-----------
( 1 ) و فى تاریخ الطبرى : لارجو أن یطهر اللّه عز و جل مجلسى منك و من أشباهك .

[ 343 ]

نصر بإسناده عن علقمة بن قیس النخعی قال : لما كتب علىّ علیه السّلام الصلح یوم صالح معاویة فدعا الاشتر لیكتب فقال قائل اكتب بینك و بین معاویة فقال إنی و اللّه لأنا كتبت الكتاب بیدی یوم الحدیبیة و كتبت بسم اللّه الرّحمن الرحیم فقال سهیل لا أرضى اكتب باسمك اللهم فكتبت هذا ما صالح علیه محمّد رسول اللّه سهیل ابن عمرو ، فقال لو شهدت انك لرسول اللّه لم اقاتلك ، قال علیّ علیه السّلام فغضبت فقلت بلى و اللّه انّه لرسول اللّه و ان رغم أنفك فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله اكتب ما یأمرك إن لك مثلها ستعطیها و أنت مضطهد .

و فی الامامة و السیاسة لابن قتیبة الدینورى قال فی الاختلاف فی كتابة صحیفة الصلح : و كتب بسم اللّه الرّحمن الرّحیم هذا ما تقاضی علیه علیّ بن أبیطالب و معاویة بن أبی سفیان . فقال أبو الاعور : أو معاویة و علیّ ، فقال الاشعث لا لعمر اللّه و لكن نبدأ بأوّلهما ایمانا و هجرة و أدناهما من الغلبة فقال معاویة قدّموا أو أخّروا .

قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه : فكتب كتاب القضیّة بین علیّ و معاویة فیما قیل یوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة 37 من الهجرة و قال نصر یوم الاربعاء لثلاث عشرة لیلة بقیت من صفر سنة سبع و ثلاثین ، أمّا صورة تلك الصحیفة فقال نصر بن مزاحم المنقری فی كتاب الصفین فكتبوا :

هذا ما تقاضی علیه علیّ بن أبی طالب و معاویة بن أبی سفیان و شیعتهما فیما تراضیا به من الحكم بكتاب اللّه و سنّة نبیّه صلّى اللّه علیه قضیة علی على أهل العراق و من كان من شیعته من شاهد او غائب انّا رضینا أن ننزل عند حكم القرآن فیما حكم و أن نقف عند أمره فیما أمر و أنّه لا یجمع بیننا الا ذلك و انا جعلنا كتاب اللّه فیما بیننا حكما فیما اختلفنا فیه من فاتحته إلى خاتمته نحیى ما أحیى و نمیت ما أمات على ذلك تقاضیا و به تراضیا و انّ علیّا و شیعته رضوا أن یبعثوا عبد اللّه بن قیس ناظرا و محاكما على أنّهم أخذوا علیهما عهد اللّه و میثاقه و اعظم ما أخذ اللّه على أحد من خلقه لیتخذا الكتاب إماما فیما بعث له لا یعدوانه إلى غیره فی الحكم بما وجداه فیه مسطورا و ما لم یجداه مسمّى فی الكتاب ردّاه إلى سنة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله

[ 344 ]

الجامعة لا یتعمّدان لها خلافا و لا یتّبعان فی ذلك لهما هوى و لا یدخلان فی شبهة و أخذ عبد اللّه بن قیس و عمرو بن العاص على علیّ علیه السّلام و معاویة عهد اللّه و میثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب اللّه و سنة نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و لیس لهما أن ینقضا ذلك و لا یخالفاه إلى غیره و انهما آمنان فی حكومتهما على دمائهما و أموالهما و أهلهما ما لم یعدوا الحق رضى بذلك راض أو أنكره منكر و أن الأئمة أنصار لهما على ما قضیا به من العدل فان توفى أحد الحكمین قبل انقضاء الحكومة فأمیر شیعته و أصحابه یختارون مكانه رجلا لا یألون عن أهل المعدلة و الاقساط على ما كان علیه صاحبه من العهد و المیثاق و الحكم بكتاب اللّه و سنة رسوله صلّى اللّه علیه و آله و له مثل شرط صاحبه و ان مات احد الأمیرین قبل القضاء فلشیعته أن یولّوا مكانه رجلا یرضون عدله و قد وقعت القضیّة و معها الامن و التفاوض و وضع السلاح و السلام و الموادعة و على الحكمین عهد اللّه و میثاقه أن لا یألوا اجتهادا و لا یتعمّدا جوابا و لا یدخلا فی شبهة و لا یعدوا حكم الكتاب و سنة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فان لم یفعلا برئت الامة من حكمهما و لا عهد لهما و لا ذمّة و قد وجبت القضیة على ما قد سمّى فى هذا الكتاب مع مواقع الشروط على الامیرین و الحكمین و الفریقین و اللّه اقرب شهیدا و أدنى حفیظا و الناس آمنون على انفسهم و أهلیهم و أموالهم إلى انقضاء مدة الاجل و السلاح موضوع و السبل مخلاّة و الغائب و الشاهد من الفریقین سواء فى الامن و للحكمین ان ینزلا منزلا عدلا بین أهل العراق و أهل الشام و لا یحضرهما فیه إلاّ من أحبّا عن ملا منهما و تراض و ان المسلمین قد أجّلوا القاضیین إلى انسلاخ رمضان فان رأى الحكمان تعجیل الحكومة فیما و جهاله عجلاها و ان أرادا تأخیره بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فان ذلك الیهما فان هما لم یحكما بكتاب اللّه و سنة نبیّه صلّى اللّه علیه و آله إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الاوّل فى الحرب و لا شرط بین واحد من الفریقین و على الامّة عهد اللّه و میثاقه على التمام و الوفاء بما فى هذا الكتاب و هم ید على من أراد فیه الحادا و ظلما أو حاول له نقضا .

فكتب أهل العراق كتابا لأهل الشام و كتب أهل الشام كتابا بهذا لأهل

[ 345 ]

العراق و شهد شهود أهل الشام على أهل العراق و شهد شهود أهل العراق على أهل الشام .

و قال ابن قتیبة الدینورى فى الامامة و السیاسة ان الكتاب كان بخط عمرو بن عبادة كاتب معاویة .

نصر عن عمر بن سعد قال حدثنى أبو إسحاق الشیبانی قال قرأت كتاب الصلح عند سعید بن أبى بردة فى صحیفة صفراء علیها خاتمان خاتم من اسفلها و خاتم من اعلاها ، فى خاتم علىّ علیه السّلام محمّد رسول اللّه و فى خاتم معاویة محمّد رسول اللّه فقیل لعلىّ علیه السّلام حین أراد ان یكتب الكتاب بینه و بین معاویة و أهل الشام أتقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال علىّ علیه السّلام ما اقرّ لمعاویة و لا لأصحابه انهم مؤمنون و لا مسلمون و لكن یكتب معاویة ما شاء و یقرّ بما شاء لنفسه و أصحابه و یسمّى نفسه و أصحابه ما شاء .

« كلام على علیه السّلام حین اقر الناس بالصلح »

نصر عن عمر بن سعد عن إسحاق بن یزید عن الشعبى ان علیّا علیه السّلام قال یوم صفّین حین أقرّ الناس بالصلح : إن هؤلاء القوم لم یكونوا لیفیؤا ( لینیبوا خ ل ) إلى الحق و لا لیجیبوا إلى كلمة السواء حتى یرموا بالمناسر تتبعها العساكر و حتى یرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب و حتى یجرّ ببلادهم الخمیس یتلوه الخمیس حتى تدعق الخیول فى نواحى ارضهم و باحناء مساربهم و مسارحهم و حتّى تشنّ علیهم الغارات من كل فجّ و حتى تلقاهم قوم صدق صبر لا یزیدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم فى سبیل اللّه إلاّ جدّا فى طاعة اللّه و حرصا على لقاء اللّه و لقد كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نقتل ( فقتل خ ل ) آبائنا و ابنائنا و اخواننا و اعمامنا ما یزیدنا ذلك إلا ایمانا و تسلیما و مضیّا على أمضّ الألم و جدّا على جهاد العدوّ و الاستقلال بمبارزة الاقران و لقد كان الرّجل منّا و الآخر من عدونا یتصاولان تصاول الفحلین یتخالسان أنفسهما ایّهما یسقى صاحبه كأس المنون فمرّة لنا من عدوّنا و مرّة لعدوّنا منّا فلمّا رآنا اللّه صبرا صدقا انزل اللّه بعدوّنا الكبت و انزل علینا النصر

[ 346 ]

و لعمرى لو كنّا نأتى مثل الذی أتیتم ما قام الدّین و لا عزّ الاسلام و ایم اللّه لتحلبنّها دما فاحفظوا ما أقول لكم یعنی الخوارج .

أقول : بعض كلامه علیه السّلام هذا مذكور فی النهج فی باب الخطب الخطبة الاثنتین و العشرین و المأة و اتى بفصل من كلامه علیه السّلام حین رجع أصحابه عن القتال بصفین لما اغترّهم معاویة برفع المصاحف فانصرفوا عن الحرب الشیخ المفید قدس سرّه فی الارشاد و هو :

لقد فعلتم فعلة ضعضعت من الاسلام قواه و اسقطت منته و اورثت و هنا و ذلة لمّا كنتم الاعلین و خاف عدوكم الاجتیاح و استخر بهم القتل و وجدوا الم الجراح رفعوا المصاحف و دعوكم إلى ما فیها لیفیؤوكم عنهم و یقطعوا الحرب فیما بینكم و بینهم و یتربصوا بكم ریب المنون خدیعة و مكیدة فما انتم ان جامعتموهم على ما احبّوا و اعطیتموهم الذین سألوا الا المغرورین و ایم اللّه ما أظنكم بعد موافقى رشد و لا مصیبى حزم .

« كلام الاشتر لما دعى للصحیفة »

قال نصر بإسناده عن عمّار بن ربیعة الجرمی : لما كتبت الصحیفة دعى لها الاشتر فقال لاصحبتنی یمینی و لا نفعتنی بعدها الشمال ان كتب لی فی هذه الصحیفة اسم على صلح و لا موادعة او لست على بینة من ربّی و یقین من ضلالة عدوّى أو لستم قد رأیتم الظفر ان لم تجمعوا على الخور ؟ فقال له رجل من النّاس إنّك و اللّه ما رأیت ظفرا و لا خورا هلمّ فاشهد على نفسك و اقرر بما كتب فى هذه الصحیفة فانه لا رغبة بك عن الناس فقال بلى و اللّه ان بى لرغبة عنك فى الدنیا للدنیا و فى الآخرة للآخرة و لقد سفك اللّه بسیفى هذا دماء رجال ما أنت بخیر منهم عندى و لا احرم دما فقال عمار بن ربیعة فنظرت إلى ذلك الرجل و كانما قصع على أنفه الحمم و هو الاشعث ابن قیس ، ثمّ قال و لكن قد رضیت بما صنع على أمیر المؤمنین علیه السّلام و دخلت فیما دخل فیه و خرجت ممّا خرج منه ، فانه لا یدخل الا فى هدى و صواب .

[ 347 ]

« كلام أمیر المؤمنین على علیه السّلام فى الاشتر رضوان اللَّه علیه »

نصر عن عمر عن فضیل بن خدیج قال قیل لعلیّ علیه السّلام لما كتبت الصحیفة إن الأشتر لم یرض بما فی هذه الصحیفة و لا یرى الاقتال القوم ، فقال علىّ علیه السّلام بلى إن الاشتر لیرضى إذا رضیت و قد رضیت و رضیتم و لا یصلح الرجوع بعد الرضا و لا التبدیل بعد الاقرار إلاّ ان یعصى اللّه و یتعدى ما فی كتابه و امّا الذّى ذكرتم من تركه أمرى و ما أنا علیه فلیس من اولئك و لیس أتخوّفه على ذلك و لیت مثله اثنان بل لیت فیكم مثله واحد یرى فى عدوّه مثل رأیه إذا لخفّت على مؤنتكم و رجوت أن یستقیم لى بعض اودكم و قد نهیتكم عما أتیتم فعصیتمونی و كنت أنا و أنتم كما قال أخو هوازن :

و هل أنا إلاّ من غزیّة إن غوت
غویت و إن ترشد غزیة أرشد

فقالت طائفة ممن معه و نحن ما فعلنایا أمیر المؤمنین إلاّ ما فعلت قال نعم فلم كانت إجابتكم إیاهم إلى وضع الحرب عنا ، و أما القضیّة فقد استوثقنا لكم فیها و قد طمعت ألا تضلّوا إن شاء اللّه ربّ العالمین .

