بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

الحمد للّه ملهم الصواب ، و الصلاة على حججه الّذین اوتوا الحكمة و فصل الخطاب ، سیما على سیّد الأنبیاء محمّد المصطفى ، و أفضل الأوصیاء علىّ المرتضى و بعد فهذا هو المجلد الثانى من « تكملة منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة » فهو المجلد السادس عشر من المنهاج و نسأل اللّه تعالى التوفیق و السداد و الهدایة إلى الخیر و الرشاد .

قوله علیه السّلام : ( جفاة طغام عبید اقزام ) صدّر كلامه بمذام أهل الشام تنفیرا عنهم أى هم قوم غلاظ الطبع قساة القلب افظاظ ، و طغام اى هم اوغاد الناس و اراذلهم و الطغام كالطّعام خلاف الهمام ، و عبید انما لم یذكر متعلّق العبید لیفید التعمیم و یذهب السامع إلى كلّ مذهب ممكن اى هم عبید الدینار و عبید الدنیا و عبید النفس و الهوى .

و قیل : او لأن بعضهم لم یكونوا أحرارا و كانوا عبیدا حقیقة و حیث ان اللفظ مهمل یصدق بالبعض .

اقزام اى هم اراذل النّاس و أدانیهم .

قوله علیه السّلام : ( جمعوا من كلّ أوب و تلقطوا من كلّ شوب ) هاتان الجملتان كأنّما تدلاّن على معنى واحد و مطلب فارد اى هم جمعوا من كلّ ناحیة و تلقطوا من فرق مختطلة یعنی انّهم لیسوا بقوم أصیل بل تلقط بعضهم من ههنا و بعضهم من ههنا و فی الجملة الأخیرة إشارة لطیفة أیضا إلى أنّهم أوباش النّاس و أسقاطهم .

قوله علیه السّلام : ( ممّن ینبغى أن یفقّه و یؤدّب و یعلّم و یدرّب ) یعنی انّهم قوم جهّال بمعزل عن الكتاب و الدین فینبغى ان یفقهوا ، و غیر متأدبین بآداب الحقّ و غیر معتادین بالعادات الجمیلة من محاسن الأفعال و مكارم الأخلاق فینبغى ان یؤدّبوا أی

[ 3 ]

یعلّموا الأدب و یدرّبوا أى یعوّدوا بتلك العادات الحسنة .

و قری‏ء یذرّب بالذال المعجمة أیضا یقال ذرّب المرأة طفلها تذریبا إذا حملته حتّى یقضى حاجته و هذه القراءة تناسب الجملة التالیة الآتیة اى انّهم صبیان صغار و اطفال لا یقدرون على شی‏ء و ینبغى أن یربوا فی حجر مربّ و یعیشوا فی حضانة حاضن و المراد ان القوم الّذین لم یتفقهوا فی الدّین و لا یعلمون شیئا ینبغى أن یعلّموا و یدرّبوا بل صبیان ینبغی أن یذربوا فأنّى لهم ان تقوموا مقام الصدیقین و یجلسوا مجلس النبیین و یعرّفوا انفسهم بأنّهم خلیفة اللّه و رسوله و یأخذوا ازمة امور النّاس و یلوا امورهم أفمن یهدى إلى الحقّ أحقّ أن یتّبع أمن لا یهدّى إلاّ أن یهدى فما لكم كیف تحكمون ؟ .

و قد قال عمار فی خطبة خطب بها أهل الكوفة یستنفر النّاس إلى أمیر المؤمنین علىّ علیه السّلام : أیّها النّاس علیكم بإمام لا یؤدب و فقیه لا یعلم و صاحب بأس لا ینكل و ذی سابقة فی الإسلام لیست لأحد ، الخ . و قد برهن فی محلّه أن من أوصاف الإمام انّه یجب أن یكون أفضل من جمیع الرعایا فی جمیع الصفات الكمالیة فهو لا یؤدب و لا یعلم و سیأتی تحقیقه فی شرح الخطبة التالیة إنشاء اللّه .

قوله علیه السّلام : ( و یولى علیه و یؤخذ على یدیه ) قرى‏ء یولى بالتشدید و التخفیف و على الأوّل یقال : ولاّه الأمر تولیة إذا جعله والیا علیه ، و على الثانی یقال اولى فلانا على الیتیم إذا أوصاه علیه و اولاه الأمر ایلاء إذا جعله والیا علیه . و هذا كنایة عن كونهم سفهاء لا یستحقون أن یلوا أمرا و یفوض الیهم فان العقل و النقل معاضدان على قبح تولیة الأمور بأیدى السفهاء و ولایتهم علیها قال عزّ من قائل :

« و لا تؤتوا السفهاء أموالكم الّتی جعل اللَّه لكم قیاماً » فكیف الأحكام الإلهیّة و الأمور الشرعیّة و ما فیها مصالح العامّة و حقوق الرعیّة بل ینبغی أن یمنعوا من التصرّف و یحجر علیهم كما یحجر على الصّبی و السفیه لعدم رشدهم یقال : أخذ على ید فلان إذا منعه عما یرید أن یفعله فمن بلغ فی الغباوة و السفاهة إلى هذا الحدّ فكیف یرضى العقل و یمضی أن یقتدى به و هل هذا إلا ظلم عظیم ، ألا و ان الرعیّة الفاجرة تهلك

[ 4 ]

بالإمام الفاجر .

قوله علیه السّلام : ( لیسوا من المهاجرین و الأنصار و لا من الّذین تبوّأوا الدار ) أى سكنوها و هی إشارة إلى قوله تعالى فی سورة الحشر « و الّذین تبوّأوا الدار و الایمان من قبلهم » الآیة و لذا جاء فی بعض نسخ الخطبة : و لا من الّذین تبوّأوا الدار و الایمان و أجمع المفسرون بأن الدار هی المدینة و هی دار الهجرة تبوّأها الأنصار قبل المهاجرین و كانوا من أهل المدینة اسلموا بها قبل هجرة الرسول بسنتین و بنوا بها المساجد و أثنى علیهم بقوله عزّ من قائل « و الّذین تبوّأوا الدار و الایمان من قبلهم یحبّون من هاجر الیهم و لا یجدون فی صدورهم حاجة مما اُوتوا و یؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة و من یوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون » فالذین تبوّأوا الدار هم طائفة من الأنصار فكرّر ذكرهم تأكیدا .

و قال الفاضل الشارح المعتزلی بقوله : و أیضا فان لفظة الأنصار واقعة على كلّ من كان من الأوس و الخزرج الّذین أسلموا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و الّذین تبوّأوا الدار و الایمان فی الآیة قوم مخصوصون منهم و هم أهل الاخلاص و الایمان التام فصار ذكر الخاص بعد العام كذكره تعالى جبرئیل و میكال ثمّ قال : و الملائكة بعد ذلك ظهیرا و هما من الملائكة .

و أقول : أمّا المهاجرون فهم الّذین هاجروا بلادهم أى تركوها و صاروا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أمّا الّذین اسلموا من أهل المدینة الرسول قبل هجرته او بعد هجرته فیسمّون أنصارا و قد اشبعنا الكلام فیه قبل و الذین تبوّأوا الدار و الایمان قوم مخصوص منهم و هم الّذین أسلموا قبل هجرته صلّى اللّه علیه و آله و لذا قیدنا كلامنا بقولنا هم طائفة من الأنصار فصار ذكر الخاص بعد العام بهذا المعنى .

ثمّ على نسخة و الایمان یكون الایمان متبوءا على الاستعارة و فی الكافی عن الصادق علیه السّلام : الایمان بعضه من بعض و هو دار و كذلك الاسلام دار و الكفر دار ، و لما انّهم ثبتوا على الایمان و اطمأنت قلوبهم به سمّاه متبوءا و منزلا لهم . و قدّر غیر واحد من المفسرین فی الآیة لازموا و نظائره اى تبوّأوا الدار و لازموا الایمان مثل قوله :

[ 5 ]

و رأیت زوجك فی الوغى
متقلدا سیفا و رمحا 1

اى معتقلا رمحا لأن الرمح لا یتقلد به بل یعتقل به یقال : فلان تقلّد سیفه و اعتقل رمحه و كقول الشاعر :

علّفتها تبنا و ماء باردا
حتّى شنت همّالة عیناها

اى علفتها تبنا و سقیتها ماءا باردا و إنّما كان قوله هذا ذمّا لهم لأن عدم اتصافهم بها نقصان لهم بالقیاس إلى المتصفین بها ، و من تتبع آثار السلف یجد أن السابقة فی الاسلام و الهجرة تعدّ من الفضائل و المفاخر و المدائح و من كان اسبق اسلاما و اقدم هجرة من الآخر یفضل علیه .

قوله علیه السّلام : ( الا و ان القوم اختاروا لأنفسهم اقرب القوم مما یحبون و انكم اخترتم لأنفسكم اقرب القوم مما تكرهون ) .

یعنی بالقوم الأوّل أهل الشام و بالأخیرین النّاس و ما كانوا یحبّونه الغلبة على أهل العراق و الظفر بهم و اقرب النّاس لهم من غرضهم ذلك هو عمرو بن العاص و إنّما كان اقرب النّاس إلى وصول غرضهم بمكره و حیله و خدائعه و میله إلى معاویة و اتّباعه اثره اتباع الكلب للضرغام یلوذ إلى مخالبه و ینتظر ما یلقى الیه من فضل فریسته .

و الخطاب فی انكم و اخواته إلى أهل العراق و ما یكرهه أهل العراق هو بعینه ما یحبّه أهل الشام و هو صیرورة الأمر إلى معاویة بخذلان أهل العراق و انكسارهم و اقرب الناس منه أبو موسى الأشعرى إمّا لغباوته و سفاهته و فساد رأیه لأنّه كان رجلا كلیل الشفرة قریب القعر مدهوش الجنان و هو كما عرّفه عمرو بن العاص حین تشاجرا :

و انّما مثله مثل الحمار یحمل اسفار الآیة أو لبغضه علیّا علیه السّلام و انحرافه عنه لأنه علیه السّلام عزله عن الكوفة لما قتل عثمان لما دریت من ترجمة الرجل من قبل و ما قال حذیفة فیه و غیر ذلك مما قدمنا ذكره .

قوله علیه السّلام : ( و إنّما عهدكم بعبد اللّه بن قیس بالأمس یقول : إنّها فتنة فقطعوا

-----------
( 1 ) نقل البیت فی أقرب الموارد فی مادة ج م ع و المصرع الأول فیه هكذا :

یا لیت زوجك قد غدا . منه .

