[ 197 ] و من كلام له ع ینبه فیه على فضیلته لقبول قوله و أمره و نهیه

وَ لَقَدْ عَلِمَ اَلْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَى اَللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ بِنَفْسِی فِی اَلْمَوَاطِنِ اَلَّتِی تَنْكُصُ فِیهَا اَلْأَبْطَالُ وَ تَتَأَخَّرُ فِیهَا اَلْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِی اَللَّهُ بِهَا وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اَللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِی وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی كَفِّی فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِی وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ ص وَ اَلْمَلاَئِكَةُ أَعْوَانِی فَضَجَّتِ اَلدَّارُ وَ اَلْأَفْنِیَةُ مَلَأٌ یَهْبِطُ وَ مَلَأٌ یَعْرُجُ وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِی هَیْنَمَةٌ مِنْهُمْ یُصَلُّونَ عَلَیْهِ حَتَّى وَارَیْنَاهُ فِی ضَرِیحِهِ فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّی حَیّاً وَ مَیِّتاً فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ وَ لْتَصْدُقْ نِیَّاتُكُمْ فِی جِهَادِ عَدُوِّكُمْ فَوَالَّذِی لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّی لَعَلَى جَادَّةِ اَلْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ اَلْبَاطِلِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِی وَ لَكُمْ


و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و السادسة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله أنّی لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ ، و لقد واسیته بنفسی فی المواطن الّتی تنكص فیها الأبطال ، و تتأخّر فیها الأقدام ، نجدة أكرمنی اللّه بها ، و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و إنّ رأسه لعلى صدری ، و لقد سالت نفسه فی كفّی ، فأمررتها على وجهی ، و لقد ولّیت غسله صلّى اللّه علیه و آله و الملائكة أعوانی ، فضجّت الدّار و الأفنیة ، ملاء یهبط ، و ملاء یعرج ، و ما فارقت سمعی هینمة منهم ، یصلّون علیه حتّى و اریناه فی ضریحه ، فمن ذا أحقّ به منّی حیّا و میّتا ، فانفذوا

[ 214 ]

على بصآئركم ، و لتصدق نیّاتكم فی جهاد عدوّكم ، فو الّذی لا إله إلاّ هو إنّی لعلى جادّة الحقّ ، و إنّهم لعلى مزلّة الباطل ، أقول ما تسمعون ،

و أستغفر اللّه لی و لكم .

اللغة

( المستحفظون ) بصیغة المفعول من استحفظه الشی‏ء أى أودعه عنده و طلب منه أن یحفظه فهو مستحفظ و ذاك مستحفظ و ( واسیته ) من المواساة یقال واسیته و آسیته و بالهمزة أفصح و ( نكص ) عن الشی‏ء نكوصا من باب قعد أحجم عنه ،

و نكص على عقبیه رجع قال تعالى فلمّا ترائت الفئتان نكص على عقبیه » .

و ( النّجدة ) البأس و الشدّة و الشجاعة و ( النفس ) بسكون الفاء الدّم و بالتحریك واحد الأنفاس و ( فناء ) الدّار وزان كساء ما اتّسع أمامها أو ما امتدّ من جوانبها و الجمع أفنیة و فنى و ( الضجیج ) الصّیاح عند المكروه و الجزع و ( الهینمة ) بفتح الهاء الصّوت الخفىّ و قیل الكلام الخفىّ لا یفهم و ( الضّریح ) القبر أو الشقّ وسطه و الأول هو المراد هنا و ( المزلّة ) الموضع الذى تزلّ فیه قدم الانسان كالمزلفة

الاعراب

الواو فی قوله : و لقد فی المواضع الخمسة كلّها للقسم و المقسم به محذوف و اللاّم جواب القسم ، قوله : نجدة ، منصوب على المفعول له و العامل واسیته قال الشّارح المعتزلی : منصوب على المصدر و العامل محذوف و الأوّل أظهر .

