شقیق بن الثور البكرى فقال : أیّها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب اللَّه فردّوه علینا فقاتلناهم علیه و انهم دعونا إلى كتاب اللَّه و إن رددناه علیهم حلّ لهم مناما حلّ لنا منهم و لسنا نخاف أن یحیف اللَّه علینا و لا رسوله و ان علیّا لیس بالراجع الناكص و لا الشاك الواقف و هو الیوم على ما كان علیه أمس و قد أكلتنا هذه الحرب و لا نرى البقاء إلا فی الموادعة .

ثمّ قام حریث بن جابر البكرى فقال أیّها النّاس إن علیّا لو كان خلفا من هذا الأمر لكان المفزع علیه فكیف و هو قائده و سائقه و أنه و اللَّه ما قبل من القوم الیوم إلا ما دعاهم الیه أمس و لو ردّه علیهم كنتم له اعنت و لا یلحد فی هذا الامر إلا راجع على عقبیه او مستدرج بغرور فما بیننا و بین من طغى علینا إلاّ السیف .

ثمّ قام خالد بن المعمر فقال یا أمیر المؤمنین إنا و اللَّه ما اخترنا هذا المقام ان یكون أحد هو أولى به منّا غیر أنا جعلناه ذخرا و قلنا أحبّ الامور الینا ما كفینا مؤنته فأمّا إذ سبقنا فی المقام فانا لا نرى البقاء إلاّ فیما دعاك الیه القوم إن رأیت ذلك فان لم تره فرأیك أفضل .

ثمّ ان الحصین الربعی و هو من اصغر القوم سنا قام فقال : أیها النّاس إنّما بنى هذا الدین على التسلیم فلا توفروه بالقیاس و لا تهدموه بالشفقة فانا و اللَّه لو لا انا لا نقبل

[ 334 ]

إلا ما نعرف لاصبح الحقّ فی أیدینا قلیلا و لو تركنا و ما نهوى لكان الباطل فی أیدینا كثیرا و ان لنا داعیا و هو المصدق على ما قال المأمون على ما فعل فان قال لا قلنا لا و ان قال نعم قلنا نعم . فبلغ ذلك معاویة فبعث إلى مصقلة بن هبیرة فقال یا مصقلة ما لقیت من احد ما لقیت من ربیعة قال ما هم منك بأبعد من غیرهم و انا باعث الیهم فیما صنعوا فبعث المصقلة إلى الرّبعیین فقال :

لن یهلك القوم أن تبدى نصیحتهم
إلاّ شقیق أخو ذهل و كردوس

و ابن المعمر لا تنفكّ خطبته
فیها البیان و أمر القوم ملبوس

أمّا حریث فان اللَّه ضلّله
إذ قام معترضا و المرء كردوس

طاطا حصین هنا فی فتنة جمحت
إن ابن و علة فیها كان محسوس

منّوا علیّا و منّاهم و قال لهم
قولا یهیج له البزل القناعیس

كلّ القبائل قد أدّى نصیحته
إلاّ ربیعة رغم القوم محبوس

و قال النجاشى :

ان الاراقم لا یغشاهم بؤس
ما دافع اللَّه من حوباء كردوس

نمّته من ثعلب العلیا فوارسها
تلك الرؤوس و أبناء المرائیس

ما بال كلّ أمیر یستراب به
دین صحیح و رأى غیر ملبوس

و الى علیّا بغدر بذّ منه إذا
ما صرّح العذر عن ردّ الضغاییس

نعم النصیر لأهل الحقّ قد علمت
علیا معد على أبصار إبلیس

قل للذین تزفّوا فی تعنّته
إن البكارة لیست كالقناعیس

لن تدركوا الدهر كردوسا و اسرته
بنیّ ثعلبة الحادى و ذو العیس

« كلام على ( ع ) لما رفع المصاحف »

قال نصر : و فی حدیث عمر بن سعد قال لمّا رفع أهل الشام المصاحف على الرماح یدعون إلى حكم القرآن قال علىّ علیه السّلام : عباد اللَّه انا أحقّ من اجاب إلى كتاب اللَّه و لكن معاویة و عمرو بن العاص و ابن أبی معیط و حبیب بن مسلمة و ابن أبی سرح لیسوا بأصحاب دین و لا قرآن انّی أعرف بهم منكم صحبتهم أطفالا و صحبتهم رجالا

[ 335 ]

فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال إنّها كلمة حقّ یراد بها باطل انهم و اللَّه ما رفعوها إنّهم یعرفونها و لا یعلمون بها و ما رفعوها لكم إلاّ خدیعة و مكیدة اعیرونى سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه و لم یبق إلاّ أن یقطع دابر الّذین ظلموا .