[ 6 ]

أوتاركم و شیموا سیوفكم فان كان صادقا فقد اخطأ بمسیره غیر مستكره و إن كان كاذبا فقد لزمته التهمة ) عبد اللّه بن قیس هو أبو موسى الأشعرى كما دریت من ترجمته و المراد بالأمس واقعة الجمل فانّها كانت قبل واقعة صفین و التعبیر بالأمس كنایة عن عدم مضیّ زمان طویل منها و عن انهم قریب العهد بها فلا یتأتى لهم انكار ما سمعوا من أبی موسى فی الأمس و ادعاء الغفلة و النسیان عنه و كان أبو موسى ینهى أهل العراق عن نصرته علیه السّلام عند مسیره إلى أهل البصرة و یأمرهم بالاعتزال عن الحرب و كان یرى أن قتال أهل القبلة فتنة یجب الاعتزال عنها و یقول : انها فتنة فقطّعوا أوتاركم یعنی أوتار قسیّكم و شیموا سیوفكم اى اغمدوها ، كنایة عن ترك القتال و الاجتناب عنه .

« كلام أبى موسى الأشعرى لأهل الكوفة و نهیه ایاهم عن نصرة » « أمیر المؤمنین على علیه السّلام بعد ما استنفر الناس الیه علیه السّلام » « الحسن بن على و عمار بن یاسر عند مسیره علیه السّلام إلى أهل البصرة »

قال أبو مخنف : ان أمیر المؤمنین علیّا علیه السّلام لما توجه من المدینة إلى البصرة خطب الحسن بن علیّ علیه السّلام و عمّار بن یاسر أهل الكوفة یستنفران النّاس إلى علیّ علیه السّلام و بعد ما نقل خطبتهما قال : حدّثنا الكلبی عن أبی صالح أن أبا موسى الأشعرى لمّا سمع خطبة الحسن و عمّار قام فصعد المنبر و قال :

الحمد للّه الّذی أكرمنا بمحمّد فجمعنا بعد الفرقة و جعلنا إخوانا متحابین بعد العداوة و حرّم علینا دمائنا و أموالنا قال اللّه سبحانه « لا تأكلوا أموالكم بینكم بالباطل » و قال تعالى : « و من یقتل مؤمناً معتمداً فجزاءه جهنّم خالداً فیها » فاتّقوا اللّه عباد اللّه و ضعوا أسلحتكم و كفّوا عن قتال إخوانكم ، أمّا بعد یا أهل الكوفة إن تطیعوا اللّه بادیا و تطیعونی ثانیا تكونوا جرثومة من جراثیم العرب یأوى إلیكم المضطرّ و یأمن فیكم الخائف ، إن علیا إنّما یستنفركم لجهاد امّكم عائشة و طلحة و الزّبیر حواریّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و من معهم من المسلمین و أنا أعلم بهذه الفتن ،

أنّها إذا أقبلت شبهت و إذا أدبرت أسفرت . إنّی أخاف علیكم أن یلتقی غاران منكم فیقتتلا ثمّ یتركا كالأحلاس الملقاة بنجوة من الأرض ثمّ یبقى رجرجة من

[ 7 ]

النّاس لا یأمرون بالمعروف و لا ینهون عن منكر إنها قد جائتكم فتنة كافرة لا یدرى من أین تؤتى ، تترك حیران كأنی أسمع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالأمس یذكر الفتن فیقول : أنت فیها نائما خیر منك قاعدا و أنت فیها جالسا خیر منك قائما و أنت فیها قائما خیر منك ساعیا فشیموا سیوفكم و قصفوا رماحكم و انصلوا سهامكم و قطعوا أوتاركم و خلّوا قریشا ترتق فتقها و تراب صدعها فان فعلت فلأنفسها ما فعلت و إن أبت فعلى أنفسها ما جنت ، سمها فی أدیمها استنصحونی و لا تستغثونی و أطیعونی و لا تعصونی یتبین لكم رشدكم و تصلّی هذه الفتنة من جناها .

قال : فقام إلیه عمار بن یاسر فقال : أنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول ذلك ؟

قال : نعم ، هذه یدى بما قلت : فقال : إن كنت صادقا فإنّما عناك بذلك وحدك و اتخذ علیك الحجة فالزم بیتك و لا تدخلن فی الفتنة أما انّی أشهد أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أمر علیا بقتال الناكثین و سمّی لی فیهم من سمّى و أمره بقتال القاسطین و إن شئت لأقیمنّ لك شهودا یشهدون أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّما نهاك وحدك و حذرك من الدخول فی الفتنة ثمّ قال له : أعطنى یدك على ما سمعت فمدّ إلیه یده فقال له عمّار : غلب اللّه من غالبه و جاحده ثمّ جذبه فنزل عن المنبر .

أقول : و سیأتی تمام الكلام فی شرح الكتاب الأوّل من باب المختار من كتبه علیه الصلاة و السّلام .

ثمّ إنّ كلامه علیه السّلام هذا احتجاج علیهم فی اختیارهم أبا موسى للحكومة و صورة الاحتجاج : انكم یا أهل العراق قریبو العهد بقول أبی موسى یقول لكم عند مسیرى إلى أهل البصرة : هذه هی الفتنة الّتی وعدنا بها و أمرنا بالاعتزال عنها فقطعوا أوتاركم و شیموا سیوفكم ، فان كان أبو موسى فی قوله هذا صادقا فقد أخطأ بمسیره الینا و حضوره معنا فی صفین و تكثیره سواد أهل العراق حالكونه غیر مستكره فی ذلك أی لم یكرهه و لم یجبره أحد فی ذلك حتّى یقال انّه حضره مستكرها و إن لم یحارب و لم یسلّ السیف ، و إن كان كاذبا و مختلفا فیه فقد لزمته التهمة أى الكذب و الاختلاق فهو فاسق بكذبه ، فعلى التقدیرین صدق ام كذب قبح جعله حكما و لا ینبغى

[ 8 ]

حكومته فی هذا الأمر الخطیر الجلیل و الاعتماد علیه فیه .

و قال الشارح الفاضل المعتزلی : هذا الكلام منه علیه السّلام یؤكّد صحّة إحدى الروایتین فی أمر أبی موسى فانّه قد اختلفت الروایة هل حضر حرب صفین مع أهل العراق أم لا ؟ فمن قال : حضر قال : حضر و لم یحارب و ما طلبه یمانیّون من أصحاب علیّ علیه السّلام لیجعلوه حكما كالأشعث بن قیس و غیره إلاّ و هو حاضر معهم فی الصف و لم یكن منهم على مسافة و لو كان منهم على مسافة لما طلبوه و لكان لهم فیمن حضر غناء عنه ، و لو كان على مسافة لما وافق علیّ علیه السّلام على تحكیمه و لا كان علیّ علیه السّلام ممّن یحكم من لم یحضر معه و قال الأكثرون : إنّه كان معتزلا للحرب بعیدا عن أهل العراق و أهل الشام .

ثمّ قال : فإن قلت : فلم لا یحمل قوله علیه السّلام فإن كان صادقا فقد أخطأ بسیره غیر مستكره على مسیره إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و أهل العراق حیث طلبوه لیفوّضوا إلیه أمر الحكومة ؟

قلت : لو حملنا كلامه علیه السّلام على هذا لم یكن لازما لأبی موسى و كان الجواب عنه هیّنا و ذلك لأن أبا موسى یقول : إنّما أنكرت الحرب و ما سرت لاحارب و لا لأشهد الحرب و لا لأغرى بالحرب و إنّما سرت للاصلاح بین النّاس و اطفاء نائرة الفتنة فلیس یناقض ما رویته عن الرسول من خبر الفتنة و لا ما قلته فی الكوفة فی واقعة الجمل فقطعوا أوتار قسیكم . انتهى ما اردنا من نقل كلامه .

أقول : إن أبا موسى حضر صفین و لم یحارب و لم یسلّ السیف كما نقلنا من قبل عن كتاب صفین لنصر بن مزاحم و تاریخ أبی جعفر الطبرى ان القوم لمّا صفحوا عن رأى أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام و عصوه و أبوا إلا أبا موسى حكما لأهل العراق بعثوا إلى أبی موسى و قد اعتزل بأرض من أرض الشام یقال لها : عرض و اعتزل القتال فأتاه مولى له فقال : إن النّاس قد اصطلحوا فقال : الحمد للّه ربّ العالمین ، قال :

و قد جعلوك حكما قال : إنا للّه و إنا الیه راجعون فجاء أبو موسى حتّى دخل عسكر علیّ علیه السّلام .

ثمّ إنّ قول القائل : و ما طلبه یمانیّون إلا من كان حاضرا معهم و لو كان

[ 9 ]

على مسافة لما طلبوه و لكان لهم فیمن حضر غناء عنه ، بدیهی البطلان و یظهر وهنه بأدنى تأمّل على أن ما سمعت من أهل النقل و حملة الآثار من أن أهل الشام لما رأوا انكسارهم و خذلانهم رفعوا المصاحف بالرماح خدیعة و دهاء و مكیدة حتّى أن أجمع الفریقان على أن یحییا ما أحیى القرآن و أن یمیتا ما أمات القرآن ثمّ رجع كلّ فریق إلى أصحابه و قال النّاس : قد رضینا بحكم القرآن فقال أهل الشام : فانا قد رضینا و اخترنا عمرو بن العاص و قال الأشعث و القراء الّذین صاروا خوارج فیما بعد : فانا قد رضینا و اخترنا أبا موسى الأشعرى فقال لهم علیّ علیه السّلام : إنّی لا أرضی بأبى موسى و لا أرى أن أولیه فقال الأشعث و یزید بن حصین الطائى و مسعر بن فدكى فی عصابة من القراء : إنا لا نرضی إلا به فانّه قد حذرنا ما وقعنا فیه فعمدة ما استمسكوا بها فی اختیارهم أبا موسى انّه حذرهم عن الحرب و غیر ذلك مما مرّ و لا فائدة فی الاعادة و الاطالة و لا یخفى ان حضوره عندهم و غیابه عنهم سیّان فی غرضهم ذلك فالاحتمالات الّتی ذكرها القائل واهیة موهونة جدّا .

