تبلیغات
ناجی بشر

ناجی بشر

تفاسیر نهج البلاغه

[ 229 ] و من كلام له ع فی وصف بیعته بالخلافة قال الشریف و قد تقدم مثله بألفاظ مختلفة

وَ بَسَطْتُمْ یَدِی فَكَفَفْتُهَا وَ مَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَیَّ تَدَاكَّ اَلْإِبِلِ اَلْهِیمِ عَلَى حِیَاضِهَا یَوْمَ وِرْدِهَا حَتَّى اِنْقَطَعَتِ اَلنَّعْلُ وَ سَقَطَ اَلرِّدَاءُ وَ وُطِئَ اَلضَّعِیفُ وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ اَلنَّاسِ بِبَیْعَتِهِمْ إِیَّایَ أَنِ اِبْتَهَجَ بِهَا اَلصَّغِیرُ وَ هَدَجَ إِلَیْهَا اَلْكَبِیرُ وَ تَحَامَلَ نَحْوَهَا اَلْعَلِیلُ وَ حَسَرَتْ إِلَیْهَا اَلْكِعَابُ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و السابع و العشرون من المختار فى باب الخطب

فی وصف بیعته علیه السّلام بالخلافة و قد تقدّم مثله بألفاظ مختلفة و بسطتم یدى فكففتها ، و مددتموها فقبضتها ، ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الابل الهیم على حیاضها یوم وردها ، حتى انقطعت النّعل ،

و سقطت الرّداء ، و وطئ الضّعیف ، و بلغ من سرور النّاس ببیعتهم إیّاى أن ابتهج بها الصّغیر ، و هدج إلیها الكبیر ، و تحامل نحوها العلیل ،

و حسرت إلیها الكعاب .

اللغة

( التّداكّ ) الازدحام الشدید مأخوذ من الدّك و هو الدّق و ( الهیم ) بالكسر

[ 407 ]

العطاش و ( الورد ) بالكسر الشّرب أو الاشراف على الماء دخله أو لم یدخله ، و فی بعض النّسخ یوم ورودها و ( هدج ) یهدج من باب ضرب مشى مشیا ضعیفا مرتعشا قال الفیروز آبادی : الهدجان محرّكة و كغراب مشیة الشّیخ و ( تحامل ) فی الأمر تكلّفه على مشقّة و ( حسرت ) أى كشفت عن وجهها و فی نسخة الشّارح البحرانی و حسرت عن ساقها الكعاب و ( كعب ) الجاریة تكعب من باب ضرب و قعد كعوبا نهد ثدیها ، و جاریة كعاب وزان سحاب النّاهدة الثدى و الجمع كواعب قال تعالى و كواعب أتراباً .

الاعراب

فاعل بلغ محذوف و قوله : أن ابتهج أن مصدریّة و مدخولها فی تأویل المصدر و محلّ النّصب بنزع الخافض ، و مفعول حسرت محذوف بقرینة الكلام و قوله : الیها متعلّق بقوله حسرت على تضمین معنى الشوق و الرّغبة .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام كما قال الرّضیّ وارد ( فی وصف بیعته علیه السّلام بالخلافة و قد تقدّم مثله بألفاظ مختلفة ) الظاهر أنّ مراده بما تقدّم ما مرّ فی الكلام المأة و السّابع و الثّلاثین من قوله : قبضت یدی فبسطتموها و نازعتكم یدى فجاذبتموها ،

و یحتمل أن یكون مراده به ما مرّ فی الخطبة الثالثة و الخمسین من قوله : فتداكّوا علیّ تداكّ الابل الهیم یوم ورودها ، و لم یتقدّم فی الكتاب ما یشبه ألفاظ هذا الكلام غیر هذین .

نعم تقدّم منّا فی شرح الخطبة السّادسة و العشرین روایة طویلة عن كتاب الغارات لابراهیم الثّقفی و الأشبه أن یكون هذا الكلام ملتقطا منها لكنّها مختلفة الألفاظ جدّا كما یظهر بالرّجوع إلى ما تقدّم .

و كیف كان فهذا الكلام منه علیه السّلام وارد مورد الاحتجاج على النّاكثین لبیعته

[ 408 ]

و محصّله أنّكم قد كنتم على غایة الحرص و المیل إلى بیعتی مع إباء منّی فمن كان هذا حاله فكیف ینكث و أشار إلى مزید حرصهم علیها بقوله ( و بسطتم یدى فكففتها ) شوقا منكم إلى البیعة و تمانعا منّی ( و مددتموها فقبضتها ) رغبة منكم إلیها و استنكافا منّى ( ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الابل الهیم على حیاضها یوم وردها ) و هو من تشبیه المحسوس بالمحسوس أی ازدحمتم ازدحاما شدیدا یدكّ بعضكم بعضا كما یدكّ الابل العطاش بعضها لبعض على الحیاض عند شربها و وجه الشبه مزید الازدحام .

قال الشّارح البحرانی : و یمكن أن یلاحظ فی وجه الشبه كون ما عنده من الفضایل الجمّة العلمیّة و العملیة تشبه الماء و كون المزدحمین علیه فی حاجتهم و تعطّشهم إلى استفادة تلك الفضایل النّافعة لعلّتهم كالعطاش من الابل یوم ورودها انتهى ، و الأوّل أظهر و أشبه 1 .

أقول : و فی تخصیص الصغیر و الكبیر و العلیل و الكعاب بالذّكر زیادة توكید و تقریر للغرض المسوق له الكلام ، فانّ من شأن الصّغیر على ماله من عدم التمیز عدم الالتفات و التّوجه إلى كثیر من الامور ، و من شأن الكبیر على ما به من ضعف الكبر عدم المشى إلیها ، و كذلك المریض على ما فیه من ثقل المرض و من شأن الكعاب الاستحیاء عن كشف وجهها لا سیّما فی منتدى الرّجال و بین ملاء النّاس فسرور الأوّل بالبیعة و سعى الثّانیین إلیها بالتكلّف و المشقّة ، و حسر الرابعة إلیها كاشف عن فرط رغبة العامّة و حرصهم علیها فالبیعة الواقعة على هذا الوجه لیس لأحد أن یتخلّف أو ینكث عنه .

كما أشار علیه السّلام إلى ذلك فی كلامه الذى رواه فی الارشاد عن الشعبی قال :

لمّا اعتزل سعد بن أبی وقاص و عبد اللّه بن عمر و محمّد بن سلمة و حسّان بن ثابت و اسامة بن زید أمیر المؤمنین و توقفوا عن بیعته حمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

أیّها النّاس إنّكم بایعتمونی على ما بویع علیه من كان قبلی ، و انّما الخیار

-----------
( 1 ) الظاهر سقوط شى‏ء كثیر من هنا . المصحح .

[ 409 ]

للنّاس قبل أن یبایعوا فاذا بایعوا فلا خیار لهم ، و إنّ على الامام الاستقامة و على الرّعیّة التسلیم ، و هذه بیعة عامّة من رغب عنها رغب عن دین الاسلام و اتّبع غیر سبیل أهله و لم تكن بیعتكم إیّاى فلتة ، الحدیث ، هذا و قد تقدّم تفصیل كیفیّة بیعته علیه السّلام فی شرح الكلام الواحد و التّسعین فلیراجع ثمة .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست در تعریف بیعت كردن خلق باو بخلافت مى‏فرماید :

و گشادید دست مرا بجهت بیعت پس نگاه داشتم من آنرا ، و كشاندید آنرا بسوى خودتان پس بر چیدم من آن را ، بعد از آن ازدحام كردید بر من مثل ازدحام نمودن شتران عطشان بر سر حوضهاى خود وقت آب خوردن آنها تا اینكه گسیخت بند كفشهاى من و از دوش افتاد عباى من و زیر پا ماند ضعیفان و رسید كار از شدّت شادى مردمان به بیعت من بمقامى كه خوشنود شد بآن بیعت بچّها ، و مشى مرتعشانه نمود بسوى آن پیرها ، و مشى نمود با مشقّت و زحمت بطرف آن مریضها ، و نقاب از رو برداشت بجهت زیادى میل و رغبت بآن دختران نارپستان ، و اللّه أعلم بالصواب


[ 228 ] و من كلام له ع یرید به بعض أصحابه

لِلَّهِ بَلاَءُ فُلاَنٍ فَلَقَدْ قَوَّمَ اَلْأَوَدَ وَ دَاوَى اَلْعَمَدَ وَ أَقَامَ اَلسُّنَّةَ وَ خَلَّفَ اَلْفِتْنَةَ ذَهَبَ نَقِیَّ اَلثَّوْبِ قَلِیلَ اَلْعَیْبِ أَصَابَ خَیْرَهَا وَ سَبَقَ شَرَّهَا أَدَّى إِلَى اَللَّهِ طَاعَتَهُ وَ اِتَّقَاهُ بِحَقِّهِ رَحَلَ وَ تَرَكَهُمْ فِی طُرُقٍ مُتَشَعِّبَةٍ لاَ یَهْتَدِی بِهَا اَلضَّالُّ وَ لاَ یَسْتَیْقِنُ اَلْمُهْتَدِی


و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و السادس و العشرون من المختار فى باب الخطب

للّه بلاد فلان فقد قوّم الاود ، و داوى العمد ، خلّف الفتنة ،

و أقام السّنة ، ذهب نقىّ الثّوب ، قلیل العیب أصاب خیرها ، و سبق شرّها ، أدّى إلى اللّه طاعته ، و اتّقاه بحقّه ، رحل و تركهم فی طرق متشعّبة ، لا یهتدى فیها الضّالّ ، و لا یستیقن المهتدى .

اللغة

قوله ( للّه بلاد فلان ) اللاّم للاختصاص و هو كلام یقال فی معرض المدح مثل قولهم للّه درّه و للّه أبوه و للّه نادیه أى البلاد التی تولّد فیها مثله جدیرة بالانتساب إلیه تعالى و تكون مخصوصة به عزّ و جلّ ، و كذلك الثّدى الذى ارتضع منه ،

و الأب الّذى خرج من صلبه ، و المجلس الّذى ربّی فیه و روى للّه بلاء فلان أى عمل حسن .

و ( اود ) الشی‏ء اودا من باب فرح اعوج و ( عمد ) البعیر عمدا من باب فرح أیضا انفضح داخل سنامه من ركوب و حمل مع سلامة ظاهره و قوله ( اتّقاه بحقّه ) قال الطریحی : أى استقبله به فكأنّه جعل دفع حقّه إلیه وقایة له من المطالبة

[ 372 ]

و قوله ( و تركهم ) فی نسخة الشّارح المعتزلی و تركتم بدله بصیغة الخطاب ،

و البناء على المفعول .

الاعراب

قوله : للّه بلاد فلان تقدیم الخبر على المبتدء مبالغة فی الحصر و التخصیص ،

و الباء فی قوله : اتّقاه بحقه ، للآلة كما یوضحه ما نقلناه عن الطریحی آنفا ، أى أخذ الوقایة منه لنفسه بأداء حقّه و استعانته ، و أمّا ما قاله الشّارح المعتزلی من أنّ المراد أنّه اتّقى اللّه و دلّنا على أنّه اتّقاه بأداء حقّه فأداء الحقّ علة فی علّمنا بأنّه قد اتّقى اللّه سبحانه فتكلّف بارد ، و الواو فی جملة و تركهم ، تحتمل العطف و الحال و جملة لا یهتدى آه مجرورة المحل على أنّها نعت لطرق .

المعنى

اعلم أنّه قد اختلف الشارحون فی المشار إلیه بهذا الكلام و المكنّى به عنه قال الشّارح المعتزلی : المكنّى عنه عمر بن الخطاب ، و قد وجدت النّسخة الّتی بخطّ الرّضی جامع نهج البلاغة و تحت فلان : عمر ، حدّثنی بذلك فخار بن معد الموسوى .

و سألت عن النقیب أبا « أبى ظ » جعفر یحیى بن أبى زید العلوى فقال لى : هو عمر ، فقلت له أثنى علیه أمیر المؤمنین هذا الثناء ؟ فقال : نعم ، أمّا الامامیّة فیقولون : إنّ ذلك من التقیة و استصلاح أصحابه ، و أمّا الصّالحیون من الزّیدیة فیقولون : انّه أثنى علیه حقّ الثّناء و لم یضع المدح إلاّ فى موضعه و نصابه ، و أمّا الجارودیّة من الزّیدیة فیقولون : إنّه كلام قاله فى أمر عثمان أخرجه مخرج الذّم و التنقص لاعماله كما یمدح الآن الأمیر المیّت فى أیّام الأمیر الحىّ بعده ، فیكون ذلك تعریضا به ، فقلت له : إلاّ أنّه لا یجوز التعریض للحاضر بمدح الماضى إلاّ إذا كان ذلك المدح صدقا لا یخالطه ریب و لا شبهة فاذا اعترف أمیر المؤمنین بأنّه أقام السّنة و ذهب نقىّ الثوب

[ 373 ]

قلیل العیب و أنّه أدّى إلى اللّه طاعته و اتّقاه بحقّه ، فهذا غایة ما یكون من المدح فلم یجبنى بشى‏ء و قال : هو ما قلت لك ، قال :

و قال الرّاوندى إنّه علیه السّلام مدح بعض أصحابه بحسن السیرة و أنّ الفتنة هى الّذى وقعت بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الاختیار و الاثرة ، و هذا بعید ، لأنّ لفظ أمیر المؤمنین یشعر إشعارا ظاهرا بأنّه یمدح والیا ذا رعیّة و سیرة .

ثمّ ذكر الشّارح مؤیّدات أخرى لكون المراد به عمر إلى أن قال فى آخر كلامه :

و هذه الصّفات إذا تأملها المنصف و أماط عن نفسه الهوى علم أنّ أمیر المؤمنین لم یعن بها إلاّ عمر لو لم یكن قد روى لنا توفیقا و نقلا انّ المعنى بها عمر فكیف و قد رویناه عمّن لا یتّهم فى هذا الباب ، انتهى .

و قال الشارح البحرانى : إرادته لأبى بكر أشبه لارادته لعمر ، لما ذكر علیه السّلام فى خلافة عمر و ذمّها به فى الخطبة المعروفة بالشقشقیة ، انتهى .

و أقول : أما ما قاله القطب الراوندى فاستبعاد الشارح المعتزلى له بموقعه ،

و كذلك ما زعمه الشارح البحرانى فانه أیضا بعید ، و تقریبه له بأنه ذمّ خلافة عمر فى خطبة الشقشقیة ، فیه أنه علیه السّلام ذمّ هناك خلافة أبى بكر أیضا حسبما عرفت أیضا و لو لم یكن فیها إلاّ قوله علیه السّلام : فصبرت و فى العین قذى و فى الحلق شجى أرى تراثى نهبا ، لكان كافیا فى الطعن و الازراء المنافى للمدح و الثناء فضلا من المطاعن و المذامّ الواردة عنه علیه السّلام فى مقامات اخر فى حقّ الأوّل كالثانى المتجاوزة عن حدّ الاحصاء و طور الاستقصاء .

و أما ما زعمه الشارح المعتزلى من أنّ المراد به عمر و مبالغته فیه و استظهاره له بما فصله فى كلامه ، ففیه أنه إن كان هذا الرّجل الجلف هو المراد به و أبقینا الكلام على ظاهره على ما توهّمه الظاهر من كون عمر أهلا للأوصاف المذكورة لا غیر ، كان هذا الكلام مناقضا صریحا لما تقدّم عنه فى الخطبة الشقشقیة من مثالب

[ 374 ]

عمر و معایب خلافته ، فلاحظ المقام و انظر ما ذا ترى .

بل كان منافیا لاصول مذهب الامامیّة رضوان اللّه علیهم المتلقّى عن أئمّتهم سلام اللّه علیهم و لأخبارهم المتواترة المأثورة عن أهل بیت العصمة و الطّهارة المفصحة عن كفر الأوّل و الثّانی كلیهما و كونهما منشأ جمیع الشّرور و المفاسد و البدعات الجاریة فی الامّة المرحومة إلى یوم القیامة .

قال كمیت بن زید الأسدی فیما رواه عنه فی البحار من الكافی : دخلت على أبی جعفر علیه السّلام قلت : خبّرنی عن الرّجلین ، قال : فأخذ الوسادة و كسرها فی صدره ثمّ قال : و اللّه یا كمیت ما اهریق محجمة من دم و ما اخذ مال من غیر حلّه و ما قلب حجر من حجر إلاّ ذاك فی أعناقهما ، و نحوه أخبار كثیرة .

بل المستفاد من بعض الأخبار أنّ جمیع الشّرور و المفاسد الواقعة فی الدّنیا من ثمرات تلك الشّجرة الخبیثة ، و قد مرّت طائفة منها فی شرح الخطبة المأة و الخمسین .

فبعد اللّتیا و اللّتى فاللاّزم على جعل المكنّی عنه عمر كما زعمه الشّارح هو صرف الجملات الآتیة عن ظواهرها المفیدة للمدح و الثّناء ، لتطابق اصول الامامیّة و قواعدهم المبنیّة على الذّم و الازراء ، و على إبقائها على ظواهرها فلابدّ من جعل المكنّى عنه شخصا آخر له أهلیّة الاتّصاف بهذه الأوصاف .

و علیه فلا یبعد أن یكون مراده علیه السّلام هو مالك بن الحرث الأشتر ، فلقد بالغ فی مدحه و ثنائه فی غیر واحد من كلماته .

مثل ما كتبه إلى أهل مصرحین ولى علیهم مالك حسبما یأتی ذكره فی باب الكتب تفصیلا إنشاء اللّه .

و مثل قوله علیه السّلام فیه لما بلغ إلیه خبر موته : مالك و ما مالك لو كان من جبل لكان فندا ، و لو كان من حجر لكان صلدا ، عقمت النساء أن یأتین بمثل مالك بل صرّح فی بعض كلماته بأنّه كان له كما كان هو لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من هذا

[ 375 ]

شأنه فالبتّة یكون أهل لأن یتّصف بالأوصاف الآتیة بل بما فوقها .

و الحاصل أنّه على كون المكنّى عنه عمر لا بدّ من تأویل كلامه و جعله من باب الایهام و التّوریة على ما جرت علیها عادة أهل البیت علیهم السّلام فی أغلب المقامات فانّهم لما رأوا من النّاس جمهورهم إلاّ النّادر من خواصّ أصحابهم الافتتان بمحبة صنمى قریش ، و أنّهم اشربوا قلوبهم حبّ العجلین ، و ولعوا بعبادة الجبت و الطاغوت سلكوا فی كلماتهم كثیرا مسلك التّوریة و التقیّة حقنا لدمائهم و دماء شیعتهم ، حیث لم یتمكّنوا من إظهار حقیقة الأمر .

و یشهد بذلك ما رواه فی البحار من الكافی باسناده عن فروة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : ذاكرته شیئا من أمرهما فقال : ضربوكم على دم عثمان ثمانین سنة و هم یعلمون أنّه كان ظالما فكیف یا فروة إذا ذكرتم صنمیهم .

و فیه من تقریب المعارف لأبی الصّلاح فی جملة كلام له قال : و رووا عن بشیر بن دراكة النّبال قال : سألت أبا جعفر علیه السّلام عن أبی بكر و عمر فقال : كهیئة المستهزء به ما ترید من صنمى العرب أنتم تقتلون على دم عثمان بن عفّان فكیف لو أظهرتم البراءة منهما لما ناظروكم طرفة عین قال و رووا عن أبی الجارود قال : سئل محمّد بن عمر بن الحسن بن علیّ بن أبیطالب عن أبی بكر و عمر فقال : قتلتم منذ ستّین سنة فی أن ذكرتم عثمان فو اللّه لو ذكرتم أبا بكر و عمر لكان دماؤكم أحلّ عندهم من دماء السنانیر .

بل كثیرا ما كانوا یتكّلمون علیهم السّلام بكلمات موهمة للمدح و الثّناء مماشاتا للنّاس و مداراتا لهم .

مثل ما روى من كتاب المثالب لابن شهر آشوب أنّ الصّادق علیه السّلام سئل عن أبی بكر و عمر ، فقال : كانا إمامین قاسطین عادلین كانا على الحقّ ، و ماتا علیه ،

فرحمة اللّه علیهما یوم القیامة ، فلمّا خلى المجلس قال له بعض أصحابه : كیف قلت یا ابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟ فقال : نعم أمّا قولی : كانا إمامین فهو مأخوذ من قوله تعالى

[ 376 ]

و جعلناهم أئمّة یدعون إلى النّار و أمّا قولی قاسطین فهو من قوله تعالى و أمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً و أمّا قولی : عادلین فهو مأخوذ من قوله تعالى :

و الّذین كفروا بربّهم یعدلون و أمّا قولی : كانا على الحقّ ، فالحقّ علیّ علیه السّلام و قولى : ماتا علیه ، المراد أنّه لم یتوبا عن تظاهرهما علیه ، بل ماتا على ظلمهما إیّاه ، و أمّا قولی : فرحمة اللّه علیهما یوم القیامة فالمراد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ینتصف له منهما أخذا من قوله تعالى و ما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمین .

و إذا عرفت ذلك فاستمع لما یتلى علیك من وجوه التّوریة و التأویل فی فقرات كلامه فأقول و باللّه التّوفیق و العصمة .

قوله علیه السّلام ( للّه بلاد فلان ) و إن كان بظاهره مفیدا للمدح حسبما بیّناه فی بیان اللّغة إلاّ أنّه لیس بذلك ، فانّ اللاّم فیه كاللاّم فی قوله تعالى للّه ملك السّموات و الأرض و الكنایة عن عمر بلفظة فلان مأخوذ من قوله تعالى یوم یعضّ الظّالم على یدیه یقول یالیتنی اتّخذت مع الرّسول سبیلا . یا ویلتی لیتنی لم أتّخذ فلاناً خلیلا فقد فسّر السّبیل فی أخبار أهل البیت علیهم السّلام بأمیر المؤمنین و الظالم بأبی بكر و فلانا بعمر .

قال علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیره و یوم یعضّ الظالم على یدیه قال :

الأوّل یقول یا لیتنی اتّخذت مع الرّسول سبیلا قال أبو جعفر علیه السّلام یقول : یا لیتنی اتّخذت مع الرسول علیّا یا ویلتى لیتنی لم اتّخذ فلانا خلیلا یعنی الثّانی لقد أضلّنی عن الذّكر بعد إذ جائنی یعنی الولایة و كان الشّیطان و هو الثّانی كان للانسان خذولا و روى مثله عن حمّاد عن حریز عن رجل عن أبی جعفر علیه السّلام أنّه قال یوم یعضّ الظّالم الآیة یقول الأوّل للثّانی .

و روى عن الرّضا علیه السّلام أیضا تفسیر الآیتین بالأوّل و الثّانی .

و قوله ( فقد قوّم الأود ) و إن كان ظاهره یدلّ على أنّه أصلح و عدل ما خرج من امور المسلمین عن حدّ الاعتدال و انحرف عن السّداد ، لكن المقصود به ترویجه

[ 377 ]

للاعوجاج من قولهم : قامت السّوق أى نفقت و راجت ، فانّ عمر لعدوله عن الصّراط المستقیم الذى هو صراط أمیر المؤمنین و غصبه للخلافة قد روّج العوج عن الدّین و الانحراف عن نهج الشّرع المبین .

و یوضح ذلك ما رواه فی الطرایف عن قتادة عن الحسن البصرى قال : كان یقرء هذا الحرف صراط علىّ مستقیم ، فقلت للحسن : ما معناه ؟ قال : یقول : هذا طریق علیّ بن أبیطالب و دینه طریق و دین مستقیم فاتّبعوه و تمسّكوا به فانه واضح لا عوج فیه و على إبقاء تقویم الاود على ظاهره فلا ملازمة له لمدح عمر أیضا لأنّ تقویم اعوجاج الناس و نظم أمر الرّعیة إنما یكون ممدوحا شرعا إذا كان جاریا على وفق القوانین الشرعیة ، و أما إذا لم یجر علیها كما هو رسم الجبابرة و سلاطین الجور فلا كما یشیر إلى ذلك قول أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الكلام الثامن و الستّین مخاطبا لأهل الكوفة ، و إنّی لعالم بما یصلحكم و یقیم اودكم و لكنّی لا أرى إصلاحكم بافساد نفسی و لقد كان عمدة نظر عمر فى أحكامه و سیاساته إلى نظم أمر خلافته و استحكام أركان ریاسته و إن كان مخالفا لقانون الشرع .

كما یشهد بذلك ما روته الخاصة و العامة من تسوّره حایط بیت الرّجل الذی اتّهمه بشرب الخمر حتى اعترض علیه صاحب البیت بقوله : إن كنت أخطأت فی واحدة فقد أخطأت فى ثلاث قال اللّه و لا تجسّسوا و قد تجسّست و قال و أتوا البیوت من أبوابها و قد تسوّرت و قال إذا دخلتم بیوتا فسلّموا و ما سلّمت ،

على ما تقدّم تفصیلا فى شرح الفصل الثانى من الخطبة الثالثة و غیر ذلك مما رووا من سیره المخالفة للشریعة ، و قد ذكر الشارح المعتزلى شطرا منها فى شرح هذا الكلام .

و قوله ( و داوى العمد ) ظاهره أنه أصلح ما فسد من الامور و خرج عن الصّحة

[ 378 ]

و السداد بمعالجات تدابیره ، و باطنه أنه عالج مرضه القلبى الذی كان علیه ، فقد استعیر العمد الذی هو عبارة عن انشداخ سنام البعیر لمرض القلب كما یستعار لمرض العشق یقال : فلان عمید القلب و معمود ، قال قیس العامری فى قصیدة عشقیة مشحونة بأبیات العشق و المحبة .

یلوموننى فى حبّ لیلى عواذل
و لكنّنى من حبّها لعمید

و الجامع بین المستعار منه و المستعار له كون كلّ منهما موجبا للألم و الأذى و المرض الذى كان فى قلب عمر هو المرض المزمن و الداء الدّوى أعنى مرض الشك و النفاق و معاداة النبیّ و الوصىّ علیهما السّلام فانّ قیح عداوتهما لا سیما عداوة أمیر المؤمنین علیه السّلام و بغضه كان یغلى فى صدره كغلى القیح فى سنام البعیر لا یكاد یندمل حتى مضى النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى لقاء ربّه ، فعالج مرضه و داوى عمده بما مهّده فى نفسه من صرف الخلافة عن أهل بیته و تغییر وصیته و إحراق بیت ابنته ، و تبدیل قوانین شریعته ، فنال ما أبطن فى قلبه و بلغ غایة المراد و منتهى المرام .

و إلى هذا المرض اشیر فى قوله تعالى و من الناس من یقول آمنّا باللّه و الیوم الآخر و ما هم بمؤمنین . یخادعون اللّه و الذین آمنوا و ما یخدعون إلاّ أنفسهم و ما . یشعرون . فى قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضاً و لهم عذاب ألیم بما كانوا یكذبون قال أمین الاسلام الطبرسى : المراد بالمرض فى الآیة الشكّ و النفاق بلا خلاف و إنما سمّى الشكّ فى الدّین مرضا لأنّ المرض هو الخروج عن حدّ الاعتدال ،

فالبدن ما لم تصبه آفة یكون صحیحا سویا و كذلك القلب ما لم یصبه آفة من الشكّ یكون صحیحا ، و قیل : أصل المرض الفتور فهو فى القلب فتوره عن الحقّ كما أنه فى البدن فتور الأعضاء و قال فى الصافى : قوله تعالى و من الناس من یقول الآیة أقول : كابن أبىّ و أصحابه و كالأوّل و الثانى و أضرابهما من المنافقین الذین زادوا على الكفر الموجب للختم و الغشاوة النفاق و لا سیّما عند نصب أمیر المؤمنین علیه السّلام للخلافة و الامامة .

[ 379 ]

و قال أیضا قوله فی قلوبهم مرض قیل : نفاق و شكّ و ذلك لأنّ قلوبهم كانت تغلى على النّبیّ و الوصیّ و المؤمنین حقدا و حسدا ، و فی تنكیر المرض و ایراد الجملة ظرفیّة إشارة إلى استقراره و رسوخه و إلاّ لقال مرض قلوبهم .

و قوله علیه السّلام ( أقام السّنة ) ظاهره إقامته لسنّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و طریقته قولا و فعلا و تقریرا و لكنّه توریة عن السّنن العمریة و هى بدعاته و أحداثه الّتی سنّها قبال سنّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بمقتضى أهوائه الفاسدة .

مثل تحریم المتعتین ، و العول فی الفرایض ، و صلاة الضّحى و صلاة التراویح و هى فعل نوافل شهر رمضان بالجماعة ، و وضع الخراج على سواد العراق ، و ترتیب الجزیة ، و إسقاط حىّ على خیر العمل من الأذان بایهامه أنّ هذه الكلمة تدعو النّاس إلى ترك الجهاد لأنّهم یزعمون إنّ الصّلاة أفضل من سایر الأعمال و لكنّ الدّاعى الحقیقی له إلى الاسقاط غیر ذلك .

و هو ما ورد فی روایة الصّادق علیه السّلام من أنّ عمر سمع من النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّ خیر العمل هو ولایة علیّ بن أبیطالب فموّه على النّاس فی تركه حتّى یترك ، إلى غیر هذه ممّا مرّ فی روایة الرّوضة المتقدّمة فی شرح الخطبة الخمسین فلیراجع هناك ، و ذكر شطرا منها الشارح المعتزلی فی شرح هذا الكلام .

و قوله علیه السّلام ( و خلّف الفتنة ) قال الشارح البحرانی : تخلیفه للفتنة موته قبلها و وجه كون ذلك مدحا له هو اعتبار عدم وقوعها بسببه و فی زمنه لحسن تدبیره .

و أقول : هذا ظاهره و باطنه من أمض الذّم فانّه توریة عن توریثه الفتنة العظیمة الّتی انشعبت منها جمیع الفتن و هى فتنة الشّورى كما صرّح به الشّارح المعتزلی أیضا فی شرح الكلام المأتین و الرّابع حسبما حكینا عنه هناك حیث قال : إنّ ما فعله عمر من أمر الشّورى سبب كلّ فتنة وقع و یقع إلى أن تنقضى الدّنیا .

و توضیحه أنّ عمر لو لم یجعل الخلافة شورى بین الستّة لما أفضى الأمر إلى عثمان و لم تقع فتنة قتله حتّى یكون الطلب بدمه عنوانا لوقعة صفّین و فتن بنی امیة

[ 380 ]

الشوهاء المظلمة و لوقعة البصرة و خروج الخاطئة المشار إلیها فی قوله تعالى أو كظلمات فی بحر لجىّ یغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج یده لم یكد یریها و فی قوله و ما جعلنا الرّؤیا الّتی أریناك إلاّ فتنة للنّاس و الشّجرة الملعونة فی القرآن و نخوّفهم فما یزیدهم إلاّ طغیاناً كبیراً .

ثمّ من التحكیم فی صفّین نشأت فتنة المارقین و خروجهم إلى أن انجرّ إلى شهادة أمیر المؤمنین و استیلاء معاویة على البلاد و إهراقه للدّماء و استحلاله للأموال و فشت المعاداة بین بنی هاشم و بنى امیّة حتّى انتهت إلى الرّزء الجلیل و المصیبة العظمى و الدّاهیة الدّهیاء المحرقة قلوب الشّیعة إلى یوم القیامة و هى وقعة الطّف و شهادة الحسین علیه السّلام و أصحابه ، بل النّار الموقدة فى الطّف لاحراق خیام آل الرّسول من قبسات النّار الّتى أوقدها عمر لاحراق باب فاطمة سلام اللّه علیها .

و بالجملة فجمیع هذه الفتن من ثمرات الشجرة الخبیثة الّتى غرسها عمر .

قال العلاّمة الحلّى فى كتاب نهج الحقّ : روى البلادری قال : لمّا قتل الحسین كتب عبد اللّه بن عمر إلى یزید بن معاویة لعنة اللّه علیهما و على أبیهما : أمّا بعد فقد عظمت الرّزیة و جلّت المصیبة و حدث فى الاسلام حدث عظیم و لا یوم كیوم الحسین فكتب إلیه یزید : أمّا بعد یا أحمق فاننا جئنا إلى بیوت مجدّدة و فرش ممهّدة و ساید منضّدة فقاتلنا عنها ، فان یكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا ، و إن كان الحقّ لغیرنا فأبوك أوّل من سنّ و ابتزّ و استأثر بالحقّ على أهله .

و قوله علیه السّلام ( ذهب نقىّ الثوب ) قال الشارح البحرانى استعار الثوب لعرضه و نقاه لسلامته عن دنس المذام .

و أقول : ربما یفرق بین النقى و التقى بأنّ التقى بالتاء من حسن ظاهره و النقى من حسن باطنه فیكون فى اضافة النقى إلى الثوب توریة لطیفة عن أنّ اتّصافه بالنقاوة و النزاهة إنما كان بحسب ظاهره فقط ، و أما فى الباطن فقد كان مدنسا بأدناس

[ 381 ]

الجاهلیّة و أقذار الشّك و النّفاق و الحقد و الحسد و السّخیمة لكونه رئیس المنافقین الّذین یظهرون بأفعالهم و یقولون بأفواههم ما لیس فی قلوبهم و اللّه أعلم بما یكتمون و قد وصفهم علیه السّلام فی الخطبة المأة و الثالثة و التسعین بهذا الوصف أى بحسن الظاهر و خبث الباطن حیث قال فی تعداد صفاتهم : قلوبهم ردیّة و صفاحهم نقیّة .

و قوله علیه السّلام ( قلیل العیب ) أراد به قلّة عیوبه الظاهرة بالاضافة إلى العیوب الكثیرة الّتی فى عثمان لأخذه بظاهر أحكام الشّریعة تخدیعا للنّاس و للتّزویر و الحیلة ،

و أمّا فى الباطن فقد كان غریقا فى بحر العیوب مغمورا فى تیّار الآثام و الذّنوب حسبما أشرنا و نشیر إلیه .

و قوله علیه السّلام ( أصاب خیرها و سبق شرّها ) قال البحرانى أصاب ما فى الخلافة من الخیر المطلوب و هو العدل و إقامة دین اللّه الّذى به یكون الثّواب الجزیل فى الآخرة و الشّرف الجزیل فی الدّنیا ، و سبق شرّها أى مات قبل وقوع الفتنة فیها و سفك الدّماء لأجلها .

و أقول : بل المراد به أنّه نال خیر الخلافة و لذّة الرّیاسة بما مهّده له أبو بكر من بساطها و صیّرها له من دون معارض و مصادم ، فانقاد له الكلّ و أسلم له الجمیع طوعا و كرها و حصلت له الرّیاسة العامة و فتح الأمصار و نفاذ الأحكام فى الأصقاع و البلدان كمثل غیث أعجب الكفّار نباته ثمّ یهیج فتراه مصفرّا ثمّ یكون حطاما و فى الآخرة عذاب شدید .

و المراد بسبقه الشّر الشّرور و المفاسد و الفتن التى ظهرت فى زمن عثمان علیه اللعنة و النیران من حمله بنى امیّة و مروان على رقاب الناس و خضمهم مال اللّه خضم الابل نبتة الرّبیع حسبما عرفت تفصیلا فى الخطبة الشقشقیة و شرحها إلى أن انجرّ الأمر إلى قتله و هلاكه ، و ظهرت فى خلافة أمیر المؤمنین سلام اللّه علیه و آله أجمعین من الناكثین و القاسطین و المارقین لعنة اللّه علیهم ملاء السماوات و الأرضین و قد عرفت فى شرح قوله : و خلف الفتنة أنّ جمیع هذه الشرور و المفاسد من بركة البرامكة و ثمرات الشجرة الخبیثة التى غرسها عمر .

[ 382 ]

و قوله علیه السّلام ( أدّى إلى اللّه طاعته و اتّقاه بحقّه ) أراد به مواظبته على مراسم الطاعة و التقوى و سلوكه مسالك الزهد و العبادة ، و لقد كان مجدّا فیها ظاهرا لما نذكره من النكتة ، و أمّا فی الباطن فلم یرفع یده كصاحبه عن الكفر و عبادة الصنم إلى أن مضى إلى سبیله .

و یشهد به ما رواه فی البحار من كتاب سلیم بن قیس الهلالی عن أمیر المؤمنین فی حدیث طویل یذكر فیه شجاعته و نصرته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و جبن الثلاثة و رعبهم عند الكریهة و القتال و ساق الحدیث إلى أن قال :

و لقد ناداه ابن عبد ود باسمه یوم الخندق فحاد عنه و لاذ بأصحابه حتّى تبسّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما رأى به من الرّعب ، و قال : أین حبیبی علىّ تقدّم یا حبیبی یا علیّ و لقد قال لأصحابه الأربعة أصحاب الكتاب : الرّأى و اللّه أن ندفع محمّدا برّمته و نسلم من ذلك حین جاء العدوّ من فوقنا و من تحتنا كما قال اللّه تعالى و زلزلوا زلزالاً شدیداً ، و ظنّوا باللّه الظنّونا . و قال المنافقون و الذین فی قلوبهم مرض ما وعدنا اللّه و رسوله إلاّ غروراً فقال صاحبه لا و لكن نتّخذ صنما عظیما نعبده لأنّا لا نأمن أن یظفر ابن أبی كبشة فیكون هلاكنا ، و لكن یكون هذا الصّنم لنا ذخرا ، فان ظهرت قریش أظهرنا عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنّا لن نفارق دیننا ، و إن رجعت دولة ابن أبی كبشة كنا مقیمین على عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنا لن نفارق سرّا ، فنزل جبرئیل فأخبر النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بذلك ، ثمّ خبّرنى به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد عمرو بن عبد ود ،

فدعاهما فقال : كم صنم عبدتما فی الجاهلیة ؟ فقالا : یا محمّد لا تعیّرنا بما مضى فی الجاهلیّة ،

فقال : فكم صنم تعبدا وقتكما هذا ؟ فقالا : و الذى بعثك بالحقّ نبیّا ما نعبد إلاّ اللّه منذ أظهرنا لك من دینك ما أظهرنا ، فقال : یا علیّ خذ هذا السّیف فانطلق إلى موضع كذا و كذا فاستخرج الصنم الذی یعبدانه فاهشمه فان حال بینك و بینه أحد فاضرب عنقه ، فانكبّا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقالا : استرنا سترك اللّه ، فقلت أنا لهما أضمنا للّه و لرسوله ألاّ تعبدا إلاّ اللّه و لا تشركا به شیئا ، فعاهدا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على هذا ،

[ 383 ]

و انطلقت حتّى استخرجت الصنم من موضعه و كسرت وجهه و یدیه و جزمت رجلیه ثمّ انصرفت إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فو اللّه لقد عرفت ذلك فی وجههما حتّى ماتا و یشعر بما قلناه ما رواه العیاشى عن الصادق علیه السّلام فی قوله تعالى الذین كفروا أولیآؤهم الطاغوت یخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فیها خالدون انه قال فأعداء علیّ أمیر المؤمنین هم الخالدون فی النار و إن كانوا فى أدیانهم على غایة الورع و الزّهد و العبادة .

إلى غیر هذه من الرّوایات التى لا نطیل بذكرها المفیدة لكون عبادة هذا الرّجل للّه و زهده و ریاضته تزویرا و ریاء و سمعة ، بل الدلالة على أنه أبطن الكفر و أظهر الاسلام وصلة بذلك إلى ریاسة المسلمین و السلطنة علیهم و إلى ما أضمره فى قلبه من هدم أساس الدین و تخریب سوارى الیقین ضمنا بقدر الامكان و التمكن و إلى صرف الناس و اضلالهم عن الصراط المستقیم و المنهج القویم .

فانه لو لم یسلك مسلك العبادة و الرّیاضة و الزهد و القشف و الضیق على نفسه و التوسعة على غیره و ترك اللذات و الشهوات رأسا لم یتمكّن من ذلك كما لم یتمكّن عثمان منه لعدم سلوكه هذا المسلك .

و قد صرّح نفسه بهذه النكتة و أظهر هذا السر إلى بطانته المشارك له فى الكفر و الالحاد اللعین بن اللعین معاویة بن أبى سفیان فى العهد الطویل الذى رواه أصحابنا فى مؤلفاتهم و هو العهد الذى أخرجه یزید الملعون من خزانته و أبرزه لعبد اللّه بن عمر الملعونین لما جاء إلى الشام مستصرخا فى دم الحسین علیه السّلام و ثائرا فیه ، فسكّته بذلك العهد الذى كان بخطّ أبیه عمر فانه بعد ما كتب فیه إلى معاویة صریحا كفره و إلحاده و بقاءه على عبادة اللاّت و العزّى و تكذیبه للرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لما جاء به و نسبته له إلى السحر و أبرز عداوته المكنونة له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و آله و شرح صرفه الخلافة بتدبیراته و حیله عن وصیّه كتب فیه ما عین لفظه :

[ 384 ]

فبطل سحره یعنی سحر محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خاب سعیه و علاها أبوبكر و علوتها بعده و أرجو أن تكونوا معاشر بنی أمیّة عیدان أطنابها ، فمن ذلك قد ولّیتك و قلّدتك اباحة ملكها ، و عرفتك فیها و خالفت قوله فیكم ، و ما ابالى من تعریف شعره و نثره أنّه قال یوحى إلىّ منزل من ربّی فى قوله : و الشّجرة الملعونة فى القرآن فزعم أنّها أنتم یا بنى امیّة فبیّن عداوته حیث ملك كما لم یزل هاشم و بنوه أعداء بنى عبد شمس و أنا مع تذكیری إباك یا معاویة و شرحى لك ما قد شرحته ناصح لك و مشفق علیك من ضیق عطنك و حرج صدرك و قلّة حلمك أن تعجل فیما وصیّتك به و مكّنتك منه من شریعة محمّد و أمّته أن تبدى لهم مطالبته بطعن أو شماتة بموت أو ردّا علیه فیما أتى به أو استصغارا لما أتى به فتكون من الهالكین ، فتخفض ما رفعت و تهدم ما بنیت ، و احذر كلّ الحذر حیث دخلت على محمّد مسجده و منبره و صدّق محمّدا فى كلّ ما أتى به و أورده ظاهرا ، و أظهر التحرّز و الواقعة فى رعیتك و أوسعهم حلما و أعمّهم بروایح العطایا ، و علیك باقامة الحدود فیهم و تصفیف الجنایة منهم ،

لسبا محمّد من مالك و رزقك و لا ترهم أنك تدع للّه حقّا و لا تنقص فرضا و لا تغیّر لمحمد سنّة فتفسد علینا الامّة بل خذهم من مأمنهم و اقتلهم بأیدیهم و أیّدهم بسیوفهم و تطاولهم و لا تناجزهم ، و لن لهم و لا تبخس علیهم ، و افسح لهم فى مجلسك و شرّفهم فى مقعدك ، و توصّل إلى قتلهم برئیسهم و أظهر البشر و البشاشة ، بل اكظم غیظك ،

و اعف عنهم یجبّوك و یطیعوك ، فما آمن علینا و علیك شورة علىّ و شبلیه الحسن و الحسین ، فان أمكنك فى عدّة من الامة فبادر و لا تقنع بصغار الأمور ، و اقصد بعظیمها و احفظ وصیّتى الیك و عهدى و اخفه و لا تبده ، و امتثل أمرى و نهیى ، و انهض بطاعتی و إیّاك و الخلاف علىّ و اسلك طریق أسلافك ، و اطلب بثارك و اقتصّ آثارهم فقد أخرجت إلیك بسرّى و جهرى ، و شفّعت هذا بقولی :

معاوی إنّ القوم جلّت أمورهم
بدعوة من عمّ البریّة بالوتر

صبوت إلى دین لهم فأرابنی
فأبعد بدین قد قصمت من ظهرى

[ 385 ]

إلى أن قال :

توسل إلى التخلیط فی الملّة التی
أتانا به الماضی و المموّه بالسحر

و طالب بأحقاد مضت لك مظهرا
لعله دین عمّ كلّ بنى النفر

فلست تنال الثار الابد منهم
فتقتل بسیف القوم جند بنى عمر

فقد تحصّل بما ذكرنا كلّه أنّ طاعة الرّجل و ریاضته و تضییقه على نفسه و توفیره الفئ و الغنایم على غیره لم یكن إلاّ خدیعة و مكیدة و إطفاء لنور اللّه و هدما لأساس الاسلام و إغواء للمسلمین .

كالشیطان الذی أراد إضلال عابد بنی إسرائیل و إغواءه فتقرّب إلیه من جهة البرّ و العبادة لما یئس من سایر العبادات فانطلق إلى منزله فأقام حذاءه یصلّى و كان العابد ینام و الشّیطان لا ینام ، و هو یستریح و الشیطان لا یستریح ، فتحوّل إلیه العابد و قد تقاصرت إلیه نفسه و استصغر عمله ، فقال یا عبد اللّه بأیّ شی‏ء قویت على هذه الصّلاة ، فلم یجبه ، ثمّ عاد إلیه فلم یجبه ، ثم عاد إلیه فقال : إنّی أذنبت ذنبا و أنا تائب منه فاذا ذكرت الذّنب قویت علیها ، فاغترّ العابد المسكین بما أتى به من الصّلاة ، فلم یجبه ، ثمّ عاد إلیه فلم یجبه ، ثم عاد إلیه فقال : إنّی أذنبت ذنبا و أنا تائب منه فاذا ذكرت الذّنب قویت علیها ، فاغترّ العابد المسكین بما أتى به من الصّلاة على أن یأتی بفاحشة و یتوب منها فتوصّل بكثر صلاته إلى إضلاله .

و هكذا كان حال الاعرابی الجلف فمثله كما قال اللّه تعالى و من النّاس من یقول آمنّا باللّه و بالیوم الآخر و ما هم بمؤمنین . یخادعون اللّه و الّذین آمنوا و ما یخدعون إلاّ أنفسهم و ما یشعرون إلى قوله و إذا لقوا الذین آمنوا قالوا آمنّا و إذا خلوا إلى شیاطینهم قالوا إنّا معكم انّما نحن مستهزؤن . اللّه یستهزء بهم و یمدّهم فی طغیانهم یعمهون هذا .

و قوله ( رحل و تركهم فی طرق متشعّبة لا یهتدى فیها الضّال و لا یستیقن المهتدى ) قال الشارح البحرانی : إنّ المراد رحیله إلى الآخرة تاركا للناس بعده فی طرق متشعّبة من الجهات لا یهتدى فیها من ضلّ عن سبیل اللّه ، و لا یستیقن المهتدی فی سبیل اللّه انّه على سبیله ، لاختلاف طرق الضّلال و كثرة المخالف له إلیها .

[ 386 ]

أقول : هذا ظاهر معنى الكلام و أمّا باطنه فهو أنّ الأعرابی الجلف رحل عن الدّنیا و ترك النّاس حیارى و أوقعهم بما أبدعه من سننه و سیره و بدعاته و حیله و مكایده و تمویهاته فی الفتنة و الضّلال و الخزى و النكال ، لا سیّما ما قرّره من الشّورى و جعلها بین السّتة أوجب تفرّق النّاس عن الصّراط المستقیم أیادى سبا و أیدى سبا .

فمنهم من قد كان اشرب قلبه حبّ الشیخین و استحوذ علیه الشیطان فأنساه ذكر ربّه فضلّ عن السّبیل المقیم و هوى أسفل درك الجحیم .

و منهم من كان طالبا للهدایة إلاّ أنّه نظر إلى اختلاف طرق الضّلال و الهدى و كثرة السالكین إلى الأولى و قلّتها إلى الاخرى فبقى تائها متحیّرا بین السّبیلین فلم یتمكّن من تحصیل السّبیل و رفع الشك و التّحیر من البین كما أشار إلى ذلك فی الخطبة الخمسین بقوله :

إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع و أحكام تبتدع یخالف فیها كتاب اللّه و یتولّى علیها رجال رجالا على غیر دین اللّه ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم یخف على المرتادین و لو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندین ، و لكن یؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فهنالك یستولی الشیطان على أولیائه و ینجو الّذین سبقت لهم من اللّه الحسنى و الحاصل أنّ عمر بتلبیسه الحقّ بالباطل و الباطل بالحقّ و خلطه الصّالح بالسّی‏ء و ایقاعه الاشتباه بینهما أوقع النّاس فی الشكّ و الضّلال خصوصا جعله أمیر المؤمنین و باب علم النّبیین قرینا للخمسة الالواد ، و ترشیحه كلاّ منهم بأهلیّة الخلافة ألقى التفرقة بین الامّة و شقّ عصا الجماعة و اختلف بذلك الآراء و تشتّت الأهواء و تشعّب الطّرق و تفرّقت السبل .

و یدلّ على ذلك صریحا ما نقله العلامة الحلّی فی كتاب نهج الحقّ من كتاب العقد لابن عبد ربّه أنّ معاویة قال لابن أبی الحصین : أخبرنی ما الّذی شتّت أمر

[ 387 ]


ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • تفاسیر نهج البلاغه

    [ 230 ] و من خطبة له ع فی مقاصد أخرى

    فَإِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ وَ ذَخِیرَةُ مَعَادٍ وَ عِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ وَ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِهَا یَنْجَحُ اَلطَّالِبُ وَ یَنْجُو اَلْهَارِبُ وَ تُنَالُ اَلرَّغَائِبُ فضل العمل فَاعْمَلُوا وَ اَلْعَمَلُ یُرْفَعُ وَ اَلتَّوْبَةُ تَنْفَعُ وَ اَلدُّعَاءُ یُسْمَعُ وَ اَلْحَالُ هَادِئَةٌ وَ اَلْأَقْلاَمُ جَارِیَةٌ وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً فَإِنَّ اَلْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ وَ مُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ وَ مُبَاعِدُ طِیَّاتِكُمْ زَائِرٌ غَیْرُ مَحْبُوبٍ وَ قِرْنٌ غَیْرُ مَغْلُوبٍ وَ وَاتِرٌ غَیْرُ مَطْلُوبٍ قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ وَ تَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ وَ أَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ وَ عَظُمَتْ فِیكُمْ سَطْوَتُهُ وَ تَتَابَعَتْ عَلَیْكُمْ عَدْوَتُهُ وَ قَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ فَیُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِی ظُلَلِهِ وَ اِحْتِدَامُ عِلَلِهِ وَ حَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ وَ غَوَاشِی سَكَرَاتِهِ وَ أَلِیمُ إِرْهَاقِهِ وَ دُجُوُّ أَطْبَاقِهِ وَ جُشُوبَةُ مَذَاقِهِ فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِیَّكُمْ وَ فَرَّقَ نَدِیَّكُمْ وَ عَفَّى آثَارَكُمْ وَ عَطَّلَ دِیَارَكُمْ وَ بَعَثَ وُرَّاثَكُمْ یَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ بَیْنَ حَمِیمٍ خَاصٍّ لَمْ یَنْفَعْ وَ قَرِیبٍ مَحْزُونٍ لَمْ یَمْنَعْ وَ آخَرَ شَامِتٍ لَمْ یَجْزَعْ فضل الجد فَعَلَیْكُمْ بِالْجَدِّ وَ اَلاِجْتِهَادِ وَ اَلتَّأَهُّبِ وَ اَلاِسْتِعْدَادِ وَ اَلتَّزَوُّدِ فِی مَنْزِلِ اَلزَّادِ وَ لاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَیَاةُ اَلدُّنْیَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْمَاضِیَةِ وَ اَلْقُرُونِ اَلْخَالِیَةِ اَلَّذِینَ اِحْتَلَبُوا دِرَّتَهَا وَ أَصَابُوا غِرَّتَهَا وَ أَفْنَوْا عِدَّتَهَا وَ أَخْلَقُوا جِدَّتَهَا وَ أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً وَ أَمْوَالُهُمْ مِیرَاثاً لاَ یَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ وَ لاَ یَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ وَ لاَ یُجِیبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ فَاحْذَرُوا اَلدُّنْیَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ مُعْطِیَةٌ مَنُوعٌ مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ لاَ یَدُومُ رَخَاؤُهَا وَ لاَ یَنْقَضِی عَنَاؤُهَا وَ لاَ یَرْكُدُ بَلاَؤُهَا و منها فی صفة الزهاد كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ اَلدُّنْیَا وَ لَیْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَكَانُوا فِیهَا كَمَنْ لَیْسَ مِنْهَا عَمِلُوا فِیهَا بِمَا یُبْصِرُونَ وَ بَادَرُوا فِیهَا مَا یَحْذَرُونَ تَقَلَّبُ أَبْدَانِهِمْ بَیْنَ ظَهْرَانَیْ أَهْلِ اَلْآخِرَةِ وَ یَرَوْنَ أَهْلَ اَلدُّنْیَا یُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَ هُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْیَائِهِمْ

    و من خطبة له علیه السّلام و هى المأتان و الثامنة و العشرون من المختار فى باب الخطب

    فانّ تقوى اللّه مفتاح سداد ، و ذخیرة معاد ، و عتق من كلّ

    [ 410 ]

    ملكة ، و نجاة من كلّ هلكة ، بها ینجح الطّالب ، و ینجو الهارب و تنال الرّغائب ، فاعملوا و العمل یرفع ، و التّوبة تنفع ، و الدّعاء یسمع ،

    و الحال هادئة ، و الاقلام جاریة ، و بادروا بالأعمال عمرا ناكسا و مرضا حابسا ، أو موتا خالسا ، فإنّ الموت هادم لذّاتكم ، و مكدّر شهواتكم ،

    و مباعد طیّاتكم ، زائر غیر محبوب ، و قرن غیر مغلوب ، و واتر غیر مطلوب .

    قد أعلقتكم حبائله ، و تكنّفتكم غوائله ، و أقصدتكم معابله ،

    و عظمت فیكم سطوته ، و تتابعت علیكم عدوته ، و قلّت عنكم نبوته فیوشك أن تغشیكم دواجى ظلله ، و احتدام علله ، و حنادس غمراته ،

    و غواشی سكراته ، و ألیم إرهاقه ، و دجّو أطباقه ، و جشوبة مذاقه ،

    فكأن قد أتاكم بغتة فأسكت نجیّكم ، و فرّق ندیّكم ، و عفّى آثاركم ،

    و عطّل دیاركم ، و بعث ورّاثكم ، یقتسمون تراثكم بین حمیم خاصّ لم ینفع ، و قریب محزون لم یمنع ، و آخر شامت لم یجزع .

    فعلیكم بالجدّ و الاجتهاد و التّأهّب و الاستعداد و التّزوّد فی منزل الزّاد ، و لا تغرّنّكم الحیاة الدّنیا كما غرّت من كان قبلكم من الامم

    [ 411 ]

    الماضیة و القرون الخالیة الّذین احتلبوا درّتها ، و أصابوا غرّتها ، و أفنوا عدّتها و أخلقوا جدّتها ، أصبحت مساكنهم أجداثا ، و أموالهم میراثا ،

    لا یعرفون من أتاهم ، و لا یحفلون من بكاهم ، و لا یجیبون من دعاهم ،

    فاحذروا الدّنیا 1 فإنّها غدّارة غرّارة خدوع ، معطیة منوع ، ملبسة نزوع ، لا یدوم رخائها ، و لا ینقضى عنائها ، و لا یركد بلائها .

    منها فى صفة الزهاد كانوا قوما من أهل الدّنیا و لیسوا من أهلها ،

    فكانوا فیها كمن لیس منها ، عملوا فیها بما یبصرون ، و بادروا فیها ما یحذرون ، تقلّب أبدانهم بین ظهرانی أهل الآخرة ، یرون أهل الدّنیا یعظّمون موت أجسادهم و هم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحیائهم .

    اللغة

    ( السّداد ) بالفتح الصّواب من القول و العمل و ( ملكه ) یملكه من باب ضرب ملكا مثلثة و ملكة بالتحریك احتواه قادرا على الاستبداد به و ( النجح ) بالضمّ الظفر بالمطلوب و أنجحه اللّه أى أظفر به و ( الرّغائب ) جمع الرّغیبة و هو الأمر المرغوب فیه و العطاء الكثیر و ( هدء ) هدءا من باب منع سكن و ( نكسه )

    -----------
    ( 1 ) من قوله ( ع ) : « كما غرت » إلى قوله « فاحذروا الدّنیا » هذه الجملات كانت ساقطة من النسخة فى الطبعة الاولى و كم له فى هذا الجزء من نظیر أصلحناه ، نبهنا علیه فى بعض المقام . المصحح .

    [ 412 ]

    قلّبه على رأسه كنكّسه بالتشدید و النكس بضمّتین المدرهمّون من الشّیوخ بعد الهرم أى السّاقطون كثیرا قال تعالى و من نعمّره ننكّسه .

    و ( خلست ) الشی‏ء اختطفته و ( الطیة ) بالكسر كالنیّة لفظا و معنى و قال الشّارح المعتزلی : هى منزل السّفر و ( القرن ) بالكسر كفوك فى الشّجاعة .

    و ( الواتر ) القاتل و الموتور القتیل الذی لم یدرك دمه مأخوذان من الوتر بالكسر و الفتح و هی الجنایة الّتی یجنیها الرّجل على غیره من قتل أو نهب أو سبى و قد وتره یتره وترا و وترا وترة أفزعه و أدركه بمكروه ، و تره ماله نقصه إیاه .

    و ( اعانتكم ) فی بعض النّسخ بغیر همزة و ( المعابل ) جمع معبلة و زان مكنسة و هو النّصل العریض الطّویل و ( العدوة ) التّعدى و ( نبا ) السّیف عن الضریبة نبوا و نبوة كلّ و لم یؤثر و ( یوشك ) الأمر أن یكون و أن یكون الأمر بكسر الشّین أى یقرب و لا تفتح شینه إلاّ فی لغة ردّیة و ( الظّلل ) جمع ظلّة و هی السّحاب و ( احتدم ) النّار التهبت و اشتدّ حرّها و ( الحنادس ) جمع حندس و زان زبرج الظلمة .