فجاءه علیه السّلام زهاء عشرین الفامقنعین فی الحدید شاكی السلاح سیوفهم على عواتقهم و قد سوّدت جباههم من السجود یقدمهم مسعر بن فدكى و زید بن حصین و عصابة من القراء الّذین صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بامرة المؤمنین یا على أجب القوم إلى كتاب اللَّه إذ دعیت الیه و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان فو اللَّه لنفعلنها إن لم تجبهم .

فقال علیه السّلام لهم : و یحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب اللَّه و أوّل من أجاب الیه و لیس یحل لی و لا یسعنی فی دینی ان ادعا إلى كتاب اللَّه فلا اقبله انی انّما اقاتلهم لیدینوا بحكم القرآن فانهم قد عصوا اللَّه فیما أمرهم و نقضوا عهده و نبذوا كتابه و لكنى قد اعلمتكم أنهم قد كادوكم و انهم لیسوا العمل بالقرآن یریدون .

قالوا فابعث إلى الأشتر لیاتینك و قد كان الاشتر صبیحة لیلة الهریر قد أشرف على عسكر معاویة لیدخله .

أقول : كلامه علیه السّلام المذكور آنفا : عباد اللَّه أنا أحقّ من أجاب اه و كذا قوله علیه السّلام :

و یحكم انا أوّل من دعا اه لیسافی النهج .

قال نصر : فحدثنى فضیل بن خدیج عن رجل من النخع قال رأیت إبراهیم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبیر فسأله عن الحال كیف كانت فقال كنت عند علىّ علیه السّلام حین بعث إلى الاشتر أن یأتیه و قد أشرف على عسكر معاویة لیدخله فأرسل علىّ یزید ابن هانى أن ایتنى فاتاه فبلغه فقال الاشتر ایته فقال له لیس هذه الساعة ینبغی لك ان تزیلنی فیها عن موقفی انّی قد رجوت أن یفتح اللَّه لی فلا تعجلنی فرجع یزید ابن هانی إلى علیّ علیه السّلام فأخبره فما هو إلا ان انتهى الینا حتّى ارتفع الرهج و علت الاصوات من قبل الأشتر و ظهرت دلائل الفتح و النصر لأهل العراق و دلائل الخذلان و الادبار على أهل الشام فقال له القوم : و اللَّه ما نراك إلا امرته بقتال القوم قال : رأیتمونی

[ 336 ]

ساررت رسولی ألیس انما كلمته على رؤوسكم علانیة و انتم تسمعون قالوا فابعث الیه فلیاتك و إلا فو اللَّه اعتزلناك قال و یحك یا یزید قل له اقبل إلىّ فان الفتنة قد وقعت فأتاه فأخبره فقال له الأشتر ألرفع هذه المصاحف ؟ قال نعم قال أما و اللَّه لقد ظننت انها حین رفعت ستوقع اختلافا و فرقة انها مشورة ابن النابغة یعنی عمرو بن العاص .

قال ثمّ قال لیزید ألا ترى إلى الفتح ألا ترى إلى ما یلقون ألا ترى إلى الّذى یصنع اللَّه لنا أینبغی ان ندع هذا و ننصرف عنه ؟ فقال له یزید أتحبّ أنك ظفرت ههنا و أن أمیر المؤمنین بمكانه الّذى هو به یفرج عنه و یسلم إلى عدوّه ؟ قال سبحان اللَّه و اللَّه ما احبّ ذلك . قال فانهم قالوا لترسلن إلى الأشتر فلیأتك او لنقتلنك كما قتلنا عثمان او لنسلمنك إلى عدوّك .