و أوهن منها ما قال : لو كان على مسافة لما وافق علیّ علیه السّلام على تحكیمه و لا كان علىّ ممّن یحكم من لم یحضر معه ، لأنّه علیه السّلام كان كارها و مستكرها و غیر موافق فی أبی موسى و حكینا من نصر و أبی جعفر الطبرى و غیرهما آنفا انّه علیه السّلام قال :

فان أبا موسى لیس لی برضا و قد فارقنی و خذل النّاس عنّی ثمّ هرب حتّى أمنته بعد أشهر و لكن هذا ابن عبّاس اولیه ذلك قالوا : و اللّه ما نبالی أنت كنت او ابن عبّاس لا نرید إلاّ رجلا هو منك و من معاویة سواء لیس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر قال علیّ : فانی أجعل الأشتر قال الأشعث : و هل سعّر الأرض علینا غیر الأشتر و هل نحن إلاّ فی حكم الأشتر قال له علیّ علیه السّلام : و ما حكمه ؟ قال : حكمه ان یضرب بعضنا بعضا بالسّیوف حتّى یكونن ما أردت و ما أراد إلى آخر ما نقلنا . و یقول علیه السّلام :

فی هذه الخطبة أیضا : فادفعوا فی صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العبّاس .

و مع الاغماض و الصفح عن ذلك كلّه و لو قیل إن أبا موسى لم یحضر صفین قطّ و ما شهد حربا قلنا فقد أخطأ أیضا بمسیره إلى القوم لیفوضوا الیه أمر الحكومة

[ 10 ]

و لزمته التهمة لأنّه روى كما نقلنا من قبل عن ابن عبد البر فی الاستیعاب و المسعودى فی مروج الذهب و نصر بن مزاحم فی كتاب صفین و أبی محمّد بن متویه المعتزلی و غیرهم عن سوید بن غفلة حیث قال : كنت مع أبى موسى على شاطی الفرات فی خلافة عثمان فروى لی خبرا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : سمعته یقول : إن بنی إسرائیل اختلفوا فلم یزل الاختلاف بینهم حتّى بعثوا حكمین ضالین ضلاّ و أضلاّ من اتبعهما و لا ینفك امر امتی حتّى یبعثوا حكمین یضلاّن و یضلاّن من تبعهما فقلت له : احذر یا أبا موسى أن تكون أحدهما فخلع قمیصه و قال : ابرء إلى اللّه من ذلك كما ابرء من قمیصى هذا .

فنقول : إمّا أن یكون فی نقل الخبر صادقا او كاذبا فان كان صادقا فهو الضالّ المضلّ و قد اخطأ بمسیره الیهم و دخوله فی الحكومة فكیف یجوز أن یقول : انّما سرت للاصلاح بین النّاس و اطفاء نائرة الفتنة من شهد على نفسه بالضلال و الاضلال و كیف لا یناقض بعض قوله بعضا و هل هذا إلاّ التهافت .

و إن كان كاذبا فقد لزمته التهمة فهو فاسق فلا ینبغی الاعتماد علیه فی هذا الخطب الخطیر و قد كان فی القوم من لم یكن فیه تلك التهمة و سوء الظن مع قوة العقل و صحة النظر و ظهور النصح مع جواز أن یكون رضاه لحب الحكومة فان الملك عقیم و للانتقام من علىّ علیه السّلام لما قد نقلنا من ابن عبد البر و غیره بعد ذكر عزله علیه السّلام ایّاه عن الكوفة فلم یزل واجدا على علىّ علیه السّلام حتّى جاء فیه ما قال حذیفة :

إلى آخر ما نقلنا فی ترجمة أبى موسى .

و سیأتى تمام الكلام فیه فی كتابه علیه السّلام الثالث و الستین الیه قوله علیه السّلام من عبد اللّه علىّ أمیر المؤمنین إلى عبد اللّه بن قیس أمّا بعد فقد بلغنى الخ فارتقب .

بیان فی مروج الذهب للمسعودى نقلت الروایة عن سوید بن علقمة و فی غیره عن سوید بن غفلة و الأخیر صواب و ما فی مروج الذهب تصحیف من النساخ قال العلامة الحلّى قدس سره فی الخلاصة : قال البرقى إنه من اولیاء أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو سوید بن غفلة الجعفى ، و فی منتهى المقال فی أحوال الرجال لأبى على نقلا عن مختصر تذكرة الذهبى : ولد عام الفیل او بعده بعامین و أسلم و قد شاخ فقدم المدینة

[ 11 ]

و قد فرغوا من دفن المصطفى صلّى اللّه علیه و آله إلى ان قال : و كان ثقة نبیلا عابدا زاهدا قانعا بالیسیر كبیر الشأن یكنى أبا امیة ، و قیل الجغفى بالغین المعجمة .

قوله علیه السّلام : ( فادفعوا فی صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العباس ) یعنی نحّوه بابن العبّاس و اضربوا صدره به ، اى اجعلوا عبد اللّه بن العبّاس حكما مقابلا لعمرو بن العاص حتّى یدفعه عما یرید ، و قد نقلنا قبل من كتاب صفین ( ص 270 طبع ایران الناصرى ) لنصر بن مزاحم ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبی جعفر محمّد بن علیّ علیهما السّلام قال : لما أراد النّاس علیّا علیه السّلام على أن یضع حكمین قال لهم على :

إن معاویة لم یكن لیضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأیه و نظره من عمرو بن العاص و انّه لا یصلح للقرشی إلاّ مثله فعلیكم بعبد اللّه بن العباس فارموه به فان عمرا لا یعقد عقدة إلاّ حلّها عبد اللّه و لا یحلّ عقدة إلاّ عقدها و لا یبرم أمرا إلا نقضه و لا ینقض أمرا إلاّ أبرمه ، فقال الأشعث : لا و اللّه لا یحكم فینا مضریان حتّى تقوم الساعة و لكن اجعله رجلا من أهل الیمن إذا جعلوا رجلا من مضر فقال علیّ علیه السّلام : إنّی أخاف أن یخدع یمنیّكم فان عمرا لیس من اللّه فی شی‏ء حتى إذا كان له فی أمر هواه فقال الأشعث :

و اللّه لأن یحكما ببعض ما نكره و أحدهما من أهل الیمن أحبّ الینا من أن یكون ما نحبّ فی حكمهما و هما مضریان ، قال علیّ علیه السّلام : قد أبیتم إلاّ أبا موسى قالوا : نعم ،

قال : فاصنعوا ما أردتم ، و فی روایة اخرى فاصنعوا ما شئتم اللّهم إنّی أبرء إلیك من صنیعهم .

قوله علیه السّلام : ( و خذوا مهل الأیام ) اى لا تهملوا المهلة فاغتنموا سعة الأیام و فسحتها قبل أن تضیق و تفوت عنكم فاعملوا فیها ما ینبغی لكم .

قوله علیه السّلام : ( و حوطوا قواصی الإسلام ) اى احفظوا نواحى بلاد الاسلام و حدودها و أطرافها .

أقول : لمّا بلغ شرحنا إلى هنا كتب إلیّ صدیق لی كتابا أظهر فیه شكوى إلىّ و أبرز حاجة ، و طلب الإفتاء فی رؤیاء ، و الرّجل و إن كان ذا فضل لكنه لم یكن عارفا بالعلوم العربیة حتّى النحو و لغة العرب فذهبت إلیه فأشكیته ثمّ انجرّ الكلام إلى مكتوبه فقال : أما الشكوى فإن بی شكاة مدة شهرین و لم تعدنی ، فأعذرته

[ 12 ]

بعدم العلم به ، فقال : أمّا الحاجة فإلى مجلد من ناسخ التواریخ فی ترجمة عیسى روح اللّه علیه السّلام ، و أمّا الرؤیاء فرأیت فی المنام أنی اسافر معك حتّى انتهینا إلى ثقب جبل فجاوزناه فآوینا إلى ناحیة فاذن ان بی حیرة فی أمری اقدّم رجلا و أؤخر اخرى و لكنك جالس فرحا مبتهجا و حولك كتب كثیرة و أمعنت فی الكتابة كأنك شاغل بتألیف كتاب فاسترقت البصر فرأیت أنك كتبت « حوطو » .

فلمّا أخبرته بشرحنا هذا و أنّه بلغ إلى قوله علیه السّلام : « حوطوا قواصی الاسلام » عجب ، و عجبت أیضا و لعمرى أن الرّجل لم یكن مطلّعا على أمرى و كنت غائبا عنه منذ سنة و بذلك تفألت بالخیر فی اقبالی إلى هذا الشرح المنیف و إقدامی علیه و أرجو من اللّه أن یوفّقنی للاتمام فانه ولی التوفیق و أن یجعل نفعه أعم و فائدته أتم .

اللّهم آمین ، و یرحم اللّه عبدا قال آمینا .

قوله علیه السّلام : ( ألا ترون إلى بلادكم تغزى و إلى صفاتكم ترمی ) قد مرّ انّ الصفاة فی الأصل الحجر الصلد الضخم لا ینبت و لا تنفذ فیها السهام و هذه الكلمة كما یستفاد من مواضع كثیرة من استعمالهم یكنّی بها عن عرض الرّجل و حیطته و حوزته و نظائرها مما لها شأن و یقال : فلان رمی صفاة فلان إذا دهاه بداهیة قال ابن عمّ لأبی موسى مخاطبا إیاه كما فی كتاب صفین لنصر ( ص 300 الطبع الناصری ) :

أبا موسى بلیت فكنت شیخا
قریب القعر مدهوش الجنان

رمی عمرو صفاتك یا ابن قیس
بأمر لا تنوء به الیدان

و فلان لا تقرع له صفاة اى لا یناله أحد بسوء و لا یطمع فیه فقوله علیه السّلام ألا ترون إلى آخره ترغیب لهم فی حفظ حوزة الاسلام و صیصیته و حیاطة قواصی بلاده و تهییج لهم فی دفع أیدى الأجانب عن بیضة الاسلام و أهله .

فاستثار علیه السّلام نفوسهم بأن العدو طمع فیهم و قصد بلادهم و رمی صفاتهم حتّى لا تفرق كلمتهم و لا تشتت وحدتهم فتذهب ریحهم و العدو هو معاویة الطغام و أتباعه الفجرة اللئام من أهل الشام .

[ 13 ]

ثمّ قال الشارح الفاضل المعتزلی : قوله علیه السّلام الا ترون إلى آخره یدلّ على أن هذه الخطبة بعد انقضاء أمر التحكیم لأن معاویة بعد أن تمّ على أبى موسى من الخدیعة ما تمّ استعجل أمره و بعث السرایا إلى اعمال علیّ علیه السّلام ، یقول : قد بلغت غارات أهل الشام حدود الكوفة الّتی هی دار الملك و سریر الخلافة و ذلك لا یكون إلا بعد الاثخان فی غیرها من الأطراف .