ثمّ قالا و كان الكتاب فی صفر و الأجل فی شهر رمضان لثمانیة أشهر یلتقى الحكمان ثم ان الناس اقبلوا على قتلاهم یدفنونهم .

أقول : اتى بكلامه علیه السّلام هذا ، الشیخ المفید رضوان اللّه علیه فی الارشاد مع اختلاف یسیر فی بعض العبائر .

قال المسعودی : و لمّا وقع التحكیم تباغض القوم جمیعا یتبرء الاخ من أخیه و الابن من أبیه و أمر علیّ علیه السّلام بالرحیل لعلمه باختلاف الكلمة و تفاوت الرأى و عدم النظام لامورهم و ما لحقه من الخلاف منهم و كثرة التحكیم فی جیش أهل العراق و تضارب القوم بالمقارع و نعال السیوف و تسابوا و لام كلّ فریق منهم الآخر فی رأیه و سار علىّ یؤم الكوفة و لحق معاویة بدمشق من أرض الشام و فرق عساكره فلحق كل جند منهم ببلده .

و بالجملة لما اختار أهل العراق أبا موسى الاشعرى و اختار أهل الشام عمرو بن

[ 348 ]

العاص تفرق أهل صفین حین حكم الحكمان و اشترطا ان یرفعا ما رفع القرآن و یخفضا ما خفض القرآن و أن یختارا لامّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و انهما یجتمعان بدومة الجندل و هى على عشرة امیال من دمشق فان لم یجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل باذرح .

« اجتماع الفریقین و الحكمین بدومة الجندل »

قال نصر ان علیّا علیه السّلام بعث أربعمأة رجل و بعث علیهم شریح بن هانی الحارثی و بعث عبد اللّه بن عبّاس یصلى بهم و یلى امورهم و أبو موسى الاشعرى معهم ، و بعث معاویة عمرو بن العاص فی اربعمأة رجل إلى أن قال : ثمّ إنّهم خلوا بین الحكمین فكان رأى عبد اللّه بن قیس أبی موسى فی عبد اللّه بن عمر بن الخطاب و كان یقول و اللّه إن استطعت لأحیینّ سنة عمر .

« ما وصى به شریح بن هانى أبا موسى »

قال نصر : و فی حدیث محمّد بن عبید اللّه عن الجرجانی قال : لما اراد أبو موسى المسیر قام شریح بن هانی فأخذ بید أبی موسى فقال : یا أبا موسى انك قد نصبت لأمر عظیم لا یجبر صدعه و لا یستقال فتقه 1 و مهما تقل شیئا لك او علیك ثبت حقّه و یزول باطله و انّه لا بقاء لأهل العراق ان ملكها معاویة و لا بأس على أهل الشام ان ملكها علىّ و قد كان منك تثبیطة أیام قدمت الكوفة فان تشفعها بمثلها یكن الظن بك یقینا و الرجاء منك یأسا . ثمّ قال شریح فی ذلك شعرا :

أبا موسى رمیت بشرّ خصم
فلا تضع العراق فدتك نفسی

و اعط الحق شامهم و خذه
فإن الیوم فی مهل كأمس

و إنّ غدا یجی‏ء بما علیه
یدور الأمر من سعد و نحس

و لا یخدعك عمرو انّ عمرا
عدوّ اللّه مطلع كلّ شمس

-----------
( 1 ) فى الامامة و السیاسة لابن قتیبة : و لا تستقال فلتته . و فى شرح الشارح المعتزلى :

و لا تستقال فتنته .

[ 349 ]

له خدع یحار العقل فیها
مموّهة مزخرفة بلبس

فلا تجعل معاویة بن حرب
كشیخ فی الحوادث غیر نكس

هداه اللّه للاسلام فردا
سوى بنت النبیّ و اىّ عرس

قال نصر : فی غیر كتاب ابن عقبة : سوى عرس النّبیّ و أیّ عرس .

« ما قال أبو موسى فى جوابه »

فقال أبو موسى : ما ینبغی لقوم اتّهمونی أن یرسلونی لأدفع عنهم باطلا أو أجرّ الیهم حقّا .

« ما وصى به الاحنف بن قیس أبا موسى »

قال نصر : و كان آخر من ودع أبا موسى الاحنف بن قیس أخذ بیده ثمّ قال له : یا أبا موسى اعرف خطب هذا الأمر و اعلم ان له ما بعده و انّك ان ضیّعت العراق فلا عراق فاتق اللّه فانها تجمع لك دنیاك و آخرتك و إذا لقیت عمرا غدا فلا تبدءه بالسلام فانّها و إن كانت سنة إلاّ انّه لیس من أهلها و لا تعطه بیدك فانّها أمانة و إیاك ان یقعدك على صدر الفراش فانّها خدعة و تلقه وحده و احذره ان یكلمك فی بیت فیه مخدع تخبا فیه الرجال و الشهود ثمّ اراد ان یبور ما فی نفسه لعلیّ فقال له : فان لم یستقم لك عمرو على الرضا بعلیّ فخیره ان یختار أهل العراق من قریش الشام من شاؤوا فانّهم یولّونا الخیار فنختار من نرید و إن أبوا فلیخیّر أهل الشام من قریش العراق من شاؤوا فان فعلوا كان الأمر فینا .

قال أبو موسى : قد سمعت ما قلت و لم یتحاش لقول الاحنف . فرجع الاحنف فأتى علیّا علیه السّلام فقال یا أمیر المؤمنین أخرج و اللّه أبو موسى زبدة سقائه فی أوّل مخضه لا ارانا إلاّ بعثنا رجلا لا ینكر خلعك . فقال علىّ علیه السّلام یا احنف إن اللّه غالب على أمره .

« بعث الصلتان اشعارا من الكوفة الى دومة الجندل »

قال نصر : و فشا أمر الاحنف و أبی موسى فی النّاس إلى أن قال : و بعث الصلتان العبدى و هو بالكوفة بابیات إلى دومة الجندل .

لعمرك لا القى مدى الدهر خالعا
علیّا بقول الأشعرى و لا عمرو

[ 350 ]

فان یحكما بالحق نقبله منهما
و الا اثرناها كراغیة البكر

و لسنا نقول الدهر ذاك الیهما
و فی ذاك لو قلناه قاصمة الظهر

و لكن نقول الأمر بالحق كلّه
الیه و فی كفّیه عاقبة الأمر

و ما الیوم إلاّ مثل أمس و اننا
لفی رهق الضحضاح او لجة الأمر

فلما سمع النّاس قول الصلتان شحذهم ذلك على أبی موسى و استبطأه القوم و ظنوا به الظنون و اطبق الرجلان بدومة الجندل لا یقولان شیئا .

« قصة سعد بن أبى وقاص و ابنه عمر »

قال نصر : و كان سعد بن أبی وقاص قد اعتزل علیّا علیه السّلام و معاویة فنزل على ماء لبنی سلیم بأرض البادیه یتشوف الأخبار و كان رجلا له بأس و رأى فی قریش و لم یكن له فی علیّ و لا معاویة هوى فأقبل راكب یوضع من بعید فاذا هو بابنه عمر ابن سعد فقال یا أبی التقى النّاس بصفین فكان بینهم ما قد بلغك حتّى تفانوا ثمّ حكموا الحكمین عبد اللّه بن قیس و عمرو بن العاص و قد حضر ناس من قریش عندهما و أنت من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و من أهل الشورى و من قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : اتقوا دعواته و لم تدخل فی شی‏ء مما تكن هذه الامّة فاحضر دومة الجندل فانك صاحبها غدا ، فقال مهلا یا عمر إنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول یكون من بعدى فتنة خیر النّاس فیها الخفى التقى ، و هذا الأمر لم أشهد أوّله و لن أشهد آخره و لو كنت غامسا یدى فی هذا الأمر غمستها مع علیّ . قد رأیت القوم حملونی على حدّ السیف فاخترته على النّار فأقم عند أبیك لیلتك هذه ، فراجعه عمر حتّى طمع فی الشیخ فلمّا جنّه اللیل رفع صوته لیسمع أبوه فقال :

دعوت أباك الیوم و اللّه للّذى
دعانی الیه القوم و الأمر مقبل

فقلت لهم للموت أهون جرعة
من النّار فاستبقوا اخاكم او اقتلوا

فكفّوا و قالوا ان سعد بن مالك
مزخرف جهل و المجهّل أجهل

فلما رأیت الأمر قد جدّ جدّه
و كاشفنا یوم أغرّ مخجّل

هربت بدینی و الحوادث جمة
و فی الأرض أمن واسع و معوّل

[ 351 ]

فقلت معاذ اللّه من شرّ فتنة
لها آخر لا یستقال و أوّل

و لو كنت یوما لا محالة وافدا
تبعت علیّا و الهوى حیث یجعل

و لكننی زاولت نفسا شحیحة
على دینها تأبی علیّ و تبخل

فاما ابن هند فالتراب بوجهه
و ان هواى عن هواه لأمیل

فیا عمر ارجع بالنصیحة انّنی
سأصبر هذا العام و الصبر أجمل

فارتحل عمر و قد استبان له أمر أبیه .

أقول : عمر بن سعد هذا هو الّذی اطاع أهل الشقاق و النفاق و حملة الاوزار المستوجبین النّار و توازر على الحسین بن علیّ علیهما السّلام فی كربلاء و قد أخبر بذلك أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام كما ورد فی غیر واحد من الاخبار .

ففی الارشاد للمفید و الاحتجاج للطبرسى رضوان اللّه علیهما عن زكریا بن یحیى القطان عن فضل بن زبیر عن أبی الحكم قال سمعت مشیختنا و علماءنا یقولون خطب علیّ ابن أبی طالب علیه السّلام فقال فی خطبة : سلونی قبل أن تفقدونی فو اللّه لا تسألونی عن فئة تضل مأة و تهدى مأة إلا نبّأتكم بناعقها و سایقها إلى یوم القیامة فقام الیه رجل فقال أخبرنی كم فی رأسی و لحیتی من طاقة شعر فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام و اللّه لقد حدّثنی خلیلی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بما سئلت عنه و أن علی كلّ طاقة شعر من رأسك ملكا یلعنك و على كل طاقة شعر من لحیتك شیطانا یستفزّك و أن فی بیتك لسخلا یقتل ابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و آیة ذلك مصداق ما أخبرتك به و لولا أن الّذى سئلت عنه یعسر برهانه لاخبرتك به ، و لكن آیة ذلك ما نبّأت به من لعنتك و سخلك الملعون .

ثمّ قالا : و كان ابنه فی ذلك الوقت صبیّا صغیرا یحبو فلمّا كان من أمر الحسین علیه السّلام ما كان تولّی قتله و كان الأمر كما قال أمیر المؤمنین علیه السّلام .

ذلك الرجل السائل هو سعد بن أبی وقاص و ذلك السخل هو ابنه عمر كما صرّح بهما فی كثیر من الأخبار .

« ارسال معاویة المغیرة بن شعبة الى دومة الجندل »

قال نصر : و قد كانت الاخبار أبطأت على معاویة فبعث إلى رجال من قریش

[ 352 ]

من الذین كرهوا ان یعینوه فی حربه ان الحرب قد وضعت اوزارها و التقى هذان الرّجلان بدومة الجندل فاقدموا علیّ فأتاه عبد اللّه بن الزبیر و عبد اللّه بن عمر و أبو الجهم بن حذیفة و عبد الرحمان بن الاسود بن یغوث الزهرى و عبد اللّه بن صفوان الجمحى و رجال من قریش و أتاه المغیرة بن شعبة و كان مقیما بالطائف لم یشهد صفین فقال : یا مغیرة ما ترى ؟ قال : یا معاویة لو وسعنى أن أنصرك لنصرتك و لكن علیّ أن آتیك بأمر الرجلین فركب حتّى اتى دومة الجندل فدخل على أبی موسى كانه زائر له . فقال یا با موسى ما تقول فیمن اعتزل هذا الأمر و كره الدماء ؟ قال اولئك خیار النّاس خفّت ظهورهم من دمائهم و خمصت بطونهم من أموالهم .