و قوله : ملاء یهبط و ملاء یعرج ، مرفوعان بالابتداء و لا یضرّ كونهما : نكرتین لتضمّن الفایدة العظیمة ، و جملة و ما فارقت ، فی محلّ النصب على الحال من فاعل یهبط و یعرج ، و جملة یصلّون استینافیّة بیانیّة و تحتمل الانتصاب محلاّ على الحال

[ 215 ]

من هینمة أى ما فارقت سمعى هینمتهم حالكونهم یصلّون ، و الأوّل أولى لاحتیاج الثّانی إلى نوع تكلّف و قوله : حیّا و میّتا ، حالان من الضمیر المجرور فی به و الفاء فی قوله : فانفذوا ، فصیحة

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مسوقة لبیان جملة من مناقبة الجمیلة و خصایصه المختصّة به المفید لمزید اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قربه منه استدلالا بذلك على أنّه أحقّ و أولى بالخلافة و القیام مقامه صلّى اللّه علیه و آله و أنّه على الحقّ و غیره على الباطل ، و غرضه منه تنبیه المخاطبین على وجوب إطاعته فیما یأمرهم به من جهاد الأعداء المبطلین .

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّه ذكر خمسا من فضایله و صدّر كلا بالقسم البارّ تأكیدا للغرض المسوق له الكلام و تنبیها على أنّ اتّصافه بها جمیعا حقّ لا یعتریه ریب و لا یدانیه شكّ .

اولها ما أشار إلیه بقوله ( و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله انّى لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ ) المراد بالمستحفظون خیار الصحابة المطلعون على أسرار رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سیرته و معجزاته و كراماته و عهوده و مواثیقه و الملاحم الواقعة فی زمانه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و نحو ذلك ممّا یتعلّق به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فی نفسه و فی أوصیائه و أتباعه من الأمور المعظمة الّتی یهتمّ بها فی الشریعة و لها مدخل فی قوام أركان الدّین و إعلاء لواء الشرع المبین الذین كلّفوا بحفظ ذلك كلّه و امروا بأن یبلغوها و یؤدّوها فی مقام الضرورة و الحاجة .

و إنّما خصّ علم ما ذكره بهؤلاء مع عدم اختصاصه بهم لأنّ هؤلاء بمقتضى تصلّبهم فی الدّین لا یكتمون الشهادة و لا یغیّرونها و لا یبدّلونها فی مقام الحاجة للأغراض الدّنیویّة الفاسدة كما كتمها جمع منهم مثل زید بن أرقم و أنس بن مالك و نظرائهم .

[ 216 ]

كما روى فی البحار من الخصال و الأمالى عن جابر الجعفی عن جابر بن عبد اللّه الأنصارى قال :

خطبنا علیّ بن أبیطالب علیه الصلاة و السلام فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

أیّها الناس إنّ قدام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منهم انس بن مالك و البراء بن عازب الأنصارى و الأشعث بن قیس الكندى و خالد بن یزید البجلى ثمّ أقبل بوجهه على أنس بن مالك فقال :

یا أنس إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه ثمّ لم تشهد لی الیوم بالولایة فلا أماتك اللّه حتّى یبتلیك ببرص لا تغطیه العمامة و أمّا أنت یا أشعث فان كنت سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى الیوم بالولایة فلا أماتك اللّه حتّى یذهب بكر یمتیك .

و أمّا أنت یا خالد بن یزید إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى الیوم بالولایة فلا أماتك اللّه إلاّ میتة جاهلیّة .

و أمّا أنت یا براء بن عازب إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى بالولایة فلا أماتك اللّه إلاّ حیث هاجرت منه .

قال جابر بن عبد اللّه الأنصارى :

و اللّه لقد رأیت أنس بن مالك قد ابتلى ببرص یغطیه بالعمامة فما یستتره .