    و ( إرهاقه ) بالرّاء المهملة مصدر أرهقته أى أعجلته و یقال أرهقه طغیانا أغشاه إیّاه و الحق ذلك به ، و فی بعض النّسخ بالزاء المعجمة من زهق الشّی‏ء بطل و ( أطباقه ) بالفتح جمع الطّبق بالتحریك غطاء كلّ شی‏ء و فی بعض النسخ بالكسر مصدر أطبقه أى غطاه .

    و ( جشب ) الطّعام من باب ضرب جشوبة صار جشیبا و هو السّی‏ء الماكل و الخشن الغلیظ البشع من كلّ شی‏ء و الجشب بالضمّ قشور الرّمان ، و فی بعض النّسخ و خشونة مذاقه بالخاء المعجمة و النون و ( الدرة ) بالكسر كالدّر بالفتح اللّبن و كثرته و ( الجدّة ) بكسر الجیم كالجد الرّزق و العظمة و ( حفل ) القوم حفلا اجتمعوا و المحفل و زان مجلس و مقعد محل الاجتماع ، و الاحتفال بالشی‏ء

    [ 413 ]

    الاعتناء به و المبالغة فیه .

    و ( تقلب ) فی بعض النسح على البناء على الفاعل من باب التفعل و حذف إحدى التائین و فی بعضها على البناء على المفعول و فلان بین ظهرى القوم و ( ظهرانیهم ) بفتح النون و بین أظهرهم أى فی وسطهم و فی معظمهم .

    الاعراب

    قوله : مفتاح سداد 1 و قوله : بها متعلّق بقوله ینجح و تقدیمه علیه لقصد الحصر و الفاء فی قوله فاعملوا فصیحة ، و جملة و العمل یرفع فی محلّ النصب على الحال و الباء فی قوله بالأعمال للمصاحبة ، و الفاء فی قوله : فانّ الموت للتعلیل ، و قوله :

    زائر خبر رابع لأنّ ترك العاطف لحسن الوصف الذی هو من صناعة البلاغة .

    و جملة قد أعلقتكم فی محلّ الانتصاب على الحال و قوله : فكأن قد أتاكم مخففة من المثقلة مفیدة للتقریب و اسمها ضمیر شأن مستتر ، و قوله : بین حمیم متعلّق بقوله یقتسمون لا بقوله أتاكم بغتة كما توهّمه الشارح البحرانی و قوله : فعلیكم بالجدّ اسم فعل أى خذوه و الزموه قال نجم الأئمة الرّضی : یقال علیك زیدا أى خذه كان الأصل علیك أخذه و قوله : أصبحت مساكنهم فعل ناقص بمعنى صارت و الجملة استینافیّة بیانیّة و مثلها جملة لا یعرفون من أتاهم .

    المعنى

    اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة من محاسن خطبة علیه السّلام و فیها من نكات البلاغة و فنون البدیع ما لا یخفى على المصقع البارع ، و مدارها على فصلین :

    الفصل الاول منها

    فى الحثّ على البرّ و التقوى و أخذ الزاد لیوم المعاد بالتذكیر بالموت

    -----------
    ( 1 ) الظاهر سقوط شى‏ء من هنا . المصحح .

    [ 414 ]

    الذی هو هادم اللذات و قاطع الامنیات و التحذیر من الدّنیا التی هی دار الغرور و المكاره و الآفات و هو قوله :

    ( فانّ تقوى اللّه مفتاح سداد و ذخیرة معاد ) و قد تقدّم تحقیق معنى التقوى و ما یترتّب علیها من الثمرات الدّنیویة و الاخرویة فی شرح الخطبة الرّابعة و العشرین و غیرها فلیراجع هناك و أقول هنا توضیحا لكلامه علیه السّلام : إنّ التقوى لما كانت عبارة عن اتّخاذ الوقایة من العقوبات و الحذر من الموبقات الاخرویة و بها یحصل التجنّب من المعاصی و الاتیان بالواجبات المتّصفة بالصلاح و السداد لا جرم استعار لها المفتاح الذی یوصل به إلى ما فى البیت قال تعالى یا أیّها الذین آمنوا اتّقوا اللّه و قولوا قولا سدیداً یصلح لكم أعمالكم و یغفر لكم ذنوبكم و من یطع اللّه و رسوله فقد فاز فوزاً عظیماً .

    قال أمین الاسلام الطبرسیّ أمر اللّه سبحانه أهل الإیمان و التوحید بالتقوى و القول السدید فقال یا أیّها الذین آمنوا اتّقوا اللّه أى اتّقوا عقاب اللّه باجتناب معاصیه و فعل واجباته و قولوا قولا سدیدا أى صوابا برّیا من الفساد خالصا من شائب الكذب و اللّغو موافق الظاهر للباطن ، و قال الحسن و عكرمة صادقا یعنی كلمة التوحید لا إله إلاّ اللّه « یصلح لكم أعمالكم » معناه إن فعلتم ذلك یصلح لكم أعمالكم بأن یلطف لكم فیها حتّى تستقیموا على الطریقة المستقیمة السلیمة من الفساد و یوفقكم لما فیه الصلاح و الرشاد « و یغفر لكم ذنوبكم » باستقامتكم فی الأقوال و الأفعال « و من یطع اللّه و رسوله » فی الأوامر و النواهی « فقد فاز فوزا عظیما » أى فقد أفلح افلاحا عظیما ، و قیل فقد ظفر برضوان اللّه و كرامته .

    و أما انها ذخیرة معاد فواضح لأنها أنفس ذخیرة معدّة لفاقة الآخرة و بها ینجى من ألیم العذاب و یفاز عظیم الزلفى و الثواب قال تعالى و یوم القیامة ترى الذین كذبوا على اللّه وجوههم مسودّة أ لیس فی جهنّم مثوى للمتكبّرین . و ینجّى اللّه

    [ 415 ]

    الذین اتّقوا بمفازتهم لا یمسّهم السّوء و لا هم یحزنون و قال للّذین اتّقوا عند ربّهم جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدین فیها و أزواج مطهّرة و رضوان من اللّه و اللّه بصیر بالعباد .

    ( و عتق من كلّ ملكة ) قال الشّارح البحرانی : استعار لفظ العتق لخلاص النفس العاقلة من استیلاء حكم شیاطینها المطبقة بها كخلوص القلب من استیلاء سیّده ثمّ جعل التقوى نفسها عتقا إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب انتهى و محصّله أنّ التقوى سبب الخلاص من قید رقیّة نفس الأمارة و عبودیة الهوى و مملوكیّة الشیطان فانه لیس له سلطان على الذین آمنوا و على ربّهم یتوكّلون إنّما سلطانه على الذین یتولّونه و الّذینهم به مشركون .

    ( و نجاة من كلّ هلكة ) أى سبب للنّجاة من الهلكات الدّنیویّة و الاخرویة فاطلق علیها النّجاة مبالغة من قبیل زید عدل قال تعالى و من یتّق اللّه یجعل له مخرجا و یرزقه من حیث لا یحتسب أى مخرجا من كلّ كرب فی الدّنیا و الآخرة .

    و فى مجمع البیان عن النّبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قرأها و قال : مخرجا من شبهات الدّنیا و من غمرات الموت و شدائد الآخرة .

    و فى البحار من الدّعوات للرّاوندى قال النّبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من اتّقى اللّه عاش قویا و صار فى بلاد عدوّه آمنا .

    ( بها ینجح الطالب ) للآخرة أى یفوز بمطلبه قال تعالى إنّ للمتّقین لحسن مآب .

    جنات عدن مفتّحة لهم الأبواب و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : خصلة من لزمها أطاعته الدّنیا و الآخرة و ربح الفوز بالجنّة ، قیل : و ما هى یا رسول اللّه ؟ قال : التّقوى من أراد أن یكون أعز النّاس فلیتّق اللّه عزّ و جلّ ثمّ تلا و من یتّق اللّه الآیة .

    ( و ینجو الهارب ) « 1 » الراهب من سخط اللّه و عقابه فانّ أولیاء اللّه لا خوف علیهم و لا هم یحزنون ، و من یتّق اللّه یكفّر عنه سیئاته و یعظم له أجرا .

    ( و تنال الرّغائب ) أى العطایا الكثیرة و الخیرات الدّنیویة و الاخرویة التى ترغب إلیها النفوس .

    -----------
    ( 1 ) لا یخفى أن بین هذه الفقرة و سابقتها من محاسن البدیع حسن الطباق و الجناس اللاحق و السجع المتوازى و مثلها الفقرتان السابقتان علیها و أما الاولیان ففیهما السجع المتوازى فقط ، منه .

    [ 416 ]

    أمّا الدّنیویّة فقد قال الصّادق علیه السّلام : من أخرجه اللّه تعالى من ذلّ المعصیة إلى عزّ التقوى أغناه اللّه بلا مال ، و أعزّه بلا عشیرة ، و انسه بلا بشر ، أى من غیر أنیس من البشر بل اللّه مونسه .

    و أما الاخرویة فقد قال اللّه تعالى مثل الجنّة التی وعد المتّقون فیها أنهار من ماء غیر آسن و أنهار من ماء لم یتغیّر طعمه و أنهار من خمر لذة للشاربین . و أنهار من عسل مصفّى و لهم فیها من كلّ الثمرات و مغفرة من ربّهم و قال عزّ و جلّ ادخلوا الجنة أنتم و أزواجكم تحبرون . یطاف علیهم بصحاف من ذهب و أكواب و فیها ما تشتهیه الأنفس و تلذّ الأعین و أنتم فیها خالدون هذا و لما نبّه على ثمرات التقوى و كانت التقوى ملازمة للعمل و رتّب علیه الحثّ على العمل فقال ( فاعملوا و العمل یرفع ) أى اعملوا صالحا فانّ الذین آمنوا و عملوا الصالحات فی روضات الجنّات لهم ما یشاؤن عند ربّهم ذلك هو الفضل الكبیر ، و معنى قوله : و العمل یرفع إنّ العمل الصّالح یرفع اللّه إلیه و یقبله من فاعله .

    و قد أشیر إلى ذلك فی قوله عزّ و جلّ إلیه یصعد الكلم الطیّب و العمل الصالح یرفعه قال أمین الاسلام الطبرسى : معنى الصعود القبول من صاحبه و الاثابة علیه ، و كلّما یتقبله اللّه سبحانه من الطاعات یوصف بالرّفع و الصّعود لأنّ الملائكة یكتبون أعمال بنى آدم و یرفعونها إلى حیث شاء اللّه ، و هذا كقوله إنّ كتاب الأبرار لفى علّیّین و الكلم الطیّب الكلمات الحسنة من التعظیم و التقدیس و أحسن الكلم لا إله إلاّ اللّه و العمل الصّالح یرفعه قیل فیه وجوه : أحدها أنّ الكلم الطیّب یرفعه العمل الصالح فالضمیر یعود إلى الكلم ، و الثانى أنه على القلب من الأول 1 .

    -----------
    ( 1 ) هذا آخر ما وفق الشارح المصنف العلامة الهاشمى الخوئى أعلا اللّه مقامه بشرحه و برز من قلمه الشریف و آخر المجلد السابع حسب تجزأته « قد » على ما فى الطبعه الاولى ،

    و تتمة ما نقله هنا عن الطبرسى « قد » هكذا :

    أى و العمل الصالح یرفعه الكلم الطیّب ، و المعنى أنّ العمل الصالح لا ینفع إلاّ إذا صدر عن التوحید عن ابن عباس ، و الثالث أنّ المعنى العمل الصالح یرفعه اللّه لصاحبه ، أى یقبله عن قتادة ،

    و على هذا فیكون ابتداء اخبار لا یتعلّق بما قبله . المصحح .

    [ 417 ]

    بسم اللّه الرحمن الرحیم

    بعد الحمد و الصّلاة على رسوله و آله یقول العبد المحتاج إلى رحمة ربّه أبو الحسن المدعوّ بالشعرانی عفى عنه إنی لما وقفت على هذا الشّرح النّفیس الجامع لشتات اللّطائف ، الحاوى لطرایف الظرائف و رأیت أنّ صاحبه لم یتمكّن من اتمامه و توقّف على شرح كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام : و العمل یرفع ، علمت أنّ عاقبته إلى رفع العمل و القبول كما ان ختم كلامه إلیه و هذا و ان كان فالا حسنا للشارح لكن الناظرین یرون عمله أبتر إذ لم یكمل شرح الكتاب بل الخطبة التی شرع فى شرحها فرأیت أن اعلّق علیه شیئا یتمّ به شرح الخطبة الأخیرة و أضمّ عملی إلى عمله المقبول و أتطفل فی تحصیل الثواب الحاصل له و سلكت فیه مسلكه من الاقتصار على ما یسهل تناوله بعون اللّه و حسن توفیقه و أقول ( و العمل یرفع ) فی كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام جملة حالیة فی محلّ النصب و كذلك ما یتلوها إلى قوله علیه السّلام : و الأقلام جاریة أى اعملوا فی هذا الوقت الذی یرفع العمل و أنتم أحیاء فى دار الدّنیا و أما بعد ذلك فلا یرفع العمل إذ لا عمل بعد الموت حتّى یرفع و هذا طریقة العرب فی كلامهم یقول شاعرهم : على لا حب لا یهتدى بمناره یعنی على طریق لا منار فیها حتى یهتدى به .

    قوله ( و التوبة تنفع ) أى اعملوا فی هذه الحال التی تنفع التوبة قبل الموت فاذا مات ابن آدم انقطع عمله و لم یقبل منه التّوبة إذ لا تقع منه حتّى تقبل ( و الدعاء یسمع ) فی حال الحیاة یسمع الدّعاء ، و أمّا بعد الموت فلا یسمع و المقصود الدّعاء الذی یصیر سببا للنجاح و السعادة و غفران الذنوب و رفع الدّرجات .

    و أمّا الدّعاء بمعنى آخر فقد یقع فی الآخرة و یسمع و قد ورد فی القرآن

    [ 418 ]

    الكریم ( و الحال هادئة ) فی الحیاة الدّنیا و سكون الحال كنایة عن السلامة و القدرة و الاختیار بحیث یتمكن من فعل الخیرات ( و الأقلام جاریة ) و الملائكة تكتب أعمال العباد فی الحیاة الدّنیا أى اغتنموا الحیاة و اعملوا فیها ثمّ أكّد علیه السّلام ذلك بقوله ( و بادروا بالأعمال عمرا ناكسا ) یعنی لا یتمكّن أحد من العمل فی الحیاة إذا هرم و شاخ و ضعف فبادروا بالعمل قبل أن یمنعكم منه الهرم ( و مرضا حابسا ) یسلبكم النشاط ( أو موتا خالسا ) یعرض بغتة فلا یبقى لكم فرصة التوبة و الاستغفار ( فانّ الموت هادم لذاتكم و مكدّر شهواتكم ) الدنیویة ( و مباعد طیاتكم ) و الطیة ما یطویه الانسان فی ضمیره من العزائم و النیات یعنی علیه السّلام یباعد الموت عنكم نیاتكم و عزائمكم فكم عزم للانسان یرید نفاذه و حال بینه و بین عزمه الموت و إن فسر الطیات بمنازل السفر فالمعنى یرجع إلى ما ذكر أیضا .

    ( زائر غیر محبوب و قرن غیر مغلوب و واتر غیر مطلوب ) أى قاتل لا یطلبه أحد حتى یقتصّ منه ( قد أعلقتكم حبائله ) شبه الانسان و عدم قدرته على التخلص من الموت بطیر وقع فی حبالة الصیاد و قد علق برجله و عنقه الحبل ( و تكنفتكم غوائله ) أحاطت بكم مصائبه ( و أقصدتكم معابله ) أصابتكم نصال الموت و معبلة بالفارسیة پیكان ( و عظمت فیكم سطوته ) واضح ( و تتابعت علیكم عدوته ) أى تراكمت علیكم الظلمة فوق الظلمة و هو كنایة عن شدّة الهول و المصیبة أو تكرر منه التعدی و المجاوزة على أحبابكم و أصدقائكم و أقاربكم و المعنى الأول أنسب و أولى ( و قلّت عنكم نبوته ) قل أن یتفق لأحدكم أن یعرض له الموت و یبدو علیه آثاره ثمّ یفلت عنه فان انفلت فسوف یعترض ثانیة .

    ( فیوشك أن تغشاكم دواجى ظلله ) الموت قریب منكم كاد أن یحیط بكم ظلمات من ظلل الموت و الظلة هى السحاب ( و احتدام علله ) و یحیط بكم التهاب أمور لا بدّ للموت أن ینزل معها ( و حنادس غمراته ) ظلمات یكتنفكم من غمرات الموت ( و غواشى سكراته ) السكرة حالة كالغشى تعرض عند الاحتضار ( و ألیم ارهاقه ) مجیئه عاجلا ألیم ( و دجّو اطباقه ) الدجوّ الدّجى و الظلمة و المعنى تراكم


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • تفاسیر نهج البلاغه

    [ 231 ] و من خطبة له ع خطبها بذی قار و هو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدی فی كتاب الجمل

    فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَ بَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ فَلَمَّ اَللَّهُ بِهِ اَلصَّدْعَ وَ رَتَقَ بِهِ اَلْفَتْقَ وَ أَلَّفَ بِهِ اَلشَّمْلَ بَیْنَ ذَوِی اَلْأَرْحَامِ بَعْدَ اَلْعَدَاوَةِ اَلْوَاغِرَةِ فِی اَلصُّدُورِ وَ اَلضَّغَائِنِ اَلْقَادِحَةِ فِی اَلْقُلُوبِ

    و من خطبة له علیه السّلام و هى المأتان و التاسعة و العشرون من المختار فى باب الخطب

    خطبها بذی قار و هو متوجّه إلى البصرة ، ذكرها الواقدی فی كتاب الجمل :

    فصدع بما أمر و بلّغ رسالة ربّه فلمّ اللّه به الصّدع ، و رتق به الفتق ، و ألّف به بین ذوی الأرحام بعد العداوة الواغرة فی الصّدور و الضّغائن القادحة فی القلوب .

    اللغة

    ( ذو قار ) موضع بین الكوفة و واسط ، و فیه كانت وقعة العرب قبل إسلامهم مع الفرس و سنشیر إلیه ، و ( الصدع ) : الشق فی شی‏ء صلب ، و فی المجمع فی تفسیر قوله تعالى فی آخر سورة الحجر « فاصدع بما تؤمر » : الصدع و الفرق و الفصل نظائر و صدع بالحق إذا تكلّم به جهارا و فی السیرة الهشامیّة : اصدع أفرق بین الحقّ و الباطل قال أبو ذؤیب الهذلیّ و إسمه خویلد بن خالد یصف اتن وحش و فحلها

    و كانّهنّ ربابة و كأنّه
    یسر یفیض على القداح و یصدع 1

    أی یفرّق على القداح و یبین انصباءها و هذا البیت فی قصیدة له ، و قال رؤبة

    -----------
    ( 1 ) الربابة « بكسر الراء » خرقة تلف فیها القداح و تكون أیضا جلدا . و الیسر الذى یدخل فى المیسر . و القداح : جمع القدح و هو السهم .

    [ 10 ]

    ابن العجاج :

    أنت الحلیم و الأمیر المنتقم
    تصدع بالحقّ و تنفى من ظلم

    و فی القاموس قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر أی شق جماعاتهم بالتّوحید أو اجهر بالقرآن أو اظهر أو احكم بالحق و افصل بالأمر أو اقصد بما تؤمر او افرق به بین الحق و الباطل ، و ( لمّ ) أی جمع و لمّ الصدع أی جمع المتفرق بعد الشق و ( الفتق ) فی الثوب نقض خیاطته حتّى انفصل بعضه من بعض و الفتق أیضا شق عصا الجماعة و وقوع الحرب بینهم . و ( الرّتق ) ضدّ الفتق و المراد بلم الصدع و رتق الفتق رفع ما كان بین العرب من تشتت الاهواء و تفرق الكلمة بالعداوة و الحقد و ( الواغرة ) ذات الوغرة و هی شدّة توقد الحرّ و الوغر و الوغر بالتحریك الحقد و الضغن و العداوة و التوقّد من الغیظ و ( الضغائن ) جمع الضغینة و هی الحقد كالضّغن .

    ( قدح ) بالزند رام الایراء به و الضغائن القادحة هی الّتی تثیر الفتن و الشرور و توقد نار الغضب فی القلوب كما تواری النّار بالمقدح .

    الاعراب

    كلمة ما فی قوله علیه السّلام فصدع بما أمر یمكن أن تجعل موصولة بمعنى الذی و أن تكون مصدریّة فعلى الأوّل یكون العائد من الصّلة إلى الموصول محذوفا و التقدیر « فصدع بما أمر بالصدع به » ثمّ حذفت الباء التی فی به فصارت الجملة « فصدع بما امر بالصدعه » و لما لم تجز الاضافة مع اللام اعنی اضافة الصدع إلى الضمیر فحذفت لام المعرفة توصلا بحذفه إلى الاضافة فصارت الجملة « فصدع بما امر بصدعه » ثمّ حذف المضاف و اقیم المضاف إلیه مقامه فبقیت الجملة « فصدع بما امر به » ثم حذف حرف الجر على حدّ قولك امرتك الخیر فی أمرتك بالخیر فصارت الجملة « فصدع بما امره » ثمّ حذف العائد المنصوب من الصلة و حذف العائد المنصوب فی كلام العرب كثیر ففی الالفیة لابن مالك : و الحذف عندهم كثیر منجلی فی عائد منتصب ان انتصب بفعل أو وصف كمن ترجویهب .

    و أمّا على الثّانی فالتقدیر فصدع بالامر كما تقول عجبت ممّا فعلت و التقدیر

    [ 11 ]

    عجبت من فعلك و لا یحتاج ههنا إلى عائد یعود إلى ما لانه حرف . ذكره الطبرسی فی المجمع فی قوله تعالى « فاصدع بما تؤمر » .

    و الباء فی به و اخویه للسّبب .

    قوله علیه السّلام بعد العداوة متعلّق بكلّ واحد من الأفعال الثّلاثة أعنى لمّ و رتق و ألف .

    و الواغرة صفة للعداوة . و فی الصّدور متعلّقة بالواغرة . و كذا الضغائن موصوفة بالقادحة و فی القلوب متعلّق بالقادحة .

    المعنى

    أشار علیه السّلام فی هذه الخطبة إلى شرذمة من أوصاف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أنّه أظهر و صرّح بما امر به جهارا غیر خائف من أحد و شق بما جاء به الرّسالة عصا الكفر و كلمة أهله و حجب الغفلة التی رانت على قلوبهم . و أنّه بلغ رسالة ربه و فیه مدح عظیم لأنّه أداء أمانة عظم قدرها و تبلیغها . و انّه لمّ اللّه به الصدع و رتق به الفتق أی رفع به تشتت الأهواء و اختلاف الكلمة بین العرب . و بأنّه ألّف بین ذوی الأرحام الخ أی رفع اللّه به الاحقاد و الضغائن و العداوات الّتی بها یقتل الرّجل ابنه و أباه و ذوی رحمه .

    قال الشیخ الطّائفة ( ره ) فی التهذیب : و صدع صلّى اللّه علیه و آله بالرّسالة فی یوم السّابع و العشرین من رجب و له أربعون سنة .

    لا ریب انّه صلّى اللّه علیه و آله بعث و أهل الأرض یومئذ ملل متفرّقة و أهواء منتشرة و طرائق متشتّتة بین مشبه اللّه بخلقه أو ملحد فی اسمه كما أشار إلیه علیّ علیه السّلام فی بعض خطبه الماضیة لا سیما العرب كانوا أصنافا شتى فمنهم من أنكر الخالق و البعث و الاعادة و قالوا ما قال اللّه فی القرآن الكریم عنهم « ما هی إلا حیوتنا الدّنیا نموت و نحیى و ما یهلكنا إلاّ الدّهر » و منهم من اعترف بالخالق سبحانه و أنكر البعث و هم الذین اخبر سبحانه عنهم بقوله : « قال من یحیى العظام و هى رمیم » و منهم من اقر بالخالق و نوع من الاعادة و أنكر الرّسل و عبد الأصنام ، و طائفة منهم زعموا ان

    [ 12 ]

    الأصنام شفعاء عند اللّه فى الآخرة و حجوا لها و نحروا لها الهدى و قربوا لها القربان و هم الذین قال اللّه تعالى عنهم : « و قالوا ما لهذا الرّسول یأكل الطعام و یمشى فی الاسواق » إلى غیر ذلك من المذاهب المشتّتة و الطرق المتبددة و الاهواء السخیفة و الآراء الردیّة فكانوا بمعزل عن الحقّ و الصراط المستقیم و النهج القویم بحیث تشمئز النفوس السلیمة عن استماعها و كیف لا و بنو الحنظلة و هم طائفة من العرب كانوا یصنعون بالرطب أصناما و یعبدونها أیّاما و لما انصرم أوان الرطب أخذوا فی أكلها حتّى لا یبقى من آلهتهم شی‏ء . فبعث اللّه رسوله الخاتم فهداهم به من الضّلالة و انقذهم بمكانه من الجهالة فدعاهم الرّسول صلّى اللّه علیه و آله إلى سبیل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتی هى أحسن و أنار نفوسهم بنور العلم و المعرفة و اثار ما فطروا به فطرة اللّه الّتی فطر الناس علیها و أوقد مصباح عقولهم باذن اللّه تعالى و أمره و وحیه و انزاله الرّوح المقدس علیه فهداهم للتى هی أقوم حتّى انتبهوا و تیقّظوا من رقد الغفلة و الجهالة و صدّقوا كلمته و أجابوا دعوته بان اللّه هو الحق و ان ما یدعون من دونه هو الباطل فرزقوا السّعادة فی الدّارین و بلغوا إلى ما بلغوا فلمّ اللّه به الصّدع و رتق به الفتق و أجمعهم على كلمة واحدة هی كلمة الاخلاص أعنی الكلمة الطیبة لا إله إلاّ اللّه و هی كلمة التّوحید الجامعة لجمیع الكمالات و الفضائل و الخیرات الدنیویّة و الاخرویّة قد أفلح القائل بها .

    و ممّا یلیق ان نذكر فی المقام انموزجا من تنبّههم كما فی السیرة الهشامیّة و الحلبیة ان الأنصار لما قدموا المدینة أظهروا الاسلام و تجاهروا به و كان عمرو بن الجموح من سادات بنی سلمة « بكسر اللام » و اشرافهم و لم یكن اسلم و كان ممّن اسلم ولده معاذ بن عمرو و كان لعمرو بن الجموح فی داره صنم من خشب یقال له المناة لان الدماء كانت تمنى أی تصبّ عنده تقربا إلیه و كان یعظّمه فكان فتیان قومه ممّن أسلم كمعاذ بن جبل و ولده عمرو بن معاذ و معاذ بن عمرو یدلجون باللیل على ذلك الصّنم فیخرجونه من داره و یطرحونه فی بعض الحفر الّتی فیها خرء النّاس منكسا فإذا أصبح عمرو قال و یحكم من عدا على الهنا هذه اللّیلة ثمّ یعود یلتمسه حتّى

    [ 13 ]

    إذا وجده غسله فاذا أمسی عدوا علیه و فعلوا به مثل ذلك إلى أن غسله و طیبه و حماه بسیف علقه فی عنقه ثمّ قال له ما أعلم من یصنع بك فان كان فیك خیر فامتنع فهذا السیف معك فلما امسى عدوا علیه و أخذوا السیف من عنقه ثمّ أخذوا كلبا میتا فقرنوه به بحبل ثمّ القوه فی بئر من آبار بنی سلمة فیها خرء النّاس فلما اصبح عمرو غدا إلیه فلم یجده ثمّ تطلبه إلى أن وجده فی تلك البئر فلما رآه كذلك رجع إلى عقله و كلمه من أسلم من قومه فأسلم و حسن إسلامه و أنشد أبیاتا فی ما جرى علیه و على صنمه .

    و اللّه لو كنت إلها لم تكن
    أنت و كلب وسط بئر فی قرن

    اف لملقاك إلها مستدنّ
    الآن فتشناك عن سوء الغبن

    الحمد للّه العلى ذی المنن
    الواهب الرّزاق دیّان الدّین

    هو الّذی انقذنی من قبل ان
    أكون فی ظلمة قبر مرتهن

    بأحمد المهدی النّبیّ المؤتمن

    ثمّ إنّ هذا الرّجل بلغ فی جلالة شأنه مبلغا استشهد فی غزوة احد و روی عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه ما فیه :

    ففی السیرة الهشامیّة : قال ابن إسحاق و حدّثنى أبى إسحاق بن یسار عن أشیاخ من بنى سلمة أن عمرو بن الجموح كان رجلا أعرج شدید العرج و كان له بنون أربعة مثل الاسد یشهدون مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله المشاهد فلما كان یوم احد أرادوا حبسه و قالوا له : إنّ اللّه عزّ و جلّ قد عذرك فأتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال إنّ بنىّ یریدون أن یحبسونى عن هذا الوجه و الخروج معك فیه فو اللّه إنّى لأرجو أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنّة فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أمّا أنت فقد عذرك اللّه فلا جهاد علیك ، و قال لبنیه : ما علیكم أن لا تمنعوه لعل اللّه أن یرزقه الشهادة فخرج معه فقتل یرم احد .

    و فى مادة « عمر » من سفینة البحار نقلا عن الواقدی : كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج فلمّا كان یوم احد و كان له بنون أربعة یشهدون مع النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله

    [ 14 ]

    المشاهد أمثال الأسد أراد قومه أن یحبسوه و قالوا أنت رجل أعرج و لا حرج علیك و قد ذهب بنوك مع النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله . قال بخ یذهبون إلى الجنّة و أجلس عندكم ؟

    فقالت هند بنت عمرو بن حزام امرأته كأنّی انظر إلیه مولّیا قد أخذ درقته و هو یقول : اللّهمّ لا تردّنی إلى أهلی فخرج و لحقه بعض قومه یكلّمونه فی القعود فأبى و جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال یا رسول اللّه إنّ قومی یریدون أن یحبسونی هذا الوجه و الخروج معك و اللّه إنّی لأرجو أن أطأ بعرجتی هذه فی الجنّة فقال له أمّا أنت فقد عذرك للّه و لا جهاد علیك فأبى . فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لقومه و بنیه : لا علیكم أن لا تمنعوه لعلّ اللّه یرزقه الشهادة فخلّوا عنه فقتل یومئذ شهیدا .

    قال فحملته هند بعد شهادته و ابنها خلاد و أخاها عبد اللّه على بعیر فلما بلغت منقطع الحرة برك البعیر فكان كلما توجه إلى المدینة برك و إذا وجّهته إلى احد أسرع فرجعت إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فأخبرته بذلك . فقال صلّى اللّه علیه و آله : ان الجمل لمأمور هل قال عمرو شیئا ؟ قالت : نعم إنه لما توجه إلى احد استقبل القبلة ثمّ قال : اللّهم لا تردّنى إلى أهلی و ارزقنی الشهادة فقال صلّى اللّه علیه و آله : فلذلك الجمل لا یمضى . ان منكم یا معشر الأنصار من لو أقسم على اللّه لأبرّه منهم عمرو بن الجموح . یا هذه ما زالت الملائكة مظلّة على أخیك « و هو عبد اللّه بن عمرو بن حزام » من لدن قتل إلى الساعة فینظرون أین یدفن .

    ثمّ مكث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی قبرهم ثمّ قال : یا هند قد ترافقوا فی الجنّة جمیعا بعلك و ابنك و أخوك . فقالت هند : یا رسول اللّه فادع اللّه لی عسى أن یجعلنى معهم .

    قال : و كان جابر یقول : لما استشهد أبى جعلت عمتى تبكى فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ما یبكیها ما زالت الملائكة تظلّ علیه بأجنحتها حتّى دفن . و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یوم احد : ادفنوا عبد اللّه بن عمرو بن حزام و عمرو بن الجموح فى قبر واحد .

    فانظر أیّها الطالب نهج الصّواب و السّداد و السائل سبیل المعرفة و الرّشاد كیف تصنع الآیات الالهیّة و الحكم السّماویة و المواعظ القرآنیّة بأهلها حتّى

    [ 15 ]

    الرّجل المتوغل فى الاجسام و المتصلّب فی عبادة الأصنام بلغ إلى مرتبة كأنّه یرى اللّه بعین المعرفة و یعبده و یشتاقه و یقول : بخ بخ یذهبون إلى الجنّة و أجلس عندكم ؟ .

    ثمّ إنّ الرّجل منهم یقتل أولاده خوفا من الفقر فانزل اللّه تعالى و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و ایاهم و الرّجل الآخر یأدبنته و فى المجمع فی التفسیر للطبرسى ( ره ) كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها فان ولدت بنتارمت بها فی الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته .

    و فیه أیضا قال قتادة : جاء قیس بن عاصم التمیمی إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال انى و أدت ثمانی بنات فی الجاهلیّة فقال صلّى اللّه علیه و آله فأعتق عن كلّ واحدة رقبة قال انی صاحب ابل قال فاهد الى من شئت عن كلّ واحدة بدنة . فانزل اللّه تعالى توبیخا و تبكیتا لوائدها و إذا الموؤدة سئلت . بأى ذنب قتلت و قال تعالى فی سورة النحل . و إذا بشّر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودّاً و هو كظیم . یتوارى من القوم من سوء ما بشّر به أیمسكه على هون ام یدسّه فی التراب الآیة و كانوا یفعلون ذلك مخافة الفقر علیهن فیطمع غیر الاكفاء فیهن . و الأخبار و القصص فی قتلهم أولادهم كثیرة و لا نطیل الكلام بذكرها فهداهم اللّه تعالى بارسال الرّسول لطفا منه على العباد فانقذهم من هذه الورطة الهالكة المضلّة و لقّنهم كلمة الحكمة و أرشدهم إلى رحمته بقوله « نحن نرزقكم و ایاهم » و لنعم ما نظمه العارف السعدی

    یكى طفل دندان بر آورده بود
    پدر سر بفكرت فرو برده بود

    كه من نان و برگ از كجا آرمش
    مروّت نباشد كه بگذارمش

    چو بیچاره گفت اینسخن نزد جفت
    نگر تا زن او چه مردانه گفت

    مخور هول إبلیس تا جان دهد
    هم آنكس كه دندان دهد نان دهد

    و أیضا ما كان حیّان من العرب الا و بینهما المعاداة و القتال و اشدّهما عداوة الأوس و الخزرج فببركة نبینا صلّى اللّه علیه و آله صاروا متوادین متحابین و جمع اللّه بمقدمه صلّى اللّه علیه و آله أشتاتهم و ألف بین قلوبهم و قال عزّ من قائل فى سورة الانفال الآیة 62 : هو الّذی

    [ 16 ]

    أیّدك بنصره و بالمؤمنین و ألّف بین قلوبهم لو انفقت ما فى الأرض جمیعا ما ألّفت بین قلوبهم و لكنّ اللَّه ألّف بینهم إنّه عزیز حكیم فی المجمع قال الزّجاج و هذا من الآیات العظام و ذلك ان النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بعث إلى قوم انفتهم شدیدة بحیث لو لطم رجل من قبیلة لطمة قاتل عنه قبیلته فالف الایمان بین قلوبهم حتّى قاتل الرّجل أباه و أخاه و ابنه فأعلم اللّه سبحانه ان هذا ما تولاه منهم الا هو .

    و من تأمّل فی سیرته صلّى اللّه علیه و آله یجد أن دیدنه و شیمته كان ألیف القلوب و اصلاح ذات البین و إیجاد العلقة و الاخوة و المحبّة فى النّاس و رفع تشتت الآراء و اختلاف الكلمة قبل بعثه أیضا و كفاك شاهدا ما جاء فی السیرة الهشامیّة و السیرة الحلبیّة و غیرهما من الكتب المعتبرة المعتمدة عند المسلمین و غیرهم انه لما بلغ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خمسا و ثلاثین سنة جاء سیل حتّى أتى من فوق الرّدم الذی صنعوه لمنعه السبیل فاخربه و دخلها و صدع جدرانها بعد ترهینها من الحریق الذی أصابها و اجتمعت القبائل من قریش و اعدّو البناء البیت نفقة طیبة لیس فیها مهر بغى و لا بیع ربا و لا مظلمة أحد من النّاس و لما بلغ البنیان موضع الحجر الاسود اختصموا كلّ قبیلة ترید ان ترفعه إلى موضعه دون الاخرى حتى اعدوا القتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوأة دما ثم تعاقدواهم و بنو عدى أن تحالفوا على الموت و ادخلوا أیدیهم فی ذلك الدّم فى تلك الجفنة و مكث النّزاع بینهم أربع أو خمس لیال ثمّ اجتمعوا فی المسجد الحرام و كان أبو امیّة بن المغیرة و اسمه حذیفة اسنّ قریش كلّها فقال یا معشر قریش اجعلوا بینكم فیما تختلفون فیه أوّل من یدخل من باب هذا المسجد یقضى بینكم أی و هو باب بنى شیبة و كان یقال له فی الجاهلیة باب بنى عبد الشمس الذی یقال له الآن باب السلام فكان أول داخل منه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلما رأوه قالوا هذا الأمین رضینا هذا محمّد و انهم كانوا یتحاكمون إلیه فى الجاهلیة لأنه كان لا یداری و لا یماری فلما انتهى إلیهم و اخبروه الخبر قال هلمّ إلىّ ثوبا فاتى به و فى روایة فوضع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ازاره و بسطه فى الأرض فأخذ الحجر الأسود فوضعه فیه

    [ 17 ]

    بیده الشّریفة ثمّ قال لتأخذ كلّ قبیلة بناحیة من الثوب ثمّ ارفعوه جمیعا ففعلوا حتّى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو صلّى اللّه علیه و آله فی مكانه حیث هو الآن . و لا یخفى على ذی درایة حسن تدبیره و شیمته فی رفع ذلك الاختلاف و اللّه أعلم حیث یجعل رسالته .

    و امّا ما وعدنا من الاشارة إلى وقعة العرب مع الفرس فی ذی قار فجملة الامر فیه ان كسرى ابرویز ملك العجم خطب بنت نعمان بن المنذر ملك العرب و أبی المنذر عن الاجابة فوقع بینهما خصومة و انجرّ إلى الجدال و القتال إلى أن استولی ارویز علیه و سجنه فی الساباط حتّى مات المنذر فی السجن و فی ذلك یقول الاعشى :

    فذاك و ما انجى من الموت ربه
    بساباط حتّى مات و هو محرزق

    و قتله المنذر صار سببا لاثارة الحرب بین العجم و العرب فی ذى قار و كانت تلك الواقعة فی ذی قار بعد هجرة الرسول صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة و انهزم العجم من العرب باسمه صلّى اللّه علیه و آله مع أنّهم لم یكونوا بمسلمین بعد و ذلك أن الهانی و الحنظلة كانا من رؤساء العسكر من العرب و قالوا لجندهم سمعنا ان رجلا منّا یسمّى محمّدا أتى بشریعة و دین مدّعیا النّبوّة من اللّه و یدعو النّاس إلیه و سمعنا من نطق باسمه فی كلّ واقعة فقد فاز و من كان له حوائج فنطق باسمه فقد قضت و ان ضل عن الطریق فقد هدى ففی حربنا غدا نجعل شعارنا :

    « محمّد معنا و النصر لنا » فلما اصبحوا و استقروا قبال عسكر العجم فاهلوا باسمه « محمّد معنا و النّصر لنا » فظفروا علیهم فهبط جبرئیل إلیه صلّى اللّه علیه و آله و سلم علیه و قال یا رسول اللّه قد غلبت العرب على العجم فی ذی قار باسمك فكبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثلاث كرّات و قال هذا أوّل یوم انتصفت العرب منه و من العجم و باسمی نصروا .

    ثمّ اخبره الجبرئیل القصة كما وقعت فاضبط أصحابه ذلك الیوم و السّاعة و القصّة فلما أخبروا بها وجدوها كما سمعوا .

    ثمّ إنّ ذا قار هذا كان محل نزول علیّ علیه السّلام لما خرج من المدینة متوجها إلى البصرة فی واقعة الجمل . و جملة القول فیه أنّه علیه السّلام بویع فی المدینة یوم الجمعة

    [ 18 ]

    لخمس بقین من ذی الحجة و هو الیوم الذی قتل فیه عثمان فاجتمع المهاجرون و الأنصار فیهم طلحة و الزّبیر فأتوا علیّا علیه السّلام .

    فقالوا و اللّه ما نختار غیرك و لا نجد الیوم أحدا أحق بهذا الأمر منك لا أقدم سابقة و لا أقرب من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فبایعه النّاس إلا نفیرا یسیرا كانوا عثمانیة و كان طلحة أوّل من صعد المنبر و بایع علیا علیه السّلام . ثمّ اتصلت بیعة علیّ علیه السّلام بالكوفة و غیرها من الامصار و كانت أهل الكوفة اسرع إجابة إلى بیعته و أخذ لها البیعة على أهلها أبو موسى الاشعری حتّى تكاثر النّاس علیه و كان علیها عاملا لعثمان و انتزع علیّ علیه السّلام أملاكا كان عثمان اقطعها جماعة من أتباء ، و أقاربه ، و قسم علیّ علیه السّلام ما فی بیت المال على النّاس و لم یفضّل أحدا على أحد ، ثمّ إنّ طلحة و الزّبیر نكثا العهد و البیعة و خرجا إلى مكّة بعد أشهر و كانت حینئذ عائشة بمكة و غرّاها فأغراها طلبا بدم عثمان و صنعوا ما صنعوا حتّى خرجوا فیمن تبعهم إلى البصرة قد خلعوا طاعة علیّ علیه السّلام و بغوا علیه ثمّ سمع علی علیه السّلام مكرهم و خدعتهم و نكثهم فخرج من المدینة إلى الكوفة و كان أحذ منازله ذا قار و فیه خطب تلك الخطبة مخاطبا لاعوانه من أهل الكوفة و غیرهم . و بعث علیّ علیه السّلام من ذی قار ابنه الحسن المجتبى علیه السّلام و عمّار بن یاسر رضوان اللّه علیه لیستنفرا له أهل الكوفة حتّى اقبلت وقعة الجمل و انهزم النّاكثون .

    و كان مسیره علیه السّلام من المدینة إلى البصرة فی سنة ستّ و ثلاثین و فیها كانت وقعة الجمل و ذلك فی یوم الخمیس لعشر خلون من جمادی الاولى منها و كانت وقعة واحدة فی یوم واحد . و قال الطبری فی تاریخه : كان قتالهم من ارتفاع النّهار إلى قریب من العصر و یقال إلى أن زالت الشمس .

    و قد تنازع النّاس فی مقدار ما قتل من الفریقین فی وقعة الجمل فمن مقلل و مكثر فالمقلل یقول قتل منهم سبعة آلاف . و المكثر یقول قتل منهم ثلاثة عشر ألفا و قال الطبری : كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علیّ علیه السّلام و نصفهم من أصحاب عائشة ، و كانت عایشة راكبة على الجمل المسمّى عسكرا فی هودج

    [ 19 ]

    و عرقب الجمل فی ذلك الیوم و وقع الهودج . و قیل انّه كان بین خلافة علیّ علیه السّلام إلى وقعة الجمل و بین أوّل الهجرة خمس و ثلاثون سنّة و خمسة أشهر و عشرة أیام و أمّا تفصیله فیأتی فی باب المختار من كتبه و رسائله علیه السّلام إن شاء اللّه تعالى .

    ثمّ الظّاهر إن هذه الخطبة لجزء خطبة و إن لم نجدها مع الفحص الكثیر بعد و لم یحضرنی جمل الواقدی و لا جمل نصر و مضت خطبة اخرى خطبها علیه السّلام فی ذی قار و هی الخطبة الثالثة و الثلاثون أوّلها فی النهج : و من خطبة له علیه السّلام عند خروجه لقتال أهل البصرة « یعنی فی واقعة الجمل » قال عبد اللّه بن عباس دخلت على أمیر المؤمنین علیه السّلام بذی قار و هو یخصف نعله فقال لی ما قیمة هذه النعل إلى آخرها .

    أقول : اتى ثقة الاسلام الكلینى رضوان اللّه علیه فى الكافى بخطبة عنه علیه السّلام خطبها بذی قار و نقلها الفیض قدّس سرّه فی الوافى « ص 22 م 14 » و لم تذكر فی النّهج فلا بأس بذكرها لكثرة فوائدها و عظم مطالبها و مناسبتها للمقام :

    أحمد عن سعید بن المنذر بن محمّد عن أبیه عن جدّه عن محمّد بن الحسین عن أبیه عن جدّه عن أبیه قال خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام و رواها غیره بغیر هذا الإسناد و ذكر أنّه خطب بذی قار فحمد اللّه و اثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد فانّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بالحق لیخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته و من عهود عباده إلى عهوده و من طاعة عباده إلى طاعته و من ولایة عباده إلى ولایته بشیرا و نذیرا و داعیا إلى اللّه باذنه و سراجا منیرا عودا و بدوا عذرا و نذرا بحكم قد فصّله و تفصیل قد أحكمه و فرقان قد فرقه و قرآن قد بینه لیعلم العباد من ربّهم إذ جهلوه و لیقرّوا به إذ جحدوه و لیثبتوه بعد أن أنكروه فتجلى لهم سبحانه فى كتابه من غیر أن یكونوا رأوه فأراهم حلمه كیف حلم و أراهم عفوه كیف عفا و أراهم قدرته كیف قدر و خوّفهم من سطوته و كیف خلق ما خلق من الآیات و كیف محق من محق من العصات بالمثلات و احتصد مع احتصد بالنقمات و كیف رزق و هدى و اعطى و أراهم حكمه كیف حكم و صبر حتّى یسمع ما یسمع و یرى فبعث اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بذلك .

    ثمّ إنّه سیأتى علیكم من بعدی زمان لیس فى ذلك الزمان شى‏ء أخفى من الحقّ

    [ 20 ]

    و لا أظهر من الباطل و لا أكثر من الكذب على اللّه و على رسوله صلّى اللّه علیه و آله و لیس عند أهل ذلك الزمان سلعة ابور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته و لا سلعة انفق بیعا و لا اغلا ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه و لیس فی العباد و لا فی البلاد شی‏ء هو أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر و لیس فیها فاحشة أنكر و لا عقوبة انكا من الهدى عند الضّلال فى ذلك الزّمان فقد نبذ الكتاب حملته و تناساه حفظته حتّى تمالت بهم الأهواء و توارثوا ذلك من الاباء و عملوا بتحریف الكتاب كذبا و تكذیبا فباعوه بالبخس و كانوا فیه من الزّاهدین ، فالكتاب و أهل الكتاب فی ذلك الزّمان طریدان منفیان و صاحبان مصطحبان فی طریق واحد و لا یؤویهما مؤو ، فحبذا ذانك الصّاحبان و اهالهما و لما یعملان له ، فالكتاب و أهل الكتاب فی ذلك الزّمان فی النّاس و لیسوا فیهم و معهم و لیسوا معهم ، و ذلك لانّ الضّلالة لا توافق الهدى و ان اجتمعا .

    و قد اجتمع القوم على الفرقة و افترقوا عن الجماعة قد ولوا أمرهم و أمر دینهم من یعمل فیهم بالمنكر و المنكر و الرّشا و القتل لم یعظمهم على تحریف الكتاب تصدیقا لما یفعل و تزكیة لفضله و لم یولّوا أمرهم من یعلم الكتاب و یعمل بالكتاب و لكن ولیّهم من یعمل بعمل أهل النّار كانّهم أئمة الكتاب و لیس الكتاب امامهم لم یبق عندهم من الحق إلاّ اسمه و لم یعرفوا من الكتاب إلاّ خطّه و زبره یدخل الداخل لما یسمع من حكم القرآن فلا یطمئن جالسا حتّى یخرج من الدّین ینتقل من دین ملك إلى دین ملك و من ولایة ملك إلى ولایة ملك و من طاعة ملك إلى طاعة ملك و من عهود ملك إلى عهود ملك فاستدرجهم اللّه تعالى من حیث لا یعلمون و إن كیده متین بالأمل و الرّجاء حتّى توالدوا فی المعصیة و دانوا بالجور و الكتاب لم یضرب عن شی‏ء منه صفحا ضلالا تایهین قد دانوا بغیر دین اللّه تعالى و أدانوا لغیر اللّه مساجدهم فی ذلك الزّمان عامرة من الضّلالة خربة من الهدى قد بدّل ما فیها من الهدى ، فقرّاؤها و عمّارها اخائب خلق اللّه و خلیقته من عندهم جرت الضّلالة و إلیهم تعود فحضورهم مساجدهم و المشى إلیها كفر باللّه العظیم إلاّ من

    [ 21 ]

    مشى إلیها و هو عارف بضلالهم فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضّلالة قد بدّلت سنة اللّه و تعدّیت حدوده لا یدعون إلى الهدى و لا یقسمون الفى‏ء و لا یوفون بذمّة یدعون القتیل منهم على ذلك شهیدا فدانوا اللّه بالافتراء و الجحود و استغنوا بالجهل عن العلم و من قبل ما مثلوا بالصالحین كلّ مثلة و سموا صدقهم على اللّه فریة و جعلوا فی الحسنة العقوبة السّیئة .

    و قد بعث اللّه تعالى إلیكم رسولا من أنفسكم عزیز علیه ما عنتّم حریص علیكم بالمؤمنین رؤف رحیم صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و انزل علیه كتابا عزیزا لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حكیم حمید قرآنا غیر ذی عوج لینذر من كان حیّا و یحق القول على الكافرین ، فلا یلهینّكم الأمل و لا یطولنّ علیكم الأجل فانّما أهلك من كان قبلكم امتداد املهم و تغطیة الآجال عنهم حتّى نزل بهم الموعود الّذی تردّ عنه المعذرة و ترفع عنه التوبة و تحل معه القارعة و النقمة و قد ابلغ اللّه تعالى إلیكم بالوعید و فصل لكم القول و علّمكم السّنة و شرع لكم المناهج لیزیح العلّة و حثّ على الذكر و دلّ على النّجاة و انّه من انتصح اللّه و اتخذ قوله دلیلا هداه للتى هى أقوم و وفقه للرّشاد و سدّده و یسّره للحسنى فان جار اللّه آمن محفوظ و عدوّه خائف مغرور فاحترسوا من اللّه بكثرة الذكر و اخشوا منه بالتقوى و تقرّبوا إلیه بالطّاعة فانّه قریب مجیب قال اللّه تعالى : « و إذا سألك عبادى عنّی فانّى قریب اجیب دعوة الدّاع إذا دعان فلیستجیبوا لی و لیؤمنوا بی لعلّهم یرشدون » .

    فاستجیبوا للّه و آمنوا به و عظّموا اللّه الّذى لا ینبغی لمن عرف عظمة اللّه تعالى أن یتعظّم فان رفعة الّذین یعلمون ما عظمة اللّه ان یتواضعوا له و عزّ الّذین یعلمون ما جلال اللّه ان یذلّوا له و سلامة الذین یعلمون ما قدرة اللّه ان یستسلموا له فلا ینكرون انفسهم بعد حدّ المعرفة و لا یضلّون بعد الهدى فلا تنفروا من الحقّ نفار الصّحیح من الأجرب و البارى من ذى السقم .

    و اعلموا علما یقینا انّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذى تركه و لن تأخذوا بمیثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذى نقضه و لن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الّذى

    [ 22 ]

    نبذه و لن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتّى تعرفوا الّذی حرّفه و لن تعرفوا الضّلالة حتّى تعرفوا الهدى و لن تعرفوا التقوى حتّى تعرفوا الّذى تعدى فاذا عرفتم ذلك عرفتم البدع و التكلف و رأیتم الفریة على اللّه و على رسوله و التحریف لكتابه و رأیتم كیف هدى اللّه من هدى ، فلا یجهلنّكم الّذین لا یعلمون فان علم القرآن لیس یعلم ما هو الاّ من ذاق طعمه فعلم بالعلم جهله و ابصر عماه و سمع به صممه و ادرك به علم ما فات و حیى به بعد إذ مات و اثبت عند اللّه تعالى ذكره به الحسنات و محى به السیّئات و ادرك به رضوانا من اللّه تعالى ، فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصّة فانّهم خاصّة نور یستضاء به أئمّة یهتدى بهم و هم عیش العلم و موت الجهل هم الّذین یخبركم حكمهم عن علمهم و صمتهم عن منطقهم و ظاهرهم عن باطنهم لا یخالفون الدّین و لا یختلفون فیه فهو بینهم شاهد صادق و صامت ناطق فهو من شانهم شهداء بالحق و مخبر صادق لا یخالفون الحقّ و لا یختلفون فیه قد خلت لهم من اللّه سابقة و مضى فیهم من اللّه تعالى حكم صادق و فی ذلك ذكرى للذّاكرین ، فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعایة و لا تعقلوه عقل روایة فان روات الكتاب كثیر و رعاته قلیل و اللّه المستعان .

    الترجمة

    از خطبه آنحضرت است كه آن را ذى قار در حالیكه از مكّه متوجّه بسوى بصره بود ( كه در این سفر جنگ جمل پیش آمده ) فرموده است . و این خطبه را واقدى در كتاب جمل ذكر كرده است :

    پس رسول أكرم بدانچه از جانب حق متعال مأمور بود آشكار كرده است و رسالت پروردگار خود را برسانید . پس خداى تعالى بارسال آنحضرت تفرق و پراكندگى مردمان را بهم آورد . و شكاف جمعیتها را التیام و پیوستگى داد .

    و میان خویشان و ارحام پس از آنكه عداوت در سینها جا كرده بود و آتش كینه در دلها شعله میزد الفت داد .


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • تفاسیر نهج البلاغه

    [ 233 ] و من كلام له ع بعد أن أقدم أحدهم عل الكلام فحصر و هو فی فضل أهل البیت و وصف فساد الزمان

    أَلاَ وَ إِنَّ اَللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ اَلْإِنْسَانِ فَلاَ یُسْعِدُهُ اَلْقَوْلُ إِذَا اِمْتَنَعَ وَ لاَ یُمْهِلُهُ اَلنُّطْقُ إِذَا اِتَّسَعَ وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ اَلْكَلاَمِ وَ فِینَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ وَ عَلَیْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ فساد الزمان وَ اِعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ أَنَّكُمْ فِی زَمَانٍ اَلْقَائِلُ فِیهِ بِالْحَقِّ قَلِیلٌ وَ اَللِّسَانُ عَنِ اَلصِّدْقِ كَلِیلٌ وَ اَللاَّزِمُ لِلْحَقِّ ذَلِیلٌ أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى اَلْعِصْیَانِ مُصْطَلِحُونَ عَلَى اَلْإِدْهَانِ فَتَاهُمْ عَارِمٌ وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ وَ قَارِنُهُمْ مُمَاذِقٌ لاَ یُعَظِّمُ صَغِیرُهُمْ كَبِیرَهُمْ وَ لاَ یَعُولُ غَنِیُّهُمْ فَقِیرَهُمْ

    و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الواحد و الثلاثون من المختار فى باب الخطب

    ألا إنّ اللّسان بضعة من الإنسان فلا یسعده القول إذا امتنع ،

    و لا یمهله النّطق إذا اتّسع ، و إنّا لامراء الكلام ، و فینا تنشّبت عروقه ، و علینا تهدّلت غصونه ، و اعلموا رحمكم اللّه أنّكم فی زمان القائل فیه بالحقّ قلیل ، و اللّسان عن الصّدق كلیل ، و اللاّزم للحقّ

    [ 32 ]

    ذلیل ، أهله معتكفون على العصیان ، مصطلحون على الإدهان ، فتاهم عارم ، و شائبهم آثم ، و عالمهم منافق ، و قارئهم مماذق ، لا یعظّم صغیرهم كبیرهم ، و لا یعول غنیّهم فقیرهم .

    اللغة

    ( البضعة ) بالفتح و قد یكسر : القطعة من اللّحم ( فلا یسعده ) أی لا یعینه ( تنشبت ) : تعلقت و فی نسخة انتشبت أی اعتلقت ، و الاولى اولى لمكان تهدّلت كما لا یخفى على العارف بأسالیب الكلام ( تهدّلت غصونه ) : أی تدلّت فروعه ( عكفت ) بالمكان أى أقمت به ملازما له و اعتكف أی احتبس و توقّف و لبث و المعتكف علی العصیان أی الملازم المداوم علیه و الاعتكاف فی الشّرع اللّبث فی مكان مخصوص للعبادة على ما بیّن فی محلّه من الشروط یقال ( اصطلحوا ) على ذلك أی اتفقوا علیه .

    ( الادهان ) : الغش و النفاق و المداراة و الكفر و الرّكون و اظهار خلاف ما تضمر كالمداهنة و المصانعة قال اللّه تعالى فی القلم « ودّوا لو تدهن فیدهنون » و معنى الأخیر هنا أشبه و انسب . ( و الفتى ) الشابّ الحدث .

    و ( العارم ) الشرس الاشر سیی‏ء الأخلاق الموذی البطر و جمعه عرمة كطالب و طلبة و الفعل من كرم و الاصول الثلاثة و ( الشائب ) من الشیب و هو بیاض الشّعر مقابل الفتى .

    ( القاری ) : الناسك المتعبد و قارى‏ء القرآن الكریم و غیره من الصحف و لكن المراد ههنا هو الأوّل أعنی الزاهد المتعبد لانّه فی قبال العالم فی قوله علیه السّلام :

    عالمهم منافق .