« خطاب الاشتر الى اهل الشام و جوابهم عنه »

قال فأقبل الأشتر حتّى انتهى إلیهم فصاح فقال یا أهل الذل و الوهن احین علوتم القوم فظنوا أنكم لهم ظاهرون و رفعوا المصاحف یدعونكم إلى ما فیها و قد و اللَّه تركوا ما أمر اللَّه فیها و سنة من انزلت علیه فلا تجیبوهم أمهلونی فواقا فانی قد احسب بالفتح قالوا لا قال فامهلونی عدو الفرس فانی قد طمعت فی النصر قالوا إذا ندخل معك فی خطیئتك قال فحدّثونی عنكم و قد قتل أماثلكم و بقی اراذلكم متى كنتم محقین حیث كنتم تقتلون أهل الشام فانتم الآن حین أمسكتم عن القتال مبطلون أم الآن محقون فقتلاكم إذن الذین لا تنكرون فضلهم و كانوا خیرا فیكم فی النار .

قالوا دعنا منك یا أشتر قاتلناهم فی اللَّه و ندع قتالهم فی اللَّه انا لسنا نطیعك فاجتنبنا قال خدعتم و اللَّه فانخدعتم و دعیتم إلى وضع الحرب فاجبتم یا أصحاب الجباه السود كنا نظن ان صلاتكم زهادة إلى الدنیا و شوق إلى لقاء اللَّه فلا ارى قراركم إلا إلى الدنیا من الموت ألا فقبحتا یا اشباه النیب الجلالة ما أنتم برائین بعدها عزا ابدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمین فسبّوه و سبّهم و ضربوا بسیاطهم وجه دابته و ضرب بسوطه وجوه دوابّهم فصاح بهم علىّ علیه السّلام فكفوا .

[ 337 ]

و قال الأشتر یا أمیر المؤمنین أحمل الصف على الصف یصرع القوم فقالوا له ان علیّا أمیر المؤمنین قد قبل الحكومة و رضی بحكم القرآن و لم یسعه إلاّ ذلك .

قال الأشتر ان كان أمیر المؤمنین قد قبل و رضی بحكم القرآن فقد رضیت بما رضی به أمیر المؤمنین . فأقبل النّاس یقولون قد رضى أمیر المؤمنین قد قبل أمیر المؤمنین و هو ساكت لا یفیض بكلمة مطرق إلى الأرض .

أقول : قول القوم یا على اجب القوم إلى كتاب اللَّه إذ دعیت الیه و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان اه اعتراف منهم بانّهم قد قتلوا عثمان بن عفان و لم یكن له علیه السّلام ید فی قتل عثمان بل تمسك به ابن آكلة الاكباد و اتباعه من الثعالب الرواغة لتهییج الفتنة و تفریق الكلمة و هدم اساس الدین و تشتیت شمل المسلمین كما مرّ قول أبی الیقظان عمار بن یاسر رضوان اللَّه علیه فی ذلك .

نصر باسناده عن إبراهیم بن الأشتر قال : قال الناس قد قبلنا ان نجعل القرآن بیننا و بینهم حكما و بعث معاویة أبا الاعور السلمى على برذون أبیض فسار بین الصفین صف أهل العراق وصف أهل الشام و یقول : كتاب اللَّه بیننا و بینكم .

« كتاب معاویة الى أمیر المؤمنین على ( ع ) »

فارسل معاویة إلى علىّ علیه السّلام أن هذا الأمر قد طال بیننا و بینك و كل واحد منّا یرى أنّه على الحق فیما یطلب من صاحبه و لن یعطی واحد منا الطاعة للآخر و قد قتل فیما بیننا بشر كثیر و أنا أتخوف أن یكون ما بقی أشدّ مما مضی و أنا نسأل عن ذلك الموطن و لا یحاسب به غیرى و غیرك فهل لك فی أمر لنا و لك فیه حیاة و عذر و براءة و صلاح للامة و حقن للدّماء و الفة للدین و ذهاب للضغائن و الفتن ان یحكم بیننا فانه خیر لی و لك و أقطع لهذه الفتن فاتق اللَّه فیما دعیت له و ارض بحكم القرآن إن كنت من أهله و السّلام .