ثمّ أتى عمرا فقال : یا با عبد اللّه ما تقول فیمن اعتزل هذا الأمر و كره هذه الدماء ؟ قال اولئك شرّ النّاس لم یعرفوا حقّا و لم ینكروا باطلا ، فرجع المغیرة إلى معاویة فقال له : قد ذقت الرجلین أما عبد اللّه بن قیس فخالع صاحبه و جاعلها الرجل لم یشهد هذا الأمر و هواه فی عبد اللّه بن عمر ، و أمّا عمرو فهو صاحبك الّذی تعرف و قد ظن النّاس انه یرومها لنفسه و انّه لا یرى انّك احق بهذا منه .

« ابتداء المكالمة و المشاجرة بین ابى موسى و عمرو بن العاص »

قال نصر : أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال یا عمرو هل لك فی أمر هو للامة صلاح و لصلحاء النّاس رضا ، نولى هذا الامر عبد اللّه بن عمر بن الخطاب الّذى لم یدخل فی شی‏ء من هذه الفتنة و لا هذه الفرقة ؟ و عبد اللّه بن عمرو بن العاص و عبد اللّه بن الزبیر قریبان یسمعان هذا الكلام ، فقال عمرو : فأین أنت عن معاویة ؟ فأبی علیه أبو موسى و شهدهم عبد اللّه بن هشام و عبد الرحمن بن یغوث و أبو الجهم بن حذیفة العدوى و المغیرة بن شعبه . فقال عمرو : أ لست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ؟ قال : بلى . قال :

اشهدوا فما یمنعك یا با موسى من معاویة ولیّ عثمان و بیته فی قریش ما قد علمت فان خشیت أن یقول النّاس ولّی معاویة و لیست له سابقة فان لك بذلك حجة تقول انّی وجدته ولیّ عثمان الخلیفة المظلوم الطالب بدمه الحسن السیاسة الحسن التدبیر

[ 353 ]

و هو أخو ام حبیبة امّ المؤمنین زوج النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و قد صحبه و هو أحد الصحابة ثمّ عرض له بالسلطان فقال ان هو ولى الأمر أكرمك كرامة لم یكرمك أحد قط .

فقال أبو موسى : اتق اللّه یا عمرو أمّا ذكرك شرف معاویة فان هذا الأمر لیس على الشرف یولاه أهله و لو كان على الشرف كان أحق النّاس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح ، إنّما هو لأهل الدین و الفضل ، مع انّی لو كنت أعطیه أفضل قریش شرفا اعطیته علیّ بن أبی طالب ، و أمّا قولك ان معاویة ولیّ عثمان فولّه هذا الأمر فانی لم أكن اولّیه معاویة و ادع المهاجرین الأوّلین ، و أمّا تعریضك بالسلطان فو اللّه لو خرج لی من سلطانه ما ولّیته و لا كنت لأرتشی فی اللّه و لكنّك إن شئت أحیینا سنة عمر بن الخطاب و فی روایة اخرى : انه قال : و اللّه إن استطعت لأحیین اسم عمر ابن الخطاب .

فقال عمرو بن العاص : إن كنت ترید أن تبایع ابن عمر فما یمنعك من ابنی و أنت تعرف فضله و صلاحه ؟ قال : ان ابنك رجل صدق و لكنّك قد غمسته فی هذه الفتنة .

قال أبو موسى لعمرو : ان شئت ولینا هذا الأمر الطیب بن الطیب عبد اللّه بن عمر ، فقال عمرو : إن هذا الامر لا یصلح له إلا رجل ضرس یأكل و یطعم و ان عبد اللّه لیس هناك و كان فی أبی موسى غفلة . فقال ابن الزبیر لابن عمر : اذهب إلى عمرو بن العاص فارشه . فقال عبد اللّه بن عمر : لا و اللّه ما ارشو علیها ابدا ما عشت و لكنّه قال له ویلك یا ابن العاص ان العرب قد اسندت الیك أمرها بعد « ما ظ » تقارعت بالسیوف و تشاجرت بالرماح فلا تردهم فی فتنة و اتق اللّه .

« ما أوصى به أمیر المؤمنین على ( ع ) الى عمرو بن العاص »

نصر قال عمر عن أبی زهیر العبسى عن النضر بن صالح قال كنت مع شریح ابن هانی فی غزوة سجستان فحدّثنی ان علیّا علیه السّلام اوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص قال له قل لعمرو إن أنت لقیته إن علیّا یقول لك :

إن أفضل الخلق عند اللّه من كان العمل بالحق أحبّ الیه و ان نقصه ، و إن أبعد

[ 354 ]

الخلق من اللّه من كان العمل بالباطل أحبّ الیه و ان زاده ، و اللّه یا عمرو إنّك لتعلم أین موضع الحق فلم تتجاهل أبأن اوتیت طمعا یسیرا ؟ فكنت للّه و لاولیائه عدوّا فكان و اللّه ما اوتیت قد زال عنك فلا تكن للخائنین خصیما و لا للظالمین ظهیرا أما انّی أعلم ان یومك الّذی أنت فیه نادم هو یوم وفاتك و سوف تتمنّی أنّك لم تظهر لمسلم عداوة و لم تأخذ على حكم رشوة .

قال شریح : فابلغته ذلك فتعمر وجه عمرو و قال و متى كنت أقبل مشورة علىّ او انیب إلى أمره او اعتدّ برأیه فقلت و ما یمنعك یا ابن النابغة ان تقبل من مولاك و سید المسلمین بعد نبیّهم صلّى اللّه علیه و آله مشورته لقد كان من هو خیر منك أبو بكر و عمر یستشیر انه و یعملان برأیه ، فقال إنّ مثلى لا یكلم إلا مثلك فقلت بأى أبویك ترغب عن كلامى بأبیك الوسیط أم بامّك النّابغة ؟ فقام من مكانه و قمت .

« روغان عمرو بن العاص و مكره فى خلع أمیر المؤمنین على ( ع ) و نصب معاویة و اغترار أبى موسى »

قال نصر : قال عمر بن سعد قال حدثنی أبو خباب الكلبی إن عمرا و أبا موسى حیث التقیا بدومة الجندل أخذ عمرو یقدم عبد اللّه بن قیس فی الكلام و یقول انك قد صحبت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قبلی و أنت أكبر منّی فتكلّم ثمّ أتكلّم و كان عمرو قد أعدّ أبا موسى یقدّمه فی كلّ شی‏ء و انما اغترّه بذلك لیقدّمه فیبد أبخلع علیّ علیه السّلام فنظرا فی أمرهما و ما اجتمعا علیه فاراده عمرو على معاویة فأبى و اراده على ابنه فابى ، و اراده أبو موسى على عبد اللّه بن عمر فأبى علیه عمرو ، قال فاخبرنی ما رأیك یا با موسى ؟

قال رأیى أن اخلع هذین الرجلین علیّا و معاویة ثمّ نجعل هذا الامر شورى بین المسلمین یختارونه لانفسهم من شاؤوا و من أحبّوا ، فقال له عمرو : الرأى ما رأیت ،

و قال عمرو یا با موسى انه لیس أهل العراق باوثق بك من أهل الشام لغضبك لعثمان و بغضك للفرقة و قد عرفت حال معاویة فی قریش و شرفه فى عبد مناف و هو ابن هند و ابن أبى سفیان فما ترى ؟ قال أرى خیرا أمّا ثقة أهل الشام بی فكیف یكون ذلك

[ 355 ]

و قد سرت الیهم مع علىّ و أمّا غضبى لعثمان فلو شهدته لنصرته و أمّا بغضى للفتن فقبّح اللّه الفتن و أما معاویة فلیس باشرف من علىّ و باعده أبو موسى فرجع عمرو مغموما فخرج عمرو و معه ابن عم له غلام شاب و هو یقول :

یا عمرو انك للامور مجرّب
فارفق و لا تقذف برأیك أجمع

و استبق منه ما استطعت فانه
لا خیر فى رأى إذا لم ینفع

و اخلع معاویة بن حرب خدعة
یخلع علیّا ساعة و تصنع

و اجعله قبلك ثمّ قل من بعده
إذهب فمالك فى ابن هند مطمع

تلك الخدیعة ان اردت خداعه
و الراقصات إلى منى خذ أودع

فافترصها عمرو و قال یا با موسى ما رأیك ؟ قال رایى أن أخلع هذین الرّجلین ثمّ یختار الناس لأنفسهم من أحبّوا فأقبلا إلى النّاس و هم مجتمعون ، فتكلم أبو موسى فحمد اللّه و اثنى علیه فقال : إن رأیى و رأى عمرو قد اتفق على امر نرجو ان یصلح اللّه به أمر هذه الامّة قال عمرو صدق ، ثمّ قال یابا موسى فتكلم فتقدم أبو موسى لیتكلم فدعاه ابن عباس فقال ویحك و اللّه انى لاظنّه قد خدعك ان كنتما قد اتفقتما على امر فقدّمه قبلك فیتكلم بذلك الامر قبلك ثم تكلم أنت بعده فان عمرا رجل غدّار و لا آمن أن یكون قد أعطاك الرضا فیما بینك و بینه فاذا قمت به فى النّاس خالفك و كان أبو موسى رجلا مغفلا فقال : إنا قد اتفقنا فتقدم أبو موسى فحمد اللّه و اثنى علیه ثمّ قال :

یا أیها الناس انا قد نظرنا فى أمر هذه الامة فلم نر شیئا هو اصلح لأمر هؤلاء و ألمّ لشعثها ان لا امورها « كذا » و قد اجمع رأیى و رأى صاحبى عمرو على خلع علىّ و معاویة و نستقبل هذا الامر فیكون شورى بین المسلمین فیولون امورهم من أحبّوا و انّى قد خلعت علیّا و معاویة فاستقبلوا أمركم و ولوا من رأیتم لها أهلا ثمّ تنحى فقعد .

و قام عمرو بن العاص مقامه فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال إن هذا قال قد سمعتم و خلع صاحبه و أنا أخلع صاحبه كما خلعه و اثبت صاحبى معاویة فانه ولىّ عثمان

[ 356 ]

و الطالب بدمه و أحق النّاس بمقامه فقال له أبو موسى مالك لا وفقك اللّه قد غدرت و فجرت و إنما مثلك مثل الكلب ان تحمل علیه یلهث أو تتركه یلهث إلى آخر الایة فقال له عمرو انما مثلك مثل الحمار یحمل أسفارا إلى آخر الایة ، و حمل شریح بن هانى على عمرو فقنعه بالسوط و حمل على شریح ابن لعمرو فقرّبه بالسوط و قام النّاس فحجزوا بینهم فكان شریح یقول بعد ذلك ما ندمت على شى‏ء ندامتى ان لا ضربته بالسیف بدل السوط اتى الدهر بما أتى به ، و التمس أصحاب علىّ أبا موسى فركب ناقته فلحق بمكة فكان ابن عباس یقول : قبح اللّه أبا موسى حذرته و أمرته بالرأى فما عقل و كان أبو موسى یقول قد حذرنى ابن عباس غدرة الفاسق و لكن اطمأننت إلیه و ظننت انه لن یؤثر شیئا على نصیحة الامّة ، ثم انصرف عمرو و أهل الشام إلى معاویة فسلموا علیه بالخلافة و رجع ابن عبّاس و شریح بن هانى إلى علیّ علیه السّلام ،

و قال أصحاب علىّ علیه السّلام و انّا الیوم لعلىّ علیه السّلام ما كنّا علیه أمس .

و فى الامامة و السیاسة للدینوری بعد نقل طائفة مما قال عمرو لأبى موسى قال عمرو له : فهل لك ان تخعلهما جمیعا و تجعل الامر لعبد اللّه بن عمر ، فقد صحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لم یبسط فى هذه الحرب یدا و لا لسانا و قد علمت من هو مع فضله و زهده و ورعه و علمه ؟

فقال أبو موسى : جزاك اللّه بنصیحتك خیرا و كان أبو موسى لا یعدل بعبد اللّه بن عمر أحدا لمكانه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و مكانه من أبیه لفضل عبد اللّه فى نفسه و افترقا على هذا و اجتمع رأیهما على ذلك .