    [ 33 ]

    ( مذق ) الودّ لم یخلصه و هو مذّاق ، و ماذقه مذاقا و مماذقة فی الودّ لم یخلص له فهو مماذق أی غیر مخلص ، و الضمیر فی یسعده و یمهله یعود إلى اللّسان و فی امتنع و اتّسع یؤل إلى الانسان .

    الاعراب

    كلمة من للتبعیض ، و الفاء رابطة للجواب بالشرط المقدر ، و التقدیر إذا كان اللّسان بضعة من الانسان فلا یسعده القول إذا امتنع .

    جواب إذا امتنع قدم علیه و هو لا یسعده القول أی إذا كان اللّسان بضعة من الانسان فإذا امتنع اللّسان لا یسعد الإنسان القول ، و كذا الجملة التالیة .

    و اللاّم فی لامراء لام ابتداء تصحب خبر إنّ المكسورة للتأكید فی الجملة المثبتة دون المنفیة إلاّ نادرا و انّما اخرت إلى الخبر لانّ القصد بها التّأكید و ان للتأكید أیضا فكرهوا الجمع بینهما و فی الفیة ابن مالك

    و بعد ذات الكسر تصحب الخبر
    لام ابتداء نحو انى لوزر

    و فینا متعلّق بقوله تنشبت قدّم توسعة للظرف و كذا القیاس فی عینا تهدّلت غصونه .

    جملة رحمكم اللّه معترضة وقع فی البین ، و جملة انكم اه فی محلّ النصب مفعول اعلموا ، و جملة القائل فیه بالحقّ قلیل فی محلّ الجرّ تكون صفة لزمان و الظرفان أعنی فیه و بالحقّ متعلّقان بالقائل و الجملات العشر الآتیة معطوفة على القائل فیه بالحق قلیل فكلّها وقعت صفة لزمان .

    مصطلحون خبر بعد الخبر لأهله .

    المعنى

    هذا الكلام قاله أمیر المؤمنین علیه السّلام فی واقعة اقتضت ذلك و هی أنّه أمر ابن اخته جعدة بن هبیرة المخزومی ان یخطب النّاس یوما فصعد المنبر فحصر و لم یستطع الكلام فقام علیه السّلام فتنسّم ذروة المنبر و خطب خطبة ذكر الرّضى رضوان اللّه

    [ 34 ]

    علیه منها هذه الكلمات .

    و فی اسد الغابة جعدة بن هبیرة بن أبی وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم القرشی المخزومی ولی خراسان لعلیّ علیه السّلام و هو ابن اخته امّه امّ هانی بنت أبی طالب ، ولدت امّ هانی بنت أبی طالب من هبیرة ثلاث بنین جعدة و هانی و یوسف و قیل أربعة ، و قیل إنّ جعدة هو القائل :

    أبی من بنی مخزوم إن كنت سائلا
    و من هاشم امی لخیر قبیل

    فمن ذا الّذی یأتی علىّ بخاله
    كخالی علىّ ذی الندى و عقیل

    و فی مجالس المؤمنین للقاضی نور اللّه نوّر اللّه مرقده : قال عبیدة بن أبی سفیان ذات یوم من أیّام حرب صفین لجعدة بن هبیره إن هذه الشجاعة و الجرأة الّتی تبرز منك فی الحرب إنّما كانت من جانب خالك ، فأجابه لو كان خالك كخالی لنسیت أباك .

    فنقول : لا یخفى أن المدرك بجمیع الإدراكات المنسوبة إلى القوى الانسانیة هو القلب أعنی النفس الناطقة و هی أیضا المحرّكة لجمیع التحریكات الصّادرة عن القوى المحرّكة الحیوانیّة و النباتیّة و الطبیعیة و انّ الحواس الظاهرة و الباطنة كلّها آلات و عمّال و جنود لها بعضها یرى بالابصار و هی الأعضاء و الجوارح و بعضها لا یرى إلاّ بالبصائر و هی القوى و الحواس و جمیع تلك القوى مجبولة على طاعة القلب و مسخرة له و هو المتصرف فیها لا تستطیع له خلافا و علیه تمردا ، فإذا أمر العین للانفتاح انفتحت و إذا أمر الرجل للحركة تحركت و إذا أمر اللّسان بالكلام و جزم الحكم به تكلّم و كذا سائر الاعضاء .

    و قال بعض أهل العرفان كما فی أسفار صدر المتألّهین و تسخیر الأعضاء و الحواس للقلب یشبه من وجه تسخیر الملائكة للّه تعالى فانّهم جبّلوا على الطاعة لا یستطیعون له خلافا و لا یعصون اللّه ما أمرهم و یفعلون ما یؤمرون .

    و قال صاحب اخوان الصفا فی هذا المعنى أی أنّ نسبة القوى إلى النفس كنسبة الملائكة إلى الرّب : قال الملك لحكیم من الجن كیف طاعة الملائكة

    [ 35 ]

    لرب العالمین ؟ قال : كطاعة الحواس الخمس للنفس الناطقة ، قال : زدنی بیانا ،

    قال : ألا ترى أیّها الملك انّ الحواس الخمس فی إدراك محسوساتها و إیرادها أخبار مدركاتها إلى النفس الناطقة لا یحتاج إلى أمر و نهى و لا وعد و لا وعید بل كلما همت به النفس الناطقة بأمر محسوس امتثلت الحاسة لما همت به و أدركتها و أوردتها الیها بلا زمان و لا تأخر و لا إبطاء و هكذا طاعة الملائكة لربّ العالمین الّذین لا یعصون اللّه ما أمرهم و یفعلون ما یؤمرون لأنّه أحكم الحاكمین .

    و قال ذلك العارف : و إنّما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حیث افتقاره إلى المركب و الزاد لسفره الذی لأجله خلق و هذا السفر إلى اللّه و قطع المنازل إلى لقائه فلأجله جبلت القلوب قال تعالى و ما خلقت الجن و الانس إلاّ لیعبدون و إنّما مركبه البدن و زاده العلم و إنما الاسباب الموصلة التى توصله إلى الزاد و تمكّنه من التردد العمل الصّالح فافتقر أولا إلى تعهد البدن و حفظه من الآفات بأن یجلب إلیه ما یوافقه من الغذاء و غیره و بأن یدفع عنه ما ینافیه و یهلكه من أسباب الهلاك فافتقر لأجل طلب الغذاء إلى جندین باطن هو قوّة الشهوة و ظاهر هو البدن و الأعضاء الجالبة للغذاء فخلق فی القلب جنود كثیرة من باب الشهوات كلها تحت قوة الشهوة و خلقت الأعضاء التی هى آلات الشهوة ، و افتقر لأجل دفع الموذیات و المهلكات إلى جندین باطن و هو قوّة الغضب الّذی به یدفع المهلكات و ینتقم من الاعداء و ظاهر و هو الید و الرجل الذی یعمل به بمقتضى الغضب و كلّ ذلك بامور خارجة من البدن كالأسلحة و غیرها .

    ثمّ المحتاج إلى الغذاء إذا لم یعرف الغذاء الموافق لا ینفعه شهوة الغذاء و آلته فافتقر فی المعرفة إلى جندین باطن و هو إدراك البصر و السمع و الذوق و الشم و اللمس و ظاهر و هو العین و الاذن و الأنف و غیرها و تفصیل وجه الحاجة إلیها و وجه الحكمة فیها مما یطول شرحه .

    فجملة جنود القلب یحصرها ثلاثة أصناف أحدها باعث مستحث إمّا إلى جلب المنافع النافع كالشهوة و امّا إلى دفع المضار المنافی كالغضب و قد یعبر عن هذا


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • تفاسیر نهج البلاغه

    [ 234 ] و من كلام له ع

    رَوَى ذِعْلَبٌ اَلْیَمَامِیُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَیْبَةَ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ یَزِیدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْیَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَمِیرِ اَلْمُؤْمنِیِنَ ع وَ قَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ اِخْتِلاَفُ اَلنَّاسِ فَقَالَ إِنَّمَا فَرَّقَ بَیْنَهُمْ مَبَادِئُ طِینِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ یَتَقَارَبُونَ وَ عَلَى قَدْرِ اِخْتِلاَفِهَا یَتَفَاوَتُونَ فَتَامُّ اَلرُّوَاءِ نَاقِصُ اَلْعَقْلِ وَ مَادُّ اَلْقَامَةِ قَصِیرُ اَلْهِمَّةِ وَ زَاكِی اَلْعَمَلِ قَبِیحُ اَلْمَنْظَرِ وَ قَرِیبُ اَلْقَعْرِ بَعِیدُ اَلسَّبْرِ وَ مَعْرُوفُ اَلضَّرِیبَةِ مُنْكَرُ اَلْجَلِیبَةِ وَ تَائِهُ اَلْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اَللُّبِّ وَ طَلِیقُ اَللِّسَانِ حَدِیدُ اَلْجَنَانِ

    [ 46 ]

    و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الاثنان و الثلاثون من المختار فى باب الخطب

    روى الیمانی عن أحمد بن قتیبة عن عبد اللَّه بن یزید عن مالك بن دحیة قال : كنّا عند أمیر المؤمنین علی علیه السّلام و قد ذكر عنده اختلاف النّاس فقال :

    إنّما فرّق بینهم مبادی طینهم ، و ذلك أنّهم كانوا فلقة من سبخ أرض و عذبها ، و حزن تربة و سهلها ، فهم على حسب قرب أرضهم یتقاربون ، و على قدر اختلافها یتفاوتون ، فتامّ الرّواء ناقص العقل ،

    و مادّ القامة قصیر الهمّة ، و زاكی العمل قبیح المنظر ، و قریب القعر بعید السّبر ، و معروف الضّریبة منكر الجلیبة ، و تائه القلب متفرّق الّلبّ ، و طلیق اللّسان حدید الجنان .

    اللغة

    ( الطین ) : التراب ، و الطّینة : القطعة منه ، فی لسان العرب الطین معروف الوحل واحدته طینة ، و الطینة أیضا الخلقة و الجبلّة و فی بعض النسخ طینتهم ، ( الفلقة ) :

    القطعة و الشق من الشى‏ء و جمعه فلق كعنب ، و ( السبخة ) محركة و مسكنة : أرض ذات ملح لا تستعد للنبات و الزرع ، مقابل العذب ، و ( العذب ) ما طاب منها و استعد للنبات ، ( الحزن ) على وزن فلس : ما غلظ من الأرض كالحزنة ، و ( السهل ) من الأرض ضدّ الحزن ، ( الرواء ) بالضم و الهمز كغلام مشتق من روى : حسن المنظر قال المتنبی :

    فارم بی ما اردت منى فانى
    اسد القلب آدمى الرّواء

    [ 47 ]

    ( الهمة ) بالكسر و بالفتح : ما هم به من أمر لیفعل و هممت بالشى‏ء أهمّ هما إذا أردته . ( الزاكى ) : الطیّب الخالص الحسن و الزّكاة صفوة الشی‏ء ،

    ( السبر ) : امتحان غور الجرح و غیره كالاستبار یقال سبرت الرّجل اسبره أی اختبرت باطنه و غوره و السبر فى الاصل ادخال المیل فی الجراحة لمعرفة غورها و یطلق على مطلق الاختبار قال الحریری : فولجت غابة الجمع لا سبر مجلبة الدمع و قال المرزوقی فی شرح الحماسة « 873 » و توسع فی استعماله « یعنی سبرت » حتى وضع موضع جرّبت ، و لذا سمّى الملمول الذی یقدّر به الجرح و غوره مسبارا ،

    و المسبار مفعال من ابنیة الآلات كالمفتاح و من أبیات تلك الحماسة .

    فلقد سمتنى بوجهك و الوصل قروحا أعیت على المسبار ( الضریبة ) : الطبیعة و الخلیقة و جمعها الضّرائب ، قال القتّال الكلابی « حماسة 217 » :

    جلید كریم خیمه و طباعه
    على خیر ما تبنى علیه الضّرائب

    ( الجلیبة ) : ما یجلبه الانسان و یتكلّفه ، المجلوبة و جمعها كالضریبة و المراد بها الخلق الذی یتكلفه الانسان و یستجلبه مثل أن یكون جبانا بالطبع فیتكلف الشجاعة أو شحیحا بالطبع فیتكلف الجود ، ( التائه ) فاعل من التیه بمعنى الحیرة و الضلالة لسان طلق و ( طلیق ) فصیح ذو حدّة ، ( الجنان ) بفتح أوّله : القلب .

    الیمانی هو أبو محمّد ذعلب و هو من شیعته علیه السّلام فی الكافی للكلینی قدّس سرّه فی باب جوامع التوحید و فی الوافی للفیض ص 95 ج 1 بینا أمیر المؤمنین علیه السّلام یخطب على منبر الكوفة إذ قام إلیه رجل یقال له ذعلب ذو لسان بلیغ فی الخطب شجاع القلب فقال یا أمیر المؤمنین هل رأیت ربك فقال ویلك یا ذعلب ما كنت اعبد ربا لم أره فقال یا أمیر المؤمنین كیف رأیته قال ویلك یا ذعلب لم تره العیون بمشاهدة الابصار و لكن رأته القلوب بحقائق الایمان ویلك یا ذعلب ان ربّی لطیف اللّطافة لا یوصف باللّطف الحدیث .

    و ذعلب بالذال المعجمة و العین المهملة كزبرج معناه فی الاصل الناقة السریعة

    [ 48 ]

    ثمّ صار علما للانسان كما أن بكرا فی الأصل فتى الابل ثمّ صار علما لبكر بن وائل .

    الاعراب

    اضافة المبادی إلى الطین بیانیة و یمكن أن تكون بمعنى اللام أی المبادی لطینهم .

    كلمة من بیانیة للفلقة و یمكن أن تكون للتبعیض و ان كان الأوّل أظهر .

    جملة هم یتقاربون مبتداء و خبر و على تتعلّق بالخبر قدمت علیه للتوسع فی الظروف و كذا الجملة التالیة المعطوفة علیها .

    الفاءان سببیّتان فتفیدان التفریع .

    و قوله علیه السّلام : فتام الرّواء إلى آخره من الجملات السبع تفسیر و تفصیل لقوله : یتفاوتون .

    المعنى

    نقدّم عدّة مباحث تبیینا للمراد و تبلیغا إلى الرّشاد مستعینا من اللّه الواهب الفیّاض :

    الاول

    انّ الإنسان كسائر المركبات مركب من العناصر إلا أن بعض المركّبات ذو صورة لا نفس له كالمعدنیات ، و بعضها ذو صورة له نفس غاذیة و نامیة و مولّدة للمثل لا حسّ و لا حركة ارادیة له كالنبات ، و بعضها ذو صورة له نفس غاذیة و نامیة و مولّدة للمثل و حساسة و متحركة بالارادة كالإنسان و سائر الحیوانات المتكونة فی حیز الأرض .

    و انّ العناصر لكلّ واحد منها صورة مضادّة للآخر منها ینبعث كیفیّاته المحسوسة و تلك الكیفیّات هى الحرارة و البرودة و الرّطوبة و الیبوسة الناشئة من اسطقس النّار و الماء و الهواء و الأرض ، فانّ النّار حارّة یابسة و الهواء حارّ رطب

    [ 49 ]

    و الأرض باردة یابسة و الماء بارد رطب و تلك الاسطقسات تسمى الأركان و العناصر أیضا و هذا القول لا ینافی ما ذهبوا إلیه علماء هذه الاعصار من أن هذه الأركان لیست ببسیطة بل كلّ واحد منها مركب من أجزاء اخر و هذه الأركان إذا تصغرت اجزاؤها و تماست و فعل بعضها فی بعض بقواها المتضادّة و كسر كلّ واحد منها سورة كیفیّة الآخر فإذا انتهى الفعل و الانفعال بنیها إلى حدّ ما حدثت لذلك المركّب الممتزج كیفیة متشابهة فی أجزائه و هى المزاج .

    و بعبارة اخرى انّ العناصر إذا اختلطت و امتزجت تفعل كلّ واحدة منها بصورته فى الاخرى و ینفعل فی كیفیّتها عنها و تحصل من تفاعل كیفیّات متضادة موجودة فى عناصر و انكسارها كیفیّة متوسطة وحدانیّة توسطا ما فی حدّ ما متشابه فی أجزائها و هی تسمّى مزاجا فالأرض تفید الكائن تماسكا و حفظا لما یفاده من التشكیل و التخلیق ، و الماء یفید الكائن سهولة قبول التخلیق و التشكیل و یستمسك جوهر الماء بعد سیلانه بمخالطة الأرض و یستمسك جوهر الأرض عن تشتته بمخالطة الماء ، و الهواء و النار ینكسران عنصریّة هذین و یفید انهما اعتدال المزاج ، و الهواء یخلخل و یفید وجود المنافذ و المسام ، و النّار تنضج و تطبخ .

    الثانى

    المزاج الّذی یحصل باختلاط الأركان لا یجوز أن یكون معتدلا حقیقیا سواء كان معدنیا أو نباتیا أو حیوانیا ، لأنّ الاعتدال الحقیقی هو أن یكون المقادیر من الكیفیّات المتضادّة فی الممتزج متساویة و هو ممّا لا یمكن ان یوجد أصلا لانّه إذا حصل شی‏ء من الأركان متساوی المقادیر لا بدّ أن یكون فی الخارج مكان و ذلك المكان ان كان لأحد من الأركان فیلزم الترجیح بلا مرجّح فنقول أى سبب اقتضى أن یكون ذلك المركّب فی هذا المكان دون ذلك ، و امّا أن یكون خارجا من أمكنتها مع انا نرى بالعیان و البرهان أیضا انّه لیس كذلك فلا بدّ أن یكون فی ذلك المركّب واحد من الأركان غالب على غیره حتّى یمیل المركّب إلى المكان اللائق للغالب فإن كان التراب مثلا غالبا فهو یمیل إلى

    [ 50 ]

    مكانه الحرىّ به و هكذا .

    قال الشّیخ فی النّمط الثّانی من الاشارات و انت إذا تعقبت جمیع الأجسام الّتی عندنا وجدتها منتسبة بحسب الغلبة إلى واحد من هذه التی عددناها یعنی بها الأركان ، و قال المحقّق الطوسى فی شرحه : و فیه تعریض بان المركّب من الاجزاء المتساویة من الأركان غیر موجود .

    فإن قلت ألیس یمكن أن یكون مزاج إنسان معتدلا بحیث لا یعتریه أحوال و أسباب منافیة له ممرّضة له من جهة الاخلاط و یجری أفعال البدن دائما على أفعاله الطبیعی و لا یخرج عنه ، بأن یكون إنسان عالما بما یصلح للبدن و ما یفسده من الأغذیة و الأشربة و الأمكنة و الأهویة و غیرها فیجتنب عن كلّ ما ینافیه و یمرضه و یؤذیه و یؤدّى بدل ما یتحلّل غذاء للبدن على وفق المزاج المتوسّط عن حدّى التفریط و الافراط ؟

    قلت هذا ممكن بل ثابت محقق و به یبین سرّ قول المجتبى و الصّادق علیهما السّلام ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم و به یجاب الخصم الألدّ فی بقاء حجّة اللّه فى العالمین بقیّة اللّه فی الأرضین حجّة بن الحسن العسكری روحی لروحه الفداء و نفسی لنفسه الوقاء و هو أحد البراهین العقلیة على ذلك و إن كانت البراهین العقلیّة و النّقلیّة فیه كثیرة ، و بالجملة موت إنسان یحتاج إلى دلیل و یسأل عن السّبب الّذی مات به لا بقائه ، و لكن هذا الاعتدال طور آخر من الاعتدال غیر ما ذكرناه آنفا و الفرق بینهما انّ الأوّل یبحث فى الطبیعیّات من الكتب الحكمیّة و الاعتدال بذلك المعنى ممّا لا یجوز أن یوجد أصلا كما دریت ، و الاعتدال الممكن المحقق هو الّذی یبحث الطبیب عنه و هو بمعنى آخر .

    و لا بأس أن ننقل كلام الشّیخ فی القانون حتّى یتضح المراد أتم إیضاح قال فی أوّل القانون : یجب أن یتسلم الطبیب من الطبیعى أنّ المعتدل على هذا المعنى « أی ما قلنا من حصول الشی‏ء و تركیبه من الأركان متساوی المقادیر » ممّا لا یجوز أن یوجد أصلا فضلا عن أن یكون مزاج إنسان أو عضو إنسان

    [ 51 ]

    و ان تعلم أنّ المعتدل الّذی یستعمله الاطباء فی مباحثهم لیس هو مشتقّا من التعادل الّذی هو التوازن بالسویّة بل من العدل فی القسمة و هو أن یكون قد توفر فیه على الممتزج بدنا كان بتمامه أو عضوا من العناصر بكمیّاتها و كیفیّاتها القسط الّذی ینبغی له فی المزاج الانسانی على أعدل قسمة و نسبة لكنه قد یعرض أن یكون هذه القسمة التى تتوفر على الإنسان قریبة جدا من المعتدل الحقیقی الأوّل .

    الثالث

    ان كلّ نوع من أنواع المركّبات یشتمل على أصناف و كلّ صنف على أشخاص لا حصر لها بحیث نرى لا یتشابه اثنان من الأنواع بل من الانواع بل من الأشخاص لونا و خلقا و خلقا و منطقا و قال عزّ من قائل فی سورة الرّوم و من آیاته خلق السّموات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم إنّ فی ذلك لآیات للعالمین و هذا الاختلاف لا بدّ أن یكون من سبب و ذلك السبب لا محالة مادّی لأنّ المادّة هی منشأ الاختلاف و مثار الكثرة و لذا صار المجرد نوعه منحصرا فی فرده لعدم وجود المادة هناك .

    و ذلك السبّب ماذا ؟ قال العلامة الطوسى فی شرحه على الاشارات : و لیس هذا الاختلاف بسبب الهیولى الاولى و لا بسبب الجسمیّة فانّهما مشتركان یعنی أنّهما مشتركان فی جمیع الاشخاص فلو كان الهیولى أو الجسمیّة سببا للزم أن یكون كلّ شخص من أی نوع من الأنواع یتشابه الآخر لاتحاد السبب ، و لا بسبب المبدء المفارق فانّه موجود أحدیّ الذات متساوى النسبة إلى جمیع المادّیّات فهو إذن بسبب امور مختلفة و الامور المختلفة فی الهیولى بعد الصّورة الجسمیّة هی هذه الصّور الأربع النّوعیّة الّتی أجسامها موادّ المركّبات و الاختلاف لیس بسبب هذه الصّور أنفسها ، لأنّ الاختلاف الّذی یكون بسببها لا یزید على أربعة فهو إذن بحسب أحوالها فى التركیب و فیما یعرض بعد التركیب ، و التّركیب یختلف باختلاف مقادیر الاسطقسات فی القلّة و الكثرة بقیاس بعضها إلى بعض اختلافا لا نهایة له و یختلف ما یعرض بعد التركیب باختلاف ذلك لا محالة فتلك الاختلاف الغیر المتناهیة هی

    [ 52 ]

    أسباب اختلاف المركّبات .

    أقول : و من تلك الأحوال المؤثرة فی اختلاف الاشخاص اختلاف البقاع و الاقالیم و الأمكنة ، لأنّ مقادیر الاسطقسات فی المركّبات یختلف باختلاف عروض البلاد أی قربها من خطّ الاستواء و بعدها عنه فهو یصیر سببا لاختلاف مدار الشمس بحسب الآفاق كما أنّ فی الآفاق الاستوائیة تتحرّك الشمس دولابیا و فی القطبیین رحویا و ما بینهما حمالیا و الآفاق التی عرضها أكثر من المیل الكلّی شمالیّا كان أو جنوبیّا لا تسامت الشّمس رؤوس أهلها قطّ و الآفاق الّتی عرضها بقدر المیل الكلی تسامتها فی الدورة مرّة و التی عرضها أقل و اتی عدیم العرض تسامتها فی الدورة مرتین حین كون میل الشّمس أعنی بعده من معدل النهار مساویا لعرض تلك الآفاق و فی عدیم العرض حین كونها على نقطتى الاعتدال و قرب الشمس و بعدها مؤثر فی أحوال أشخاص تلك الآفاق كما فی ترابها و هوائها و نباتها و عامة ما یوجد فیها و هذا ممّا لا یلیق أن یرتاب فیه فلذلك یكون عامّة أهل الاقلیم الاوّل السود ، و عامّة أهل الاقلیم الثّانی بین السواد و السمرد ، و عامّة أهل الثالث السمر ، و عامّة أهل الرابع بین السمرة و البیض ، و عامّة أهل الخامس البیض و فی الاقلیم السّادس الغالب على أهله الشقرة ، و أهل السّابع لونهم بین الشّقرة و البیاض .

    و كما یكون صفاتهم الظاهریة و ألوانهم مختلفة كذلك أمزجتهم متفاوتة متغیرة فلا محالة اختلاف اللّون و المزاج حاك عن اختلاف من جهة تركیب الاخلاط فإن غلبة الدّم سبب لحمرة لون البدن و غلبة البلغم سبب لبیاضه و غلبة الصفراء لصفرته و غلبة السوداء لسواده و ما بینها متوسطات مسمیات باسامى الألوان الاخر كل ذلك مبرهنة بالبراهین القاطعة فی الكتب المفصّلة الطبیّة لا سیّما فى قانون الشّیخ الرّئیس أبی علیّ بن سینا و شروحها .

    ثمّ اختلفوا فى أنّ أهل أی الاقلیم أعدل مزاجا ، و الصّواب أن أهل الاقلیم الرّابع أعدل من غیرهم فانهم لا محترقون بدوام مسامتة الشّمس رؤوسهم حینا بعد

    [ 53 ]

    تباعدها عنهم كسكان أكثر الثانی و الثالث و لا هم فجّون نیّون بدوام بعد الشمس عن رؤوسهم كسكان آخر الخامس و ما هو أبعد منه عرضا .

    و صرح كثیر من علماء الهیئة و الجغرافیا بأن سكان عرض 66 درجة و ما هو أبعد منه شبیهة بالوحوش و صرّح غیر واحد منهم أیضا بانّ سكان الآفاق الاستوائیة بسبب قرب الشّمس منهم و مسامتتها إیاهم سود مجعّد الشعر خارج عن الاعتدال خلقا و خلقا و لكن الشّیخ الرّئیس ذهب فى القانون إلى خلافه و قال :

    فقد صحّ عندنا أنه إذا كان فى الموضع الموازی لمعدل النّهار عمارة و لم یعرض من الاسباب الأرضیّة أمر مضادّ أعنی من الجبال و البحار فیجب أن یكون سكانها أقرب الأصناف من الاعتدال الحقیقی و انّ الظنّ الّذی یقع أن هناك خروجا عن الاعتدال بسبب قرب الشّمس ظن فاسد فان مسامتة الشّمس هناك أقل نكایة و تغییر الهواء من مقاربتها هاهنا أو الأكثر عرضا مما هاهنا و إن لم تسامت ثمّ سائر أحوالهم فاصلة متشابهة و لا یتضاد علیهم الهواء تضادا محسوسا بل یشابه مزاجهم دائما ثمّ من بعد هؤلاء فأعدل الاصناف سكان الاقلیم الرّابع إلى آخر ما قال . فتأمل

    الرابع

    كما أنّ اختلاف مقادیر الاسطقسات فى القلّة و الكثرة و شدّتها و ضعفها و اختلاف البقاع و الاقالیم و غیرها من الأحوالات المشار إلیها یكون سببا لاختلاف الأمزجة و الألوان و الصّور من الأحوالات الجسمانیّة و المادّیة ، كذلك یكون سببا لاختلاف الصّفات الباطنیّة المعنویة و ذلك لارتباط و اتصال كامل بین النّفس و البدن بحیث یتأثر كلّ واحد منهما عن الآخر كما نرى أنّ النفس یكل بكلال القوى البدنیّة و بالعكس یظهر أحوال النفس فی الأعضاء الظاهریّة ، و فى النّمط الثالث من الاشارات و التنبیهات ما هو كاف فی أداء مقصودنا .

    قال الشّیخ : و له « أی لجوهر النّفس » فروع من قوی منبثة فى أعضائك فاذا احست بشی‏ء من أعضائك شیئا أو تخیلت أو اشتهیت أو غضبت القت العلاقة التی بینها و بین هذه الفروع هیئة فیك حتّى تفعل بالتكرار اذعانا مّا ، بل عادة و خلقا

    [ 54 ]

    یمكّنان من هذا الجوهر المدبر تمكن الملكات كما یقع بالعكس فانّه كثیرا ما یبتدى‏ء فیعرض فیه هیئة مّا عقلیة فتنقل العلاقة من تلك الهیئة أثرا إلى الفروع ثمّ إلى الأعضاء ، انظر إذا استشعرت جانب اللّه عزّ و جلّ و فكرت فی جبروته كیف یقشعر جلدك و یقف شعرك ، و هذه الانفعالات و الملكات قد تكون أقوى و قد تكون أضعف ، و لو لا هذه الهیئات لما كان نفس بعض النّاس بحسب العادة أسرع إلى التهتك و الاستشاطة غضبا من نفس بعض .

    و قوله « فإذا أحست إلى تمكن الملكات » بیان كیفیّة تأثر النّفس عن البدن و قوله « كما یقع بالعكس إلى شعرك » بیان كیفیّة تأثر البدن عن النّفس و قوله « و هذه الانفعالات » إلى آخره اشارة كما فى شرحه للعلامة الطوسی إلى أن هذه الكیفیّات المذكورة فی الجانبین قابلة للشدّة و الضعف و یختلف النّاس بحسبها فی هذه الانفعالات و الملكات ، و ذلك لاختلاف أحوال نفوسهم و أمزجتهم و بحسب تلك الشدّة و الضعف یتفاوتون فى اخلاقهم الفاضلة و الرذلة فیكون بعضهم أشدّ و أضعف استعداد للغضب و بعضهم للشهوة و كذلك فى سائرها .

    ثمّ نقول : و من هنا یمكن أن یستنبط أن السر فی تفاوت الخلایق فی الخیرات و الشرور و اختلافهم فی السعادة و الشقاوة هو اختلاف استعداداتهم و تنوع حقائقهم لتبائن المواد السفلیة فی اللّطافة و الكثافة و اختلاف أمزجتهم فی القرب و البعد من الاعتدال الحقیقی و اختلاف الارواح الّتی بازائها فی الصفاء و الكدورة و القوة و الضعف و ترتب درجاتهم فی القرب من اللّه سبحانه و البعد عنه كما اشیر إلیه فی الحدیث : الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة خیارهم فی الجاهلیّة خیارهم فی الاسلام ، كما نبه إلیه بعض الاعلام .

    فنقول بعد ما اخذت الفطانة بیدك و استحضرت معانی المباحث الاربعة المذكورة فی ذهنك یظهر معانی كلامه علیه السّلام بأنّه كیف صار مبادی طینهم سببا لاختلاف أمزجتهم و صورهم و اخلاقهم و فرق بعضهم عن بعض .

    و إن قلت : إنّه علم فی المباحث المذكورة انّ السبب فی تفرق النّاس فی

    [ 55 ]

    أخلاقهم و خلقهم انما هو اختلاف مبادی خلقتهم من التراب و الماء و الهواء و النّار و غیرها مما مر و لكن الظّاهر فی كلامه علیه السّلام هو الارض فقط فكیف التوفیق ؟

    قلت : أوّلا انها أكثر ممّا یوجد فی المركّبات و لذلك تكون فی حین الارض .

    و ثانیا انّ للتراب أثرا عظیما فی اختلاف أخلاقهم و خلقهم و الاركان الاخر فی الطیب و الخبث تابعة لها و لذا خصها بالذكر دونها و ذلك لانه ممّا یری بالعیان ان الارض العذبة الّتی طیبة ترابها ماؤها عذب طیب و أیضا و كذا هواؤها و الارض السبخة ماؤها مالح و هواؤها تابع لها لا محالة و كذا فی أوصافها الاخر ممّا هو أكثر من أن یحصى فلذلك من نشأ و تولد فی الارض العذبة تكون فی الخلق و الخلق أحسن و أعدل من غیره و الذی تولد فی الارض السبخة یكون ذا مزاج حار یابس و تكون صفاته تابعة لمزاجه و خلقه كما دریت فی المبحث الرابع و كفاك فی ذلك قول اللّه جلّ جلاله فی الاعراف « و البلد الطیّب یخرج نباته باذن ربّه و الذی خبث لا یخرج إلاّ نكدا » الآیة .

    قوله علیه السّلام ( فهم على حسب قرب أرضهم یتقاربون و على قدر اختلافها یتفاوتون ) نحن نرى الاشخاص بالحس و العیان انّ أهل الآفاق الاستوائیة و أهل الآفاق كثیرة العرض مثلا أهل عرض ستین درجة و ما بعدها بینهما فی الخلق و الخلق بون بعید بحیث لو رأی هذا ذلك لیستوحش منه و یتنفر عنه و لم یكن بین أهل الاقلیم الثالث و الرّابع ذلك البعد فیهما ، و كذلك نرى أن بین أهل مبدء الاقلیم الرّابع مثلا و بین من كان فی آخره تشابه و تناسب و تقارب فیهما و هكذا الأقرب فالأقرب و الأبعد فالأبعد و ذلك لما حققناه فی المبحث الثالث فهم حسب قرب أرضهم یتقاربون و على قدر اختلافها یتفاوتون .

    قوله علیه السّلام ( فتام الرّواء ناقص العقل ) من قوله علیه السّلام هذا إلى آخره بیان لقوله یتفاوتون فذكر تفاوت سبع طوائف من النّاس خلقا و خلقا فهذه الاقسام السبعة بعضها یضاد خلقها لاخلاقها و بعضها یلائم و یناسب ، فبدأ بالّتی تضاد و هى خمسة :


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • تفاسیر نهج البلاغه

    [ 235 ]

    وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع قَالَهُ وَ هُوَ یَلِی غُسْلَ رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ تَجْهِیزَهُ بِأَبِی أَنْتَ وَ أُمِّی یَا رَسُولَ اَللَّهِ لَقَدِ اِنْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ یَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَیْرِكَ مِنَ اَلنُّبُوَّةِ وَ اَلْإِنْبَاءِ وَ أَخْبَارِ اَلسَّمَاءِ خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّیاً عَمَّنْ سِوَاكَ وَ عَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ اَلنَّاسُ فِیكَ سَوَاءً وَ لَوْ لاَ أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ وَ نَهَیْتَ عَنِ اَلْجَزَعِ لَأَنْفَدْنَا عَلَیْكَ مَاءَ اَلشُّئُونِ وَ لَكَانَ اَلدَّاءُ مُمَاطِلاً وَ اَلْكَمَدُ مُحَالِفاً وَ قَلاَّ لَكَ وَ لَكِنَّهُ مَا لاَ یُمْلَكُ رَدُّهُ وَ لاَ یُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ بِأَبِی أَنْتَ وَ أُمِّی اُذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ وَ اِجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ

    [ 67 ]

    و من كلام له علیه السّلام و هو المأتان و الثالث و الثلاثون من المختار فى باب الخطب

    قاله علیه السّلام و هو یلى غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و تجهیزه بأبی و أمّی لقد انقطع بموتك ما لم ینقطع بموت غیرك من النّبوّة و الإنباء و أخبار السّماء ، خصصت حتّى صرت مسلّیا عمّن سواك ،

    و عممت حتّى صار النّاس فیك سواء ، و لو لا أنك أمرت بالصّبر ،

    و نهیت عن الجزع ، لأنفدنا علیك ماء الشّؤن ، و لكان الدّاء مما طلا ،

    و الكمد محالفا ، و قلاّ لك ، و لكنّه ما لا یملك ردّه ، و لا یستطاع دفعه ، بأبی أنت و أمّی أذكرنا عند ربّك ، و اجعلنا من بالك .

    اللغة

    ( النّبوّة ) أصله النّبوءة فابدلت الهمزة واوا فادغمت لثقل التلفظ بها عندهم و لذا یبدّلون الهمزة تارة واوا متى كان ما قبله مضموما و تارة الفا إن كان مفتوحا كقوله تعالى آللَّه خیر امّا یشركون و تارة تقلبونه یاء إن كان ما قبله مكسورا كنبیّ لأن أصله النّبی‏ء على مذهب من یهمز و الایمان و غیرهما قال ابن زیّابة التمیمی « حماسة 22 » :

    نبّیت عمرا غارزا رأسه
    فی سنة یوعد أخواله

    و قالوا لولا نزل القرآن بالهمز لما تكلموا به لان التلفّظ به یشبه التهوع عندهم كما قیل ، و تصغیرها نبیة تقول العرب كانت نبیّة مسیلمة نبیّة سوء ، و أصلها

    [ 68 ]

    النبأ و هو الخبر ، و قال الطبرسی فی المجمع فی تفسیر قوله تعالى « الم یاتكم نبؤ الذین من قبلكم قوم نوح و عاد و ثمود » فی سورة إبراهیم : النبأ الخبر عما یعظم شأنه یقال لهذا الأمر نبأ عظیم أی شأن و كذا فی سورة النبأ .

    ( الانباء ) افعال من النبأ یقال أبنأه أى أخبره و فی بعض النسخ الأنباء بالفتح و هو جمع النبأ و فی نسخة اخرى الأنبیاء و هو جمع نبیّ و لكنه لا یناسب اسلوب الكلام كما لا یخفى ، و هذا و هم من النساخ لأنه إن كان الانباء لزم ان تكون كلمة الجار اعنى من بیانا لما فی قوله ما لم ینقطع كما فی اخویه أعنى النبوة و اخبار السماء و یكون الكلام على اسلوب واحد و لو كان الأنبیاء لزم أن یكون من فی النّبوة و أخبار السماء بیانا لما و فی الأنبیاء بیانا لكلمة الغیر فی قوله غیرك فیخرج الكلام عن النظم و الاتّساق .

    ( السماء ) مأخوذ من السموّ و هو العلو و الارتفاع قال الجوهری : السماء كلّ ما علاك فأظلّك و منه قیل لسقف البیت سماء و لفظ السماء هنا مستعار لعالم الغیب و مقامات الملاء الأعلى لعلوه و ارتفاعه معنى من عالم الشهادة .

    ( المسلّى ) من التسلیة یقال سلاّنی من همّی تسلیة أی كشفه عنى .

    ( و الجزع ) بالتحریك : انزعاج النّفس بورود ما یغم فهو نقیض الصبر قوله تعالى فی سورة إبراهیم « سواء علینا اجزعنا أم صبرنا ما لنا من محیص » .

    ( نفد ) الشی‏ء من باب ضرب نفادا إذا فنى قال اللّه تعالى فی آخر الكهف « قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربّى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّى » و الانفاد : الافناء یقال أنفدت الشی‏ء أى افنیته و قرى‏ء بالوجهین قول الشاعر « حماسة 842 »

    فجائوا بشیخ كدّح الشرّ وجهه
    جهول متى ما ینفد السبّ یلطم

    ( ماء الشؤن ) : الدمع ، و الشؤن و الاشؤن جمع الشأن كفلس و افلس و فلوس و قال الجوهری فى الصحاح : الشؤن هی مواصل قبائل الرّأس و ملتقاها و منها تجی‏ء الدموع ، قال ابن السّكیت : الشانان عرقان ینحدران من الرأس إلى الحاجبین ثمّ إلى العینین ، فالشؤن هى منابع الدمع و مجاریها كما فسرها بها المرزوقی

    [ 69 ]

    فی قول ابن هرمة « حماسة 470 » .

    استبق دمعك لا یود البكاء به
    و اكفف مدامع من عینیك تستبق

    لیس الشؤن و إن جادت بباقیة
    و لا الجفون على هذا و لا الحدق

    ( الداء ) : المرض و العلة و المراد به هنا ألم الحزن و اصله دوء لأنّ جمعه أدواء و الجمع كالتصغیر و النسبة یرد الشی‏ء إلى أصله كدار و أدوار و دویرة و دورىّ .

    ( مماطلا ) قال الجوهری : مطلت الحدیدة امطلها مطلا إذا ضربتها و مددتها لتطول و كلّ ممدود ممطول و منه اشتقاق المطل بالدین و هو اللّیّان به یقال مطله و ماطله بحقه فالمراد ان الداء لازمنى و لا یزول عنى فكنى به انه یماطل و یسوف بالزوال و الذهاب و البرء .

    ( الكمد ) بفتحتین : الحزن المكتوم و قال المرزوقى فی شرح الحماسة « حماسة 267 » فی قول الشاعر :

    لو كان یشكى إلى الأموات ما لقى الأحیاء من شدّة الكمد الكمد : حزن و همّ لا یستطاع امضاؤه و قال الدّریدی : هو مرض القلب من الحزن ، یقال كمد یكمد كمدا من باب علم ، و رأیته كامد الوحه و كمد الوجه إذا بان به اثر الكمد و اكمده الحزن اكمادا .

    ( محالفا ) المحالف الحلیف الملازم ، یقال حالفه أى عاهده و لازمه .

    ( لا یستطاع ) الاستطاعة : الاطاقة ، لا یستطاع دفعه أى لا یطاق و لا یقدر علیه و فی الصّحاح و ربما قالوا اسطاع یسطیع یحذفون التاء استثقالا لها مع الطاء و یكرهون ادغام التاء فیها و ربما یتحرك السین و هی لا تحرك أبدا ، و قرء حمزة « فما اسطاعوا أن یظهروه » « سورة الكهف 98 » بالادغام فجمع بین الساكنین « و هما السین الساكنة و التاء المدغمة » و ذكر الاخفش أن بعض العرب یقول استاع یستیع فیحذف التاء استثقالا و هو یرید استطاع یستطیع قال : و بعض یقول اسطاع یسطیع بقطع الالف و هو یرید أن یقول اطاع یطیع و یجعل السین عوضا من ذهاب حركة عین الفعل .

    [ 70 ]

    ( البال ) : القلب و أصله أجوف واوی ، و البال و الخلد یستعملان على طریقة واحدة یقولون وقع فی خلدی كذا و سقط على بالی و خطر ببالی یقال هذا من بال فلان أی ممّا یبالیه و یهتم به .

    الاعراب

    ( بأبی أنت و امّی ) امّی معطوف على أبی أی و بامّی و الباء للتفدیة و الطرفان كلاهما یتعلّقان بمحذوف و التقدیر أنت مفدی بأبی و امّی و هذا التقدیر أولى من افدیك بأبی و امّی لبقاء الجملة على هیئتها و عدم التصرّف فیها ، یقال فداه من باب ضرب وفاداه إذا اعطى فداءه فانقذه من الاسر و نحوه و فداه بنفسه و فداه تفدیة إذا قال له جعلت فداك فقوله علیه السّلام : بأبی أنت و امّی أی جعل أبواى فداءك و الفداء و الفدى و الفدى و الفدیة ما یعطى من مال و نحوه عوض المفدى ( بموتك ) الباء فی كلیهما للسببیّة ( من النبوّة ) كلمة من للتبیین یبین ما فی ما لم ینقطع ( و الانباء و أخبار السماء ) معطوفان على النبوة .

    ( خصصت ) أی خصصت النّاس بمصیبتك أو خصصت فی مصیبتك أو خصّت مصیبتك .

    ( عمّن سواك ) أی مصیبة عمّن سواك ، و كذا قوله علیه السّلام عممت أى عممت النّاس بمصیبتك أو عمّت مصیبتك النّاس حتّى صار النّاس فی مصیبتك سواء ،

    و اضاف الخصوص و العموم إلیه صلّى اللّه علیه و آله مع انهما للمصیبة لكونها بسببه و حذف المضاف و اقیم المضاف إلیه مقامه .

    ( لو لا انّك ) اه لولا هذه لامتناع الشی‏ء لوجود غیره أعنی امتناع جوابها بوجود شرطها و تختص بالاسم و انّ مع ما بعدها فی تأویل مصدر و التقدیر لولا أمرك بالصبر و نهیك عن الجزع لأنفدنا اه و اللام فى لأنفدنا جواب شرط و كذا و لكان الداء معطوفا على انفدنا .

    ( و قلاّ لك ) الضمیر فی قلاّ یعود إلى الداء المماطل و الكمد المحالف لانّ الضمیر یرجع إلى أقرب المراجع مع عدم القرینة و یحتمل أن یرجع إلى انفاد ماء الشؤن

    [ 71 ]

    المستفاد من انفدنا و إلى الداء المماطل و الكمد المحالف بجعلهما واحدا من حیث قربهما معنى ( و لكنه ) اه الضمیر فیه و فی ردّه و دفعه یرجع إلى الموت فی قوله علیه السّلام لقد انقطع بموتك و یمكن أن یرجع إلى البكاء و الحزن المستفاد من الجمل السالفة على ما یأتی بیانه فى المعنى .

    المعنى

    قوله ( بأبی أنت و أمی ) أی جعل أبواى فداك و التفدیة هی كلمة معتادة للعرب تقال لمن یعزّ علیهم حتى انه اعزّ و ارجح عنده من أبویه بحیث یجعلهما فداء له و لو تخییلا فلا یشترط فیها امكان التفدیة إذ لیس الغرض من اطلاقها تحقیق الفدیة و ثبوتها فلا یرد ههنا ان یقال انّ التفدیة بعد موت من یفدى له غیر ممكنة فكیف قال علیه السّلام بأبی أنت و امّی .

    ثمّ انّ ههنا كلاما یناسب المقام و هو أن المستفاد من بعض اخبارنا المرویة عدم جواز قول انسان ان یقول لغیره بأبى أنت و امی إذا كانا مؤمنین حیین كما روى فی الوسال و الخصال على طریقین عن أبی الحسن موسى بن جعفر علیهما السّلام حیث سئل عن الرّجل یقول لابنه أو لابنته بأبی أنت و امّی أو بأبوى أنت أترى بذلك بأسا ؟ فقال علیه السّلام : ان كان أبواه مؤمنین حیین فأرى ذلك عقوقا و ان كانا قد ماتا فلا بأس .

    و ظاهر الخبر یدل على عدم جواز القول بالتفدیة بالابوین إذا كانا مؤمنین حیین فی قبال الولد لان المفدى یكون أحبّ من الفدیة حیث یجعلها فداءه فیلزم أن یكون الأولاد أحبّ و أعزّ من الوالدین و هذا عقوق لهما و خروج عن الأوامر بالبر بالوالدین و النّواهی عن العقوق لهما مع شدة تأكید برهما بحیث جعل فی القرآن الكریم الاحسان بالوالدین قرین عبادة اللّه تعالى و قضى ربّك ألا تعبد الا ایاه و بالوالدین احسانا و غیر ذلك من الآیات و الأخبار و أمّا إذا كانا قد ماتا فلا بأس بذلك لعدم تحقق التفدیة كما إذا كانا حیین غیر مؤمنین أیضا لا بأس به لعدم حرمة لهما حینئذ فمتى كان فی الولد لا یجوز ذلك و فی غیره عدم

    [ 72 ]

    جواز القول بها أولى ، و النّبی صلّى اللّه علیه و آله أولى بالمؤمنین من أنفسهم فضلا عن آبائهم و أولادهم و أموالهم .

    قوله علیه السّلام ( لقد انقطع ) اه أى انقطع بسبب موتك النّبوة و الأخبار و الوحى و لم ینقطع بموت غیرك من الأنبیاء و ذلك لأنّه صلّى اللّه علیه و آله خاتم النّبیّین و آخرهم ختمت النّبوّة به فشریعته باقیة الى یوم القیامة ، فبموته صلّى اللّه علیه و آله انقطع الوحى و النبوة نصّ بذلك عزّ من قائل فی الاحزاب « ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول اللّه و خاتم النبیّین و كان اللّه بكلّ شی‏ء علیما » قرء عاصم بفتح التاء و الباقون من القراء بكسر تاء و على كلا القرائتین یحصل المقصود لأنّ من كسر التاء من خاتم فانه ختمهم فهو خاتمهم ، و من فتح التاء فمعناه آخر النّبیّین لا نبی بعده و فی الصحاح الخاتم بفتح التاء و الخاتم بكسر التاء و الخیتام و الخاتام كلّه بمعنى .

    و فی المجمع و صح الحدیث عن جابر بن عبد اللّه عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال انّما مثلى فی الأنبیاء كمثل رجل بنى دارا فاكملها و حسّنها إلاّ موضع لبنة فكان من دخل فیها فنظر إلیها قال ما احسنها الا موضع هذه اللبنة قال صلّى اللّه علیه و آله فانا موضع اللبنة ختم بی الأنبیاء ، و أورده البخاری و مسلم فی صحیحهما .

    أقول : اتى بهذه الرّوایة العارف المتأله ابن أبی جمهور الاحسائی فی المجلی ص 369 و البراهین القاطعة و المعجزات القاهر عقلا و نقلا فی انه صلّى اللّه علیه و آله خاتم النبیّین كثیرة لا یعتریه ریب و لا یشوبه عیب و لا یرتاب فیه الا من كان فی عقله خبل و فی عینه حول و لا یدعى النبوّة بعده صلّى اللّه علیه و آله إلاّ الكذاب الاشر المفتری الذی غرته الدنیا و باع حظه بالأرذل الأدنى و تغطرس و تردّى فی هواه ، و من اظلم ممن افترى على اللّه كذبا أو قال اوحى إلىّ و لم یوح إلیه شی‏ء و اولئك یلعنهم اللّه و یلعنهم اللاعنون .

    و فی السیرة الحلبیة : ان جبرئیل جاء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى وجعه الذی توفى فیه « إلى أن قال : » و جاء أن جبرئیل علیه السّلام قال هذا آخر وطئى بالأرض ، و فی لفظ آخر : عهدى بالأرض بعدك و لن اهبط إلى الأرض لأحد بعدك .

    [ 73 ]

    قال الحافظ السیوطى و هو حدیث ضعیف جدا و لو صح لم یكن فیه معارضة أى لما ورد انه ینزل لیلة القدر مع الملائكة یصلّون على كلّ قائم و قاعد یذكر اللّه لانه یحمل على انه آخر نزوله بالوحى .

    ثمّ اعترض على السیوطى بان حدیث یوحى اللّه إلى عیسى علیه السّلام أى بعد قتله الدجال صریح فى أنّه یوحى إلیه بعد النزول و الظّاهر أنّ الجائی بالوحى هو جبرئیل علیه السّلام لانه السفیر بین اللّه و رسله انتهى .

    أقول : معلوم عند العقلاء بانّ الوحى بعد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لا یكون وحى نبوّة قطعا و القطع بأن الجائى بالوحى إلى عیسى علیه السّلام هو جبرئیل غیر معلوم .

    و فی الكافی لثقة الاسلام الكلینیّ ( قده ) عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال ان فاطمة علیها السّلام مكثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خمسة و سبعین یوما و كان دخلها حزن شدید على أبیها و كان یأتیها جبرئیل علیه السّلام فیحسن عزاءها على أبیها و یطیب نفسها و یخبرها عن أبیها و مكانه و یخبرها بما یكون بعدها فی ذرّیتها و كان علیّ علیه السّلام یكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة علیها السّلام .

    و كذا فی الكافی باب مشتمل على الاخبار الحاكیة على أنّ الملائكة تدخل بیوتهم و تطأ بسطهم و تأتیهم بالاخبار و هم علیهم السّلام مختلف الملائكة « ص 146 م 2 من الوافی » .

    ثمّ انّ الانباء و اخبار السّماء و ان كانا متقاربى المعنى لكنّه لا یبعد ان یقال : ان المراد من أخبار السماء هو الوحى الذی اوحى إلیه صلّى اللّه علیه و آله من اللّه تعالى و المراد من الانباء ما أخبر هو صلّى اللّه علیه و آله النّاس و أنبأهم به .

    قوله علیه السّلام ( خصصت حتّى صرت مسلیا عمّن سواك ) أى خصصت فى مصیبة من حیث انّها مصیبة خاصّة عظیمة و داهیة دهیاء لا یصاب النّاس بمثلها فلذلك صارت مسلیة عن غیرها من المصائب و كل مصیبة دونها و إن كانت كبیرة لصغیرة بل لا یعبأ بها و كیف لا و هو خاتم النبیّین و اشرف المخلوقین و كان نبیّ الرّحمة و قال اللّه تعالى « لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزیز علیه ما عنتّم حریص علیكم

    [ 74 ]

    بالمؤمنین رؤف رحیم » فاىّ مصیبة أعظم من تلك المصیبة للعالمین .

    فأشار علیه السّلام بانه لیس لنا مصیبة غیرها لانها مسلیة عن غیرها كما قال علیه السّلام فی الخطبة المأتین عند دفن فاطمة علیها السّلام كالمناجی به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عند قبره :

    الا ان فی التأسی لی بعظیم فرقتك و فادح مصیبتك موضع تعزّ .

    فی الكافی عن أبی جعفر علیه السّلام قال ابن اصبت بمصیبة فی نفسك أو فی مالك أو فی ولدك فاذكر مصابك برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فان الخلائق لم یصابوا بمثله قطّ .

    و فیه أیضا سلیمان عمرو النخعی عنه علیه السّلام قال من اصیب بمصیبة فلیذكر مصابه بالنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فانها أعظم المصائب .

    و فیه أیضا عبد اللّه بن الولید الجعفی عن رجل عن أبیه قال : لما اصیب أمیر المؤمنین علیه السّلام نعى الحسن إلى الحسین علیهما السّلام و هو بالمدائن فلما قرأ الكتاب قال یا لها من مصیبة ما أعظمها مع أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال من أصیب منكم بمصیبة فلیذكر مصابه بى فانه لم یصاب بمصیبة أعظم منها و صدق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

    و فی الوسائل الحسین بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من اصیب بمصیبة فلیذكر مصیبته فیّ فانه اعظم المصائب .

    و روى الشیخ زین الدین فی كتاب مسكّن الفؤاد عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا أصاب أحدكم بمصیبة فلیذكر مصیبته بى فانها ستهون علیه .

    و عنه صلّى اللّه علیه و آله انه قال من عظمت عنده مصیبة فلیذكر مصیبته بى فانّها ستهون علیه .

    و عنه صلّى اللّه علیه و آله انّه قال فى مرض موته أیّها النّاس ایّما عبد من امّتى اصیب بمصیبة من بعدی فلیتعزّ بمصیبته بى عن المصیبة التی تصیبه بعدى فان أحدا من امّتى لن یصاب بمصیبة بعدى اشد علیه من مصیبتى و غیر ذلك من الأخبار المرویة فى الباب من كتب علمائنا الاقدمین رضوان اللّه علیهم أجمعین .

    و فسر الشّارح المعتزلى كلامه علیه السّلام بوجه آخر حیث قال : قوله علیه السّلام خصصت ، أی خصت مصیبتك أهل بیتك حتّى أنهم لا یكترثون بما یصیبهم بعدك من

    [ 75 ]

    المصائب و لا بما أصابهم من قبل انتهى .

    و مختارنا ان تلك المصیبة لها خصوصیّة و مرتبة بحیث صارت مسلیة عن غیرها من المصائب الواردة على المسلمین سواء كان من أهل بیته صلّى اللّه علیه و آله أولا و لا یخفى رجحانه ان لم نقل بتعیینه و عدم صحة غیره ، و الأخبار المذكورة آنفا أصدق شاهد فی ذلك و العلامة المجلسی ( ره ) فی البحار و ابن میثم و غیره فی شرح النهج اختار و اما اخترناه .

    قوله علیه السّلام ( و عممت حتّى صار النّاس فیك سواء ) أی عممت النّاس بمصیبتك یعنى أن مصیبتك شملت جمیع المسلمین بحیث لا یكون أحد فارغا عنها .

    قوله علیه السّلام ( و لو لا أنك امرت اه ) أی لو لا امرك بالصبر فی قبال المصائب و حدثان الدهر و نهیك عن الجزع فی إزاء نوائب الایام لبكینا حتّى لا یبقى من الدّموع فی مجاریها و منابعها شى‏ء ، و هذا كنایة عن كثرة البكاء ، و لكان الألم و الحزن فى مصیبتك و فراقك ملازما غیر مفارق ، على ان انفاد الدمع و مماطلة الداء و ملازمة الحزن قلا لك بل ینبغی أن یكون البكاء و الحزن فى مصیبتك أشد و أكثر من ذلك .

    ثمّ إنّه علیه السّلام أشار من قوله هذا : و لو لا انك آه ، الى العذر فى ترك البكاء و الحزن بأن أمره صلّى اللّه علیه و آله بالصبر و نهیه عن الجزع ألزمنى على ذلك و منعنى على البكاء و الألم الامر و النّهى فى كلامه علیه السّلام لیسا محمولین على الوجوب و الحرمة لان النوح فى المصیبة إذا لم یكن بالباطل و لم یكن ما یسخط الربّ تعالى لیس بمحرم بل یستحب البكاء لموت المؤمن لا سیما لموت المؤمن الفقیه .

    و فى الفقیه انّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله حین جاءته وفاة جعفر بن أبى طالب و زید بن حارثة كان إذا دخل بیته كثر بكاؤه علیهما جدا و یقول كانا یحدثانى و یؤنسانى فذهبا جمیعا .

    و فیه أیضا لما انصرف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من وقعة احد إلى المدینة سمع من كلّ دار قتل من أهلها قتیل نوحا و بكاء و لم یسمع من دار حمزة عمّه فقال صلّى اللّه علیه و آله لكن حمزة لابواكى علیه فآلى أهل المدینة ان لا ینوحوا على میت و لا یبكوه حتّى یبدأوا بحمزة فینوحوا علیه و یبكوه فهم إلى الیوم على ذلك .

    [ 76 ]

    و فی الكافی لما مات إبراهیم ابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله حزنا علیك یا إبراهیم و انا لصابرون یحزن القلب و تدمع العین و لا نقول ما یسخط الربّ و غیرها من الأخبار فی كتبنا القیّمة الدالّة على بكاء فاطمة على أبیها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و بكاء علیّ علیه السّلام علیهما و بكاء سیّد السّاجدین على سیّد الشهداء علیهما السّلام .