أقول : كلامه علیه السّلام فادفعوا فی صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العبّاس یدلّ على أن هذه الخطبة صدرت منه علیه السّلام فی أثناء تشاجر القوم فی اختیار الحكمین كما نقلنا قولا آخر نظیره منه علیه السّلام : فعلیكم بعبد اللّه بن العبّاس فارموه به فان عمرا لا یعقد عقدة إلا حلّها عبد اللّه إلى آخر ما مر آنفا ، و لو كان بعد انقضاء التحكیم لما كان لكلامه علیه السّلام ذلك مجال .

بل الظاهر من صورة احتجاجه علیه السّلام علیهم یدلّ على أن الخطبة قبل انقضاء أمر التحكیم و إنما قالها علیه السّلام توبیخا لهم بسوء رأیهم و قبح اختیارهم فی أبی موسى و تنبیها لهم بأنّ ابن العبّاس ینبغى أن یجعل قبال ابن العاص و لا ینافی هذا قوله علیه السّلام أ لا ترون إلى بلادكم تغزى و إلى صفاتكم ترمى لأن أهل الشام قبل انقضاء أمر التحكیم أیضا كانوا یغزون بلادهم و یرمون صفاتهم و طمعوا فیهم حتّى فعلوا ما فعلوا ، على انه یمكن أن یكون على صورة الاخبار حثّالهم على اغتنام الفرصة و حیاطة بیضة الاسلام و ایقاظا لهم بان الأعداء قد أشرفوا علیهم لو ذهبوا إلى رأیهم الفاسد و نظرهم الكاسد .

« بحث كلامى »

« نقل مسألتین من تنزیه الأنبیاء للشریف المرتضى علم الهدى » « فی ایراد شبهات و أجوبتها فی المقام »

ذكر علم الهدى رضوان اللّه علیه فی قسم تنزیه الأئمة من كتابه الموسوم بتنزیه الأنبیاء عدّة شبهات ربّما تورد فی المقام ثمّ تصدّى للجواب عنها و نحن

[ 14 ]

نكتفی بمجرد نقلها عنه من غیر بسط و زیادة منّا قال رحمه اللّه :

« المسألة الأولى »

فان قیل : فما الوجه فی تحكیمه علیه السّلام أبا موسى الأشعرى و عمرو بن العاص و ما العذر فی أن حكّم فی الدّین الرّجال ؟ و هذا یدلّ على شكّه فی امامته و حاجته إلى علم ( علمه خ ل ) بصحة طریقته .

ثمّ ما الوجه فی تحكیمه فاسقین عنده عدوّین له ؟ أو لیس قد تعرض بذلك لأن یخلعا امامته و یشكّكا النّاس فیه و قد مكنهما من ذلك بأن حكّمهما و كانا غیر متمكنین منه و لا أقوالهما حجة فی مثله ؟ .

ثمّ ما العذر فی تأخیره جهاد المرقة الفسقة و تأجیله ذلك مع امكانه و استظهاره و حضور ناصره ؟

ثمّ ما الوجه فی محو اسمه من الكتاب بالامامة و تنظره بمعاویة فی ذكر نفسه بمجرد الاسم المضاف إلى الأب كما فعل ذلك به و أنتم تعلمون أن بهذه الأمور ضلّت الخوارج مع شدّة تخشنها فی الدین و تمسكها بعلائقه و وثائقه ؟

« الجواب عن الشبهة الأولى »

قلنا : كلّ أمر ثبت بدلیل قاطع غیر محتمل فلیس یجوز أن نرجع عنه و نتشكك فیه لأجل أمر محتمل و قد ثبتت امامة أمیر المؤمنین علیه السّلام و عصمته و طهارته من الخطاء و برائته من الذنوب و العیوب بأدلة عقلیة و سمعیّة فلیس یجوز أن نرجع عن ذلك أجمع و لا عن شی‏ء منه لما وقع من التحكیم المحتمل للصواب بظاهره و قبل النظر فیه كاحتماله للخطاء و لو كان ظاهره أقرب إلى الخطاء و أدنى إلى مخالفة الصواب بل الواجب فی ذلك القطع على مطابقة ما ظهر من المحتمل لما ثبت بالدلیل و صرف ما له ظاهر عن ظاهره و العدول به إلى موافقة مدلول الدلالة الّتی لا یختلف مدلولها و لا یتطرق علیها التأویل و هذا فعلنا فیما ورد من آى القرآن الّتی تخالف بظاهرها الأدلّة العقلیّة مما یتعلق به الملحدون او المجبرة او المشبهة ، و هذه جملة قد كرّرنا ذكرها فی كتابنا هذا لجلالة موقعها من الحجة و لو اقتصرنا فی حلّ هذه الشبهة علیها

[ 15 ]

لكانت مغنیة كافیة كما أنها كذلك فیما ذكرناه من الأصول لكنّا نزید وضوحا فی تفصیلها و لا نقتصر علیها كما لم نفعل ذلك فیما صدّرنا به هذا الكتاب من الكلام فی تنزیه الأنبیاء علیهم السّلام عن المعاصی .

فنقول : إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام ما حكّم مختارا بل احوج إلى التحكیم و الجی‏ء إلیه لأن أصحابه علیه السّلام كانوا من التخاذل و التقاعد و التواكل إلا القلیل منهم على ما هو معروف مشهور و لمّا طالت الحرب و كثر القتل و جلّ الخطب ملّوا ذلك و طلبوا مخرجا من مقارعة السیوف و اتفق من رفع أهل الشام المصاحف و التماسهم الرجوع الیها و اظهارهم الرضا بما فیها ما اتفق بالحیلة الّتی نصبها عدو اللّه عمرو ابن العاص و المكیدة الّتی كادبها لمّا أحسّ بالبوار و علوّ كلمة أهل الحق و أن معاویة و جنده مأخوذون قد علتهم السیوف و دنت منهم الحتوف فعند ذلك وجد هؤلاء الأغنام طریقا إلى الفرار و سبیلا إلى وقوف أمر المناجزة و لعلّ منهم من دخلت علیه الشبهة لبعده عن الحق و علظ فهمه و ظن أن الّذی دعى الیه أهل الشام من التحكیم و كفّ الحرب على سبیل البحث عن الحقّ و الاستسلام للحجّة لا على وجه المكیدة و الخدیعة فطالبوه علیه السّلام بكفّ الحرب و الرّضا بما بذله القوم فامتنع علیه السّلام من ذلك امتناع عالم بالمكیدة ظاهر على الحیلة و صرّح لهم بأن ذلك مكر و خداع فأبوا و لجّوا فأشفق علیه السّلام فی الامتناع علیهم و الخلاف لهم و هم جمة عسكره و أصحابه من فتنة صمّاء هی أقرب الیه من حرب عدوّه و لم یأمن أن یتعدّى ما بینه و بینهم إلى أن یسلموه إلى عدوّه أو یسفكوا دمه . فأجاب إلى التحكیم على مضض و ودّ من كان قد أخذ بخناق معاویة و قارب تناوله و أشرف على التمكن منه ( منهم خ ل ) حتّى أنّهم قالوا للأشتر رحمه اللّه تعالى و قد امتنع من أن یكف عن القتال و قد أحسّ بالظفر و أیقن بالنصر : أ تحبّ انّك ظفرت ههنا و أمیر المؤمنین علیه السّلام عند رفعهم المصاحف اتّقوا اللّه و امضوا على حقّكم فان القوم لیسوا بأصحاب دین و لا قرآن و أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم اطفالا و رجالا فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال انّهم و اللّه ما رفعوا المصاحف لیعملوا بها و انّما رفعوها خدیعة و دهاء و مكیدة ، فأجاب علیه السّلام إلى التحكیم

[ 16 ]

دفعا للشرّ القوىّ بالشرّ الضعیف و تلافیا للضرر الأعظم بتحمل الضرر الأیسر .

و أراد أن یحكّم من جهته عبد اللّه بن العبّاس رحمة اللّه علیه فأبوا علیه و لجّوا كما لجّوا فی أصل التحكیم و قالوا : لا بدّ من یمانیّ مع مصرىّ فقال علیه السّلام : فضمّوا الأشتر و هو یمانی إلى عمرو فقال الأشعث بن قیس : الاشتر هو الّذى طرحنا فیما نحن فیه و اختاروا أبا موسى مقترحین له علیه علیه السّلام ملزمین له تحكیمه فحكّمهما بشرط أن یحكما بكتاب اللّه تعالى و لا یتجاوزاه و انهما متى تعدّیاه فلا حكم لهما و هذا غایة التحرز و نهایة التیقظ لأنا نعلم أنهما لو حكما بما فی الكتاب لأصابا الحق و علما أن أمیر المؤمنین علیه الصلاة و السّلام أولى بالأمر و أنّه لاحظّ لمعاویة و ذویه فی شی‏ء منه ، و لمّا عدلا إلى طلب الدّنیا و مكر أحدهما بصاحبه و نبذا الكتاب و حكمه وراء ظهورهما خرجا من التحكیم و بطل قولهما و حكمهما و هذا بعینه موجود فی كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام لمّا ناظر الخوارج و احتجّوا علیه فی التحكیم و كلّ ما ذكرناه فی هذا الفصل من ذكر الأعذار فی التحكیم و الوجوه المحسنة له مأخوذ من كلامه علیه السّلام و قد روى عنه علیه السّلام مفصّلا مشروحا .

« الجواب عن الشبهة الثانیة »

فأمّا تحكیمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فیه إذ كنّا قد بینا أن الاكراه وقع على أصل الاختیار و فرعه و أنه علیه السّلام الجی‏ء إلیه جملة ثمّ إلى تفصیله و لو خلّی علیه السّلام و اختیاره ما أجاب إلى التحكیم أصلا و لا رفع السیف ( السیوف خ ل ) عن أعناق القوم لكنّه أجاب الیه ملجئا كما أجاب إلى من اختاره و بعینه كذلك و قد صرّح علیه السّلام بذلك فی كلامه حیث یقول : لقد أمسیت أمیرا و أصبحت مأمورا و كنت أمس ناهیا و أصبحت الیوم منهیّا و كیف یكون التحكیم منه علیه السّلام دالاّ على الشك و هو علیه السّلام ناه عنه و غیر راض به و مصرّح بما فیه من الخدیعة و إنّما یدلّ ذلك على شكّ من حمله علیه و قاده الیه .