و لقد رأیت الأشعث بن قیس و قد ذهبت كریمتاه و هو یقول : الحمد للّه الذى جعل دعاء أمیر المؤمنین علىّ بن أبیطالب علیه السّلام بالعمى فى الدّنیا و لم یدع علىّ بالعذاب فی الآخرة فأعذّب .

و أمّا خالد بن یزید فانّه مات فأراد أهله أن یدفنوه و حفر له فی منزله فسمعت بذلك كندة فجائت بالخیل و الابل فعقرتها على باب منزله فمات میتة جاهلیة .

[ 217 ]

و أمّا البراء بن عازب فانّه ولاّه معاویة الیمن فمات بها و منها كان هاجر .

فقد ظهر بذلك أنّ المستحفظین هم المكلّفون بحفظ الامور المهمّة المعتدّ بها فی أمر الدین ، و أنّ تخصیصهم بالعلم لعدم كتمانهم لما حملوه لو رجع الخاطئون الیهم .

و اما أنّه علیه السّلام ما ردّ على اللّه و رسوله أبدا فهو معلوم محقّق لا خفاء فیه بل من ضروریّات المذهب لملكة العصمة المانعة من مخالفته للّه و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله .

و قال الشّارح المعتزلی : و الظاهر أنّه یرمز فی قوله علیه السّلام : لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قط ، إلى أمور وقعت من غیره كما جرى یوم الحدیبیّة عند سطر كتاب الصّلح ، فانّ بعض الصحابة أنكر ذلك ، و قال : یا رسول اللّه أ لسنا المسلمین ؟

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : بلى قال : أ و لیسوا الكافرین ؟ قال : بلى ، قال : فكیف نعطی الدّنیة من دنیانا و اللّه لو أجد أعوانا لم أعط الدّنیة أبدا ، فقال أبو بكر لهذا القائل : ویحك الزم غرزه 1 فو اللّه إنّه لرسول اللّه و إنّ اللّه لا یضیعه ، ثمّ قال له : أ قال لك أنّه سیدخلها هذا العام ؟ قال : لا ، قال : فسیدخلها ، فلمّا فتح النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مكّة و أخذ مفاتیح الكعبة دعاه فقال : هذا الّذى وعدتم به .

قال الشّارح : و اعلم أنّ هذا الخبر صحیح لا ریب فیه ، و النّاس كلّهم رووه و لیس عندى بقبیح و لا بمستهجر أن یكون سؤال هذا الشخص رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عما سأله عنه على سبیل الاسترشاد و التماسا لطمأنینة النّفس . فقد قال اللّه تعالى لخلیله إبراهیم أو لم تؤمن قال بلى و لكن لیطمئنّ قلبى .

و قد كانت الصحابة یراجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الامور و تسأله عمّا یثبتهم علیها و تقول له أ هذا منك أم من اللّه .

و أمّا قول أبی بكر له : الزم غرزه فو اللّه انّه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فانّما هو تاكید و تثبیت على عقیدته الّتی فی قلبه ، و لا یدلّ ذلك على الشّك فقد قال اللّه تعالى لنبیّه صلّى اللّه علیه و آله « و لو لا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إلیهم شیئا قلیلا » و كلّ أحد لا یستغنى عن زیادة الیقین و الطمأنینة .

-----------
( 1 ) أى ركابه ، منه .

[ 218 ]

قال : و قد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذا القصة ، كقوله : دعنى أضرب عنق أبی سفیان ، و قوله : دعنى أضرب عنق عبد اللّه ابن أبیّ ، و قوله : دعنى أضرب عنق حاطب بن أبی بلتعة ، و نهی النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن التّسرع إلى ذلك و جذبه ثوب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین قام على جنازة ابن سلول یصلّى و قوله : تستغفر لرأس المنافقین .

و لیس فی ذلك جمیعه ما یدلّ على وقوع القبیح منه و إنّما كان الرّجل مطبوعا على الشدّة و الشّراسة و الخشونة و كان یقول ما یقول على مقتضى السجیّة الّتی طبع علیها ، و على أیّ حال كان فلقد نال الاسلام بولایته و خلافته خیرا كثیرا ، انتهى .