    بل یستفاد من جملة تلك الأخبار جواز شق الثوب على الأب و الأخ و القرابة كما روى أنّه لما قبض علیّ بن محمّد العسكری علیهما السّلام رؤى الحسن بن علیّ علیهما السّلام و قد خرج من الدار و قد شق قمیصه من خلف و قدام .

    نعم مضمون بعض تلك الأخبار النّهى عن الصراخ بالویل و العویل و لطم الوجه و الصّدر و جزّ الشعر من النواصی و ثبوت الكفّارة فى بعض الصور .

    ثمّ انّ الروایات كثیرة فى التعزى و التسلّى و استحباب احتساب البلاء و الصبر فى المصائب و ترك الجزع مما لا یعدّ و لا یحصى على أنّ اللّه جلّ جلاله قال : « و بشّر الصّابرین الذین إذا اصابتهم مصیبة قالوا إنّا للَّه و إنّا إلیه راجعون » .

    و فى الفقیه قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أربع من كن فیه كان فى نور اللّه عزّ و جلّ الاعظم : من كان عصمة أمره شهادة ان لا إله إلاّ اللّه و انى رسول اللّه ، و من إذا أصابته مصیبة قال إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ، و من إذا أصاب خیرا قال الحمد للّه ربّ العالمین و من إذا أصاب خطیئة قال أستغفر اللّه و أتوب إلیه .

    و فى الكافى قال فضیل بن میسر كنا عند أبى عبد اللّه علیه السّلام فجاءه رجل فشكى إلیه مصیبة اصیب بها فقال له أبو عبد اللّه علیه السّلام امّا انّك ان تصبر توجر و ان لم تصبر مضى علیك قدر اللّه الذی قدر علیك و أنت مأزور ، و غیرهما من الأخبار الواردة فى المقام .

    و لا یخفى انّ الصبر فى المصائب حسن جمیل جدا لأنّ الغمّ و الحزن و الاضطراب تورث أمراضا كثیرة من خلل فى الدّماع و الصداع و السهر و الفالج و اللقوة و الرعشة و الهزال فى الجسم و كلال فى البصر و بالخلل فى الدّماغ تحدث الافة فى الأفعال الدماغیّة من الفكر و التخیل و التذكر و الحركات الارادیة و غیرها

    [ 77 ]

    لأنّ مقدم البطن المقدم من الدّماغ موضع الحس المشترك و هو المدرك للصور الجزئیة المحسوسة بادراك الحواس الظاهرة ، و مؤخّر البطن المقدم لخزانة الحسّ المشترك المسماة بالخیال ، و فی الخیال تحفظ الصور المرتسمة إذا غابت عن الحواس الظاهرة ، و البطن الاوسط من الدماغ موضع الوهم و هو القوة المدركة للمعانی الجزئیّة القائمة بتلك الصور و خزانتها الحافظة و هى قوة تحفظ ما یدركه الوهم من المعانی الجزئیة و موضعها البطن المؤخر من الدماغ . و من المدركات المتصرفة و هی قوّة تارة تركب بعض الصور مع بعض كتخیل إنسان ذی جناحین أو بعض المعانی مع بعض كتخیل هذه الصّداقة مع هذه العداوة أو بعض المعانی مع بعض الصور كتخیل صداقة جزئیة لزید و تارة تفصل بعض الصور عن بعض كتخیل انسان بلا رأس و هكذا و هذه القوّة موضعها الدماغ كلها لعموم تصرفها ان سلطنتها فی الوسط على ما برهن و بین مفصلا و مشروحا فی محله و كذلك الأفعال الصادرة عن القوى كلّها تكون بالاعصاب و هى تتصل بالدماغ و متى صار مأوفا تحدث الآفة فی أفعالها .

    و فی مادة « جذم » من سفینة البحار أنّ كثرة الهموم تولّد المواد السوداوبة المولدة للجذام .

    و فى شرح النفیس : الغم كیفیّة نفسانیّة تتبعها حركة الرّوح و الحرارة الغریزیّة إلى داخل البدن خوفا من الموذی الواقع و هى لتكاثف الرّوح بالبرد الحادث عند انتفاء الحرارة الغریزیّة لشدّة الانقباض و الاختناق یتبعها ضعف القوى الطبیعیّة و یلزمه قلة تولید بدل ما یتحلل من الدّم و الرّوح البخارى و كثرة التحلل منهما لعجز القوّة عن حفظهما عن التحلل فیحدث الجفاف فیتبعها الهزال و الصداع و أمراض اخر و كذا السهر فانه یجفف لكثرة تحلل الرطوبات بالحرارة الحادثة عن حركة الأرواح إلى جهة الظاهر و عن حركة الحواس فى ادراكاتها عن الحركات الارادیة لكن تأثیرها فى الدماغ یكون أكثر و اقوى لانه مبدء الحواس و الحركات فیتولد منها علل ردیة .

    و بالجملة الأمراض التابعة للحزن و الغم أكثر أن تحصى فبالحرىّ ان

    [ 78 ]

    یصبر الانسان فى نوائب الدهر و لا یلقى بیده إلى التهلكة مع أن الجزع لا فائدة فیه یكون مورثا لتلك الأمراض المزمنة و لذلك كله امر فى الشرع بالصبر و نهى عن الجزع .

    قوله علیه السّلام ( و لكنه ما لا یملك ردّه و لا یستطاع دفعه ) استدرك علیه السّلام تسلیة لنفسه و لغیره بقوله و لكن الموت الذی لاجله البكاء و الحزن مما لا یملك و لا یقدر ردّه و لا یطاق دفعه فلا فائدة فى الجزع و البكاء و الحزن فصبر جمیل و الاحتساب حسن و ما أحسن السعدی بقوله :

    خبر دارى اى استخوان قفس
    كه جان تو مرغى است نامش نفس

    چون مرغ از قفس رفت و بگسست قید
    دگر ره نگردد بدام تو صید

    و یمكن أن یعود الضمیر فى لكنه ورده و دفعه إلى الأمر الذی هو البكاء و الحزن و یكون تمهیدا للعذر على البكاء و الحزن مع انّه صلّى اللّه علیه و آله أمر بالصبر و نهى عن الجزع فقال علیه السّلام ان البكاء و الحزن بهذا المقدار الذی صدر منا مما لا نملك على رده و لسنا بقادر على دفعه كما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لما مات ابنه إبراهیم و هملت عینه بالدموع : یحزن القلب و تدمع العین و لا نقول ما یسخط الرّب .

    قوله علیه السّلام ( بأبى أنت و امى اذكرنا عند ربك و اجعلنا من بالك ) أعاد التفدیة إعزازا و تعظیما له صلّى اللّه علیه و آله و إبرازا لما فى الضمیر كرة بعد كرة توكیدا من أنّه صلّى اللّه علیه و آله احب النّاس إلیه بحیث یجعل أبویه فداءه ثمّ سأله و التمس منه أن یذكره عند ربه و ان یجعله من باله ، یعنى أن یكون فى قلبه صلّى اللّه علیه و آله بمنزلة و مكانة بحیث یهتمّ به و لا ینساه عند ربه .

    و یؤید ما فى الروایة المنقولة فى البحار : و اجعلنا من همك ، مكان من بالك و فى اخرى من بالك و همك بجمع كلیهما و سنذكرهما باسرهما ، و غایة مأموله علیه السّلام ان یذكر بلسان خاتم الأنبیاء صلّى اللّه علیه و آله عند اللّه تبارك و تعالى و من رزق نور المعرفة یدرك علوّ شأنه و جلالة قدره من امله هذا نعم إن العبد یلتذ أن یذكر عند اللّه و لا یرجو سواه و الحبیب یحب أن یذكر اسمه عند الحبیب و یذكر الحبیب عنده و یلهج لسانه بذكره و یقول یا رب أذقنى حلاوة ذكرك .

    [ 79 ]

    وفاة رسول اللّه ( ص ) و الاقوال فى یوم وفاته و مبلغ سنه حینئذ و من یلى غسله و تجهیزه

    قال الطبرسی فی المجمع و الزمخشری فی الكشاف قال مقاتل لما نزلت سورة الفتح قرأها صلّى اللّه علیه و آله على أصحابه ففرحوا و استبشروا و سمعها العبّاس فبكى فقال صلّى اللّه علیه و آله ما یبكیك یا عمّ ؟ فقال : اظن انه قد نعیت إلیك نفسك یا رسول اللّه فقال انه لكما تقول فعاش بعدها سنتین ما رؤى فیهما ضاحكا مستبشرا قال : و هذه السّورة تسمى سورة التودیع .

    و فی المجمع قال ابن عبّاس لما نزلت إذا جاء نصر اللّه و الفتح قال : نعیت إلى نفسى بانها مقبوضة فی هذه السنة اختلف فی انهم من أى وجه علموا ذلك و لیس فی ظاهره نعى فقیل لانّ التقدیر فسبح بحمد ربك فانّك حینئذ لاحق باللّه و ذائق الموت كما ذاق من قبلك من الرّسل و عند الكمال یرقب الزوال كما قیل :

    إذا تمّ أمر بدا نقصه
    توقّع زوالا إذا قیل تمّ

    و قیل لأنّه سبحانه أمره بتجدید التوحید و استدراك الفائت بالاستغفار و ذلك مما یلزم عند الانتقال من هذه الدار إلى دار الأبرار ، و عن عبد اللّه بن مسعود قال لما نزلت السورة كان النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله یقول كثیرا سبحانك اللّهمّ و بحمدك اللّهمّ اغفر لی إنّك أنت التّواب الرّحیم ، و عن امّ سلمة قالت كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالأخرة لا یقوم و لا یقعد و لا یجى‏ء و لا یذهب الا قال : سبحان اللّه و بحمده استغفر اللّه و اتوب إلیه فسألناه عن ذلك فقال صلّى اللّه علیه و آله انّى امرت بها ثمّ قرأ : إذا جاء نصر اللّه و الفتح ، و فی روایة عائشة انه كان یقول سبحانك اللّهمّ و بحمدك استغفرت و اتوب إلیك .

    و فی الكشاف فی هذه السورة : و عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله انه دعا فاطمة علیها السّلام فقال یا بنتاه انه نعیت إلىّ نفسى فبكت فقال لا تبكى فانك اول أهلى لحوقابى .

    و قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه بإسناده عن أبی مویهبة مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : بعثنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من جوف اللیل فقال لی : یا أبا مویهبة انى قد امرت ان استغفر لأهل البقیع فانطلق معى ، فانطلقت معه فلما وقف بین أظهرهم قال :

    [ 80 ]

    السّلام علیكم أهل المقابر لیّهن لكم ما أصبحتم فیه ممّا أصبح النّاس فیه اقبلت الفتن كقطع اللّیل المظلم یتبع آخرها أوّلها الآخرة شرّ من الاولى ثمّ أقبل علىّ فقال یا أبا مویهبة انی قد اوتیت مفاتیح خزائن الدّنیا و الخلد فیها ثمّ الجنّة خیّرت بین ذلك و بین لقاء ربّی و الجنّة فاخترت لقاء ربّی و الجنّة قال : قلت بأبی أنت و امّی فخذ مفاتیح خزائن الدّنیا و الخلد فیها ثمّ الجنّة فقال : لا و اللّه یا أبا مویهبة لقد اخترت لقاء ربّی و الجنّة ثمّ استغفر لأهل البقیع ثمّ انصرف فبدى‏ء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بوجعه الّذی قبض فیه .

    و فیه عن عائشة زوج النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قالت رجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من البقیع فوجدنی و أنا اجد صداعا فی رأسی و أنا أقول : وا رأساه ، قال بل أنا و اللّه یا عائشة وا رأساه ثمّ قال ما ضرّك لومتّ قبلی فقمت علیك و كفّنتك و صلّیت علیك و دفنتك فقلت : و اللّه لكأنّی بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بیتی فاعرست ببعض نسائك قالت :

    فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و تنام به وجعه و هو یدور على نسائه حتّى استعزّ به و هو فی بیت میمونة فدعا نساءه فاستأذنهن ان یمرّض فی بیتی فإذنّ له فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بین رجلین من أهله أحدهما الفضل بن العبّاس و رجل آخر تخطّ قدماه الأرض عاصبا رأسه حتّى دخل بیتی .

    ثمّ قال الطبری بعد نقل هذا الخبر عن عائشة : قال عبید اللّه فحدثت هذا الحدیث عنها عبد اللّه بن عبّاس فقال : هل تدرى من الرّجل یعنی به الرّجل الآخر الذی كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بینهما فی حدیث عائشة قلت لا قال علیّ بن أبیطالب و لكنّها أی عایشة كانت لا تقدر على أن تذكره أی علیّا علیه السّلام بخیر و هی تستطیع ، انتهى .

    و قال أبو جعفر الطبری بإسناده إلى الفضل بن عبّاس قال : جاءنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فخرجت إلیه فوجدته موعوكا قد عصب رأسه فقال خذ بیدى یا فضل فأخذت بیده حتّى جلس على المنبر ثمّ قال : نادفی النّاس ، فاجتمعوا إلیه فقال :


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه

    [ 93 ]

    كلّ باب منها ألف باب .

    و فی الكافی عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال كان فی ذؤابه سیف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله صحیفة صغیرة فقلت لأبى عبد اللّه علیه السّلام أى شى‏ء كان فى تلك الصحیفة قال :

    هى الاحرف الّتى یفتح كلّ حرف ألف حرف قال أبو بصیر : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فاخرج منها حرفان حتّى الساعة .

    و فیه عن یونس بن رباط قال دخلت أنا و كامل التمار على أبى عبد اللّه علیه السّلام فقال له كامل جعلت فداك حدیث رواه فلان فقال اذكره فقال : حدثنى انّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله حدّث علیّا علیه السّلام بألف باب یوم توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كلّ باب یفتح ألف باب فذلك ألف ألف باب فقال لقد كان ذلك قلت جعلت فداك فظهر ذلك لشیعتكم و موالیكم فقال یا كامل باب أو بابان فقلت له جعلت فداك فما یروى من فضلكم من ألف ألف باب إلاّ باب أو بابان قال : فقال : و ما عسیتم أن ترووا من فضلنا ما تروون من فضلنا إلاّ ألفا غیر معطوفة .

    بیان ، قال الفیض ( ره ) فى الوافى : من فضلكم ، أى من علمكم الفا غیر معطوفة یعنى الا حرفا واحدا ناقصا أى أقل من حرف واحد و انما اختار الألف لانه أقلّ الحروف و ابسطها و اخفها مؤنة و عدم عطفها كنایة عن نقصانها فانها تكتب فى رسم الخط الكوفى هكذا « ا » فاذا كان طرفها غیر مائل كان ناقصا .

    و فى السیرة الحلبیة : أعتق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى مرضه هذا أربعین نفسا و كانت عنده صلّى اللّه علیه و آله سبعة دنانیر أو ستة فأمر عائشة أن تتصدق بها بعد أن وضعها صلّى اللّه علیه و آله فى كفه و قال : ما ظن محمّد بربه أن لو لقى اللّه و هذه عنده فتصدقت بها ، و قال : و فى روایة أمرها بارسالها إلى علىّ علیه السّلام لیتصدق بها فبعث إلیه فتصدق بها بعد وضعها فى كفّه .

    ثمّ قال : و قد كان العبّاس رضى اللّه عنه قبل ذلك بیسیر رأى أن القمر قد رفع من الأرض إلى السماء فقصّها على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال له : هو ابن أخیك ، و نعم ما قاله الحافظ :

    [ 94 ]

    ستاره‏اى بدرخشید و ماه مجلس شد
    دل رمیده ما را أنیس و مونس شد

    قال المجلسى ( ره ) فى البحار و غیره من نقلة الآثار : انّه مما أكّد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لأمیر المؤمنین علىّ علیه السّلام من الفضل و تخصیصه منه بجلیل رتبته ماتلا حجّة الوداع من الامور المجددة لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و الاحداث التى اتفقت بقضاء اللّه و قدره .

    و ذلك انّه صلّى اللّه علیه و آله تحقق من دنوّ أجله ما كان قدم الذكر به لامّته فجعل صلّى اللّه علیه و آله یقوم مقاما بعد مقام فى المسلمین یحذرهم الفتنة بعده و الخلاف علیه و یؤكّد وصایتهم بالتمسك بسنته و الاجماع علیها و الوفاق ، و یحثهم على الاقتداء بعترته و الطاعة لهم و النصرة و الحراسة و الاعتصام بهم فى الدین ، و یزجرهم عن الاختلاف و الارتداد .

    و كان فیما ذكره من ذلك ما جاءت به الروایة على اتفاق و اجتماع قوله صلّى اللّه علیه و آله :

    یا أیّها النّاس انّى فرطكم و أنتم واردون على الحوض ألا و إنّى سائلكم عن الثقلین فانظروا كیف تخلفونى فیهما فان اللطیف الخبیر نبأنى أنهما لن یفترقا حتّى یلقیانى و سألت ربّى ذلك فأعطانیه الأوانى قد تركتهما فیكم كتاب اللّه و عترتى أهل بیتى فلا تسبقوهم فتفرقوا و لا تقصروا عنهم فتهلكوا و لا تعلموهم فانهم أعلم منكم ، أیّها النّاس لا الفینّكم بعدى ترجعون كفارا یضرب بعضكم رقاب بعض فتلقونى فى كتیبة كبحر السیل الجرار ، ألا و إن علىّ بن ابیطالب أخى و وصیّى یقاتل بعدى على تأویل القرآن كما قاتلت على تنزیله .

    و قال أبو جعفر الطبرى فى تاریخه : ثمّ ضرب صلّى اللّه علیه و آله فى المحرم من سنة احدى عشرة على النّاس بعثا إلى الشّام و أمّر علیهم مولاه و ابن مولاه اسامة بن زید بن حارثة و أمره أن یوطى‏ء الخیل تخوم البلقاء و الدّاروم من أرض فلسطین فتهجز الناس و أوعب مع اسامة المهاجرون الأوّلون ، فبینا النّاس على ذلك ابتدى‏ء صلّى اللّه علیه و آله شكواه الّتى قبضه اللّه عزّ و جلّ فیها إلى ما أراد به من رحمته و كرامته فى لیال بقین من صفر أو فى أوّل شهر ربیع الأوّل .

    و قال الطبرى باسناده عن أبی مویهبة مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : رجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة بعد ما قضى حجّة التمام فتحلل به السیر و ضرب على النّاس بعثا و امّر

    [ 95 ]

    علیهم اسامة بن زید و أمره أن یوطى من آبل الزیت من مشارف الشام الأرض بالاردنّ فقال المنافقون فی ذلك و ردّ علیهم النبیّ صلّى اللّه علیه و آله انه لخلیق لها أى حقیق بالامارة و إن قلتم فیه لقد قلتم فی أبیه من قبل و إن كان لخلیقا لها ، فطار الأخبار بتحلل السیر بالنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قد اشتكى فوثب الأسود بالیمن و مسیلمة بالیمامة و جاء الخبر عنهما للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، ثمّ وثب طلیحة فی بلاد أسد بعد ما أفاق النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، ثمّ اشتكى فى المحرم وجعه الذی قبضه اللّه تعالى فیه .

    و قال باسناده عن ابن عبّاس قال : كان النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قد ضرب بعث اسامة فلم یستتبّ لوجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لخلع مسیلمة و الأسود « و هو ذو الخمار عبهلة بن كعب » و قد أكثر المنافقون فى تأمیر اسامة حتّى بلغه فخرج النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله على النّاس عاصبا رأسه من الصداع لذلك من الشأن و انتشاره لرؤیا رآها فى بیت عائشة فقال : إنى رأیت البارحة فیما یرى النّائم أن فى عضدىّ سوارین من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما هذین الكذابین صاحب الیمامة و صاحب الیمن ، و قد بلغنى أن أقواما یقولون فى امارة اسامة ، و لعمرى لإن قالوا فى أمارته لقد قالوا فى أمارة أبیه من قبله و إن كان أبوه لخلیقا للامارة و أنه لخلیق لها ، فانفذوا بعث اسامة و قال : لعن اللّه الذین یتخذون قبور أنبیائهم مساجد ، فخرج اسامة فضرب بالجرف و انشأ النّاس فى العسكر و نجم طلیحة و تمهّل النّاس و ثقل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلم یستتمّ الأمر ینظرون أولهم آخرهم حتّى توفى اللّه عزّ و جلّ نبیّه صلّى اللّه علیه و آله .

    و قال المجلسى فى البحار : ثمّ انه عقد لاسامة بن زید بن حارثة الامرة و أمره و ندبه أن یخرج بجمهور الامة إلى حیث اصیب أبوه من بلاد الروم ، و اجتمع رأیه علیه السّلام على اخراج جماعة من مقدمى المهاجرین و الأنصار فى معسكره حتى لا یبقى فى المدینة عند وفاته من یختلف فى الریاسة و یطمع فی التقدّم على النّاس بالامارة و یستتب الأمر لمن استخلفه من بعده و لا ینازعه فى حقّه منازع ، فعقد له الامرة على ما ذكرناه و جدّ فى اخراجهم و أمر اسامة بالبروز عن المدینة بمعسكره إلى الجرف و حث النّاس على الخروج معه و المسیر إلیه و حذّرهم من التلوم

    [ 96 ]

    و الابطاء عنه .

    فبینا هو فى ذلك إذ عرضت له الشكاة التى توفى فیها ، فلما أحسّ بالمرض الّذى عراه أخذ بید علىّ بن أبیطالب و اتبعه جماعة من النّاس و توجه إلى البقیع فقال للذی اتبعه : إننى قد امرت بالاستغفار لأهل البقیع ، فانطلقوا معه حتى وقف بین أظهرهم و قال السّلام علیكم أهل القبور لیهنئكم ما أصبحتم فیه مما فیه النّاس أقبلت الفتن كقطع اللیل المظلم یتبع آخرها أولها ثمّ استغفر لأهل البقیع طویلا ، و أقبل على أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال : انّ جبرئیل علیه السّلام كان یعرض علىّ القرآن كلّ سنة مرة و قد عرضه علىّ العام مرّتین و لا أراه إلاّ لحضور أجلى ثمّ قال : یا علىّ إنّى خیّرت بین خزائن الدّنیا و الخلود فیها و الجنّة فاخترت لقاء ربّى و الجنة ، و إذا انا متّ فاغسلنى فاستر عورتى فانه لا یراها أحد الا أكمه ،

    ثمّ عاد إلى منزله فمكث ثلاثة أیّام موعوكا .

    ثمّ خرج إلى المسجد معصوب الرأس معتمدا على أمیر المؤمنین علیه السّلام بیمنى یدیه و على الفضل بن عبّاس بالید الاخرى حتّى صعد المنبر فجلس علیه ثمّ قال یا معشر النّاس و قد حان منّى خفوق من بین أظهركم من كان له عندى عدة فلیأتنى اعطه إیّاها و من كان له علىّ دین فلیخبرنى به ، معاشر الناس لیس بین اللّه و بین أحد شى‏ء یعطیه به خیرا أو یصرف عنه به شرا إلا العمل أیّها النّاس لا یدعى مدع و لا یتمنى متمن و الذی بعثنى بالحق نبیّا لا ینجى إلاّ عمل مع رحمة و لو عصیت لهویت ، اللهم هل بلغت ثم نزل فصلى بالناس صلاة خفیفة ثم دخل بیته .

    و كان إذ ذاك فى بیت ام سلمة رضى اللّه عنها فأقام به یوما أو یومین فجائت عائشة إلیها تسألها أن تنقله إلى بیتها لتتولى تعلیله و سألت أزواج النّبی صلّى اللّه علیه و آله فی ذلك فأذنّ لها ، فانتقل إلى البیت الذی أسكنه عائشة و استمر به المرض فیه أیاما و ثقل فجاء بلال عند صلاة الصّبح و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مغمور بالمرض فنادى : الصلاة یرحمكم اللّه ، فاوذن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بندائه فقال : یصلّى بالنّاس بعضهم فانی مشغول بنفسی فقالت

    [ 97 ]

    عایشة : مروا أبا بكر و قالت حفصة : مروا عمر فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین سمع كلامهما و رأى حرص كلّ واحد منهما على التنویه بأبیهما و افتتانهما بذلك و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حىّ : اكففن فانكنّ صویحبات یوسف ، ثمّ قام مبادرا خوفا من تقدم أحد الرجلین و قد كان صلّى اللّه علیه و آله أمرهما بالخروج مع اسامة و لم یك عنده أنّهما قد تخلّفا . فلما سمع من عائشة و حفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره فبدر لكفّ الفتنة و إزالة الشبهة فقام صلّى اللّه علیه و آله و انّه لا یستقل على الأرض من الضعف ، فأخذ بیده علیّ بن أبیطالب و الفضل بن العبّاس فاعتمد علیهما و رجلاه یخطان الأرض من الضعف ، فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب ، فأومأ إلیه بیده أن تأخر عنه ، فتأخر أبو بكر و قام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مقامه فكبر و ابتدأ الصّلاة التی كان ابتدأها أبو بكر و لم یبن على ما مضى من فعاله ، فلما سلّم انصرف إلى منزله و استدعى أبا بكر و عمر و جماعة من حضر المسجد من المسلمین ثمّ قال : الم آمر أن تنفذوا جیش اسامة ؟ فقالوا : بلى یا رسول اللّه ، قال : فلم تأخرتم عن أمری ؟

    قال أبو بكر : انى خرجت ثمّ رجعت لاجدد بك عهدا ، و قال : یا رسول اللّه انى لم اخرج لأننی لم احبّ أسأل عنك الركب فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله نفذوا جیش اسامة نفذوا جیش اسامة یكرّرها ثلاث مرات إلى آخره .

    قال الشارح المعتزلی : بعد ما خطب الناس دخل بیت ام سلمة ثمّ انتقل إلى بیت عائشة یعلّله النساء و الرجال أمّا النساء فأزواجه و بنته و أمّا الرّجال فعلیّ علیه السّلام و العبّاس و الحسن و الحسین علیهما السّلام و كانا غلامین یومئذ و كان الفضل بن العبّاس یدخل احیانا إلیهم ثمّ حدث الاختلاف بین المسلمین أیّام مرضه فأوّل ذلك التنازع الواقع یوم قال صلّى اللّه علیه و آله ایتونی بدواة و قرطاس و تلا ذلك حدیث التخلف عن جیش اسامة .

    أقول : لا خلاف بین المسلمین أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ولّى اسامة على جماعة منهم أبو بكر و عمر و عثمان و خالفوا الرسول صلّى اللّه علیه و آله فی تنفیذ جیش اسامة و كان قصد النبی صلّى اللّه علیه و آله بعدهم عن المدینة لئلا یدعو الامامة بعد موته صلّى اللّه علیه و آله و لذلك لم یجعل أمیر المؤمنین

    [ 98 ]

    علیا علیه السّلام فی جیش اسامة و هم تخلفوا عن أمر النّبی صلّى اللّه علیه و آله على ان امارة اسامة علیهم تدلّ على انه أفضل منهم و لم یرو و لم یقل أحد ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أمّر أحدا على علی علیه السّلام فعلى أفضل من غیرهم فمن كان اسامة أفضل علیه لا یلیق بالامارة مع أن فیهم من یكون أفضل من اسامة و غیره ، مع أنّهم عصوا النّبی صلّى اللّه علیه و آله و تخلفوا عن أمره ، و قبح تقدیم المفضول على الأفضل معلوم و امامة المفضول قبیحة عقلا و لا یرتاب فیه إلا الطغام قال عزّ من قائل : افمن یهدى إلى الحقّ احقّ ان یتبع أمن لا یهدّى إلاّ ان یهدى فما لكم كیف تحكمون .

    و بذلك تعلم أن قول الشّارح المعتزلی فی خطبة شرحه : و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكلیف اختلاق محض و افتراء صرف و لا یعلم ایة مصلحة اقتضت ذلك أو لا یكون هذا الفعل نفسه قبیحا و ظلما و زورا ؟ تعالى اللّه عن ذلك .

    قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه باسناده عن عبد اللّه بن كعب بن مالك انّ ابن عبّاس أخبره أن علیّ بن أبیطالب خرج من عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی وجعه الّذی توفّى فیه فقال النّاس : یا أبا حسن كیف أصبح رسول اللّه قال : أصبح بحمد اللّه بارئا فأخذ بیده عبّاس بن عبد المطلب فقال : ألا ترى انّك بعد ثلث عبد العصا و انى ارى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله سیتوفى فی وجعه هذا و انى لأعرف وجوه بنی عبد المطّلب عند الموت فاذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فسله فیمن یكون هذا الأمر فان كان فینا علمنا ذلك و إن كان فی غیرنا امر به فأوصى بنا ، قال علیّ علیه السّلام : و اللّه لئن سألناها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فمنعناها لا یعطیناها النّاس أبدا و اللّه لا أسألها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أبدا .

    أقول : لما انجرّ كلامنا إلى هذا صادفنا عبد اللّه الأكبر یوم غدیر خم یوم الأحد الثامن عشر من ذی الحجّة من السنة 1382 من الهجرة النّبویّة على هاجرها السلام فتذكرنا أن واقعة غدیر خم حیث أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من عند اللّه تبارك و تعالى ان ینصب علیّا علیه السّلام للناس و یخبرهم بولایته فنزلت آیة یا أیّها الرّسول بلّغ ما انزل إلیك من ربّك فى ذلك فاعلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كل أبیض و أسود بقوله من

    [ 99 ]

    كنت مولاه فهذا علىّ مولاه على التفصیل الذی جاء فى أخبار الفریقین و مسلّم عند المسلمین و اشعار حسان فى ذلك المسطورة فى دیوانه و كتب الأخبار و نقلة الآثار مما لا ینكره احد و لا یابى عنه الا الخصم الألدّ : جاء حسان بن ثابت إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال یا رسول اللّه اتأذن لى ان اقول فى هذا المقام ما یرضاه اللّه ؟ فقال له قل یا حسان على اسم فوقف على نشز من الأرض و تطاول المسلمون لسماع كلامه فأنشأ یقول :

    ینادیهم یوم الغدیر نبیّهم
    بخمّ و اسمع بالنبىّ منادیا

    و قال فمن مولاكم و ولیكم
    فقالوا و لم یبدوا هناك التعادیا

    الهك مولانا و أنت ولیّنا
    و لن تجدن منا لك الیوم عاصیا

    فقال له قم یا على فاننى
    رضیتك من بعدی اماما و هادیا

    فخصّ بها دون البریّة كلّها
    علیّا و سمّاه الوزیر المواخیا

    فمن كنت مولاه فهذا ولیّه
    فكونوا له اتباع صدق موالیا

    هناك دعى اللهمّ وال ولیّه
    و كن للذی عادى علیا معادیا

    فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لا تزال یا حسان مؤیدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك و انما اشترط رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى الدعاء له لعلمه بعاقبة أمره فى الخلاف و لو علم سلامته فى مستقبل الاحوال لدعا له على الاطلاق كما فى الارشاد للمفید ( ره ) .

    و تلك الواقعة كانت فى السنة التى توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیها أعنى فى حجّة الوداع و لم یمض من تلك الواقعة إلى رحلة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلا شهران و بضعة أیام فكیف ذهل عباس بن عبد المطلب عن ذلك حتّى سأل علیا عن أن یسأل الرسول صلّى اللّه علیه و آله عن ذلك مع أن حدیث المنزلة و غیرهما فى حقّ علىّ علیه السّلام متواتر عند الفریقین و لذلك إنّ فى قلبى فى صحّة هذا الخبر شیئا على انّى أرى على تقدیر الصحة حرف قوله « فمنعناها » عن أصله و كان الأصل « فمنحناها » بقرینة لا یعطیناها فلیتأمّل .

    و فى السیرة الحلبیّة : جاء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جبرئیل صحبة ملك الموت و قال له : یا أحمد ان اللّه قد اشتاق إلیك قال : فاقبض یا ملك الموت كما امرت فتوفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

    [ 100 ]

    و فی لفظ اتاه جبرئیل علیه السّلام فقال یا محمّد ان اللّه ارسلنی إلیك تكریما لك و تشریفا یسألك عما هو اعلم به منك یقول لك كیف تجدك قال اجدنى یا جبرئیل مغموما و اجدنى یا جبرئیل مكروبا ثمّ جاءه الیوم الثانی و الثالث فقال له ذلك فرد علیه صلّى اللّه علیه و آله بمثل ذلك و جاء معه فی الیوم الثالث ملك الموت فقال له جبرئیل علیه السّلام هذا ملك الموت یستأذن علیك ما استأذن على أحد قبلك و لا یستأذن على آدمى بعدك اتاذن له فدخل فسلم علیه ثم قال یا محمّد ان اللّه ارسلنی إلیك فإن امرتنى ان اقبض روحك قبضت و ان امرتنى ان اترك تركت قال او تفعل قال نعم و بذلك امرت فنظر النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال یا محمّد ان اللّه یقرؤك السّلام و یقول لك : إن شئت شفیتك و كفیتك ، و إن شئت توفیتك و غفرت لك قال ذلك إلى ربّی یصنع بی ما یشاء .

    و فی روایة الخلد فی الدّنیا ثمّ فی الجنّة أحب إلیك أم لقاء ربك ثمّ الجنة فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقاء ربّی ثمّ الجنّة .

    و فی الوافی ( م 14 ص 46 ) عن أبی جعفر علیه السّلام قال : لمّا حضرت النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله الوفاة نزل جبرئیل علیه السّلام فقال یا رسول اللّه هل لك فی الرجوع إلى الدّنیا فقال لا قد بلغت رسالات ربّی ، فأعادها علیه فقال : لا بل الرّفیق الأعلى ثمّ قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و المسلمون حوله مجتمعون : أیّها الناس انه لا نبى بعدى و لا سنة بعد سنّتی فمن ادّعى ذلك فدعواه و مدّعیه فی النار فاقتلوه و من اتبعه فانه فی النّار أیّها النّاس احیوا القصاص و احیوا الحق لصاحب الحق و لا تفرقوا اسلموا و سلّموا تسلّموا « كتب اللّه لأغلبن انا و رسلى انّ اللّه قوی عزیز » .

    فی البحار : ثمّ ثقل صلّى اللّه علیه و آله و حضره الموت و أمیر المؤمنین علیه السّلام حاضر عنده فلما قرب خروج نفسه قال له : ضع یا علىّ رأسى فى حجرك فقد جاء امر اللّه تعالى فاذا فاضت نفسى فتناولها بیدك و امسح بها وجهك ثمّ وجهنى إلى القبلة و تولّ أمری و صل علىّ أوّل النّاس و لا تفارقنى حتّى توارینى فى رمسى و استعن باللّه تعالى ، فأخذ علىّ علیه السّلام رأسه فوضعه فی حجره فاغمى علیه فأكبّت فاطمة علیها السّلام تنظر فى

    [ 101 ]

    وجهه و تندبه و تبكى و تقول :

    و ابیض یستسقى الغمام بوجهه
    ثمال الیتامى عصمة للأرامل

    ففتح رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عینه و قال بصوت ضئیل : یا بنیّة هذا قول عمك أبی طالب لا تقولیه و لكن قولی : « و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم » فبكت طویلا و أومأ الیها بالدنوّ منه فدنت منه فأسرّ الیها شیئا تهلّل وجهها له ثمّ قبض صلّى اللّه علیه و آله و ید أمیر المؤمنین الیمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه صلّى اللّه علیه و آله فیها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثمّ وجّهه و غمّضه و مدّ علیه ازاره و اشتغل بالنظر فی أمره صلّى اللّه علیه و آله .

    و جائت الروایة انه قیل لفاطمة علیها السّلام : ما الّذی أسرّك إلیك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فسرى علیك به ما كنت علیه من الحزن و القلق بوفاته ؟ قالت : إنه اخبرنی أننی أول أهل بیته لحوقا به و انّه لن یطول المدة بی بعده حتّى ادركه فسرى ذلك عنّی .

    و فی البحار انّه صلّى اللّه علیه و آله دعا الحسن و الحسین علیهما السّلام فقبّلهما و شممهما و جعل یترشفهما و عیناه تهملان .

    و جائت الرّوایة المنقولة عن الفریقین انه كان عنده صلّى اللّه علیه و آله قدح فیه ماء و فی لفظ بدل قدح علباء و فى آخر ركوة فیها ماء فلمّا اشتدّ علیه صلّى اللّه علیه و آله الأمر صار یدخل یده الشریفة فی القدح ثمّ یمسح وجهه الشریف بالماء و یقول : اللهمّ اعنى على سكرات الموت و كذا فی تاریخ الطبری و بشارة المصطفى لشیعة المرتضى و فی غیرها من كتب الأخبار .

    لما توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قالت فاطمة علیها السّلام : وا ابتاه اجاب داع دعاه یا ابتاه الفردوس مأواه یا ابتاه إلى جبرئیل ننعاه ، و فی السیرة الحلبیّة قال ابن كثیر هذا لا یعدّ نیاحة بل هو من ذكر فضائل الحقّ علیه علیه أفضل الصّلاة و السّلام قال و انّما قلنا ذلك لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نهى عن النیاحة انتهى ، أقول : و مضى الكلام منا آنفا فی ذلك .

    [ 102 ]

    فی البحار ناقلا عن المناقب لابن شهر آشوب و الطبرسى فی المجمع فی ضمن قوله تعالى و اتقوا یوما ترجعون الآیة ( 281 البقرة ) : عن ابن عبّاس و السّدی لما نزل قوله تعالى انّك میّت و انّهم میّتون قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لیتنی أعلم متى یكون ذلك فنزل سورة النصر فكان یسكت بین التكبیر و القراءة بعد نزل هذه السورة فیقول : سبحان اللّه و بحمده استغفر اللّه و أتوب إلیه فقیل له انك لم تكن تقوله قبل هذا فقال أمّا نفسی نعیت إلىّ ثمّ بكا بكاء شدیدا فقیل : یا رسول اللّه أو تبكى من الموت و قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر ؟ قال : فأین هو المطلع و أین ضیقة القبر و ظلمة اللّحد و أین القیامة و الأهوال ، فعاش بعد نزول هذه السّورة عاما انتهى .

    « آخر آیة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله »

    أقول : آخر آیة نزلت من السّماء على خاتم النبیین صلّى اللّه علیه و آله بلا خلاف عند قاطبة المسلمین قوله تعالى : و اتّقوا یوما ترجعون فیه إلى اللَّه ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت و هم لا یظلمون ، و لا خلاف أیضا فى أن جبریل علیه السّلام قال له صلّى اللّه علیه و آله ضعها فی رأس الثمانین و المأتین من البقرة كما فی المجمع و البیضاوی و الكشاف و غیرها عن ابن عبّاس و السّدی .

    و انما الخلاف فی أنّه صلّى اللّه علیه و آله كم عاش من الأیام بعد نزولها ، و الاكثر على انه صلّى اللّه علیه و آله عاش بعدها أحدا و عشرین یوما و قال : ابن جریح : تسع لیال ، و قال سعید بن جبیر و مقاتل : سبع لیال ، و فى الكشاف و البیضاوی و قیل أحدا و ثمانین یوما ، و فی الكشاف و قیل ثلاث ساعات .

    أقول : قول جبرئیل علیه السّلام له صلّى اللّه علیه و آله ضع هذه الآیة فی رأس الثمانین و المأتین من البقرة یدل على أن تركیب السور و ترتیب الآیات القرآنیة كما هو الآن بین أیدینا كان بأمر اللّه تعالى و بأمر رسوله صلّى اللّه علیه و آله و ما نقص منه شی‏ء و لا زید فیه شی‏ء ، و من تفحص فی كتب الأخبار للمسلمین یجد أن السور كانت عند ارتحال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مرتّبة منظّمة باذن اللّه تعالى

    [ 103 ]

    و بأمر رسوله صلّى اللّه علیه و آله موسومة بأسامیها ، و لنا فی ذلك من الأخبار و الآیات و أقوال أهل الخبرة شواهد و براهین لعلّنا نبحث فی ذلك مفصلا ان شاء اللّه تعالى فی محلّه .

    ثمّ نقول إنّ هذا القول أعنی آخر آیة نزلت على الرّسول صلّى اللّه علیه و آله هی تلك الآیة المذكورة لا ینافی ما فی العدّة الفهدیة و غیرها أوّل ما نزل « بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم اقرأ باسم ربك » و آخره « إذا جاء نصر اللَّه » لأنّ كلامنا فی آخر آیة نزلت و هذا القول من ابن الفهد و غیره فی آخر سورة نزلت .

    قال المسعودی فی مروج الذهب : و قد قیل انّه انزل علیه صلّى اللّه علیه و آله بالمدینة من القرآن اثنتان و ثلاثون سورة .

    أقول : و سیأتی إنشاء اللّه تعالى بحثنا فی ذلك على التفصیل و التحقیق .

    الاقوال فى مدة شكواه صلّى اللّه علیه و آله

    كانت مدة شكواه صلّى اللّه علیه و آله ثلاث عشرة لیلة و قیل أربع عشرة لیلة و قیل اثنتى عشرة لیلة و قیل عشرا و قیل ثمانیة .

    الاخبار فى مبلغ سنه صلّى اللّه علیه و آله یوم وفاته

    الأكثر من الفریقین ذهبوا إلى أنّه صلّى اللّه علیه و آله كان حین قبض ابن ثلاث و ستین سنة و هو الحقّ فی ذلك قال أبو جعفر الطبری فی تاریخه بإسناده عن ابن عبّاس قال أقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمكّة ثلاث عشرة سنة یوحى إلیه و بالمدینة عشرا و مات و هو ابن ثلاث و ستین سنة .

    و فیه عنه أیضا : بعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأربعین سنة و أقام بمكّة ثلاث عشرة یوحى إلیه و بالمدینة عشرا و مات و هو ابن ثلاث و ستین سنة و كذا نقل عدة أخبار اخر فی انه صلّى اللّه علیه و آله كان یومئذ ابن ثلاث و ستین سنة .

    و فی البحار للمجلسى « قد » عن أبی جعفر الباقر علیه السّلام قال قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هو ابن ثلاث و ستین سنة فی سنة عشر من الهجرة فكان مقامه بمكّة أربعین سنة ثمّ نزل

    [ 104 ]

    علیه الوحى فی تمام الأربعین و كان بمكّة ثلاث عشرة سنة ثمّ هاجر إلى المدینة و هو ابن ثلاث و خمسین سنة فاقام بالمدینة عشر سنین الحدیث و كذا غیره من الأخبار المرویّة من أصحابنا رضوان اللّه علیهم و كبار علماء العامّة .

    و نقل الطبری عن بعض أنه صلّى اللّه علیه و آله كان حینئذ ابن خمس و ستین سنة ، و عن بعض آخر هو ابن ستین ، و لكن الصواب ما ذهب إلیه الاكثر و لا یعبأ بهذه الأقوال الشاذّة النادرة .

    ذكر الاقوال عن الیوم و الشهر الذین توفى فیهما صلّى اللّه علیه و آله

    قال أبو جعفر الطبرى فى حدیث عن ابن عبّاس انّه قال : ولد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله یوم الاثنین ، و استنبى‏ء یوم الاثنین ، و رفع الحجر یوم الاثنین ، و خرج مهاجرا من مكة إلى المدینة یوم الاثنین ، و قدم المدینة یوم الاثنین ، و قبض یوم الاثنین .

    و فی المصباح للكفعمی قال الشیخ المفید ( ره ) فی مزاره اتق السفر یوم الاثنین فانه یوم الذی قبض فیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و انقطع الوحى فیه و ابتز أهل بیته الامر و قتل فیه الحسین علیه السّلام و هو یوم نحس و كذا المنقول عن أبی جعفر الباقر علیه السّلام من كشف الغمة كما فی البحار أنّه قبض صلّى اللّه علیه و آله فی شهر ربیع الأوّل یوم الاثنین للیلتین خلتا منه .

    و قال شیخ الطائفة قدّس سرّه فی التهذیب : قبض صلّى اللّه علیه و آله بالمدینة مسموما یوم الاثنین للیلتین بقیتا من صفر سنة عشر من الهجرة و ولد بمكّة یوم الجمعة السابع عشر من شهر ربیع الاول فی عام الفیل .

    أقول : و انما قال ( ره ) : قبض صلّى اللّه علیه و آله مسموما لانه روى فی البحار نقلا عن بصائر الدرجات عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمت الیهودیة النّبیّ فی ذراع قال :

    و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یحب الذراع و الكتف و یكره الورك لقربها من المبال قال لما اتى بالشواء أكل من الذراع و كان یحبّها فاكل ما شاء اللّه و ما زال ینتفض به سمه حتى مات الخبر .


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه

    [ 118 ]

    و فیه عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله یا علی ادفنى فی هذا المكان و ارفع قبری من الأرض أربع أصابع و رش علیه من الماء .

    أقول : جائت الرّوایات من الفریقین فی تعیین رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مدفنه كما فی الرّوایة المرویة عن أبی جعفر الطبری المذكورة آنفا و من كتب الامامیّة أیضا و مع ذلك اختلافهم فی مدفنه صلّى اللّه علیه و آله غریب جدّا .

    و فیه أیضا عن یحیى بن أبی العلا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : القى شقران مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى قبره القطیفة .

    و فى الارشاد للمفید ( ره ) بعد ما قال صلّى علىّ علیه السّلام وحده على النّبى و لم یشركه معه أحد ثمّ صلّى المسلمون قال :

    و لما صلّى المسلمون علیه أنفذ العبّاس بن عبد المطلب برجل إلى أبى عبیدة ابن الجراح و كان یحفر لأهل مكّة و یضرّح و كان ذلك عادة أهل مكة و انفذ إلى زید بن سهل و كان یحفر لأهل المدینة و یلحد فاستدعاهما و قال : اللهم خر لنبیك فوجد أبو طلحة زید بن سهل و قیل له احفر لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فحفر له لحدا و دخل أمیر المؤمنین و العبّاس بن عبد المطلب و الفضل بن العباس و اسامة بن زید لیتولّوا دفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فنادت الأنصار من وراء البیت یا علىّ إنا نذكرك اللّه و حقنا الیوم من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أن یذهب ادخل منا رجلا یكون لنا به حظ من مواراة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فقال لیدخل اوس بن خولى و كان بدریا فاضلا من بنى عوف من الخزرج فلما دخل قال له علىّ علیه السّلام : انزل القبر فنزل و وضع أمیر المؤمنین رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على یدیه و ولاه فى حفرته فلما حصل فى الأرض قال له اخرج فخرج و نزل علىّ علیه السّلام القبر فكشف عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و وضع خدّه على الأرض موجها إلى القبلة على یمینه ثمّ وضع علیه اللبن و أهال علیه التراب و كان ذلك فى یوم الاثنین للیلتین بقیتا من صفر سنة عشر من هجرته صلّى اللّه علیه و آله و هو ابن ثلاث و ستّین سنة و لم یحضر دفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أكثر الناس لما جرى بین المهاجرین و الأنصار من التشاجر فى أمر الخلافة وفات أكثرهم الصّلاة علیه لذلك و أصبحت

    [ 119 ]

    فاطمة علیها السّلام تنادى : و اسوء صباحاه ، فسمعها أبو بكر فقال لها : إنّ صباحك لصباح سوء و اغتنم القوم الفرصة لشغل علىّ بن أبیطالب علیه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و انقطاع بنی هاشم عنهم بمصابهم برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فتبادروا إلى ولایة الأمر و اتفق لأبی بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار فیما بینهم و كراهیة الطلقاء و المؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتّى یفرغ بنو هاشم فیستقر الامر مقرّه . فبایعوا أبا بكر لحضوره المكان وكالت أسباب معروفة تیسر للقوم منها .

    ثمّ قال المفید ( ره ) : و قد جائت الرّوایة انه لمّا تم لأبى بكر ما تمّ و بایعه من بایع جاء رجل إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو یسوى قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمسحاة فی یده فقال له ان القوم قد بایعوا أبا بكر و وقعت الخذلة للانصار لاختلافهم و بدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من ادراككم الامر فوضع طرف المسحاة على الأرض و یده علیها ثمّ قال علیه السّلام بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم . الم احسب النّاس ان یتركوا . ان یقولوا آمنا و هم لا یفتنون . و لقد فتنا الذین من قبلهم فلیعلمن اللَّه الذین صدقوا . و لیعلمن الكاذبین . أم حسب الّذین یعملون السیئات أن یسبقونا ساء ما یحكمون .

    و لقد مضى الكلام منه علیه السّلام فی الخطبة المأتین عند دفن سیدة نساء العالمین مخاطبا لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عند قبره : و لقد وسدتك فی ملحودة قبرك و فاضت بین نحرى و صدرى نفسك آه .

    و قال علیه السّلام فی الخطبة السادسة و التسعین و المأة : و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله انّى لم ارد على اللّه و لا على رسوله ساعة قط و لقد واسیته بنفسى فی المواطن التى تنكص فیها الابطال و تتأخر الاقدام نجدة اكرمنى اللّه بها و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و ان رأسه على صدرى و لقد سالت نفسه فی كفّى فامررتها على وجهى و لقد ولّیت غسله صلّى اللّه علیه و آله و الملائكة اعوانی فضجّت الدار و الافنیة ملأ یهبط و ملأ یعرج و ما فارقت سمعى هینمة منهم یصلون علیه حتى و اریناه فی ضریحه فمن ذا احق به منّى حیّا و میتا .

    قال الشّارح المعتزلی بعد نقل شرذمة من تلك الأخبار عن أبی جعفر الطبری :

    [ 120 ]

    من تأمل هذه الأخبار علم ان علیّا علیه السّلام كان الأصل و الجملة و التفصیل فی أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و جهازه ألا ترى ان اوس بن خولى لا یخاطب أحدا من الجماعة غیره فی حضور الغسل أو النزول فی القبر . ثمّ انظر إلى كرم علیّ علیه السّلام و سجاحة اخلاقه و طهارة شیمته كیف لم یضن بمثل هذه المقامات الشریفة عن اوس و هو رجل غریب من الانصار فعرف له حقه و اطلبه بما طلبه فكم بین هذه السجیّة الشریفة و بین قول من قال « یعنی بها عائشة كما مضى الخبر فی ذلك » لو استقبلت من أمری ما استدبرت ما غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الانساؤه و لو كان فی ذلك المقام غیره من اولى الطباع الخشنة و ارباب الفظاظة و الغلظة و قد سأل اوس لزجر و انتهر و رجع خائبا انتهى .

    الكلام فى تجهیزه صلّى اللّه علیه و آله فى انه أى یوم كان و الحق فی ذلك

    مضى الكلام فی یوم وفاته صلّى اللّه علیه و آله انه عند الاكثر الاشهر بل مما اتفقوا علیه كان یوم الاثنین .

    ثمّ قال أبو جعفر الطبرى فى تاریخه : فلما بویع أبو بكر اقبل النّاس على جهاز رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و بویع أبو بكر یوم الاثنین فی الیوم الذی قبض فیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و قال بعضهم كان ذلك من فعلهم یوم الثلثاء و ذلك الغد من وفاته صلّى اللّه علیه و آله .

    أقول : و ذلك البعض هو الواقدی حیث قال : و دفن صلّى اللّه علیه و آله من الغد نصف النهار حین زاغت الشمس و ذلك یوم الثلثاء .

    و قال بعضهم انما دفن بعد وفاته بثلاثة أیام ثمّ دفن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من وسط اللیل لیلة الأربعاء ، و روى فی دفنه صلّى اللّه علیه و آله لیلة الأربعاء عدّة روایات من عائشة و غیرها ، و قال بعضهم دفن یوم الأربعاء .

    و روى الطبرى عن زیاد بن كلیب عن إبراهیم النخعی انه لما قبض النّبی صلّى اللّه علیه و آله كان أبو بكر غائبا فجاء بعد ثلاث إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لم یجترء أحد ان یكشف عن

    [ 121 ]

    وجهه و قد اربدّ بطنه فكشف عن وجهه و قبل عینیه و قال بأبی أنت و امّی طبت حیا و طبت میتا ثمّ خرج إلى النّاس فقال من یعبد محمّدا فان محمّدا قد مات الحدیث .

    و كذا أقوال الامامیة و أخبارهم مختلفة فی ذلك ففی بعضها ان النّاس دخلوا علیه عشرة عشرة فصلوا علیه یوم الاثنین و لیلة الثلثاء و فی آخر أنهم صلوا علیه یوم الاثنین و لیلة الثلثاء حتى الصباح و یوم الثلثاء .

    و الصواب انه صلّى اللّه علیه و آله دفن فی الیوم الذی قبض و هو رأى المحققین من علمائنا الامامیّة كما صرّح به عماد الدّین الطبری فی كامل البهائی و تولى تجهیزه فی ذلك الیوم أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام على ما مضى الكلام فیه مفصلا و القوم قد اشتغلوا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بامر البیعة .

    و إذا انضم قول أبی جعفر الطبرى و بویع أبو بكر یوم الاثنین فى الیوم الذی قبض فیه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلى قول المفید فی الارشاد و قد جاءت الروایة انه لما تم لأبی بكر ما تمّ و بایعه من بایع جاء رجل إلى أمیر المؤمنین و هو یسوى قبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمسحاة فى یده الحدیث ، ینتج ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله دفن فی الیوم الذی قبض .

    على انه نهى ان یترك المیت و أمر بتعجیل الدفن الا لضرورة اقتضت خلافه حتى یحصل العلم الذی تطمئن به النفس و لا أقل ان یكون الامر بالتعجیل للاستحباب ان لم نقل بوجوبه و النهى للكراهة لا للحرمة ففی الوافی للفیض نقلا عن الكافی و التهذیب و الفقیه عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یا معشر النّاس لا الفینّ رجلا مات له میت لیلا فانتظر به الصبح و لا رجلا مات له میت نهارا فانتظر به اللیل لا تنتظروا بموتكم طلوع الشمس و لا غروبها عجلوا بهم إلى مضاجعهم رحمكم اللّه قال النّاس و أنت یا رسول اللّه یرحمك اللّه .

    و فیه نقلا عن الاولین عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا مات المیّت أوّل النهار فلا یقیل إلاّ فی قبره .

    و فیه نقلا عن الثالث قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كرامة المیت تعجیله .

    و لم یكن موته صلّى اللّه علیه و آله مشتبها حتى یتربص فی تجهیزه ثلاثة أیام لحصول العلم

    [ 122 ]

    به و لا یقبل العقل السلیم ان یبقى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله میتا یوم الاثنین و الثلثاء و الأربعاء و أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام حاضر لا یقوم بتجهیزه و یتركه حتّى اربدّ بطنه صلّى اللّه علیه و آله و العجب من تلك الروایة المنقولة عن الطبری أنه لا یجترى‏ء أحد أن یكشف عن وجهه هل یقبله عاقل و یتسلم لبیب ان علیّا علیه السّلام لا یجتری فی ذلك ، و أنصف الشارح المعتزلى فى المقام و قال :

    و كیف یبقى طریحا بین أهله ثلاثة أیام لا یجتری‏ء أحد منهم أن یكشف عن وجهه و فیهم علىّ بن أبیطالب و هو روحه بین جنبیه و العبّاس عمه القائم مقام أبیه و ابنا فاطمة و هما كولدیه و فیهم فاطمة بضعة منه أفما كان فى هؤلاء من یكشف عن وجهه و لا من یفكر فى جهازه . و لا من یانف له من انتفاخ بطنه و اخضرارها و ینتظر بذلك حضور أبى بكر لیكشف عن وجهه انا لا اصدق ذلك و لا یسكن قلبى إلیه .

    ثمّ قال ذلك الشارح : و بقى الاشكال فى قعود علىّ علیه السّلام عن تجهیزه و إذا كان اولئك مشتغلین بالبیعة فما الذی شغله هو فاقول یغلب على ظنى ان صح ذلك ان یكون قد فعله شناعة على أبى بكر و اصحابه حیث فاته الأمر و استوثر علیه به فأراد ان یتركه صلّى اللّه علیه و آله بحاله لا یحدث فى جهازه امرا لیثبت عند الناس ان الدّنیا شغلتهم عن نبیهم ثلاثة أیام حتى آل أمره إلى ما ترون و قد كان علیه السّلام یتطلب الحیلة فى تهجین أمر أبى بكر حیث وقع فى السقیفة ما وقع بكل طریق و یتعلق بأدنى سبب من امور كان یعتمدها و أقوال كان یقولها فلعل هذا من جملة ذلك ، أو لعله إن صحّ ذلك فانما تركه صلّى اللّه علیه و آله بوصیته منه الیه و سرّ كانا یعلمانه فى ذلك .

    فان قلت فلم لا یجوزان یقال ان صح ذلك انه اخر جهازه لیجتمع رأیه و رأى المهاجرین على كیفیة غسله و كفنه و نحو ذلك من اموره ؟

    قلت لأن الروایة الاولى یبطل هذا الاحتمال و هى قوله صلّى اللّه علیه و آله لهم قبل موته یغسلنى أهلى الادنى منهم فالادنى و اكفن فى ثیابى أو فى بیاض مصر أو فى حلة یمنیّة انتهى .

    أقول كیف اجتری هذا الرجل ان یتفوه بذلك و كان له شیطان یعتریه

    [ 123 ]

    و الا فكیف نطق بأنّ علیّا علیه السّلام تركه صلّى اللّه علیه و آله ثلاثة أیّام لذلك الغرض الذی بمراحل عنه علیه السّلام و هو شارح أقواله و عارف بأحواله فى الجملة و لا یخالف أحد فى أنّه علیه السّلام أزهد الناس و أعلمهم و أفضلهم و أتقاهم و أنّه طلق الدنیا ثلاثا و لا یعدّ مكارم أعماله و محاسن أخلاقه و فضائل أوصافه و مناقب آدابه كلّت ألسن الفصحاء عن توصیف مقامه الشاهق ، و حارت أفهام العقلاء فیه و كیف لا و هو كتاب اللّه الناطق ، و بالجملة لما كانت سخافة قول الرّجل و خرافته أظهر من الشمس فى رائعة النهار فلا یهمنا اطالة الكلام فى الرّد و الانكار ، و نستجیر باللّه من الهواجس النّفسانیّة و الوساوس الشیطانیّة .