و إنّما یقال : إنّ التحكیم یدلّ على الشك إذا كنّا لا نعرف سببه و الحامل علیه او كان لا وجه له إلاّ ما یقتضی الشك ، فأمّا إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه و ادخل

[ 17 ]

فیه و علمنا انّه علیه السّلام ما أجاب الیه إلاّ لدفع الضرر العظیم و لأن یزول الشبهة عن قلب من ظنّ به علیه السّلام أنه لا یرضى بالكتاب و لا یجیب إلى تحكیمه ، فلا وجه لما ذكروه ، و قد أجاب علیه السّلام عن هذه الشبهة بعینها فی مناظرتهم لما قالوا له :

أشككت ؟ فقال : علیه السّلام أنا أولى بأن لا أشك فی دینی أم النبیّ صلّى اللّه علیه و آله أو ما قال اللّه تعالى لرسوله : قل فأتوا بكتابٍ من عند اللّه هو أهدى منهما أتّبعه إن كنتم صادقین .

و أمّا قول السائل فانّه علیه السّلام تعرض لخلع امامته و مكّن الفاسقین من أن یحكما علیه بالباطل فمعاذ اللّه أن یكون كذلك لأنا قد بیّنا أنّه علیه السّلام إنما حكّمهما بشرط لو وفیا به و عملا علیه لأقرّا امامته و أوجبا طاعته لكنّهما عدلا عنه فبطل حكمهما فما مكّنهما مع خلع امامته و لا تعرض منهما لذلك و نحن نعلم أن من قلّد حاكما أو ولی أمیرا لیحكم بالحق و یعمل بالواجب فعدل عمّا شرطه و خالفه لا یسوغ القول بأن من ولاّه عرضه للباطل و مكّنه من العدول عن الواجب و لم یلحقه شی‏ء من اللّوم بذلك بل كان اللّوم عائدا على من خالف ما شرط علیه .

« الجواب عن الشبهة الثالثة »

فأمّا تأخیره جهاد الظالمین و تأجیل ما یأتی من استیصالهم فقد بینا العذر فیه و أن أصحابه علیه السّلام تخاذلوا و تواكلوا و اختلفوا و أن الحرب بلا أنصار و بغیر أعوان لا یمكن و المتعرض لها مغرر بنفسه و أصحابه .

« الجواب عن الشبهة الرابعة »

فأمّا عدوله عن التسمیة بأمیر المؤمنین و اقتصاره على التسمیة المجردة فضرورة الحال دعت الیها و قد سبقه إلى مثل ذلك سیّد الأوّلین و الآخرین رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی عام الحدیبیة و قصته مع سهل بن عمرو و أنذره علیه السّلام بأنّه سیدعی إلى مثل ذلك و یجیب على مضض فكان كما أنذر و خبّر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و اللّوم بلا اشكال زائل عما اقتدى فیه بالرسول صلّى اللّه علیه و آله و هذه جملة تفصیلها یطول یطول و فیها لمن أنصف من نفسه بلاغ و كفایة .

« المسألة الثانیة »

فان قیل : فإذا كان علیه السّلام من أمر التحكیم على ثقة و یقین فلم روى عنه علیه السّلام

[ 18 ]

أنّه كان یقول بعد التحكیم فی مقام بعد آخر : لقد عثرت عثرة لا أنحبر سوف أكیس بعدها و أستمرّ و أجمع الرأى ( الشمل خ ل ) الشتیت المنتشر أ و لیس هذا إذعانا بأن التحكیم جرى على خلاف الصواب ؟

« الجواب »

قلنا : قد علم كلّ عاقل قد سمع الأخبار ضرورة أن أمیر المؤمنین علیه السّلام و أهله و خلصاء شیعته و أصحابه كانوا من أشدّ النّاس إظهارا لوقوع التحكیم من الصواب و السداد موقعه و أن الّذى دعى الیه حسن و التدبیر أوجبه و انّه علیه السّلام ما اعترف قطّ بخطاء فیه و لا أغضی عن الاحتجاج فیمن شك فیه و ضعّفه كیف ؟ و الخوارج إنّما ضلّت عنه و عصته ( عاصته خ ل ) و خرجت علیه لأجل أنها أرادته على الاعتراف بالزلل فی التحكیم فامتنع كلّ امتناع و أبى أشدّ إباء و قد كانوا یقنعون منه و یعاودون طاعته و نصرته بدون هذا الّذی أضافوه الیه علیه السّلام من الإقرار بالخطاء و اظهار التّندم و كیف یمتنع من شی‏ء و یعترف بأكثر منه و یغضب من جزء و یجیب إلى كلّ هذا ممّا لا یظنه علیه السّلام أحد ممّن یعرفه حقّ معرفته .

و هذا الخبر شاذّ ضعیف فإمّا أن یكون باطلا موضوعا أو یكون الغرض فیه غیر ما ظنّه القوم من الاعتراف بالخطاء فی التحكیم . فقد روى عنه علیه السّلام معنی هذا الخبر و تفسیر مراده منه و نقل من طرق معروفة موجودة فی كتب أهل السیر أنّه علیه السّلام لما سئل عن مراده بهذا الكلام قال : كتب إلىّ محمّد بن أبی بكر بأن أكتب له كتابا فی القضاء یعمل علیه فكتبت له ذلك و أنفذته الیه فاعترضه معاویة فأخذه فتأسف علیه السّلام ( فاسف خ ل ) على ظفر عدوّه بذلك و أشفق من أن یعمل بما فیه من الأحكام و یوهم ضعفة أصحابه أن ذلك من علمه و من عنده فتقوى الشبهة به علیهم ، و هذا وجه صحیح یقتضى التأسف و التندّم و لیس فی الخبر المتضمن للشعر ما یقتضى أنّ تندّمه كان على التحكیم دون غیره و إذا جائت روایة بتفسیر ذلك عنه علیه السّلام كان الأخذ بها أولى .

انتهى كلامه رحمه اللّه تعالى .

[ 19 ]

هدایة و ارشاد

قد ذكرنا بعضا من الأشعار القدیمة ممّن شهد صفّین مع أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام وصفوه علیه السّلام بانّه وصیّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و عرّفوه بذلك و قائلوها سنام المسلمین من الصحابة و غیرهم و كبارهم فی صدر الاسلام و علیهم تثنّى الخناصر ، و كذا نرى كثیرا من الأشعار یجلّ عن الاحصاء المقولة فی وقعة الجمل و غیرها المتضمنة كونه علیه السّلام وصیّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و من نظر فیها بعین الدرایة و الانصاف رأى أن الحقّ ما ذهب الیه الطائفة الحقّة المحقّة إلامامیّة الاثنا عشریة و قاطبة الشیعة فی خلافته و إمامته علیه السّلام لأن هذه الكلمة الصادرة من هؤلاء العظام مع قربهم بزمان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بل ادراك كثیر منهم ایّاه ممّا یعتنی بها و یبجّلها من یطلب الحقّ و یبحث عنه و نحن نذكر شر ذمة منها ههنا تذكرة و تنبیها لأولى الدرایة و النهى و نذكر الأشعار و ندع ذكر الوقائع الّتی قیل الشعر فیها ففی كتاب صفّین لنصر بن مزاحم المنقرى و هو من قدماء رجال الحدیث مدحه الفریقان بالتوثیق ( ص 12 الطبع الناصرى ) قال جریر أبیاتا منها :

أتانا كتاب علیّ فلم
نردّ الكتاب بأرض العجم

رسول الملیك و من بعده
خلیفتنا القائم المدّعم

علیّا عنیت وصیّ النّبیّ
یجالد عنه غوات الأمم

له الفضل و السبق و المكرمات
و بیت النبوّة لا یهتضم

و فیه ( ص 15 ) : و مما قیل على لسان الأشعث :

أتانا الرسول رسول علیّ
فسرّ بمقدمه المسلمونا

رسول الوصیّ وصیّ النّبیّ
له الفضل و السبق فی المؤمنینا

ثمّ قال : و مما قیل على لسان الأشعث أیضا :

أتانا الرسول رسول الوصی
علیّ المهذب من هاشم

رسول الوصیّ وصیّ النبیّ
و خیر البریّة من قائم

[ 20 ]

وزیر النبی و ذى صهره
و خیر البریة فی العالم

و خیر البریّة فی العالم
له الفضل و السبق بالصالحات

و فیه ( ص 28 ) كتب جریر إلى شرحبیل أبیاتا منها :

و ما لعلیّ فی ابن عفّان سقطة
بأمر و لا جلب علیه و لا قتل

وصیّ رسول اللّه من دون أهله
و فارسه الأولى به یضرب المثل

و فی بعض النسخ : و فارسه الحامی به یضرب المثل و فیه ( ص 73 ) قال النجاشی :

رضینا بما یرضى علیّ لنا به
و إن كان فیما یأت جدع المناخر

وصیّ رسول اللّه من دون أهله
و وارثه بعد العموم الأكابر

و فیه ( ص 204 ) قال المغیرة بن الحارث بن عبد المطلّب :

و أیقنوا أن من أضحى یخالفكم
أضحى شقیا و أضحى نفسه خسرا

فیكم وصیّ رسول اللّه قائدكم
و أهله و كتاب اللّه قد نشرا

و لا تخافوا ضلالا لا أبالكم
سیحفظ الدین و التقوى لمن صبرا

و فیه ( ص 222 ) قال الفضل بن عباس :

و قلت له لو بایعوك تبعتهم
فهذا علیّ خیر حاف و ناعل

وصیّ رسول اللّه من دون أهله
و فارسه إن قیل هل من منازل

و فیه ( ص 25 ) قال أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام أبیاتا منها :

یا عجبا لقد سمعت منكرا
كذبا على اللّه یشیب الشعرا

یسترق السمع و یغشى البصرا
ما كان یرضى أحمد لو خبرا

ان یقرنوا وصیّه و الأبترا
شانی الرسول و اللعین الأخزرا

و فیه ( ص 191 ) قال النضر بن عجلان الأنصارى أبیاتا منها :

كیف التفرق و الوصیّ امامنا
لا كیف إلاّ حیرة و تخاذلا

لا تعتبنّ عقولكم لا خیر فی
من لم یكن عند البلابل عاقلا

و ذروا معاویة الغویّ و تابعوا
دین الوصیّ لتحمدوه آجلا

[ 21 ]