أقول : مراد الشارح بهذا الرّجل الذى حكى عنه هذه الأباطیل هو عمر بن الخطاب ، و إنّما ترك التّصریح باسمه ملاحظة لجانبه ، و لقد عكس فی شرح قوله علیه السّلام :

فصیّرها فی حوزة خشناء ، من الخطبة الثالثة و قال هناك : قال عمر للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم تقل لنا ستدخلونها فى ألفاظ نكره حكایتها حتّى شكاه النبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى أبى بكر و حتى قال له أبو بكر : الزم بغرزه فو اللّه إنه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، انتهى .

فصرّح باسمه و طوى عن تحصیل مقاله و فضول كلامه استكراها و استهجانا لما صدر منه من الرّدّ و المخالفة و إساءة الأدب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و استحیاء منه علیه السّلام .

و لكن غیر خفىّ على المنصف البعید عن العصبیّة و الهوى أنّ شناعة ما صدر من هذا الرّجل لا یمكن أن یتدارك بالستر و الكتمان و الابهام عن اسمه تارة و الاجمال عن هذیانه اخرى ، و نعم ما قیل :

و لن یصلح العطار ما أفسد الدّهر

فلقد صدر منه من القول الشنیع القبیح ما هو أشدّ و أعظم من ذلك ، و هو ما قاله لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى مرضه الذى مات فیه لما قال صلّى اللّه علیه و آله : ائتونى بكتف و دواة اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا ، فقال عمر : إنّ الرّجل لیهجر .

[ 219 ]

و فى البحار من المجلّد الثانى من صحیح مسلم فقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یهجر .

و أما ما اعتذر به الشارح عن مثالبه بأنه لیس بقبیح أن یكون سؤال هذا الرّجل على سبیل الاسترشاد و التماسا لطمأنینة النفس .

ففیه أنه لو كان غرضه الاسترشاد دون الاعتراض لا كتفى بما سمعه من النبىّ صلّى اللّه علیه و آله له و أمسك عن فضول كلامه و لم یغضبه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتى یشكو إلى أبى بكر ، فعلم بذلك أنه أراد التعریض و الاعتراض كما علم عدم جواز قیاس سؤاله بسؤال الخلیل علیه السّلام الذى كان غرضه منه الطمأنینة كما صرّح به بقوله : بلى و لكن لیطمئنّ قلبى ،

و ستعرف مزید توضیحه بما نحكیه من البحار فى التنبیه الآتى .

و أما سؤال سایر الصّحابة عنه صلّى اللّه علیه و آله فی الامور و قولهم له : أ هذا من اللّه أو منك .

ففیه أنّ سؤالهم ذلك أیضا كان ناشیا عن جهالتهم ، لأنّهم لو كانوا معتقدین بما أنزل اللّه فی حقّه من قوله : و ما ینطق عن الهوى إن هو إلاّ وحى یوحى ، و مذعنین بأنّ جمیع ما یقوله و یفعله بوحى من اللّه سبحانه و اذن منه عزّ و جلّ ، لم یكن لهم حاجة إلى السّؤال ، و لسلّموا فی جمیع أفعاله و أقواله تسلیما .

و أما التّمثیل على نفى الشّكّ عن عمر بقوله تعالى و لو لا أن ثبّتناك لقد كدت تركن الیهم شیئا قلیلا .

ففیه أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله قد قامت الأدلّة القاطعة من العقل و النقل على عصمته و على رسوخه فی الدّین ، و الآیة و إن كان الخطاب فیها ظاهرا متوجها إلى النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ أنّ المراد بها امّته من قبیل ایّاك أعنى و اسمعى یا جاره .