    قال ابن قتیبة الدینوری و هو من أكابر علماء العامة المتعصب جدّا فى مذهبه كما هو الظاهر لأهل التتبع و التفحص فی حال الرجال فی كتابه الامامة و السیاسة المعروف بتاریخ الخلفاء « المتوفى سنة 276 » فی إبایة علیّ علیه السّلام بیعة أبی بكر :

    ثمّ إن علیّا علیه السّلام اتى به إلى أبی بكر و هو یقول : أنا عبد اللّه و أخو رسوله فقیل له بایع أبا بكر فقال علیه السّلام : أنا أحق بهذا الأمر منكم لا ابایعكم و أنتم أولى بالبیعة لی ، أخذتم هذا الامر من الأنصار و احتججتم علیه بالقرابة من النّبی صلّى اللّه علیه و آله و تأخذونه منّا أهل البیت غصبا ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لما كان محمّد صلّى اللّه علیه و آله منكم فأعطوكم المقادة و سلموا إلیكم الإمارة و أنا أحتج علیكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار . نحن اولى اللّه برسول اللّه حیّا و میّتا فأنصفونا إن كنتم تؤمنون ، و إلاّ فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون « إلى أن قال : » فقال علیه السّلام : اللّه اللّه یا معشر المهاجرین لا تخرجوا سلطان محمّد فی العرب عن داره و قعر بیته إلى دوركم و قعور بیوتكم و لا تدفعوا أهله عن مقامه فی الناس و حقه ، فو اللّه یا معشر المهاجرین لنحن أحق النّاس به لأنا أهل البیت و نحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فینا القارى‏ء لكتاب اللّه الفقیه فى دین اللّه ، العالم

    [ 124 ]

    بسنن رسول اللّه ، المضطلع بأمر الرعیّة المدافع عنهم الامور السیئة ، القاسم بینهم بالسویّة ، و اللّه إنه لفینا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبیل اللّه فتزدادوا من الحق بعدا .

    فقال بشیر بن سعد الأنصارى لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك یا علیّ قبل بیعتها لأبی بكر ، ما اختلف علیك اثنان .

    قال : و خرج علیه السّلام یحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على دابة لیلا فی مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا یقولون : یا بنت رسول اللّه قد مضت بیعتنا لهذا الرجل و لو أنّ زوجك و ابن عمك سبق إلینا قبل أبی بكر ما عدلنا به فیقول علیّ علیه السّلام : أفكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی بیته لم أدفنه ، و أخرج أنازع الناس سلطانه ؟

    فقالت فاطمة علیها السّلام : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ینبغى له و لقد صنعوا ماللّه حسیبهم و طالبهم .

    و فی الدیوان المنسوب إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فی مرثیة سید المرسلین :

    نفسى على زفراتها محبوسة
    یا لیتها خرجت مع الزفرات

    لا خیر بعدك فی الحیاة و انما
    ابكى مخافة ان تطول حیاتی

    و اسند إلى فاطمة علیها السّلام فی مرثیة أبیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله :

    إذا اشتد شوقی زرت قبرك باكیا
    انوح و اشكو لا اراك مجاوبى

    فیا ساكن الصحراء علّمتنى البكا
    و ذكرك انسانى جمیع المصائب

    فان كنت عنى فى التراب مغیبا
    فما كنت عن قلب الحزین بغائب .


    و قالت علیها السلام فى رثاه صلّى اللّه علیه و آله و ندبته بقولها یوم موته و بعده بألفاظ منها :

    یا أبتاه جنة الخلد مثواه ، یا أبتاه عند ذى العرش مأواه ، یا أبتاه كان جبریل یغشاه یا أبتاه لست بعد الیوم أراه .

    فى الكافى للكلینى ( ره ) عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جاءهم جبرئیل علیه السّلام و النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله مسجّى و فى البیت علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السّلام فقال السّلام علیكم یا أهل بیت الرّحمة « كلّ نفس ذائقة الموت

    [ 125 ]

    و انما توفون اجوركم یوم القیمة فمن زحزح عن النار و ادخل الجنّة فقد فاز و ما الحیوة الدنیا إلا متاع الغرور » ان فى اللّه تعالى عزاء من كلّ مصیبة و خلفا من كل هالك و دركا مما فات فباللّه فثقوا و ایاه فارجوا فان المصاب من حرم الثّواب هذا آخر وطیى من الدنیا قالوا سمعنا الصوت و لم نر الشخص .

    الترجمة

    از كلام آن بزرگوار است ، در حالى كه مباشر غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و تكفین و تدفین او بود فرموده است :

    پدر و مادرم فداى تو باد هر آینه بموت تو نبوّت و خبر دادن بحقائق و وحى آسمانى قطع شد كه بموت دیگر پیغمبران قطع نشده بود « زیرا آنحضرت خاتم انبیاء است و تا قیام قیامت شریعت او منسوخ نمیشود و دیگر بر كسى كتاب آسمانى وحى نمیشود » ، مصیبت تو مصیبت مخصوص و ممتازى است كه دیگر مصیبتها را تسلّى دهنده است و عام است كه همه آدمیان را فرا گرفت و هیچكس از آن فارغ نیست ، و اگر امر بشكیبائى و نهى از بیتابى نمیفرمودى هر آینه آب چشم را « كه از درزهاى كاسه سر فرود میآید و از مجراى عین خارج میشود » در مصیبت تو تمام میكردیم ، و هر اینه درد و غم پیوسته همدم بود « و در بر طرف شدن مماطله و امروز و فردا میكرد » و اندوه و الم هم قسم و ملازم بود ، و این درد پیوسته و اندوه همیشه براى تو اندكست « یا آن گونه گریستن و همدم اندوه و ماتم بودن براى تو اندكست » و براى بیش از این سزاوار و درخورى .

    و لكن مرگ تو چیزیست كه ردّ آن مقدور كسى نیست و دفع آن در استطاعت احدى نه ، « و یا اینكه : آن مقدار كه گریستیم و با غم و اندوه همدم بودیم دفع آن میسور نبود ، به بیانى كه در شرح گفته‏ایم » .

    [ 126 ]

    و من كلامه علیه السّلام اقتص فیه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبى صلّى اللّه علیه و آله ثم لحاقه به

    فجعلت أتبع مأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فأطأ ذكره حتّى انتهیت إلى العرج « فی كلام طویل » .

    « قال الرضى ( ره ) » : قوله علیه السّلام : فأطا ذكره من الكلام الذی رمى به إلى غایتى الایجاز و الفصاحة ، و أراد أننى كنت اعطى خبره صلّى اللّه علیه و آله من بدء خروجى إلى أن انتهیت إلى هذا الموضع فكنى عن ذلك بهذه الكنایة العجیبة .

    اللغة

    ( جعلت ) أى اخذت و شرعت ( مأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) أى الصوب الّذی سلكه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی هجرته من مكّة إلى المدینة .

    ( اطأ ) من وطئت الشى‏ء برجلى وطا ، سقطت الواو فیه و فى اخواته ، قال الجوهری فى الصحاح سقطت الواو من یطأ كما سقطت مع یسع لتعدّیهما لأن فعل یفعل مما اعتل فاؤه لا یكون إلاّ لازما فلمّا جاءه من بین أخواتهما متعدیین خولف بهما نظائرهما .

    و فى بعض النسخ « قاطّا » مكان « فاطا » و كانه تصحیف لأن القطّ كما قال الخلیل : فصل الشى‏ء عرضا ، یقال قططت الشى‏ء اقطه إذا قطعته عرضا و منه قط القلم ، كما قیل فى علیّ علیه السّلام كان یقطّ الهام قطّ الاقلام ، لكنه لا یناسب المقام و ان تكلف و تعسف بعض فى تفسیره .

    ( العرج ) بفتح أوله و سكون ثانیه و هو كما قال الجوهری فی الصحاح و غیره

    [ 127 ]

    منزل بطریق مكّة و إلیه ینسب العرجىّ الشاعر و هو عبد اللّه بن عمر بن عثمان ابن عفّان و هو أحد الأمكنة التى وقع فى طریقه صلّى اللّه علیه و آله فى هجرته و هو قریب من المدینة كما یأتى ذكر طریقه صلّى اللّه علیه و آله فى هجرته و لذا قال علیه السّلام : حتّى انتهیت إلى العرج و فى النسخ المطبوعة من النهج اعرب العرج بفتح الراء و الصواب سكونها كما ذكرنا ، قال زراح بن ربیعة فى قصیدة له 1

    و جاوزن بالركن من ورقان
    و جاوزن بالعرج حیا حلولا

    الاعراب

    الظاهر أن كلمة حتّى متعلقة بكلّ واحد من اتبع و أطأ و لا تختصّ بالأخیر .

    المعنى

    یقتص و یروى فى هذا الفصل حاله فى خروجه من مكة إلى المدینة بعد هجرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كان قد تخلف عنه صلّى اللّه علیه و آله بمكّة لقضاء دینه و ردّ ودائعه و ما أمره به ثمّ لحق به فى قباء راجلا و قد تورمت قدماه و قد نزل على كلثوم بن هدم حیث نزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علیه ثمّ جاء معه صلّى اللّه علیه و آله المدینة و نزلوا على أبى أیّوب الأنصاری كما یأتى شرحه .

    ( فجعلت اتبع مأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) یعنى به خرجت من مكّة زادها اللّه شرفا مهاجرا إلى المدینة فأخذت أتبع الطریقة و الجهة التى سلكها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و یأتى فى طریقه أنّه صلّى اللّه علیه و آله أتى العرج و قال علىّ علیه السّلام : حتّى انتهیت إلى العرج فسلك تلك الجهة و خرج على ذلك الطریق و ایتسى به فی ذلك أیضا .

    ( فاطأ ذكره ) اغنانا بشرحه كلام الرضى ( ره ) فی بیانه و لا حاجة إلى التطویل .

    ( حتّى انتهیت إلى العرج ) أى اننی كنت اعطى خبره من بدء خروجی من

    -----------
    ( 1 ) السیرة النبویة لابن هشام ج 1 ص 127 طبع مصر 1375 ه .

    [ 128 ]

    مكّة ثمّ اطا الطریق على النحو الذى اخبرت فی سیره و جهته یعنی انی لازمت ذلك الطریق الّذی سلكه صلّى اللّه علیه و آله على حذوه غیر مفارق ایاه حتّى انتهیت على ذلك المسیر إلى العرج و الظاهر انه علیه السّلام لما وصل إلیه اطمأن قلبه على أنه ورد المدینة سالما لأن ذلك المكان كان قریبا منها و لذا قال حتى انتهیت إلى العرج .

    الكلام فى هجرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الى المدینة و ما جرى فى ذلك على الایجاز

    « بدء اسلام الانصار »

    فی السیرة الهشامیّة و فی تاریخ الطبری : لما أراد اللّه عزّ و جلّ اظهار دینه و إعزاز نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و انجاز موعده له خرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی الموسم الّذی لقیه فیه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان یصنع فی كل موسم فبینما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد اللّه بهم خیرا .

    لما لقیهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لهم : من انتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال :

    أمن موالى یهود ؟ قالوا : نعم ، قال : أفلا تجلسون اكلّمكم ؟ قالوا : بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى اللّه عزّ و جلّ و عرض علیهم الاسلام و تلا علیهم القرآن .

    و كان مما صنع اللّه بهم فی الاسلام أن یهود كانوا معهم فی بلادهم و كانوا أهل كتاب و علم و كانوا هم أهل الشرك و أصحاب أوثان و كانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بینهم شی‏ء قالوا لهم إن نبینا مبعوث الآن قد أظلّ زمانه تتّبعه فنقتلكم معه قتل عاد و إرم .

    فلما كلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله اولئك النفر و دعاهم إلى اللّه قال بعضهم لبعض یا قوم تعلموا و اللّه انه للنبی الذی توعدكم به یهود فلا تسبقنّكم إلیه فأجابوه فیما دعاهم إلیه بأن صدقوه و قبلوا منه ما عرض علیهم من الاسلام و قالوا إنا قد تركنا قومنا و لا قوم بینهم من العداوة و الشر ما بینهم فعسى أن یجمعهم اللّه بك فسنقدم علیهم فندعوهم إلى أمرك و تعرض علیهم الّذی اجبناك إلیه من هذا الدین فان یجمعهم اللّه علیه فلا

    [ 129 ]

    رجل أعزّ منك .

    ثمّ انصرفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله راجعین إلى بلادهم و قد آمنوا و صدّقوا و هم ستة نفر من الخزرج .

    فلما قدموا المدینة إلى قومهم ذكروا لهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و دعوهم إلى الاسلام حتّى فشا فیهم فلم یبق دار من دور الأنصار الا و فیها ذكر من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

    « أمر العقبة الاولى »

    حتّى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنى عشر رجلا فلقوه بالعقبة و هی العقبة الاولى فبایعوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على بیعة النساء 1 و ذلك قبل أن تفترض علیهم الحرب .

    قال عبادة بن الصامت : بایعنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لیلة العقبة الاولى على أن لا نشرك باللّه شیئا و لا نسرق و لا نزنی و لا نقتل أولادنا و لا نأتی ببهتان نفتریه من بین أیدینا و أرجلنا و لا نعصیه فی معروف ، فان وفیتم فلكم الجنّة ، و إن غشیتم من ذلك شیئا فاخذتم بحدّه فی الدّنیا فهو كفارة له ، و إن سترتم علیه یوم القیامة فأمركم إلى اللّه عزّ و جلّ إن شاء عذّب و إن شاء غفر .

    فلمّا انصرف عنه القوم بعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله معهم مصعب بن عمیر بن هاشم ابن عبد مناف و أمره أن یقرأهم القرآن و یعلمهم الاسلام و یفقههم فی الدّین فكان یسمّى المقرى بالمدینة مصعب .

    -----------
    ( 1 ) و المراد من العبارة أنهم بایعوا رسول اللّه ( ص ) على الشروط التى ذكرت فى بیعة النساء فى الممتحنة : « یا أیها النبى اذا جاءك المؤمنات یبایعنك على أن لا یشركن باللَّه شیئا و لا یسرقن و لا یزنین و لا یقتلن أولادهن و لا یأتین ببهتان یفترینه بین أیدیهن و أرجلهن و لا یعصینك فى معروف فبایعهن و استغفر لهن ان اللَّه غفور رحیم » .

    و كان بیعة النساء یوم فتح مكة لما فرغ النبى ( ص ) من بیعة الرجال و هو على الصفا جاءته النساء یبایعنه فنزلت هذه الایة فشرط اللّه تعالى فى مبایعتهن أن یأخذ علیهن هذه الشروط .

    [ 130 ]

    « أمر العقبة الثانیة »

    ثمّ إن مصعب بن عمیر رجع إلى مكّة و خرج من خرج من الأنصار من المسلمین إلى الموسم مع حجّاج قومهم من أهل الشرك حتّى قدموا مكّة فواعدوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله العقبة من أوسط أیّام التشریق حین أراد اللَّه بهم ما أراد من كرامته و النصر لنبیه صلّى اللّه علیه و آله و إعزاز الاسلام و أهله و إذلال الشرك و أهله .

    و اجتمع فی الشعب عند العقبة ثلاثة و سبعون رجلا فی اللّیلة الّتی كانوا و اعدوا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیها فبعد ما توثق العبّاس بن عبد المطلب و هو یومئذ على دین قومه للنّبی صلّى اللّه علیه و آله تكلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فتلا القرآن و دعا إلى اللّه و رغّب فی الاسلام ثمّ قال : ابایعكم على أن تمنعونی مما تمنعون منه نساءكم و أبناءكم ،

    فأخذ البراء بن معرور بیده ثمّ قال : نعم و الّذی بعثك بالحق نبیا لنمنعنّك ممّا نمنع منه ازرنا فبایعنا یا رسول اللّه فنحن و اللّه أبناء الحروب و أهل الحلقة و رثناها كابرا عن كابر .

    فاعترض القول و البراء یكلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، أبو الهیثم بن التّیهان فقال :

    یا رسول اللّه إن بیننا و بین الرّجال حبالا و انّا قاطعوها یعنى الیهود فهل عسیت ان نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك و تدعنا ؟ فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثم قال : بل الدم الدم و الهدم الهدم أنا منكم و أنتم منى احارب من حاربتم و اسالم من سالمتم .

    فبایعهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی العقبة الأخیرة على حرب الأحمر و الأسود أخذ لنفسه و اشترط على القوم لربّه و جعل لهم على الوفاء بذلك الجنّة .

    « بیان » قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : بعثت إلى الأسود و الأحمر و هی من الألفاظ التی جائت عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من باب الكنایات یرید بعثت إلى العرب و العجم فكنى عن العرب بالسود و عن العجم بالحمر ، و العرب تسمى العجمى أحمر لأن الشقرة تغلب علیه و قال جریر حیث یذكر العجم :

    یسموننا الأعراب و العرب اسمنا
    و أسماهم فینا رقاب المزاود

    [ 131 ]

    إنّما یسمونهم رقاب المزاود لأنها حمرة .

    نزول الامر لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى القتال

    و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قبل بیعة العقبة لم یؤذن له فی الحرب و لم تحلل له الدماء إنما یؤمر بالدعاء إلى اللّه و الصبر على الأذى و الصفح عن الجاهل و كانت قریش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرین حتّى فتنوهم عن دینهم و نفوهم من بلادهم فهم بین مفتون فی دینه و من بین معذب فی أیدیهم و بین هارب فی البلاد فرارا منهم ، منهم من بأرض الحبشة ، و منهم من بالمدینة و فی كلّ وجه .

    فلما عتت قریش على اللّه عزّ و جلّ و ردّوا علیه ما أرادهم به من الكرامة و كذبوا نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و عذّبوا و نفوا من عبده و وحّده و صدّق نبیّه و اعتصم بدینه أذن اللّه عزّ و جلّ لرسوله صلّى اللّه علیه و آله فی القتال و الانتصار ممّن ظلمهم و بغى علیهم فكانت أول آیة انزلت فی اذنه له فی الحرب و احلاله له الدماء و القتال لمن بغى علیهم قول اللّه تعالى : « اذن للَّذین یقاتلون إلى قوله تعالى : و للَّه عاقبة الامور ( الحج آیة 42 و 43 ) .

    فلمّا أذن اللّه تعالى له صلّى اللّه علیه و آله فی الحرب و بایعه هذا الحىّ من الأنصار على الاسلام و النّصرة له و لمن اتبعه و آوى إلیهم من المسلمین أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أصحابه من المهاجرین من قومه و من معه بمكة من المسلمین بالخروج إلى المدینة و الهجرة إلیها و اللحوق من الأنصار ، و قال : إنّ اللّه عزّ و جلّ قد جعل لكم إخوانا و دارا تأمنون بها فخرجوا ارسالا و أقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمكة ینتظر أن یأذن له ربّه فی الخروج من مكّة و الهجرة إلى المدینة .

    و لم یتخلّف معه بمكّة أحد من المهاجرین إلاّ من حبس أو فتن إلاّ أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و أبو بكر بن أبی قحافة و كان أبو بكر كثیرا ما یستأذن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی الهجرة فیقول له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لا تعجل لعل اللّه یجعل لك صاحبا فیطمع أبو بكر ان یكونه .

    [ 132 ]

    و لما رأت قریش أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد صارت له شیعة و أصحاب من غیرهم بغیر بلدهم و رأوا خروج أصحابه من المهاجرین إلیهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا و أصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و عرفوا أنهم قد أجمع لحربهم فاجتمعوا له فی دار الندوة و هی دار قصى بن كلاب التی كانت قریش لا تقضى أمرا إلاّ فیها یتشاورون فیها ما یصنعون فی أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین خافوه .

    و عن عبد اللّه بن عبّاس لما أجمعوا لذلك و اتعدوا أن یدخلوا فی دار الندوة لیتشاوروا فیها فی أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله غدوا فی الیوم الذی اتّعدوا له ، و كان ذلك الیوم یسمى یوم الزّحمة فاعترضهم إبلیس فی هیئة شیخ جلیل علیه بتلة فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا : من الشیخ ؟ قال : شیخ من أهل نجد سمع بالّذی اتّعدتم له فحضر معكم لیسمع ما تقولون و عسى أن لا یعدمكم منه رأیا و نصحا ، قالوا : أجل فادخل فدخل معهم و قد اجتمع فیها أشراف قریش و غیرهم ممّن لا یعدّ من قریش .

    فقال بعضهم لبعض إن هذا الرّجل قد كان من أمره ما قد رأیتم فانّا و اللّه ما نأمنه على الوثوب علینا فیمن قد اتبعه من غیرنا فاجمعوا فیه رأیا قال :

    فتشاوروا .

    ثمّ قال قائل منه : احبسوه فی الحدید و اغلقوا علیه بابا ثمّ تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذین كانوا قبله زهیرا و النابغة و من مضى منهم من هذا الموت حتّى یصیبه ما أصابهم ، فقال الشّیخ النجدی : لا و اللّه ما هذا لكم برأى و اللّه لئن حبستموه كما تقولون لخیرجنّ أمره من وراء الباب الّذی أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن یثبوا علیكم فینزعوه من أیدیكم ثمّ یكاثروكم به حتى یغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأى فانظروا فی غیره فتشاوروا .

    ثمّ قال قائل منهم و هو أبو الاسود ربیعة بن عامر نخرجه من بین أظهرنا فننفیه من بلادنا فاذا اخرج عنّا فو اللّه ما نبالی أین ذهب و لا حیث وقع إذا غاب عنّا و فرغنا منه فاصلحنا أمرنا و الفتنا كما كانت ، فقال الشّیخ النجدی : لا و اللّه ما

    [ 133 ]

    هذا لكم برأى ألم تروا حسن حدیثه و حلاوة منطقه و غلبته على قلوب الرجال بما یأتى به و اللّه لو فعلتم ذلك ما امنتم أن یحلّ على حىّ من العرب فیغلب علیهم بذلك من قوله و حدیثه حتّى یتابعوه علیه ثم یسیر بهم إلیكم حتّى یطأكم بهم فی بلادكم فیأخذكم أمركم من أیدیكم ثمّ یفعل بكم ما أراد ، دبّروا فیه رأیا غیر هذا .

    قال : فقال أبو جهل بن هشام : و اللّه إن لى فیه لرأیا ما أراكم وقعتم علیه بعد ، قالوا : و ما هو یا أبا الحكم ؟ قال : أرى ان نأخذ من كلّ قبیلة فتى شابا جلیدا نسیبا وسیطا فینا ، ثمّ نعطى كلّ فتى منهم سیفا صارما ثمّ یعمدوا إلیه فیضربوه بها ضربة رجل واحد فیقتلوه فنستریح منه فانهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه فی القبائل جمیعا فلم یقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جمیعا فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم ، قال : فقال الشیخ النجدی : القول ما قال الرجل هذا الرأى الّذی لا رأى غیره فتفرّق القوم على ذلك و هم مجمعون له .

    « خروج النبى صلّى اللّه علیه و آله و استخلافه علیا علیه السّلام على فراشه »

    فأتى جبرئیل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال : لا تبت هذه اللیلة على فراشك الذی كنت تبیت علیه قال : فلمّا كانت عتمة من اللیل اجتمعوا على بابه یرصدونه متى ینام فیثبون علیه ، فلما رأى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مكانهم قال لعلیّ بن أبیطالب : نم على فراشى و تسجّ ببردى هذا الحضرمیّ الأخضر فنم فیه فانّه لن یخلص إلیك شی‏ء تكرهه منهم ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ینام فی برده ذلك إذا نام .

    و لما اجتمعوا له و فیهم أبو جهل بن هشام فقال و هم على بابه : إن محمّدا یزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب و العجم ثمّ بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الاردنّ ، و إن لم تفعلوا كان له فیكم ذبح ثمّ بعثتم من بعد موتكم ثمّ جعلت لكم نار تحرقون فیها .

    و خرج علیهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فأخذ حفنة من تراب فى یده ثمّ قال أنا أقول


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه


    أبو كرز فما زال یقفو أثر رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حتى وقف بهم على باب الغار فقال لهم :

    هذا قدم محمّد هى و اللَّه اخت القدم التى فى المقام ، و قال هذه قدم أبى قحافة أو ابنه و قال : ما جازوا هذا المكان اما أن یكونوا قد صعدوا فى السماء أو دخلوا فى الأرض و جاء فارس من الملائكة فى صورة الانس فوقف على باب الغار و هو یقول لهم :

    اطلبوه فى هذه الشعاب و لیس ههنا و كانت العنكبوت نسجت على باب الغار و نزل رجل من قریش فبال على باب الغار فقال أبو بكر قد أبصرونا یا رسول اللَّه ، فقال صلّى اللَّه علیه و آله لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم .

    ثمّ قال : و قال بعضهم : یجوز أن تكون الهاء الّتى فى « علیه » راجعة إلى أبى بكر و هذا بعید ، لأنّ الضمائر قبل هذا أو بعده تعود إلى النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله بلا خلاف ، و ذلك فى قوله « إلاّ تنصروه فقد نصره اللَّه » و فى قوله « إذ أخرجه » و قوله « لصاحبه » و قوله فیما بعده « و ایّده » فكیف یتخلّلها ضمیر عائد إلى غیره هذا و قد قال سبحانه فى هذه السورة ثمّ انزل اللَّه سكینته على رسوله و على المؤمنین و قال فى سورة الفتح فانزل اللَّه سكینته على رسوله و على المؤمنین و قد ذكرت الشیعة فى تخصیص النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فى هذه الآیة بالسكینة كلاما رأینا الاضراب عن ذكره أحرى لئلا ینسبنا ناسب إلى شی‏ء . انتهى .

    أقول : و سیأتى طائفة من ذلك الكلام بعد ذا .

    و قال فى قوله تعالى : و من الناس من یشرى نفسه ابتغاء مرضات اللَّه و اللَّه رؤف بالعباد ( یه 206 البقرة ) :

    روى السّدی عن ابن عبّاس قال : نزلت هذه الآیة فى علىّ بن أبیطالب حین هرب النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله عن المشركین إلى الغار و نام علىّ علیه السّلام على فراش النبىّ صلّى اللَّه علیه و آله و نزلت هذه الآیة بین مكّة و المدینة ، و روی أنه لما نام على فراشه قام جبرئیل عند رأسه و میكائیل عند رجلیه و جبرائیل ینادى بخ بخ من مثلك یا ابن أبیطالب یباهى اللَّه بك الملائكة .

    قال المفید ( ره ) فی الارشاد فی اختصاص أمیر المؤمنین علیه السّلام بمناقب كثیرة :

    [ 142 ]

    و من ذلك أن النّبی صلّى اللَّه علیه و آله لما امر بالهجرة عند اجتماع الملاء من قریش على قتله فلم یتمكن صلّى اللَّه علیه و آله من مظاهرتهم بالخروج عن مكة و أراد صلّى اللَّه علیه و آله الاستسرار بذلك و تعمیة خبره عنهم لیتمّ الخروج على السلامة منهم ألقى خبره إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و استكتمه إیاه و كلّفه الدفاع عنه بالمبیت على فراشه من حیث لا یعلمون أنه هو البائت على الفراش و یظنون أنّه النّبی صلّى اللَّه علیه و آله بایتا على حالته الّتی كان یكون علیها فیما سلف من اللیل ، فوهب أمیر المؤمنین علیه السّلام نفسه للَّه تعالى و شراها من اللَّه تعالى فی طاعته و بذلها دون نبیّه صلوات اللَّه و سلامه علیه و آله لینجوبه من كید الأعداء و یتمّ له بذلك السّلامة و البقاء و ینتظم له به الغرض فی الدعاء إلى الملّة و إقامة الدین و إظهار الشریعة .

    فبات علیه السّلام على فراش رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله متستّرا بازاره و جاءه القوم الّذین تمالئوا على قتل النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فأحدقوا به و علیهم السلاح یرصدون طلوع الفجر لیقتلوه ظاهرا فیذهب دمه فرغا بمشاهدة بنی هاشم قاتلیه من جمیع القبائل و لا یتم لهم الأخذ بثاره منهم لاشتراك الجماعة فی دمه و قعود كلّ قبیل عن قتال رهطه و مباینة أهله ، فكان ذلك سبب نجاة النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و حفظ دمه و بقائه حتّى صدع بأمر ربّه صلّى اللَّه علیه و آله .

    و لولا أمیر المؤمنین علیه السّلام و ما فعله من ذلك لما تمّ لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله التبلیغ و الأداء و لا استدام له العمر و البقاء ، و لظفر به الحسدة و الأعداء فلما أصبح القوم و أرادوا الفتك به علیه السّلام ثار إلیهم و تفرقوا حین عرفوه و انصرفوا و قد ضلّت حیلهم فی النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و انتقض ما بنوه من التدبیر فی قتله ، و خابت ظنونهم و بطلت آمالهم .

    و كان بذلك انتظام الایمان ، و إرغام الشیطان ، و خذلان أهل الكفر و العدوان و لم یشرك أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذه المنقبة أحد من أهل الاسلام ، و لا احیط بنظیر لها على حال و لا مقارب لها فی الفضل بصحیح الاعتبار ، و فی أمیر المؤمنین علیه السّلام و مبیته على الفراش انزل اللَّه سبحانه و من النّاس من یشرى نفسه الآیة .

    ثمّ قال المفید فی الارشاد أیضا فی الفصل الآخر : و من ذلك انّ النبىّ صلّى اللَّه علیه و آله

    [ 143 ]

    كان أمین قریش على ودائعهم فلما فجأه من الكفار ما احوجه إلى الهرب من مكّة بغتة لم یجد فی قومه و أهله من یأتمنه علی ما كان مؤتمنا علیه سوى أمیر المؤمنین علیه السّلام فاستخلفه فی ردّ الودائع إلى أربابها و قضاء ما كان علیه من دین لمستحقّیه و جمع بناته و نساء أهله و أزواجه و الهجرة بهم إلیه و لم یر انّ أحدا یقوم مقامه فی ذلك من كافة النّاس فوثق بأمانته و عوّل على نجدته و شجاعته و اعتمد فی الدفاع عن أهله و حامّته على بأسه و قدرته و اطمأنّ إلى ثقته على أهله و حرمه و عرف من ورعه و عصمته ما تسكن النفس معه إلى أمانته على ذلك فقام علیّ علیه السّلام به أحسن القیام و ردّ كلّ ودیعة إلى أهلها و اعطى كلّ ذى حقّ حقه و حفظ بنات نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله و حرمه و هاجر بهم ماشیا على قدمیه یحوطهم من الاعداء و یكلاءهم من الخصماء و یرفق بهم فی المسیر حتّى أوردهم علیه صلّى اللَّه علیه و آله المدینة على اتم صیانة و حراسة و رفق و رأفة و حسن تدبیر فأنزله النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله عند وروده المدینة داره و احلّه قراره و خلطه بحرمه و أولاده و لم یمیّزه من خاصّة نفسه و لا احتشمه فی باطن امره و سرّه و هذه منقبة توحّد بها علیه السّلام من كافة أهل بیته و أصحابه و لم یشركه فیها أحد من اتباعه و اشیاعه و لم یحصل لغیره من الخلق فضل سواها یعادلها عند السبر و لا یقاربها على الامتحان .

    و روى الثعلبی فی تفسیره و الغزالى فی الاحیاء فی بیان الایثار و فضله و غیرهما من أعاظم الفریقین : انه لما بات علیّ علیه السّلام على فراش رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله اوحى اللَّه سبحانه إلى جبرئیل و میكائیل انى قد آخیت بینكما و جعلت عمر احدكما اطول من الآخر فایّكما یؤثر أحد كما بالحیاة ؟ فاختار كلاهما الحیاة فاوحی اللَّه الیهما ألا كنتما مثل علیّ بن أبیطالب علیه السّلام آخیت بینه و بین محمّد نبیّی صلّى اللَّه علیه و آله فبات على فراشه یفدیه بنفسه و یؤثره بالحیاة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه فهبطا إلیه فجلس جبرئیل عند رأسه و میكائیل عند رجلیه فقال جبرئیل بخ بخ من مثلك یا ابن أبیطالب یباهی اللَّه بك الملائكة فانزل اللَّه تعالى و من النّاس من یشرى نفسه الایة و العجب ما فی انسان العیون فی سیرة الامین و المأمون المعروف بالسیرة

    [ 144 ]

    الحلبیة تألیف علیّ بن برهان الدّین الحلبیّ الشافعی نقلا من ابن تیمیة من ان هذا الحدیث اعنی ما اوحى اللَّه إلى الملكین كذب باتفاق أهل العلم بالحدیث .

    أقول : و لعلّ وجه تكذیبه الحدیث انه ینافی نص الكتاب العزیز حیث قال عزّ من قائل فی سورة التحریم : لا یعصون اللَّه ما أمرهم و یفعلون ما یؤمرون و فی عبس : بأیدی سفرة . كرام بررة و كذا ینافی الاخبار الاخر القائلة بانهم لا یعصون اللَّه طرفة عین و لا یغشاهم سهو العقول و نحوها . فتأمل و اللَّه أعلم .

    و فی الكافی للكلینی قدس سره عن سعید بن المسیب سأل علىّ بن الحسین علیهما السّلام عن علىّ علیه السّلام إلى أن قال علیه السّلام و خلف علیّا فى امور لم یكن یقوم بها أحد غیره و كان خروج رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله من مكّة فى أوّل یوم من شهر ربیع الأوّل و ذلك یوم الخمیس من سنة ثلاث عشرة من المبعث و قدم صلّى اللَّه علیه و آله المدینة لاثنتى عشرة لیلة خلت من شهر ربیع الأوّل مع زوال الشمس فنزل بقبا فصلى الظهر ركعتین و العصر ركعتین ثمّ لم یزل مقیما ینتظر علیّا علیه السّلام یصلى الخمس صلوات ركعتین ركعتین و كان نازلا على عمرو بن عوف فأقام عندهم بضعة عشر یوما یقولون له أتقیم عندنا فنتخذ لك منزلا و مسجدا فیقول لا إنی أنتظر علیّ بن أبیطالب و قد أمرته أن یلحقنی و لست مستوطنا منزلا حتى یقدم علىّ .

    إلى أن قال : قال سعید بن المسیب لعلیّ بن الحسین علیهما السّلام جعلت فداك كان أبو بكر مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حین أقبل المدینة فأین فارقه ؟ فقال : إنّ أبا بكر لما قدم رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إلى قبا فنزل بهم انتظر قدوم علیّ علیه السّلام فقال له أبو بكر انهض بنا إلى المدینة فان القوم قد فرحوا بقدومك و هم یستریثون اقبالك الیهم فانطلق بنا و لا تقم ههنا تنتظر علیّا فما أظنه یقدم علیك إلى شهر ، فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله كلاّ ما اسرعه و لست اریم حتى یقدم ابن عمی و اخی فی اللَّه تعالى و احبّ أهل بیتی إلىّ فقد وقانى بنفسه من المشركین قال : فغضب عند ذلك أبو بكر و اشمأز و داخله من ذلك حسد لعلىّ علیه السّلام و كان ذلك أول عداوة بدت منه

    [ 145 ]

    لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فی علیّ علیه السّلام و أول خلاف على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فانطلق حتّى دخل المدینة و تخلف رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بقبا حتّى ینتظر علیا علیه السّلام الحدیث .

    و فی الدیوان المنسوب إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام :

    وقیت بنفسی خیر من وطأ الحصى
    و من طاف بالبیت العتیق و بالحجر

    رسول اله الخلق اذ مكروا به
    فنجاه ذو الطول الكریم من المكر

    و بتّ اراعیهم متى ینشروننی
    و قد وطّنت نفسی على القتل و الاسر

    و بات رسول اللَّه فی الغار آمنا
    موقى و فی حفظ الاله و فی ستر

    اقام ثلاثا ثمّ زمّت قلائص
    قلائص یفرین الحصى اینما یفرى

    اردت به نصر الإله تبتّلا
    و اضمرته حتّى اوسّد فی قبری

    طریقه صلّى اللَّه علیه و آله فى هجرته من مكة الى المدینة

    فی السیرة النبویة لابن هشام و فی التاریخ للطبری : فلما خرج بهما دلیلهما عبد اللَّه بن ارقط سلك بهما اسفل مكّة .

    ثمّ مضى بهما على الساحل حتّى عارض الطریق اسفل من عسفان ، ثمّ سلك بهما على اسفل امج ، ثمّ استجاز بهما حتّى عارض بهما الطریق بعد ان أجاز قدیدا ثمّ اجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرّاز ، ثمّ سلك بهما ثنیّة المرّة ، ثمّ سلك بهما لقفا ، ثمّ اجاز بهما مدلجة لقف ، ثم استبطن بهما مدلجة محاج ، ثمّ سلك بهما مرجح محاج ، ثمّ تبطّن بهما مرجح من ذی الغضوین ، ثمّ بطن ذى كشر . ثم اخذ بهما على الجداجد ، ثمّ على الاجرد ، ثمّ سلك بهما ذا سلم ، ثمّ على العبابید ، ثمّ اجاز بهما الفاجّة ، ثم هبط بهما العرج ثمّ خرج بهما دلیلهما من العرج فسلك بهما ثنیّة العائر حتى هبط بهما بطن رئم ثمّ قدم بهما قباء لاثنتى عشرة لیلة خلت من شهر ربیع الأوّل یوم الاثنین حین اشتدّ الضحاء ، و كادت الشمس تعتدل و نزل على كلثوم بن هدم فأقام رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بقباء فی بنی عمرو بن عوف یوم الاثنین و یوم الثلاثاء و یوم الاربعاء و یوم الخمیس و اسّس مسجده ثمّ خرج من قبا إلى المدینة و نزل على أبی أیّوب الأنصاری

    [ 146 ]

    و لا یسع المقام ذكره على التفصیل و اقام علیّ بن أبی طالب علیه السّلام بمكّة ثلاث لیال و أیّامها حتّى ادّى عن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله الودائع الّتی كانت عنده للناس حتّى إذا فرغ منها لحق برسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فنزل معه صلّى اللَّه علیه و آله على كلثوم بن هدم فی قباء .

    قال المسعودى فی مروج الذهب : فخرج النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله من مكّة و معه أبو بكر و عامر بن فهیرة مولى أبی بكر و عبد اللَّه بن أرقط الدئلی دلیل بهم على الطریق و لم یكن مسلما و كان مقام علىّ بن أبیطالب بعده بمكة ثلاثة أیام إلى أن أدى ما أمر بأدائه ثمّ لحق بالرسول صلّى اللَّه علیه و آله و كان دخوله علیه السّلام إلى المدینة یوم الاثنین لاثنتی عشرة لیلة مضت من ربیع الأوّل ، فأقام بها عشر سنین كوامل و كان نزوله علیه السّلام فی حال موافاته المدینة بقبا على سعد بن خیثمة و كان مقامه بقباء یوم الاثنین و الثلاثاء و الأربعاء و الخمیس و سار یوم الجمعة ارتفاع النهار و أتته الأنصار حیّا حیّا یسأله كلّ فریق النّزول علیه و یتعلقون بزمام راحلته و هى تجذبه فیقول صلّى اللَّه علیه و آله خلوا عنها فانها مأمورة حتّى أدركته الصلاة فی بنی سالم فصلى بهم یوم الجمعة و كانت تلك أوّل جمعة صلیت فی الاسلام و هذا موضع تنازع الفقهاء فی العدد الّذی بهم تتم صلاة الجمعة فذهب الشافعی فی آخرین معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتّى یكون عدد المصلین أربعین فصاعدا و أقل من ذلك لا یجزی و خالفه غیره من الفقهاء من أهل الكوفة و غیرهم و كان فی بطن الوادی المعروف بوادی رائوناء إلى هذه الغایة .

    أقول : فی كتاب إنسان العیون فی سیرة الأمین و المأمون المعروف بالسیرة الحلبیّة تألیف علیّ بن برهان الدین الحلبی الشافعی ، و عند مسیره صلّى اللَّه علیه و آله إلى المدینة أدركته صلاة الجمعة فی بنی سالم بن عوف فصلاها فی المسجد الذی فی بطن الوادی بمن معه من المسلمین و هم مأة و صلاها بعد ذلك فی المدینة و كانوا به صلّى اللَّه علیه و آله أربعین فعن ابن مسعود أنه صلّى اللَّه علیه و آله جمع بالمدینة و كانوا أربعین رجلا أى و لم یحفظ أنه صلاها مع النقض عن هذا العدد و من حینئذ صلّى الجمعة فی ذلك المسجد سمّى هذا المسجد بمسجد الجمعة و هو على یمین السالك نحو قباء فكانت أوّل جمعة صلاها بالمدینة « إلى أن

    [ 147 ]

    قال : » و كان هو صلّى اللَّه علیه و آله بالمدینة یخطب الجمعة بعد أن یصلّى مثل العیدین فبینما هو یخطب یوم الجمعة قائما إذ قدمت عیر دحیة الكلبی و كان إذا قدم یخرج أهله للقائه بالطبل و اللهو و یخرج النّاس للشراء من طعام تلك العیر فانفض الناس و لم یبق معه صلّى اللَّه علیه و آله إلا نحو اثنى عشرة رجلا .

    و فی كنز العرفان للفاضل المقداد : فخرج النّاس فلم یبق فی المسجد الا اثنى عشر رجلا ، و عن ابن عبّاس لم یبق الا ثمانیة ، و عن ابن كیسان أحد عشر .

    و فی السیرة الهشامیّة لم یذكر عددهم .

    و قال الجصّاص الحنفی فی أحكام القرآن : و اختلفوا فى عدد من تصحّ به الجمعة من المأمومین : أبو حنیفة و زفر و محمّد و اللیث ثلاثة سوى الإمام ، و روى عن أبى یوسف اثنان سوى الإمام و به قال الثورى ، و قال الحسن بن صالح إن لم یحضر الإمام الا رجل واحد فخطب علیه و صلّى به أجزأهما ، و أما مالك فلم یجد فیه شیئا و اعتبر الشافعی أربعین رجلا .

    ثمّ قال : روى جابر أن النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله كان یخطب یوم الجمعة فقدم عیر فنفر النّاس و بقى معه اثنا عشر رجلا فأنزل اللَّه تعالى : و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إلیها و معلوم أنّ النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله لم یترك الجمعة منذ قدم المدینة و لم یذكر رجوع القوم فوجب أن یكون قد صلّى باثنى عشر رجلا .

    و نقل أهل السیر ان أوّل جمعة كانت بالمدینة صلاها مصعب بن عمیر بأمر النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله باثنى عشر رجلا و ذلك قبل الهجرة فبطل بذلك اعتبار الأربعین ، و أیضا الثلاثة جمع صحیح فهى كالأربعین لاتفاقهما فى كونهما جمعا صحیحا و ما دون الثلاثة مختلف فى كونه جمعا صحیحا فوجب الاقتصار على الثلاثة و اسقاط اعتبار مازاد ، انتهى .

    و فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة : المالكیة قالوا أقل الجماعة الّتى تنعقد بها الجمعة اثنا عشرة رجلا غیر الامام .

    و الحنفیة قالوا یشترط فى الجماعة التى تصح بها الجمعة أن تكون بثلاثة

    [ 148 ]

    غیر الامام .

    الشافعیة قالوا أن یكونوا أربعین و لو بالامام فلا تنعقد الجمعة بأقلّ من ذلك .

    و الحنابلة قالوا أن لا یقل عددهم عن أربعین و لو بالامام انتهى و قوله المالكیة قالوا تنعقد الجمعة باثنى عشرة رجلا لا ینافى ما ذهب عن الجصاص و ما قاله الشیخ الطوسى ( ره ) فى الخلاف و لم یقدر مالك فى هذا شیئا كما لا یخفى .

    و هذه مذاهب العامّة فى عدد من تصح به الجمعة ، و عند أصحابنا الامامیة لا تنعقد الجمعة بأقلّ من خمسة و الإمام أحدهم ، و تجب علیهم بسبعة و الإمام أحدهم قطعا و إنّما الكلام فى بلوغ العدد مع الامام خمسة هل تجب تخییرا و جوازا أو تجب عینا ، و ذلك لأن من أهل البیت علیهم السّلام فى العدد روایتین :

    ففى التهذیب باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السّلام قال : تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمین و لا تجب على أقل منهم الامام و قاضیه و المدعى حقا و المدعى علیه و الشاهدان و الذی یضرب الحدود بین یدی الامام .

    و فیه عن البقباق عن أبى عبد اللَّه علیه السّلام قال : أدنى ما یجزی فی الجمعة سبعة أو خمسة أدناه .

    و فى الكافى و التهذیب عن زرارة كان أبو جعفر علیه السّلام یقول : لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتین على أقل من خمسة رهط الامام و أربعة .

    و فى الفقیه قال زرارة : قلت له علیه السّلام : على من تجب الجمعة ؟ قال : تجب على سبعة نفر من المسلمین و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمین أحدهم الامام فاذا اجتمع سبعة و لم یخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم .

    و فى التهذیب عن منصور بن حازم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : یجمع القوم یوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد فان كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم الحدیث .

    و كذا اخبار اخر بعضها یفید أن الجمعة لا تنعقد بأقل من خمسة ، و بعضها یفید أنها تنعقد من سبعة ، و لا تنافى بینهما لأن الخبر الذی یتضمن اعتبار سبعة أنفس

    [ 149 ]

    فهو على طریق الفرض و الوجوب ، و الخبر الأخیر على طریق الندب و الاستحباب و على جهة الأولى و الأفضل كما فى التهذیبین و الخلاف ، و غیرها من أسفار الامامیة من غیر واحد من علمائنا ، و بالجملة هؤلاء قالوا بأن السبعة شرط للوجوب العینى و الخمسة للتخییری ، و هذا لا یخلو عندى من قوة .

    و قال آخرون إذا كانوا خمسة تجب عینا لا تخییرا و فى الریاض أنه قول الأكثر ، و اعلم أن هذا الشرط یختص بالابتداء دون الاستدامة بلا خلاف فیه بیننا الامامیة .

    ثمّ إن الامامیة اختلفوا فى إقامة الجمعة فى زمن الغیبة فبعضهم أسقطوها لأن صلاة الجمعة عند حصول شرائطها لا تجب إلاّ عند حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان للصلاة و یعنون بالسلطان العادل الامام علیه السّلام ، و بعضهم أوجبوها عند الغیبة أیضا و هذا لا یخلو عندى من قوة و یكون مجزیا عن الظهر و الاختلاف بین الفقهاء فى مسائل الجمعة كثیر و لیطلب فى الكتب الفقهیّة .

    المؤاخاة بین المهاجرین و الانصار

    ثمّ آخى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بین أصحابه من المهاجرین و الأنصار فقال تآخوا فى اللَّه أخوین أخوین ، ثمّ أخذ بید علىّ بن أبیطالب علیه السّلام فقال : هذا أخى ، فكان رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله سید المرسلین و امام المتقین و رسول ربّ العالمین الذی لیس له خطیر و لا نظیر من العباد و علىّ بن أبیطالب علیه السّلام أخوین ، و كان حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و زید بن حارثة مولى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله أخوین ، و جعفر بن أبیطالب و معاذ بن جبل أخوین ، و كذا غیر واحد من المهاجرین و الأنصار أخوین على التفصیل المذكور فیهما .

    كلام ابن أبى جمهور الاحسائى فى المجلى

    قال السالك الموحد الفقیه المتكلم المتأله المرتاض الرّاوی للأحادیث

    [ 150 ]

    المرویّة عن الأئمة الهداة المعروف بابن أبى جمهور الاحسائى فى كتابه الجامع للاصول الیقینیّة و المنازل العرفانیّة بالبراهین العقلیّة و النقلیة المعروف بالمجلى ،

    فى أدلّة اثبات الخلافة لعلىّ بن أبیطالب علیه السّلام :

    و یوم المواخاة یوم مشهور و موقف معلوم مبناه على تمییز الأشباه و النظائر و الاطّلاع على الخصائص و الضمائر و لم تكن المواخاة یومئذ عن الهوى بل إنما هو وحى یوحى ، فواخى بین أصحابه فقرن كلّ شبه إلى شبهه ، و جعل كلّ نظیر مع نظیره ، و لم یقرن بین علیّ علیه السّلام و بین أحد من الصحابة ، بل عدل به عن جمیعهم ثمّ اختاره لنفسه و قرن بینه و بینه و میزه من بینهم باخوته ، و شرفه علیهم بقربه ، إظهارا لشأنه و احتجاجا علیهم ببیان حاله و كان ذلك بوحى من اللَّه و نصّه فكان ذلك موجبا له استحقاق الولایة و القیام فیهم مقامه ، اذ كلّ أخ قائم مقام أخیه فیماله من المزایا ، فان الاخوة مشاكلة و مشابهة فى الصفات ، فیقال للشى‏ء أخو الشى‏ء إذ كان بینه و بینه مشابهة كلّیة فى جمیع صفاته ، و لما كانت الولایة من أجلّ الصفات الّتى كان صلّى اللَّه علیه و آله متصفا بها وجب أن یكون أخوه و مماثله و مشاكله موصوفا بها ، و إلا لما تحققت الاخوة و لا ثبت معناها و لم یكن للمماثلة و المشاكلة حینئذ معنى ، فتضیع الفائدة من ذلك الفعل الصّادر عن الحكیم بنصّ أحكم الحاكمین .

    فان قلت : یلزم على ما قرّرتموه إدخال النبوّة لأنها من جملة الصفات و هو خلاف الاجماع .

    قلت : النّبوة معلومة الاستثناء بالأصل لما ثبت عند الكل من عدم جواز المشاركة فیها لتحقق معنى الختم به فانحجب ما سواه عن بلوغ مرتبتها فلا تصحّ المشاركة و المماثلة فیها و یبقى ما عداها داخلا فى عموم الاخوة هذا مع ان الولایة المطلقة الثابتة له صلّى اللَّه علیه و آله كما عرفت أعلى و أجلّ و أعظم من مرتبة النّبوّة ما عرفت أن مقام الاولى مقام الوحدة و أن مقام الثانیة مقام الكثرة و الوحدة أجلّ و أعلى من الكثرة ، فاذا ثبت أن الولایة له فقد ثبت له مقام الوحدة

    [ 151 ]

    الذی هو مبدء الكثرة .

    ثمّ إنّ الولایة الّتی هی مقام الوحدة الثّابت له باعتبار الاخوة یستلزم ثبوت مقام الكثرة بواسطة الرد إلى الخلق بعد المرور على مقام الوحدة الثابت له بقوله صلّى اللّه علیه و آله لعلىّ علیه السّلام یا علیّ إنك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى إلاّ أنك لست بنبیّ .

    فمقام النّبوّة الخاص بعد الولایة المطلقة استثنى و لم یستثن مقتضاه أعنی الرد إلی الخلق لأنه إذا كان له مقام الولایة الخاصة كانت السیاسة بیده و هی مقتضى الكثرة بواسطة إهداء الخلق و القیام علیهم بما یكلمهم و یصلح معاشهم و معادهم ، فلا یكون مقتضى مقام الكثرة مسلوبا عنه و ذلك هو مقتضی مقام النّبوة و لازمه لا هو ، فالواجب للولیّ هو مقتضى مقام النّبوّة و لازمه لا هو فما فاته علیه السّلام شی‏ء من معانی الاخوة و لا خصائص كمال الأخ سوا الاسم المحجوب عنه و عن كلّ ما سواه للمصلحة المقتضیة لسلبه ، انتهى ما أردنا نقله من المجلى .

    قال العلامة الحلیّ قدس سره فی شرح تجرید الاعتقاد لنصیر الحق و الملّة و الدین الخواجة الطوسی قدس اللّه روحه القدسی عند قوله : و علیّ علیه السّلام أفضل :

    اختلف النّاس ههنا فقال عمر و عثمان و ابن عمر و أبو هریرة من الصحابة :

    إنّ أبا بكر أفضل من علىّ علیه السّلام ، و به قال من التابعین الحسن البصری و عمرو بن عبید و هو اختیار النظام و أبی عثمان الجاحظ ، و قال الزبیر و المقداد و سلمان و جابر ابن عبد اللّه و عمّار و أبوذر و حذیفة من الصحابة : إنّ علیّا علیه السّلام أفضل ، و به قال من التابعین عطاء و مجاهد و سلمة بن كهیل ، و هو اختیار البغدادیین كافة و الشیعة بأجمعهم و أبى عبد اللّه البصری ، و توقف الجبائیان و قاضی القضاة ، قال أبو على الجبائی ان صحّ خبر الطائر فعلیّ أفضل .

    و نحن نقول : إن الفضائل إما نفسانیة أو بدنیة ، و علیّ علیه السّلام كان أكمل و أفضل من باقی الصحابة فیهما ، و الدلیل على ذلك وجوه ذكرها المصنف رحمه اللّه « إلى أن قال فی وجه الثامن عشر : » .

    [ 152 ]

    انّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لما و اخی بین الصحابة و قرن كلّ شخص إلى مماثله فی الشرف و الفضیلة رأى علیّا علیه السّلام متكدرا ( متفكرا خ ل ) فسأله عن سبب ذلك فقال : انك آخیت بین الصحابة و جعلتنی متفردا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : ألا ترضى أن تكون أخی و وصیّی و خلیفتی من بعدی ؟ فقال : بلى یا رسول اللّه ، فواخاه من دون الصحابة فیكون أفضل منهم .

    و قال الشاعر العارف الحكیم مجدود بن آدم السنائی فی الحدیقة بالفارسیة :

    مرتضائى كه كرد یزدانش
    همره جان مصطفى جانش

    هر دو یكقبله و خردشان دو
    هر دو یكروح و كالبدشان دو

    دو رونده چو أختر گردون
    دو برادر چو موسى و هارون

    هر دو یكدرّ ز یك صدف بودند
    هر دو پیرایه شرف بودند

    تا نه بگشاد علم حیدر در
    ندهد سنّت پیمبر بر

    و قال فى دیوانه :

    آنكه او را بر سر حیدر همى خوانى أمیر
    كافرم گر میتواند كفش قنبر داشتن

    تا سلیمان وار باشد حیدر اندر صدر ملك
    زشت باشد دیو را بر تارك أفسر داشتن

    چون همیدانى كه شهر علم را حیدر در است
    خوب نبود جز كه حیدر میر و مهتر داشتن

    كى روا باشد بناموس و حیل در راه دین
    دیو را بر مسند قاضى أكبر داشتن

    روى عمرو بن القناد عن محمّد بن فضیل عن أشعث بن سوار قال : سبّ عدى ابن أرطاة علیّا علیه السّلام على المنبر فبكى الحسن البصری و قال لقد سبّ هذا الیوم رجل انه لأخو رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى الدّنیا و الآخرة .

    و روى عبد السلم بن صالح عن إسحاق الأزرق عن جعفر بن محمّد عن آبائه علیهم السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لما زوج فاطمة دخل النساء علیها فقلن یا بنت رسول اللّه خطبك فلان و فلان فردّهم عنك و زوّجك فقیرا لا مال له ، فلما دخل علیها أبوها صلّى اللّه علیه و آله رأى ذلك فى وجهها فسألها فذكرت له ذلك ، فقال : یا فاطمة إنّ اللّه أمرنى

    [ 153 ]

    فأنكحتك أقدمهم سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما ، و ما زوّجتك إلاّ بأمر من السماء أما علمت أنّه أخى فى الدّنیا و الآخرة ؟ .

    الكلام فى أن مبیت على علیه السّلام على فراش رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله منقبة لم یحصل لغیره من الخلق فضل یعادلها

    لا یخفى على ذى درایة أن مبیته علیه السّلام على فراش رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حیث وهب نفسه للّه تعالى و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله فضیلة لا یقاس الیها بذل المال و نعم ما قیل :

    جادوا بأنفسهم فى حبّ سیّدهم
    و الجود بالنفس أقصى غایة الجود

    و للّه درّ قائله :

    مبیت علىّ بالفراش فضیلة
    كبدر له كلّ الكواكب تخضع

    و من أعرض عن ذلك و اعترض فیه فهو مكابر نفسه ، و لیلة المبیت متواتر لا یریبه عاقل و بذل علىّ علیه السّلام نفسه دون نبیه صلّى اللّه علیه و آله فى اللیلة مسلم عند الكلّ و بلغ مبلغ الضرورة .

    و للمغفلین فى بذل أبى بكر طائفة من ماله و مصاحبته رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله تعسفات استدلوا على ذلك من آیة الغار و استنبطوا منها صورا مشوّهات و استمسكوا بتلك العرى الواهیة على تفضیل من قال : اقیلونى فلست بخیركم و علىّ فیكم ، على من كلّت فیه ألسن العالمین .

    و آیة الغار عندهم من أشهر الدلائل على فضل أبی بكر بستّة أوجه :

    الأوّل انّ اللّه تعالى جعله ثانی رسوله بقوله « ثانی اثنین » ، الثانی وصف اجتماعهما فی مكان واحد بقوله « اذ هما فى الغار » ، الثالث جعله مصاحبا له صلّى اللّه علیه و آله بقوله « لصاحبه » الرابع قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله له رحمة و محبة بقوله « لا تحزن » .