و فیه ( ص 202 ) قال عبد الرّحمن بن ذویب الأسلمی ابیاتا منها :

یقودهم الوصیّ الیك حتّى
یردّك عن غواتك و ارتیاب

و من الأشعار الّتى تتضمنّ هذه اللفظة و قیل فی حرب الجمل ما قال غلام من بنى ضبّة شاب معلّم من عسكر عایشة ، خرج یوم الجمل و هو یقول :

نحن بنو ضبّة أعداء علیّ
ذاك الّذی یعرف قدما بالوصیّ

و فارس الخیل على عهد النبیّ
ما انا عن فضل علىّ بالعمی

لكننی انعی بن عفّان التقی
انّ الولی طالب ثار الولی

و ما قال حجر بن عدیّ الكندی فی یوم الجمل :

یا ربّنا سلّم لنا علیّا
سلّم لنا المبارك الرضیّا

المؤمن الموحّد النقیّا
لا خطل الرأی و لا غویّا

بل هادیا موفقا مهدیا
و احفظه ربّی و احفظ النّبیّا

فیه فقد كان له ولیّا
ثمّ ارتضاه بعده وصیّا

و ما قال خزیمة بن ثابت الأنصاری ذو الشهادتین و كان بدریّا فی یوم الجمل یخاطب عائشة من ابیات بعضها :

أعایش خلّی عن علیّ و عیبه
بما لیس فیه إنّما انت والده

وصیّ رسول اللّه من دون أهله
و أنت على ما كان من ذاك شاهده

و ما قال خزیمة أیضا :

لیس بین الأنصار فی حجمة الحرب
و بین العداة إلا الطعان

و قراع الكماة بالقصب البیض
إذا ما تحطم المران

فادعها تستجب من الخزرج
و الأوس یا على جبان

یا وصیّ النّبیّ قد اجلت الحرب
الأعادى و سارت الاظعان

و استقامت لك الأمور سوى
الشام و فی الشام تظهر الأذعان

حسبهم ما رأوا و حسبك منا
هكذا نحن حیث كنا و كانوا

و ما قال عمرو بن اجنحة یوم الجمل خطابا للحسن بن علیّ علیهما السّلام :

[ 22 ]

حسن الخیر یا شبیه أبیه
قمت فینا مقام خیر خطیب

إلى أن قال :

و أبی اللّه أن یقوم بما قام
به ابن الوصیّ و ابن النجیب

ان شخصا بین النّبیّ لك الخیر
و بین الوصیّ غیر مشوب

و ما قال زجر بن قیس الجعفی فی یوم الجمل :

اضربكم حتّى تقرّوا لعلیّ
خیر قریش كلّها بعد النّبیّ

من زانه اللّه و سمّاه الوصیّ
ان الولیّ حافظ ظهر الولیّ

كما الغوىّ تابع أمر الغویّ

و قال الفضل بن عباس ( كما فی تاریخ الطبری ص 449 ج 3 طبع مصر 1357 ه ) فی ابیات له :

ألا إنّ خیر النّاس بعد محمّد
وصیّ النّبی المصطفى عند ذى الذكر

و أوّل من صلّی و صنو نبیّه
و أوّل من أردى الغوات لدى بدر

و قال عمّار بن یاسر فی الخطبة الّتى استنفر أهل الكوفة إلى أمیر المؤمنین وصیّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال فی أبیات له كما نقله الشیخ الأجل المفید فی الجمل ص 117 طبع النجف :

رضینا بقسم اللّه إذ كان قسمنا
علیّا و أبناء الرسول محمّد

أتاكم سلیل المصطفى و وصیّه
و أنتم بحمد اللّه عارضه الندى

و ما قال زیاد بن لبید الأنصارى كان من أصحاب علیّ علیه السّلام یوم الجمل من ابیات بعضها :

إنا اناس لا نبالی من عطب
و لا نبالی فی الوصیّ من غضب

و ما قال عبد اللّه بن بدلیل بن ورقاء الخزاعی یوم الجمل :

یا قوم للخطة العظمى الّتی حدثت
حرب الوصیّ و ما للحرب من آسى

الفاصل الحكم بالتقوى إذا ضربت
تلك القبائل أخماسا لأسداس

و ما قال عبد اللّه بن أبی سفیان بن الحرب بن عبد المطلب :

و منا علیّ ذاك صاحب خیبر
و صاحب بدر یوم سالت كتائبه

[ 23 ]

وصیّ النّبیّ المصطفى و ابن عمه
فمن ذا یدانیه و من ذا یقاربه

و ما قال عبد الرّحمان بن جعیل :

لعمرى لقد بایعتم ذا حفیظة
على الدین معروف العفاف موفقا

علیّا وصیّ المصطفى و ابن عمّه
و أوّل من صلّی أخا الدین و التقی

و ما قال أبو الهیثم التیهان و كان بدریا من أبیات بعضها :

ان الوصیّ امامنا و ولینا
برح الخفا و باحث الأسرار

و ما قال عمر بن حارثة الأنصارى فی محمّد بن الحنفیة یوم الجمل من أبیات بعضها :

سمیّ النّبی و شبه الوصیّ
و رایته لونها العندم

و ما قال رجل من الأزد یوم الجمل :

هذا علیّ و هو الوصیّ
أخاه یوم النجوة النبیّ

و قال هذا بعدى الولیّ
وعاه واع و نسی الشقی

و قال آخر :

إنّی أدین بما دان الوصیّ به
یوم الخریبة من قتل المحلّینا

و بالّذى دان یوم النهر دنت به
و شاركت كفّه كفّی بصفینا

تلك الدماء معا یا ربّ فی عنقی
ثمّ اسقنی مثلها آمین آمینا

و قال أبو الأسود كما فی الاغانی ( ص 10 ج 7 طبع ساسی ) :

احبّ محمّدا حبّا شدیدا
و عبّاسا و حمزة و الوصیّا

و أتى بكثیر من هذه الأبیات الشارح المعتزلی فی ذیل شرح الخطبة الثانیة من النهج أیضا و نقلها عنه المجلسی الثانی فی المجلد التاسع من بحار الأنوار ( ص 364 الطبع الكمپانی ) . و السیّد عبد الحسین شرف الدین الموسوى فی كتاب المراجعات ( المراجعة 108 ) و كذا نرى كثیرا من الأخبار و الروایات المنقولة من الفریقین انّه علیه السّلام كان یعرف بالوصیّ عند المسلمین فی صدر الاسلام بل صدر منه بعض المعجزات الّذی لا یصدر إلاّ من نبیّ أو وصیّ و كفى فی ذلك حدیث الراهب الّذی بلغ فی

[ 24 ]

الشهرة حدّ الشمس فی وسط السماء و أتى به علماء الكلام فی كتبهم الكلامیّة و منهم نصیر الملة و الدّین المحقق الطوسى فی التجرید و ذكره فی الشرح شراح الفریقین كالعلامة الحلّى و شمس الدین محمود بن أحمد الاصبهانى و الفاضل القوشجى و غیرهم و قد أومأنا من قبل فذلكة ذلك الحدیث من القوشجى و لا بأس بذكرها تفصیلا لاشتماله على ضروب من المعجز ظهرت من وصیّ خاتم الأنبیاء فأسلم الراهب فاهتدى هكذا یصنع الحقّ بأهله و أتى به نصر المتقدّم ذكره فی كتاب صفین و المجلسى فی البحار و الشارح المعتزلى فی شرح النهج و الشیخ السدید المقلب بالمفید فی الارشاد و غیرهم مما یطول الكلام بعدّها و احصائها فقال الشیخ المفید :

و من ذلك ما رواه أهل السیر و اشتهر الخبر به فی العامة و الخاصة حتّى نظمه الشعراء و خطب به البلغاء و رواه الفهماء و العلماء من حدیث الراهب بأرض كربلاء و الصخرة و شهرته یغنى عن تكلف ایراد الاسناد له ، و ذلك ان الجماعة روت أن أمیر المؤمنین علیه السّلام لما توجّه إلى صفّین لحق أصحابه عطش شدید و نفد ما كان عندهم من الماء فأخذوا یمینا و شمالا یلتمسون الماء فلم یجدوا له أثرا فعدل بهم أمیر المؤمنین علیه السّلام عن الجادّة و سار قلیلا فلاح لهم دیر فی وسط البریّة فسار بهم نحوه حتّى إذا صار فی فنائه أمر من نادى ساكنه بالاطلاع الیه فنادوه فاطلع ، فقال له أمیر المؤمنین علیه السّلام : هل قرب قائمك هذا من ماء یتغوث به هؤلاء القوم ؟ فقال :

هیهات بینى و بین الماء أكثر من فرسخین و ما بالقرب منّى شی‏ء من الماء و لو لا إننى أوتى بما یكفینى كلّ شهر على التقتیر لتلفت عطشا . فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام أسمعتم ما قال الراهب ؟ قالوا : نعم ، أفتأمرنا بالمسیر إلى حیث أوما إلیه لعلّنا ندرك الماء و بنا قوّة ؟ فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : لا حاجة لكم إلى ذلك و لوّى عنق بغلته نحو القبلة و أشار بهم إلى مكان یقرب من الدیر فقال لهم : اكشفوا الأرض فی هذا المكان فعدل منهم جماعة إلى الموضع فكشفوه بالمساحى فظهرت لهم صخرة عظیمة تلمع ، فقالوا : یا أمیر المؤمنین ههنا صخرة لا تعمل فیها المساحى . فقال لهم :

إنّ هذه الصخرة على الماء فان زالت عن موضعها وجدتم الماء فاجتهدوا فی قلعها

[ 25 ]

فاجتمع القوم و راموا تحریكها فلم یجدوا إلى ذلك سبیلا و استصعبت علیهم فلمّا رآهم علیه السّلام قد اجتمعوا و بذلوا الجهد فی قلع الصخرة و استصعب علیهم لوّى رجله عن سرجه حتّى صار على الأرض ثمّ حسر عن ذراعیه و وضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحرّكها ثمّ قلعها بیده و دحى بها أذرعا كثیرة فلمّا زالت من مكانها ظهر لهم بیاض الماء فبادروا إلیه فشربوا منه فكان أعذب ماء شربوا منه فی سفرهم و أبرده و أصفاه فقال لهم : تزوّدوا و ارتووا ففعلوا ذلك .