« جواب أمیر المؤمنین على ( ع ) ایاه »

فكتب الیه علىّ بن أبى طالب علیه السّلام : من عبد اللَّه علىّ أمیر المؤمنین إلى معاویة بن أبی سفیان أمّا بعد فإنّ أفضل ما شغل به المرء نفسه اتباع ما

[ 338 ]

حسن به فعله و یستوجب فضله و یسلم من عیبه و ان البغى و الزور یزریان بالمرء فی دینه و دنیاه و یبدیان من خلله عند من یعنیه ما استرعاه اللَّه ما لا یغنی عنه تدبیره فاحذر الدنیا فانه لا فرح فی شی‏ء وصلت الیه منها و لقد علمت أنك غیر مدرك ما قضى فواته و قد رام قوم أمرا بغیر الحق فتأولوا على اللَّه تعالى فاكذبهم و متّعهم قلیلا ثمّ اضطرّهم إلى عذاب غلیظ ، فاحذر یوما یغتبط فیه من أحمد عاقبة عمله و یندم من امكن الشیطان من قیاده و لم یحادّه فغرّته الدنیا و اطمأن الیها ، ثمّ إنّك قد دعوتنی إلى حكم القرآن و لقد علمت أنّك لست من أهل القرآن إلى حكمه و لسنا إیاك أجبنا و من لم یرض بحكم القرآن فقد ضلّ ضلالا بعیدا .

أقول : كتابه علیه السّلام هذا مذكور فی النهج فى باب كتبه و رسائله الكتاب الثمانی و الأربعین إلاّ أن ما فی النهج بعض ما ذكرنا ههنا عن نصر .

« الكلام فى الحكمین أبى موسى الاشعرى و عمرو بن العاص »

قال نصر : جائت عصابة من القراء قد سلوا سیوفهم و اضعیها على عواتقهم فقالوا یا أمیر المؤمنین ما تنتظر بهؤلاء القوم أن نمشى إلیهم بسیوفنا حتى یحكم اللَّه بیننا و بینهم بالحق فقال لهم علیّ علیه السّلام قد جعلنا حكم القرآن بیننا و بینهم و لا یحلّ قتالهم حتى ننظر بما یحكم القرآن .

« كتاب معاویة الى أمیر المؤمنین على علیه السلام »

قال : و كتب معاویة إلى علیّ أما بعد عافانا اللَّه و إیّاك فقد آن لك أن تجیب إلى ما فیه صلاحنا و الفة بیننا و قد فعلت الذی فعلت و أنا اعرف حقى و لكن اشتریت بالعفو صلاح الامة و لا أكثر فرحا بشى‏ء جاء و لا ذهب و انما دخلنى فی هذا الامر القیام بالحق فیما بین الباغی و المبغی علیه و الامر بالمعروف و النهى عن المنكر فدعوت إلى كتاب اللَّه فیما بیننا و بینك فانه لا یجمعنا و إیاك إلاّ هو نحیى ما أحیى القرآن و نمیت ما أمات القرآن و السلام .

[ 339 ]

« كتاب أمیر المؤمنین على علیه السّلام الى عمرو بن العاص »

كتب علیّ علیه السّلام إلى عمرو بن العاص : أما بعد فان الدنیا مشغلة عن غیرها و لم یصب صاحبها منها شیئا إلاّ فتحت له حرصا یزیده فیها رغبة و لن یستغنى صاحبها بما نال عمّا لم یبلغه و من وراء ذلك فراق ما جمع و السعید من وعظ بغیره فلا تحبط أبا عبد اللَّه اجرك و لا تجار معاویة فی باطله .

« جواب عمرو بن العاص علیا علیه السّلام »

فأجابه عمرو بن العاص : اما بعد فان ما فیه صلاحنا و الفتنا الانابة إلى الحقّ و قد جعلنا القرآن حكما بیننا فأجبنا إلیه و صبر الرجل منا نفسه على ما حكم علیه القرآن و عذره الناس بعد المحاجزة .

« جواب أمیر المؤمنین علیه السّلام عمرو بن العاص »

فكتب إلیه أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام : أما بعد فانّ الذی اعجبك من الدنیا ممّا نازعتك إلیه نفسك و وثقت به منها لمنقلب عنك و مفارق لك فلا تطمئن إلى الدنیا فانها غرّارة و لو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقى و انتفعت بما وعظت به و السلام .

« جواب عمرو بن العاص علیا علیه السّلام ثانیا »

فاجابه عمرو : أما بعد فقد أنصف من جعل القرآن اماما و دعا الناس إلى أحكامه فاصبر أبا حسن و انا غیر منیلیك إلاّ ما انا لك القرآن .

أقول : كتاب أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام إلى عمرو بن العاص : امّا بعد فإنّ الدنیا مشغلة عن غیرها آه یأتی فی باب الكتب و الرسائل الكتاب التاسع و الاربعین و امّا جوابه علیه السّلام عمرا : اما بعد فانّ الذی اعجبك آه غیر مذكور فی النهج .