    الخامس ان اللّه كان لهما فی التصرف و الاعانة على نسبة واحدة بقوله « انّ اللّه معنا » السادس نزول السكینة علیه بارجاع الضمیر الیه دون الرسول صلّى اللّه علیه و آله .


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • تفاسیر نهج البلاغه

    [ 237 ] و من خطبة له ع فی المسارعة إلى العمل

    فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِی نَفَسِ اَلْبَقَاءِ وَ اَلصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ اَلتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ وَ اَلْمُدْبِرُ یُدْعَى وَ اَلْمُسِی‏ءُ یُرْجَى قَبْلَ أَنْ یَخْمُدَ اَلْعَمَلُ وَ یَنْقَطِعَ اَلْمَهَلُ وَ یَنْقَضِیَ اَلْأَجَلُ وَ یُسَدَّ بَابُ اَلتَّوْبَةِ وَ تَصْعَدَ اَلْمَلاَئِكَةُ فَأَخَذَ اِمْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَ أَخَذَ مِنْ حَیٍّ لِمَیِّتٍ وَ مِنْ فَانٍ لِبَاقٍ وَ مِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ اِمْرُؤٌ خَافَ اَللَّهَ وَ هُوَ مُعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ وَ مَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ اِمْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا وَ زَمَّهَا بِزِمَامِهَا فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِی اَللَّهِ وَ قَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اَللَّهِ

    المختار المأتان و الخامس و الثلاثون

    و من خطبة له علیه السّلام : فاعملوا و أنتم فی نفس البقاء و الصّحف منشورة ،

    و التّوبة مبسوطة ، و المدبر یدعى ، و المسی‏ء یرجى قبل أن یخمد العمل و ینقطع المهل ، و ینقضی الأجل ، و یسدّ باب التّوبة ، و تصعد الملائكة فأخذ امرؤ من نفسه لنفسه ، و أخذ من حیّ لمیّت ، و من فان لباق ، و من ذاهب لدائم ، امرؤ خاف اللّه و هو معمّر إلى أجله ، و منظور إلى عمله امرؤ ألجم نفسه بلجامها ، و زمّها بزمامها ، فأمسكها بلجامها عن معاصى اللّه ، و قادها بزمامها إلى طاعة اللّه .

    [ 168 ]

    اللغة

    ( فی نفس البقاء ) أى فى سعته . و النفس بالتحریك كالسبب السعة و الفرج و المهلة و الفسحة . فى الصحاح للجوهرى : و النفس بالتحریك ، یقال انت فى نفس من امرك أى فى سعة .

    ( الصحف ) جمع الصحیفة أى الكتاب و تجمع على الصحائف أیضا و المراد به هنا صحائف اعمال الانسان ( التوبة ) اصلها الرجوع عمّا سلف و لذا فسّر الزمخشرى قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب علیه ( البقرة یة 36 ) : أى فرجع علیه بالرحمة و القبول و فى الاصطلاح الندم على الذنب لقبحه عند العدلیة و لذا عرفوها على التفصیل بقولهم : هى الندم على المعصیة لكونها معصیة مع العزم على ترك المعاودة فى المستقبل و بعبارة اخرى الندم على القبیح مع العزم ان لا یعود إلى مثله فى القبح كما یأتى شرحها و تفسیرها . و التوبة إذا اسند إلى اللّه تعالى تكون صلته على كقوله تعالى : فتاب علیه و قوله تعالى : و ارنا مناسكنا و تب علینا ( البقرة یة 123 ) و إذا اسند إلى العبد تكون صلته إلى كقوله تعالى : یا أیّها الّذین آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحاً ( التحریم یة 8 ) فى صحاح الجوهرى : و تاب إلى اللّه توبة و متابا و قد تاب اللّه علیه وفّقه لها .

    و قال الطبرسى فى المجمع : التوبة و الاقلاع و الانابة فى اللغة نظائر و ضدّ التوبة الاصرار و اللّه تعالى یوصف بالتواب و معناه انه یقبل التوبة عن عباده و اصل التوبة الرجوع عما سلف و الندم على ما فرط فاللّه تعالى تائب على العبد بقبول توبته و العبد تائب إلى اللّه تعالى بندمه على معصیته ( یدعى و یرجى ) كل واحد منهما ناقص واوى من دعو و رجو و یحتمل إن یكون یرجى من الارجاء اى التاخیر و الامهال و قلب الهمزة یاء لغة فیه فقلب الهمزة یاء ثمّ ابدل الفا و منه قوله تعالى فى الاعراف و الشعراء قالوا ارجه و اخاه قال الجوهرى فى صحاح اللغة ارجأت الامر : اخّرته ،

    بالهمز و بعض العرب یقول ارجیت ، و لا یهمز .

    ( یخمد ) فى الصحاح : خمدت النار تخمد خمودا إذا سكن لهبها و لم یطفأ جمرها و خمدت الحمّى سكن فورانها ، و جاء من بابى نصر و علم قال یزید بن حمان

    [ 169 ]

    السكونى فی الحماسة الثالثة و التسعین .

    انّی حمدت بنى شیبان اذ خمدت
    نیران قومى و فیهم شبّت النار

    و روى ( یحمد العمل ) بالهاء المهملة و الاول اولى و انسب بقرینة ینقطع ( المهل ) بالتحریك كالأجل : التّؤدة و قال المرزوقی فی شرحه على الحماسة المهل و المهل و المهلة تتقارب فی اداء معنى الرفق و السكون ، و المراد به ههنا العمر الّذی امهل الناس فیه .

    ( الاجل ) بالتحریك : مدّة الشی‏ء ، وقت الموت ، غایة الوقت .

    ( فاخذ ) امر فی صورة الخبر اى فلیأخذ .

    ( میت ) فیعل من الموت و اصله میوت كسیّد سیود من السودد ، قال نظام الدین النیشابورى فی شرحه على الشافیة لابن الحاجب : نحو سید لیس مكرر العین إذ لم یوجد فعل بكسر العین فی الاسماء الصحیحة و لا فعل بفتحها و فیعل بالكسر و ان لم یوجد فی الصحیح إلاّ انهم وجدوا فیعلا بالفتح نحو صیرف و ضیغم فكانهم خصّوا الاجوف بالكسر لمناسبة الیاء ( اللجام ) معرب لگام كما فی الصحاح اللجام فارسىّ معرّب .

    ( قادها ) قدت الفرس و غیره أقود قودا إذا مشیت أمامه آخذا بمقوده عكس ساق یقال ساق الدّابة سوقا من باب قال كقاد إذا حثّها على السیر من خلف .

    الاعراب

    كلمة الفاء فی قوله علیه السّلام فاعملوا لمجرد الترتیب و التقدیر انتم فی نفس البقاء و . . . فاعملوا قبل ان یخمد العمل .

    الواو فی ( و انتم فی نفس البقاء ) للحال و الجملة مبتداء و خبر و الجمل الاربع بعدها معطوفة علیها اى و الحال انتم فی نفس البقاء و الحال الصحف منشورة و هكذا .

    ( قبل ان یخمد العمل ) الظرف متعلق بقوله فاعملوا ، و الجمل الاربع بعدها معطوفة علیها اى فاعملوا قبل ان ینقطع المهل و فاعملوا قبل ان ینقضى الاجل و هكذا

    [ 170 ]

    ( فاخذ امرؤ من نفسه لنفسه ) اخذ فعل ماض اقیم مقام الامر اعنى انه امر فی صورة الخبر أى فلیأخذ و كلمة ( فا ) رابطة للجواب بالشرط و التقدیر إذا كان كذلك فلیأخذ ، و كلمتا من و اللام الجارتین متعلقان باخذ و اللام للتعلیل و كذا الجمل الثلاث التالیة .

    ( امرؤ خاف ) بدل لامرؤ فی قوله فاخذ امرؤ و كذا قوله امرؤ ألجم نفسه .

    ( و الواو ) فی و هو معمر للحال و منظور عطف على معمر .

    و قوله ( فامسكها بلجامها ) الى قوله ( طاعة اللّه ) مفصلة و مبینة لقوله ألجم نفسه بلجامها و زمها بزمامها فالفاء فیها للترتیب لان تلك الفاء تكون فی عطف مفصل على مجمل كما فى مغنى اللبیب و هذا المقام كذلك كقوله تعالى فقد سئلوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا اللَّه جهرة و نحو قوله تعالى و نادى نوح ربّه فقال رب ان ابنى من أهلى الآیة .

    و الباءات الاربع للاستعانة نحو كتبت بالقلم و نجرت بالقدوم و الاولى متعلقة بألجم و الثانیة بزمّ و الثالثة و الجارة تالیها بامسك و الرابعة و تالیها بقاد .

    المعنى

    فى هذه الخطبة یحرّض علیه السّلام النّاس و یحثهم على طاعة اللّه و المتاب إلیه تعالى و نهى النفس عن الهوى و سوقها إلى الكمالات الانسانیة و یحذرهم عن القنوط من رحمة اللّه و سوء الظنّ به تعالى و الیأس من روح اللّه بأن باب التوبة مفتوح و وقت العمل باق فقال علیه السّلام :

    ( فاعملوا و انتم فى نفس البقاء ) اى فاعملوا لآخرتكم و خذوا من ممركم لمقركم و الحال انتم فى سعة من البقاء و الحیاة فلم یتصرم وقت العمل فاغتنموا الفرص و كونوا ابناء الوقت .

    قوله علیه السّلام ( و الصحف منشورة ) أى الصحائف التى كتب فیها أعمال الخلائق منشورة لم یطو بعد و انما یطوى بانقضاء الاجل أى فاعملوا و انتم احیاء بعد لما علمت ان صحیفة اعمال الانسان لا یطوى الا إذا مات فالانسان متى لم یجى‏ء اجله فهو فى

    [ 171 ]

    سعة ان یعمل الصالحات .

    قوله علیه السّلام ( و التوبة مبسوطة ) أى ان التوبة لیست مردودة علیكم و لا مقبوضة عنكم ان فعلتموها فهى مبسوطة و بابها مفتوح للانسان إلى قبیل موته .

    قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى آخر خطبة خطبها كما فى من لا یحضره الفقیه للصدوق قدس سره : من تاب قبل موته بسنة تاب اللّه علیه ثمّ قال و ان السنة لكثیرة من تاب قبل موته بشهر تاب اللّه علیه ثمّ قال و ان الشهر لكثیر من تاب قبل موته بیوم تاب اللّه علیه ثم قال و ان الیوم لكثیر من تاب قبل موته بساعة تاب اللّه علیه ثمّ قال الساعة لكثیرة من تاب و قد بلغت نفسه هذه و اهوى بیده إلى حلقه تاب اللّه علیه .

    و فى مجمع البیان بعد نقل هذه الروایة عن الفقیه قال : و روى الثعلبى باسناده عن عبادة بن الصامت عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله هذا الخبر بعینه إلا انه قال فی آخره و الساعة لكثیرة من تاب قبل ان یغر غربها تاب اللّه علیه .

    و فى الكافی لثقة الاسلام الكلینی قدس سرّه فی باب وقت التوبة : عن بكیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام او عن أبی جعفر علیه السّلام : قال ان آدم قال یا ربّ سلّطت علىّ الشیطان و اجریته مجرى الدم منّی فاجعل لی شیئا فقال یا آدم جعلت لك انّ من همّ من ذرّیتك بسیّئة لم یكتب علیه شی‏ء فان عملها كتبت علیه سیّئة و من همّ منهم بحسنة فان لم یعملها كتبت له حسنة فان هو عملها كتبت له عشرا قال یا ربّ زدنی قال جعلت لك انّ من عمل منهم سیّئة ثمّ استغفر غفرت له قال یا ربّ زدنى قال جعلت لهم التوبة و بسطت لهم التوبة حتى یبلغ النفس هذه قال یا ربّ حسبی .

    و فیه أیضا فی ذلك الباب عن ابن وهب : قال خرجنا إلى مكّة و معنا شیخ متعبد متأله لا یعرف هذا الأمر یتمّ الصلاة فی الطریق و معه ابن اخ له مسلم فمرض الشیخ فقلت لابن اخیه لو عرضت هذا الأمر على عمّك لعل اللّه تعالى ان یخلّصه فقال كلّهم دعوا الشیخ حتّى یموت على حاله فانّه حسن الهیئة فلم یصبر ابن اخیه حتّى قال له یا عمّ إن النّاس ارتدّوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلاّ نفرا یسیرا و كان لعلیّ بن أبیطالب علیه السّلام من الطاعة ما كانت لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كان بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله

    [ 172 ]

    الحق و الطاعة له قال فتنفّس الشیخ و شهق و قال انا على هذا و خرجت نفسه فدخلنا على أبی عبد اللّه علیه السّلام فعرض علیّ بن السرّى هذا الكلام على أبی عبد اللّه علیه السّلام فقال هو رجل من أهل الجنة فقال له علیّ بن السرّى إنّه لم یعرف شیئا من ذلك غیر ساعته تلك قال فتریدون منه ماذا قد دخل و اللّه الجنّة .

    و فی الكافی عن زرارة عن أبیجعفر علیه السّلام قال إذا بلغت النفس هذه و اومى بیده إلى حلقه لم یكن للعالم توبة و كانت للجاهل توبة .

    و فی ریاض السالكین فی شرح الصحیفة لسیّد الساجدین علیه السّلام فی الدعاء الحادى و الثلاثین : قال بعض المفسرین و من لطف اللّه تعالى بالعباد ان أمر قابض الارواح بالابتداء فی نزعها من اصابع الرجلین ثمّ تصعد شیئا فشیئا إلى ان تصل إلى الصدر ثمّ تنتهى إلى الحلق لیتمكن فی هذه المهلة من الاقبال على اللّه تعالى و الوصیّة و التوبة ما لم یعاین و الاستحلال و ذكر اللّه سبحانه فتخرج روحه و ذكر اللّه على لسانه فیرجى بذلك حسن خاتمته .

    و ههنا مباحث :

    الاول كما فى المجلى و غیره ان التعلق بالجسمانیات موجب لبعد النفس عن المعقولات و اشتغالها بالمجردات لشدة تعلقها و عظم انغماسها فی عالم الطبیعة فیحصل البعد الموجب للحرمان عن الوصول إلى الكمال .

    و فى الكافى للكلینى « ره » فى غوائل الذنوب و تبعاتها : عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال كان أبى یقول ما من شی‏ء افسد للقلب من خطیئة إن القلب لیواقع الخطیئة فما تزال به حتّى تغلب علیه فیصیر اعلاه اسفله .

    و قال الفیض « ره » فى الوافى فى بیانه : یعنى فما تزال تفعل تلك الخطیئة بالقلب و تؤثر فیه بحلاوتها حتّى یجعل وجهه الّذى إلى جانب الحقّ و الآخرة إلى جانب الباطل و الدّنیا فحقیقة التوبة الاقلاع عن ذلك التعلق و نفى العلاقة و جذب النفس عن عالم الاجسام حتّى یصیر ذلك ملكة لها لیتعلق بعالم التطهیر و الحصول مع القدیسین و بذلك ینجو عن ورطة الحجاب و البعد بسبب الالتفات إلى

    [ 173 ]

    المعقولات و التعلق بالمجردات فان البعد عن احد الجانبین مقرب إلى الآخر و من هذا قوله صلّى اللّه علیه و آله الدنیا و الآخرة ككفتى میزان ایّهما رجحت نقصت الاخرى و قال بعض أهل الحكمة انهما كالضرّتین الانس بأحدهما یوجب الوحشة من الاخرى .

    و بالجملة الامور الدّنیویة و التعلق بها توجب الحرمان و منع التعلق بالامور الاخرویة و بقدر ما یبعد عن احدهما یقرب من الاخرى و عبر صلّى اللّه علیه و آله عن هذه الجملة بقوله : الدنیا رأس كلّ خطیئة فلا یتحقق التوبة المعتبرة عند أهل اللّه إلاّ بالاعراض عن الاحوال الدّنیویة بالكلّیة بحیث لا یلتفت الیها و یبعدها عن مطمح نظره كما جاء فی الحدیث : الدّنیا محرمة على أهل الآخرة و الآخرة محرّمة على أهل الدّنیا و هما معا محرّمتان على أهل اللّه و لهذا قیل إن التوبة على ثلاثة أنواع عام للعبید كلّهم و هى التوبة عن ترك الطاعة و فعل القبیح ، و خاص بأهل الورع و هى التوبة عن فعل المكروه و ترك المندوب ، و أخص من الخاص و هى التوبة عن الالتفات إلى غیر اللّه و هى لأهل الولایة الّذین هم فى مرتبة الحضور فى اغلب الاوقات ، و توبة نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و اولیائه من هذا القبیل و منه قوله : صلّى اللّه علیه و آله إنّه لیغان على قلبى و إنّى لأستغفر اللّه فى الیوم سبعین مرة ، و أهل هذه الطبقة هم أهل المراقبة .

    الثانى إن التوبة عن المعاصى واجبة على العباد و هو مبتن على مقدمة و هى :

    إن الحسن و القبح امران عقلیان و هذا حكم متفق علیه بین العدلیة من الامامیة و المعتزلة و ذهبت الاشاعرة إلى أن الحسن و القبح إنّما یستفادان من الشرع فكلما أمر الشرع به فهو حسن و كلما نهى عنه فهو قبیح و لو لا الشرع لم یكن حسن و لا قبیح و لو أمر اللّه تعالى بما نهى عنه لانقلب القبیح إلى الحسن و القول بثبوت الحسن و القبح عقلا مما یدّعى فیه أهل التحقیق الضرورة و مع ذلك نقول كما فى المجلى :

    لا ریب إن الحسن و القبیح قد استعملا لما یلائم الطبع و لما ینافیه فیقال للأوّل حسن و للثانى قبیح و یقالان باعتبار النقص و الكمال فما هو كمال یقال له الحسن و ما هو نقص یقال له قبیح فمن الأوّل قولهم هذا طعم حسن و طعم قبیح و صورة حسنة و صورة قبیحة باعتبار ملائمة الطبع و منافرته ، و من الثانى قولهم العلم

    [ 174 ]

    حسن و الجهل قبیح و مدرك هذا الحسن و القبیح فى الموضعین هو العقل عند الكل بلا مریة و ریب .

    و أمّا باعتبار استحقاق المدح و الذم بان یقال الحسن ما یستحق فاعله المدح و القبیح ما استحق فاعله الذم فهل هو مدرك بالعقل ذلك موضع نزاع 1 و أكثر العقلاء على ثبوتهما به بذلك المعنى و خالف الأشاعرة فیه و قالوا لا حكم للعقل فی ثبوتهما به بذلك المعنى بل انما الحاكم بذلك الشرع فما مدح فاعله الشرع فحسن و ما ذمّه فقبیح و هذا الأصل هو مبنى قواعد العدلیّة و مخالفوهم إذ مع تحقق ثبوت الحسن و القبح عقلا یمكن للعقل المجال فى البحث عن اثباتهما و نفیهما باعتبار حسن المدح و الذم عنده على تقدیر وقوعهما من الفاعل المختار و لذا اسندوا القبائح إلى مباشرها القریب و نفوا جمیع القبائح عن الحكیم تعالى نظرا إلى حكمته باعتبار ان وقوع القبیح مستلزم للذم عند العقل المنزه جناب الحق تعالى عنه المقدس عن النقائص و اثبتوا بذلك جمیع الواجبات العقلیة على اللّه تعالى و على غیره نظرا

    -----------
    ( 1 ) و بعبارة اخرى الحسن و القبح یطلق على ثلاثة معان : الاول على صفة الكمال و النقص كما یقال العلم حسن و الجهل قبیح بمعنى ان العلم صفة توجب كمال صاحبه و ارتفاع شأنه و النقص سبب لنقص صاحبه و انخفاض شأنه . الثانى على ما یلائم الطبع و المطلب الذى یرید ان یفعله فما وافقه فهو حسن فما خالفه فهو قبیح . الثالث استحقاق المدح و جزاء الخیر او استحقاق الذم و جزاء الشر سواء كان من جانب العقلاء او من جانب اللّه تعالى سواء كان فى الدنیا او فى الاخرة و الحسن و القبح على الاولین لا خلاف فیه و الكل متفق فى ان الافعال بعضها فى نفس الامر متصف بالحسن او القبح العقلیین و بعضها یوافق الغرض المطلوب و بعضها لا یوافق و انما الاختلاف فى الثالث فذهب العدلیة و جمهور الحكما الى ان افعال العباد فى نفس الامر متصفة بالحسن و القبح العقلیین و الاشاعرة قالوا لا حكم للعقل فى ثبوتهما بذلك المعنى بل انما الحاكم بذلك هو الشرع فقط و بتعبیر اخصروا بین ان الاشاعرة قائلون بان الحسن و القبح على المعنیین الاولین عقلى و على الثالث شرعى لا حكم للعقل فیه .

    [ 175 ]

    إلى انّ العقل یقسم الحسن عنده إلى ما ینتهى إلى الرجحان فى جانب العقل إلى أن ینتهى إلى المنع من الترك فقالوا بوجوب التكلیف و جمیع فروعه على اللّه تعالى و اوجبوا على العاقل شكر المنعم و النظر فى الامور العقلیة و قالوا إنّه مكلّف بهما و إن لم یرد الشرع بذلك و لهذا سموهم العدلیّة .

    و أمّا الاشعرى فلما لم یقل بثبوتهما عقلا لم یثبت شیئا من ذلك عنده بل قالوا إن اللّه تعالى اخبر فی الشرع بجمیع ذلك فكل قبیح و حسن انما یعلم باعلامه و لولاه لما كان للعقل علم بشی‏ء منهما فلا یقبح من اللّه شی‏ء و لا یجب علیه شی‏ء و كل ما سواه صادر عنه بناء على ما اصلوه و هذا تحقیق أصل مذهب الفریقین فی باب الافعال و لكل من الفریقین دلائل مذكورة فی مواضعها .

    و قال العلامة الحلى قدس سرّه فى شرحه على تجرید الاعتقاد : و قد شنّع أبو الحسین على الاشاعرة باشیاء ردیّة و ما شنّع به فهو حقّ إذ لا تتمشى قواعد الاسلام بارتكاب ما ذهب إلیه الاشعریة من تجویز القبائح علیه تعالى و تجویز اخلاله بالواجب و ما ادرى كیف یمكنهم الجمع بین المذهبین و اعلم انّه لا یشك عاقل إن الصدق المشتمل على النفع حسن فی نفسه و الكذب المشتمل على الضرر قبیح فی نفسه سواء لا حظ الشرع أو لا فان العاقل متى عرض ذلك على نفسه و فرض نفسه خالیا عن الشرع جزم به من غیر أن یخالجه شكّ فیه و لا یعبأ بمن انكر الضرورة إذ هو مكابر بمقتضى عقله فلا یلتفت إلیه و لهذا إن العاقل متى خیر بین الصدق و الكذب عند اختیار ما استوت منفعته و مضرّته باعتبار وقوع أیّهما منه یمیل إلى الصدق و یختاره و ما ذلك إلاّ لعلمه بما فیه من الحسن الذاتی و بما فی الكذب من القبح الذاتى و إنّما یتغیران بعوارض تعوق العقل عن اتباعهما لا عن العلم بهما فقد یختار الكذب و یترك الصدق إمّا لاشتمال الأوّل على مصلحة او منفعة عاجلة و اشتمال الثانی علی مضرة عاجلة او حصول منفعة فیمیل بحسب الطبیعة إلى مخالفة العقل طلبا لتلك الفائدة و ترجیحا لها لا لتغیر فی الصدق و الكذب عن الحسن و القبح الذاتیین لهما و ذلك بیّن تشهد به العقول السلیمة عن آفة الالفة و المحبّة و التقلید .

    [ 176 ]

    و بوجه آخر لو كان مدرك الحسن و القبح هو الشرع وحده لزم أن لا یتحققا بدونه لكن اللازم باطل فالملزوم مثله بیان الملازمة إنّه على ذلك التقدیر یكون الشرع علة فی ثبوتهما او شرطا فی تحققهما و یستحیل وجود المعلول بدون وجود العلة و ثبوت المشروط بدون الشرط فعلى تقدیر أنهما شرعیان یجب أن لا یحصلا الابه و بیان بطلان اللازم أن من لا یعتقد الشرع من اصناف الكفار كاهل الهند و البراهمة و الملاحدة یجزمون بحسن الصدق و قبح الكذب و وجوب شكر المنعم و یذمّون فاعل الكذب و تارك الشكر و یمدحون فاعله و فاعل الحسن من غیر ان یتوقفون فی ذلك على الشرع لانهم لا یعتقدون به .

    فان قلت جاز ان یكون المدرك لذلك طباعهم .

    قلت الطباع مختلفة فلو كان المدرك لذلك طباعهم لما تحقق اتفاقهم فیه لكن الأمر لیس كذلك فلا یكون إلا عقلیا .

    إن قلت جاز ان یكون ذلك ثابتا عندهم بشریعة سابقة نسختها هذه الشریعة .

    قلت إنما تجد هذا الحكم عند من ینفى الشرائع البته بل و یقبح النبوات فلا یكون ذلك الوهم حاصلا بالنسبة إلیه مع أن هذا المعتقد فی هذا الوقت لا یعرف تلك الشریعة و لا النّبیّ الّذى جائها حتّى یكون حكمه باعتبار الشرع .

    فان قلت إن اللّه تعالى اجرى عادته بخلق هذه العلوم عند تصوراتهم .

    قلت لا یجدى ذلك نفعا إذ لا یسمى ذلك شرعا إتفاقا فلا یكون إلاّ حكما عقلیا .

    ثمّ نقول إن كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع و یعاضد العقل فیما حكم به كوحدة الصانع و حسن الاحسان و شكر المنعم و وفاء العهد و اداء الامانة و قبح الكذب و الظلم و نقض العهد و الخیانة و كفر النعمة و غیرها من الامور المدركة عند العقل و أمّا كلّ ما حكم به الشرع من الأحكام الخمسة المتعلقة على افعال العباد فیحكم به العقل إن وصل إلیه و ادركه . مثلا إن الشارع تعالى احلّ اكل الغنم بشرط أن یذبح على شرائط الذبح و إن مات هذا الغنم حتف انفه او لم یراع بعض تلك الشروط

    [ 177 ]

    للذبح فهو میتة فحرّمها لمفسدة كامنة فیها فان ادرك العقل ما فى المیتة من المفسدة یقضى على وجوب اجتنابها و یذمّ آكلها و یقبح عمله و كذا إن الشارع تعالى اوجب صوم شهر رمضان و لا ریب إنّه حسن فی نفس الأمر و حرم صیام یوم الفطر و هو قبیح فی نفس الأمر فلو ادركها العقل حقّ الإدراك لحكم بحسن الأوّل و وجوبه و قبح الثانی و حرمته .

    و لذا قال المتكلمون إن البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد و عدّوا من تلك الفوائد هذین : معاضدة العقل فیما یدلّ علیه ، و استفادة الحكم فیما لا یدلّ .

    و الاحكام الخمسة مبتنیة على مصالح و مفاسد كامنة فی الافعال و الاشیاء خلافا للاشاعرة قائلین بأن الحسن و القبح یستفادان من الشرع فكلما امر الشرع به فهو حسن و كلما نهى عنه فهو قبیح و لو لا الشرع لم یكن حسن و لا قبیح كما دریت .

    و بالجملة العدلیّة أعنی الامامیة و المعتزلة و جمهور الحكماء ذهبوا إلى أن الأحكام معللة بالمصالح و المفاسد الذاتیة الكامنة فی الأشیاء و ان أفعال العباد متصفة فی نفس الأمر بالحسن و القبح أدركهما العقل أم لا لأنّه لو كان جمیع الأفعال فی الحسن و القبح و النفع و الضرّ على السواء و مع ذلك كان بعضها مأمورا به و فعله مطلوبا و بعضها الآخر منهیا عنه و تركه مطلوبا للزم الترجیح بلا مرجح و التخصیص بلا مخصص و هو فی نفسه محال و صدوره من الحكیم العلیم القدیر قبیح و ممتنع و للحكماء و المتكلمین من العدلیة فی إبرام هذا المعنی ورد أدلة الاشاعرة ادلّة اخر أعرضنا عنها خوفا للاطالة .

    و قد حصرت على سبیل الاجمال فی الضروریات الخمس الكلیّة الّتی علّلت بها الأحكام الشرعیّة الكلیّة فان كلّ واحد منها حرم لحفظ شى‏ء من تلك الكلیّات الّتی هی الضروریات الّتی لا یستقیم النوع إلاّ بحفظها ففی من لا یحضره الفقیه لرئیس المحدثین الصدوق رضوان اللّه علیه و فى باب علل تحریم الكبائر من الوافی للفیض قدس سرّه نقلا عنه :

    كتب علیّ بن موسى الرضا علیه السّلام إلى محمّد بن سنان فیما كتب من جواب مسائله :

    [ 178 ]

    حرّم اللّه قتل النفس لعلة فساد الخلق فی تحلیله لو احلّ و فنائهم و فساد التدبیر .

    و حرّم اللّه تعالى عقوق الوالدین لما فیه من الخروج من التوقیر للّه تعالى و التوقیر للوالدین و كفر النعمة و إبطال الشكر و ما یدعو من ذلك إلى قلة النسل و انقطاعه لما فی العقوق من قلة توقیر الوالدین و العرفان بحقهما و قطع الأرحام و الزهد من الوالدین فی الولد و ترك التربیة لعلّة ترك الولد برّهما .

    و حرّم اللّه الزنا لما فیه من الفساد من قتل الأنفس و ذهاب الأنساب و ترك التربیة للأطفال و فساد المواریث و ما أشبه ذلك من وجوه الفساد .

    و حرّم اللّه عزّ و جلّ قذف المحصنات لما فیه من فساد الأنساب و نفی الولد و إبطال المواریث و ترك التّربیة و ذهاب المعارف و ما فیه من الكبائر و العلل الّتی تؤدی إلى فساد الخلق .

    و حرّم اللّه أكل مال الیتیم ظلما لعلل كثیرة من وجوه الفساد : أوّل ذلك إذا أكل الانسان مال الیتیم ظلما فقد اعان على قتله إذا لیتیم غیر مستغن و لا متحمّل لنفسه و لا قائم بشأنه و لا له من یقوم علیه و یكفیه كقیام والدیه فاذا أكل ماله فكانه قد قتله و صیّره إلى الفقر و الفاقة مع ما حرّم اللّه علیه و جعل له من العقوبة فی قوله تعالى و لیخش الّذین لو تركوا من خلفهم ذرّیة ضعافاً خافوا علیهم فلیتقوا اللَّه و لیقولوا قولاً سدیداً و لقول أبی جعفر علیه السّلام إن اللّه تعالى اوعد فی أكل مال الیتیم عقوبتین عقوبة فی الدّنیا و عقوبة فی الآخرة ففی تحریم مال الیتیم استبقاء الیتیم و استقلاله لنفسه و السلامة للعقب أن یصیبهم ما أصابه لما أوعد اللّه عزّ و جلّ فیه من العقوبة مع ما فی ذلك من طلب الیتیم بثاره إذا ادرك وقوع الشحناء و العداوة و البغضاء حتّى یتفانوا .

    و حرّم اللّه الفرار من الزحف لما فیه من الوهن فی الدّین و الاستخفاف بالرسل صلوات اللّه و سلامه علیهم و الائمة العادلة علیهم السّلام و ترك نصرتهم على الاعداء و العقوبة لهم على إنكار ما دعوا إلیه من الاقرار بالربوبیة و اظهار العدل و ترك الجور

    [ 179 ]


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه

    [ 192 ]

    و الصواب صحة التوبة المجملة و القول باشتراط التفصیل موهون جدّا نظیر قصد الصوم إذ یكفى فیه نیة الكف عن المفطرات و ان لم یحضرها بباله على التفصیل على أنه لا دلیل على اشتراط التفصیل و انى لذلك البعض المعتزلى اثبات ذلك .

    السابع اختلف فى أن المكلف إذا تاب عن معصیة ثمّ ذكرها هل یجب علیه تجدید التوبة أم لا ؟ قال المحقق الطوسى و فى وجوب التجدید أیضا اشكال . و قال العلامة ( ره ) فى الشرح ، قال أبو على نعم أی یشترط تجدید التوبة عند تذكر الذنب بناء على أن المكلف القادر بقدرة لا ینفك عن الضدین إما الفعل أو الترك فعند ذكر المعصیة إمّا أن یكون نادما علیها أو مصرّا علیها و الثّانی قبیح فیجب الأوّل .

    و قال أبو هاشم لا یجب لجواز خلوّ القادر بقدرة عنهما فجاز أنه إذا ذكرها لم یندم علیها و لا یشتهى إلیها و لا یتبهج بها .

    و قال فی ریاض السالكین فی الرّوضة الحادیة و الثلاثین عند قوله علیه السّلام « فاجعل توبتى هذه توبة لا احتاج بعدها إلى توبة » : قد یستفاد من قوله علیه السّلام فاجعل توبتى « الخ » عدم وجوب تجدید التوبة عند تذكر الذنب خلافا لمن ذهب إلى أن المتذكر للذنب كالمقارف له فیجب علیه تجدید التوبة .

    قال الامدى یدل على بطلان ذلك أنا نعلم بالضرورة ان الصحابة و من اسلم بعد كفره كانوا یتذكرون ما كانوا علیه فی الجاهلیة من الكفر و لم یجب علیهم تجدید الاسلام و لا امروا بذلك و كذلك فى كل ذنب وقعت التوبة عنه .

    أقول : و لا كلام ان التوبة انما تكون عن ذنب فمن عمل ذنبا فتاب عنه ثمّ تذكر ذلك الذنب لا یكون صرف تذكره ذنبا بالاتفاق فلم یفعل عملا قبیحا و لم یرتكب ذنبا حتّى یتوب عنه فما قال أبو على كان بمعزل عن التحقیق و ما توسل به الامدى مؤید سدید لما اخترناه و حققناه .

    الثامن قال فى ریاض السالكین : قال شیخنا البهائى فى شرح الاربعین

    [ 193 ]

    العزم على عدم العود إلى الذنب فیما بقى من الامر لا بد منه فی التوبة و هل امكان صدوره منه فی بقیّة العمر شرط حتى لوزنا ثمّ جبّ و عزم على أن لا یعود إلى الزنا على تقدیر قدرته علیه لم تصح توبته أم لیس بشرط فتصح ؟ الأكثر على الثانی بل نقل بعض المتكلمین اجماع السلف علیه ، و أولى من هذا بصحّة التوبة من تاب فی مرض مخوف غلب على ظنّه الموت فیه .

    أما التوبة عند حضور الموت و تیقن الفوت و هو المعبّر عنه بالمعاینة فقد انعقد الاجماع على عدم صحّتها و نطق بذلك القرآن العزیز قال سبحانه و لیست التوبة للذین یعملون السیئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن و لا الذین یموتون و هم كفّار اولئك اعتدنا لهم عذاباً ألیماً .

    و فی الحدیث عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إن اللّه یقبل توبة العبد ما لم یغرغر ، و الغرغرة تردد الماء و غیره من الأجسام المائعة فى الحلق ، و المراد تردد الروح وقت النزع و قد روى محدثوا الامامیّة عن أئمة أهل البیت علیهم السّلام أحادیث كثیرة فى أنه لا تقبل التوبة عند حضور الموت و ظهور علاماته و مشاهدة أهواله .

    و كذا قوله تعالى فى سورة یونس فى غرق فرعون و توبته : و جاوزنا ببنى إسرائیل البحر فأتبعهم فرعون و جنوده بغیا و عدواً حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنّه لا إله إلا الذی آمنت به بنو إسرائیل و أنا من المسلمین . الآن و قد عصیت قبل و كنت من المفسدین صریح فى أن التوبة حین الایقان بالهلاك و الموت و الیأس من الحیاة لیست بمقبولة ، لأنه یكون العبد هناك ملجئا إلى فعل الحسنات و ترك القبائح فیكون خارجا عن حدّ التكلیف إذا لا یستحق على فعله المدح و لا الذم و إذا زال عنه التكلیف لم تصحّ منه التوبة ، فعند ظهور علامات الموت و مشاهدة أهواله تصیر الأمر عیانا فیسقط التكلیف كما أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضروریة سقطت التكلیف عنهم .

    و فی الفقیه سئل الصّادق علیه السّلام عن قول اللّه تعالى و لیست التوبة للذین یعملون السّیئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنی تبت الآن » قال ذلك إذا

    [ 194 ]

    عاین أمر الآخرة .

    و فی الحدیث : من تاب قبل أن یعاین قبل اللّه توبته ، و فسّر قوله علیه السّلام قبل أن یعاین بمعاینة ملك الموت و هو المروی عن ابن عباس .

    و یمكن أن یراد بالمعاینة علمه بحلول الموت و قطعه الطمع من الحیاة و تیقنه ذلك كانه یعاینه ، و أن یراد معاینة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و الوصی علیه السّلام فقد روی أنهما یحضران عند كل محتضر و یبشر انه بما یؤل إلیه من خیر و شرّ ، و معاینة منزلته فی الاخرة كما روی عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنه قال : لن یخرج أحدكم من الدّنیا حتّى یعلم این مصیره و حتى یرى مقعده من الجنّة أو النّار .

    و بالجملة تصریح الآیات و الاخبار و برهان العقل و الاجماع على أنّ التوبة عند المعاینة لیست بمقبولة ، و لو كان فی ذلك خبر ظاهره یوهم خلافه فمأوّل إلى ذلك المعنى المبرهن الصحیح على العقل و النقل .

    ثمّ الظاهر أن المرض المهلك لیس من باب المعاینة لأن الموت منه لیس بمتحقق قطعا فیمكن انصراف بعض الأخبار المخالف ظاهرها الكتاب و العقل و الاجماع على تلك الحال .

    و ما فی الكافی عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إذا بلغت النفس هذه و أومى بیده إلى حلقه لم یكن للعالم توبة و كانت للجاهل توبة ، فتشدید للعالم دون الجاهل للفرق البیّن بینهما .

    التاسع المراد بقبول التوبة إسقاط العقاب المترتب على الذنب الّذى تاب منه و سقوط العقاب بالتوبة ممّا أجمع علیه أهل الاسلام و لكن اختلفوا فی أن التوبة تسقط العقاب بذاتها لا على معنی أنها لذاتها تؤثر فی اسقاط العقاب بل على معنی أنّها إذا وقعت على شروطها و الصفة الّتی بها تؤثر فی اسقاط العقاب من غیر اعتبار امر زائد و قال آخرون إنّها تسقط العقاب لكثرة ثوابها و ذهب المحقق الطوسی إلى الأول و استدلّ علیه كما فی التجرید و شرحه للعلامة بوجوه :

    الأوّل ان التوبة قد تقع محبطة بغیر ثواب كتوبة الخارجی من الزنا فانّه یسقط

    [ 195 ]

    بها عقابه من الزنا و لا ثواب لها .

    الثانی انّه لو اسقطت العقاب بكثرة ثوابها لم یبق فرق بین تقدم التوبة على المعصیة و تأخرها عنها كغیرها من الطاعات الّتی یسقط العقاب بكثرة ثوابها و لو صح ذلك لكان التائب عن المعاصی إذا كفر أو فسق اسقط عنه العقاب .

    الثالث لو اسقطت العقاب لعظم ثوابها لما اختص بها بعض الذنوب عن بعض فلم یكن اسقاطها لما هی توبة عنه بأولى من غیره لأن الثواب لا اختصاص له ببعض العقاب دون بعض .

    و المحقق الطوسى أجاب عن حجة المخالف و تقریر تلك الحجة أن التوبة لو اسقطت العقاب لذاتها لأسقطته فی حال المعاینة و فی الدار الآخرة . و الجواب عنها أنها تؤثر فی الاسقاط إذا وقعت على وجهها و هی ان تقع ندما على القبیح لقبحه و فی الآخرة یقع الالجاء فلا یكون الندم للقبیح .

    و بالجملة لا خلاف فی سقوط العقاب بالتوبة و إنّما الخلاف فی انّه هل یجب على اللّه تعالى حتّى لو عاقب بعد التوبة كان ظلما او هو تفضل یفعله سبحانه كرما منه و رحمة بعباده ؟ المعتزلة على الأوّل و الاشاعرة على الثانی ، و الیه ذهب الشیخ أبو جعفر الطوسی قدس اللّه روحه فی كتاب الاقتصاد ، و العلامة فی بعض كتب الكلامیة ،

    و توقف المحقق الطوسى فی التجرید و مختار الشیخین هو الظاهر و دلیل الوجوب مدخول .

    قال ابن أبی جمهور الاحسائی فی المجلی : و المعتزلة بنوه على أصلهم من منع العفو عن الفاسق فلو لم یجب سقوط العقاب بها قبح تكلیف العاصی فان حسنه للتوصل به إلى حصول الثواب و هو لا یجتمع مع استحقاق العقاب عندهم فلا خلاص من العقاب حینئذ فیقبح التكلیف هذا خلف .

    و أیضا فان سقوط الذنب عقیب التوبة واجب فكذا العقاب لانّهما معلولا علة واحدة هو فعل القبیح و سقوط أحد المعلولین یستلزم سقوط المعلول الآخر لارتفاع العلة بارتفاع أحدهما فیرتفع الآخر بارتفاعها و لهذا أنّه متى اعتذر إلى من اساء الیه و عرف صحة نیته و خلوص اعتذاره و ندمه وجب ان یسقط ذمه على تلك الاساءة و لهذا ان العقلاء یذمّون من یذمّه عقیب ذلك .

    [ 196 ]

    و الاعتراض علیه أمّا أوّلا فلابتنائه على منع العفو و هو ممنوع مع جوازان بعض القبائح یقتضی الذّم و لا یقتضی العقاب كما فی حقه تعالى مع العفو . و علم من هذا أن الذّم و العقاب لا تلازم بینهما فى الوقوع و مع عدم التلازم جاز ارتفاع أحدهما دون الآخر نعم هما ملازمان فی الاستحقاق فیتم الكلام على تقدیره . و قریب من ما فی المجلی فی كشف المراد فی شرح تجرید الاعتقاد .

    فان قلت لو لم یجب قبولها وجب قبول الاسلام من الكافر فلا یصحّ تكلیفه و ذلك مخالف للاجماع ؟

    قلت الفرق ثابت فانه لما ثبت دوام عقاب الكافر و عدم جواز انقطاعه بالأدلة النقلیة لم یكن ثمّ طریق إلى حسن تكلیفه إلاّ بوجوب قبول اسلامه و لا كذلك العاصی لوجوب انقطاع عقابه بل و جواز العفو عنه فلا یقبح تكلیفه حینئذ لثبوت استحقاق الثواب له و ان لم تجب قبول توبته فمع هذا الفرق لا یتحقق الایراد .

    و الحقّ عندنا أن سقوط العقاب بالتوبة تفضّل من اللّه تعالى فانه لو وجب لكان :

    إما لوجوب قبولها و القول بالوجوب ممنوع فان من عصى أمر غیره و اساء الیه بأعظم الاساءات ثمّ اعتذر الیه لا یجب عقلا على ذلك الغیر قبول عذره و الاغماض عنه و إن لم یعف عنه لا یذمه العقلاء بل قد یرون حسن رده المسى‏ء و عدم العفو عنه .

    او لكثرة ثوابها فهو أیضا ممنوع لابتنائه على التحابط و هو باطل كما حقق فی محلّه .

    العاشر قال فی ریاض السالكین : صرّح أكثر علمائنا باستحباب الغسل للتوبة بعدها سواء كان عن كفر او فسق و سواء كان الفسق عن صغیرة او كبیرة ، بل صرّح الشهید الثانی رحمه اللّه فی شرح اللمعة باستحبابه للتوبة عن مطلق الذنب و إن لم یوجب الفسق كالصغیرة النادرة و خصّه المفید بالتوبة عن الكبائر قیل و لعل ملحوظه إن الذنوب كلّها كبائر لاشتراكها فی الخروج عن طاعة اللّه و إنّما یطلق الكبر و الصغر على الذنب بالاضافة إلى ما تحته و ما فوقه ، فالقبلة صغیرة بالنسبة إلى الزنا و كبیرة بالنسبة إلى النظر ، و قد نسب الشیخ أبو على الطبرسى رضوان اللّه علیه القول بذلك إلى أصحابنا رضى اللّه عنهم .

    [ 197 ]

    الحادیعشر فی ریاض السالكین أیضا : قال بعض الناصحین إذا أردت توبة فبرّى‏ء نفسك من التبعات و قلبك من الذنوب و وجّه وجهك إلى علام الغیوب بعزم صادق و رجاء واثق و عدّ انك عبد آبق من مولى كریم رحیم حلیم یجب عودك إلى بابه و استجارتك به من عذابه و قد طلب منك العود مرارا عدیدة و أنت معرض عن الرجوع الیه مدة مدیدة مع أنّه وعدك إن رجعت الیه و أقلعت عمّا أنت علیه بالعفو عن جمیع ما صدر عنك و الصفح عن كلّ ما وقع منك ، و قم و اغتسل احتیاطا و طهر ثوبك و صلّ بعض الفرائض و اتبعها بشی‏ء من النوافل و لتكن تلك الصلاة على الأرض بخشوع و خضوع و استحیاء و انكسار و بكاء و فاقة و افتقار فی مكان لا یراك فیه و لا یسمع صوتك إلاّ اللّه سبحانه ، فاذا سلمت فعقب صلاتك و انت حزین مستحى رجل راج ثمّ اقرء الدعاء المأثور عن زین العابدین علیه السّلام الّذى اوله « یا من برحمته یستغیث المذنبون » .

    ثمّ ضع وجهك على الأرض و اجعل التراب على رأسك و مرغ وجهك الّذى هو اكرم أعضائك فی التراب بدمع جار و قلب حزین و صوت عال و أنت تقول :

    عظم الذنب من عبدك فلیحسن العفو من عندك ، تكرر ذلك و تعدد ما تذكره من ذنوبك لائما نفسك موبّخا لها نائحا علیها نادما على ما صدر منها ، و ابق على ذلك ساعة طویلة ثمّ قم و ارفع یدیك إلى التواب الرحیم و قل الهى عبدك الآبق رجع إلى بابك عبدك العاصی رجع إلى الصلح عبدك المذنب أتاك بالعذر و أنت أكرم الأكرمین و أرحم الراحمین ، ثمّ تدعو و دموعك تنهمل بالدعاء المأثور عن زین العابدین علیه السّلام و هو الّذى أوّله « اللّهم یا من لا یصفه نعت الواصفین » .

    و اجهد فی توجه قلبك الیه و اقبالك بكلّیتك علیه مشعرا نفسك سعة الجود و الرحمة ، ثمّ اسجد سجدة تكثر فیها البكاء و العویل و الانتحات بصوت عال لا یسمعه إلا اللّه تعالى ، ثمّ ارفع رأسك واثقا بالقبول فرحا ببلوغ المأمول و اللّه ولىّ التوفیق .

    الثانى عشر و فیه أیضا : قال بعض أرباب القلوب : النّاس فی التوبة على أحوال : رجل مسوّف بالتوبة مدافع بها اغترّ بطول الامل و نسى هجوم الأجل ،

    [ 198 ]

    فهذا متى ادركه الموت ادركه على الإصرار فهو هالك ، و آخر تائب ما لم یجد شهوة فإذا وجد ركب هواه و أضاع المحاسبة لنفسه ، فهذا مستوجب للعقوبة من اللّه ،

    و رجل تائب بقلبه إلاّ أن نفسه تدعوه إلى الشی‏ء مما یكره ، فهذا یحتاج إلى الأدب لنفسه ، و فائدته على قدر مجاهدته ، و رجل مدیم للحساب قد قام على ساق مقام الخصم فهذا مستوجب للعصمة من اللّه ، و رجل قد هام به خوفه من ذنوبه و لم تبق فیه باقیة فهذا المتوحّد بولایة اللّه .

    و قال العلامة الشیخ البهائى قدس سرّه : من أهمل المبادرة إلى التوبة و سوّفها من وقت إلى وقت فهو بین خطرین عظیمین إن سلم من واحد فلعله لا یسلم من الآخر :

    أحدهما أن یعاجله الأجل فلا یتنبّه من غفلته إلاّ و قد حضره الموت وفات وقت التدارك و انسدّت أبواب التلافی و جاء الوقت الّذی أشار الیه سبحانه بقوله « و حیل بینهم و بین ما یشتهون » و صار یطلب المهلة یوما أو ساعة فلا یجاب الیها كما قال تعالى « من قبل ان یأتی أحدكم الموت فیقول ربّ لو لا أخّرتنی إلى اجل قریب » .

    قال بعض المفسرین فی تفسیره هذه الآیة : إن المحتضر یقول عند كشف الغطاء یا ملك الموت أخّرنی یوما اعتذر فیه إلى ربّی و اتوب الیه و أتزوّد صالحا ،

    فیقول فنیت الأیام فیقول أخرنی ساعة ، فیقول : فنیت الساعات ، فیغلق عنه باب التوبة و یغرغر بروحه إلى النار و یتجرع غصّة الیأس و حسرة الندامة على تضییع العمر و ربما اضطرب أصل إیمانه فی صدمات تلك الاهوال .

    و ثانیهما أن یتراكم ظلم المعاصی على قلبه إلى أن تصیر رینا و طبعا فلا یقبل المحو ، فان كلّ معصیة یفعلها الانسان تحصل منها ظلمة فی قلبه كما تحصل من نفس الانسان ظلمة فی المرآة ، فاذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رینا كما یصیر بخار النفس عند تراكمه على المرآة صدءا ، و إذا تراكم الرین صار طبعا فیطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض و طال مكثه و غاض

    [ 199 ]

    فی جرمها و أفسدها ، فصارت لا تقبل الصیقل أبدا .

    و قد یعبر عن هذا بالقلب المنكوس و القلب الاسود كما روى عن الباقر علیه السّلام :

    ما من شى‏ء أفسد للقلب من خطیئة إن القلب لیواقع الخطیئة فلا تزال به حتّى تغلب علیه فیصیر أعلاه أسفله .

    و عنه علیه السّلام ما من عبد الاوفی قلبه نكتة بیضاء فاذا أذنب ذنبا خرج فی النكتة نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد و ان تمادى فی الذنوب زاد ذلك السواد حتّى یغطی البیاض فاذا غطی البیاض لم یرجع صاحبه إلى خیر ابدا و هو قول اللّه عزّ و جلّ « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا یكسبون » .

    فقوله علیه السّلام لم یرجع صاحبه إلى خیر ابدا یدل على أن صاحب هذا القلب لا یرجع عن المعاصى و لا یتوب منها أبدا و لو قال بلسانه تبت إلى اللّه یكون هذا القول منه مجرد تحریك اللسان من دون موافقة القلب فلا أثر له أصلا كما أن قول الغسال غسلت الثوب لا یصیر الثوب نقیّا من الأوساخ .

    و ربما یؤل صاحب هذا القلب إلى عدم المبالاة بأوامر الشریعة و نواهیها فیسهل أمر الدین فی نظره و یزول وقع الأحكام الالهیة من قلبه و ینفر عن قبولها طبعه و ینجر ذلك إلى اختلال عقیدته و زوال ایمانه فیموت على غیر الملّة و هو المعبر عنه بسوء الخاتمة ، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و سیئآت أعمالنا .

    و من كلام بعضهم : اغتنموا التوبة قبل أن یصیر القریب تائبا و المقیم ماضیا و قبل أن یكون المحصول ندما و الموجود عدما و قبل ان یضرب الادبار على المصرین سرادق الخسار فلا اقالة عثار و لا توفیق انابة و اعتذار .

    و فی آخر كشكول الشیخ البهائى قدس سرّه : فی الحدیث إذا تاب الشیخ الهرم قالت الملائكة الآن و قد خمدت حواسك و بردت أنفاسك .

    ذكر العطبی أنّه قیل لرجل عند الوفاة : قل لا إله إلا اللّه ، فقال آه و یلى على الشباب و فی أی زمان فقدت شرخ الشباب حین مات الغیور و ارتخص المهر و غاب الحجاب عن كل باب .

    [ 200 ]

    و قیل لآخر و قد قرب خروج نفسه و انقطاع نفسه قل : لا إله إلا اللّه ، فقال لهف نفسی على الزمان و فی أى زمان دهتنی الأزمان حین ولّی الشتاء و استقبل الصیف و طاب المدام و الریحان .

    و احتضر آخر فقیل له قل : لا إله إلا اللّه ، فقال برد اللیل و طاب الماء و التذ الشراب و مضی عنا حزیران و تموز و آب ثمّ قضى لوقته .

    و قالت امرأة لرجل كان منزله قریبا من حمام منجاب ببغداد : یا رجل أین الطریق إلى حمام منجاب ؟ فأومى الیها و أرشدها إلى طریق غیره فی سكّة خراب لا منفذ لها و تبعها الیها ففجر بها فلما حضرته الوفاة قیل له قل : لا إله إلا اللّه فقال :

    یا ربّ قائلة یوما و قد لقیت
    أین الطریق إلى حمّام منجاب

    و مات لوقته . هكذا یدرك سوء الخاتمة و تهوى بالمخذولین مدرجة العاقبة نعوذ باللّه من ذلك .

    قال بعض أرباب القلوب : التائبون المنیبون على أنواع : تائب یتوب من الذنوب و السیئات ، و تائب یتوب من الزلل و الغفلات ، و تائب یتوب من رؤیة الحسنات و مشاهدة الطاعات و على هذا سئل بعضهم أى الاعمال أرفع ثوابا فأنشد :

    إذا محاسنی اللاتی أدلّ بها
    كانت ذنوبی فقل لی كیف اعتذر

    قوله : أدلّ بها ، من الدلال أى التغنج و بالفارسیة ناز كردن و كأنه یشیر الى الحدیث المشهور حسنات الابرار سیئات المقربین .

    الثالث عشر فی ذكر بعض الآیات و الاخبار فی الحث على التوبة .

    قال عزّ من قائل ( سورة الزمر الآیة 54 ) « قل یا عبادى الّذین اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه ان اللَّه یغفر الذنوب جمیعا انه هو الغفور الرحیم » .

    و قال جل جلاله ( البقرة الایة 222 ) « ان اللَّه یحبّ التوابین و یحب المتطهرین » .

    و قال تعالى شانه ( التوبة الایة 105 ) « الم یعلموا ان اللَّه هو یقبل التوبة عن عباده و یأخذ الصدقات و ان اللَّه هو التواب الرحیم » .

    و قوله تعالى « الذین یحملون العرش و من حوله یسبحون بحمد ربهم و یؤمنون

    [ 201 ]

    به و یستغفرون للذین آمنوا ربنا وسعت كلّ شی‏ء رحمة و علماً فاغفر للذین تابوا و اتبعوا سبیلك و قهم عذاب الجحیم . ربّنا و أدخلهم جنات عدن الّتی و عدتهم و من صلح من آبائهم و ازواجهم و ذریاتهم إنك أنت العزیز الحكیم . و قهم السیئات و من تق السیئات یومئذ فقد رحمته و ذلك هو الفوز العظیم .

    فی الكافی عن ابن وهب قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه اللّه تعالى فستر علیه فقلت و كیف یستر علیه قال ینسى ملكیه ما كانا یكتبان علیه ثمّ یوحى اللّه إلى جوارحه و إلى بقاع الأرض أن اكتمى علیه ذنوبه فیلقى اللّه تعالى حین یلقاه و لیس شی‏ء یشهد علیه بشی‏ء من الذنوب .

    و فیه عن محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السّلام قال : یا محمّد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فلیعمل المؤمن لما یستأنف بعد التوبة و المغفرة أما و اللّه انها لیست إلا لأهل الایمان ، قلت فان عاد بعد التوبة و الاستغفار فی الذنوب و عاد فی التوبة ، فقال : یا محمّد بن مسلم أترى العبد المؤمن یندم على ذنبه و یستغفر اللّه تعالى منه و یتوب ثمّ لا یقبل اللّه تعالى توبته ؟ قلت : فانّه فعل ذلك مرارا یذنب ثمّ یتوب و یستغفر فقال : كلّما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد اللّه تعالى علیه بالمغفرة و إن اللّه غفور رحیم یقبل التوبة و یعفو عن السیئات قال : فایاك ان تقنط المؤمنین من رحمه اللّه تعالى .

    و فیه عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : سمعته یقول : التائب من الذنب كمن لا ذنب له و المقیم على الذنب و هو یستغفر منه كالمستهزى‏ء . إلى غیر ذلك من الآیات و الأخبار و فیما ذكرناه كفایة انشاء اللّه تعالى .

    قوله علیه السّلام ( و المدبر یدعى ) أى من أسرف على نفسه فادبر عن طاعة اللّه و أعرض عن جانب جنابه یدعى إلیه و ینادی یا فلان أقبل إلى طاعة اللّه و ارجع إلى رحمه اللّه و إلى ما یصلحك من الكمالات اللائقة لك و خلّص نفسك من سجن الدّنیا و قید الهوى .