ثمّ إن عمرا غدا على أبى موسى بالغد و جماعة الشهود فقال یا أبا موسى ناشدتك اللّه تعالى من أحقّ بهذا الامر من أوفى أو من غدر ؟ قال أبو موسى : من أوفى قال عمرو : یا أبا موسى نشدتك اللّه تعالى ما تقول فى عثمان ؟ قال أبو موسى : قتل مظلوما ، قال عمرو : فما الحكم فیمن قتل ؟ قال أبو موسى : یقتل بكتاب اللّه تعالى قال فمن یقتله ؟ قال : أولیاء عثمان ، قال فان اللّه یقول فى كتابه العزیز و من قتل مظلوما فقد جعلنا لولیه سلطانا قال فهل تعلم أن معاویة من أولیاء عثمان ؟ قال :

[ 357 ]

نعم قال عمرو للقوم : اشهدوا قال أبو موسى للقوم : اشهدوا على ما یقول عمرو .

ثمّ قال أبو موسى لعمرو : ثم یا عمرو فقل و صرّح بما اجتمع علیه رأیى و رأیك و ما اتفقنا علیه فقال عمرو : سبحان اللّه أقوم قبلك و قد قدّمك اللّه قبلی فی الایمان و الهجرة و أنت وافد أهل الیمن إلى رسول اللّه و وافد رسول اللّه إلیهم و بك هداهم اللّه و عرّفهم شرائع دینه و سنّة نبیّه و صاحب مغانم أبی بكر و عمر و لكن قم أنت فقل ثم أقول فأقول فقام أبو موسى فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال ایها الناس انّ خیر الناس للناس خیرهم لنفسه و انی لا أهلك دینی بصلاح غیرى و ان هذه الفتنة قد أكلت العرب و انى رأیت و عمرا أن نخلع علیا و معاویة و نجعلهما لعبد اللّه بن عمر فانه لم یبسط فی هذه الحرب یدا و لا لسانا .

ثمّ قام عمرو فقال أیها الناس هذا أبو موسى شیخ المسلمین و حكم أهل العراق و من لا یبیع الدین بالدنیا و قد خلع علیا و اثبت معاویة فقال أبو موسى مالك ؟ علیك لعنة اللّه ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث ، فقال عمرو لكنك مثل الحمار یحمل اسفارا ،

و اختلط الناس فقالوا و اللّه لو اجتمعنا على هذا ما حوّلتمانا عما نحن علیه و ما صلحكما بلازمنا و إنا الیوم على ما كنا علیه أمس و لقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن یقع و ما أمات قولكما حقا و لا احیى باطلا .

ثمّ تشاتم أبو موسى و عمرو ثمّ انصرف عمرو إلى معاویة و لحق أبو موسى بمكة و انصرف القوم إلى علیّ فقال عدیّ : اما و اللّه یا أمیر المؤمنین لقد قدّمت القرآن و أخرت الرجال و جعلت الحكم للّه فقال علیّ أما انی قد أخبرتكم أن هذا یكون بالأمس و جهدت أن تبعثوا غیر أبی موسى فأبیتم علىّ و لا سبیل إلى حرب القوم حتّى تنقضى المدة .

ثمّ إن قضیّة أبی موسى و عمرو فی ذلك نقلت بوجوه اخرى أیضا منها ما فی مروج الذهب للمسعودی إلى أن قال : فقام أبو موسى فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على نبیّه صلّى اللّه علیه و سلم ثمّ قال أیها النّاس انا قد نظرنا فی أمرنا فرأینا أقرب ما یحضرنا من الامن و الصلاح و لمّ الشعث و حقن الدماء و جمع الالفة خلعنا علیّا

[ 358 ]

و معاویة و قد خلعت علیا كما خلعت عمامتى هذه و أهوى إلى عمامته فخلعها و استخلفا رجلا قد صحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم بنفسه و صحب أبوه النبی فبرز فی سابقته و هو عبد اللّه بن عمر ، و اطراه و رغب الناس فیه و نزل ، فقام عمرو فحمد اللّه و اثنى علیه و صلّى على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ قال : أیها الناس ان أبا موسى عبد اللّه بن قیس خلع علیّا و اخرجه من هذا الامر الذى یطلب و هو أعلم به ألا و إنی خلعت علیا معه و اثبت معاویة علیّ و علیكم و أن أبا موسى قد كتب فی الصحیفة ان عثمان قد قتل مظلوما شهیدا و ان لولیه أن یطلب بدمه حیث كان و قد صحب معاویة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بنفسه و صحب أبوه النبی صلّى اللّه علیه و آله و اطراه و رغب الناس فیه و قال هو الخلیفة علینا و له طاعتنا و بیعتنا على الطلب بدم عثمان ، فقال أبو موسى كذب عمرو لم نستخلف معاویة و لكنا خلعنا معاویة و علیّا معا فقال عمرو : بل كذب عبد اللّه بن قیس قد خلع علیا و لم یخلع معاویة .

و منها ما أتى به المیبدی فی شرح الدیوان المنسوب إلى أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام عند قوله :

لقد عجزت عجز من لا یقتدر
سوف اكیس بعدها و أستمر

أرفع من ذیلی ما كان یجر
قد یجمع الامر الشتیت المنتشر

فقام أبو موسى و قال و قد خلعت علیا كما خلعت خاتمی هذا من یدى ثمّ قام عمرو و قد خلع خاتمه من یده قبل فقال أیها الناس انی اثبت معاویة علیّ و علیكم كما وضعت خاتمی هذا فی یدی ثمّ تشاتم أبو موسى و عمرو و لحقّ أبو موسى بمكة و لم یعد إلى الكوفة و قد كانت خطته و أهله و ولده بها و آلى أن لا ینظر إلى وجه علیّ علیه السّلام ما بقی .

قال نصر : فتشاتم عمرو و أبو موسى من لیلته فاذا ابن عم لابی موسى یقول :

أبا موسى بلیت فكنت شیخا
قریب القعر مدهوش الجنان

رمى عمرو صفاتك یا ابن قیس
بأمر لا تنوء به الیدان

و قد كنا نحمجم عن ظنون
فصرّحت الظنون عن العیان

فعض الكفّ من ندم و ماذا
یرد علیك عضّك بالبنان

[ 359 ]

و شمت أهل الشام بأهل العراق و قال أبو موسى انما كان غدرا من عمرو .

قال نصر : و كان علیّ علیه السّلام إذا صلّى الغداة و المغرب و فرغ من الصلاة یقول اللهم العن معاویة و عمرا و أبا موسى و حبیب بن مسلمة و الضحاك بن قیس و الولید ابن عقبة و عبد الرحمن بن خالد بن الولید فبلغ ذلك معاویة فكان إذا قنت لعن علیّا و ابن عباس و قیس بن سعد و الحسن و الحسین ، و فی نقل آخر لما اقنت علیّ علیه السّلام على خمسة و لعنهم و هم معاویة و عمرو بن العاص و ابو الاعور السلمى و حبیب بن مسلمة و بسر بن ارطاة ، اقنت معاویة على خمسة و هم علیّ و الحسن و الحسین و عبد اللّه بن العبّاس و الاشتر و لعنهم .

أقول : بسر بن ارطاة هو الذی بعثه معاویة إلى الیمن فی جیش كثیف و أمره أن یقتل كلّ من كان فی طاعة علیّ علیه السّلام فقتل خلقا كثیرا و قتل فیمن قتل ابنی عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطلب و كانا غلامین صغیرین ، و فعل بسر فی الحجاز و الیمن بأمر معاویة ما فعل ، و بسر هذا تفوّه به أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فی الخطبة الخامسة و العشرین حیث قال علیه السّلام : انبئت بسرا قد اطلع الیمن ، إلى آخرها .

و دعا أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام على بسر هذا فقال علیه السّلام : اللهم ان بسرا باع دینه بالدنیا و انتهك محارمك و كانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده مما عندك فلا تمته حتى تسلبه عقله و لا توجب له رحمتك و لا ساعة من نهار اللهم العن بسرا و عمرا و معاویة و لیحلّ علیهم غضبك و لتنزل بهم نقمتك و لیصبهم بأسك و زجرك الّذی لا تردّه عن القوم المجرمین .

فلم یلبث بسر بعد ذلك إلا یسیرا حتى وسوس و ذهب عقله فكان یهدى بالسیف و یقول اعطونی سیفا أقتل به لا یزال یردد ذلك حتى اتخذ له سیف من خشب و كانوا یدنون منه المرفقة فلا یزال یضربها حتى یغشى علیه فلبث كذلك إلى أن مات ، رواه أبو الحسن المدائنی كما فی الجزء الثانی من شرح الشارح المعتزلی .

و قریب من ذلك رواه أبو جعفر الطبری فی تاریخه و غیره من نقلة الأخبار و الآثار عن حسین بن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام من انه بعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج

[ 360 ]

على خمسمأة فارس فنزلوا على الشریعة و حالوا بین حسین و أصحابه و بین الماء أن یسقوا منه قطرة و ذلك قبل قتل الحسین بثلاث قال و نازله عبد اللّه بن أبی حصین الأزدی و عداده فی بجیلة فقال یا حسین ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء و اللّه لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا فقال حسین علیه السّلام اللّهم اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا ، قال قال حمید بن مسلم و اللّه لعدته بعد ذلك فی مرضه فو اللّه الّذی لا إله إلاّ هو لقد رأیته یشرب حتّى بغر ثمّ یقى‏ء ثمّ یعود فیشرب حتى یبغر فما یروى فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصّته یعنى نفسه .

و روى أیضا فی تاریخه : أن رجلا من بنی تمیم یقال له عبد اللّه بن حوزة جاء حتى وقف أمام الحسین علیه السّلام فقال یا حسین یا حسین فقال حسین علیه السّلام ما تشاء ؟ قال ابشر بالنار قال كلاّ إنی أقدم على ربّ رحیم و شفیع و مطاع من هذا ؟ قال له أصحابه هذا ابن حوزة قال ربّ حزه إلى النار قال فاضطرب به فرسه فی جدول فوقع فیه و تعلقت رجله بالركاب و وقع رأسه فی الأرض و نفر الفرس فأخذه یمرّ به فیضرب برأسه كلّ حجر و كلّ شجرة حتى مات .

و روى أیضا فی تاریخه : و مكث الحسین طویلا من النهار كلما انتهى إلیه رجلا من كندة یقال له مالك بن النسیر من بنى بدّاء أتاه فضربه على رأسه بالسیف و علیه برنس له فقطع البرنس و اصاب السیف رأسه فادمى رأسه فامتلأ البرنس دما فقال له الحسین علیه السّلام لا أكلت بها و لا شربت و حشرك اللّه مع الظالمین إلى أن قال فذكر أصحاب الكندى انه لم یزل فقیرا بشر حتى مات .

و نظائر هذه مما صدر من حجج اللّه و رسله سیّما من خاتم النبیّین و آله الطاهرین من خوارق العادت كثیرة جدا نقلت فی كتب الفریقین بعضها بلغ إلى حد التواتر و بعضها إلى حدّ الشهرة .