ثمّ جاء الاشعث بن قیس إلى علیّ علیه السّلام فقال ما أرى النّاس إلا و قد رضوا و سرّهم أن یجیبوا القوم إلى ما دعوهم إلیه من حكم القرآن فان شئت أتیت معاویة

[ 340 ]

فسألته ما یرید و نظرت ما الّذى یسأل ؟ قال علیه السّلام ایته إن شئت ، فأتاه فسأله فقال :

یا معاویة لأىّ شى‏ء رفعتم هذه المصاحف ؟ قال : لنرجع نحن و أنتم إلى ما أمر اللَّه به فی كتابه فابعثوا منكم رجلا ترضون به و نبعث منا رجلا ثمّ نأخذ علیهما أن یعملا بما فى كتاب اللَّه لا یعدوانه ثم تتبع ما اتفقا علیه .

« الاتفاق على الصلح و اختلاف أهل العراق فى الحكمین »

فقال الاشعث : هذا هو الحق فانصرف إلى علىّ علیه السّلام فاخبره بالذى قال و قال النّاس قد رضینا و قبلنا ، فبعث علىّ علیه السّلام قراء من أهل العراق و بعث معاویة قراء من أهل الشام فاجتمعوا بین الصفین و معهم المصحف فنظروا فیه و تدارسوه و أجمعوا على أن یحیوا ما احیى القرآن و أن یمیتوا ما أمات القرآن .

ثمّ رجع كلّ فریق إلى أصحابه و قال النّاس قد رضینا بحكم القرآن ، فقال أهل الشام فانا قد رضینا و اخترنا عمرو بن العاص .

و قال الاشعث و القراء الّذین صاروا خوارج فیما بعد فانا قد رضینا و اخترنا أبا موسى الأشعرى ، فقال لهم علىّ علیه السّلام إنى لا أرضى بابى موسى و لا أرى أن اولیّه فقال الأشعث و یزید بن حصین و مسعر بن فدكى فى عصابة من القراء انا لا نرضى إلاّ به فانه قد حذرنا ما وقعنا فیه ، قال علىّ علیه السّلام فانه لیس لى برضا و قد فارقنى و خذل الناس عنى ثمّ هرب حتى أمنته بعد اشهر و لكن هذا ابن عباس اولیّه ذلك قالوا و اللَّه ما نبالى أنت كنت أو ابن عباس لا نرید إلاّ رجلا هو منك و من معاویة سواء لیس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر قال علىّ علیه السّلام فانى اجعل الاشتر ،

قال الأشعث و هل سعّر الارض علینا غیر الاشتر و هل نحن إلا فى حكم الاشتر ،

قال له علىّ علیه السّلام و ما حكمه ؟ قال : حكمه أن یضرب بعضنا بعضا بالسیوف حتّى یكونن ما اردت و ما اراد .

نصر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبی جعفر محمّد بن علىّ علیهما السّلام قال : لما أراد الناس علیّا أن یضع حكمین قال لهم علىّ إن معاویة لم یكن لیضع لهذا الامر

[ 341 ]

أحدا هو أوثق برأیه و نظره من عمرو بن العاص و انه لا یصلح للقرشى إلا مثله فعلیكم بعبد اللّه بن عباس فارموه به فان عمرا لا یعقد عقدة إلاّ حلها عبد اللّه و لا یحلّ عقدة الا عقدها و لا یبرم أمرا إلاّ نقضه و لا ینقض أمرا إلاّ أبرمه ، فقال الأشعث لا و اللّه لا نحكم فینا مضریان حتى تقوم الساعة و لكن اجعله رجلا من أهل الیمن إذا جعلوا رجلا من مضر ، فقال علىّ علیه السّلام : إنّى أخاف أن یخدع یمنیكم فان عمرا لیس من اللّه فى شى‏ء حتى إذا كان له فى أمر هواه ، فقال الاشعث و اللّه لأن یحكما ببعض ما نكره و احدهما من أهل الیمن أحب إلینا من أن یكون ما نحبّ فی حكمهما و هما مضریان .

قال : قال علىّ علیه السّلام قد أبیتم الا أبا موسى ؟ قالوا : نعم قال : فاصنعوا ما أردتم فبعثوا إلى أبى موسى و قد اعتزل بأرض من أرض الشام یقال لها عرض و اعتزل القتال فأتاه مولى له فقال إن النّاس قد اصطلحوا ، قال : الحمد للّه رب العالمین ،

قال : و قد جعلوك حكما ، قال إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون .

فجاء أبو موسى حتى دخل عسكر علىّ و جاء الاشتر حتى أتى علیّا فقال له یا أمیر المؤمنین ألزّنی بعمرو بن العاص فو اللّه الذی لا إله إلاّ غیره لئن ملأت عینی منه لأقتلنه ، و جاء الاحنف بن قیس التمیمی فقال یا أمیر المؤمنین إنك قد رمیت بحجر الأرض و من حارب اللّه و رسوله أنف الاسلام و انی قد عجمت هذا الرّجل یعنی أبا موسى و حلبت اشطره فوجدته كلیل الشفرة قریب القعر و انه لا یصلح لهؤلاء القوم الا رجل یدنو منهم حتى یكون فی اكفهم و یتباعد منهم حتى یكون بمنزلة النجم منهم فان شئت أن تجعلنی حكما فاجعلنی فان شئت ان تجعلنی ثانیا أو ثالثا فانه لا یعقد عقدة إلا حللتها و لن یحلّ عقدة إلا عقدتها و عقدت لك اخرى اشد منها فعرض علیّ علیه السّلام ذلك على الناس فأبوه و قالوا : لا یكون إلاّ أبا موسى .

« صورة صحیفة الصلح و اختلاف الناس فى كتابتها »

قال نصر : فلما رضى أهل الشام بعمرو بن العاص و رضى أهل العراق بأبی موسى

[ 342 ]

أخذوا فی كتاب الموادعة و رضوا بالحكم حكم القرآن .

قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه و نصر بن مزاحم فی كتاب الصفین : فكتبوا :

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم هذا ما تقاضی علیه علىّ أمیر المؤمنین فقال معاویة بئس الرجل أنا ان اقررت انه أمیر المؤمنین ثم قاتلته ، و قال عمروا كتب اسمه و اسم أبیه انما هو أمیركم و أما أمیرنا فلا ، فلما اعید إلیه الكتاب أمر بمحوه فقال الاحنف لا تمح اسم امرة المؤمنین عنك فانی أتخوف ان محوتها لا ترجع إلیك ابدا لا تمحها و ان قتل الناس بعضهم بعضا فابى ملیا من النهار أن یمحوها .

ثمّ ان الاشعث بن قیس جاء فقال امح هذا الاسم فقال علىّ علیه السّلام لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر سنة بسنة انا و اللّه لعلی یدى رادّ هذا الامر یوم الحدیبیّة حین كتبت الكتاب عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : هذا ما تصالح علیه محمّد رسول اللّه و سهیل بن عمر و فقال سهیل لا اجیبك إلى كتاب تسمّى رسول اللّه و لو علم انك رسول اللّه لم اقاتلك إنی إذا ظلمتك ان منعتك أن تطوف ببیت اللّه و أنت رسول اللّه و لكن اكتب محمّد بن عبد اللّه اجیبك ، فقال محمّد صلّى اللّه علیه یا علیّ إنّ لرسول اللّه و انى لمحمّد بن عبد اللّه و لن یمحو عن الرسالة كتابی إلیهم من محمّد بن عبد اللّه فاكتب محمّد بن عبد اللّه فراجعنی المشركون فی عهد إلى مدّة فالیوم اكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى آبائهم سنة و مثلا .

فقال عمرو بن العاص : سبحان اللّه و مثل هذا أتشبهنا بالكفّار و نحن مؤمنون فقال له علىّ یا ابن النابغة و متى لم تكن للكافرین ولیّا و للمسلمین عدوّا و هل تشبه إلا امّك التى وضعت بك ؟ فقام عمرو فقال و اللّه لا یجمع بینی و بینك مجلس أبدا بعد هذا الیوم ، فقال علیّ علیه السّلام و اللّه انّی لأرجو أن یظهر اللّه علیك و على أصحابك 1 ثمّ جائت عصابة قد وضعوا سیوفهم على عواتقهم فقالوا یا أمیر المؤمنین مرنا بما شئت فقال لهم ابن حنیف أیّها الناس اتّهموا رأیكم فو اللّه لقد كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یوم الحدیبیة و لو نرى قتالا لقاتلنا و ذلك فی الصلح الذی صالح علیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله

-----------