    بال بگشا و صفیر از شجر طوبى زن
    حیف باشد چو تو مرغی كه اسیر قفسى

    [ 202 ]

    قوله علیه السّلام ( و المسى‏ء یرجى ) أى من اساء یرجى عوده عن الاسائة و اقلاعه عن المعصیة فانه جلّ جلاله أرحم الرّاحمین و یحبّ التوابین ، هذا إن أخذ یرجى من رجو و إن كان من الارجاء بمعنى التأخیر و الامهال كما مرّ بیانه فی اللّغة فمعناه ان من عصى فأساء یؤخّر عقابه فلعله یتوب كما هو مضمون عدة الاخبار فی ذلك و مضى بعضها من قبل و هذا كلّه تحضیض و حثّ على الرجوع عن المعصیة و التوبة إلیه تعالى و اللّه برحمته الواسعة یعفو عن السیئات و سبقت رحمته غضبه و یقبل التوبة عن عباده و هو أرأف من الوالد بولده و نعم ما نظمه العارف السعدى :

    خداوند بخشنده دستگیر
    كریم خطا بخش پوزش پذیر

    نه گردنكشانرا بگیرد بفور
    نه عذر آوران را براند بجور

    و گر خشم گیرد ز كردار زشت
    چو باز آمدى ما جرى در نوشت

    و گر با پدر جنگ جوید كسى
    پدر بیگمان خشم گیرد بسى

    و گر خویش راضى نباشد ز خویش
    چو بیگانگانش براند ز پیش

    و گر بنده چابك نیاید بكار
    عزیزش ندارد خداوندگار

    و گر بر رفیقان نباشى شفیق
    بفرسنگ بگریزد از تو رفیق

    و گر ترك خدمت كند لشكرى
    شود شاه لشكر كش از وى برى

    و لیكن خداوند بالا و پست
    بعصیان در رزق بر كس نبست

    و فی مجمع البیان للطبرسی رضوان اللّه علیه فی ضمن قول اللّه عزّ و جلّ :

    و اكتب لنا فى هذه الدنیا حسنة و فى الآخرة إنا هدنا إلیك قال عذابى اصیب به من أشاء و رحمتى وسعت كل شى‏ء الآیة ( سورة الاعراف الآیة 157 ) قال :

    و فى الحدیث انّ النبىّ صلّى اللّه علیه و آله قام فى الصّلاة فقال أعرابى و هو فی الصلاة : اللهمّ ارحمنى و محمّدا و لا ترحم معنا أحدا ، فلما سلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال للأعرابى :

    لقد تحجّرت واسعا یرید رحمه اللّه عزّ و جلّ أورده البخارى فى الصحیح انتهى .

    و جاء فى بعض الأخبار كما فى باب العقل و الجهل من الوافى : لو لا أنكم تذنبون لذهب اللّه بكم و جاء بقوم یذنبون فیستغفرون فیغفر اللّه لهم .

    أقول : و ذلك لأن أسماء اللّه الحسنى و صفاته العلیا یقتضى مظاهر حتّى تظهر


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه

    [ 238 ] و من كلام له ع فی شأن الحكمین و ذم أهل الشام

    جُفَاةٌ طَغَامٌ وَ عَبِیدٌ أَقْزَامٌ جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ وَ تُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ مِمَّنْ یَنْبَغِی أَنْ یُفَقَّهَ وَ یُؤَدَّبَ وَ یُعَلَّمَ وَ یُدَرَّبَ وَ یُوَلَّى عَلَیْهِ وَ یُؤْخَذَ عَلَى یَدَیْهِ لَیْسُوا مِنَ اَلْمُهَاجِرِینَ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ لاَ مِنَ اَلَّذِینَ تَبَوَّؤُا اَلدَّارَ وَ اَلْإِیمانَ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ اَلْقَوْمِ مِمَّا تُحِبُّونَ وَ إِنَّكُمُ اِخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ اَلْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ وَ إِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ قَیْسٍ بِالْأَمْسِ یَقُولُ إِنَّهَا فِتْنَةٌ فَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَ شِیمُوا سُیُوفَكُمْ فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِیرِهِ غَیْرَ مُسْتَكْرَهٍ وَ إِنْ كَانَ كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ اَلتُّهَمَةُ فَادْفَعُوا فِی صَدْرِ عَمْرِو بْنِ اَلْعَاصِ بِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ وَ خُذُوا مَهَلَ اَلْأَیَّامِ وَ حُوطُوا قَوَاصِیَ اَلْإِسْلاَمِ أَ لاَ تَرَوْنَ إِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى وَ إِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى

    الخطبة السادسة و الثلاثون و المأتان و من خطبة له علیه السّلام فى شأن الحكمین و ذم أهل الشام

    جفاة طغام ، عبید قزام ، جمعوا من كلّ أوب ، و تلقّطوا من كلّ شوب ، ممّن ینبغی أن یفقّه و یؤدّب ، و یعلّم و یدرّب ، و یولّى علیه و یؤخذ على یدیه ، لیسوا من المهاجرین و الأنصار ، و لا من الّذین تبوّأو الدّار ، ألا و إنّ القوم اختاروا لأنفسهم أقرب القوم ممّا یحبّون ، و إنّكم اخترتم لأنفسكم أقرب القوم ممّا تكرهون ، و إنّما عهدكم بعبد اللّه بن قیس بالأمس یقول : « إنّها فتنة فقطّعوا أوتاركم و شیموا سیوفكم » فإن كان صادقا فقد أخطأ بمسیره غیر

    [ 211 ]

    مستكره ، و إن كان كاذبا فقد لزمته التّهمة ، فادفعوا فی صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العبّاس ، و خذوا مهل الأیّام ، و حوطوا قواصی الإسلام ، ألا ترون إلى بلادكم تغزى ، و إلى صفاتكم ترمى .

    اللغة

    ( جفاة ) جمع جاف كقضاة جمع قاض و طغاة جمع طاغ من قولك جفوت الرجل أجفوه جفاء و قیل أصله من جفا الثوب یجفو اذا غلظ فهو جاف و منه جفاء البدو و هو غلظتهم و فظاظتهم .

    أقول : و یمكن أن یكون الجفاء مهموز اللام و هو ما یعلو السیل و یحتمله من سقط الارض قال اللّه تعالى فأمّا الزبد فیذهب جفاء و قال الشاعر ( الحماسة 75 ) :

    حمیت على العهار أطهار امّه
    و بعض الرجال المدّعین جفاء

    فیكون المراد أنّهم رذال الناس و سفلتهم .

    ( طغام ) بالطاء المشالة المهملة المفتوحة كطعام ، قال فی الصحاح الطغام أوغاد الناس « الاوغاد جمع الوغد بسكون الغین كوفد و أوفاد ، و الوغد الرجل الدنى الذی یخدم بطعام بطنه » و انشد ابو العبّاس : فما فضل اللبیب على الطّغام الواحد و الجمع سواء ، و الطغام أیضا رذال الطیر الواحدة طغامة للذكر و الانثى مثل نعامة و نعام و لا ینطق منه بفعل و لا یعرف له اشتقاق ، فالطغام : أراذل الناس و دنیّهم و خسیسهم .

    ( عبید ) جمع العبد ككلب و كلیب یقال : عبد و أعبد و عباد و عبید و عبدى و عبدّاء و عبدان و عبدان و معبوداء و معبدة و عبد ، فبعض هذه الاسماء مما صیغ للجمع و بعضها جمع فی الحقیقة .

    و العبد فی أصل اللغة خلاف الحرّ و هم یكنون كثیرا عن اللئام و إن كانوا احرارا بالعبید و العبدان ، و بالقزم و القزمان كما صرّح به المرزوقی فی شرح

    [ 212 ]

    الحماسة قال معدان بن عبید ( الحماسة 613 ) .

    عجبت لعبدان هجونی سفاهة
    أن اصطحبوا من شأنهم و تقیلوا

    بجاد و ریسان و فهر و غالب
    و عون و هدم و ابن صفوة أخیل

    فسمى هؤلاء الستّ عبدانا مع انهم احرار تخضیعا و تشنیعا لهم .

    ( قزام ) فی الصحاح : القزم محركة رذال الناس و سفلتهم قال زیاد بن منقذ . 1

    و هم إذا الخیل حالوا فی كواثبها
    فوارس الخیل لا میل و لا قزم

    یقال رجل قزم و الذكر و الانثى و الواحد و الجمع فیه سواء لأنّه فی الاصل مصدر ، و القزام : اللئام ، و فی أكثر النسخ المتداولة « عبید اقزام » و لكن لم یذكر المعاجم المتداولة هذا الجمع و لذا اخترنا روایة قزام و رجحناه على اقزام ، لان القزام قد ذكرت فی المعاجم قال الشاعر :

    احصنوا امهم من عبدهم
    تلك أفعال القزام الوكعة

    على ان فی الجمع بین الطغام و القزام موازنة بدیعة أولى من الطغام و الاقزام و ذكر المرزوقی فی شرحه على الحماسة كما مر آنفا القزم و القزمان كسبحان على هیئة الجمع ، و قال بعض المحشین لم تذكر المعاجم المتداولة هذا الجمع و المعروف أقزام و قزامی و قزم بضمتین .

    ( أوب ) یقال جاؤا من كل أوب أى من كل ناحیة .

    ( تلقّطوا ) فی الصحاح تلقط فلان التمر أى التقطه من هاهنا و هاهنا .

    ( شوب ) الشوب : الخلط ، یقال شبت الشی‏ء اشوبه فهو مشوب أى مخلوط ،

    و فى المثل هو یشوب و یروب یضرب لمن یخلّط فی القول أو العمل .

    ( یدرّب ) أى یؤدّب و یعوّد بالعادات الجمیلة و یمرّن بمحاسن الافعال ،

    یقال دربته الشدائد حتّى قوى و مرن علیها و درّبت البازى على الصید أى ضرّیته

    -----------
    ( 1 ) هذا البیت من ابیات الحماسة و نسب الى زیاد بن حمل ایضا و قد اضطرب أقوال الرواة فى نسب هذه الابیات .

    [ 213 ]

    و روى مكان یدرّب ، یذرّب بالذال المعجمة من ذریت معدته إذا فسدت و التذریب ( تبوئت ) منزلا أى اتخذته و المبائة المنزل .

    و ( العهد ) : اللقاء و المعرفة ، و عهدته بمكان كذا أى لقیته ، و عهدى به قریب أى لقائی و هو قریب العهد بكذا أی قریب العلم و الحال ، و عهدت إلى فلان أی أوصیته .

    ( أوتار ) جمع الوتر بالتحریك و هو شرعة القوس و یقال بالفارسی « زه » فالمراد من أوتاركم أوتار قسیّكم حذف المضاف و اقیم المضاف إلیه مقامه .

    ( شیموا سیوفكم ) تقول شمت السیف كبعت إذا اغمدته و منه المشیمة أى الغرس و الشیام أى الكناس لا نشیامه فیه و دخوله و أیضا تقول شمت السیف إذا سللته و هو من الاضداد .

    ( مهل الایام ) المهل بالتحریك : التوءدة ، و مهل الایام : فسحتها ، یقال أمهله إذا انظره .

    ( قواصی ) جمع قاصیة كنواحی جمع ناحیة لفظا و معنى یقال كنت منه فی قاصیته أی فی ناحیته .

    ( تغزى ) من الغزو أى الحرب ، تغزی بلادكم أى تقاتل لها و یمكن أن یكون بمعنى القصد یقال عرفت ما یغزی من هذا الكلام أى یراد و مغزى الكلام مقصده فالمعنى تراد و تقصد بلادكم أى یطمع العدوّ فیها .

    ( صفاتكم ) الصفاة : الصخرة الملساء لا یؤثر فیها السهام و لا یرمیها الرامی الابعدان مهل غیرها یقال قد رمى فلان صفاة فلان إذا دهاه بداهیة قال الشاعر

    و الدهر موتر قوسه
    یرمى صفاتك بالمعابل

    الاعراب

    ( جفاة طغام عبید قزام ) أخبار لمبتدء محذوف أى هم جفاة و العرب یأتون لمبتداء واحد باخبار كثیرة قال ابن مالك :

    و اخبروا باثنین أو باكثرا
    لواحد كهم سراة شعرا

    [ 214 ]

    جملتا جمعوا و تلقطوا فی محل رفع صفة لهم ، و كلمة من فی ممّن ینبغی ،

    للتبیین و من موصولة أى هم هؤلاء و الظرف مستقرّ صفة لهم و لا یجوز أن تكون حالا لهم لانها محفوفة بالجمل التی كلها صفات لهم اعنى جمل جمعوا و تلقّطوا و لیسوا من المهاجرین الخ .

    و قال المعربون الجمل بعد النكرات صفات و بعد المعارف أحوال فالجمل ههنا صفات فلو كان ذلك الظرف غیر الوصف للزم خروج الكلام عن اسلوبه المنساق له .

    و ( یفقه ) و الافعال الخمسة الاخر منصوبة بان الناصبة تأوّلها إلى مصادرها فاعلا لینبغی و من المهاجرین ظرف مستقر منصوب محله خبر للیس ، و قوله علیه السّلام و لا من الذین عطف علیه و الجار للتبعیض لا مكان سدّ بعض مسدّه .

    كلمة الجار فی مما یحبون و مما تكرهون متعلّقة بقرب لان صلته تكون من قال اللّه تعالى ان رحمة اللَّه قریب من المحسنین و كلمة ما فی الموضعین موصوفة أو موصولة و العائد محذوف أى مما یحبونه و تكرهونه ، و قوله علیه السّلام لانفسكم فی كلا الموضعین متعلق بیحبون و تكرهون أى یحبون لانفسكم و تكرهون لانفسكم قدم الظرف على عامله توسّعا للظروف و یمكن أن یكونا صلة لاخترتم ( بالامس ) متعلق بقوله علیه السّلام عهدكم و الجار للظرف بمعنى فی ، و الجار فی إلى بلادكم و صفاتكم متعلق بقوله ترون لا بقوله علیه السّلام تغزى و ترمى .

    المعنى

    الحكمان هما عمرو بن العاص و أبو موسى الأشعرى المسمى بعبد اللّه بن عباس و نذكر ترجمتهما بعد المعنی .

    قال الطبری فی تاریخه : بایع عمرو بن العاص معاویة فی سنة ست و ثلاثین و وافقه على محاربة علىّ .

    و كان السّبب فی ذلك أنّه لمّا احیط بعثمان خرج عمرو بن العاص من المدینة متوجها نحو الشام و قال و اللّه یا أهل المدینة ما یقیم بها احد فیدركه قتل هذا الرجل

    [ 215 ]

    إلا ضربه اللّه عزّ و جلّ بذلّ و من لم یستطع نصره فلیهرب ، فسار و سار معه ابناه عبد اللّه و محمّد و خرج بعده حسّان بن ثابت و تتابع على ذلك ما شاء اللّه .

    فبینا عمرو بن العاص جالس بعجلان و معه ابناه إذ مرّ بهم راكب فقالوا من أین قال من المدینة فقال عمرو ما اسمك قال حصیرة قال عمرو حصر الرجل 1 قال فما الخبر قال تركت الرجل محصورا قال عمرو یقتل .

    ثمّ مكثوا أیّاما فمر بهم راكب فقالوا من أین قال من المدینة قال عمرو ما اسمك قال قتال قال عمرو قتل الرجل فما الخبر قال قتل الرجل ثمّ لم یكن الا ذلك إلى ان خرجت .

    ثمّ مكثوا أیّاما فمر بهم راكب فقالوا من أین قال من المدینة قال عمرو ما اسمك قال حرب قال عمرو یكون حرب فما الخبر قال قتل عثمان بن عفان و بویع لعلیّ بن أبیطالب قال عمرو أنا أبو عبد اللّه یكون حرب من حكّ فیها قرحة نكأها رحم اللّه عثمان و رضی اللّه عنه و غفر له فقال سلامة بن زنباع الجذامی یا معشر قریش انّه و اللّه قد كان بینكم و بین العرب باب فاتخذوا بابا إذا كسرت الباب فقال عمرو و ذاك الّذى نرید و لا یصلح الباب إلاّ أشاف تخرج الحقّ من حافرة البأس و یكون النّاس فی العدل سواء ثمّ تمثل عمرو فی بعض ذلك .

    یا لهف نفسی على مالك
    و هل یصرف اللّهف حفظ القدر

    أنزع من الحرّ أودى بهم
    فاعذرهم أم بقومى سكر

    ثمّ ارتحل راجلا یبكى كما تبكى المرأة و یقول و اعثماناه أنعى الحیاء و الدین حتّى قدم دمشق و قد كان سقط الیه من الّذى یكون علم فعمل علیه .

    ثمّ نقل عن الواقدى : لما بلغ عمرا قتل عثمان قال أنا عبد اللّه ( أنا أبو عبد اللّه ظ ) قتلته و أنا بوادى السباع من یلى هذا الأمر من بعده إن یله طلحة فهو فتى العرب سیبا ، و إن یله ابن أبی طالب فلا أراه إلاّ سیسینظف الحقّ و هو اكره من یلیه الىّ .

    قال فبلغه ان علیّا قد بویع له فاشتدّ علیه و تربص أیاما ینظر ما یصنع النّاس

    -----------
    ( 1 ) المراد بالرجل فى تلك المواضع هو عثمان بن عفان .

    [ 216 ]

    فبلغه مسیر طلحة و الزبیر و عائشة و قال استأنی و أنظر ما یصنعون فأتاه الخبر أن طلحة و الزبیر قد قتلا فارتج علیه أمره .

    فقال له قائل ان معاویة بالشام لا یرید یبایع لعلیّ فلو قارنت معاویة فكانت معاویة احبّ الیه من علیّ بن أبیطالب و قیل له ان معاویة یعظّم شأن قتل عثمان بن عفان و یحرض على الطلب بدمه فقال عمرو ادعوا لى محمّدا و عبد اللّه فدعیا له فقال قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمان و بیعة النّاس لعلیّ و ما یرصد معاویة من مخالفة علیّ و قال ما تریان أمّا علیّ فلا خیر عنده و هو رجل یدل بسابقته و هو غیر مشركی فی شی‏ء من أمره .

    فقال عبد اللّه بن عمرو توفى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و هو عنك راض و توفى أبو بكر و هو عنك راض و توفى عمر و هو عنك راض أرى أن تكفّ یدك و تجلس فى بیتك حتّى یجتمع النّاس على إمام فتبایعه . و قال محمّد بن عمرو أنت ناب من انیاب العرب فلا أرى أن یجتمع هذا الأمر و لیس لك فیه صوت و لا ذكر .

    قال عمرو أمّا أنت یا عبد اللّه فأمرتنى بالّذى هو خیر لى فى آخرتى و أسلم فى دینى . و أما انت یا محمّد فأمرتنى بالّذى أنبه لى فى دنیاى و أشرّ لى فى آخرتى .

    ثمّ خرج عمرو بن العاص و معه ابناه حتّى قدم على معاویة فوجد أهل الشام یحضّون معاویة على الطلب بدم عثمان فقال عمرو بن العاص أنتم على الحقّ اطلبوا بدم الخلیفة المظلوم و معاویة لا یلتفت إلى قول عمرو فقال ابنا عمرو لعمرو الا ترى إلى معاویة لا یلتفت إلى قولك انصرف إلى غیره فدخل عمرو على معاویة فقال و اللّه لعجب لك إنى أرفدك بما أرفدك و أنت معرض عنى أما و اللّه إن قاتلنا معك نطلب بدم الخلیفة إن فى النفس من ذلك ما فیها حیث نقاتل من تعلم سابقته و فضله و قرابته و لكنّا إنّما أردنا هذه الدّنیا فصالحه معاویة و عطف علیه .

    و یأتی فی ذلك كتاب أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام إلى عمرو بن العاص فی باب المختار من كتبه علیه السّلام و هو الكتاب التاسع و الثلاثون حیث یقول علیه السّلام :

    فانك جعلت دینك تبعا لدنیا امرء ظاهر غیّه مهتوك ستره یشین الكریم بمجلسه و یسفّه الحلیم بخلطته فاتبعت اثره و طلبت فضله اتباع الكلب للضرغام یلوذ إلى

    [ 217 ]

    مخالبه و ینتظر ما یلقى الیه من فضل فریسته إلى آخر ما قال علیه السّلام .

    « حكم الحكمین و اجتماعهما و ما جرى فى ذلك »

    و اعلم ان التحكیم كان برأى عمرو بن العاص حین رأى ان دلائل الفتح و النصر لأهل العراق أعنى عسكر علىّ علیه السّلام ظهرت و دلائل الخذلان و الادبار على أهل الشام و هم عسكر معاویة قد وضحت و كان ذلك عقیب لیلة الهریر و هى لیلة عظیمة یضرب بها المثل فرفع أهل الشام برأى عمرو مصاحف اعتصاما من سیوف أهل العراق حین رأوا ان عسكر العراق غلبوا علیهم .

    فلا بد لنا الا ان نذكر ما جرى بینهما فى الصفین لأن عدّة من كتبه علیه السّلام یأتی فى ذلك من بعد ما مضت عدّة من الخطب فى ذلك من قبل و سنشیر إلى مواضعها و مداركها إنشاء اللّه تعالى و نحن نذكر ما اورده فى ذلك أبو جعفر الطبرى فى تاریخه و نصر بن مزاحم فى كتاب الصفین و المسعودى فى مروج الذهب حتى یتبیّن شأن الحكمین و خدیعة عمرو بن العاص لابى موسى الأشعرى و غیر ذلك مما تسمعه .

    فى تاریخ أبى جعفر محمّد بن الجریر الطبرى : و فی هذه السنة یعنى السنة السادسة و الثلاثین وجّه علىّ علیه السّلام عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة و فراغه من الجمل جریر بن عبد اللّه البجلى إلى معاویة یدعوه إلى بیعته ، و كان جریر حین خرج علىّ إلى البصرة لقتال من قاتله بها بهمدان عاملا علیها كان عثمان استعمله علیها فلما قدم علىّ الكوفة منصرفا الیها من البصرة كتب الیهما یأمرهما بأخذ البیعة له على من قبلهما من النّاس و الانصراف الیه ففعلا ذلك و انصرفا الیه .

    فلما أراد علىّ توجیه الرسول إلى معاویة قال جریر بن عبد اللّه ابعثنى الیه فانّه لى ودّ حتّى آتیه فأدعوه إلى الدخول فى طاعتك فقال الاشتر لعلىّ لا تبعثه فو اللّه إنى لأظن هواه معه فقال علىّ دعه حتّى ننظر ما الّذى یرجع به الینا فبعثه الیه و كتب معه كتابا یعلمه اجتماع المهاجرین و الانصار على بیعته و نكث طلحة و الزبیر و ما كان من حربه ایاهما و یدعوه إلى الدخول فیما دخل فیه المهاجرون و الانصار من طاعته .


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه

    [ 225 ]

    عدة القوم أو اكثر قد سرحهم إلینا لیغنوا عنا یزید بن اسد و أصحابه علیهم شبث بن ربعی الریاحى فو اللّه ما ازداد القتال الاشدة و خرج إلینا عمرو بن العاص من عسكر معاویة فی جند كثیر فاخذ یمدّ أبا الاعور و یزید بن اسد و خرج الاشتر من قبل علیّ علیه السّلام فی جمع عظیم فلما رأى الأشتر عمرو بن العاص یمدّ أبا الاعور و یزید بن أسد امدّ الاشعث ابن قیس و شبث بن ربعی فاشتدّ قتالنا و قتالهم فما أنسى قول عبد اللّه بن عوف بن الأحمر الأزدى :

    خلّوا لنا ماء الفرات الجاری
    أو اثبتوا لجحفل جرّار

    لكلّ قرم مستمیت شاری
    مطاعن برمحه كرار

    ضرّاب‏ها مات العدى مغوار

    قال أبو مخنف و حدثنی رجل من آل خارجة بن التمیمی أن ظبیان بن عمارة جعل یومئذ یقاتل و هو یقول :

    هل لك یا ظبیان من بقاء
    فى ساكن الأرض بغیر ماء

    لا و إله الأرض و السماء
    فاضرب وجوه الغدر الأعداء

    بالسیف عند حمس الوغاء
    حتّى یجیبوك إلى السّواء

    قال ظبیان فضربناهم و اللّه حتّى خلونا و ایاه و قال محمّد بن محنف بن سلیم فقاتلناهم فما أمسینا حتى رأینا سقاتنا و سقاتهم یزدحمون على الشریعة و ما یؤذی انسان انسانا ، و قال أبو الحسن علیّ بن الحسین بن علیّ المسعودی فی مروج الذهب : و علیّ علیه السّلام بدور فی عسكره باللیل فسمع قائلا و هو یقول :

    أ یمنعنا القوم ماء الفرات
    و فینا الرماح و فینا الحجف

    و فینا علیّ علیه السّلام له صولة
    إذا خوّفوه الردى لم یخف

    و نحن غداة لقینا الزبیر
    و طلحة خضنا غمار التلف

    فما بالنا الامس اسد العرین
    و ما بالنا الیوم شاء النجف

    قال أبو مخنف و حدثنى یوسف بن یزید عن عبد اللّه بن عوف بن الأحمر قال لما قدمنا على معاویة و أهل الشّام بصفین وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستویا

    [ 226 ]

    بساطا واسعا أخذوا الشریعة فهى فی أیدیهم .

    و قال المسعودی فی مروج الذهب و عسكر معاویة فی موضع سهل افیح اختاره قبل قدوم علیّ علیه السّلام على شریعة لم یكن على الفرات فی ذلك الموضع اسهل منها للوارد إلى الماء و ما عداها اخراق عالیة و مواضع إلى الماء وعرة و وكل أبا الاعور السلمی بالشریعة مع أربعین ألفا و كان على مقدمته .

    و قال أبو مخنف و قد صفّ أبو الاعور السلمی علیها الخیل و الرجال و قد قدّم المرامیة امام من معه و صف صفا معهم من الرّماح و الدرق و على رؤوسهم البیض و قد اجمعوا على أن یمنعونا الماء ففزعنا إلى امیر المؤمنین فخبرناه بذلك فدعا صعصعة ابن صوحان فقال له ائت معاویة و قل له انا سرنا مسیرنا هذا إلیكم و نحن نكره قتالكم قبل الاعذار إلیكم و إنك قدمت إلینا خیلك و رجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك و بدأتنا بالقتال و نحن من رأینا الكف عنك حتّى ندعوك و نحتج علیك و هذه اخرى قد فعلتموها قد حلتم بین النّاس و بین الماء و الناس غیر منتهین أو یشربوا فابعث إلى أصحابك فلیخلّوا بین النّاس و بین الماء و یكفوا حتّى ننظر فیما بیننا و بینكم و فیما قدمنا له و قدمتم له و إن كان أعجب إلیك أن نترك ما جئنا له و نترك النّاس یقتتلون على الماء حتّى یكون الغالب هو الشارب فعلنا .

    فقال معاویة لأصحابه ما ترون فقال الولید بن عقبة امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفان حصروه أربعین صباحا یمنعونه برد الماء و لین الطعام ، اقتلهم عطشا قتلهم اللّه عطشا ، فقال له عمرو بن العاص خلّ بینهم و بین الماء فان القوم لن یعطشوا و أنت ریّان و لكن بغیر الماء فانظر ما بینك و بینهم فاعاد الولید بن عقبة مقالته .

    و قال المسعودی : و وكل معاویة أبا الاعور السلمی بالشریعة مع أربعین ألفا و كان على مقدمته و بات علیّ علیه السّلام و جیشه فی البر عطاشا قد حیل بینهم و بین الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاویة ان علیا لا یموت عطشا هو و تسعون الفا من أهل العراق و سیوفهم على عواتقهم و لكن دعهم یشربون و نشرب فقال معاویة لا و اللّه

    [ 227 ]

    أو یموتوا عطشا كما مات عثمان .

    و قال عبد اللّه بن أبی سرح امنعهم الماء إلى اللیل فانهم ان لم یقدروا علیه رجعوا و لو قد رجعوا كان رجوعهم فلا امنعهم الماء منعهم اللّه یوم القیامة .

    فقال صعصعة انما یمنعه اللّه عزّ و جلّ یوم القیامة الكفرة الفسقة و شربة الخمر ضربك و ضرب هذا الفاسق یعنى الولید بن عقبة قال فتواثبوا الیه یشتمونه و یتهدّدونه فقال معاویة كفوا عن الرجل فانّه رسول .

    قال أبو مخنف و حدّثنی یوسف بن یزید عن عبد اللّه بن عوف بن الأحمر أن صعصعة رجع الینا فحدثنا عما قال لمعاویة و ما كان منه و ما ردّ فقلنا فما رد علیك فقال لما اردت الانصراف من عنده قلت ما ترد على ؟ قال معاویة سیأتیكم رأیی فو اللّه ما راعنا إلا تسریته الخیل إلى أبى الاعور لیكفهم عن الماء قال فأبرزنا علیّ علیه السّلام إلیهم فارتمینا ثمّ اطّعنا ثمّ اضطربنا بالسّیوف فنصرنا علیهم فصار الماء فی ایدینا فقلنا لا و اللّه لا نسقیهموه فأرسل إلینا علیّ أن خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا إلى عسكركم و خلّوا عنهم فان اللّه عزّ و جلّ قد نصركم علیهم بظلمهم و بغیهم .

    و قال المسعودى فی مروج الذهب : قال معاویة لعمرو بن العاص یا أبا عبد اللّه ما ظنك بالرجل ( یعنی بالرجل علیّا علیه السّلام ) أتراه یمنعنا الماء لمنعنا ایاه و قد انحاز بأهل الشام إلى ناحیة فی البر نائیا عن الماء فقال له عمرو لا ان الرجل جاء لغیر هذا و انه لا یرضى حتّى تدخل فی طاعته او یقطع حبال عاتقك فارسل الیه معاویة یستأذنه فی وروده مشرعته و استقاء الناس من طریقه و دخل رسله عسكره فأباحه على كلّ ما سأل و طلب منه .

    أقول انظر إلى سیرة ولی اللّه الأعظم أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام مع النّاس حتّى مع الاعداء بعین المعرفة و البصیرة و إلى دأب معاویة أیضا حتّى یتبین لك الفرق بین رجل الهی و بین الّذی استحوذ علیه الشیطان و تردّى فی هواه ، حیث ترى ان معاویة قدم أوّلا و اختار منزلا مستویا بساطا واسعا و اخذ الشریعة و منع علیّا علیه السّلام و أصحابه الماء مع أن النّبی صلّى اللّه علیه و آله جعل النّاس فی الماء و الكلاء و النار شرعا سواء

    [ 228 ]

    و لما غلب علیّ علیه السّلام و عسكره علیهم خلوا بینهم و بین الماء ثمّ وعظ علیّ عسكره بان الظالم و الباغی منكوب و مغلوب لا محالة و إن كان له جولان فی برهة من الزمان حیث قال علیه السّلام فان اللّه عزّ و جل قد نصركم علیهم بظلمهم و بغیهم .

    و أمّا منع النّاس عثمان من الطعام و الشراب و حصرهم ایاه أربعین صباحا او أكثر فیأتی كلامنا فیه فی المباحث الآتیة مع أن أمیر المؤمنین علی علیه السّلام قد انكر منع الماء و الطعام على عثمان و أنفذ من مكن من حمل ذلك لانه كان فى الدار من الحرم و النسوان و الصبیان من لا یحل منعه من الطعام و الشراب .

    و قال ابن قتیبة الدینورى فى كتابه الامامة و السیاسة المعروف بتاریخ الخلفاء :

    و بعث عثمان إلى علىّ علیه السّلام یخبره انه منع الماء و یستغیث به فبعث الیه على علیه السّلام ثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل الیه ، فقال طلحة ما أنت و هذا ؟ .

    و العجب من هؤلاء الطغام كیف تمسكوا بالاباطیل و الاضالیل فخدعوا أتباعهم و من تتبع فى الاثار و الأخبار یرى بعین الیقین أن معاویة لم یلف شیئا یستضل و یستغوى به النّاس إلاّ أن یتمسك بتلك الأقوال كما استمسك بها سخلته یزید لما اراد أن یحرض النّاس فى قتل حسین بن على علیهما السّلام و العجب أن معاویة منع أمیر المؤمنین علیّا علیه السّلام و أصحابه من الماء و لما استولى علیه السّلام علیهم خلى بینهم و بین الماء و یزید بن معاویة منع حسین بن على و اشیاعه من الماء و هم سقوا قومه و ارووهم من الماء حتّى رشفوا خیلهم حذو النعل بالنعل .

    قال الطبرى فى حدیث اقبال الحسین بن على علیهما السّلام إلى كربلاء و مجى‏ء الحرّ مع قومه الیه فى أثناء الطریق باسناده عن عبد اللّه بن سلیم و المذرى المشمعل الأسدیین قالا اقبل الحسین علیه السّلام حتّى نزل شراف فلما كان فى السحر أمر فتیانه فاستقوا من الماء فأكثروا ثمّ ساروا منها فرسموا صدر یومهم حتّى انتصف النهار ثمّ إن رجلا قال اللّه اكبر فقال الحسین علیه السّلام اللّه أكبر ما كبرت ؟ قال رأیت النخل فقال له الاسدیان إن هذا المكان ما رأینا به نخلة قط قالا فقال لنا الحسین علیه السّلام فما تریانه رأى ؟ قلنا نراه رأى هوادى الخیل فقال و أنا و اللّه أرى ذلك . فقال الحسین علیه السّلام

    [ 229 ]

    أمالنا ملجأ نلجأ الیه نجعله فى ظهورنا و نستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقلنا له بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تمیل إلیه عن یسارك فإن سبقت القوم إلیه فهو كما ترید .

    قال فأخذ إلیه ذات الیسار قال و ملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علینا هوادى الخیل فتبیّناها و عدلنا فلمّا رأونا و قد عدلنا عن الطریق عدلوا إلینا كأن أسنتهم الیعاسیب و كان رایاتهم أجنحة الطیر . قال فاستبقنا إلى ذى حسم فسبقناهم إلیه فنزل الحسین علیه السّلام فأمر بأبنیته فضربت و جاء القوم و هم ألف فارس مع الحرّ بن یزید التمیمی الیربوعی حتّى وقف هو و خیله مقابل الحسین علیه السّلام فی حرّ الظهیرة و الحسین و أصحابه معتمون متقلّدوا أسیافهم . فقال الحسین علیه السّلام لفتیانه اسقوا القوم و ارووهم من الماء و رشفوا الخیل نر شیفا فقام فتیانه فرشفوا الخیل ترشیفا فقام فتیة و سقوا القوم من الماء حتّى أرووهم و اقبلوا یملؤن القصاع و الأتوار و الطّساس من الماء ثمّ یدنونها من الفرس فاذا عبّ فیه ثلاثا أو أربعا او خمسا عزلت عنه و سقوا آخر حتّى سقوا الخیل كلها .

    ثمّ قال : قال علىّ بن الطعّان المحاربى كنت مع الحرّ بن یزید فجئت فى آخر من جاء من أصحابه فلمّا رأى الحسین علیه السّلام ما بى و بفرسى من العطش قال أنخ الراویة و الراویة عندى السقاء ثم قال یا ابن أخى أنخ الجمل فأنخته فقال اشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسین علیه السّلام اخنث السقاء اى اعطفه قال فجعلت لا أدرى كیف أفعل قال فقام الحسین علیه السّلام فخنثه فشربت و سقیت فرسى .

    إلى أن قال الطبرى باسناده عن حمید بن مسلم الازدى قال :

    جاء من عبید اللّه بن زیاد كتاب إلى عمر بن سعد : أمّا بعد فحل بین الحسین و أصحابه و بین الماء و لا یذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكى المظلوم أمیر المؤمنین عثمان بن عفان . قال فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمأة فارس فنزلوا على الشریعة و حالوا بین حسین و أصحابه و بین الماء أن یسقوا منه قطرة و ذلك قبل قتل الحسین بثلاث . قال و نازله عبد اللَّه بن أبى حصین الأزدى و عداده فی بجیلة فقال یا حسین ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء و اللّه لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا ، فقال حسین علیه السّلام اللّهم اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا . قال حمید بن مسلم و اللّه لعدته بعد ذلك فى مرضه فو اللّه الّذی لا إله إلاّ هو لقد رأیته یشرب حتّى بغر ثمّ

    [ 230 ]

    یقی‏ء ثمّ یعود فیشرب حتّى یبغر فما یروى فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصّته یعنى نفسه .

    و أقول لا یخفى على الباحث فى السیر و الآثار أن دأب بنى هاشم كان على تألیف قلوب النّاس و الاخذ بایدیهم و ایصال الخیر الیهم و افشاء المعروف فیهم و كانوا من بیت علم و حلم و كرم و سخاوة بحیث یؤثرون النّاس فى شدائد الاحوال على انفسهم و خصال صفاتهم لا یحصى و أن شیمة بنى امیّة كانت على ضدّ ما كان فى بنى هاشم و كانوا عبید الدنیا و اسرة الهوى . و لنعد إلى القصة .

    « دعاء على علیه السّلام معاویة الى الطاعة و الجماعة »

    قال الطبرى : قال أبو مخنف حدّثنى عبد الملك بن أبى حرة الحنفى أن علیّا قال هذا یوم نصرتم فیه بالحمیة و جاء الناس حتّى أتوا عسكرهم فمكث على علیه السّلام یومین لا یرسل إلى معاویة أحدا و لا یرسل الیه معاویة .

    ثمّ إنّ علیّا علیه السّلام دعا بشیر بن عمرو بن محصن الأنصارى و سعید بن قیس الهمدانى و شبث بن ربعى التمیمى فقال ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى اللّه و إلى الطاعة و الجماعة فقال له شبث بن ربعى یا أمیر المؤمنین ألا تطمعه فى سلطان تولیه إیاه و منزلة یكون له بها أثرة عندك إن هو بایعك ؟ فقال علیّ علیه السّلام ائتوه فالقوه و احتجوا علیه و انظروا ما رأیه و هذا فی أوّل ذى الحجة فأتوه و دخلوا علیه فحمد اللّه و اثنى علیه أبو عمرة بشیر ابن عمرو و قال یا معاویة إنّ الدّنیا عنك زائلة و إنّك راجع إلى الآخرة و إنّ اللّه عزّ و جلّ محاسبك بعملك و جازیك بما قدّمت یداك و إنّی انشدك اللّه عزّ و جل أن تفرّق جماعة هذه الامة و أن تسفك دماءها بینها فقطع علیه الكلام و قال هلا أوصیت بذلك صاحبك ؟ فقال أبو عمرة إن صاحبى لیس مثلك إن صاحبى احق البریة كلّها بهذا الأمر فى الفضل و الدین و السابقة فی الإسلام و القرابة من الرسول صلّى اللّه علیه و آله قال :

    فیقول ماذا ؟ قال یأمرك بتقوى اللّه عزّ و جلّ و إجابة ابن عمّك إلى ما یدعوك إلیه من الحقّ فانّه اسلم لك فی دنیاك و خیر لك فی عاقبة أمرك .

    قال معاویة : و نطل دم عثمان لا و اللّه لا أفعل ذلك أبدا . فذهب سعید بن قیس

    [ 231 ]

    یتكلم فبادره شبث بن ربعى فتكلم فحمد اللّه و اثنى علیه و قال یا معاویة إنّی قد فهمت ما رددت على ابن محصن انه و اللّه لا یخفى علینا ما تغزو و ما تطلب إنّك لم تجد شیئا تستغوى به النّاس و تستمیل به أهوائهم و تستخلص به طاعتهم إلاّ قولك قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه فاستجاب له سفهاء طغام و قد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر و احببت له القتل لهذه المنزلة الّتی أصبحت تطلب و ربّ متمنى أمر و طالبه ، اللّه عزّ و جلّ یحول دونه بقدرته و ربّما اوتى المتمنى امنیته و فوق امنیّته و واللّه مالك فى واحدة منهما خیر لئن أخطات ما ترجوانك لشر العرب حالا فى ذلك و لئن أصبت ما تمنى لا تصیبه حتّى تستحق من ربّك صلیّ النّار فاتق اللّه یا معاویة ودع ما أنت علیه و لا تنازع الأمر أهله .

    فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال أمّا بعد فان أوّل ما عرفت فیه سفهك و خفة حلمك قطعك على هذا الحسیب الشریف سیّد قومه منطقه ثمّ عنیت بعد فیما لا علم لك به فقد كذبت و لومت أیّها الأعرابی الجلف الجافى فى كلّ ما ذكرت و وصفت انصرفوا من عندى فانّه لیس بینی و بینكم إلاّ السیف و غضب .

    و خرج القوم و شبث یقول أفعلینا تهول بالسیف اقسم باللّه لیعجلن بها إلیك فأتوا علیّا و أخبروه بالّذى كان من قوله و ذلك فی ذى الحجة .

    فاخذ علیّ علیه السّلام یأمر الرجل ذا الشرف فیخرج معه جماعة و یخرج إلیه من أصحاب معاویة آخر معه جماعة فیقتلان فی خیلهما و رجالهما ثمّ ینصرفان و أخذوا یكرهون أن یلقوا بجمع أهل العراق أهل الشام لما یتخوفون أن یكون فی ذلك من الاستئصال و الهلاك فكان على علیه السّلام یخرج مرة الأشتر و مرّة حجر بن عدى الكندى و مرّة شبث بن ربعی و مرة خالد بن المعمر و مرة زیاد بن النضر الحارثی و مرة زیاد بن خصفة التیمى و مرة سعید بن قیس و مرة معقل بن قیس الریاحىّ و مرة قیس بن سعد و كان أكثر القوم خروجا الیهم الأشتر .

    و كان معاویة یخرج الیهم عبد الرحمن بن خالد المخزومى و أبا الاعور السلمی و مرة حبیب بن مسلمة الفهرى و مرة ابن ذى الكلاع الحمیرى و مرة عبید اللّه بن

    [ 232 ]

    عمر بن الخطاب و مرة شرحبیل بن السمط الكندى و مرة حمزة بن مالك الهمدانى فاقتتلوا من ذى الحجة كلّها و ربما اقتتلوا فى الیوم الواحد مرتین اوله و آخره .

    قال أبو مخنف : حدّثنى عبد اللّه بن عامر الفائشى قال حدّثنى رجل من قومى أن الأشتر خرج یوما یقاتل بصفین فی رجال من القراء و رجال من فرسان العرب فاشتدّ قتالهم فخرج علینا رجل و اللّه لقلّ ما رأیت رجلا قط هو اطول و لا أعظم منه فدعا إلى المبارزة فلم یخرج الیه احد إلا الأشتر فاختلفا ضربتین فضربه الأشتر فقتله و ایم اللّه لقد كنا اشفقنا علیه و سألناه ألا یخرج الیه فلما قتله الأشتر نادى مناد من أصحابه .

    یا سهم سهم ابن أبى العیزار
    یا خیر من نعلمه من زار

    و زاره حى من الازد و قال اقسم باللّه لأقتلن قاتلك او لیقتلنى فخرج فحمل على الأشتر و عطف علیه الأشتر فضربه فاذا هو بین یدى فرسه و حمل علیه أصحابه فاستنقذوه جریحا فقال أبو رفیقة الفهمى هذا كان نارا فصادف إعصارا و اقتتل النّاس ذا الحجة كلّها فلما انقضى ذو الحجة تداعى النّاس إلى أن یكف بعضهم عن بعض المحرم لعل اللّه أن یجرى صلحا او اجتماعا فكف بعضهم عن بعض . و حج بالنّاس فی هذه السنة عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب بأمر على علیه السّلام ایاه بذلك .

    ثمّ دخلت سنة سبع و ثلاثین فكان فی أوّل شهر منها و هو المحرم موادعة الحرب بین على علیه السّلام و معاویة قدتوا دعا على ترك الحرب فیه إلى انقضائه طمعا فی الصلح .

    قال المسعودى فی مروج الذهب : و لما كان أوّل یوم من ذى الحجة بعد نزول على علیه السّلام هذا الموضع بیومین بعث إلى معاویة یدعوه إلى اتحاد الكلمة و الدخول فی جماعة المسلمین و طالت المراسلة بینهما فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم فی سنة سبع و ثلاثین و امتنع المسلمون عن الغزو فی البحر و البرّ لشغلهم بالحروب و قد كان معاویة صالح ملك الروم على مال یحمله الیه لشغله بعلى علیه السّلام و لم یتم بین علىّ و معاویة صلح على غیر ما اتفقا علیه من الموادعة فی المحرم و عزم القوم على الحرب

    [ 233 ]

    بعد انقضاء المحرم ففی ذلك یقول حابس بن سعد الطائی صاحب رایة معاویة :

    فمادون المنایا غیر سبع
    بقین من المحرم او ثمان

    و قال أبو جعفر الطبرى : فذكر هشام بن محمّد عن أبی مخنف الازدى قال حدثنی سعد ابو المجاهد الطائی عن المحل بن خلیفة الطائی قال لما توادع علیّ علیه السّلام و معاویة یوم صفّین اختلف فیما بینهما الرسل رجاء الصلح فبعث على علیه السّلام عدیّ بن حاتم و یزید بن قیس الارحبى و شبث بن ربعى و زیاد بن خصفة إلى معاویة فلما دخلوا حمد اللّه عدیّ بن حاتم ثمّ قال أمّا بعد فإنا أتیناك ندعوك إلى أمر یجمع اللّه عزّ و جل به كلمتنا و امتنا و یحقن به الدماء و یأمن به السبل و یصلح به ذات البین إن ابن عمك سید المسلمین أفضلها سابقة و أحسنها فى الأسلام أثرا و قد استجمع له النّاس و قد أرشدهم اللّه عزّ و جل بالّذى رأوا فلم یبق احد غیرك و غیر من معك فانته یا معاویة لا یصبك اللّه و أصحابك بیوم مثل یوم الجمل .

    فقال معاویة كأنك إنّما جئت متهدّدا لم تأت مصلحا هیهات یا عدیّ كلا و اللّه إنّى لابن حرب ما یقعقع لى بالشنان أما و اللّه إنّك لمن المجلبین على ابن عفان و إنّك لمن قتلته و إنّی لأرجو أن تكون ممن یقتل اللّه عزّ و جل به هیهات یا عدى ابن حاتم قد حلبت بالسّاعد الاشد .

    فقال له شبث بن ربعى و زیاد بن خصفة و تنازعا جوابا واحدا أتیناك فیما یصلحنا و إیاك فأقبلت تضرب لنا الامثال دع ما لا ینتفع به من القول و الفعل واجبنا فیما یعمنا و إیاك نفعه .

    و تكلم یزید بن قیس فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إلیك و لنؤدى عنك ما سمعنا منك و نحن على ذلك لم ندع أن ننصح لك و أن نذكر ما ظننا أن لنا علیك حجة و أنك راجع به إلى الالفة و الجماعة إن صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله و لا أظنه یخفى علیك إن أهل الدین و الفضل لن یعدلوا بعلىّ علیه السّلام و لن یمیلوا بینك و بینه فاتّق اللّه یا معاویة و لا تخالف علیّا علیه السّلام فانا و اللّه ما رأینا رجلا قط اعمل بالتقوى و لا ازهد فى الدنیا و لا اجمع لخصال الخیر كلها منه .

    [ 234 ]

    فحمد اللّه معاویة و أثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد فانكم دعوتم إلى الطاعة و الجماعة فأمّا الجماعة الّتی دعوتم إلیها فمعنا هى و أمّا الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها إن صاحبكم قتل خلیفتنا و فرق جماعتنا و آوى ثأرنا و قتلتنا و صاحبكم یزعم انه لم یقتله فنحن لا نرد ذلك علیه أرایتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون انهم أصحاب صاحبكم فلیدفعهم الینا فلنقتلهم به ثمّ نحن نجیبكم إلى الطاعة و الجماعة .

    فقال له شبث أیسرّك یا معاویة أنك أمكنت من عمار تقتله ؟ فقال معاویة و ما یمنعنى من ذلك و اللّه لو أمكنت من ابن سمیّة ما قتلته بعثمان و لكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان .

    أقول : عمار هذا هو أبو الیقظان عمار بن یاسر رضى اللّه عنه و هو من خیار أصحاب النّبی صلّى اللّه علیه و آله الّذی قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیه : ان عمارا ملى‏ء إیمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الایمان بلحمه و دمه . و جلالة قدره و كثرة ثباته و استقامته فی الدین مما لا یخفى على احد .

    و سمیة « على التصغیر » رضی اللّه عنها كانت امه و هی ممن عذب فی اللّه بل ذكر بقلة الاثار إن أول شهید استشهد فى الاسلام ام عمار سمیة طعنها أبو جهل بطعنة فی قبلها او قلبها . و إنّما قال شبث لمعاویة أیسرك أنك امكنت من عمار تقتله ، لأن النّبی صلّى اللّه علیه و آله قال فیه إنّما تقتلك الفئة الباغیة . و هذا هو المنقول عن الفریقین بلا كلام فكانما شبث قال لمعاویة أنت تعلم ان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال فیه كذا أفترضى أن تكون أنت و قومك الفئة الباغیة و تحب ان تكونوا منهم و قاتل عمار بنصّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الفئة الباغیه .

    فاجابه معاویة بقوله لو امكنت من ابن سمیة یعنى عمارا ما قتلته بدل عثمان بل كنت قاتله بدل ناتل مولى عثمان یعنى ان عمارا لا یلیق ان یقتل بدل عثمان بل بدل مولاه .

    فانظر ایها البصیر فی الامور فی قساوة معاویة و تجرّیه و هتكه و فظاظته كیف یعترف ببغیه و عناده على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و مع ذلك ینسبه إلى الدّین و یعرّفه خلیفة المسلمین و أمیر المؤمنین .

    [ 235 ]

    و البصیر فی السیر یعلم أن علیّا علیه السّلام لم یكن فی قتل عثمان شریكا بل كان ناهیا عن ذلك و قال غیر واحد من نقلة الآثار من الفریقین إنّه علیه السّلام كان ینهى النّاس عن قتله و سیجى‏ء الكلام فیه فی محله و إنّما معاویة لم یجد شیئا یستغوى به النّاس و یستمیل به اهوائهم و تستخلص به طاعتهم إلاّ قوله : قتل إمامكم عثمان مظلوما فنحن نطلب بدمه .

    و سیأتى من عمار رحمه اللّه كما فى تاریخ الطبرى حیث یقول عمار لقوم معاویة فی صفین : و لم یكن للقوم سابقة فی الاسلام یستحقون بها طاعة النّاس و الولایة علیهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا إمامنا قتل مظلوما لیكونوا بذلك جبابرة ملوكا و تلك مكیدة بلغوا بها ما ترون و لو لا هى ما تبعهم من النّاس رجلان .

    و یأتی ترجمة عمار و أبوه یاسر و امّه سمیة و نسبه و قتله فی سبیل اللّه عن قریب فلنعد إلى القصة .

    فقال له شبث و إله الأرض و إله السماء اما عدلت معتدلا لا و الّذى لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتّى تندر الهام عن كواهل الأقوام و تضیق الأرض الفضاء علیك برحبها .

    فقال له معاویة انه لو قد كان ذلك كانت الأرض علیك اضیق . و تفرق القوم عن معاویة فلما انصرفوا بعث معاویة إلى زیاد بن خصفة التیمى فخلا به فحمد اللّه و اثنى علیه و قال أمّا بعد یا أخا ربیعة فإن علیّا قطع ارحامنا و آوى قتلة صاحبنا « یعنى بالصاحب عثمان » و إنى اسألك النصر علیه باسرتك و عشیرتك ثمّ لك عهد اللّه جل و عزّ و میثاقه أن اولیك إذا ظهرت « اى غلبت » اى المصرین احببت .

    قال الطبرى قال أبو مخنف فحدثنى سعد أبو المجاهد عن المحل بن خلیفة قال سمعت زیاد بن خصفة یحدّث بهذا الحدیث قال فلما قضى معاویة كلامه حمدت اللّه عزّ و جل و اثنیت علیه ثمّ قلت : أما بعد فانى على بینة من ربّی و بما انعم علىّ فلن اكون ظهیرا للمجرمین ثمّ قمت .

    فقال معاویة لعمرو بن العاص و كان إلى جنبه جالسا یكلم رجل منا رجلا

    [ 236 ]

    منهم فیجیب إلى خیر مالهم عضبهم اللّه بشر ما قلوبهم إلاّ كقلب رجل واحد .

    قال الطبرى قال أبو مخنف فحدّثنى سلیمان بن راشد الأزدى عن عبد الرحمن ابن عبید أبى الكنود أن معاویة بعث إلى علىّ علیه السّلام حبیب بن مسلمة الفهرى و شرحبیل ابن السمط و معن بن یزید بن الأخنس فدخلوا علیه و أنا عنده فحمد اللّه حبیب و أثنى علیه ثمّ قال أما بعد فان عثمان بن عفان كان خلیفة مهدیا یعمل بكتاب اللّه عزّ و جل و ینیب إلى أمر اللّه تعالى فاستثقلتم حیاته و استبطأتم وفاته فعدوتم علیه فقتلتموه فادفع الینا قتلة عثمان إن زعمت أنّك لم تقتله نقتلهم به ثمّ اعتزل أمر النّاس فیكون امرهم شورى بینهم یولى الناس امرهم من اجمع علیه رأیهم .

    فقال له علىّ بن أبیطالب علیه السّلام و ما أنت لا ام لك و العزل و هذا الأمر اسكت فإنك لست هناك و لا بأهل له .

    فقام و قال له و اللّه لترینى بحیث تكره .

    فقال علیّ علیه السّلام و ما أنت و لو اجلبت بخیلك و رجلك لا أبقى اللّه علیك إن أبقیت علىّ أحقره و سوءا اذهب فصوّب و صعّد ما بدالك .

    و قال شرحبیل بن السمط إنّی إن كلمتك فلعمرى ما كلامى إلا مثل كلام صاحبى قبل فهل عندك جواب غیر الّذی أجبته به ؟ .

    فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد فان اللّه جلّ ثناؤه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بالحق فانقذ به من الضلالة و انتاش به من الهلكة و جمع به من الفرقة ثمّ قبضه اللّه الیه و قد أدّى ما علیه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ استخلف النّاس أبا بكر و استخلف أبو بكر عمر فأحسنا السیرة و عدلا فی الامة و قد وجدنا علیهما أن تولیا علینا و نحن آل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فغفرنا ذلك لهما و ولی عثمان فعمل بأشیاء عابها الناس علیه فساروا الیه فقتلوه ثمّ أتانی الناس و أنا معتزل امورهم فقالوا لی بایع فأبیت علیهم فقالوا لى بایع فان الامة لا ترضى إلا بك و إنا نخاف إن لم تفعل أن یفترق النّاس فبایعتهم فلم یرعنى إلا شقاق رجلین قد بایعانى و خلاف معاویة الّذی لم یجعل اللّه عزّ و جل له سابقة فی الدّین و لا سلف صدق فى الاسلام طلیق ابن طلیق حزب من هذه الاحزاب لم یزل للّه عزّ و جل

    [ 237 ]

    و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله و للمسلمین عدو هو و ابوه حتّى دخلا فى الاسلام كارهین فلا غرو إلا خلافكم معه و انقیادكم له و تدعون آل نبیكم صلّى اللّه علیه و آله الّذین لا ینبغی لكم شقاقهم و لا خلافهم و لا أن تعدلوا بهم من النّاس أحدا ألا أنی أدعوكم إلى كتاب اللّه عز و جل و سنة نبیه صلّى اللّه علیه و آله و إماتة الباطل و إحیاء معالم الدین أقول قولی هذا و أستغفر اللّه لی و لكم و لكل مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة .

    أقول كلامه علیه السّلام هذا لیس فی نهج البلاغة و كم له علیه السّلام من كلام لم یأت به الرضیّ رضوان اللّه علیه فی النهج و لم یعثر علیه و هو ( ره ) معترف بذلك حیث یقول فی مقدمته على النهج : مفضّلا فیه اوراقا لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه یشذّ عنّی عاجلا و یقع إلیّ آجلا . و لنعد إلى القصّة :

    فقال شرحبیل أ تشهد أن عثمان قتل مظلوما ؟ فقال علیه السّلام لهما لا اقول انّه قتل مظلوما و لا انّه قتل ظالما قالا فمن لم یزعم أن عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء ثمّ قاما فانصرفا فقال علىّ علیه السّلام : « إنّك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا و لوا مدبرین . و ما أنت بهادى العمى عن ضلالهم إن تسمع إلاّ من یؤمن بآیاتنا فهم مسلمون » .

    ثمّ أقبل علىّ علیه السّلام على أصحابه فقال لا یكون هؤلاء أولى بالجد فی ضلالهم منكم بالجد فی حقكم و طاعة ربّكم .

    « تكتیب الكتائب و تعبیة الناس للقتال »

    و مكث النّاس حتّى إذا دنا انسلاخ المحرم أمر على علیه السّلام مرثد بن الحارث الجشمی فنادى أهل الشام عند غروب الشمس ألا إن أمیر المؤمنین یقول لكم إنّی قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ و تنیبوا الیه و احتججت علیكم بكتاب اللّه عزّ و جل فدعوتكم إلیه فلم تناهوا عن طغیان و لم تجیبوا إلى حقّ و إنّی قد نبذت إلیكم على سواء إن اللّه لا یحب الخائنین .

    ففزع أهل الشام إلى امرائهم و رؤسائهم و خرج معاویة و عمرو بن العاص فی

    [ 238 ]

    النّاس یكتّبان الكتائب و یعبّیان النّاس و اوقدوا النیران و بات على علیه السّلام لیلته كلها یعبّى النّاس و یكتب الكتائب و یدور فی الناس یحرضهم .

    قال الطبرى قال أبو مخنف و حدثنی إسماعیل بن یزید عن أبی صادق عن الحضرمی قال سمعت علیّا یحرض النّاس فی ثلاثة مواطن یحرض النّاس یوم صفین و یوم الجمل و یوم النهر ، یقول : عباد اللّه اتقوا اللّه و غضوا الابصار و اخفضوا الأصوات و اقلوا الكلام و وطّنوا أنفسكم على المنازلة و المجاولة و المبارزة و المناضلة و المبالدة و المعانقة و المكارمة الملازمة فاثبتوا و اذكروا اللّه كثیرا لعلكم تفلحون و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ریحكم و اصبروا إن اللّه مع الصابرین اللهم الهمهم الصبر و انزل علیهم النصر و أعظم لهم الأجر فاصبح علیّ علیه السّلام من الغد فبعث على المیمنة و المیسرة و الرجالة و الخیل .