و لیعلم أن أهل اللّه لو تفوهوا بالدعاء لقوم أو علیهم لأثر ذلك عاجلا لأنهم بلغوا فی اتصافهم بالصفات الملكوتیة و تخلقهم بالاخلاق الالهیّة و تقربهم إلى المبادی العالیة سیّما إلى مبدء المبادى و علة العلل اللّه عزّ و جلّ إلى مرتبة منیعة و درجة رفیعة حیث لا فرق بینهم و بین حبیبهم فی صدور كثیر من الافعال عنهم كما

[ 361 ]

ورد فی الحدیث القدسی : عبدى أطعنى حتّى أجعلك مثلى ، و فی الحدیث النّبوىّ العبودیّة جوهرة كنهها الربوبیّة ، و تأثیر القوى النفسانیّة یصیر إلى حد معجب لمن كان بمعزل عن العلم بأسرار النفس و نعم ما قال العارف السعدى :

حكایت كنند از بزرگان دین
حقیقت شناسان عین الیقین

كه صاحبدلى بر پلنگى نشست
همى راند هموار و مارى بدست

یكى گفتش اى مرد راه خداى
بدین ره كه رفتى مرا ره نماى

چه كردى كه درّنده رام تو شد
نگین سعادت بنام تو شد

بگفت ار پلنگم زبونست و مار
و گر پیل و كركس شگفتى مدار

تو هم گردن از حكم داور مپیچ
كه گردن نپیچد ز حكم تو هیچ

چو حاكم بفرمان داور بود
خدایش نگهبان و یاور بود

محالست چون دوست دارد ترا
كه در دست دشمن گذارد ترا

یكى دیدم از عرصه رود بار
كه پیش آمدم بر پلنگى سوار

چنان هول از این حال بر من نشست
كه ترسیدنم پاى رفتن ببست

تبسّم كنان دست بر لب گرفت
كه سعدى مدار آنچه دیدى شگفت

ره اینست رو از حقیقت متاب
بنه گام و كامى كه دارى بیاب

ثمّ انّ ظهور الآثار الغریبة اثر تكوینی لهذه الجوهرة النفیسة القدسیّة فیعمّ الكل و كلما كانت اقوى كان فعلها أشد سیّما إذا كان حجة اللّه على عباده من نبیّ أو وصیّ فانهم بسبب شدة انسلاخهم عن النواسیت الانسانیة تدوم علیهم الاشراقات العلویّة بسبب الاستضاءة بضوء القدس و الالف بسناء المجد فتطیعهم مادّة الكائنات القابلة للصور المفارقة باذن اللّه تعالى فیتأثر الموادّ عن أنفسهم كما یتأثر أبدانهم عنها فلهذا یكون دعاؤهم مسموعا فی العالم الاعلى و القضاء السابق و یتمكن فی انفسهم نور خلاق به یقدرون على الأشیاء التى یعجز عنها غیرهم قال عزّ من قائل فی الكتاب الّذى لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه خطابا لعیسى بن مریم علیهما السّلام « و إذ تخلق من الطین كهیئة الطیر باذنی فتنفخ فیها فتكون طیرا باذنی و تبرى‏ء الاكمه

[ 362 ]

[ 375 ]

اكفارهم على ما قدمناه انتهى ما أردنا نقله منه رحمه اللّه .

« اشكال و حل »

فان قلت : إذا كان محاربوا علیّ علیه السّلام كفرة فلم لم یجر علیهم أحكام الكفر لمّا غلب علیهم من نهب أموالهم و سبى نسائهم و غیر ذلك ؟

قلت : كما ان للایمان مراتب و درجات كذلك للكفر ، و النهب و السبى و أمثالهما من الاحكام یختص بمحاربى المشركین دون غیرهم من الكفار كما نرى من غزوات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله المشركین .

قال الشیخ الطوسى ( ره ) فی كتاب الباغی من الخلاف : إذا وقع اسیر من أهل البغی فی المقاتلة كان للامام حبسه و لم یكن قتله و به قال الشافعی و قال أبو حنیفة : له قتله .

ثمّ قال : دلیلنا اجماع الفرقة و أیضا روى عبد اللّه بن مسعود قال : قال لی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یا ابن امّ عبد ما حكم من بغى من امتی ؟ قال قلت : اللّه و رسوله أعلم فقال صلّى اللّه علیه و آله لا یتبع و لا یحاز ( و لا یجهز خ ل ) على جریحهم و لا یقتل اسیرهم و لا یقسم فیئهم و هذا نص و روى ان رجلا اسیرا جى‏ء به إلى علیّ علیه الصلاة و السلام یوم صفین فقال لا اقتلك صبرا إنى أخاف اللّه ربّ العالمین .

و قال العلامة قدس سرّه فی كتاب الجهاد من المختلف : المشهور بین علمائنا تحریم سبى نساء البغاة و قال اختلف علماؤنا فی قسمة ما حواه العسكر من أموال البغاة فذهب السید المرتضى فی المسائل الناصریة إلى أنها لا تقسم و لا تغنم قال و مرجع النّاس فی ذلك كلّه إلى ما قضى به أمیر المؤمنین علیه السّلام فی محاربی أهل البصرة فانه منع من غنیمة أموالهم و قسمتها كما تقسم أموال الحرب و لا أعلم خلافا من الفقهاء فی ذلك و لما رجع أمیر المؤمنین علیه السّلام فی ذلك قال أیكم تأخذ عائشة فی سهمه و لا امتناع فی مخالفة حكم قتال أهل البغى لقتال أهل الحرب كما خالفه فی أنه لا یتبع مولیهم و ان كان اتباع المولى من باقی المحاربین جائر و انما اختلف

[ 376 ]

الفقهاء فی الانتفاع بدوابّ أهل البغى و سلاحهم فی دار الحرب إلى أن قال : و روى أنّ علیّا علیه السّلام لما هزم النّاس یوم الجمل قالوا له یا أمیر المؤمنین ألا تأخذ أموالهم ؟ قال : لا لانهم تحرموا بحرمة الاسلام فلا یحل أموالهم فی دار الهجرة .

و بالجملة للبغاة الخارجین على الامام العادل أحكام تخص بهم و ان كانوا كافرین و للمشركین المحاربین أحكام تخص بهم و عنون الشیخ المفید قدس سرّه فی ذلك فصلا فی كتابه الموسوم بالافصاح ، و كذا الشیخ الطوسی فی تلخیص الشافی و لا بأس بنقل كلام المفید لانه رحمه اللّه أوجز و افاد قال :

فان قالوا : فاذا كان محاربوا أمیر المؤمنین علیه السّلام كفارا عندكم بحربه مرتكبى العناد فی خلافه فما باله علیه السّلام لم یسر فیهم بسیرة الكفار فیجهز على جرحهم و یتبع مدبرهم و یغنم جمیع أموالهم و یسبى نسائهم و ذراریهم و ما انكرتم ان یكون عدوله عن ذلك یمنع من صحة القول علیهم بالاكفار ؟

قیل لهم : ان الذى وصفتموه فی حكم الكفار انما هو شی‏ء یختص بمحاربی المشركین لم یوجد فی حكم الاجماع و السنة فیمن سواهم فی سائر الكفار فلا یجب ان یتعدی منهم إلى غیرهم بالقیاس الا ترون ان أحكام الكافرین تختلف فمنهم من یجب قتله على كلّ حال ، و منهم من یجب قتله بعد الامهال ، و منهم من تؤخذ منه الجزیة و یحقن دمه بها و لا یستباح ، و منهم من لا یحلّ دمه و لا یؤخذ منه الجزیة على حال ، و منهم من یحل نكاحه ، و منهم من یحرم بالاجماع فكیف یجب اتفاق الاحكام من الكافرین على ما اوجبتموه فیمن سمیناه إذا كانوا كفارا و هى على ما بیناه فی دین الاسلام من الاختلاف . ثمّ قال رحمه اللّه :

ثمّ یقال لهم : خبرونا هل تجدون فی السنّة أو الكتاب او الاجماع فی طائفة من الفساق بقتل المقلین منهم و ترك المدبرین و حظر الاجهاز على جرحى المقاتلین و غنیمة ما حوى عسكرهم دون ما سواه من امتعتهم و أموالهم اجمعین ، فان ادعوا معرفة ذلك و وجوده طولبوا بتعیینه فیمن عدا البغاة من محاربی أمیر المؤمنین علیه السّلام فانهم یعجزون عن ذلك و لا یستطیعون إلى اثباته سبیلا ، و ان قالوا ان ذلك و ان كان غیر

[ 377 ]

موجود فی طائفة من الفاسقین فحكم أمیر المؤمنین علیه السّلام به فی البغاة دلیل على أنه فی السنة أو الكتاب و ان لم یعرف وجه التعیین قیل لهم ما انكرتم أن یكون حكم أمیر المؤمنین علیه السّلام فی البغاة ممن سمیتموه دلیلا بعد دلیل انّه حكم اللّه فی طائفة من الكافرین موجود فی السنة و الكتاب و ان لم یعرف الجمهور الوجه فی ذلك على التعیین فلا یجب ان یخرج القوم من الكفر لتخصیصهم من الحكم بخلاف ما حكم اللّه تعالى فیمن سواهم من الفاسقین و هذا ما لا فصل فیه . انتهى .

« اعتراض ورد »

اتى بهذا الاعتراض و ردّه الشیخ المفید فی الافصاح أیضا فقال :

فان قالوا كیف یصح لكم اكفار أهل البصرة و الشام و قد سئل أمیر المؤمنین علیه السّلام عنهم فقال : اخواننا بغوا علینا ، لم ینف عنهم الایمان و لا حكم علیهم بالشرك و الاكفار ؟ .

قیل لهم هذا خبر شاذ لم یأت به التواتر من الاخبار و لا اجمع على صحته رواة الآثار و قد قابله ما هو أشهر منه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام و أكثر نقلة و أوضح طریقا من الاسناد و هو أن رجلا سأل أمیر المؤمنین علیه السّلام بالبصرة و النّاس مصطفّون للحرب فقال له : على م نقاتل هؤلاء القوم یا أمیر المؤمنین و نستحل دمائهم و هم یشهدون شهادتنا و یصلون إلى قبلتنا ؟

فتلى علیه السّلام هذه الآیة رافعا بها صوته « و ان نكثوا ایمانهم من بعد عهدهم و طعنوا فی دینكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ایمان لهم لعلهم ینتهون » .

فقال الرّجل حین سمع ذلك : كفار و ربّ الكعبة و كسر جفن سیفه و لم یزل یقاتل حتّى قتل ، و تظاهر الخبر عنه علیه السّلام انه قال یوم البصرة : و اللّه ما قوتل أهل هذه الآیة حتى الیوم یا أیها الذین آمنوا من یرتد منكم عن دینه فسوف یأتی اللَّه بقوم یحبّهم و یحبونه اذلة على المؤمنین اعزة على الكافرین یجاهدون فی سبیل اللَّه و لا یخافون لومة لائم ذلك فضل اللَّه یؤتیه من یشاء و اللَّه واسع علیم و جاء مثل ذلك عن عمّار و حذیفة رحمه اللّه علیهما إلى أن قال :

[ 378 ]

على أنا لو سلمنا لهم الحدیث فی وصفهم بالاخوّة له علیه السّلام لما منع من كفرهم كما لم یمنع من بغیهم و لم یضادّ ضلالهم باتفاق مخالفینا و لا فسقهم عن الدّین و استحقاقهم اللعنة و الاستخفاف و الاهانة و سلب اسم الایمان عنهم و الاسلام و القطع علیهم بالخلود فی الجحیم قال اللّه تعالى و إلى عاد اخاهم هوداً فأضافه إلیهم بالاخوة و هو نبى اللّه و هم كفار باللّه عزّ و جلّ و قال اللّه تعالى و إلى ثمود اخاهم صالحا و قال و الى مدین أخاهم شعیباً و لم یناف ذلك كفرهم و لا یضاد ضلالهم و شركهم فأحرى أن لا یضاد تسمیة أمیر المؤمنین علیه السّلام محاربیه بالاخوة مع كفرهم بحربه و ضلالهم عن الدین بخلافه و هذا بین لا اشكال فیه ، انتهى .

« اعتراض آخر ورده »

ان قلت : قد مضى قوله علیه السّلام فی الخطبة الثالثة و الثلاثین عند خروجه لقتال أهل البصرة : مالى و لقریش و اللّه لقد قاتلتهم كافرین و لا قاتلنّهم مفتونین و انی لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم الیوم .

حیث إن قوله علیه السّلام لاقاتلنّهم مفتونین یدلّ على عدم كفرهم فى تلك الحال كما استفاد منه الشارح المعتزلی و قال : لان الباغی على الامام مفتون فاسق ثمّ قال و هذا الكلام یؤكّد قول أصحابنا أن أصحاب صفین و الجمل لیسوا بكفّار خلافا للامامیّة فانهم یزعمون انهم كفار .

قلت : ردّ هذا الاعتراض فی بهجة الحدائق بان المفتون من أصابته الفتنة و هى تطلق على الامتحان و الضلال و الكفر و الاثم و الفضیحة و العذاب و غیر ذلك و المراد بالمفتون ما یقابل الكافر الاصلى الذى لم یدخل فى الاسلام اصلا و لم یظهره اذ لا شك فی أن من حاربه علیه السّلام كافر لقوله صلّى اللّه علیه و آله حربك حربی و غیر ذلك من الاخبار و الادلة .