ثمّ جاء علیه السّلام إلى الصخرة فتناولها بیده و وضعها حیث كانت فأمر أن یعفی أثرها بالتراب و الراهب ینظر من فوق دیره فلمّا استوفی علم ما جرى نادى أیّها النّاس أنزلونی أنزلونی فاحتالوا فی إنزاله فوقف بین یدى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال له :

یا هذا أنت نبیّ مرسل ؟ قال : لا . قال : فملك مقرب ؟ قال : لا قال : فمن أنت : قال :

أنا وصیّ رسول اللّه محمّد بن عبد اللّه خاتم النبیّین صلّى اللّه علیه و آله قال : ابسط یدك اسلم للّه تبارك و تعالى على یدیك فبسط أمیر المؤمنین علیه السّلام یده و قال له : اشهد الشهادتین فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شریك له و أشهد أن محمّدا عبده و رسوله و أشهد أنّك وصیّ رسول اللّه و أحق النّاس بالأمر من بعده ، فأخذ أمیر المؤمنین علیه السّلام علیه شرائط الإسلام .

ثمّ قال علیه السّلام له : ما الّذی دعاك الآن إلى الاسلام بعد طول مقامك فی هذا الدیر على الخلاف ؟ قال : اخبرك یا أمیر المؤمنین إنّ هذا الدیر بنى على طلب قالع هذه الصخرة و مخرج الماء من تحتها و قد مضى عالم قبلی فلم یدركوا ذلك و قد رزقنیه اللّه عزّ و جلّ إنا نجد فی كتاب من كتبنا و ناثر من علمائنا أن فی هذا الصقع عینا علیها صخرة لا یعرف مكانها إلاّ نبیّ أو وصیّ نبیّ و انّه لا بدّ من ولیّ للّه یدعو إلى الحقّ آیته معرفة مكان هذه الصخرة و قدرته على قلعها و إنّی لمّا رأیتك قد فعلت ذلك تحققت ما كنا ننتظره و بلغت الأمنیّة منه فأنا الیوم مسلم على یدیك و مؤمن بحقّك و مولاك فلمّا سمع ذلك أمیر المؤمنین علیه السّلام بكى حتّى اخضلّت لحیته من الدموع و قال : الحمد للّه الّذى لم أكن عنده منسیّا الحمد للّه الّذی كنت فی كتبه

[ 26 ]

مذكورا .

ثمّ دعى علیه السّلام النّاس فقال لهم : اسمعوا ما یقول أخوكم المسلم ، فسمعوا مقاله و كثر حمدهم للّه و شكرهم على النعمة الّتی أنعم بها علیهم فی معرفتهم بحقّ أمیر المؤمنین علیه السّلام . ثمّ ساروا و الراهب بین یدیه فی جملة أصحابه حتّى لقی أهل الشام و كان الراهب فی جملة من استشهد معه فتولى علیه السّلام الصلاة علیه و دفنه و أكثر من الاستغفار له و كان إذا ذكره یقول : ذاك مولاى .

ثمّ قال المفید رحمه اللّه تعالى : و فی هذا الخبر ضروب من المعجز أحدها علم الغیب و الثانی القوة الّتی خرق العادة بها و تمیز بخصوصیّتها من الأنام مع ما فیه من ثبوت البشارة به فی كتب اللّه الأولى و ذلك مصداق قوله تعالى ذلك مثلهم فی التوراة و مثلهم فی الإنجیل و فی مثل ذلك یقول السیّد إسماعیل بن محمّد الحمیرى رحمه اللّه فی قصیدته البائیة المذهبّة :

و لقد سرى فیما یسیر بلیلة
بعد العشاء بكربلا فی موكب

حتّى أتى متبتّلا فی قائم
ألقی قواعده بقاع مجدب

یاتیه لیس بحیث یلقی عامرا
غیر الوحوش و غیر أصلع أشیب

فدنى فصاح به فأشرف ماثلا
كالنصر فوق شظیة من مرقب

هل قرب قائمك الّذى بوّئته
ماء یصاب فقال ما من مشرب

إلاّ بغایة فرسخین و من لنا
بالماء بین نقى و قیّ سبسب

فثنى الأعنّة نحو وعث فاجتلى
ملساء تلمع كاللجین المذهب

قال اقلبوها انكم إن تقلبوا
ترووا و لا تروون إن لم تقلب

فاعصوا صبوا فی قلعها فتمنّعت
منهم تمنّع صعبة لم تركب

حتّى إذا أعیتهم أهوى لها
كفّا متى ترد المغالب تغلب

فكأنها كرة بكفّ خزوّر
عبل الذراع دحى بها فی ملعب

فسقاهم من تحتها متسلسلا
عذبا یزید على الألذّ الأعرب

حتّى إذا شربوا جمیعا ردّها
و مضى فخلت مكانها لم یقرب

[ 27 ]

و زاد فیها ابن میمونة قوله :

و ایات راهبها سریرة معجز
فیها و آمن بالوصیّ المنجب

و مضی شهیدا صادقا فی نصره
أكرم به من راهب مترهب

أعنی ابن فاطمة الوصیّ و من یقل
فی فضله و فعاله لا یكذب

رجلا كلا طرفیه من سام و ما
حام له بأب و لا بأب أب

من لا یفرّ و لا یرى فی معرك
إلاّ و صارمه الخضیب المضرب

ثمّ الظاهر من كتاب صفین لنصر أن هذه الروایة الّتی نقلناها من الشیخ المفید قدّس سرّه ملفقّة من روایتین و كذا الظاهر أن إحداهما ما نظمها الحمیرى و الأخرى ما نظمها ابن میمونة ، و ذلك لأن نصر بن مزاحم روى أوّلا روایة الراهب و الصّخرة و لم یذكر إن هذا الراهب استشهد معه علیه السّلام بصفّین . ثمّ روى روایة اخرى من راهب آخر فی مكان آخر لم یكن فیه ذكر صخرة و ماء أصلا بل الراهب أتى بكتاب فقرأه عنده علیه السّلام .

و بعض ما ذكرنا من المفید فی ذیل تلك الروایة أتى به نصر فی ذیل هذه الروایة و لا بعد فی تعدد تلك الواقعة لأنه كانت فی نواحی الجزیرة و بلادها الواقعة فی مسیره علیه السّلام دیورة كثیرة و فیها رهبان كما صرّحت و نصّت بذلك الكتب الجغرافیّة القدیمة و منها كتاب حدود العالم من المشرق إلى المغرب المؤلف فی 372 من الهجرة ( ص 91 طبع الطهران 1352 ه ) مع أن إحداهما وقعت فی ظهر الكوفة من العراق و الأخرى فی الرقة من بلاد الجزیرة .

و لا بأس بنقل ما فی كتاب نصر ( ص 77 الطبع الناصرى ) لأن كتاب الراهب یلیق أن یقرأ على ظهر القلب : نصر عبد العزیز بن سباء عن حبیب بن أبی ثابت قال أبو سعید التمیمى المعروف بعقیصا 1 : قال : كنا مع علیّ فی مسیره إلى الشام حتّى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد قال : عطش الناس و احتاجوا إلى

-----------
( 1 ) كذا فی كتاب صفین لنصر و فی كتاب حدود العالم من المشرق إلى المغرب ضمن عنوان الكلام فی ناحیة الجزیرة و بلادها قال : قرقیسا شهر كیست خرم و با نعمت و همه سواد او دائم سبز باشد اى هی بلدة صغیرة كثیرة النعمة مخضرة الأرض دائما .

[ 28 ]

الماء فانطلق بنا علیّ علیه السّلام حتّى أتانا على صخرة ضرس من الأرض كانّها ربضة عنز ثمّ أمرنا فأكفاناها علیه و سار النّاس حتّى إذا مضینا قلیلا ، قال علیّ علیه السّلام منكم أحد یعلم مكان هذا الماء الّذى شربتم منه ؟ قالوا : نعم یا أمیر المؤمنین فانطلقوا الیه فانطلق منا رجال ركبانا و مشاتا فاقتصصنا الطریق حتّى انتهینا إلى المكان الّذى نرى انّه فیه قال : فطلبناها فلم نقدر على شی‏ء حتّى إذا عیل علینا انطلقنا إلى دیر قریب منّا فسألناهم أین الماء الّذى هو عندكم ؟ قالوا : ما قربنا ماء قالوا :

بلى إنا شربنا منه ، قالوا : انتم شربتم منه ؟ قلنا نعم . قال : ما بنى هذا الدیر إلاّ لذلك الماء و ما استخرجه إلاّ نبیّ أو وصیّ نبیّ .

قال نصر : ثمّ مضى أمیر المؤمنین علیه السّلام حتّى نزل بأرض الجزیرة فاستقبله بنو تغلب و النمر بن قاسط بالجزیرة ثمّ سار أمیر المؤمنین علیه السّلام حتّى اتى الرقة و جلّ أهلها عثمانیة إلى أن قال : قال عمر بن سعد : حدّثنی مسلم الملائى عن حبة عن علیّ علیه السّلام قال : لما نزل على الرّقة بمكان یقال له : بلیخ على جانب الفرات فنزل راهب من صومعة فقال لعلیّ : ان عندنا كتابا توراثناه عن آبائنا كتبه عیسى بن مریم أعرضه علیك ؟ قال علیّ علیه السّلام : نعم فما هو ؟ قال الراهب :

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم الّذى قضى فیما قضى و سطر فیما سطر أنّه باعث فی الأمّیین رسولا منهم یعلّمهم الكتاب و الحكمة و یدلّهم على سبیل اللّه لا فظّ و لا غلیظ و لا صخّاب فی الأسواق و لا یجزى بالسیّئة السیّئة و لكن یعفو و یصفح امّته الحمّادون الّذین یحمدون اللّه فی كلّ نشز و فی كلّ صعود و هبوط تذل ألسنتهم بالتهلیل و التكبیر و ینصره اللّه على كلّ من ناواه فإذا توفاه اللّه اختلفت امّته ثمّ اجتمعت فلبثت بذلك ما شاء اللّه ثمّ اختلفت فیمرّ رجل من امّته بشاطی‏ء هذا الفرات یأمر بالمعروف و ینهى عن المنكر و یقضى بالحقّ و لا یرتشى فی الحكم . الدّنیا أهون علیه من الرماد فی یوم عصفت الریح و الموت أهون علیه من شرب الماء على الظماء یخاف اللّه فی السرّ و ینصح له فی العلانیة و لا یخاف فی اللّه لومة لائم من أدرك ذلك النبیّ من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضوانی و الجنّة و من أدرك ذلك العبد

[ 29 ]

الصالح فلینصره فان القتل معه شهادة .