    قال أبو مخنف فحدثنی فضیل بن خدیج الكندی أن علیا بعث على خیل أهل الكوفة الأشتر و على خیل أهل البصرة سهل بن حنیف و على رجالة أهل الكوفة عمار بن یاسر و على رجالة أهل البصرة قیس بن سعد و هاشم بن عتبة معه رایته و مسعر ابن فدكى التمیمی على قرّاء أهل البصرة و صار أهل الكوفة إلى عبد اللّه بن بدیل و عمار بن یاسر .

    قال أبو مخنف و حدثنی عبد اللّه بن یزید بن جابر الازدی عن القاسم مولى یزید ابن معاویة أنّ معاویة بعث على میمنته ابن ذی الكلاع الحمیری ، و على میسرته حبیب بن مسلمة الفهری ، و على مقدمته یوم اقبل من دمشق أبا الاعور السلمی و كان على خیل أهل دمشق ، و عمرو بن العاص على خیول أهل الشام كلّها ، و مسلم بن عقبة المریّ على رجالة أهل دمشق ، و الضحاك بن قیس على رجالة النّاس كلها و بایع رجال من أهل الشام على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم فكان المعقلون خمسة صفوف و كانوا یخرجون و یصفون عشرة صفوف و یخرج أهل العراق أحد عشر صفا


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه


    فقال عمر أعیدوا علیه و لا تجمعوا علیه القتل و العطش فقال لا حاجة لی فی الماء إنّما اردت أن أستأمن به فقال له عمر إنی قاتلك قد آمنتنی . قال خدعتنی إن للمخدوع فی الحرب حكمه لا و اللّه لا او منك حتى تسلم فایقن أنّه القتل أو الاسلام فأسلم ففرض له على الفین و أنزله المدینة .

    و فى البحار نقلا عن المناقب كما فى سفینة البحار : أن عمر اراد قتل الهرمزان فاستسقى فاتى بقدح فجعل ترعدیده فقال له فى ذلك فقال إنّى خائف أن تقتلنى قبل أن أشربه فقال اشرب و لا بأس علیك فرمى القدح من یده فكسره فقال ما كنت لأشربه أبدا و قد أمنتنى فقال قاتلك اللّه لقد أخذت أمانا و لم اشعر به .

    ثمّ قال و فى روایتنا أنه شكى ذلك إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فدعا اللّه تعالى فصار القدح صحیحا مملوّا من الماء فلمّا رأى الهرمزان المعجز أسلم .

    و أبو لؤلؤة كان اسمه فیروز و لقبه بابا شجاع الدین و كان النهاوندى الأصل و المولد و تنوزع فى مذهبه .

    قال المسعودى فى مروج الذهب : و كان عمر لا یترك احدا من العجم یدخل المدینة فكتب الیه المغیرة بن شعبة أن عندى غلاما نقاشا نجارا حدّادا فیه منافع لأهل المدینة فان رأیت أن تأذن لى فى الارسال به فعلت فأذن له و قد كان المغیرة جعل علیه كلّ یوم درهمین و كان یدعى أبا لؤلؤة و كان مجوسیا من أهل نهاوند فلبث ما شاء اللّه ثمّ أتى عمر یشكو إلیه ثقل خراجه فقال له عمر و ما تحسن من الاعمال ؟

    قال نقاش نجار حداد فقال له عمر ما خراجك بكثیر فى كنه ما تحسن من الأعمال فمصى عنه و هو مدبر قال ثمّ مرّ بعمر یوما آخر و هو قاعد فقال له عمر ألم احدث عنك أنك تقول لو شئت أن أصنع رحا تطحن بالریح لفعلت ؟ فقال أبو لؤلؤة لأصنعن لك رحا یتحدّث الناس بها و مضى أبو لؤلؤة . فقال أمّا العلج فقد توعدنى آنفا فلمّا أزمع بالّذى أوعد به أخذ خنجرا فاشتمل علیه ثمّ قعد لعمر فى زاویة من زوایا المسجد إلى آخر ما نقلناه عنه آنفا .

    و فی سفینة البحار : الّذی رأیت فی بعض الكتب أن أبا لؤلؤة كان غلام المغیرة

    [ 250 ]

    ابن شعبة اسمه الفیروز الفارسى اصله من نهاوند فأسرته الروم و اسره المسلمون من الروم و لذلك لما قدم سبى نهاوند إلى المدینة فى السنة الحادیة و العشرین كان أبو لؤلؤة لا یلقى منهم صغیرا إلا مسح رأسه و بكى و قال له اكل رمع كبدى و ذلك لأن الرجل « یعنى به عمر » وضع علیه من الخراج كلّ یوم درهمین فثقل علیه الامر فأتى إلیه فقال له الرجل « اى عمر » لیس بكثیر فی حقك فانّی سمعت عنك أنك لواردت أن تدیر الرحى بالریح لقدرت على ذلك فقال أبو لؤلؤة لادیرن لك رحى لا تسكن إلى یوم القیامة ، فقال إن العبد قد أوعد و لو كنت اقتل أحدا بالتهمة لقتلته و فی خبر آخر قال له أبو لؤلؤة لأعملن لك رحی یتحدّث بها من بالمشرق و المغرب ثمّ انّه قتله بعد ذلك .

    ثمّ نقل عن بعض الاعلام : أن فیروز هذا قد كان من أكابر المسلمین و المجاهدین بل من خلّص اتباع أمیر المؤمنین علیه السّلام و كان أخا لذكوان و هو أبو أبی الزناد عبد اللّه ابن ذكوان عالم أهل المدینة بالحساب و الفرائض و النحو و الشعر و الحدیث و الفقه فراجع الاستیعاب .

    و قال الذهبی فی كتابه المختصر فی الرجال : عبد اللّه بن ذكوان أبو عبد الرحمن هو الامام أبو الزناد المدنی مولى بنی امیة و ذكوان هو أخو أبی لؤلؤة قاتل عمر ثقة ثبت روى عنه مالك و السفیانان مات فجأة فی شهر رمضان فی السنة الحادیة و الثلاثین بعد المأة . ثم قال قال صاحب الریاض و هذا أجلی دلیل على كون فیروز المذكور من الشیعة و حینئذ فلا اعتماد بما قاله الذهبی من أن أبا لؤلؤة كان عبدا نصرانیا لمغیرة ابن شعبة و كذا لا اعتداد بما قاله السیوطی فی تاریخ الخلفاء من أن أبا لؤلؤة كان عبدا لمغیرة و یصنع الأرحاء ثمّ روى عن ابن عباس أن أبا لؤلؤة كان مجوسیّا .

    ثمّ إن فی المقام كلام آخر و هو أن النّبی صلّى اللّه علیه و آله قد أمر باخراج مطلق الكفار من مكة و المدینة فضلا عن مسجدهما و العامة قد نقلوا ذلك و أذعنوا بصحة الخبر الوارد فی ذلك الباب فاذا كان أبو لؤلؤة نصرانیا مجوسیا كیف رخّصه عمر فی أیام خلافته أن یدخل مدینة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من غیر مضایقة و لا نكیر فضلا عن مسجده

    [ 251 ]

    و هذا منه إمّا یدلّ على عدم مبالاته فی الدین او على عدم صحة ما نسبوه الیه و لو تنزلنا عن ذلك نقول كان أوّل أمره من الكفار و من مجوس بلاد نهاوند ثمّ تشرف بعد بدین الاسلام انتهى ما أردنا نقله من السفینة .

    و هذا جملة الأقوال فی قتل عبید اللّه بن عمر الهرمزان و مذهب أبی لؤلؤة و سبب قتله عمرو علة لحوق عبید اللّه بمعاویة .

    و سیأتی ان علیّا علیه السّلام فی الصفین نادى عبید اللّه بن عمر و قال له ویحك یا ابن عمر علام تقتلنی و اللّه لو كان أبوك حیا ما قاتلنی قال اطلب بدم عثمان ، قال علیه السّلام أنت تطلب بدم عثمان و اللّه یطلب بدم الهرمزان ، و لنعد إلى القصة .

    الیوم الخامس

    و اخرج علیّ علیه السّلام فی الیوم الخامس من صفر و هو یوم الاحد عبد اللّه بن عباس فاخرج إلیه معاویة الولید بن عقبة بن أبی معیط فاقتتلوا قتالا شدیدا ، و دنا ابن عبّاس من الولید بن عقبة فاخذ الولید یسب بنی عبد المطلب و اخذ یقول یا ابن عبّاس قطعتم أرحامكم و قتلتم إمامكم « یعنی به عثمان بن عفان » فكیف رأیتم اللّه صنع بكم لم تعطوا ما طلبتم و لم تدركوا ما أملتم و اللّه إن شاء اللّه مهلككم و ناصر علیكم ، فأرسل إلیه ابن عباس أن ابرزلی یا صفوان و كان صفوان لقب الولید فأبى و قاتل ابن عباس یومئذ قتالا شدیدا و غشى الناس بنفسه و كانت الغلبة لابن عباس و كان یوما صعبا .

    الیوم السادس

    و اخرج علىّ علیه السّلام فی الیوم السادس من صفر و هو یوم الاثنین سعید بن قیس الهمدانی و هو سید همدان یومئذ فاخرج إلیه معاویة ذا الكلاع فاقتتلا قتالا شدیدا و كانت بینهما إلى آخر النهار و اسفرت عن قتلى و انصرف الفریقان جمیعا .

    الیوم السابع

    و أخرج علیّ علیه السّلام فی الیوم السابع و هو یوم الثلاثاء الاشتر رضوان اللّه علیه فی النخع و غیرهم فاخرج إلیه معاویة حبیب بن مسلمة الفهری فكانت بینهم سجالا

    [ 252 ]

    و صبر كلا الفریقین و تكاثروا و توافقوا للحرب و اسفرت عن قتلی منهما و الجراح فی أهل الشام اعمّ و قال الطبرى انصرفا عند الظهر و كل غیر غالب .

    قال الطبری قال أبو مخنف : حدثنی مالك بن أعین الجهنی عن زید بن وهب أن علیّا علیه السّلام قال حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا فقام فی الناس عشیة الثلاثاء لیلة الاربعاء بعد العصر فقال : الحمد للّه الذی لا یبرم ما نقض و ما أبرم لا ینقضه الناقضون لو شاء ما اختلف إثنان من خلقه و لا تنازعت الامة فی شی‏ء من أمره و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الاقدار فلفت بیننا فی هذا المكان فنحن من ربنا بمرأى و مسمع و لو شاء عجل النقمة و كان منه التغییر حتّى یكذب اللّه الظالم و یعلم الحق أین مصیره و لكنه جعل الدنیا دار الاعمال و جعل الآخرة عنده هى دار القرار لیجزى الّذین أساؤا بما عملوا و یجزى الّذین أحسنوا بالحسنى ألا إنّكم لاقوا القوم غدا فأطیلوا اللیلة القیام و أكثروا تلاوة القرآن و سلوا اللّه عزّ و جلّ النصر و الصبر و القوهم بالجد و الحزم و كونوا صادقین .

    ثمّ انصرف و وثب الناس إلى سیوفهم و رماحهم و نبالهم یصلحونها و مرّ بهم كعب بن جعیل التغلبی و هو یقول :

    أصبحت الامّة فی أمر عجب
    و الملك مجموع غدا لمن غلب

    فقلت قولا صادقا غیر كذب
    إن غدا تهلك أعلام العرب

    أقول : لما بلغت إلى قول ولی اللّه الأعظم و مظهره الاكمل الاتم أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام روحى له الفداء و نفسى له الوقاء : « فاطیلوا القیام و اكثروا تلاوة القرآن » اذكرنى قول من ربى فی حجره و نشأ من عنده و الولد سرّ أبیه مولانا أبی عبد اللّه الحسین بن علیّ سلام اللّه علیه و على اعوانه و انصاره و الارواح التی حلّت بفنائه : و هو كما ذكره أبو جعفر الطبرى فی تاریخه و الشیخ الجلیل محمّد بن محمّد بن النعمان الملقب بالمفید رحمه اللّه فی إرشاده و غیرهما من علماء الفریقین فی كتبهم مع اختلاف یسیر فی بعض الالفاظ :

    انّ عشیة الخمیس لتسع مضین من المحرم 61 من الهجرة نادى عمر بن

    [ 253 ]

    عمر بن سعد یا خیل اللّه اركبی و أبشری فركب فی الناس ثمّ زحف نحوهم بعد صلاة العصر و حسین جالس أمام بیته محتبیا بسیفه إذ خفق برأسه على ركبتیه و سمعت اخته زینب الصیحة فدنت من أخیها فقالت یا أخی أما تسمع الاصوات قد اقتربت فرفع الحسین علیه السّلام رأسه فقال إنی رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الساعة فی المنام فقال لی إنك تروح إلینا قال فلطمت اخته وجهها و قالت یا ویلتا فقال لیس لك الویل یا اخیّتی اسكنى رحمك الرحمن ، ثمّ قال له العبّاس بن علیّ علیه السّلام یا أخى أتاك القوم فنهض ثمّ قال یا عباس اركب بنفسی أنت یا أخى حتى تلقاهم فتقول لهم مالكم و ما بدا لكم و تسألهم عما جاء بهم فاتاهم العباس فاستقبلهم فی نحو من عشرین فارسا فیهم زهیر بن القین و حبیب بن مظاهر فقال لهم العباس ما بدالكم و ما تریدون قالوا قد جاء أمر الامیر بأن نعرض علیكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم قال فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبی عبد اللّه علیه السّلام فأعرض علیه ما ذكرتم فوقفوا ثمّ قالوا ألقه فأعلمه ذلك ثم القنا بما یقول فانصرف العباس راجعا یركض إلى الحسین علیه السّلام یخبره بالخبر و وقف أصحابه یخاطبون القوم و یعظونهم و یكفونهم عن قتال الحسین علیه السّلام فجاء العباس إلى الحسین علیه السّلام فأخبره بما قال القوم ، فقال علیه السّلام ارجع إلیهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة و تدفعهم عنّا العشیة لعلّنا نصلّى لربّنا اللیلة و ندعوه و نستغفره فهو یعلم أنى قد كنت احبّ الصلاة له و تلاوة كتابه و كثرة الدعاء و الاستغفار .

    و انظر ایها الاخ الكریم إلى سیرة اولیاء اللّه كیف یلجأون إلى اللّه و یفزعون إلیه و یدعونه و یسجدون له و یعبدونه و یستغفرونه حتّى فى هزائز الامور و شدائد الاحوال ، ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب فهؤلاء الموحدون المتألهون الفانون فى اللّه شأنهم اجلّ و قدرهم أعظم عن أن یقاتلوا فى غیر اللّه او ان یعملوا عملا لغیر رضا اللّه و بذلك فلیعمل العاملون و ییقظ النائمون و لنعد إلى القصة :

    فلما كان من اللیل خرج علىّ علیه السّلام فعبّى الناس لیلته كلها حتى إذا أصبح زحف بالنّاس و خرج إلیه معاویة فى أهل الشام فاخذ علىّ علیه السّلام یقول من هذه

    [ 254 ]

    القبیلة و من هذه القبیلة ؟ فنسبت له قبائل أهل الشام حتى إذا عرفهم و رأى مراكزهم قال للازد اكفونى الازد و قال لخثعم اكفونی خثعم و أمر كل قبیلة من أهل العراق أن تكفیه اختها من أهل الشام إلا ان تكون قبیلة لیس منها بالشام أحد فیصرفها إلى قبیلة اخرى تكون بالشام لیس منهم بالعراق واحد مثل بجیلة لم یكن منهم بالشام الاعدد قلیل فصرفهم إلى لخم ثم تناهض الناس یوم الاربعاء و هو الیوم الثامن من صفر فاقتتلوا قتالا شدیدا نهارهم كلّه ثمّ انصرفوا عند المساء و كلّ غیر غالب .

    الیوم الثامن

    فی مروج الذهب للمسعودی : و خرج فی الیوم الثامن و هو یوم الأربعاء علیّ علیه السّلام بنفسه فی الصحابة من البدریین و غیرهم من المهاجرین و الانصار و ربیعة و همدان ، و قال ابن عباس رأیت فی هذا الیوم علیّا و علیه عمامة بیضاء و كان عیینه سراجا سلیط و هو یقف على طوائف الناس فی مراتبهم یحثهم و یحرضهم حتى انتهى الىّ و أنا فی كثیف من الناس فقال علیه السّلام یا معشر المسلمین عموا الاصوات و اكملوا اللامة و استشعروا الخشیة و اقلقوا السیوف فی الاجفان قبل السلة و الحظوا الشزر و اطعنوا الهبر و نافحوا الصبا و صلوا السیف بالخطاء و النبال بالرماح و طیبوا عن أنفسكم أنفسنا فانكم بعین اللّه و مع ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عاودوا الكرّ و استقبحوا الفرّ فانه عار فی الاحقاب و نار یوم الحساب و دونكم هذا السواد الأعظم و الرواق المطنب فاضربوا نهجه فان الشیطان راكب صعیده معترض ذراعیه قد قدّم للوثبة یدا و اخّر للنكوص رجلا فصبرا جمیلا حتّى تنجلى عن وجه الحق و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن یتركم اعمالكم ، و تقدم علیّ علیه السّلام للحرب على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الشهباء و خرج معاویة فی عدد أهل الشام فانصرفوا عند المساء و كلّ غیر ظافر .

    أقول كلامه علیه السّلام هذا مذكور فی نهج البلاغة فی باب الخطب مع اختلاف فی بعض العبارات و الجمل و أوله فی نهج البلاغة : معاشر المسلمین استشعروا الخشیة و تجلببوا السكینة و عضّوا على النواجذ إلى آخره و لنعد إلى القصة :

    [ 255 ]

    و فی تاریخ الطبرى قال أبو مخنف حدثنی مالك بن أعین عن زید بن وهب الجهنى أن علیّا علیه السّلام خرج إلیهم غداة الاربعاء فاستقبلهم فقال :

    اللهم رب السقف المرفوع المحفوظ المكفوف الّذی جعلته مغیضا للّیل و النهار و جعلت فیه مجرى الشمس و القمر و منازل النجوم و جعلت سكانه سبطا من الملائكة لا یسأمون العبادة و ربّ هذه الأرض التى جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الانعام و ما لا یحصى مما لا یرى و مما یرى من خلقك العظیم و ربّ الفلك التى تجرى فى البحر بما ینفع الناس و ربّ السحاب المسخر بین السماء و الأرض و ربّ البحر المسجور المحیط بالعالم و ربّ الجبال الرواسى التى جعلتها للأرض أوتادا و للخلق متاعا إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغى و سددنا للحق و إن أظهرتهم علینا فارزقنى الشهادة و اعصم بقیة أصحابى من الفتنة .

    و ازدلف الناس یوم الاربعاء فاقتتلوا كأشد القتال یومهم حتى اللیل لا ینصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة و كثرت القتلى بینهم و تحاجزوا عند اللیل و كل غیر غالب .

    أقول : كلامه علیه السّلام هذا مذكور أیضا فی نهج البلاغة فى باب الخطب مع تفاوت یسیر أوله : اللهم رب السقف المرفوع و الجو المكفوف الّذی جعلته مغیضا للّیل و النهار و مجرى للشمس و القمر إلى آخره ، و لنعد إلى القصة :

    الیوم التاسع

    قال الطبری فاصبحوا من الغد غداة الخمیس و هو الیوم التاسع فصلّى بهم علىّ علیه السّلام غداة الخمیس فغلس بالصلاة اشدّ التغلیس ، و قال أبو مخنف حدثنى عبد الرحمن ابن جندب الازدی عن أبیه قال ما رأیت علیّا علیه السّلام غلّس بالصلاة أشدّ من تغلیسه یومئذ .

    أقول : الغلس محركة كفرس : ظلمة آخر اللیل إذا اختلطت بضوء الصباح و فى النهایة الاثیریة انه صلّى اللّه علیه و آله كان یصلى الصبح بغلس و التغلیس : السیر بغلس یقال غلسنا الماء أی وردناه بغلس و منه حدیث الافاضة كنا نغلس من جمع

    [ 256 ]

    إلى منى أى نسیر إلیها ذلك الوقت كما فی النهایة و غلسنا الصلاة إذا فعلناها بغلس فالمراد أنّ أمیر المؤمنین علیّا علیه السّلام صلى بهم صلاة الصبح فی ذلك الیوم فى وقت كان اقدم من سائر أیامه الماضیة ، فلنعد إلى القصة .

    ثمّ بدأ أهل الشام بالخروج فلمّا رأى علىّ علیه السّلام و جنوده انهم اقبلوا الیهم ،

    خرجوا الیهم بوجوههم و على میمنتهم عبد اللّه بن بدیل و على میسرتهم عبد اللّه بن عبّاس و قراء أهل العراق مع ثلاثة نفر مع عمار بن یاسر و مع قیس بن سعد و مع عبد اللّه بن بدیل و الناس على رایاتهم و مراكزهم و على علیه السّلام فى القلب فى أهل المدینة بین أهل الكوفة و أهل البصرة و عظم من معه من أهل المدینة الانصار و معه من خزاعة عدد حسن و من كنانة و غیرهم من أهل المدینة ثمّ زحف الیهم بالناس .

    و رفع معاویة قبة عظیمة قد ألقى علیها الكرابیس و بایعه عظم الناس من أهل الشام على الموت و بعث خیل أهل دمشق فاحتاطت بقبته و زحف عبد اللّه بن بدیل فی المیمنة نحو حبیب بن مسلمة فلم یزل یحوزه و یكشف خیله من المیسرة حتّى اضطرّهم إلى قبة معاویة عند الظهر .

    قال أبو مخنف حدثنی مالك بن اعین عن زید بن وهب الجهنى أن ابن بدیل قام فی أصحابه فقال : ألا إن معاویة ادعى ما لیس أهله و نازع هذا الأمر من لیس مثله و جادل بالباطل لیدحض به الحقّ وصال علیكم بالاعراب و الأحزاب قد زین لهم الضلالة و زرع فی قلوبهم حبّ الفتنة و لبّس علیهم الأمر و زادهم رجسا إلى رجسهم و أنتم على نور من ربكم و برهان مبین فقاتلوا الطغاة الجفاة و لا تخشوهم فكیف تخشونهم و فى أیدیكم كتاب اللّه عزّ و جلّ طاهرا مبرورا أ تخشونهم فاللَّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنین . قاتلوهم یعذِّبهمُ اللَّه بأیدیكم و یخزهم و ینصركم علیهم و یشف صدور قوم مؤمنین و قد قاتلناهم مع النّبی صلّى اللّه علیه و آله مرة و هذه ثانیة و اللّه ما هم فی هذه بأتقى و لا ازكى و لا أرشد قوموا إلى عدوّكم بارك اللّه علیكم فقاتل قتالا شدیدا هو و أصحابه .

    [ 257 ]

    قال أبو مخنف حدّثنی عبد الرحمن بن أبی عمرة الأنصارى عن أبیه و مولى له أن علیّا علیه السّلام حرض النّاس یوم صفین فقال إن اللّه عزّ و جل قد دلكم على تجارة تنجیكم من عذاب الیم تشفى بكم على الخیر الایمان باللّه عزّ و جلّ و برسوله صلّى اللّه علیه و آله و الجهاد فی سبیل اللّه تعالى ذكره و جعل ثوابه مغفرة الذنب و مساكن طیبة فی جنات عدن ثمّ أخبركم أنه یحبّ الّذین یقاتلون فی سبیله صفّا كأنهم بنیان مرصوص فسوّوا صفوفكم كالبیان المرصوص و قدموا الدارع و أخر و الحاسر و عضوا على الأضراس فانّه أبنا للسیوف عن الهام و التووا فی اطراف الرماح فانه اصون للأسنة و غضوا الابصار فانه اربط للجاش و اسكن للقلوب و امیتوا الأصوات فانه اطرد للفشل و اولى بالوقار ، رایاتكم فلا تمیلوها و لا تزیلوها و لا تجعلوها إلا بایدى شجعانكم فان المانع للذمار و الصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الّذین یحفون برایاتهم و یكنفونها یضربون حفافیها خلفها و امامها و لا یضعونها اجزأ امرؤ و قد قرنه رحمكم اللّه و آسى أخاه بنفسه و لم یكل قرنه إلى أخیه فیكسب بذلك لائمة و یأتی به دناءة و أنی لا یكون هذا هكذا و هذا یقاتل اثنین و هذا ممسك بیده یدخل قرنه على اخیه هاربا منه او قائما ینظر الیه من یفعل هذا یمقته اللّه عزّ و جل فلا تعرّضوا لمقت اللّه سبحانه فانما مردّكم الى اللّه قال اللّه عزّ من قائل لقوم « لن ینفعكم الفرار إن فررتم من الموت او القتل و إذا لا تمتعون إلاّ قلیلا » و ایم اللّه لئن سئلتم « سلمتم ظ » من سیف العاجلة لا تسلمون من سیف الآخرة استعینوا بالصدق و الصبر فان بعد الصبر ینزل اللّه النصر .

    أقول كلامه علیه السّلام هذا مذكور فی نهج البلاغة فی باب الخطب مع اختلاف فی الكم و بعض الالفاظ و الجمل و اوّله : فقدّموا الدارع و أخروا الحاسر و عضّوا على الاضراس فانه ابنا للسیوف إلى آخره و لنعد إلى القصة :

    قال المسعودى فی مروج الذهب : و خرج فی الیوم التاسع علىّ و هوم یوم الخمیس و خرج معاویة فاقتتلوا إلى ضحوة من النهار و برز أمام الناس عبید اللّه بن عمر ابن الخطاب فی أربعة آلاف من الحضریة معمّمین بشق الحریر الاخضر متقدمین للموت یطلبون بدم عثمان و ابن عمر یقدمهم و هو یقول :


    ادامه مطلب


  • نظرات() 
  • ادامه تفاسیر نهج البلاغه

    [ 271 ]

    یزولوا و قاتلوا قتالا شدیدا .

    فلما رأى خالد بن المعمر ناسا من قومه انصرفوا انصرف فلما رأى أصحاب الرایات قد ثبتوا و رأى قومه قد صبروا رجع و صاح بمن انهزم و أمرهم بالرجوع فقال من أراد من قومه أن یتهمه اراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلینا و قال هو لما رأیت رجالا منا انهزموا رأیت أن أستقبلهم و أردهم إلیكم و اقبلت إلیكم فیمن أطاعنى منهم فجاء بأمر مشبه .

    قال أبو مخنف حدثنى رجل من بكر بن وائل عن محرز بن عبد الرّحمن العجلى أن خالدا قال یومئذ یا معشر ربیعة إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أتى بكل رجل منكم من منبته و مسقط رأسه فجمعكم فی هذا المكان جمعا لم یجمعكم مثله منذ نشركم فی الأرض فإن تمسكوا بایدیكم و تنكلوا عن عدوكم و تزولوا عن مصافكم لا یرضى اللّه فعلكم و لا تقدموا من الناس صغیرا أو كبیرا الا یقول فضحت ربیعة الذمار و حاصت عن القتال و اتیت من قبلها العرب فإیاكم أن تتشأم بكم العرب و المسلمون الیوم و انكم إن تمضوا مقبلین مقدمین و تصیروا محتسبین فإن الاقدام لكم عادة و الصبر منكم سجیة و اصبروا و نیتكم أن توجروا فإن ثواب من نوى ما عند اللّه شرف الدنیا و كرامة الآخرة و لن یضیع اللّه أجر من أحسن عملا .

    فقام رجل فقال ضاع و اللّه أمر ربیعة حین جعلت إلیك امورها تأمرنا ألا نزول و لا نحول حتّى تقتل أنفسنا و تسفك دماءنا ألا ترى الناس قد انصرف جلّهم .

    فقام إلیه رجال من قومه فنهروه و تناولوه بألسنتهم فقال لهم خالد أخرجوا هذا من بینكم فان هذا إن بقى فیكم ضرّكم و إن خرج منكم لم ینقصكم هذا الذى لا ینقص العدد و لا یملا البلد برحك اللّه من خطیب قوم كرام كیف جنبت السداد .

    و اشتد قتال ربیعة و حمیر و عبید اللّه بن عمر حتّى كثرت بینهم القتلى فقتل سمیر ابن الریان بن الحارث العجلى و كان من أشد الناس بأسا .

    قال أبو مخنف حدثنى جعفر بن أبی القاسم العبدى عن یزید بن علقمة عن زید بن بدر

    [ 272 ]

    العبدى أن زیاد بن خصفة أتى عبد القیس یوم صفین و قد عبیت قبائل حمیر مع ذى الكلاع و فیهم عبید اللّه بن عمر بن الخطاب لبكر بن وائل فقوتلوا قتالا شدیدا خافوا فیه الهلاك فقال زیاد بن خصفة یا عبد القیس لا بكر بعد الیوم فركبنا الخیول ثمّ مضینا فواقفنا .

    فما لبثنا إلا قلیلا حتّى اصیب ذو الكلاع و قتل عبید اللّه بن عمر فقالت همدان قتله هانى‏ء بن خطاب الارحبى و قالت حضر موت قتله مالك بن عمرو التنعى و قالت بكر بن وائل قتله محرز بن الصحصح من بنی عائش بن مالك بن تیم اللّه بن ثعلبة و أخذ سیفه ذا الوشاح فأخذ به معاویة بالكوفة بكر بن وائل فقالوا إنما قتله رجل منا من أهل البصرة یقال له محرز بن الصحصح فبعث إلیه بالبصرة فأخذ منه السیف و كان رأس النمر بن قاسط عبد اللّه بن عمرو من بنی تمیم .

    قال هشام بن محمّد الذی قتل عبید اللّه بن عمر محرز بن الصحصح و أخذ سیفه ذا الوشاح سیف عمرو فی ذلك قول كعب بن جعیل التغلبی :

    ألا إنما تبكى العیون لفارس
    بصفین أجلت خیله و هو واقف

    یبدل من اسماء أسیاف وائل
    و كان فتى لو أخطأته المتالف

    تركن عبید اللّه بالقاع مسندا
    تمجّ دم الخرق العروق الذّوارف

    أقول : ان اسماء فی البیت الثانی هى زوجة عبید اللّه بن عمر كما سیأتی عنقریب و لنعد إلى القصة .

    و قتل منهم یومئذ بشر بن مرة بن شرحبیل و الحارث بن شرحبیل و كانت اسماء ابنة عطارد بن حاجب التمیمی تحت عبید اللّه بن عمر ثمّ خلف علیها الحسن بن علیّ علیهما السّلام .

    قال أبو مخنف حدثنى ابن أخی غیاث بن لفیط البكرى أن علیّا علیه السّلام حیث انتهى إلى ربیعة تبارت ربیعة بینها فقالوا إن اصیب علىّ فیكم و قد لجأ إلى رایتكم افتضحتم و قال لهم شقیق بن ثور یا معشر ربیعة لا عذر لكم فی العرب إن وصل إلى علیّ علیه السّلام فیكم و فیكم رجل حىّ و إن منعتموه فمجد الحیاة اكتسبتموه فقاتلوا قتالا

    [ 273 ]

    شدیدا حین جاءهم علیّ علیه السّلام لم یكونوا قاتلوا مثله ففی ذلك قال علیّ علیه السّلام .

    لمن رایة سوداء یخفق ظلّها
    إذا قیل قدمها حضین تقدما

    یقدّمها فی الموت حتّى یزیرها
    حیاض المنایا تقطر الموت و الدّما

    أذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا
    بأسیافنا حتى تولى و أحجما

    جزى اللّه قوما صابروا فی لقائهم
    لدا الموت قوما ما أعف و اكرما

    و اطیب أحبارا و أكرم شیمة
    إذا كان أصوات الرّجال تغمغما

    ربیعة اعنی انهم أهل نجدة
    و بأس إذا لاقوا جشیما عرمرما

    مقتل أبى الیقظان عمار بن یاسر رضوان الله علیه و نسبه و اسلامه و طائفة ما جاء فیه من الاخبار و الاحوال

    هو ( ره ) من كبار الفقهاء و عظام العلماء ، صحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أخذ منه و من علیّ علیه السّلام معالم الدین و معارف الیقین و كان من شیعة أمیر المؤمنین و قتله الفئة الباغیة فی صفّین مجاهدا فی سبیل اللّه ناصرا لولیه خیر خلقه بعد رسوله علیّ علیه السّلام و سیتّضح لك جلالة شأنه و علوّ مقامه و ثبات قدمه فی الدین و خلوصه فی حبّ علیّ أمیر المؤمنین علیه السّلام بما نذكر من الأخبار المأثورة عن الفریقین ، و فی الدر المنثور : و كان أبو هریرة یقول إن عمار بن یاسر أجاره اللّه من الشیطان على لسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله .

    و قال ابن هشام فی السیرة اسلم قبل الهجرة فی مكّة بدعوة أبی بكر و قال فی موضعین من كتابه السیرة النبویة 1 : عمار بن یاسر عنسى من مذحج ، حلیف بنی مخزوم بن یقظة .

    و قال المسعودی فی مروج الذهب و قد تنوزع فی نسبه فمن الناس من الحقه ببنی مخزوم و منهم من رأى أنه من حلفائهم و منهم من رأى غیر ذلك .

    و عمار و الحویرث « مصغر حارث » و عبود : بنو یاسر ، و من ولد عمار عبد اللّه

    -----------
    ( 1 ) ص 261 ج 1 و ص 683 ج 1 طبع 1357 ه .

    [ 274 ]

    ابن سعد و هو المقتول بالاندلس قتله عبد الرّحمن بن معاویة ، و یكنى عمار ( ره ) بأبی الیقظان .

    قال الواقدی و ابن الاثیر فی اسد الغابة و طائفة من أهل العلم بالنسب و الخبر إنّ یاسرا والد عمار عرنی قحطانی مذحجى من عنس فى مذحج إلا أن ابنه عمارا مولى لبنی مخزوم لأن أباه یاسرا تزوج امة لبعض بنی مخزوم فولدت له عمارا و ذلك أن یاسرا والد عمار قدم مكة مع أخوین له ، أحدهما یقال له الحارث و الثانی مالك فرجع الحارث و مالك إلى الیمن و أقام یاسر بمكة فحالف أبا حذیفة ابن المغیرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم فزوجه أبو حذیفة أمة له یقال لها سمیة « على التصغیر » بنت خیاط فولدت له عمار فاعتقه أبو حذیفة فمن هذا هو عمار مولى لبنی مخزوم ، و للحلف و الولاء الذی بین بنی مخزوم و ابن عمار و أبیه یاسر كان اجتماع بنی مخزوم إلى عثمان حین نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق فی بطنه فاجتمعت بنو مخزوم و قالوا و اللّه لئن مات ما قتلنا به أحدا غیر عثمان .

    و كان اسم أبی حذیفة مولى سمیة : مهشم ، و هو عم أبى جهل و قال بعض أهل التحقیق : قد غلط ابن قتیبة فیها فزعم ان الازرق مولى الحارث بن كلدة خلف علیها بعد یاسر فولدت له سلمة بن الازرق ، و الصحیح أن ام سلمة بن الأزرق سمیة اخرى و هى ام زیاد بن أبى سفیان لا ام عمار .

    قال أبو جعفر الطبرى فى تاریخه ( ص 428 ج 3 طبع 1357 ه ) : كتب إلى السریّ عن شعیب عن سیف عن عبد اللّه بن سعید بن ثابت و یحیى بن سعید قالا سأل سائل سعید بن المسیب عن عمار بن یاسر ما دعاه إلى الخروج على عثمان ؟ قال كان بینه و بین عبّاس بن عتبة ابن أبى لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذاك بین آل عمار و آل عتبة شرا حتى الیوم و كنا عما ضربا علیه و فیه .

    و قال الشارح المعتزلى فى الجزء الثانى من شرحه : فضربهما عثمان فاورث ذلك تعادیا بین عمار و عثمان و قد كانا تقاذفا قبل ذلك

    [ 275 ]

    أقول : و فی كثیر من أسفار الفریقین أن عثمان بن عفان ضربه حتى غشى علیه و أنه أمر غلمانه فمدّوا بیدیه و رجلیه ثمّ ضربه برجلیه و هما فی الخفین على مذاكیره فاصابه الفتق و كسر ضلعا من اضلاعه ، و هذا هو غیر مختلف فیه بین رواة الفریقین و انما اختلفوا فی سببه و لعلنا نأتی بها فی مباحثنا الآتیة إن شاء اللّه تعالى و هذا احد المطاعن الواردة على عثمان بلا كلام و من اعذره فیه فقد تعصب فیه و تعسف و ما له فی قوله بسلطان .

    و قال غیر واحد من المفسرین و منهم الطبرسی فی مجمع البیان ان قوله تعالى من كفر باللَّه من بعد إیمانه إلاّ من اُكره و قلبه مطمئن بالایمان ( الآیة 106 من النحل ) نزل فی جماعة اكرهوا و هم عمار و یاسر أبوه و امه سمیة و صهیب و بلال و خباب عذبوا و قتل أبو عمّار یاسر و امّه سمیّة و اعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ثم أخبر سبحانه بذلك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال قوم كفر عمار فقال صلّى اللّه علیه و آله كلاّ إنّ عمارا ملى‏ء إیمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الایمان بحلمه و دمه و جاء عمّار إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هو یبكى فقال صلّى اللّه علیه و آله و ما ورائك فقال شرّ یا رسول اللّه ما تركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخیر فجعل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یمسح عینیه و یقول إن عادوا لك فعدلهم بما قلت فنزلت الآیة عن ابن عبّاس و قتادة ، و كذا فی اسد الغابة باسناده إلى علیّ بن أحمد بن متویه .

    و فی كتاب نصر بن مزاحم باسناده عن محمّد بن مروان عن الكلبى عن أبی صالح عن ابن عبّاس فی قول اللّه عزّ و جل و من الناس من یشری نفسه ابتغاء مرضات اللَّه و اللَّه رؤف بالعباد قال نزلت فی رجل و هو صهیب بن سنان مولى عبد اللّه بن جذعان أخذه المشركون فی رهط من المسلمین فیهم خیر مولى قریش لبنی الحضرمی و خبّاب بن الارتّ مولى ثابت بن ام انمار و بلال مولى أبی بكر و عایش مولى حویطب بن عبد العزى و عمار بن یاسر و ابى عمار و سمیة امّ عمار فقتل أبو عمار و امّ عمار و هما اوّل قتیلین قتلا من المسلمین و عذب الآخرون بعد ما خرج النبیّ صلّى اللّه علیه و آله من مكة إلى المدینة فأرادوهم على الكفر .

    [ 276 ]

    فاما صهیب فكان شیخا كبیرا ذا متاع فقال للمشركین هل لكم إلى خیر ؟

    فقالوا ما هو ؟ قال : أنا شیخ كبیر ضعیف لا یضركم منكم كنت او من عدوّكم و قد تكلمت بكلام أكره أن انزل عنه فهل لكم أن تأخذوا مالى و تذرونی و دینی ففعلوا فنزلت هذه الایة ، فلقاه أبو بكر حین دخل المدینة فقال : ربح البیع یا صهیب ، و قال : و بیعك لا یخسر و قرأ هذه الایة ففرح بها .

    و أما بلال و خبّاب و عایش و عمّار و أصحابهم فعذّبوا حتى قالوا بعض ما أراد المشركون ثمّ ارسلوا ففیهم نزلت هذه الایة و الذین هاجروا فی اللَّه من بعد ما فتنوا لنبوئنّهم فی الدنیا حسنة و لأجر الاخرة أكبر لو كانوا یعلمون .

    أقول : اكثر المفسرین ذهبوا إلى أن الایة الاولى نزلت فی علیّ علیه السّلام لیلة المبیت و ان ما نزل فی عمار و أصحابه آیة النحل الماضیة و لا بعد أن یقال أن الراوی سهى فی ذلك و اخذ آیة و من الناس من یشری مكان آیة من كفر باللَّه من بعد ایمانه و اللّه تعالى یعلم .

    و فی السیرة الهشامیة ( ص 319 ج 1 طبع مصر 1375 ه ) فی تعذیب قریش لعمار بن یاسر و تصبیر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله له : قال ابن اسحاق و كانت بنو مخزوم یخرجون بعمار بن یاسر و بأبیه و امه و كانوا أهل بیت اسلام إذا حمیت الظهیرة یعذبونهم برمضاء مكّة فیمرّ بهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیقول فیما بلغنی : صبرا آل یاسر ، موعدكم الجنة فأمّا امّه فقتلوها و هی تابی إلاّ الاسلام .

    و روى غیره أن عمارا قال لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ فقال له النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله : صبرا أبا الیقطان ، ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله اللهم لا تعذب أحدا من آل عمار بالنار .

    و روى الفریقان أن یاسرا و سمیة أبوى عمار رضوان اللّه علیهم أول شهیدین فی الاسلام بل قیل أوّل شهید استشهد فی الاسلام امّ عمّار سمیة طعنها أبو جهل بطعنة فی قبلها أو فی قلبها على اختلاف النسخ .

    و فی اسد الغابة و كان اسلام عمار بعد بضعة و ثلاثین رجلا و هو و أبوه و امّه من السابقین و اسلم عمار و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی دار الارقم هو و صهیب بن سنان فی وقت واحد .

    و فیه : قال عمار لقیت صهیب بن سنان على باب دار الأقم و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله

    [ 277 ]

    فیها فقلت ما ترید ؟ فقال و ما ترید أنت ؟ فقلت اردت أن ادخل على محمّد و أسمع كلامه فقال و أنا ارید ذلك فدخلنا علیه فعرض علینا الاسلام فأسلمنا .

    أقول : أرقم هذا هو أرقم بن أبی الأرقم و اسم أبى الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم القرشی المخزومی كان من السابقین الاولین إلى الاسلام قیل كان ثانی عشر .

    و فی مجالس المؤمنین للقاضی نور اللّه الشهید ( ره ) نقلا عن الاستیعاب اسلم أرقم بعد سبعة أو عشرة .

    و كان من المهاجرین الأولین و هو الّذی استخفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی داره و هی فی أصل الصفا و المسلمون معه بمكة لما خافوا المشركین فلم یزالوا بها حتّى كملوا أربعین رجلا و كان آخرهم اسلاما عمر بن الخطاب فلما كملوا به أربعین خرجوا و توفى الارقم سنة ثلاث و خمسین و هو ابن ثلاث و ثمانین سنة ، و لنعد إلى القصة :

    و فی اسد الغابة باسناده إلى علقمة عن خالد بن الولید قال كان بینی و بین عمار كلام فاغلظت له فی القول فانطلق عمّار یشكونی إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فجاء خالد و هو یشكوه إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال فجعل یغلظ له و لا یزیده إلاّ غلظة و النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ساكت لا یتكلم فبكى عمار و قال یا رسول اللّه ألا تراه فرفع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله رأسه و قال من عادى عمارا عاداه اللّه و من أبغض عمارا أبغضه اللّه ، قال خالد فخرجت فما كان شی‏ء احب إلىّ من رضى عمار فلقیته فرضى .

    و فیه باسناده عن عطاء بن یسار عن عائشة قالت قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما خیر عمار بین أمرین الا اختار أرشدهما .

    و فی كتاب نصر بن مزاحم باسناده عن هانی بن هانی عن علیّ علیه السّلام قال :

    جاء عمار بن یاسر یستأذن على النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال ائذنوا له مرحبا بالطیب ابن الطیب .

    و فی اسد الغابة : مرحبا بالطیب المطیب .

    و فی كتاب نصر : قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لقد ملى عمار ایمانا إلى مشاشه

    [ 278 ]

    و قال صلّى اللّه علیه و آله ان الجنة لتشتاق إلى ثلاثة : علىّ و عمار و سلمان .

    شهد عمار قتال مسیلمة الكذاب و اصیبت اذنه یوم الیمامة فقطعت و تدلّت على كتفه ففی مجالس المؤمنین للقاضی نور اللّه و فی اسد الغابة لابن الاثیر باسناده عن ابن عمر قال رأیت عمّار بن یاسر یوم الیمامة على صخرة قد اشرف یصیح یا معشر المسلمین و كانوا قد هربوا من الحرب أمن الجنة تفرّون إلىّ إلىّ أنا عمّار ابن یاسر هلموا إلىّ قال و أنا أنظر إلى اذنه قد قطعت فهى تذبذب و هو یقاتل أشد القتال .

    أقول : اما أن ما عنون فی الكتب الرجالیة فی كنیته رضوان اللّه علیه بأبی الیقظان فما وجدت فی كتاب أن یكون له ولد كان اسمه یقظان حتّى یكنى بأبی الیقظان و جاء فی كتب الادب و اللغة أن أبا الیقظان یكون كنیة للدّیك و ظنى أن عمار رضوان اللّه علیه لما كان رجلا نبیها یقظان عارفا بدین اللّه كنّى به و كان أیضا فی الحروب بطلا فحلا و شجاعا یهابه النّاس و كمّیا لم یر فى معسكر علیّ علیه السّلام بعد الأشتر مثله بل هو ممن قاتل فى سبیل اللّه من بدء ظهور الاسلام إلى یوم صفین فى المشاهد ممّا یتحیّر فیه العقول فى ثباته فى الدین و خلوصه و كان یتقیه و یحذره الابطال فى المعارك و المهالك ، كنى بأبى الیقظان كما نقول نحن فى الفارسیّة بالرجل الشجاع المصارع ، خروس جنگى ، و هذا ممّا تفردت به و لم اجده فى كتاب و ما سمعت من أحد و اللّه هو العالم .

    و هاجر عمار إلى أرض الحبشة و قال ابن هشام فى السیرة : فلمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما یصیب أصحابه من البلاء و ما هو فیه من العافیة بمكانه من اللّه و من عمه أبى طالب و أنّه لا یقدر على أن یمنعهم ممّا هم فیه من البلاء ، قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكا لا یظلم عنده أحد و هى أرض صدق حتّى یجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فیه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة و فرارا إلى اللّه بدینهم فكانت أوّل هجرة كانت فى الاسلام « إلى أن قال » فى ( ص 330 ج 1 طبع 1375 ه ) بعد عدّ من هاجر من المسلمین إلى الحبشة : فكان

    [ 279 ]

    جمیع من لحق بأرض الحبشة و هاجر إلیها من المسلمین سوى ابنائهم الّذین خرجوا بهمم معهم صغارا و ولدوا بها ثلاثة و ثمانین رجلا ، إن كان عمار بن یاسر فیهم و هو یشك فیه .

    و كذا قال فی ذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم اسلام أهل مكة ، بعد عد عدّة منهم : و من حلفاء بنی مخزوم : عمار بن یاسر ، یشكّ فیه أكان خرج إلى الحبشة أم لا ؟

    و لقد شهد عمار رحمه اللّه تعالى بدرا و المشاهد كلها و أبلى ببدر بلاء حسنا و قتل فی بدر كما فی السیرة الهشامیة عامر ابن الحضرمیّ و رجلا شجاعا آخر أحد بنی عمرو بن تمیم و علیّ بن امیّة بن خلف .

    قال ابن هشام : و یقال إن زید بن حارثة و عمار بن یاسر قتلا معاویة بن المغیرة بعد حمراء الأسد ، كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث و توارى فبعثهما النّبی صلّى اللّه علیه و آله و قال إنكما ستجد انه بموضع كذا و كذا فوجداه فقتلاه .

    و فی غزوة ذات الرقاع كان عمار بن یاسر و عبّاد بن بشر 1 قاما على حراسة جیش الرسول صلّى اللّه علیه و آله و اصیبا فی ذلك من الالم و الاذى .

    فی السیرة الهشامیة : قال ابن إسحاق و حدثنی عمّی صدقة بن یسار عن عقیل بن جابر عن جابر بن عبد اللّه الانصاری قال :

    خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركین فلما انصرف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قافلا أتى زوجها و كان غائبا فلما اخبر الخبر حلف لا ینتهى حتّى یهریق فی أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله دما فخرج

    -----------
    ( 1 ) قال ابن حجر فى التقریب : عباد بن بشر بن وقش ( بفتح الواو و القاف و بمعجمة ) الانصارى من قدماء الصحابة اسلم قبل الهجرة و شهد بدرا و ابلى یوم الیمامة ( یعنى یوم قتال المسلمین مع مسیلمة بن حبیب المتنبى الكذاب فى الیمامة بعد رحلة رسول اللّه « ص » ) فاستشهد بها .

    [ 280 ]

    یتبع أثر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فنزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله منزلا فقال من رجل یكلؤنا لیلتنا هذه ؟ قال فانتدب رجل من المهاجرین و رجل آخر من الانصار فقالا نحن یا رسول اللّه ، قال فكونا فی فم الشعب ، قال و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد نزلوا إلى شعب من الوادى و هما عمار بن یاسر و عباد بن بشر فیما قال ابن هشام .

    قال ابن إسحاق فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الانصاری للمهاجرى « یعنی قال عباد بن بشر لعمار بن یاسر » أى اللیل تحب أن أكفیكه : أوّله أم آخره ؟ قال بل اكفنى أوله قال فاضطجع المهاجرى فنام و قام الأنصاری یصلّى قال : و أتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف انه ربیئة القوم « اى الطلیعة الذی یحرس القوم » قال فرمى بسهم فوضعه فیه ، قال : فنزعه و وضعه ، فثبت قائما ،

    قال : ثمّ رماه بسهم آخر فوضعه فیه ، قال فنزعه فوضعه ، و ثبت قائما ، ثمّ عادله بالثالث ، فوضعه فیه ، قال : فنزعه فوضعه ثمّ ركع و سجد ، ثمّ أهبّ صاحبه « یعنی أیقظ عمارا » فقال اجلس فقد أثبتّ « یعنی جرحت جرحا لا یمكن التحرك معه » قال : فوثب فلمّا رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به « أى علما به » فهرب .

    و لما رأى المهاجری ما بالأنصاری من الدماء ، قال : سبحان اللّه أفلا أهببتنی أول ما رماك ؟ قال : كنت فی سورة أقرؤها فلم احب أن أقطعها حتى أنفدها فلما تابع على الرمى ركعت فاذنتك و ایم اللّه لو لا أن اضیع ثغرا أمرنى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بحفظه لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفدها .

    و فی السیرة الهشامیة ایضا فی تكنیة الرسول صلّى اللّه علیه و آله لعلی علیه السّلام بأبى تراب فی غزوة العشیرة :

    قال ابن إسحاق فحدثنی یزید بن محمّد بن خیثم المحاربى عن محمّد بن كعب القرظی عن محمّد بن خیثم أبی یزید عن عمار بن یاسر ، قال :

    كنت أنا و علىّ بن أبی طالب رفیقین فی غزوة العشیرة فلما نزلها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أقام بها رأینا اناسا من بنی مدلج یعملون فی عین لهم و فی نخل فقال لی علیّ بن أبی طالب یا أبا الیقظان هل لك فی أن تأتی هؤلاء القوم فنظر كیف یعملون ؟ قال

    [ 281 ]

    قلت إن شئت ، قال فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثمّ غشینا النوم فانطلقت أنا و علیّ حتّى اضطجعنا فی صور من النخل و فی دقعاقعاء من التراب فنمنا فو اللَّه ما أهبّنا إلا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله یحركنا برجله و قد تترّبنا من تلك الدقعاء التی نمنا فیها فیومئذ قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله لعلیّ بن أبیطالب مالك یا أبا تراب لما یرى علیه من التراب ثمّ قال ألا احدّثكما بأشقى النّاس رجلین ؟ قلنا : بلى یا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله قال : احیمر ثمود الذی عقر النّاقة و الذی یضر بك یا علی على هذه و وضع یده على قرنه حتّى یبلّ منها هذه و أخذ بلحیته . « احیمر ثمود هو الذى عقر ناقة صالح و اسمه قدار بن سالف » .

    و فی السیرة الهشامیة ( ص 392 ج 1 طبع 1375 ه ) قال ابن إسحاق و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إذا جلس فی المسجد فجلس إلیه المستضعفون من أصحابه : خبّاب و عمّار ، و أبو فكیهة یسار مولى صفوان بن امیّة بن محرّث ، و صهیب و أشباههم من المسلمین هزئت بهم قریش و قال بعضهم لبعض هؤلاء أصحابه كما ترون أهولاء منّ اللَّه علیهم من بیننا بالهدى و الحق لو كان ما جاء به محمّد صلّى اللَّه علیه و آله خیرا ما سبقنا هؤلاء إلیه و ما خصّهم اللَّه به دوننا فأنزل اللَّه تعالى فیهم : و لا تطرد الذین یدعون ربهم بالغداة و العشى یریدون وجهه إلى قوله تعالى فانّه غفور رحیم ( سورة الانعام من الآیة 53 إلى 55 ) .

    و لما آخى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بین أصحابه من المهاجرین و الأنصار كان عمار ابن یاسر و حذیفة بن الیمان اخوین ، و یقال عمار و ثابت بن قیس كانا اخوین ،

    و فی الدر المنثور كما فی مادّة « عمر » من سفینة البحار : و كان أبو هریرة یقول إن عمار بن یاسر أجاره اللَّه من الشیطان على لسان نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله .

    و لما هاجر رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إلى المدینة أمر صلّى اللَّه علیه و آله أن یبنى فی المدینة مسجدا و فی السیرة الهشامیة ( ص 496 ج 1 ) و نزل رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله على أبی أیّوب حتى بنى مسجده و مساكنه فعمل فیه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله لیرغّب المسلمین فی العمل فیه فعمل فیه المهاجرون و الأنصار و دأبوا فیه ، « إلى أن قال : » فدخل عمار بن یاسر و قد

    [ 282 ]

    أثقلوه باللّبن ، فقال : یا رسول اللَّه قتلونی ، یحملون علىّ ما لا یحملون . قالت امّ سلمة زوج النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فرأیت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ینفض و فرته بیده و كان رجلا جعدا و هو صلّى اللَّه علیه و آله یقول : ویح ابن سمیة ، لیسوا بالّذین یقتلونك انما تقتلك الفئة الباغیة .

    و فی تاریخ الطبرى : الناس ینقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و عمار ینقل حجرین حجرین و لبنتین لبنتین رغبة فی الأجر و سیأتی تفصیله ثمّ قال ابن هشام و ارتجز علیّ بن أبیطالب علیه السّلام یومئذ :

    لا یستوى من یعمر المساجدا
    یدأب فیه قائما و قاعدا

    و من یرى عن الغبار حائدا

    فأخذها عمار بن یاسر فجعل یرتجز بها فلما أكثر ظن رجل من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إنّما یعرّض به ، فقال له الرجل سمعت ما تقول منذ الیوم یا ابن سمیّة و اللَّه إنی لأرانی سأعرض هذه العصا لأنفك ، و فی یده عصا ، فغضب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ثمّ قال : ما لهم و لعمّار یدعوهم إلى الجنة و یدعونه إلى النار ، و إن عمارا جلدة ما بین عینیّ و أنفی فاذا بلغ ذلك من الرّجل فلم یستبق فاجتنبوه .

    أقول : ذلك الرجل هو عثمان بن عفان كما صرّح به غیر واحد من الفریقین و قال السهیلی و قد سمى ابن إسحاق الرّجل و كره ابن هشام أن یسمّیه كى لا یذكر أحدا من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بمكروه ، و قال أبوذر : و قد سمى ابن إسحاق الرجل فقال إن هذا الرجل هو عثمان بن عفان . و فی المواهب اللدنیة ان الرجل هو عثمان ابن مظعون و هو خطأ جدا و ظن محض لا یساعده خبر و لا أثر و عدل إلیه لبعض شأنه .

    قال ابن هشام فی السیرة : و ذكر سفیان بن عیینة عن زكریا عن الشّعبی قال : إن أوّل من بنى مسجدا عمار بن یاسر .

    أقول : یعنی بهذا الحدیث مسجد قبا لأن عمارا هو الذی أشار على النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله ببنیانه و هو جمع الحجارة له فلما أسّسه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله استتم بنیانه عمار ، كما

    [ 283 ]

    فی روض الأنف ، و قال فی اسد الغابة : و من مناقبه أنه أوّل من بنى مسجدا فی الاسلام ، و قال باسناده عن الحكم بن عیینة قال قدم رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله المدینة أوّل ما قدمها ضحى فقال عمار ما لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بدّ من أن نجعل له مكانا إذا استظل من قائلته لیستظلّ فیه و یصلى فیه فجمع حجارة فبنى مسجد قبا فهو أوّل مسجد بنى و عمار بناه .

    و فی مادة « عمر » من سفینة البحار : عن أبی عبیدة بن محمّد بن عمار عن أبیه عن جدّه عمار قال كنت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فی بعض غزواته و قتل علیّ علیه السّلام أصحاب الألویة و فرّق جمعهم و قتل عمرو بن عبد اللَّه الجمحى و قتل شیبة بن نافع اتیت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فقلت یا رسول اللَّه إنّ علیّا علیه السّلام قد جاهد فی اللَّه حق جهاده فقال صلّى اللَّه علیه و آله لانه منى و أنا منه وارث علمی و قاضی دینی و منجز وعدى و الخلیفة بعدی و لولاه لم یعرف المؤمن المحض بعدی ، حربه حربی و حربی حرب اللَّه و سلمه سلمى و سلمی سلم اللَّه الا انه أبو سبطی و الأئمة بعدی من صلبه یخرج اللَّه تعالى الأئمة الراشدین و منهم مهدیّ هذه الامّة .

    فقلت بأبی أنت و امی یا رسول اللَّه ما هذا المهدی ؟


    ادامه مطلب


  • نظرات() 




  • آخرین پست ها


    آمار وبلاگ

    • کل بازدید :
    • بازدید امروز :
    • بازدید دیروز :
    • بازدید این ماه :
    • بازدید ماه قبل :
    • تعداد نویسندگان :
    • تعداد کل پست ها :
    • آخرین بازدید :
    • آخرین بروز رسانی :