ان قلت : لو انهم كانوا كافرین فكیف خالطهم الأئمة علیهم السّلام و المؤمنون و لم یجتنبوا من ذبائحهم و اسآرهم و یعاملون معهم معاملة المسلم فى سائر الامور على

[ 379 ]

انه لزم الحكم بعدم قبول توبتهم و بقسمة أموالهم و باعتداد زوجاتهم عدة الوفاة و غیر ذلك من الاحكام ؟

قلت بعد ما دریت ان فرق الكفّار مختلفة فاحكم بذلك ان أحكام الكفر أیضا مختلفة فحكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عبدة الاصنام و ان كان الفریقان كافرین مثلا ان أهل الكتاب یؤخذ منهم الجزیة و یقرّون على أدیانهم و لا یفعل ذلك بعبدة الأصنام و كذا حكم الحربی خلاف حكم الذمّى و كذا حكم المرتد خلاف حكم الجمیع مع اتفاقهم فی الكفر و لذا افتى الشیخ فی الخلاف ان الباغی إذا قتل غسل و صلّى علیه .

و ذهب غیر واحد من علمائنا بان البغاة محكوم بكفرهم باطنا إلا انه یعامل معهم فی هذا الزمان المسمّى بزمان الهدنة معاملة المسلم الحقیقی حتّى یظهر الدولة الحقة عجّل اللّه تعالى ظهورها فیجرى علیهم حینئذ حكم الكفار الحربیین .

و یشهد بما ذكر عدة روایات منها كما فی الوسائل باسناده عن أبی بكر الحضرمی قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول لسیرة علىّ فى أهل البصرة كانت خیرا لشیعته ممّا طلعت علیه الشمس إنّه علم ان للقوم دولة فلو سباهم لسبیت شیعته قلت فاخبرنى عن القائم یسیر بسیرته ؟ قال : لا إن علیّا علیه السّلام سارفیهم بالمن لما علم من دولتهم و إن القائم یسیر فیهم بخلاف تلك السیرة لانّه لا دولة لهم .

و المروى عن الدعائم عن علیّ علیه السّلام انّه سئل عن الذین قاتلهم من أهل القبلة أكافرون هم ؟ قال علیه السّلام كفروا بالاحكام و كفروا بالنعم لیس كفر المشركین الّذین دفعوا النبوّة و لم یقرّوا بالاسلام و لو كانوا كذلك ما حلت لنا مناكحهم و لا ذبائحهم و لا مواریثهم و غیرهما من الأخبار الواردة فی الباب مما یطول ذكرها .

« ترجمة الحكمین و بعض آخر »

قد حضر فی صفین رجال مجاهدون فى اللّه حق جهاده منهم أبو الیقظان عمّار بن یاسر رضوان اللّه علیه قتله الفئة الباغیة ، و قد مضى نبذة من الكلام فی ترجمته 1 بما یلیق و یسع المقام .

-----------
( 1 ) ص 273 299 .

[ 380 ]

و منهم عضد اسد اللّه مالك الأشتر رضى اللّه عنه و قد مضى بعض الاقوال فی جلالة شأنه و نبالة قدره حسب ما یقتضى المقام و سیأتى ترجمته تفصیلا فی باب المختار من كتبه و رسائله علیه السّلام ان شاء اللّه تعالى ، و منهم هاشم بن عتبة بن أبی وقاص المرقال و ابنه رضوان اللّه علیهما و قد علم جلالة شأنهما و ثبات أمرهما و عزمهما فی نصرة الدین و الحمایة عن الحق المبین بما ذكرنا من الآثار و الأخبار فی شهادتهما رضى اللّه عنهما 1 و كذا غیرهم من حماة الحق و اعوان الدین الذین قالوا ربنا اللّه ثمّ استقاموا و لزموا الصراط المستقیم و النهج القویم على حقیقة البصیرة ، و لا تحسبن الذین قتلوا فی سبیل اللّه أمواتا بل أحیاء عند ربهم یرزقون ، فرحین بما آتیهم اللّه من فضله و یستبشرون بالذین لم یلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف علیهم و لا هم یحزنون ، یستبشرون بنعمة من اللّه و فضل و ان اللّه لا یضیع أجر المؤمنین .

و أبو وقاص جدّ هاشم المرقال اسمه مالك بن اهیب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب ، و عمّ هاشم سعد بن أبی وقاص احد العشرة و أبوه عتبة بن أبی وقاص هو الذى كسر رباعیّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یوم احد و كلم شفتیه و شج وجهه فجعل یمسح الدم عن وجهه و یقول كیف یفلح قوم خضبوا وجه نبیّهم بالدّم و هو یدعوهم إلى ربهم فانزل اللّه عزّ و جلّ لیس لك من الأمر شى‏ء أو یتوب علیهم أو یعذبهم فانهم ظالمون و قال حسان بن ثابت فى ذلك الیوم :

إذا اللّه حیّا معشرا بفعالهم
و نصرهم الرّحمن رب المشارق

فهدّك ربى یا عتیب بن مالك
و لقاك قبل الموت احدى الصواعق

بسطت یمینا للنّبىّ محمّد
فدمیت فاه قطعت بالبوارق

فهلاّ ذكرت اللّه و المنزل الذی
تصیر إلیه عند احدى الصفائق

فمن عاذرى من عبد عذرة بعد ما
هوى فى دجوجى شدید المضائق

و اورث عارا فى الحیاة لأهله
و فى النار یوم البعث ام البوائق

و انما قال عبد عذرة لأنّ عتبة بن أبی وقاص و اخوته و اقاربه فى نسبهم كلام ذكر

-----------
( 1 ) ص 299 305 .

[ 381 ]

قوم من أهل النسب انهم من عذرة و انهم ادعیاء فی قریش و لهم خبر معروف و قصة مذكورة فی كتب النسب ، و تنازع عبد اللّه بن مسعود و سعد بن أبی وقاص فی أیّام عثمان فی أمر فاختصما فقال سعد لعبد اللّه : اسكت یا عبد هذیل فقال له عبد اللّه : اسكت یا عبد عذرة ، هذا ما نقلنا من الفاضل الشارح المعتزلی .

و فی الاستیعاب أن هاشم المرقال كان من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نزل الكوفة و كان من الفضلاء الخیار و كان من الأبطال و فقئت عینه یوم الیرموك و كان خیرا فاضلا شهد مع علیّ علیه السّلام الجمل و شهد صفین و أبلا بلاء حسنا و بیده كانت رایة علیّ علیه السّلام على الرجالة یوم صفین و یومئذ قتل .

و كفى فی فضل هاشم رضوان اللّه علیه ما قال فیه یعسوب الدین أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الخطبة السادسة و الستین : و قد اردت تولیة مصر هاشم بن عتبة و لو ولیّته إیاها لما خلّى لهم العرصة و لا انهزهم الفرصة .

و ممن شهد بصفین من حوارىّ أمیر المؤمنین علیه السّلام و استشهد بها و قتله الفئة الباغیة اویس القرنى رضوان اللّه علیه .

و المروى عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله انه كان یقول تفوح روائح الجنّة من قبل قرن و اشوقاه الیك یا اویس القرنى ألا و من لقیه فلیقرأه منّى السّلام فقیل یا رسول اللّه و من اویس القرنى ؟ قال : ان غاب عنكم لم تفتقدوه ، و ان ظهر لكم لم تكترثوا به یدخل الجنة فى شفاعته مثل ربیعة و مضر یؤمن بى و لا یرانى و یقتل بین یدى خلیفتى أمیر المؤمنین علىّ بن أبیطالب فى صفین ، و الروایات من الخاصة و العامة فى مدحه أكثر من أن یذكر .

و من استشهد بصفین من أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام : عبد اللّه بن بدیل بن ورقاء و خزیمة بن ثابت و جندب بن زهیر و ابن التیهان و غیر ذلك رضوان اللّه علیهم اجمعین و قال المسعودى فى مروج الذهب : و قتل بصفین من الصحابة ممّن كان مع علىّ علیه السّلام خمسة و عشرون رجلا .

[ 382 ]

و ممّن شهد مع علیّ صفین شبث بن ربعی كما مرّ قبل و هذا الرّجل كان مضطرب الحال مشوش البال غیر ثابت على طریق منافقا متلونا سفّاكا متجرّیا تابع كلّ ناعق و مثیر كلّ فتنة عاش طویلا حتّى بلغ إلى أرذل العمر و حضر كربلاء مع عمر بن سعد فقاتل الحسین بن علیّ علیهما السّلام نستعیذ باللّه من سوء الخاتمة ، و مسجد شبث احد المساجد الأربعة التی جدّدت فرحا لقتل الحسین علیه السّلام و تخلف هو و عمرو ابن حریث و الاشعث و جریر بن عبد اللّه عن أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فی مسیره إلى النهروان و اخبر علیه السّلام بانهم یریدون تثبیط النّاس عنه و بیعتهم للضب و قال علیه السّلام :

أما و اللّه یا شبث و یا ابن حریث لتقاتلان ابنی الحسین علیه السّلام كما فی البحار للمجلسی رحمه اللّه تعالى .

قال أبو زهیر العبسى فانا سمعت شبث فی أمارة مصعب یقول لا یعطى اللّه أهل هذا المصر خیرا أبدا و لا یسدّدهم لرشد ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و مع ابنه من بعده آل أبی سفیان حمس سنین ثمّ عدونا على ابنه و هو خیر أهل الأرض نقاتله مع آل معاویة و ابن سمیّة الزانیة ضلال یا لك من ضلال .

و قال ابن حجر فی التقریب : شبث بفتح أوّله و الموحّدة ثمّ مثلثة ابن ربعی التمیمی الیربوعی أبو عبد القدوس الكوفی مخضرم كان مؤذن سجاح ثمّ اسلم ثمّ كان ممن اعان على عثمان ثمّ صحب علیا ثمّ صار من الخوارج علیه ثمّ تاب فحضر قتل الحسین علیه السّلام ثمّ كان ممن طلب بدم الحسین علیه السّلام مع المختار ثمّ ولى شرطة الكوفة ثمّ حضر قتل المختار و مات بالكوفة فى حدود الثمانین انتهى .

بیان مخضرم بضم المیم و فتح الراء من ادرك الجاهلیة و الاسلام و سجاح بفتح أوّلها كسحاب اسم امرأة ادعت النبوّة و تنبّى المسیلمة الكذاب أیضا فی زمانها .

قال أبو جعفر الطبری فی ذكر احداث السنة الحادیة عشرة من الهجرة من تاریخه : و كانت سجاح بنت الحارث بن سوید بن عقفان هی و بنو أبیها عقفان فی بنى تغلب فتنبّت بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالجزیرة فی بنى تغلب فاستجاب لها الهذیل إلى أن قال : ان مسیلمة الكذاب لمّا نزلت به سجاح أغلق الحصن دونها فقالت لها

[ 383 ]

سجاح انزل قال : فنحّى عنك أصحابك ففعلت فقال مسیلمة : اضربوا لها قبّة و جمّروها لعلّها تذكر الباه ففعلوا فلما دخلت القبة نزل مسیلمة فقال لیقف ههنا عشرة و ههنا عشرة ثمّ دارسها فقال ما أوحى إلیك ؟ و قالت هل تكون النّساء یبتدئن و لكن أنت ما أوحى إلیك ؟ قال : ألم تر إلى ربك كیف فعل بالحبلى اخرج منها نسمة تسعى من بین صفاق وحشى .