ثم قال الراهب : فانا مصاحبك غیر مفارقك حتّى یصیبنی ما أصابك ، قال حبّة : فبكی علیّ علیه السّلام ثمّ قال : الحمد للّه الّذى لم یجعلنی عنده منسیّا الحمد للّه الّذى ذكرنی فی كتب الأبرار . و مضى الراهب معه و كان فیما ذكروا یتغدّى مع علیّ و یتعشی حتّى اصیب یوم صفّین فلمّا خرج النّاس یدفنون قتلاهم قال علیّ علیه السّلام : اطلبوه فلمّا وجدوه صلّی علیه و دفنه و قال : هذا منّا أهل البیت و استغفر له مرارا .

« خاتمة فی كلمة صفین »

صفّین بكسر الصاد و تشدید الفاء كسجّین موضع على الفرات من الجانب الغربى بطرف الشام كما فی مجمع البحرین للطریحی و فی كتاب حدود العالم السابق ذكره قال : الرقة و الرائقة بلدتان عظیمتان مخضرّتان متصلتان على شاطی الفرات و وقعت حرب صفّین فی حدودهما من الجانب الآخر من الفرات . و هی اسم غیر منصرف للتأنیث و التعریف و لا تقبل حرف التعریف اعنى كلمة أل و الشواهد فی ذلك ما قال عمرو بن الحمق الخزاعی :

یقول عرسی لما أن رأت أرقى
ماذا یهیجك من أصحاب صفینا

ألست فی عصبة یهدى الا له بهم
أهل الكتاب و لا بغیا یریدونا

و ما قال النعمان بن عجلان الأنصارى :

سائل بصفّین عنّا عند وقعتنا
و كیف كان غداة المحك نبتدر

و ما قال آخر كما مر آنفا :

و بالّذی دان یوم النهر دنت به
و شاركت كفه كفّى بصفّینا

لا یقال : تأنیثها غیر لازم لجواز أن تعبّر بالمكان و الموضع و نظائرهما لأنا نقول : إنّهم لما وجدوها غیر منصرف و فحصوا عن العلتین المانعتین عن الصرف و لم یجدوا غیر العلمیّة سببا آخر عبّروها بالأرض و البقعة و نظائرها حتّى یتمّ السببان كما فعلوا بعمر و زفر . و اختلفوا فی نونها أ هی أصلیة أم زائدة فمال الجوهری فی

[ 30 ]

الصحاح و الفیروزآبادی فی القاموس و الأكثر إلى الأوّل حیث ذكروها فی باب النون من كتبهم اللغویّة و الأدبیّة فعلى هذا وزنها فعّیل كضلّیل من صفن الفرس صفونا من باب ضرب إذا قام على ثلاث قوائم و طرف حافر الرابعة أو من صفن القوم إذا صفوا لأقدامهم لا یخرج بعضها من بعض و من صفن الرّجل إذا صفّ قدمیه و الآخرون إلى أنها زائدة فهی فعلین من الصفّ كالغسلین من الغسل حیث ذكروها فی باب الفاء . فعلی الأول صیغت للمبالغة كنظائرها من سكّیت و خرّیت و ظلّیم و ضلّیل ، لكثرة الخیل و الرّجال فی تلك الواقعة الدالة بالكنایة على كثرة الفارس و الراجل ، و على الثانی أیضا یمكن أن یقال إن الیاء و النون زید تافیها مبالغة لكثرة الصفوف فی تلك الوقعة على ضابطة كثرة المبانی تدلّ على كثرة المعانی فعلى التقدیرین التسمیّة بها تكون بعد وقوع تلك الوقعة العظیمة فیها و كم لها من نظیر و إنّما الكلام فی انّ قبل هذه التّسمیة بما ذا كانت سمّیت هل كان لها اسم فترك أو لم تسمّ باسم خاصّ رأسا ؟ فحصنا و لم نجد فی ذلك شیئا و كلما وجدنا فی تسمیتها بصفّین إنّما كان متأخرا عن تلك الواقعة ، على انّه لا یهمّنا و العلم عند اللّه تعالى .

و إنّما اطلنا الكلام فی شرح هذه الخطبة لاشتمال تلك الوقعة على مطالب أنیقة مفیدة من اخلاقیة و اجتماعیّة و حكمیّة و كلامیّة ینتفع الكل بذى الموائد و لأنّ كثیرا من كتبه علیه السّلام و رسائله الآتیة ككثیر من خطبه الماضیة تتعلق بصفّین و بذلك سهل الخطب لنا فی تفسیر ما یأتی إن شاء اللّه المعین الوهّاب ، مع أنا فیما قدمنا أتینا بكثیر من خطبه و كلماته لم یأت بها الشریف الرضی رضوان اللّه علیه فی النهج و كم من خطبة و كتاب و كلمة حكمة منه علیه السّلام جمعنا مع الأسانید و المصادر و كذا وجدنا مصادر كثیر ممّا فی النهج و السند ( ( ها ) ) فیها یكون ببالى ان الحقها فی آخر شرحنا على النهج بعنوان مستدرك النهج و مصادرها إن أخذ التوفیق بیدى و ساعدنی الدهر بعون ربّی .

الترجمة

از جمله خطبه بلاغت نظام آن قدوه انام علیه السّلام در شأن حكمین ابو موسى

[ 31 ]

اشعرى و عمرو عاص و در مذمت اهل شام است .

( شامیان از پیروان معاویة بن ابى سفیان بودند و بقتال با أمیر مؤمنان على علیه السّلام برخاستند و در صفین مدّتى مدید كارزارى شدید كردند و از دو سپاه بسیار كشته شدند و بیست و پنج تن از صحابه پیغمبر صلّى اللّه علیه و آله كه عمار یاسر از آنجمله بود و در ركاب ظفر انتساب أمیر المؤمنین در إعلاى كلمه حق و نصرت دین جهاد مى‏كردند بدرجه رفیعه شهادت رسیدند ، و رسول اكرم باتفاق شیعه و سنّى بعمّار فرمودند : إنّما تقتلك الفئة الباغیة یعنى اى عمار تو را گروه ستمكار میكشند كه در جنگ صفین لشكر معاویه وى را بكشتند . سرانجام لشكر معاویه شكست خوردند و چون آثار ذلّ و انكسار در خود مشاهده كردند بحیلت و خدعت عمرو عاص عیّار قرآنها بر سر نیزه‏ها برافراشتند و فریاد زدند : كتاب اللّه بیننا و بینكم ، اهل عراق كه لشكر على علیه السّلام بودند جز تنى چند آن پیشنهاد را پذیرفتند و هر چه امیر المؤمنین ایشان را نصیحت كرد كه این خدعت است و فریب نخورید فایده نكرد عاقبت در حباله حیلت عمرو درافتادند ، و اتفاق كردند كه هر یك از فریقین حكمى انتخاب كنند و بحكم آن دو تسلیم شوند ، أهل شام عمرو عاص را برگزیدند و أهل عراق ابو موسى را أمیر المؤمنین از این رأى روى درهم كشید و موافق رأى بلندش نیامد و گفت : فادفعوا فی صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن عبّاس ، ولى سربازان گول از رأى أمیر سر باز زدند تا دیدند آنچه كه دیدند ) اهل شام ستمكارانى ناكس و بندگانى پست‏اند ، گرد آمده از هر سوى و برچیده از هر آمیخته‏اند ، گروهى كه باید آنان را دین و ادب و دانش آموخت و بكارهاى ستوده واداشت و بر آنان ولىّ گمارد و دستشان را گرفت تا خودسرى و خودكامى كارى نكنند ( یعنى كودكان و سفیهانند كجا آنان را رسد كه زمام امور امّت در دست گیرند و در كار دین و ملّت پاى پیش نهند ) نه از مهاجرند و نه از انصار و نه از آن انصارى كه پیش از هجرت پیغمبر صلّى اللّه علیه و آله در مدینه بودند و اسلام آوردند .

آگاه باشید كه این قوم یعنى اهل شام حكم براى خودشان عمرو عاص را

[ 32 ]

برگزیدند كه نزدیكترین مردم است بدانچه كه دوست دارند ، و شما اى مردم عراق حكم براى خودتان ابو موسى را اختیار كردید كه نزدیك‏ترین مردم است بدآنچه كه ناخوش دارید ( اهل شام دوست داشتند كه بر مردم عراق مستولى گردند و عمرو عاص در وصول به این غرض از همه بهتر و نزدیكتر براى آنان بود و مردم عراق از همان كه شامیان میخواستند كراهت داشتند و ابو موسى نزدیكترین افراد بود بآنچه كه اینان ناخوش مى‏داشتند یعنى ابو موسى به پیروزى اهل شام و شكست اهل عراق از همه مایل‏تر و نزدیك‏تر بود یا از بلاهت غریزى او كه بالأخره در دام مكر و حیله عمرو عاص افتاد و یا از عداوتى كه با امیر المؤمنین على علیه السّلام داشت در كمین انتقام بود چنانكه در تفسیر خطبه شرح داده‏ایم ) سپس حضرت در مقام احتجاج برآمده و فرمود :

یاد دارید كه عبد اللّه قیس ( ابو موسى اشعرى عبد اللّه بن قیس است ) دیروز ( یعنى در جنگ جمل ) میگفت : این فتنه‏ایست ، پس زههاى كمان را ببرید و شمشیرها را در غلاف كنید ( كنایه از اینكه از جنگ حذر كنید و دست بدارید ،

در این باره از پیغمبر روایتى نقل كرده كه در شرح تذكر داده‏ایم ) اگر راست گفت پس اینكه بدون اكراه آمد و در فتنه افتاد و بلشكر عراق پیوست بخطا رفت ، و اگر دروغ گفت ، فاسق است ( در هر حال چنین كسى را در امر دین و ملّت حكم قرار دادن و به او اعتماد كردن قبیح است ) پس دفع كنید ( بزنید و دور سازید ) سینه عمرو عاص را بعبد اللّه عباس ( یعنى عبد اللّه بن عباس را حكم قرار دهید كه او میتواند با عمرو بن عاص برابرى كند و با او برآید و از اغراض شومش جلوگیرى كند ) و فرصت را از دست مدهید و مرزهاى كشورهاى اسلامى را حفظ كنید آیا نمى‏بینید كه دشمنان به شهرهاى شما روى آوردند و سنگ شما را هدف گرفته‏اند ( یعنى در شما طمع كرده‏اند كه آهنگ جنگ و قصد اضمحلال استقلال شما دارند ) .