و على إبقائه على ظاهره فالمراد بتثبیته صلّى اللّه علیه و آله ، هو تثبیته بالنّبوة و العصمة و الألطاف الخفیّة الالهیّة ، لما قد دللنا على أنه كان معصوما ، و أمّا عمر فأىّ دلیل على أنّه لم یكن شاكا فی الدّین حتّى یقال إنّ قول أبی بكر له : فو اللّه إنه لرسول اللّه ، لم یكن لأجل الشكّ بل لتثبیته على عقیدته ، فافهم جیّدا .

[ 220 ]

و اما دنس جذبه بثوب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین إرادته الصّلاة على ابن سلول فلا یطهره النّیل و لا الرّسّ .

إذ فیه من القباحة و المخالفة و الاعتراض و سوء الأدب و التّعریض ما لا مزید علیه .

مضافا إلى قوله : كیف تستغفر لرأس المنافقین أ كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و العیاذ باللّه جاهلا بتكلیفه الشّرعى فعلّمه عمر ، و قد كان معالم الدّین منه ظهرت و أحكام الشّرع المبین منه اخذت ، و هو صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شارعها و صادعها .

و قیامه على جنازة ابن سلول و صلاته علیه إمّا من جهة أداء حقّ ولده و هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبی سلول فلقد كان مؤمنا .

و إمّا من جهة أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صلّى علیه لا ترحّما له بل دعا علیه بالنار و العذاب و لم یكن به بأس .

و أمّا استغفاره صلّى اللّه علیه و آله فلكونه صلّى اللّه علیه و آله ، مخیّرا بین الاستغفار و عدم الاستغفار .

و یوضح ما ذكرته ما رواه فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن حماد بن عثمان عن الحلبی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : لمّا مات عبد اللّه بن أبی سلول حضر النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جنازته فقال عمر لرسول اللّه : یا رسول اللّه أ لم ینهك اللّه أن تقوم على قبره ؟ فسكت فقال : یا رسول اللّه أ لم ینهك اللّه أن تقوم على قبره ؟ فقال له :

ویلك و ما یدریك ما قلت إنّى قلت : اللهمّ احش جوفه نارا و املاء قبره نارا و اصله نارا ، قال أبو عبد اللّه صلوات اللّه علیه : فأبدى من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما كان یكره .

و فى الصافى من تفسیر علیّ بن إبراهیم فی قوله تعالى استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعین مرّة فلن یغفر اللَّه لهم انّها نزلت لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة و مرض عبد اللّه بن أبی و كان ابنه عبد اللّه مؤمنا فجاء إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و أبوه یجود بنفسه فقال : یا رسول اللّه بأبی أنت و امّی إن لم تأت أبی كان ذلك عارا علینا ، فدخل علیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و المنافقون عنده ، فقال ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه : یا رسول اللّه استغفر له ، فاستغفر له ، فقال عمر : أ لم ینهك یا رسول اللّه أن

[ 221 ]

تصلّی علیهم أو تستغفر لهم ؟ فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فأعاد علیه ، فقال له : ویلك إنّى خیّرت إنّ اللّه یقول استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، الآیة .

فلمّا مات عبد اللّه جاء ابنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال : بأبی أنت و امّی یا رسول اللّه أ رأیت تحضر جنازته فحضر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قام على قبره فقال له عمر : یا رسول اللّه أ و لم ینهك اللّه أن تصلّى على أحد منهم مات أبدا و أن تقوم على قبره ؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : ویلك و هل تدرى ما قلت ، إنّما قلت : اللهمّ احش قبره نارا و جوفه نارا و اصله النار ، فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما لم یكن یحبّ .