قالت : و ماذا أیضا ؟ قال أوحى إلىّ أن اللّه خلق النساء أفراجا و جعل الرجال لهن أزواجا فنولج فیهن قعسا ایلاجا ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا فینتجن لنا سخالا انتاجا ، قالت : أشهد انك نبى ، قال : هل لك أن أتزوجك فآكل بقومی و قومك العرب ؟

قالت : نعم . قال :

ألا قومى إلى النّیك
فقد هیّى لك المضجع

و إن شئت ففی البیت
و إن شئت ففی المخدع

و إن شئت سلقناك
و إن شئت على أربع

و إن شئت بثلثیه
و إن شئت به أجمع

قالت : بل به أجمع ، قال : بذلك أوحى إلىّ ، فاقامت عنده ثلاثا ثمّ انصرفت إلى قومها فقالوا ما عندك ؟ قالت كان على الحق فاتبعته فتزوجته ، قالوا فهل أصدقك شیئا ؟ قالت لا ، قالوا ارجعى إلیه فقبیح بمثلك أن ترجع بغیر صداق ( أن تزوج بغیر صداق ظ ) فرجعت فلما رآها مسیلمة أغلق الحصن و قال مالك ؟ قالت أصدقنى صداقا ، قال من مؤذنك ؟ قالت شبث بن ربعى الریّاحى ، قال علىّ به فجاء فقال ناد فى أصحابك أن مسیلمة بن حبیب رسول اللّه قد وضع عنكم صلاتین ممّا أتاكم محمّد صلاة العشاء الآخرة و صلاة الفجر ، فانصرفت و معها أصحابها فیهم الزبرقان و عطارة بن حاجب و عمرو بن الأهتم و غیلان بن خرشة و شبث بن ربعى فقال عطارد بن حاجب :

أمست نبیّتنا انثى نطیف بها
و أصبحت انبیاء النّاس ذكرانا

[ 384 ]

ثمّ إن ولد شبث عبد القدوس المعروف بأبى الهندى الشاعر كان زندیقا سكّیرا و كذا سبطاه صالح بن عبد القدوس و غالب بن عبد القدوس فالصالح كان زندیقا طالحا قتله المهدى على الزندقة و صلبه على جسر بغداد ، و غالب كان غالب أمره فى شرب الخمر و ادمانه و عاقبة أمره انه سقط عن السطح فى حال سكره فوجد میّتا و حكى انّه كان مكتوبا على قبره .

اجعلوا ان مت یوما كفنى
ورق الكرم و قبرى معصره

اننى ارجو من اللّه غدا
بعد شرب الراح حسن المغفرة

كان الفتیان یجیئون إلى قبره فیشربون و یصبّون القدح على قبره .

و نظیر البیتین المذكورین ما قاله أبو محجن فى أیام جاهلیته كما فى الجزء الثالث من تاریخ أبى جعفر الطبرى من وقایع السنة الرابعة عشرة :

إذا مت فادفنّی إلى أصل كرمة
تروّى عظامى بعد موتى عروقها

و لا تدفنّنی بالفلاة فانّنی
اخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها

و تروى بخمر الحصّ لحدى فاننی
أسیر لها من بعد ما قد أسوقها

ثمّ انّ أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام كان یرسله إلى امور خطیرة لجرئته كما نقلنا من قبل ان علیّا علیه السّلام بعثه مع بشر بن عمرو و سعید بن قیس إلى معاویة لیدعوه إلى الطاعة و الجماعة و اتباع أمر اللّه فلما وردوا على معاویة و ذهب سعید بن قیس لیتكلم بدره شبث بن ربعى و قال لمعاویة انه لا یخفى علینا ما تطلب انك لا تجد شیئا تستغوى به الناس و تستمیل به أهواءهم إلا أن قتل لهم قتل إمامكم مظلوما فهلمّوا نطلب بدمه فاستجاب لك سفلة طغام رذال و قد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر و اجبت له القتل لهذه المنزلة التی تطلب .

و أما ترجمة أبی موسى الأشعرى فنحن نذكر نقلا عن الشارح المعتزلی من كتاب الاستیعاب لابن عبد البر المحدّث و غیره ثمّ نتبع ذلك بما نقلناه من غیره .

قال ابن عبد البر : هو عبد اللّه بن قیس بن سلیم بن حصار بن حرب بن عامر بن

[ 385 ]

عمر بن بكر بن عامر بن عذر بن وابل بن ناجیة بن الجاهر بن الأشعر ، و اختلف فی انه هل هو من مهاجرة الحبشة ام لا و الصحیح انّه لیس منهم و لكنه اسلم ثم رجع إلى بلاد قومه فلم یزل بها حتّى قدم هو و ناس من الأشعریین على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فوافق قدومهم قدوم أهل السفینتین جعفر بن أبی طالب و أصحابه من أرض حبشة فوافوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بخیبر فظن قوم أن أبا موسى قدم من الحبشة مع جعفر و قیل انّه لم یهاجر إلى الحبشة و انما أقبل فی سفینة مع قوم من الأشعریین فرمت الریح سفینتهم إلى ارض الحبشة و خرجوا منها مع جعفر و اصحابه فكان قدومهم معا فظن قوم انه كان من مهاجرة الحبشة .

قال : و ولاّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من محالیف الیمن زبید و ولاّه عمر البصرة لما عزل المغیرة عنها فلم یزل علیها إلى صدر من خلافة عثمان فعزله عثمان عنها و ولاّها عبد اللّه بن عمار بن كریز فنزل ابا موسى الكوفة حینئذ و سكنها فلما كره سعید بن العاص و دفعوه عنها و لوا ابا موسى و كتبوا إلى عثمان یسألونه ان یولیه فأقره على الكوفة فلما قتل عثمان عزله علىّ علیه السّلام عنها فلم یزل واجدا لذلك على علیّ علیه السّلام حتّى جاء منه ما قال حذیفة فیه .

قال الشّارح المعتزلی : و الكلام الذی قال فیه و قد ذكر عنده بالدین اما انتم فتقولون ذلك و اما انا فاشهد انه عدوّ للّه و لرسوله و حرب لهما فی الحیاة الدنیا و یوم یقوم الأشهاد یوم لا ینفع الظالمین معذرتهم و لهم اللّعنة و لهم سوء الدار و كان حذیفة عارفا بالمنافقین اسرّ إلیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله امرهم و أعلمهم أسماءهم .

و روى ان عمارا سئل عن ابی موسى فقال لقد سمعت فیه من حذیفة قولا عظیما سمعته یقول : صاحب البرنس الاسود ثمّ كلح كلوحا علمت منه انّه كان لیلة العقبة بین ذلك الرّهط .

و روى عن سوید بن غفلة قال : كنت مع ابى موسى على شاطى الفرات فی خلافة عثمان فروى لی خبرا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال سمعته یقول : إن بنی إسرائیل اختلفوا فلم یزل الاختلاف بینهم حتّى بعثوا حكمین ضالّین ضلاّ و أضلاّ من اتّبعهما

[ 386 ]

و لا ینفكّ أمر امّتی حتّى یبعثوا حكمین یضلاّن و یضلاّن من تبعهما ، فقلت له :

احذر یا أبا موسى أن تكون أحدهما قال : فخلع قمیصه و قال : أبرء إلى اللّه من ذلك كما أبرء من قمیصی هذا .

و كان علیّ علیه السّلام یقنت علیه و على غیره فیقول اللهم العن معاویة اوّلا و عمرا ثانیا و أبا الاعور السلمى ثالثا و ابا موسى الأشعری رابعا .

و قال نصر فی كتاب صفین : قال علیّ علیه السّلام ان عبد اللّه بن قیس رجل قد حلبت أشطره فوجدته قریب القعر كلیل المدیة . و نقل أیضا أبیاتا عن بعض بعضها .

لو كان للقوم رأى یعظمون به
بعد الخطار رموكم بابن عبّاس

للّه درّ أبیه أیما رجل
ما مثله لفصال الخطب فی النّاس

لكن رموكم بشیخ من ذوى یمن
لم یدر ما ضرب أخماس لأسداس

ان یخل عمرو به یقذفه فی لجج
یهوى به النجم تیسا بین أتیاس

و فی السیاسة و الامامة للدینورى : ذكروا أن معاویة كتب إلى أبی موسى بعد الحكومة و هو بمكّة . أمّا بعد فاكره من أهل العراق ما كرهوا منك و أقبل إلى الشام فانى خیر لك من علىّ و السلام .

فكتب إلیه أبو موسى : أما بعد فانه لم یكن منى فی علیّ إلاّ ما كان من عمرو فیك غیر أنى أردت بما صنعت وجه اللّه و أراد عمرو بما صنع ما عندك و قد كان بینی و بینه شروط عن تراض فلما رجع عمرو رجعت ، و أمّا قولك : إن الحكمین إذا حكما على أمر فلیس للمحكوم علیه أن یكون بالخیار إنّما ذاك فی الشّاة و البعیر ، و أمّا فی امر هذه الامّة فلیست تساق إلى ما تكره و لن تذهب بین عجز عاجز و لا كید كائد و لا خدیعة فاجر ، و أمّا دعاؤك إیاى إلى الشام فلیس لی بدل و لا إیثار عن قبر ابن إبراهیم ابی الأنبیاء .

ثمّ ان الفاضل الشارح المعتزلی بعد ذكره ما تعتقده المعتزلة فی ابى موسى نقلا من كتاب الكفایة لابن متویه انه قال أمّا ابا موسى فانه عظم جرمه بما فعله و ادّى ذلك إلى الضرر الذى لم یخف حاله و كان علیّ علیه السّلام یقنت علیه و على غیره كما

[ 387 ]

دریت و روى عنه علیه السّلام انه كان یقول فی ابی موسى : صبغ بالعلم صبغا و سلخ منه سلخا و كذا بعد ما ذكر روایة الحكمین الضالّین المضلّین فی بنی إسرائیل و فی هذه الامة من أبی موسى عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، و كذا بعد ما ذكر انه لم یثبت فی توبته ما ثبت فی توبة غیره ، قال : و ذكرته لك لتعلم أنه عند المعتزلة من أرباب الكبائر و حكمه حكم أمثاله ممّن واقع كبیرة و مات علیها . انتهى .

أقول : و ذكرنا طائفة من البراهین و الأدلّة فی كفر الخارجین على الامام العادل علیه السّلام فلیرجع .

قال ابن عبد البرّ و اختلف فی تاریخ موته فقیل سنة اثنتین و أربعین ، و قیل سنة اثنتین و خمسین ، و قیل سنة أربع و أربعین ، و اختلف فی قبره فقیل مات بمكة و دفن بها و قیل مات بالكوفة و دفن بها .

و أمّا عمرو بن العاص فلا یخفى على أحد انه كان فاجرا غادرا ختّالا و فی الروغان و الخدیعة و المكر یضرب به المثل و قد مضى شرذمة منها من قبل و سیأتی فی باب المختار من الكتب و الرسائل كتاب أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام إلیه و هو الكتاب التاسع و الثلاثون قوله علیه السّلام : من عبد اللّه علىّ أمیر المؤمنین إلى الأبتر بن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شانى‏ء محمّد و آل محمّد فی الجاهلیة و الاسلام إلى آخر ما قال و نحن نذكر فی شرح ذلك الكتاب بعون الملك الوهّاب ما قیل فی عمرو بن العاص ، فلنعد إلى بیان جمل الخطبة تمّ المجلد الخامس عشر من هذه الطبعة الجدیدة النفیسة فى الیوم الثالث من ذى القعدة الحرام سنة 1383 و ذلك بتصحیح و ترتیب من العبد السید ابراهیم المیانجى عفى عنه ، و الحمد لله رب العالمین و یلیه انشاء الله المجلد السادس عشر .

[ 2 ]

ج 16

[ 362 ]

و الأبرص باذنی و إذ تخرج الموتى باذنی » .

و قال الشیخ الرئیس فی النمط العاشر من الاشارات : إذا بلغك أن عارفا أطاق بقوته فعلا أو تحریكا أو حركة تخرج عن وسع مثله فلا تتلقه بكلّ ذلك الاستنكار فقد تجد إلى سببه سبیلا فی اعتبارك مذاهب الطبیعة .

و قال المحقق الطوسى فی شرحه : ثمّ لما كان فرح العارف ببهجة الحق اعظم من فرح غیره بغیرها و كانت الحالة التی یعرض له و تحركه اغترارا بالحق أو حمیة الهیّة أشد مما یكون لغیره كان اقتداره على حركة لا یقدر غیره علیها أمرا ممكنا و من ذلك تبیّن معنى الكلام المنسوب إلى علیّ علیه الصلاة و السلام : و اللّه ما قلعت باب خیبر بقوة جسدانیة و لكن قلعته بقوّة ربّانیة .

و قال القوشجی فی شرح التجرید : و عجز عن اعادته سبعون رجلا من الأقویاء .