و فى الصافى عن العیاشی عن الباقر علیه السّلام أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لابن عبد اللّه بن أبیّ اذا فرغت من أبیك فأعلمنى ، و كان قد توفّى فأتاه فأعلمه فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نعلیه للقیام فقال له عمر : أ لیس قد قال اللّه تعالى : و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره ، فقال صلّى اللّه علیه و آله له : ویلك أو ویحك إنّما أقول : اللهمّ املاء قبره نارا و املاء جوفه نارا ، و اصله یوم القیامة نارا و فى روایة اخرى أنّه أخذ بید ابنه فی الجنازة فمضى فتصدّى له عمر ثمّ قال : أما نهاك ربك عن هذا أن تصلّی على أحد منهم مات أبدا أو تقوم على قبره ؟ فلم یجبه ، فلما كان قبل أن ینتهوا به إلى القبر أعاد عمر ما قاله أوّلا ، فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله لعمر عند ذلك : ما رأیتنا صلّینا له على جنازة و لا قمنا له على قبر .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ ابنه رجل من المؤمنین و كان یحقّ علینا أداء حقّه ، فقال عمر :

أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخطك یا رسول اللّه .

قال فى الصّافی بعد ایراد هذه الرّوایات :

أقول : و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حییا كریما كما قال اللّه عزّ و جلّ : فیستحیى منكم و اللّه لا یستحیى من الحقّ ، فكان یكره أن یفتضح رجل من أصحابه ممّن یظهر الایمان ،

و كان یدعو على المنافق و یورّى أنّه یدعو له ، و هذا معنى قوله صلّى اللّه علیه و آله لعمر : ما رأیتنا صلّینا له على جنازة و لا قمنا له على قبر ، و كذا معنى قوله فی حدیث القمّی : خیّرت فاخترت ، فورّى علیه السّلام باختیار الاستغفار

[ 222 ]

و أمّا قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه : فاستغفر له فلعلّه استغفر لابنه لمّا سأل لأبیه الاستغفار و كان یعلم أنه من أصحاب الجحیم ، و یدلّ على ما قلنا قوله : فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما لم یكن یحبّ ، انتهى .

فقد اتّضح بما ذكرنا كلّ الوضوح نكتة قیام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على قبر ابن سلول و صلاته علیه ، و علّة ما صدر منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الاستغفار .

و مع الغضّ عن ذلك أیضا فهو صلّى اللّه علیه و آله أعلم بعلل ما یقول و یفعل ، و بوجوه المصالح الكامنة فیما یأتی و یأمر به ، فلا حقّ للجلف الجافى ابن حنتمة و أمثاله من الأوغاد الطعام أن یعترضوا على سیّد الأنام و رسول الملك العلاّم علیه و آله آلاف التحیّة و الاكرام .

و أما ما اعتذر به الشارح المعتزلی أخیرا من أنّ الرّجل كان مطبوعا على الشدّة و الشراسة و الخشونة و كان یقول ما یقول على مقتضى سجیّته التی طبع علیها .

فقد تقدّم جوابه فی شرح الفصل الثانی من الخطبة الشقشقیة .

و محصّل ما قلناه هناك إنّ خشونة سجیّته و جفاوة طبیعته إن كانت بالغة إلى مرتبة لم یبق له معها اختیار فی الامساك عن فضول كلامه و سقطات لسانه و الكفّ عن هجره و هذیانه ، فیتوجّه علیه أنّ من كان كذلك یعدّ فی زمرة المجانین فكیف یصلح لامامة الأمة و خلافة النبوّة .

و إن لم تكن بالغة إلى تلك المرتبة فذلك الاعتذار لا یدفع عنه العار و الشنار كما لم یدفع عن ابلیس استحقاق النار و سخط الجبّار ، و لم یرفع عنه لؤم الاستكبار حین استكبر بمقتضى الجبلة الناریة و اعتذر به فی قوله : خلقتنی من نار و خلقته من طین ، بل استحقّ اللّعنة و الابعاد إلى یوم الدّین و خلّد فی الجحیم أبد الآبدین .

و أما قول الشارح و على أىّ حال كان فلقد نال الاسلام بولایته و خلافته خیرا كثیرا .

فیه أنه هب أنّ إنهاض الجیوش و بعث العساكر و فتح بعض البلاد كان فی زمان

[ 223 ]

خلافته و بأمره ، و لكن إذا كان أصل الخلافة باطلة حسبما عرفته فی تضاعیف الشرح مرارا فأیّ ثمر اخرویّ له فی هذه الخیرات النائلة منه إلى الاسلام على فرض تسلیمها لأنّه عزّ و جلّ إنّما یتقبّل من المتّقین ، بل كلّ ما صدر منه فی أیّام ولایته و خلافته و مخالفته للّه و لرسوله كان علیه وزرا و وبالا دون أن یكون له ثوابا و نوالا

كمطعمة الرّمان ممّا زنت به
جرت مثلا للخائن المتصدّق

فقال لها أهل البصیرة و التّقى
لك الویل لا تزنى و لا تتصدّق

بل لو قیست سیئة من سیئآته و هی غصب الخلافة من آل بیت الرّسول و إحراقه لباب ابنته البتول و ما كان بأمره من كسر ضلعها و سقوط جنینها ، و ما نشأت من تلك الشجرة الملعونة الخبیثة و ثمرته من أعظم الظّلم فی وقعة الطّف الّذی لا یتصوّر ظلم فوقه ،

إلى سیّئآت جمیع الامّة لرجحت علیها فضلا عن سایر جرایمه و بدعاته و محدثاته التی بقیت على صفحات الأیام ، و استمرّت إلى یوم القیامة و القیام ، فلیحملنّ أوزارها كاملة و من أوزار الّذین بها یعملون ، و سیعلم الذین ظلمو آل محمّد حقّهم أىّ منقلب ینقلبون .

الثانیة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد واسیته فی المواطن الّتی تنكص ) و ترجع ( فیها الأبطال ) و الأنجاد ( و تتأخّر فیها الأقدام ) من أجل ( نجدة ) و شجاعة ( أكرمنى اللّه بها ) و جعلها مخصوصة بی و آثرنی بها على غیری .

قال الشّارح المعتزلی : و هذا یعنی المواساة ممّا اختصّ علیه السّلام بفضیلته غیر مدافع ثبت معه یوم احد و فرّ النّاس و ثبت معه یوم حنین و فرّ النّاس ، و ثبت تحت رایته یوم خیبر حتّى فتحها و فرّ من كان بعث من قبله .

أقول : أوّل مواساته علیه و آله آلاف التحیّة و الثناء مبیته على فراش خاتم الأنبیاء حتى باهى اللّه به ملائكة السماء ، فوهب نفسه للّه تعالى و بذلها لنبیّه المصطفى و بات على فراشه لینجو به من كید الأعداء ، و یتمّ له بذلك السلامة و البقاء ، و ینتظم له به الغرض فی الدّعاء إلى الحنیفیّة البیضاء ، فكان ذلك سبب نجاة النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و بقائه و حقن دمه حتى صدع بأمر ربّه .

[ 224 ]

و لولاه علیه السّلام لما تمّ لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم التبلیغ و الأداء و لا استدام له العمر و البقاء و لظفر به الحسدة و الأعداء فلما أصبحوا و عرفوا تفرّقوا عنه و انصرفوا و قد ضلّت لهم الحیل و انقطع بهم الأمل و انتقض ما بنوه من التدبیر و خابت لهم الظنون .

و كان بذلك انتظام الایمان و إرغام الشیطان و خذلان أهل الكفر و العدوان ،

و هذه منقبة لم یشركه علیه السّلام فیها أحد من أهل الاسلام و قد انزل فیه محكم التبیان و هو قول اللّه و من الناس من یشرى نفسه ابتغاء مرضات اللّه و اللّه رؤف بالعباد و أما مواساته له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مواطن جهاده ، و مواطن جدّه و اجتهاده ، و مقامات جداله بالسنة الاسنة و جلاده ، فهو فوق حدّ الاحصاء ، متجاوز عن حدّ العدوّ الاستقصاء .

منها غزوة بدر التی هدّت قوى الشرك ، و قذفت طواغیته فی قلیب الهلك ،

و دوّخت مردة الكفار ، و سقتهم كاسات الدّمار و البوار ، و نقلتهم من القلیب إلى النار .