و ایضا قال الفاضل القوشجی فی شرح التجرید لمصنفه نصیر الدین الطوسی فی المقصد الخامس من كتابه فی الامامة عند قوله فی عدّ فضائل أمیر المؤمنین علىّ علیه السّلام و رفع الصخرة العظیمة عن القلیب : روى انه لما توجّه إلى صفین مع أصحابه اصابهم عطش عظیم فأمرهم أن یحفروا بقرب دیر فوجدوا صخرة عظیمة عجزوا عن نقلها فنزل علىّ علیه السّلام فأقلعها و رمى بها مسافة بعیدة فظهر قلیب فیه ماء فشربوا عنها ثمّ اعادها و لما رأى ذلك صاحب الدیر أسلم .

و قال العلامة الحلّى فى شرحه المسمّى بكشف المراد بعد قوله فنزل صاحب الدیر و اسلم : فسئل عنه ذلك فقال بنى هذا الدیر على قالع هذه الصخرة و مضى من قبلى و لم یدركوه .

و قال الشیخ المقتول فى التلویحات : قد یحركون أجساما یعجز عن تحریكها النوع و نعلم اننا إذا كنا على طرب و هزة نعمل ما نتقاصر عن عشرة حتى زالت عنا فما ظنك بنفس طربت باهتزاز علوى و استضاءت بنور ربّها فحركت ما عجز عنه النوع و قد اتّصلت على الافق المبین بذى قوة عند ذى العرش مكین مطاع ثمّ امین .

[ 363 ]

ثمّ إن سفراء اللّه و حججه على خلقه لصفاء جوهر نفوسهم القدسیّة و شدة صقالتها و نورانیتها الموصل لها إلى المبادى العالیة و شدة الالتصاق بها من غیر كسب و تعلم قدروا على الاطلاع على الامور الغائبة من غیر كسب و فكر .

قال الشیخ الرّئیس فى النمط العاشر من الاشارات : إذا بلغك أن عارفا حدّث عن غیب فأصاب متقدما ببشرى أو نذیر فصدّق و لا یتعسّرن علیك الایمان به فان لذلك فى مذاهب الطبیعة اسبابا معلومة .

و ما یناسب المقام من الحدیث عن غیب عن أمیر المؤمنین و رئیس الموحدین و قدوة العارفین علىّ بن أبیطالب علیه السّلام ما أتى به نصر بن المزاحم المنقرى فى كتاب صفین قال : حدثنى مصعب بن سلم قال أبو حیان التمیمى عن أبى عبیدة عن هرثمة بن سلیم قال : غزونا مع علىّ بن أبیطالب غزوة صفّین فلما نزلنا بكربلا صلّى بنا صلاة فلمّا سلّم رفع إلیه من تربتها فشمّها ثمّ قال و اهالك أیتها الرتبة لیحشرنّ منك قوم یدخلون الجنّة بغیر حساب فلمّا رجع هرثمة من غزوته إلى امرأته و هى جرداء بنت سمیر و كانت شیعة لعلیّ فقال لها زوجها هرثمة الا اعجبك من صدیقك أبى الحسن لما نزلنا بكربلا رفع إلیه من تربتها فشمّها و قال و اهالك یا تربة لیحشرن منك قوم یدخلون الجنّة بغیر حساب و ما علمه بالغیب فقالت له دعنا منك أیّها الرّجل فانّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لم یقل الاحقا ، فلما بعث عبید اللّه بن زیاد البعث الذى بعثه إلى الحسین بن علیّ و أصحابه قال كنت فیهم فی الخیل التی بعث إلیهم فلما انتهیت إلى القوم و حسین و أصحابه عرفت المنزل الّذى نزل بنا علیّ علیه السّلام فیه و البقعة الّتی رفع إلیه من ترابها و القول الذى قاله فكرهت مسیرى فأقبلت على فرسى حتى وقفت على الحسین فسلمت علیه و حدثته بالذى سمعت من أبیه فی هذا المنزل فقال الحسین علیه السّلام معنا أنت أو علینا ؟ فقلت یا ابن رسول اللّه لا معك و لا علیك تركت أهلی و ولدى أخاف علیهم من ابن زیاد فقال الحسین علیه السّلام فولّ هربا حتى لا ترى لنا مقتلا و الّذى نفس حسین بیده لا یرى مقتلنا الیوم رجل و لا یغیثنا إلا أدخله اللّه النار قال : فأقبلت فی الارض هاربا حتى خفى علىّ مقتله .

[ 364 ]

نصر عن مصعب بن سلام قال حدثنا الاجلح بن عبد اللّه الكندى عن أبی جحیفة قال جاء عروة البارقی إلى سعید بن وهب فسأله و أنا اسمع فقال حدیث حدّثنیه عن علیّ بن أبیطالب قال نعم بعثنی مخنف بن سلیم إلى علىّ فأتیته بكربلاء فوجدته یشیر بیده و یقول ههنا فقال له رجل و ما ذلك یا أمیر المؤمنین قال ثقل لان محمّد ینزل ههنا ( كذا ) فویل لهم منكم و ویل لكم منهم فقال له الرجل ما معنى هذا الكلام یا أمیر المؤمنین ؟ قال ویل لهم منكم تقتلونهم و ویل لكم منهم یدخلكم اللّه بقتلهم إلى النّار .

ثمّ قال و قد روى هذا الكلام على وجه آخر انه علیه السّلام قال فویل لكم علیهم قال الرّجل أما ویل لنا منهم فقد عرفت و ویل لنا علیهم ما هو ؟ قال ترونهم یقتلون و لا تستطیعون نصرهم .

نصر عن سعید بن حكیم العبسى عن الحسن بن كثیر عن أبیه أن علیّا أتى كربلا فوقف بها فقیل یا أمیر المؤمنین هذه كربلا قال ذات كرب و بلاء ثمّ أومأ بیده إلى مكان فقال :

ههنا موضع رحالهم و مناخ ركابهم ، و أوما بیده إلى موضع آخر فقال ههنا مهراق دمائهم .

و كذا ذكره المفید فی الارشاد و قال : و من اخباره علیه السّلام عن الغیب ما رواه عثمان ابن عیسى العامرى عن جابر بن الحرّ عن جویریة بن مسهر الفهدى قال لما توجّهنا مع أمیر المؤمنین علیه السّلام إلى صفین فبلغنا طفوف كربلاء وقف ناحیة من المعسكر ثم نظر یمینا و شمالا و استعبر ثمّ قال : هذا و اللّه مباح ركابهم و موضع منیتهم فقیل له یا أمیر المؤمنین ما هذا الموضع ؟ فقال هذا كربلاء یقتل فیه قوم یدخلون الجنّة بغیر حساب ثمّ سار و كان الناس لا یعرفون تأویل ما قال حتى كان من امر الحسین بن علىّ علیهما السّلام و أصحابه بالطف ما كان فعرف حینئذ من سمع كلامه مصداق الخبر فیما أنبأهم به .

و الأحادیث فى اخبارهم عن الغیب مستفیضة بل بلغ كثیر منها إلى حدّ التواتر و من ذلك اخبار رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عن قتل عمّار رضوان اللّه علیه و نظائره كثیرة جدّا و ان وفقنا اللّه تعالى لنورد البحث عن ذلك مفصّلا فى المقام المناسب له ، فلنعد

[ 365 ]

الآن إلى ما كنّا فیه .

و فى شرح الشارح المعتزلی : ذكر أبو أحمد العسكرى فی كتاب الامالى ان سعد بن أبى وقاص دخل على معاویة عام الجماعة فلم یسلم علیه بامرة المؤمنین فقال له معاویة لو شئت أن تقول فی سلامك غیر هذا لقلت ، فقال سعد نحن المؤمنون و لم نؤمّرك كانك قد بهجت بما أنت فیه یا معاویة و اللّه ما یسرّنی ما أنت فیه و انى هرقت محجمة دم ، قال لكنّی و ابن عمّك علیّا یا ابا إسحاق قد هرقنا أكثر من محجمة و محجمتین هلم فاجلس معى على السریر فجلس معه فذكر له معاویة اعتزاله الحرب یعاتبه فقال سعد انما كان مثلى و مثل الناس كقوم اصابتهم ظلمة فقال واحد منهم لبعیره اخ فاناخ حتّى أضاء له الطریق فقال معاویة و اللّه یا أبا إسحاق ما فى كتاب اللّه اخ و انما فیه « و ان طائفتان من المؤمنین اقتتلوا فاصلحوا بینهما فان بغت إحدیهما على الاخرى فقاتلوا التی تبغى حتى یفى‏ء إلى أمر اللّه » فو اللّه ما قاتلت الباغیة و لا المبغى علیها فافحمه . قال : و زاد ابن دیزیل فى هذا الخبر زیادة ذكرها فى كتاب صفین قال فقال سعد أتأمرنى أن اقاتل رجلا قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبى بعدى ؟ فقال معاویة من سمع هذا معك ؟ قال فلان و فلان و امّ سلمة فقال معاویة لو كنت سمعت هذا لما قاتلته .

« ذكر المقتولین فى صفین »

قال المسعودى فى مروج الذهب : قتل بصفین سبعون ألفا من أهل الشام و من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا و كان المقام بصفین مأة یوم و عشرة أیام و قتل بها من الصحابة ممن كان مع علىّ خمسة و عشرون رجلا منهم عمّار بن یاسر ابو الیقظان المعروف بابن سمیّة .

و قال فى موضع آخر من كتابه : و قد تنوزع فى مقدار من قتل من أهل الشام و العراق بصفین فذكر أحمد بن الدورقى عن یحیى بن معین ان عدة من قتل بها من الفریقین فى مأة یوم و عشرة أیام ، مأة ألف و عشرة آلاف من الناس من أهل

[ 366 ]

الشام تسعون الفا و من أهل العراق عشرون الفا .

ثمّ قال : و نحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفین أكثر ممّا قیل فی هذا الباب هو خمسون و مأة ألف مقاتل سوى الخدم و الأتباع و على هذا یجب أن یكون مقدار القوم جمیعا من مقاتل منهم و من لم یقاتل من الخدم و غیرهم ثلاثمأة ألف بل أكثر من ذلك لأن أقل من فیهم معه واحد یخدمه و فیهم من معه الخمسة و العشرة من الخدم و الأتباع و أكثر من ذلك . و أهل العراق كانوا فی عشرین و مأة ألف مقاتل دون الاتباع و الخدم .

و اما الهیثم بن عدى الطائى و غیره مثل الشرقی ابن القطامی و أبی مخنف لوط ابن یحیى فذكروا ما قدمنا و هو أن جملة من قتل من الفریقین جمیعا سبعون ألفا من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا و من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا فیهم خمسة و عشرون بدریا و ان العدد كان یقع بالقضیب و الاحصاء للقتلى فی كل وقعة و تحصیل هذا یتفاوت لأن فی قتلى الفریقین من یعرف و من لا یعرف و فیهم من غرق و فیهم من قتل فى البرّ فأكلته السباع فلم یدركهم الاحصاء و غیر ذلك مما یعسر ما وصفنا . انتهى ما اردنا ذكره من مروج الذهب .

و قال نصر : فی كتاب صفین : و اصیب من أهل شام خمسة و أربعون ألفا ، و اصیب بها من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا .

أقول : لا خلاف فی أن تلك الوقعة فی صفین كانت وقعة عظمى و قد أكلت الحرب الفریقین و لا یخفى أن ضبط عدد المقتولین و احصائهم فی مثل تلك الواقعة صعب جدّا فیتطرق فیه اختلاف لا محالة كما ترى تنازع النّاس فی مقدار ما قتل من الفریقین فمن مقلل و مكثر . ففی كتاب صفین لنصر بن مزاحم المنقرى عن عمر قال حدّثنی عبد اللّه بن عاصم الفایشی قال لما رجع علىّ علیه السّلام من صفین إلى الكوفة مرّ بالثورین یعنى ثور همدان سمع البكاء فقال ما هذه الاصوات ؟ قیل هذا البكاء على من قتل بصفین قال أما انى شهید لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة ، ثمّ مرّ بالفایشین فسمع الاصوات فقال مثل ذلك ، ثم مرّ بالشبامیین فسمع رنّة شدیدة و صوتا مرتفعا عالیا