فیومها الیوم الذى لم یأت الدّهر بمثله ، و أفاض اللّه فیه من أحسن فضله ،

أنزل فیه الملائكة لتأیید رسوله تفضیلا له على جمیع رسله ، و حباه من علوّ القدر ما لم ینله أحد من قبله ، و أشرب صنادید قریش كاس أسره و قتله ، و جبرئیل ینادى أقدم حیزوم لاظهار دینه على الدّین كلّه ، و أمیر المؤمنین كان فارس تلك الملحمة فما تعدّ الأسد الغضاب بشسع نعله ، و مسعّر تلك الحرب العوان ینصب على الأعداء انصباب السحاب و وبله ، و نار سطوته و نجدته تتسعّر تسعر النار فی دقیق الغضا و جزله .

و قد عرفت فی شرح الفصل الثامن من الخطبة المأة و الحادیة و التسعین أنّ نصف القتلی فی تلك الوقعة و كانوا سبعین رجلا كان قتیله باشر بنفسه قتله من دون شركة غیره له .

و منها غزوة أحد قال فی كشف الغمّة فی حدیث عمران بن حصین قال :

لمّا تفرّق النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جاء علیّ علیه السّلام متقلّدا بسیفه حتّى

[ 225 ]

قام بین یدیه فرفع رأسه إلیه و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له : ما لك لم تفرّ مع النّاس ؟ فقال :

یا رسول اللّه أرجع كافرا بعد إسلامی فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل ، فحمل علیهم فهزمهم فجاء جبرئیل ، و قال : یا رسول اللّه قد عجبت الملائكة من حسن مواساة علیّ لك بنفسه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ما یمنعه من ذلك و هو منّی و أنا منه فقال جبرئیل : و أنا منكما .

و فیه عن زید بن وهب قال : قلت لابن مسعود : انهزم النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى لم یبق معه إلاّ علیّ علیه السّلام و أبو دجانة و سهل ؟ قال : انهزم النّاس إلاّ علیّ وحده ، و ثاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نفر كان أوّلهم عاصم بن ثابت و أبو دجانة و سهل بن حنیف ، و لحقهم طلحة بن عبید اللّه ، فقلت له : فأین كان أبو بكر و عمر ؟

قال : كانا فیمن تنحّى ، فقلت : فأین كان عثمان ؟ قال : جاء بعد ثالثة من الوقعة فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقد ذهبت فیها عریضة ، قلت : فأین كنت ؟ قال : فیمن تنحّى ، قلت : فمن حدّثك بهذا ؟ قال : عاصم بن ثابت و سهل بن حنیف ، قلت :

إنّ ثبوت علیّ فی ذلك المقام لعجب ، قال : إن تعجب منه فقد تعجّبت منه الملائكة أما علمت أنّ جبرئیل قال فی ذلك الیوم و هو یعرج إلى السّماء : لا سیف إلاّ ذو الفقار لا فتى إلاّ علیّ ، فقلنا : و من أین علم أنّ جبرئیل قال ذلك ؟ قال : سمع النّاس النّداء بذلك و أخبرهم به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

قال كاشف الغمة : و روى عن عكرمة قال : سمعت علیّا یقول : لمّا انهزم النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم احد لحقنى من الجزع علیه ما لم أملك نفسی و كنت أضرب بسیفی بین یدیه فرجعت أطلبه فلم أره فقلت . ما كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیفرّ و ما رأیته فی القتلی و أظنّه رفع من بیننا إلى السّماء ، فكسرت جفن سیفی و قلت :

لاقاتلنّ به حتّى اقتل ، و حملت على القوم فأفرجوا فاذا أنا برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد وقع مغشیّا علیه ، فنظر إلىّ و قال : ما فعل النّاس یا علیّ ؟ قلت : كفروا یا رسول اللّه و ولّوا الدّبر و أسلموك ، فنظر إلى كتیبة قد أقبلت فقال : ردّهم عنّی ، فحملت